← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31080

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (312 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كذلك فإن الأدلة العلمية التي تراكمت على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، وإذا تعرض هذا التوازن إلى الاختلال في أية نقطة على سطح الأرض؛ ف إ ن تعديله يتم مباشرة بتحرك القدر المناسب من الصهارة في نقاط الضعف الأرضي تحت نقطة الاختلال مباشرة منها أو إليها، ومن هذه الأدلة أن القشرة الأرضية تنخفض إلى أسفل على هيئة منخفضات أرضية عند تعرضها لأحمال زائدة، وترتفع إلى أعلى على هيئة نتوءات أرضية عند إزالة تلك الأحمال عنها، ويتم ذلك بما يسمى التضاغط والارتداد التضاغطي المرتد الذي يتم من أجل المحافظة على الاتزان الأرضي؛ ومن أمثلة ذلك ما ينتج عن تجمع الجليد بسمك كبير على اليابسة، ثم انصهار هـ، أو عند تخزين الماء بملايين الأمتار المكعبة أمام السدود ثم تصريفه، أو بتراكم ملايين الأطنان من الترسيبات أمام السدود ثم إزالتها، أو بتساقط نواتج الثورات البركانية العنيفة حول عدد من فوهات البراكين ثم تعريتها. ففي العهد الحديث من عمر الأرض بدأت في الانصهار تراكمات الجليد السميكة التي كانت قد تجمعت على بعض أجزاء اليابسة من نصف الكرة الشمالي منذ نحو مليوني سنة، ونتيجة لذلك بدأت الأرض بالارتفاع التدريجي في مناطق الانصهار التدريجي للجليد؛ لتحقيق التوازن التضاغطي المرن للأرض؛ وهو من سنن الله فيها، وقد بلغ ارتفاع الأرض بذلك ٣٣٠ متر ً افي منطقة خليج هتسون في شمال أمريكا الشمالية، ونحو مائ ة من الأمطار حول بحر البلطيق حيث لا يزال ارتفاع الأرض مستمرا، وأمام كثير من السدود التي أقيمت على مجاري الأنهار تسببت بلايين الأمتار المكعبة من المياه وملايين الأطنان من الرسوبيات التي تجمعت أمام تلك السدود في حدوث انخفاضات عامة في مناسيب المنطقة وزيادة ملحوظة في نشاطها الزلزالي، ويؤيد ذلك بأن ألواح الغلاف الصخري المكونة للقارات والتي

стр. 212

يتراوح سمك كل ٍّ منها بين المائة والمائة وخمسين كيلو مترا يغلب على تركيبها صخور ذات كثافة منخفضة نسبيا، بينما يغلب على تركيب ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان البحار والمحيطات صخور ذات كثافة عالية نسبيا؛ ولذلك لا يتجاوز سمك الواحد منها سبعين كيلو مترا فقط. وكل من ألواح الغلاف الصخري القارية والمحيطية يطفو فوق نقاط الضعف الأرضي الأعلى كثافة، وهو نطاق مرن شبه منصهر عالي اللزوجة؛ ولذلك فهو يتأثر بالضغوط فوقه ويتحرك استجابة لها. وفي المقابل فإن قشرة الأرض المكونة لكتل القارات يتراوح سمكها بين ٣٠ و٤٠ كيلو مترا تقريبا، ويغلب على تركيبها الصخور الجرانيتية والتي تغطى أحيانا بتتابعات رقيقة ومتفاوتة السمك من الصخور الرسوبية، ومتوسط كثافة الصخور الجرانيتية يبلغ ٢.٧ جرام للسنتيمتر المكعب، بينما يتراوح سمك قشرة الأرض المكونة لقيعان البحار والمحيطات بين ثمانية وخمسة كيلو مترات فقط، ويغلب على تركيبها الصخور البازلتية التي قد تتبادل مع الصخور الرسوبية، أو تتغطى بطبقات رقيقة منها، ويبلغ متوسط كثافة الصخور البازلتية ٢.٩ جرام للسنتيمتر المكعب؛ ولذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات. وبنفس هذا التصور يمكن تفسير الاختلاف في تضاريس سطح الأرض على أساس من التباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال تلك التضاريس؛ فالمرتفعات على سطح اليابسة لا بد وأن يغلب على تكوينها صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، ومن ثم فلا بد وأن يكون لها امتدادات من صخورها الخفيفة نسبيا في داخل الصخور الأعلى كثافة المحيطة بها، ومن هنا كان الاستنتاج بأن الجبال لا بد وأن لها جذورا عميقة تخترق الغلاف الصخري

стр. 213

للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهنا تحكمها قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، وقد أيدت قياسات عجلة الجاذبية الأرضية هذا الاستنتاج بإشارتها إلى ق م م أقل من المفرو ض نظري ًّ افي المناطق الجبلية، وإلى ق م م أعلى من المفروض في المنخفضات الأرضية وفوق قيعان البحار والمحيطات، وانكشاف جذور الجبال القديمة في أواسط القارات يعتبر من الشواهد المادية التي تثبت حدوث عمليات إعادة التعليل التضاغطي في الغلاف الصخري للأرض؛ وذلك لأنه مع بري عوامل التعرية لقمم تلك الجبال ظلت ترتفع إلى أعلى حتى ظهرت جذورها على سطح الأرض، وبفهم دورة حياة الجبال ثبت أن كل نتوء أرضي فوق مستوى سطح البحر له امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يتراوح طوله بين ١٠ و١٥ ضعف ارتفاعه الخارجي. وكلما كان الارتفاع فوق مستوى سطح البحر كبيرا تضاعف طول الجزء الغائر في الأرض امتدادا إ لى الداخل، وعلى ذلك فإن قم ة مثل: إفرست لا يكاد ارتفاعها فوق مستوى سطح البحر يصل إلى تسعة كيلو مترات لها امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يزيد عن المائة والثلاثين كيلو مترًا، ويختلق هذا الامتداد الداخلي لتلك السلسلة الجبلية الغلاف الصخري للأرض بالكامل ليطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق شبه منصهر؛ أي مرن عالي الكثافة واللزوجة تحكمه في ذلك قوانين الطفو تمامًا كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، فكلما برت عوامل التعرية قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال إلى أعلى، وتظل عملية الارتفاع تلك حتى يخرج جذر الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل؛ وحينئذ يتوقف الجبل عن الحركة، ويتم بريه حتى يصل سمكه إلى سمك اللوح الأرضي الذي يحمله؛ وبذلك يظهر جذر الجبل على سطح الأرض، وبه من الثروات الأرضية ما لا يمكن أن يتكون إلا تحت ظروف استثنائية من الضغط والحرارة لا تتوفر إلا تحت ظروف

стр. 214

مشابهة للبيئة في جذور الجبال. فسبحان الذي وصف الجبال من قبل ألف وأربعمائة سنة بالأوتاد، وهي لفظة واحدة تصف كلا من الشكل الخارجي للجبل وامتداده الداخلي ووظيفته؛ لأن الوتد أغلبه يدفن في الأرض وأقله يظهر على السطح، ووظيفته التثبيت، وقد جاءت علوم الأرض في العقود المتأخرة من القرن العشرين بالأدلة المادية التي تثبت أنه هكذا الجبال بعد أن ظل وصف الجبال إلى مشارف التسعينات من القرن العشرين قاصرًا على أنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض، واختلفوا في تحديد حد أدنى لارتفاع تلك النتوءات الأرضية اختلافا كبيرا بين ٣١٠ مترا و٦٢٠ مترا، وبين اعتباره تعبيرا محددا أو نسبيا يعتمد على تضاريس المنطقة. وفي السبق القرآني بوصف الجبال بأنها أوتاد تأكيد قاطع على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قِبل خالق السموات والأرض؛ حيث لم يكن لأحد من البشر أدنى إلمام بإمكانية وجود امتدادات داخلية للجبال، أو حتى مجرد التفكير في ذلك الأمر، ولا بدور الجبال في تثبيت الأرض إلا بعد نزول القران الكريم بأكثر من اثني عشر قرنًا، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا العلم غير الله الخالق -سبحانه- الذي أنزله على نبي أمي في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أيضا هناك آية أخرى في القرآن الكريم تقول:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿(النازعات: ٣٢، ٣٣) الجبل في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعا

стр. 215

ملحوظا يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض، وجمعه جبال وأجبال، ودونه في الارتفاع التل، ودون التل الربوة أو الرابية أو الأكمة وجمعها آكام، ودون الأكمة الهضبة، ودون الهضبة السهل، ودون السهل المنخفض. أما أرساها الفعل رسا يرسو فمعناه ثبت وقر، ويستخدم الفعل أرسى مجازا بمعنى تهدئة الأمور، وجاءت لفظة رواسي بهذا المعنى في القرآن الكريم؛ مثل قوله تعالى:﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ﴿(المرسلات: ٢٧) يعني جبال عالية مرتفعة. فإذا تتبعنا أقوال المفسرين في تفسير قول الحق -سبحانه-:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿نجد أن ابن كثير -يرحمه الله- ذكر ما مختصره؛ أي قرها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم العليم الرءوف بخلقه الرحيم، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها كل ذلك متاعا لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل. وجاء في تفسير (الجلالين) ما نصه: أثبتها على وجه الأرض لتثبت، متاعا مفعول له لمقدر؛ أي فعل ذلك متعة أو مصدر؛ أي تمتيعًا لكم ولأنعامكم جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم. وجاء في (الظلال) ما مختصره: وإرساء جبالها متاعا للإنسان وأنعامه، وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع. وجاء في (صفوة البيان لمعاني القرآن) ما نصه:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿؛ أي أرسى الجبال؛ أي أثبتها في الأرض؛ كي لا تميد وتضطرب، وقوله َ:﴾ أَرْسَاهَا ﴿تفسير للفعل المضمر قبله﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿؛ أي تمتيعا لكم ولأنعامكم. والآية تقريع لكفار مكة المنكرين للبعث زاعمين صعوبته بعد أن بين الله كمال سهولته بالنسبة إلى قدرته. وجاء في (المنتخب): والجبال ثبتها متاعا

стр. 216

لكم ولأنعامكم. وجاء في (صفوة التفسير) ما نصه:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿؛ أي والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها متاعا لكم ولأنعامكم؛ أي فعل ذلك كله منفعة للعباد، وتحقيقا لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم. من الدلالات العلمية لقوله تعالى:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ... ﴾ من الدلالات العلمية لقوله تعالى:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿ فهم المفسرون السابقون من قول الحق ﵎:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿أن الضمير في أرساها يعود على الجبال، ومن هنا قالوا: إن عملية الإرساء تتعلق بالجبال على أساس من أن الضمير في العربية يعود على أقرب اسم إليه، وانطلاقا من ذلك فقد فهموا من الآية الكريمة معنى تثبيت الجبال في الأرض وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بمن عليها فلا تميد ولا تضطرب. وهذا الكلام يحمل في طياته أيضا تثبيت الأرض؛ لأن ضمير الغائب في الآيتين السابقتين، والذي جاء أربع مرات يعود على الأرض، ولا يستبعد أن يكون كذلك في آية الجبال؛ حيث يقول ربنا -سبحانه-:﴾ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿(النازعات: ٣٠ - ٣٣) والصياغة هنا تحتمل معنى وبالجبال أرساها؛ فيكون المعنى إرساء الأرض بواسطة الجبال، بينما المعنى الأول يتعلق بإرساء الجبال على سطح الأرض، والمعنيان صحيحان صحة كاملة حسب معطيات علوم الأرض الحديثة؛ فالجبال مثبتة في الغلاف الصخري للأرض، وهي أيضا مثبتة لهذا الغلاف الصخري. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 217

الدرس: ١٧ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿والجبال أرساها ... ﴾ - قوله: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ .

стр. 218

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ... ﴾ - قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾) تتمة الحديث عن الدلالات العلمية لقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ... ﴾ الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: كنا قد بدأنا في الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين، أول ً ا: في فهم معنى ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٣٢) لمفهوم إرساء الجبال على سطح الأرض: في خلال القرنين الماضيين تراكمت الأدلة العلمية التي تُشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، على الرغم من التباين الواضح في تضاريس سطحه، ومعنى ذلك أن كتلة المادة متساوية عبر كل أنصاف أقطار الأرض الممتدة من مركزها إلى مختلف النقاط على سطحها مهما تباينت تضاريس السطح؛ سواء كانت النقطة التي انتهى إليها نصف القطر أعلى قمة جبلية أو أخفض نقطة في أغوار المحيطات، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بتباين كثافة الصخور المكونة للأجزاء المختلفة من الغلاف الصخري للأرض، فالسلاسل الجبلية العالية تتكون من صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، والمناطق المنخفضة تتكون من صخور أعلى كثافة من صخور المناطق المرتفعة. وقد أكد ذلك أن الجزء العلوي من الغلاف الصخري للأرض المعروف باسم قشرة الأرض يتباين كلٌّ من سمكه وكثافته في القارات عنها في قيعان البحار والمحيطات، فيتراوح سمك قشرة القارية بين ٣٠ و٤٠ كيلو متر ًا، ويبلغ على تركيبها الصخور الجرانيتية؛ بينما يتراوح سمك قشرة قاع المحيط بين ٨.٥ كيلو متر، ويبلغ على تركيبها الصخور البازلتية بمتوسط كثافته ٢.٩ جرام وسنتمتر مكعب. وبذلك تطفوا كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات، وبالمثل فإن ألواح الغلاف الصخري الحاملة للقارات يتراوح سمكها بين ١٠٠٠ و١٥٠ كيلو متر، ويغلب على تكوينها صخور ذات كثافة أقل نسبيًّا من الصخور المكونة لألواح قيعان البحار والمحيطات، والتي لا يتعدى سمكها ٧٠ كيلو مترًا.

стр. 219

وكلا الصنفين من الألواح المكونة لغلاف الأرض الصخري القارية والمحيطية يطفوا فوق نطاق أعلى كثافة، وهو نطاق شبه منصهر مرن يُعرف باسم نطاق الضعف الأرضي، وهذا النطاق يتأثر بالضغوط فوقه؛ نظرا لمرونته، فيتحرك إلى أسفل كلما زادت عليه الضغوط، وإلى أعلى كلما قلَّت. ويتم ذلك بعمليتين متعاكستين تُسمى الأولى منهما باسم التضاغط المرتد، وتُسمى الثانية باسم الارتداد التضاغطي المرتد، وتتمَّان للمحافظة على الاتزان الأرضي، فإذا ارتفع الجبل بصخوره الخفيفة نسبيًّا إلى قمم سابقة؛ فلا بد من إزاحة كمٍّ مساوٍ لكتلته من المادة شبه المنصهرة في نطاق الضعف الأرضي الموجود أسفل الجبل مباشرة، مما يساعد الصخور المكونة للجبل على الاندفاع إلى أسفل بارتدادات عميقة تُسمى تجاوزًا باسم جذور الجبال، وهذه الجذور الجبلية تخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل؛ لتطفوا في نطاق الضعف الأرضي، كما تطفوا جبال الجليد في مياه المحيطات يحكمها في الحالين قوانين الطفو. وبناء على كثافة الصخور المكونة للجبال بالنسبة إلى كثافة صخور نطاق الضعف الأرضي وكتلة الجبل نفسه يكون عمق الامتدادات الداخلية لصخور الجبل؛ أي: جذوره، وقد ثبت أن كل نتوءٍ على سطح الأرض له امتداد في داخلها يتراوح بين ١٠ و١٥ ضعف ارتفاع هذا النتوء فوق مستوى سطح البحر، وكلما زاد هذا الارتفاع الخارجي للتضاريس سطح الأرض زادت امتداداته الداخلية أضعافًا كثيرة، وهكذا تثبت الجبال على سطح الأرض بانغراسها في غلافها الصخري، وطفوها في نطاق الضعف الأرضي، كما تعين هي على تثبيت الأرض فتقلِّل من ترنحها في دورانها حول محورها، وتثبت ألواح الغلاف الصخري للأرض مع بعضها البعض بأوتاد الجبال، فتربط القارة بقاع المحيط.

стр. 220

فإذا استهلك قاع محيط فاصل بين قارتين، ارتطمت ال قارت ان ببعضهما، ونتج عن ذلك أعلى السلاسل الجبلية التي تربط بأوتادها القارتين المصطدمتين، فتقلل من حركة الألواح الصخرية الحاملة لهما، وبذلك تصبح الحياة على سطحي القارتين المرتطمتين أكثر استقرارًا، وكلما مرت عوامل التجوية واتحاد والتعرية قمة الجبل دفعته قوانين الطفو إلى أعلى؛ حتى يتم خروج جذور؛ يعني أوتاد الجبل من نطاق الضعف في الأرض بالكامل، وحينئذ يتوقف الجبل عن الارتفاع، وتستمر العوامل الخارجية في تعريته حتى يصل سمكه إلى سمك لوح الغلاف الصخري الذي يحمله، فيضم إلى باقي صخور القارة الموجودة في الموجود فيها على هيئة راسخ من رواسخ الأرض. ثانيًا: قوله ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ بمفهوم إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض بواسطة الجبال؛ اختلف العلماء في فهم دور الجبال في إرساء الأرض اختلافًا كبيرًا، وذلك لأن كتل الجبال على سطح الأرض على الرغم من ضخامتها تتضاءل أمام كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة ألاف مليون مليون طن، وكذلك فإن ارتفاع أعلى قمم الأرض، وهو أقل قليلًا من تسعة كيلو مترات لا يكاد يُذكر بجوار متوسط نصف قطر الأرض، فإذا جُمع ارتفاع أعلى قمم الأرض إلى أعمق أغوار المحيطات أكثر قليلًا من أحد عشر كيلو مترًا، فإنه لا يكاد يصل إلى كيلو متر، ونسبته إلى متوسط قطر الأرض لا تتعدى ٣%. من هنا يبرز التساؤل كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض بكتلتها الهائلة، وأبعادها الشاسعة في الوقت الذي لا تكاد كتلة وأبعاد الجبال أن تبلغ من ذلك شيئًا. في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين تمت بلورة مفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، فقد اتضح أن هذا الغلاف ممزق بشبكة

стр. 221

هائلة من الصدوع، تمتد إلى عشرات الآلاف من الكيلو مترات؛ لتحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين ٦٥ و١٥٠ كيلو مترًا، فتقسمه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفوا فوق نطاق الضعف الأرضي، وتتحرك في هذا النطاق من نطاق الأرض التيارات الحرارية على هيئة دوَّامات عاتية من تيارات الحمل تُدفع، أو تدفع بألواح الغلاف الصخري؛ لتباعد بينها عند أحد أطرافها، وتصدمها ببعض عند حوافها المقابلة لحواف التباعد، وتجعلها تنزلق عبر بعضها البعض عند الحافتين الأخرتين. ويعين على تسارع حركة ألواح الصخري للأرض دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، كما يعين على ذلك اندفاع الصهارى الصخرية لملايين الأطنان عبر الصدوع الفاصلة بين حدود الألواح المتباعدة عن بعضها البعض، فيتكون باستمرار أحزمة متوازية من الصخور البركانية التي تتوزَّع بانتظام حول مستويات الصدوع الفاصلة بين الألواح المتباعدة، في ظاهرة تُعرف باسم ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات. وتتكون الصخور الأحدث عمرًا حول مستويات التصدع المتباعدة باستمرار، وتدفع الصخور الأقدم عمرًا في اتجاه اللوح المقابل عند خط الاصطدام، وهنا يهبط قاع المحيط تحت القارة إذا كان اللوح المقابل يحمل قارة، ويتم ذلك بنفس معدل اتساع قاع المحيط في كل جهة من جهتي الاتساع حول مستوى تصدع وسط المحيط، الذي تتكوَّن حوله سلاسل من الجروف البركانية تمتدُّ فوق قاع المحيط بعشرات الآلاف من الكيلو مترات، وتُعرف باسم حواف أواسط المحيطات. وينتج عن هبوط قاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة تكوُّنُ أعمق أجزاء هذا المحيط على هيئة جب عميق يُعرف باسم الجب البحري، ونظرًا لعمقه

стр. 222

يتجمَّع في هذا الجب كم هائل من الرسوبات البحرية التي تتضاغط وتتلاحم، مكونة تتابعات سميكة جدًّا من الصخور الرسوبية، ويتبادل مع هذه الصخور الرسوبية ويتداخل فيها كمٌّ هائل من الصخور النارية التي تعمل على تحوُّل أجزاء منها إلى صهور متحولة. وتنتج الصخور البركانية عن الانصهار الجزئي لقاع المحيطات المندفع هابطًا تحت القارة، وتنتج الصخور المتداخلة عن كل من الصهارى الناتجة عن هذا الهبوط، وعن الإزاحة من نطاق الضعف الأراضي بدخول اللوح الهابط فيه. هذا الخليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة يُكشط باستمرار من فوق قاعِ المحيط الهابط بحركته المستمرة تحت اللوح الصخري الحامل للقارة، فيُطوى، ويتكسر هذا السمك الهائل من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة، ويضاف إلى حافة القارة مكونًا سلسلة، أو عددًا من السلاسل الجبلية ذات الجذور العميقة التي تربط كتلة القارة بقاع المحيط؛ فتهدّئ من حركة اللوحين، وتعين على استقرار اللوح الصخري الحامل للقارة استقرارًا، ولو جزئيًّا يسمح بإعماره، وتتوقف حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض بالكامل عندما تصل دورة ب ناء الجبال إلى نهايتها حين تتحرك قارتان مفصولتان بمحيط كبير في اتجاه بعضهما البعض حتى يستهلك قاع المحيط كاملًا بدخوله تحت إحدى القارتين حتى تصطدما، فيتكون بذلك أعلى السلاسل الجبلية ارتفاعًا، كما حدث عند ارتطام اللوح القاري الحامل للهند للوح القاري الحامل لقارتي آسيا وأوروبا، ونتج عن ذلك الارتطام تكون سلسلة جبال هملايا. من هنا اتضح دور الجبال في إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض وتثبيتها، ولولا ذلك ما استقامت الحياة على سطح الأرض أبدًا؛ لأن حركة هذه الألواح

стр. 223

كانت في بدء خلق الأرض على درجة من السرعة والعنف لا تسمح لتربة أن تتجمَّع، ولا لنبتة أن تنبت، ولا لحيوان أو إنسان أن يعيش، خاصة وأن سرعة دوران الأرض حول محورها كانت في القديم أعلى من معدلاتها الحالية بكثير، لدرجة أن طول الليل والنهار معًا عند بدئ خلق الأرض كان يُقدر بأربع ساعات فقط، وأن عدد الأيام في السنة كان أكثر من ألفين ومائتين يوم، وهذه السرعة الفائقة لدوران الأرض حول محورها كانت بلا شكّ تزيد من سرعة انزلاق ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق الضعف الأرض، وهي تُدفع أساسًا ب ظاهرة اتساع قيعان البحار، والمحيطات، وبملايين الأطنان من الصهارى الصخرية والحمم البركانية المندفعة عبر صدوع تلك القيعان، وبتسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض تسارعت الحركات البانية للجبال، وبتسارع بنائها هدأت حركة هذه الألواح وهيئت الأرض لاستقبال الحياة. وقبل مقدم الإنسان كانت غالبية ألواح الغلاف الصخري للأرض قد استقرت؛ لكثرة تكون السلاسل والمنظومات الجبلية، وأخذت الأرض هيئتها لاستقبال هذا المخلوق المقرر الذي حمَّله الله تعالى أمانة ومسئولية الاستخلاف في الأرض. تثبيت الحبال لكوكب الأرض بعد ذلك نأتي إلى عنصر آخر؛ وهو تثبيت الحبال لكوكب الأرض: تسائل العلماء عن إمكانية وجود دور الجبال في اتزان حركة الأرض ككوكب، وجعلها قرارًا صالحًا للحياة، وجاء الرد بالإيجاب؛ لأنه نتيجة لدوران الأرض حول محورها فإن القوة الطاردة المركزية الناشئة عن هذا الدوران تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض، مما يؤدِّي إلى التقليل من دور الجاذبية والعكس تمامًا يتم عند القطبين، ولذلك فإن الأرض انبعجت قليلًا عند خط الاستواء؛ حيث تقلُّ

стр. 224

قوة الجاذبية، وتطغى القوة الطاردة المركزية، وتفلطحت قليلًا عند القطبين؛ حيث تطغى قوة الجاذبية، وتتضاءل القوة الطاردة المركزية. ونتيجة لاستمرار هذه العمليات، فإن طول قُطر الأرض الاستوائي يزداد باستمرار، بينما يقلُّ طول قطرها القطبي، وإن كان ذلك يتم بمعدلات بطيئة جدًّا إلا أنه قد أخرج الأرض عن شكلها الكروي إلى شبه كروي، وشبه الكره لا يمكن لها أن تكون منتظمة في دورانها حول محورها؛ لأن الانبعاج الاستوائي للأرض يجعل محور دورانها يغيِّر اتجاهه رويدًا رويدًا في حركة معقدة مردُّها إلى تأثير جاذبية أجرام المجموعة الشمسية، وبخاصة الشمس والقمر على الأرض، وتُعرف هذه الحركة باسم الحركة البدارية، أو حركة الترن ح والبدارية، وتنشأ هذه الحركة عن ترنّح الأرض في حركة بطيئة تتمايل فيها من اليمين إلى اليسار بالنسبة إلى محورها العمودي الذي يكون لولبيًّا دون أن يُشير طرفاه الشمالي والجنوبي إلى نقطة ثابتة في الشمال أو في الجنوب. ونتيجة للتقدم أو التقهقر فإن محور دوران الأرض يرسم بنهايته دائرة حول قطب البروج تتمّ في فترة زمنية قدرها حوالي ٦٢ ألف سنة من سنيننا ومن السنين التي نعرفهويتبع ترنُّح الأرض حول مدارها مسارًا متعرجًا بسبب جذب كلٍّ من الشمس والقمر للأرض، وتبعًا للمتغيرات المستمرة في مقدار واتجاه القوة البدارية لكل منهما، ويؤدي ذلك إلى ابتعاد الدائرة الوهمية التي يرسمها محور الأرض أثناء دورانها وترنحها، فتتحول إلى دائرة مؤلفة من أعداد من الأقواس المتساوية التي يبلغ عددها في الدورة الكاملة ١٤٠٠ ذبذبة، ويستغرق رسم القوس الواحد ١٨.٦ سنة أي: أن هذه الدائرة تتمُّ في حوالي ٦٢ ألف سنة وتسمى باسم حركة الميثان.

стр. 225

وقد أثبتت الدراسات الفلكية أن لمحور دوران الأرض عددًا من الحركات الترنحية التي تستغرق أوقاتًا مختلفة يبلغ أقصرها عشرة أيام، ويبلغ أطولها ١٨.٦ من سنيننا التي نعرفها، ووجود الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض يُقلِّل من شدة ترنح الأرض في دورانها حول محورها، ويجعل حركتها أكثر انتظامًا وسلاسة تمامًا، كما تفعل قطع الرصاص التي توضع حول إطار السيارة لانتظام حركتها، وقلة رجرجتها، وبذلك أصبحت الأرض مؤهلة للعمران. وهنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي أُنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي، وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، وذلك في قول الله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، وقد تكرر هذا المعنى في تسعة مواضع أخرى من كتاب الله وصفت فيها الجبال بأنها رواسي، وهذه الآيات الكريمة يقول فيها ربنا ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد: ٣)، وقوله تعالى ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (الحجر: ١٩)، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النمل: ٦٢)، وقوله تعال ى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (لقمان: ١٠)، وقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (فصلت: ١٠)، وقوله تعال ى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا

стр. 226

فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (ق: ٧)، وقوله تعال ى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (المرسلات: ٢٧). وهذه حقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا في القرنين الماضيين بصفة عامة، وفي أواخر القرن العشرين بصفة خاصة، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا السبق العلمي غير الخالق سبحانه، وفي هذا من التأكيد القاطع والحزم الجازم ما فيه؛ لأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العليَّة على مدى أربعة عشر قرنًا، أو يزيد، وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وأن خاتم الأنبياء والمرسلين تلقَّى هذا القرآن عن ربه بواسطة الوحي الذي بقي موصولًا به حتى أتاه اليقين، وأنه -عليه أفضل السلام وأزكى التسليم- كان كما يصفه القرآن الكريم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤). عرض موجز لسورة الزمر التي ذكرت فيها الآية نأتي بعد ذلك إلىشرح قول الله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (الزمر: ٥) هذه الآية تُبيِّن لنا كروية الأرض، هذا النص القرآني الكريم جاء في مقدمة سورة الزمر والتي سُمِّيت بهذا الاسم لحديثها عن زمر المتقين السعداء المكرمين من أهل الجنة، وزمر العصاة الأشقياء المهانين من أهل النار، وحال كل منهم في يوم الحساب. وسورة الزمر مكية، وعدد آياتها خمس وسبعون آية، ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية، ولذلك فهي تركز على عقيدة التوحيد الخالصة لله بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا

стр. 227

صاحبة، ولا ولد، واستهلَّت السورة بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله ربنا سبحانه بالحق على خاتم الأنبياء والمرسلين، هداية للناس كافة، وإنذارًا من رب العالمين، وجعله معجزة خالدة إلى يوم القيامة، وملأه بالأنوار الإلهية، والإشراقات النورانية التي منها الأمر إلى الناس كافة بالتبعية لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم، وبإخلاص الدين لله، وتنزيهه جلَّ في علاه عن كل وصف لا يليق بجلاله. ذكرت السورة عددًا كبيرًا من الأدلة المادية الملموسة التي تشهد للخالق سبحانه بطلاقة القدرة وببديع الصنعة، وبإحكام الخلق، وبالتالي تشهد له سبحانه بالألوهية، والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، ومن هذه الأدلة المادية خلق السماوات والأرض بالحق، وخلق كل شيء حسب ما يشاء سبحانه: تكوير الأرض، وتبادل الليل والنهار عليها، تسخير كلٍّ من الشمس والقمر، وخلق البشر كلهم من نفس واحدة، وخلق زوجها منها، وكذلك الزوجية في كل خلق، وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام، ووصف مراحل الجنين التي يمرُّ بها الإنسان وخلقه في ظلمات ثلاث، إنزال الماء من السماء خزن بعضه في صخور الأرض إخراج الزرع ودورة حياته، حتمية الموت على كل مخلوف، تكافؤ النوم مع الوفاة، واليقظة من النوم على البعث بعد الموت، وقبض الأرض، وطيّ السماوات يوم القيامة. وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن الإيمان الذي يرتضيه ربنا من عباده، والكفر الذي لا يرضاه، وعن علم الله تعالى بكلِّ ما في الصدور، وعن قدرته سبحانه على محاسبة كل مخلوق بعمله، وعن طبائع النفس البشرية في السراء والضراء، وعن الفروق بين كلٍّ من الإيمان والكفر، وبين المؤمن والكافر في مواقفهما في

стр. 228

الدنيا والآخرة، وبين الإخلاص في العبادة وبين الإغراق في المعاصي، وبين كلٍّ من التوحيد والشرك، وبين الذي يعملون والذين لا يعلمون. وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن العديد من مشاهد القيامة وأهوالها، كما تحدثت عن نفختي الصعق والبعث، وما يعقبُهُما من أحداث مروَّعة، وعن يوم الحشر حين يُساق المتقون إلى الجنة زمرًا، ويساق المجرمون إلى جهنم زمرًا، ولكن شتان بين سَوْقِ التكريم وسوق الإهانة، والإذلال، والتجريم. ويتمُّ ذلك كله في حضرة الأنبياء والشهداء، والملائكة حافين من حول العرش والوجود كله خاضع لربه، متجه إليه بالحمد والثناء، راجٍ رحمته مُشفق من عذابه، راضٍ بحكمه، حامد لقضائه. ومن الأدلة المادية المطروحة في سورة الزمر للاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية على الخلق، وبالتالي على الشهادة للخالق سبحانه بالألوهية، والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر: ٥). هذه الآية آية جامعة، وسوف نوضح بمشيئة الله الإشارة القرآنية الكريمة إلى كُروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة في زمن ساد الاعتقاد بالاستواء التام للأرض، بلا أدنى انحناء، وبثباتها الدائم دون أدنى حركة، وتمت الإشارة إلى تلك الحقيقة الأرضية في كتاب الله بأسلوب لا يوزع العقلية البدوية في زمن تنزُّل الوحي، فجاء التكوير صفة لكل من الليل والنهار، وكلاهما من الفترات الزمنية التي تعتري الأرض، فإذا تكور كان ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلى كروية الأرض، وإذا تكور أحدهما

стр. 229

على الآخر كان في ذلك إشارة إلى تبادلهما، وهي إشارة ضمنية رائعة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس دون أن تثير بلبلة في زمن لم تكن من مجتمعات الإنسانية بصفة عامة، والمجتمعات في جزيرة العرب بصفة خاصة أي حظ من الثقافة العلمية. الإشارات الكونية في سورة الزمر في سياق الاستشهاد على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق، والاستدلال من ذلك على وحدانية الخالق سبحانه، وعلى حتمية البعث وضرورته، جاء في سورة الزمر عدد من الإشارات إلى الكون وبعض مكوناته وظواهره، يمكن إيجازها فيما يلي: ١ - وصف عملية خلق السماوات والأرض بأنها تمَّت بالحق؛ أي: حسب قوانين وسنن منضبطة تشهد لخالقها بأنه الحق سبحانه. ٢ - الإشارة الضمنية الرقيقة إلى كُروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وإلى جريها في مدارها، وجري كلٍّ من الشمس والقمر، وبالتالي كل أجرام السماء إلى أجل مسمى. ٣ - التأكيد على خلق البشر كلهم من نفس واحدة. ٤ - ذكر عملية إنزال ثمانية أزواج من الأنعام، والإنزال هنا قد يُشير إلى إنزال الشيفرة الوراثية الخاصة بكل منها. ٥ - الإشارة إلى خلق جنين الإنسان في ظُلمات ثلاث، وهو ما أثبته علم الأجنة مؤخرًا. ٦ - التأكيد على عدم المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وأن الذين يتدبَّرون، ويفهمون، ويتذكرون هم أولو الألباب والنهى.

стр. 230

٧ - الإشارة إلى أن أصل الماء تحت سطح الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا ﵎ ينابيع في الأرض، ثم يُخرج به زرعًا مختلفة الأنواع والألوان والثمار، ثم بعد النضج يلبث الزرع ويجف بعد نضارته، ويصفرّ لونه، ثم يتحطَّم ويصبح فتاتًا متكسرًا. ٨ - المقارنة بين النوم والموت وبين اليقظة من النوم والبعث في الآخرة، مما يشير إلى مفارقة الروح للجسد في حالتي النوم والممات، ثم يُعاد إرسالها للنائم لحظة يقظته، وإمساكها عن جسد الميت لحظة وفاته، ثم إعادتها إليه في لحظة البعث. ٩ - التأكيد على أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه على كل شيء وكيل. ١٠ - الإشارة إلى أن الأرض سوف تكون في قبضة الخالق سبحانه في يوم القيامة، وأن السماوات سوف تكون مطويات بيمينه، وهذا من أمور الغيب المطلق، ولكنه حديث الخالق الباعث الشهيد. ١١ - الإشارة إلى أن الأرض في الآخرة سوف تشرق بنور ربها، كما أشرقت أرض الدنيا بنوره، والعلوم المكتسبة تؤكِّد أن الأصل في الكون الحالي هو الظلام، وأن نور النهار هو نعمة يمنُّ بها الله على عباده. الدلالة اللغوية لقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ يقال في اللغة العربية: كار الشيء يكوّره كورًا، وكرورا، يكوره تكويرًا؛ أي: أداره، وضم بعضه إلى بعض، ككور العمامة؛ أي: جعلها كالكرة. ويقال: ضمنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعًا، كما يقال: اكتار الفرس إذا أدار ذنبه في عدوِه؛

стр. 231

أي: في جريه، وقيل الإبل الكثيرة كور وكوارة وكوارة النحل معروفة، إلى غير ذلك. وقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: ١) أي: جعلت كالكرة بانسحاب ألسنة اللهب المن د فعة منها إلى آلاف الكيلو مترات فوق سطحها، إلى داخلها؛ كناية عن بدء انطفاء جذوتها، كما أن الشمس كجرم سماوي يدور حول محوره ويجري في مداره قد فقد شيئًا من تكوُّره، ومع تباطؤ حركة الشمس قد تستعيد شيئًا من ذلك التكوُّر. من شروح المفسرين في تفسير الآية من شروح المفسرين في تفسير قوله تعالى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر: ٥). ذكر ابن كثير -يرحمه الله- ما مختصره يُخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يُقلب ليله ونهاره، يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل؛ أي: سخرهما يجريان متعاقبين ولا يفترقان، كل منهما يطلب الآخر طلبًا، ويضيف: وقوله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (لقمان: ٢٩) إلى مدة؛ أي: إلى مدة معلومة عند الله، ثم ينقضي يوم القيامة ألا هو العزيز الغفار؛ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه، ثم تاب وأناب إليه. وذكر صاحب (تفسير الجلالين) ما نصه: " ولحكمة لا عبثًا باطلًا، متعلق بخلق يكور؛ أي: يدخل الليل في النهار فيزيد، ويكور النهار يدخله على الليل

стр. 232

فيزيد"، وجاء في هامش التعليق؛ التعليق التالي من أحد المحققين قوله تعالى: ﴿يكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ ما ذكره المؤلف الجلال المحلي في معنى التكوير هو معنى الإيلاج الوارد في مثل قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ (الحج: ٦١). هذا تفسير غير موافق لمعنى اللغة لأن التكوير والإيلاج ليس بمعنًى واحد، إلا فما معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال في (القاموس): التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه على بعض، ومنه كور العمامة، فيكون معنى الآية: أن الله تعالى سخر الليل على النهار يتعاقبان، يذهب أحدهما فيعقبه الآخر إلى يوم القيامة، وفي الآية إشارة واضحة إلى أن الأرض لا تخلوا من ليل في مكان ونهار في آخر، على مدار الساعة. وذكر صاحب (الظلال) ﵀ رحمة واسعة- ما نصه: خلق السماوات والأرض بالحق، وأنزل معهم، وهو قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (البقرة: ٢١٣) في سورة البقرة، فهو الحق الواحد في ذلك الكون، وفي هذا الكتاب، وكلاهما صادر من مصدر واحد، وكلاهما آية على وحدة المبدع العزيز الحكيم، يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل، وهو تعبير عجيب يقصر الناظر فيه قصرًا على الالتفات إلى ما كشف حديثًا عن كروية الأرضية، فهو يصوِّر حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يُواجه الشمس من سطحها المكوَّر يغمره الضوء ويكون نهارًا، ولكن هذا الجزء لا يثبت؛ لأن الأرض تدور، وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه

стр. 233

النهار، وهذا السطح مكور، فالنهار كان عليه مكورًا، والليل يتبعه مكورًا كذلك. وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا في حركة دائمة، يكور الليل على النهار ويكور النهار على، الليل واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيرًا أدق من أي تفسير آخر. وذكر صاحب (صفوة البيان) ﵀ ما نصه: يكور الليل على النهار تكوير الشيء إدارته، وضمّ بعضه إلى بعض، ككور العمامة؛ أي: أن هذا يكرّ على هذا، وهذا يكرّ على هذا، كرورًا متتابعًا كتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض، إلا أن أطوار العمامة مجتمعة، وفيما نحن فيه متعاورة، وقيل: المعنى يزيد الليل على النهار، ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهارًا، فيطول النهار عن الليل، ويزيد النهار عن الليل ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء النهر ليلًا فيطول الليل عن النهار، وكقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن) ما نصه: "خلق السماوات والأرض ملتبسًا بالحق، والصواب على ناموس ثابت يلفُّ الليل على النهار، ويلف النهار على الليل على صورة الكرة، وذلَّل الشمس والقمر لإرادته ومصلحة عباده، كل منهما يسير في فلكه إلى وقت محدد عنده، وهو يوم القيامة، إلا هو دون غيره الغالب على كل شيء، فلا يخرج شيء عن إرادته التي بلغ الغاية في الصفح عن المذنبين من عباده ".

стр. 234

وجاء في هامش هذا التعليق: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الأرض كروية تدور حول نفسها؛ لأن مادة التكوير معناها لفُّ الشيء على الشيء على سبيل التتابع، ولو كانت الأرض غير كروية مسطحة مثلًا؛ لخيَّم الليل، أو طلع النهار على جميع أجزائها دفعة واحدة ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. وذكر صاحب (صفوة التفاسير): " ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: خلقها على أكمل الوجوه، وأبدع الصفات بالحق الواضح، والبرهان الساطع، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾؛ أي: يغشى الليل على النهار، ويغشى النهار على الليل، وكأنه يلفُّ عليه لفَّ اللباس على اللابس". قال القرطبي: "وتكوير الليل على النهار تغشيته إيَّاه حتى يظهر ضوءه، ويغشى النهار على الليل، فيُذهب ظلمته". وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 235

الدرس: ١٨ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ - قوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل ... ﴾.

стр. 236

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (تابع: ش رح قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ - قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... ﴾) أول من قال بكروية الأرض الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: كنا تحدثنا عن قول الله تعالى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ وذكرنا المفردات اللغوية وذكرنا أقوال المفسرين في هذه الآية. نأتي إلى: كروية الأرض في المعارف المكتسبة. كان أول من قال بكروية الأرض فلاسفة الحضارة العراقية القديمة المعروفة باسم حضارة ما بين النهرين في حدود سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد، وعنهم أخذ فلاسفة اليونان، ومنهم فيثاغورث الذي نادى بها في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، مؤكدًا أن الشكل الكروي هو أكثر الأشكال الهندسية انتظامًا؛ لكمال انتظام جميع أجزاء الكرة بالنسبة إلى مركزها، وعلى ذلك فإن الأرض وجميع أجرام السماء لا بد أن تكون كروية الشكل. وبقي هذا الرأي شائعًا في الحضارة اليونانية القديمة حتى القرن الرابع قبل الميلاد، إلى أن عارضه أرسطو، أشاع بين الناس الاعتقاد باستواء الأرض ب ل اأدنى انحناء. وفي عهد الخليفتين العباسيين الرشيد والمأمون في القرن الهجري الثاني، وأوائل القرن الثالث نادى عددٌ من علماء المسلمين، ومنهم البيروني، وابن سينا والكندي، والرازي، وغيرهم بكروية الأرض التي استدلوا عليها بعدد من الظواهر الطبيعية التي منها ما يلي: ١ - استدارة حدّ ظل الأرض حتى يقع على سطح القمر في أوقات كسوفه. ٢ - اختلاف ارتفاع النجم القطبي بتغير مكان الراصد له قربًا من خطِّ الاستواء، أو بعدًا عنه. ٣ - تغيير شكل قُبَّة السماء من حيث مواقع النجوم، وتوزيعها فيها باقتراب الراصد لها من أحد القطبين.

стр. 237

٤ - رؤية الأفق دومًا على هيئة دائرة تامَّة الاستدارة، واتَّساع دائرته بارتفاع الرَّائي فوق سطح الأرض. ٥ - ظهور قمم الجبال البعيدة قبل سفوحها بتحرك الرائي إليها، واختفاء أسافل السفن قبل أعاليها في تحركها بعيدًا عن الناظر إليها. وقام علماء المسلمين في هذا العصر الذهبي بقياس محيط الأرض بدقة فائقة، وبتقدير مسافة درجة الطول في صحراء العراق، وعلى طول ساحل البحر الأحمر، وكانوا في ذلك سابقين للحضارة الغربية بتسعة قرون على الأقل؛ فقد أعلن الخليفة المأمون لأول مرة في تاريخ العلم ب منهجية استقرائية دقيقة أن الأرض كروية، لكنها ليست كاملة الاستدارة. ثم جاء نيوتن في القرن السابع عشر الميلادي يتحدث عن نقص تكوُّر الأرض من منطلق آخر؛ إذ ذكر أن مادة الأرض خاضعة لقوَّتين متعارضتين: قوة الجاذبية التي تشدُّ مادة الأرض إلى مركزها، والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها، والتي تدفعها إلى الخارج، والقوة الأخيرة تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض، فتؤدِّي إلى انبعاجها قليلًا بينما تنقص إلى أقل قدر لها عند القطبين فيتفلطحان قليلًا، ثم جاء تصوير الأرض من الفضاء في أواخر القرن العشرين ليؤكد كلًّا من كروية الأرض، وانبعاجها قليلًا عند خط الاستواء. كروية الأرض في القرآن الكريم من الحقائق الثابتة عن الأرض أنها مكورة؛ كرة أو شبه كرة، ولكن نظرًا لضخامة أبعادها فإن الإنسان يراها مسطَّحة ب غير أدنى انحناء، وهكذا ساد الاعتقاد بين الناس بهذا التصوُّر للأرض إلى زمن الوحي للقرآن الكريم، وإلى قرون متطاولة من بعد ذلك بين العوام إلى يومنا هذا، على الرغم من وجود عدد من الملاحظات القديمة التي تُشير إلى كرويتها.

стр. 238

ولذلك فإن القرآن الكريم يتحدَّث عن هذه الحقيقة بطريقة غير مباشرة، وبصياغة ضمنيّة لطيفة، ولكنها في نفس الوقت بالغة الشمول، والدقة، والإحكام، وجاء ذلك في عدد من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن تكور كل من الليل والنهار على الآخر، وولوجه فيه، وانسلاخه منه، وعن مدِّ الأرض وبسطها، وج حوها، وعن كسرة المشارق والمغارب فيها مع بقاء قمة عُظمى، ونهايتين لكل منهما، ومن تلك الآيات قوله تعال ى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر: ٥). ومعنى ﴿اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾؛ أي: يغشى كل واحد منهما الآخر، كأنه يلفّه عليه، وهو وصف واضح الدلالة على كروية الأرض، وعلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وذلك لأن كلًّا من الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الأرض في تبادل مستمر، ولو لم تكن الأرض مكورة لما تكوَّر أيٌّ منهما، ولو لم تكن الأرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار، وكلاهما ظرف زمان وليسا جسمًا ماديًّا يمكن أن يكور، بل يتشكَّل بشكل نصف الأرض الذي يعتريه. ولما كان القرآن الكريم يُثبت أن الله تعالى يكوِّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل، وهما فترتان زمنيتان تعتريان الأرض؛ فلا بد للأرض من أن تكون مكورة، ولا بد لها من الدوران حول محورها أمام الشمس، ومن هنا كان التعبير القرآني بتكوير كل من الليل والنهار فيه إعلام صادق عن كروية الأرض، وعن دورانها حول محورها أمام الشمس بأسلوب رقيق لا يُفزع العقلية السائدة في ذلك الزمان التي لم تكن مستعدَّة لقبول تلك الحقيقة؛ فضلًا عن استيعابها، تلك

стр. 239

الحقيقة التي أصبحت من البديهيات في زماننا، وإن بقي بعض الجُهَّال على إنكارها إلى يومنا هذا، وسوف يبقون على ذلك إلى قيام الساعة، والتكوير يعني: جعلُ الشيء على هيئة مكورة، هيئة الكرة أو شبه الكرة، إما مباشرة أو عن طريق لفِّ شيء على شيء آخر في اتجاه دائري شامل؛ أي: في اتجاه كروي. وعلى ذلك فإن من معاني ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾؛ أي: أن الله تعالى ينشر بالتدريج ظلمة الليل على مكان النهار من سطح الأرض المكوَّر، فيحوِّله إلى ليل مكور كما ينشر نور النهار على مكان ظلمة الليل من سطح الأرض المكور، فيحوله نهارًا مكورًا، وبذلك يتتابع كل من الليل والنهار على سطح الأرض الكروي بطريقة دورية مما يؤكِّد حقيقتي كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس بأسلوب لا يفزع الأفراد، ولا يصدم المجتمعات التي بدأ القرآن الكريم يتنزَّل في زمانها، والتي لم يكن لها حظّ من المعرفة بالكون وحقائقه. والإشارات القرآنية الضمنية إلى حقيقة كروية الأرض ليست مقصورة على الآية الخامسة من سورة الزمر وحدها، وذلك لأن الله تعالى يؤكِّد في عدد من آيات القرآن الكريم على مد الأرض؛ أي: على بسطها بغير حافَّة تنتهي إليها، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الأرض كروية الشكل؛ لأن الشكل الوحيد لا نهاية لبسطه هو الشكل الكروي، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ (الرعد: ٣)، ويقول سبحانه ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (الحجر: ١٩)، ويقول سبحانه ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (ق: ٧).

стр. 240

كذلك يؤكد القرآن الكريم كروية الأرض في آيات التطابق؛ أي: تطابق كل من السماوات والأراضين، ولا يكون التطابق بغير انحناء وتكوير، وفي ذلك يقول ربنا: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (الملك: ٣)؛ أي: متطابقة يغلِّف الخارج منها الداخل فيها، ويشير القرآن الكريم إلى اتفاق لأرض في ذلك بقول الله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: ١٢)؛ أي: سبع أراضين متطابقة حول مركز واحد، يُغلِّف الخارج منها الداخل فيها. كذلك تشير آيات المشرق والمغرب التي ذكرت بالإفراد والتثنية والجمع إلى حقيقة كروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وإلى اتجاه هذا الدوران، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الشعراء: ٢٨)، ويقول ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (الرحمن: ١٧)، ويقول سبحانه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (المعارج: ٤٠، ٤١) فالمشرق هو جهة طلوع الشمس والمغرب جهة غيابها، ووجود كلٍّ من المشرق والمغرب يؤيِّد كروية الأرض، وتبادلهما يؤكد دورانها حول محورها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق، والأرض لها مشرق حقيقي واحد، ومغرب حقيقي واحد عموديان على اتجاه الشمال الحقيقي الذي حدَّده لنا الخالق سبحانه بالنجم القطبي، وفي الوقت الذي تشرق فيه الشمس على جهة ما من الأرض تكون قد غربت في نفس اللحظة عن جهة أخرى. ولما كانت الأرض منبعجة قليلًا عند خط الاستواء كانت هناك قمَّة عُظمى للشروق وأخرى للغروب ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (المزمل: ٩)، ولما كانت الشمس تُشرق على الأرض في الفصول المختلفة من نقاط المختلفة، كما تغرب عنها من نقاط مختلفة، وذلك يُسبب ميل محور دوران الأرض بزاوية مقدارها ٢٣.٥ درجة على مستوى فلك دورانها حول الشمس؛ كانت هناك مشارق

стр. 241

عديدة ومغارب عديدة ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، وكانت هناك نهايتان عظميان لكل من الشروق والغروب تتبادلان، فيصبح المشرق مغربًا، ثم يصبح المغرب مشرقًا، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ وينتشر بين هاتين النهاتين العظميين نقاط متعددة لكل من الشروق والغروب على كلٍّ من خطوط الطول وخطوط العرض، وعلى مدار السنة؛ لأن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس يجعل النور المنبثق عن ضوء هذا النجم ينتقل على سطح الأرض الكروي باستمرار من خطِّ عرض إلى آخر، ومن خط طول إلى آخر محدثًا عددًا غير نهائي من المشارق والمغارب المتعاقبة في كل يوم، كما يقول ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. ووجود كلٍّ من جهتي المشرق والمغرب والنهايات العظمى لكل منهما وتبادلهما، فيصبح المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، وما بينهما من مشارق ومغارب عديدة، وتتابع تلك المشارق والمغارب على سطح الأرض يؤكد كلًّا من كروية الأرض، ودورانها حول محورها أمام الشمس، وميل محور دورانها على مستوى فلك دورانها، وكل ما ينتج عن ذلك من تعاقب الليل والنهار، وتبادل الفصول المناخية، واختلاف مطالع الشمس ومغاربها على مدار السنة، وكل ذلك من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت تنزُّل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعده إلا بصورة بدائية، ولنفر محدودين جدًّا من أبناء الحضارات السابقة التي لم تصل كتاباتهم إلى شبه الجزيرة العربية، إلا بعد حركة الترجمة التي بدأت في منتصف القرن الهجري الثاني؛ أي: منتصف القرن الثامن الميلادي في عهد الدولة العباسية. وورود مثل هذه الحقائق الكونية في ثنايا الآيات القرآنية الكريمة بهذه الإشارات اللطيفة، والدقيقة في نفس الوقت لمِّمَّا يؤكِّد أن القرآن الكريم هو كلام الله

стр. 242

الخالق، وأن النبي الخاتم، والرسول الخاتم الذي تلقَّاه كان موصولًا بالوحي ومُعَلَّمًا من قبل خالق السماوات والأرض، وهذه من الحقائق الاعتقادية التي يحتاجها إنسان اليوم التي توفِّر له من أسباب التقدم العلمي والتقني مما لم يتوفَّر لجيل من البشر من قبل، ولكنه في ظل هذا التقدم فَقَدَ الصلة بخالقه، ففقد الكثير من القيم الأخلاقية النبيلة، والضوابط السلوكية الصحيحة التي تدعوا إلى الارتقاء بالإنسان إلى مراتب التكريم التي رفعه إليها رب العالمين، وتعينه على إقامة عدل الله في الأرض بدلًا من المظالم العديدة التي تجتاحها في كثير من أجزائها اليوم، وبدلًا من الخراب والدمار الذي يصيبها، والدماء التي تغرقها في ظل غَلَبة أهل الباطل على أهل الحق، وفقدان هؤلاء الكفار والمشركين لأدنى علم بالدين الذي يرتضيه رب العالمين من عباده. ولعل في الإشارة إلى مثل هذا السبق القرآني بالعديد من حقائق الكون ومظاهره ما يمكنه أن يمهِّد الطريق إلى الدعوة لهذا الدين، وإلى تصحيح فهم الآخرين لحقيقته من أجل تحديد هذا الكم الهائل من الكراهية للإسلام والمسلمين، والتي غرسها، ولا يزال يغرسها شياطين الإنس والجن في قلوب الأبرياء والمساكين من بني البشر، فبدءوا بالصراخ بصراع الحضارات وبنهاية العالم، وبضرورة إشعال حرب عالمية ثالثة بين الغرب والإسلام، والغرب في قمة من التوحُّد على الباطل، والتقدم العلمي والتقني، والتفوق الاقتصادي والعسكري مع غيبة كاملة للدين، وانحصار للأخلاق الكريمة والقيم النبيلة، وغيبة كاملة لخشية الله، وللإيمان بوحي السماء، وبالبعث والحساب، ولمعنى الأخوة الإنسانية. والعالم الإسلامي اليوم يمر بأكثر فترات تاريخه فرقة وتمزقًا وانحصارًا ماديًّا وعلميًّا وتقنيًّا، وتخلفًا عسكريًّا، والمعركة التي يتوهمونها تُدعى معركة أرمجدون، وهي معركة وهمية جاء ذكرها في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، وهو رجل مجهول الهوية

стр. 243

في آخر العهد الجديد من كتاب (نصارى اليوم) يشعلونها من أجل القضاء على دين الله الحق ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١) بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن كروية الأرض. إعجاز القرآن في آية تكو ن الشراب الذي يخرج من بطون النحل إعجاز القرآن الكريم في آية تكون الشراب الذي يخرج من بطون النحل؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل ٦٨، ٦٩). أقوال المفسرين في هذه الآية: قال البغوي والبيضاوي في تفسير الآية: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾؛ أي: ألهمها، وقذف في أنفسها ففهمته، أو جعل في غرائزها ذلك، كما قال السمعاني؛ أي: اتخذي من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومما يعرشون؛ أي يبنون، من الجبال بيوتًا؛ أي: أوكارًا مع ما فيها من الخلايا. قوله ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾؛ أي: يرفعه الناس من سقف، وقيل: المراد به ما يرفعه الناس ويبنونه للنحل، والمعنى: اتخذي أيتها النحل لنفسك بيوتًا من الجبال والشجر إذا لم يكن لك أرباب، وإلا فاتخذي ما يعرشونه لك، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي تأوي إليها. قوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: من كل ثمرة تشتهينها حلوها ومرها. قوله: ﴿فَاسْلُكِي﴾ ما أكلت منها ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾؛ أي: مسالكه التي برأها بحيث يحين فيها بقدرته القاهرة الثمرة المرة عسلًا من أجوافك، أو فاسلكي الطرق

стр. 244

التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعَّر عليك. قوله: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ قيل: هي نعت الطرق، يقال: هي مذللة للنحل سهلة المسالك. قال مجاهد: "لا يتوعر عليها مكان سلكته". وقال آخرون: الذلل نعت النحل يقول: أي مطيعة منقادة بالتسفير. قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ يعني: العسل مختلف ألوانه أبيض، وأحمر، وأصفر. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: في العسل. عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله ﷺ : اسقه عسلًا، فسقاه، ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له النبي ﷺ : ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة، فقال: اسقه عسلًا. قال: فقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله ﷺ : صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ)). قال عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، وروي عنه أنه قال: عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل. التحقيق العلمي أثبت العلماء بإعجاب ودهشة أن النحل أمة منظمة حقَّ ة، وأنها مأمورة وميسرة إلى نظام من المعلومات يُعينها على اجتياز الآفاق من حولها، والعودة إلى خليتها وبيتها دونما خطأ، وترتَّب على هذه الملاحظة أن عكف العلماء على دراسة لهذا النظام المعلوماتي للنحل، فوجدوا ما يتفق مع القرآن الكريم بعد بحوث طويلة على النحو الآتي:

стр. 245

فتجد النحل الشغالة المختصة بجمع الرحيق بهدف الاستطلاع والبحث عن أماكن الرحيق الجيد، حتى تعثر عليه، وعلى مسافات تصل إلى عدة أميال، تعود النحلة إلى خليتها، وتدخل فتجتمع حولها وخلفها جمهور الشغالات، كأنها دعتهم إلى مؤتمر هام يتحلَّق الجميع على قرص الشمع حول النحلة الشغالة الداعية، وتشرع هي في الدوران حول نفسها عددًا محدد من الدورات، وهي تميل بزاوية محددة من ناحية قرص الشمس. واصل العلماء البحث مع النحل، فوضعوا خلاياه على مسافات محددة من مصدر الرحيق الواحد في مكان البحث؛ فلاحظوا أن تغير مكان الرحيق يترتب عليه تغيرًا في عدد دوران النحلة حول نفسها تغيرًا في سرعة الدوران، وتغيرًا في ميل جناحها على ناحية الشمس. فالنحل ينطلق بزاوية ارتفاع محددة إلى مسافة في السماء، تُحدد بعدد من الدورات، ثم ينطلق موازيًا للأرض مسافة محددة، ثم يهبط كأنه قذيفة موجهة إلى حيث يوجد الأزهار، وقد ثبت أن النحل يُوظِّف عدَّة حواس لأداء مهمته تلك، فهو يشمُّ ويتذوَّق ويبصق، وحتى يُصدر أصواتًا إنه يشم، فما هي أعضاء الشم التي يمتلكها: إنها خلايا متخصصة تنتشر على قرون استشعار، وهي الخلايا؛ أي: الأعضاء التي يستطيع بها النحل تمييز رائحة الزهرة في الحقل، وكذلك يستطيع بها أن يميِّز رائحة الخلية التي ينتمي إليها. إن الرائحة الأسرية، أو رائحة المستعمرة عبارة عن مادة تسمى فرمون، تفرزه ملكة الخلية من غُددها الفكية، وهي المادة التي تجذب بها الذكور التي تلاحقها في طيران الزفاف الملكي، وهي المادة نفسها التي تنثُرها الملكة في الخلية على الشغالات، فتصيبها بالعقم، فلا يكون لهنَّ عمل في الإنجاب، وهي المادة نفسها التي تشيع في أرجاء الخلية، ويعرفها كل فرد يعيش في هذه الخلية.

стр. 246

هكذا تعمل هذه الرائحة المميزة بمثابة كلمة السر، أو بطاقة الهوية لهذه الخلية، فإذا دخلت نحلة غريبة عن الخلية كان من السهل على العاملات المسئولات عن الحراسة أن يكتشفن وجودها، وعلى التوِّ يهاجمنها ويطردنها. وللنحل قدرات واضحة على تذوُّق الرحيق والمواد السائلة الأخرى، ولديه القدرة على الإبصار ويميز بين البياض والسواد وبين بعض الألوان، وخصوصًا بين اللونين الأزرق والأصفر، ويستطيع أن يبصر ما لا يبصره الإنسان مثل بصر الأشعة فوق البنفسجية، وهكذا بالشم والتذوق والإبصار تستطيع شغالات النحل أن تُزاول أعمالها النشطة بين عالم الأزهار الذي تعشقه وتحبه، فتزوره مرات ومرات كل يوم في الأيام الدفيئة الوادعة. لكن ماذا يجري للنحلة الشغالة عندما تخرج من بيتها للمرة الأولى في حياتها، حيث تخرج للبحث عن الرزق؛ إنها قبل أن تُغادر موقع البيت في الخلية تستدير إليه، وتقف، وتحلّق أمامه فترة، وكأنها تُشعر نفسها بأنها سوف لا تستطيع أن تعود إلى هذا البيت، فهي تقف وتستدير وتُحلق أمامه حتى ينطبع في ذاكرتها، ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في الاتساع شيئًا فشيئًا، وإضافة إلى هذه الحيطة، فإنها لا تبتعد كثيرًا عن بيتها في هذه الرحلة الأولى، بل تعمد إلى الطيران القريب من المنطقة المتاخمة للخلية. ولقد أثارت معرفة الطرق التي تسلكها شغالات النحل في رحلات الذهاب والإياب عقول الناس منذ سنوات بعيدة، وحاول العلماء أن يفسِّروا هذا الأمر، ويقترحوا له الاقتراحات، وكان من أشهر العلماء كارلثون فريتش الذي قضى كل عمره أو معظم عمره يجري تجارب وبحوثًا لفك ألغاز، وأسرار مسارات النحل، ومعرفة اللغات التي تتفهَّم أفراده مع بعضها بواسطتها، ومن أجل ذلك

стр. 247

نال جائزة نوبل عام ١٩٧٣، وقد اكتشف فريتش وتلامذته خلال بحوثهم، ومحاولاتهم، وتجاربهم أن شغالات النحل الاستكشافية تستطيع أن تُخبر زميلاتها في الخلية بالأخبار الآتية: ١ - وجود أزهار مرغوبة في حقل محدد. ٢ - تحديد المسافة بين موقع الخلية وموضع هذه الأزهار. ٣ - نوع الأزهار المقصودة. ٤ - اتجاه الطيران للوصول إلى ذلك الموقع. واستخلص فريتش ومساعدوه أن هناك نوعين من الحركات تؤديهما الشغالات بعد عودتهنَّ من الرحلات الاستكشافية، هما: الرقص الدائري، والرقص الاهتزازي، هذا كان فريتش في بحوثه الأولى في العشرينات، يعتقد بأهمية الروائح في اهتداء النحل إلى غذائه في رحلات جني الرحيق، وهي الروائح التي يشمها من شقيقاته المستكشفات، لكنه عدل عن هذا الرأي في الأربعينات إلى أهمية لغة الرقص، وتقوم الشغالات بأداء الرقص الدائري في الخلية إذا كانت المسافة بين موضع الرحيق، وبين موضع الخلية لا يتجاوز خمسين مترًا، تدخل الشغالات الخلية، فتفرغ حمولتها من حبوب اللقاح، ثم تقف على أحد الأقراص الشمعية، وتبدأ في الدوران حول نفسها في دائرة ضيقة مغيرة اتجاهها بثبات، فتدور إلى اليمين تارة، وتارة أخرى إلى اليسار راقصة في اتجاه عقرب الساعة، وفي اتجاه معاكس في تتابع سريع، فترسم بذلك دائرة، أو دائرتين في كل اتجاه، وذلك وسط ضجيج صاخب في الخلية حيث يتراص النحل وراءها، محاولًا أن يلمس بطنها بقرون استشعاره، آخذًا في أداء حركات الرقص معها،

стр. 248

فتبدو هذه النحلة الراقصة الأولى كما لو كانت تجرُّ خلفها ذيلًا طويلًا من النحل المتحرك حركة مستمرة. ويدوم هذا الرقص الجماعي ثوانٍ، أو قد يصل إلى دقيقة كاملة، وأخيرًا تنسلُّ من أخواتها وتصل إلى فتحة الخلية؛ لتخرج وتذهب في رحلة جديدة بحثًا عن الغذاء. وفي لحظات تقوم الشغالات اللاتي كنَّ يُتابعن أختهنَّ الراقصة تلك بالتوجه نحو فتحة الدخول، ومغادرة الخلية جميعًا نحو موضع الغذاء المحدد. وهناك نوع آخر من الرقص رصده فريتش ومساعدوه، وهو الرقص الاهتزازي، واستخلصوا في نتائج تجاربهم أنه النوع الذي به تبلغ النحلة الشغالة عن تقدير المسافة بين الخلية ومصدر الغذاء، وخصوصًا المسافات البعيدة التي تزيد عن خمسين مترًا، فتدخل الشغالة من فتحة الخلية وتقف وسط أخواتها على قرص الشمع، وتسير مسافة قصيرة في خطٍّ مستقيم، وتحرك بطنها بسرعة من جانب لآخر، ثم تتحرك في قوس إلى اليسار، ثم في خط مستقيم ثانية، ثم تتحرك في قوس إلى اليمين. ولقد اكتشف الباحثون أن هنالك ارتباط بين عدد اللفات الكاملة أثناء هذا الرقص الاهتزازي، وبين تحديد المسافة المطلوبة، فإذا كانت المسافة ١٠٠ متر كان عدد الرقصات من ٩ إلى ١٠ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت ٢٠٠ متر كان عدد الرقصات ٧ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت المسافة كيلو مترًا واحدًا يتناقص عدد اللفات إلى ٤.٥ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت المسافة ٦ كيلو مترات يكون عدد اللفات لفتين فقط.

стр. 249

ولاحظ فريتش ومساعدوه خلال مراقبة الرقص الاهتزازي لشغالات النحل أن الواحدة منهنَّ تُغيِّر اتجاه الجزء المستقيم من الرقص مع تقدم النهار، فاستدلوا بذلك أن موضع الشمس في السماء له أثر في هذا السلوك على النحو التالي: إذا كان موضع الغذاء في اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أعلى، وإذا كان موضع الغذاء في الاتجاه المضادّ للشمس لبيت النحل؛ كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أسفل، وإذا كان موضع الغذاء منحرفًا عن اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل؛ فإن النحلة تنحرف من الجزء المستقيم في رقصتها عن الخط العمودي بزاوية تساوي الزاوية الواقعة بين خط مرسوم بين الخلية والشمس، وخط آخر بين الخلية والغذاء، وأما الخلط بين الخلية والشمس فيُعبَّر عنه خط الجاذبية الأرضية. وإذا كان اليوم غائمًا والشمس محتجبة، أو أن شغالات النحل تسرح في الفترة المتأخرة من النهار حيث الضوء الضعيف؛ فإن النحل يستطيع أن يهتدي بالمساحات الصافية من السماء في هذا الموضوع، وذلك لأن عين النحلة قادرة على تحديد مواضع الأجسام المضيئة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 250

الدرس: ١٩ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل ... ﴾.
следующие страницы →