← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 31083

الأديان والمذاهب - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهكذا تنسب التوراة الجهل إلى الله مع الخوف كذلك كما نسبت إليه الحزن والندم فقالت: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصوري أفكار قلبه، إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته الإنسان مع بهائم، ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم" سفر التكوين إصحاح ٦ الفقرة ٥: ٧. وتصف التوراة الله بأنه إنسان له خصائص البشر تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) لكن تقول التوراة: "الرب رجل الحرب، وبريح أنفك تراكمت الحياة، نفخت بريحك فغطاهم البحر من مثلك بين الآلهة يا رب" سفر الخروج إصحاح ١٥ الفقرة ٣: ١١ بتصرف. ثم تزعم التوراة أن بني إسرائيل رأوا الله فتقول: "لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء" سفر الخروج الإصحاح ١٩ الفقرة ١١ "وفيها ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله، وأكلوا وشربوا" سفر الخروج إصحاح ٢٤ الفقرة ١٠ و ١١وفيه: "ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه" سفر الخروج إصحاح ٣٣ الفقرة الحادية عشرة في حين أن القرآن الكريم ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٥، ٥٦).

стр. 142

كما قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (الأعراف: ١٥٥) بل إن موسى ﵇ نفسه لم يَرَ الله كما قال القرآن الكريم: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٣). وفي التوراة ما يدل على أن الإله الذي يعبده اليهود لا يمكن أن يكون إلهًا، ففيه من الخصال ما لا يتفق حتى مع الكاملين من البشر، فتخاطب التوراة الرب قائلة: "ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك، واذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك، فندم الرب على الشر الذي قال: إنه يفعله بشعبه" سفر الخروج الإصحاح ٣٢ الفقرة ١٢: ١٤ بتصرف. أقول: ولقد تكرر هذا التجسيم في مواطن متعددة بوصف ساذج للألوهية مماثل للبشر مماثلة صارخة، فقيل في عهد الإله إليهم، وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح أنه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل، وصوت بُوقٍ شديد جدًّا، فارتعد كل الشعب الذي في المحلة، وأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله في أسفل الجبل، وكان جبل سيناء يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان الأتون، وارتجف كل الجبل جدًّا؛ فكان صوت البوق يزداد اشتددًا جدًّا، وموسى يتكلم، والله يجيبه بصوت، ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل" سفر الخروج الإصحاح التاسع عشر من فقرة ١٦: ٢٠. وهناك غير ذلك الكثير مما زعمته التوراة المحرفة في وصف الله فأي توحيد هذا، وأي رب هذا الذي وصف بصفات بشرية؟ إن الله لا يشبه أحدًا من

стр. 143

خلْقِهِ، إنما كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) إنه كما قال -جل وعلا-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: ١٠٣). لكن هكذا اعتقد اليهود في ربهم، كما حكت توراتهم المحرفة إن شئت قلت: توراتهم المفتراة، وهذا فضلًا عما زعمه التلمود عن الله فالتلمود أيضًا وصف الله بصفات لا تليق واليهود يعتقدونها، كما يعتقدون التوراة أو ما جاء في التوراة، بل كما ذكرت لك عند الكلام عند المصادر أنهم يعظمون التلمود أكثر من التوراة. وقد زعموا في هذا التلمود: أن الرب يقسم ساعات النهار إلى ساعات يطالع فيها الشريعة وساعات يحكم فيها، وساعات يطعم فيها العالم، وساعات يلعب فيها مع الحوت ملك الأسماك، وليس هذا فقط، بل لله ساعات يلعب فيها مع حكماء اليهود، وأحبار اليهود حيث يصعدون إليه أو هو ينزل إليهم، ويلعبون، ويتسامرون ويتقامرون، وكذا يفعل الرب مع الأنبياء، ومن بينهم يعقوب الذي صعد ليلة يلعب مع الرب؛ فغلب الرب فقام يتصارعان، فأوشك يعقوب أن يصرع الرب، وأن يغلبه، فلما رأى الرب أنه سيغلب ضرب يعقوب على فخذه، فأصابه بعرق النسا، فقال: دعني يا يعقوب، وأنت من الآن لا يقال لك: يعقوب، بل إسرائيل، يعني: أعطاه وسامًا، وجعله إسرائيل بمعنى العبد المبارك حتى لا يغلبه، وحتى لا يطرحه أرضًا، أو لا يصيبه بضربة قاضية. أي: رب هذا الذي يعبده اليهود رب ندم جدًّا على أنه فعل ما فعل باليهود التعساء البؤساء المساكين حتى إنه كل يوم يبكي، ويلطم يلطم كل يوم، ومع كثرة بكائه تسقط من عينيه دمعتان في البحر؛ فيسمع دويهما من بدء العالم إلى نهايته،

стр. 144

وتضطرب وترجف الأرض؛ فتحصل الزلازل، وينزل المطر كل هذا من بكاء الرب ومن ندمه، وأنه فيه من الطيش ما يجعله يصدر أحكامًا يندم عليها، ويحلف يمينًا غير قانونية فيحتاج إلى من يحلها، وربما صعد إليه أحد الأحبار ليحله من يمينه، وما يحله الأحبار في الأرض، فهو محلول في السماء، وأنهم سمعوا الرب يصرخ، ويقول: يا لشقائي، ومن ينقذني من قسمي هذا، وأنه حنث الرب في يمينه بقصد الإصلاح بين إبراهيم، وزوجته سارة. رب ليس معصوم من الطيش؛ لأنه عندما غضب، واستولى عليه الطيش غضب على بني إسرائيل، وحلف بحرمانهم من الحياة الأبدية، لكن رجع فندم على ذلك عند ذهاب الطيش منه، ولم ينفذ ذلك اليمين؛ لأنه عرف أنه فعل فعلًا ضد العدالة، وصار يتخذ اليهود أبناء وأحباب، وندم ندمًا عظيمًا لما أنزله باليهود وبالهيكل وظل يصرخ ويلطم، ويقول: الويل لي؛ لأني تركت بيتي ينهب وهيكلي يحرق، وأولادي يشتتون سبحان الله العظيم، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. كذا يزعم اليهود إن كان كما في التوراة، أو في التلمود أن الرب على هذا النحو فأي رب هذا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا هل مثل هذا يسمى إيمان بالله، وهل مثل هذا يسمى توحيد لله تعالى الله عما يقول اليهود علوًّا كبيرًا، تلك لفتة إلى معتقدهم في الله الإيمان بالله؛ فهذا إيمانهم، فهل مثل هذا يسمى إيمان إن لم يكن هذا هو الكفر الصراح البواح فأي الكفر يكون؟ وإن لم يكن هذا هو الشرك، فأي توحيد يكون، أو أيُّ شرك يكون. وأنتقل من الكلام عن الإيمان بالله إلى الإيمان بالملائكة، نحن لا نجد عند اليهود ما يشير إلى إيمانهم بالملائكة إلا بمفهوم المخالفة أنهم يعادون ملائكة الرحمن عامة، وجبرائيل، وميكائيل بصفة خاصة، وتشتد العداوة لجبريل ﵇ سفير الله لأنبيائه، ومنزل الوحي على رسل الله، على نحو ما نقرأ في كتاب الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا

стр. 145

لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإذًا اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٩٧، ٩٨). والكلام مسوق للرد على اليهود حين زعموا أن جبريل عدو لهم، وكفرهم بملك واحد هو كفر بكل الملائكة، وبذا نستطيع أن نقول: إن اليهود لا يؤمنون بملائكة الرحمن، ولئن قالت اليهود في الله ما قالته، وزعمت ما زعمته، فأي تصور لهم عن ملائكة الرحمن، لكني لم أجد ما أقف عليه حتى أكون منصفًا لكن هكذا أشير إلى عداوتهم للملائكة بصفة عامة، وجبريل وميكائيل بصفة خاصة الإيمان بالله وملائكته وكتبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 146

الدرس: ٨ أهم المعتقدات اليهودية (٢) .

стр. 147

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (أهم المعتقدات اليهودية (٢)) موقف اليهود من الإيمان بالكتب الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين أما بعد. تحدثت إليك عن اليهودية من حيث التسمية والنشأة والمصدر، فإذا انتقلنا من الكلام عن إيمانهم بالله وملائكته إلى الإيمان بالكتب، فكيف إيمان اليهود بالكتب هناك كتب تنزلت عليهم آمنوا بها، لكن مع إيمانهم بهذه الكتب التي تنزلت على أنبيائهم ورسلهم كان دأبهم دائمًا الاستخفاف بها الاستخفاف بالوحي الإلهي والكتب الإلهية، فضلًا عن تحريفها وتزييفها هذا فيما آمنوا به إيمان مع الاستخفاف بالوحي الإلهي والكتب الإلهية على نحو ما ذكر القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨). إنهم أحبار السوء الذين اختلقوا هذه التعاليم ونسبوها زيفًا لله رب العالمين هذا فضلا عن كتمانهم لما أنزل الله فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٤). وليس هذا فقط، ولكن هناك ما هو أدهى، وأمر على نحو ما ذكر القرآن عنهم ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: ٩١). أيضًا مع إيمانهم بالكتب التي نزلت على أنبيائهم، ورسلهم احترفوا التزييف لها والتحريف فيها، فهم لم يكتفوا بالاستخفاف والكتمان، ولكن لليهود مقدرة عامة على تزييف الوقائع واختلاقها وتحريف الحقائق عن مواضعها حتى كأنها حرفة حياتهم، أو سجية في تركيبهم الخلقي والنفسي لا يستشعرون في مزاولتها ما يستشعره غيرهم من لوم الضمير، وتأنيب النفس؛ إذ اليهود قد ماتت مشاعرهم، وقست قلوبهم

стр. 148

فهم كما قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (المائدة: ١٣). فهناك إذًا ارتباط وثيق بين قسوة القلوب، وبين هذا التحريف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة:٤١، ٤٢). كما قال تعالى عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: ٤٦). فاليهود يحرفون كل شيء حتى ولو كان كلام الله تعالى، وهم لا يفعلون ذلك ناسين أو جاهلين، وإنما يزاولون التحريف عامدين عالمين بخطورة وضراوة ما يفعلون على نحو ما قال القرآن عنهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ

стр. 149

مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٥ - ٧٩). أقول: وليس القرآن فقط هو الذي شهد عليهم بتحريفهم لكتبهم بل إن التوراة ذاتها ذكرت هذا التحريف بصريح العبارة في كثير من نصوصها كما أسلفت ذلك عند الكلام عن مصدر اليهود الأول ألا وهو التوراة، وأنها محرفة، ومن بين ما جاء فيها: "ماذا يصنع بي البشر اليوم كله يحرفون كلامي" سفر المزامير إصحاح ٥٦ الفقرة ٤، ٥ وفيها: "كيف تقولون نحن حكماء، وشريعة الرب معنا حقًّا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب"، سفر إرميا إصحاح ٨ الفقرة ٨، كذلك. أما وحي الله فلا تذكروه؛ لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه؛ إذ قد حرفتم كلام الإله الحي سفر التثنية إصحاح ٣١ الفقرة ٢٨ و٢٩ إلى غير ذلك من النصوص التي سبق ذكرها عند الكلام عن تحريف التوراة. إذن فهم مع الكتب يحرفون الكتب متعمدين هذا التحريف هذا فيما آمنوا به من كتب، ودعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فقط كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩١)، فهنا نجد اليهود فيما آمنوا به من كتب حرَّفوها وزيفوها، وكتموا الكثير منها. وأما ما لم ينزل عليهم فقد كفروا به، فهم يؤمنون بما أنزل عليهم فقط، ويكفرون بما وراءه؛ ولذلك لما جاء سيدنا عيسى ﵇ كفروا به وبنبوته

стр. 150

وبالإنجيل الذي أنزل عليه، فهم لا يؤمنون بالإنجيل الذي أنزل على عيسى، وكفرهم بكتاب واحد هو كفرهم بكل الكتب، وإن ادعوا أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فقط. لقد كفروا بعيسى ﵇ وبرسالته وكتابه، فنذكر هذا في معتقداتهم عند الكلام عن الإيمان بالكتب من عدم الإيمان ليس هذا فقط، بل كفروا بالقرآن أيضًا، وبالنبي الخاتم محمد ﵌ فهم لا يؤمنون بالقرآن كما أنهم لم يؤمنوا بالإنجيل، وكتب كثيرة لم يؤمنوا بها، وعلى رأسها الإنجيل والقرآن الكريم إنهم لا يؤمنون بالقرآن قطعًا، كما لم يؤمنوا بالنبي ﵊ لذلك قال الله عنهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُو َ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨٩ - ٩١) ولذلك قال الله في صفاتهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: ٢١). فهذا يدل على اختلال عقيدتهم خاصة في الإيمان بالكتب؛ ولذلك خاطبهم الله بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: ٩٨، ٩٩).

стр. 151

فأي إيمان هذا؟ إنه الكفر؛ لأن الكفر بكتاب كالكفر بسائر الكتب، وقد كفروا بالكتب التي لم تنزل على أنبيائهم، أما الكتب التي أنزلت على أنبيائهم؛ فقد حرفوها وزيفوها، وكتموا الكثير منها، فهذا عن عقيدة اليهود في الإيمان بالكتب، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ماذا يقال عن الإيمان بالرسل في عقيدة اليهود -عليهم لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين؟ إنه الكفر برسل الله، والوقاحة الدائمة مع رسل الله، واتهام رسل الله، وتقتيل رسل الله، إنهم كما قال الله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة: ٧٠) تأمل فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون كما قال الله عنهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: ٨٧). ويلاحظ هنا استعمال أداة العموم، والتكرار كلما تعبيرًا عن اطراد اليهود على التكذيب، أو القتل للرسل إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم الضالة فكم من رسل قتلوهم، وكم من رسل كذبوهم، وكم من رسل شنعوا عليهم واتهموهم، وهذا سيدنا عيسى ﵇ نال منهم حظًّا وافرًا حين اتهموه ﵇ بأنه ابن زنا -والعياذ بالله- اتهموه مع أمه اتهموا مريم الطاهرة البتول بأنها زانية، وأن عيسى ﵇ هو ابن زنا، فنعى الله عليهم هذا في قوله سبحانه: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (النساء: ١٥٦، ١٥٧). سبحان الله ما هذا الافتراء على الله، وما هذا الكذب على رسل الله، بل قتل الأنبياء ما هذه الاتهامات؟ ما هذه الخسائس، وتلك الشناعات؟

стр. 152

موقف اليهود من نبينا محمد ﷺ أي أمة في التاريخ بلغت في النكالة، والإفك مبلغ هؤلاء اليهود حين فعلوا هذا مع أنبياء الله ورسله؟ وحين تعنتوا معهم، وتعنتوا مع سيدنا محمد ﷺ تعنتوا معه في الأسئلة فكما قال الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٥٣) فكذبوا رسول الله، وأرادوا قتله عشرات المرات، ولكن الله عصمه منهم. وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (التوبة: ٧٤) وقال في حق نبيه ﵊: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) وأصروا على موقفهم بل على كفرهم، وأبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد ﵌ فقال الله عنهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠). استبان الحق لهم واضحًا، فأبوا أن يتبعوه مع وضوحه وضوح الشمس حتى قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٤٥)،

стр. 153

ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا يجاهدون أو يقاتلون باطلًا لردة الناس عن دينهم ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧). إنهم اتخذوا كل الوسائل في تكذيب النبي محمد ﷺ كما كذبوا رسلًا من قبله، وحاولوا قتله، كما قتلوا رسلًا من قبله حتى وصموا بهذه الصفة، ولازمتهم تلك الذلة والمسكنة حين قال الله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١١٢). وحين طالبهم النبي ﵊ بالإيمان به ردوا قائلين كما قال القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٨٣) ومن ثم أبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ وهو النبي الخاتم المذكور في توراتهم، والمصرح به كما سنذكر ذلك بعد قليل إن شاء الله ﵎. إذًا فهم مع الإيمان بالرسل على نحو ما ذكرنا، ولهم دور كبير مع النبي محمد ﵊ في المجادلة واللجاج، والتعنت في الأسئلة وفي المواقف، وفي كل شيء؛ ولذلك حكى القرآن الكريم هذا عنهم فيما ذكروه من أسئلة ومجادلات مع رسول الله ﷺ وفيما وقع منهم من فساد؛ فجدالهم لم ينقطع، واستهزاؤهم بالدين لم ينتهِ، أذكر من هذا على سبيل المثال لا الحصر؛ المجادلات، والمخاصمات الكلامية التي أرادوا من ورائها الطعن في الإسلام، ونبي الإسلام ﵊ فجادلوا في نبوة النبي محمد ﵊ بقصد الطعن فيها، وصرحوا بأن محمدًا ﷺ ليس هو النبي المنتظر التي بشرت به الكتب السماوية بعد أن عرفوا صدقه، كما يعرفون أبناءهم.

стр. 154

وقد حكى القرآن ذلك ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦) وكما سبق في ذكر الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٨٩). إنهم حسدوا النبي محمد ﷺ وأبوا الإيمان به حسدًا من عند أنفسهم؛ لأنه لم يكن من بني إسرائيل، وإنما كان من بني إسماعيل، ومن ثَمَّ كانت لهم مطالب متعنتة على سبيل التحدي والتعجيز؛ لإظهار النبي محمد ﵊ بمظهر العاجز عن إجابة مقترحاتهم حين طلبوا منه أن يكلمهم الله، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١١٨). ومن وسائلهم التي اتبعوها في طعنهم في نبوة النبي ﵊ ومحاولتهم إنكار أن يكون القرآن منزلًا من عند الله حتى قالوا ما جاءنا محمد بشيء نعرفه، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (البقرة: ٩٩). وجادلوا النبي ﵊ في شأن إبراهيم وملته؛ فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠) وزعموا أن إبراهيم كان يهوديًّا، كما زعمت النصارى أن إبراهيم كان نصرانيًّا، ورد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نصرانيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧) مخاطبًا إياهم بالحق الذي ينبغي أن يعرفوه: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ

стр. 155

حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نصرانيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٥ - ٦٨). وجادلوا النبي ﵊ في نبوة عيسى ﵇ كما جادلوه في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وجادلوه كذلك بقصد إحراجه ﵊ في الروح، وسألوه عن ذي القرنين، وسألوه عن الجنازة هل تتكلم، وعن طعام أهل الجنة وشرابهم، كما سألوه عن الله عن ذاته ووحدانيته، وتطاولوا على الله في سؤالهم حتى أغضبوا النبي ﷺ ونزل جبريل ليهدئ من روعه، وكانوا يؤذونه ﵊ بكل أنواع الأذى فهم إذا أرادوا السلام عليه قالوا: السام عليك يا محمد أي: الموت، وإذا جالسوه قالوا: يا محمد راعنًا، يا محمد يريدون الرعونة، ولا يريدون الرعاية، كما حكى القرآن عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: ٤٦). ووصل تطاولهم إلى الذات الإلهية، كما جاء في الحديث الصحيح أنه أتى رهط من يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ((يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى امتقع لونه -أي: تغير - ثم ساورهم - أي: باطشهم غضبًا لربه - قال فجاء جبريل ﵇ فسكنه، فقال: خفض عليك يا محمد)) وجاء من الله تعالى بجواب ما سألوا عنه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١ - ٤).

стр. 156

قال: فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه، كيف ذراعه، كيف عضده؟ فغضب ﷺ أشد من غضبه الأول وساورهم، فأتاه جبريل ﵇ وقال له مثلما قال أول مرة، وجاء من الله تعالى بجواب ما سألوه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧). فهذه بعض النماذج من أسئلة متعنتة التي وجهها اليهود إلى النبي ﷺ بقصد مضايقته، وإظهاره بمظهر العاجز عن إجابة أسئلتهم، ولقد خابوا فيما سلكوه، ولم يصلوا إلى ما أراوده فقد كان النبي ﵊ يجيبهم بما يخرس ألسنتهم، ويردهم على أعقابهم خاسرين، ومع ذلك كذبوه وكفروا برسالته. ولم يكتفوا بهذا، فحين عجزوا في هذا الجانب حاولوا الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين ورد المسلمين عن دينهم بطريق الخداع والتلبيس والتدليس، وتلاعبهم بأحكام الله تعالى، ومحاولة فتنة الرسول ﷺ عند تقاضيهم إليه قائلين: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (المائدة: ٤١) يعني: ما كان عندكم في التوراة: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (المائدة: ٤١) في قضية الرجم، وتحالفوا مع المنافقين ضد المسلمين بل منهم نشأ النفاق، وإليهم يعود حتى قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١، ٥٢). وإمعانًا منهم في تكذيب النبي ﵊ تحالفوا مع المشركين، وشهدوا لهم بأنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا كما سجلت سورة النساء هذا الموقف المخزي على

стр. 157

اليهود على الرغم من أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم أهل دين وتوحيد، فإذا بالله يحكي عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (النساء: ٥١ - ٥٥). إنهم آذوا رسول الله ﷺ بالقول القبيح، والخطاب السيئ، وبكل ما استطاعوا أن يقولوه، وأن يفعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون، واستهزءوا بدينه ﵊ وبشعائره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة: ٥٧، ٥٨). ولقد حاولوا في الأخير قتل النبي ﵊ فلم يكتفِ اليهود بحروب الجدل التي حاربوا بها النبي ﷺ ولا بحروب الدس والوقيعة، ومحاولة إثارة الفتنة بين أصحابه، ولا بإظهارهم الإسلام في أول النهار وكفرهم في آخره، ولا بتحالفهم مع كل مبغض للإسلام والمسلمين، ولا باستهزائهم بالدين وشعائره، لم يكتفوا بكل ذلك من أجل القضاء على دعوة النبي محمد ﵊ وإنما لجئوا إلى وسيلة أخرى سولتها لهم أنفسهم الغادرة، وعقولهم الحاقدة، هذه الوسيلة هي محاولة قتل النبي ﵌ أكثر من مرة. وقد ذكر القرآن الكريم المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم كيف أنه سبحانه نجى نبيه محمدًا ﷺ من مكر اليهود، وأذاهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ١١).

стр. 158

وفي السنة ما جاء في محاولتهم قتل النبي ﵊ مما كان سببًا في غزوة بني النضير، كما جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن أبي زياد، فيما أخرجه ابن جرير قال: ((جاء رسول الله ﷺ بني النضير يستعينهم في عقل أصابه أي: في دية تحملها الرسول ﵊ عن أصحابه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي، فقال: أعينوني في عقل أصابني، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لنا أن تأتينا، وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا؛ فجلس رسول الله ﷺ وأصحابه ينتظرونه، فجاء حيي بن أخطب، وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله ﷺ ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترون أقرب منه الآن اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا فجاءوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل ﵇ فأقامه من ثم)) فأنزل الله تعالى الآية. فأخبر الله نبيه ﷺ ما أرادوا به؛ وبذلك تكون الآية الكريمة، وذكرت المؤمنين بنعمة الله عليهم؛ ليزدادوا له شكرًا وحمدًا، وأشارت إلى ما أراده اليهود من أذى لرسول الله ﷺ فأحبط الله تعالى كيدهم خيب مسعاهم، ولم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة التي حاول فيها اليهود قتل النبي ﵊ بل هناك غيرها الكثير. ومن أشهرها محاولة المرأة اليهودية أن تسم النبي ﵌، فقد أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: ((لما فتحت خيبر، واطمأن رسول الله ﵌ بعد فتحها أهديت إليه شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ بعد أن لاك منها مضغة ثم لفظها اجمعوا لي من كان هنا من اليهود؛ فجمعوا له، فقال لهم حين اجتمعوا عنده: إني سائلكم عن شيء،

стр. 159

فهل أنتم صادقي فيه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان، قال: كذبتم أبوكم فلان -قال الحافظ ابن حجر أي: إسرائيل، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ قالوا: صدقت، وبررت، فقال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها زماننا يسيرًا، ثم تخلفوننا فيها، فقال: اخسئوا فيها أي: اسكنوا فيها سكون ذلة وهوان- والله لا نخلفكم فيها أبدًا ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم، قال: أجعلتم في هذه الشاة سمًّا -نسب إليه الجعل؛ لأنهم لما علموا به لم ينكروه- قالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك)). هكذا زعموا، وحاولوا غيرها مما يماثلها كثير بهذا نرى أن اليهود حاولوا قتل الرسول ﷺ أكثر من مرة، ولكن الله تعالى عصمه من مكرهم ونجاه من شرهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون. ولم يكتف اليهود بكل هذا؛ فبعد فشلهم في هذه المجادلات، وتلك المحاولات راحوا ينقضون المعاهدات، ويدبرون المؤامرات، ويقاتلون رسول الله ﷺ كما حدث هذا في بني قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولهم أحابيل شيطانية، حاولوا بها تفريق الكلمة، وتمزيق الأمة، وإشاعة البغضاء بين الأوس والخزرج مرة، وبين المهاجرين والأنصار أخرى، عاهدهم النبي ﵊ معاهدة عدل وبر، وقسط ورحمة، ومع ذلك نقضوا عهود، فهم اليهود قتلة الأنبياء، نقضة العهود، وكما قال القائل: لو تركت الحمر نهيقها، والكلاب

стр. 160

نباحها، والحيات لدغها ما ترك اليهود نقضهم للعهود؛ فقد كانت مواقفهم مع أنبياء الله ورسله بصفة عامة، كما حكاه القرآن ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة: ٧٠). ومع رسول الله محمد ﷺ بصفة خاصة على نحو ما أسلفنا من المجادلات والمحاولات، ونقض المعاهدات، وتدبير المؤامرات، واستمر ذلك بعد النبي ﵊ وإلى هذا العصر الحديث، ولكن لما كان الكلام عن الأنبياء والرسل، فقد أشرت بهذه الإشارات من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة والسيرة، وكذلك التاريخ، وأعود فأذكر عقائدهم في الأنبياء، بل وقاحتهم مع الأنبياء والرسل من خلال التوراة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 161

الدرس: ٩ أهم المعتقدات اليهودية (٣) .

стр. 162

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (أهم المعتقدات اليهودية (٣)) معتقدات اليهود في الأنبياء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فحديثي عن بيان أهم المعتقدات التي يعتقدها اليهود مع الرد على ذلك -إن أمكن-: ذكرت أن اليهود كفروا بعيسى ﵇ وكفروا بالنبي محمد ﵌ ولهم معه محاولات ومجادلات، ومؤامرات. كذلك شهدت عليهم التوراة ونعت عليهم -على الرغم من تحريفها- مع نسبوه إلى أنبيائهم مما لم يرتضه أي إنسان أن ينسب إليه، ولا يتصور صدوره إلا من سفلة الناس؛ فلقد نسب اليهود في توراتهم المحرفة إلى نوح ﵇ أنه سكر وتعرى، وذكرت التوراة: "وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر؛ فسكر وتعرى داخل خبائه؛ فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه؛ فأخبر أخويه خارجًا؛ فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما، ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء؛ فلم يبصرا عورة أبيهما؛ فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير قال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام؛ وليكن كنعان عبدًا لهم، ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا لهم". سفر التكوين إصحاح ٩ فقرة ٢٠: ٢٧. وقالت عن إسماعيل: "وإنه يكون إنسانًا وحشيًّا، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه". سفر التكوين الإصحاح السادس عشر الفقرة ١٢. اتهمت لوطًا بأنه عرض بناته ليزني بهن أهل سدوم؛ فقالت: "هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلًا؛ أخرجهما إليكم، فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم، أما هذان

стр. 163

الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئًا لأنهما قد دخلا تحت ظل سقفي". سفر التكوين إصحاح ١٩ الفقرة ٨. بل ذكرت ما هو أشنع من ذلك مع لوط وابنتيه كذلك، فقالت: "وصعد لوط من صوغر، وسكن الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر فسكن في المغارة هو وابنتاه؛ فقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل يدخل علينا كعادة كل الأرض؛ هلم نسقي أبانا خمرًا ونضجع معه فنحيي من أبينا نسلًا؛ فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة ودخلت البكر، واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي ... نسقيه خمرًا الليلة أيضًا؛ فادخلي فاضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلًا؛ فسقتا أباهما خمرًا ... في تلك الليلة أيضًا قامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعهما ولا بقيامها؛ فحبلت ابنتا لوطا من أبيهما؛ فولدت البكر ابنًا ودعت اسمه مؤاب، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنًا ودعت اسمه بني عمي وهو أبو بني عمون إلى اليوم". سفر التكوين إصحاح ١٩ الفقرة ٣٠: ٣٨. وفي قصة إبراهيم تذكر في الإصحاح السادس عشر منها: "أن الابن الأكبر لإبراهيم هو إسماعيل ﵇". ثم تعود فتناقض نفسها في الإصحاح الثاني والعشرين؛ فتذكر أن الابن الوحيد هو إسحاق وليس إسماعيل فتقول: "وحدث بعد هذه الأمور: أن الله امتحن إبراهيم: قال: يا إبراهيم، قال: ها أنا ذا، قال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا واصعد هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك". سفر التكوين الإصحاح ٢٢ الفقرة الأولى والثانية؛ فكيف يكون الوحيد ومع ذلك يكون إسحاق؟!.

стр. 164

ثم ذكرت في موت سارة بعد ذلك: "فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها". سفر التكوين الإصحاح الثالث عشر الفقرة ٢. "ثم سأل إبراهيم بني حث أن يعطوه قبرًا ليدفن فيه ميته؛ فمنحوه أفضل قبورهم؛ فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض لبني حث" سفر التكوين الإصحاح ٢٣ الفقرة ٣: ٧ بتصرف؛ فكيف يسجد إبراهيم لغير الله؟!. ثم تتهم التوراة المحرفة -بل المفتراة- أنبياء الله بالكذب والاحتيال والمكر والخداع؛ فتقول عن يعقوب: "إنه كذب على أبيه، وزعم أنه عيسو، واحتال عليه حتى يدعو له ويأخذ مباركة أبيه له فقط كما قدم لأبيه خمرًا؛ فشرب؛ فحقد عيسو على يعقوب من أجل البركة التي باركه بها أبوه وعزم على قتله؛ فهاجر فرارًا من القتل، وذهب إلى فدان آرام إلى لابان بن بتوئيل الآرامي أخي رفقة أم يعقوب وعيسو حتى لقي يعقوب راحيل بنت لابان خاله فتقدم وقبل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى". سفر التكوين الإصحاح ٢٧، ٢٨، ٢٩. كما ذكرت: "وخدع يعقوب قلب لابان الآرامي إذ لم يخبره بأنه هارب". سفر التكوين الإصحاح ٣١ فقرة ٢٠. كما اتهمت التوراة يعقوب ﵇ لما سمع بخبر افتراس الذئب ليوسف: "أنه قام فمزق يعقوب ثيابه، ووضع مسحًا على حقويه، وناح على ابنه أيامًا كثيرة؛ فقام جميع بنيه وجميع بناته ليعزوه؛ فأبى أن يتعزى، وقال: إني أنزل إلى ابني نائحًا إلى الهاوية، وبكى عليه أبوه". سفر التكوين الإصحاح ٣٧ فقرة ٣٤، ٣٥. كما اتهمت يوسف: "أنه أقسم بحياة فرعون أمام إخوته". سفر التكوين الإصحاح ٤٢ فقرة ١٥، ١٦.

стр. 165

واتهمت هارون ﵇ بأنه هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل؛ ليعبدوه من دون الله؛ فتقول: "فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وائتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا؛ فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر؛ فلما نظر هارون بنى مذبحًا أمامه،، ونادى هارون وقال: غدًا للرب؛ فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامًا وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب؛ فضرب الرب الشعب لأنهم صنعوا العجل الذي صنعه هارون. سفر الخروج الإصحاح ٣٢ فقرة ٢: ٦ و٣٥. وليس هذا فقط؛ بل اتهمت موسى مع هارون فقالت: "وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلًا: اصعد إلى جبل عباريم، هذا جبل نبو الذي في أرض مؤاب الذي قباله أريحا، وانظر أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ملكًا، ومت في الجبل الذي تصعد إليه، وانضم إلى قومك كما مات هارون أخوك في جبل هور، وضم إلى قومه؛ لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين؛ إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل؛ فإنك تنظر الأرض من قبالتها؛ ولكنك لا تدخل إلى هناك، إلى الأرض التي أنا أعطيها لبني إسرائيل". سفر التثنية الإصحاح ٣٢ الفقرة ٤٨: ٥٢. واتهمت التوراة داود ﵇ بالزنا والقتل بطريقة ماكرة خبيثة لا تصدر إلا من أفسق الفاسقين في الأرض، ولم يتورع كتبتها عن ذكرها في كتاب ينسبونه زورًا وبهتانًا إلى الله تعالى الذي يختار رسله من صفوة خلقه فقالت -وبئس ما قالت-: "وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح البيت فرأى من

стр. 166

على السطح امرأة تستحم -وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا- فأرسل داود رسلًا وأخذها؛ فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة؛ فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حبلى؛ فأرسل داود إلى يؤاب قائد الجيش يقول أرسل إلى أوريا الحثي؛ فأتى أوريا إليه؛ فسأله داود عن سلامة الشعب ونجاح الرب، فقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك واغسل رجليك؛ فخرج أوريا ونام على باب بيت الملك ولم ينزل إلى بيته؛ فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر؟! فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟! فقال: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام، وسيدي يؤاب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء؛ وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب واضطجع مع امرأتي؟! وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر. وفي الصباح كتب داود إلى يؤاب: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه؛ فيُضرب ويموت؛ وكان في محاصرة يؤاب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس فيه؛ فخرج رجال المدينة وحاربوا يؤاب؛ فسقط بعض الشعب، ومات أوريا الحثي أيضًا؛ فلما سمعت امرأة أوريا أنه مات ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته؛ فصارت له امرأة وولدت له ابنًا؛ وأما الأمر الذي فعل داود فقبيح في عيني الرب". سفر صموئيل الثاني إصحاح ١١ الفقرة ٢: ٢٧ بتصرف. إلى آخر تلك القصة المفتراة على نبي الله داود ﵇ الذي يعتبرونه ملكًا، شأنه شأن ملوك الأرض المترفين الذين لا يعنيهم من الحياة إلا إشباع رغباتهم الجنسية ونهمتهم الجسدية، ولا قيمة للفضائل الإنسانية عندهم ولا اعتبار ... داود ﵇ يزني وحتى لا يفتضح أمره يقتل أخلص الناس له بأخبث طريقة ماكرة ... جريمتان

стр. 167

مزدوجتان: جريمة زنا من نبي، أعقبتها جريمة قتل مستور لئيم؛ "ولذا غضب الرب على داود وقبح فعله في عيني الرب"، مع أن التوراة نفسها هي التي تشهد لداود بأحسن الشهادات، وفي نفس السفر الذي ذكرت فيه هذه القصة قالت -على لسان داود-: يكافئني الرب حسب بري، حسب طهارة يدي، يرد عليَّ؛ لأني حفظت طرق الرب ولم أعصِ إلهي؛ لأن جميع أحكامي أمامي وفرائضه لا أحيد عنها وأكون كاملًا لديه، وأتحفظ من إثمي. سفر صموئيل الثاني الإصحاح ٢٢ الفقرة ٢١: ٢٤. فهل الزنا من أعمال البر؟! وهل تأتي طهارة اليدين مع القتل؟! وهل من اتباع وصايا الله والمحافظة على شريعته، وعدم الحياد عنها أن يزني الإنسان ويسفك الدم؟! ... هذا؛ وفي التوراة الحالية نصوص أخرى كثيرة فيها تطاول على الأنبياء والرسل، وإهمال أعظم ما في حياتهم من الرسالة والدعوة فضلًا عن اتهامهم بأفظع التهم وأقبح الأعمال التي تتعارض مع العصمة، ومع الخلق الكريم. ولئن كان هذا موقف اليهود مع الأنبياء عامة -كما ذكرته التوراة- فكذلك موقفهم مع النبي محمد ﵌ الذي جاء ذكره في التوراة أكثر من مرة في أكثر من موضع على الرغم مما أصابها من التحريف؛ ومع ذلك فقد أنكره اليهود وكذبوه، وقد قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (البقرة: ١٤٦، ١٤٧) وقال عنهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ

стр. 168

بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأحقاف: ١٠) كذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: ١٩٧) ... وأشارت إليه السنة في حديث عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفاته من القرآن: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة؛ ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ فأفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبا غلفًا بأن يقولوا: لا إله إلا الله". مما يشهد بوجود صفة النبي ﷺ في التوراة: ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي صخر العقيلي، قال: "حدثني رجل من الأعراب، فقال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة النبي ﷺ فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل؛ فلأسمعن منه؛ قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان، فتبعتهم؛ حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنهم، فقال له رسول الله ﷺ : ((أشهدك بالذي أنزل التوراة؛ هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟)) فقال برأسه هكذا -أي لا- فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة، إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك؛ وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله؛ فقال الرسول ﷺ : ((أقيموا اليهودي عن أخيكم))، ثم تولى كفنه والصلاة عليه".

стр. 169

ومما جاء في التوراة عن صفة النبي ﵊ قد بقي إلى يومنا هذا ما يلي: "وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله ابن إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، وتلألأ من جبال فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم". سفر التثنية الإصحاح ٣٣ الفقرة الأولى والثانية. وهذه شهادة صريحة من التوراة وواضحة بنبوة محمد ﷺ ورسالته؛ إذ معنى هذا النص: "جاء الرب" المراد به: ظهور ملاك الرب على نبيه وتلقينه كلام الله، و"أشرق" المراد: تجلية الشريعة وتوضيحها، "وتلألأ" المراد: قمة البيان والهيمنة، "وأتى من ربوات القدس" أي: أتى عليه الدهر أهلكه، وهي إشارة إلى انتقال القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة، من هيكل سليمان للكعبة المشرفة، وقد أكد المسيح من قبل على خراب أورشليم وزوال النبوة والكتاب والملك من بني إسرائيل. وبعد معرفة معاني الألفاظ يكون معنى النص: إن الله تعالى ناجى موسى ﵇ وأوحى إليه بسيناء، وأرسل عيسى ﵇ وأوحى إليه بساعير -وهي من أرض الجبل المقدس- وبعث محمدًا ﷺ رسولًا معلنًا كلمة لا إله إلا الله مستعلنًا بها من مكة الواقعة بين جبال فاران كجبل أبي قبيس وحراء وغيرهما من جبال مكة المحيطة بها، وفي بعض الترجمات: واستعلن من جبال فاران ومعه ألوف الأطهار، وهل غير محمد ﷺ أرسل في مكة، ثم دخلها ومعه عشرة آلاف مؤمن بشريعة متميزة سمحاء؟!.

стр. 170

ومما يؤكد أن جبال فاران هي مكة ما جاء في التوراة: "وأقام إسماعيل في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر". سفر التكوين الإصحاح ٢١ فقرة ٢١. وقد جاءت هذه البشارة مرة أخرى في كلام حبقوق فيما قبلوه ورضوا ترجمته: "الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران سلاه، جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور له من يده شعاع، وهناك استنار قدرته" سفر حبقوق الإصحاح الثالث الفقرة ٢: ٤. ونظير ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حبقوق: "وجاء الله من التيمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت فيله في البحر". وذلك في كتاب (هداية الحيارى) ولعله من البشارات التي حذفت في العصر الحديث. ومما يدل على البشارة بالنبي ﵊ في التوراة: قال لي الرب: أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثله، وأجعل كلامي في فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به؛ ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى؛ فيموت ذلك النبي، وإن قلتَ في قلبك: كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟! فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصير؛ فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب؛ بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه. وهذه البشارة التي جاءت في التوراة سفر التثنية الإصحاح ١٨ الفقرة ١٧: ٢٢ تنطبق على النبي محمد ﵊ لعدة وجوه: أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم دليل على أنه ليس من بني إسرائيل، وإلا لقال من بينهم أو من أنفسهم، ولفظ

стр. 171

الإخوة المقصود به أبناء إسماعيل؛ لأنه جاء لفظ الإخوة في هذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله لهاجر في حق إسماعيل: وأمام جميع إخوته يسكن، سفر التكوين إصحاح ١٦ الفقرة ١٢ ... كما جاء ذلك في الإنجيل أيضًا: فإن موسى قال للآباء: إن نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون ... "من إخوتكم" يقصد أبناء إسماعيل. أعمال الرسل الإصحاح ٣ الفقرة ٢٢. وفي النص "مثلك": أي مثل موسى في أنه عبد الله ورسوله صاحب الكتاب والشريعة، وأنه من والدين له زوجة وأولاد، مأمور بالجهاد إلى غير ذلك من المواصفات التي اتفق فيها موسى ﵇ مع النبي محمد ﵊. وقوله: "ويجعل كلامي في فمه" إشارة إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب وحيًا؛ لأنه يكون أميًا لا يباشر الكتابة؛ بل حافظًا للكلام، وهذا ينطبق على النبي محمد ﵊ فأنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وهكذا وصف بهذا الوصف في القرآن: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) إلى آخر النص الذي يؤكد أن محمدًا ﷺ كان نبيًّا صادقًا ولم يكن دعيًّا أو كاذبًا. وفي التوراة من البشارات للنبي ﵊ وما جاء في صفاته: "غنوا لله ورنموا لاسمه، أعدوا طريقًا للراكب في القفار باسمه ياه، واهتفوا أمامه أبو اليتامى، وقاضي الأرامل، الله في مسكن قدسه، الله مسكن المتوحدين في بيت مخرج الأسرى إلى فلاح؛ إنما المتمردون يسكنون الرمضاء". مزامير داود المزمور ٦٨ التسبيحة ٤: ٦. فهذه الصفات التي وردت في هذا النص إنما هي صفات النبي محمد ﵊: "الراكب في القفار أو الغمام": هو الذي عرج به إلى السموات السبع، وهو ﵊-

стр. 172

أبو اليتامى، وهو قاضي الأرامل؛ فكذا كان ﵊ اهتم باليتامى وتزوج الأرامل، وليست هذه الصفات تنطبق إلا على هذا النبي ﵊. ومن البشارات الواردة في التوراة بأسلوب واضح لكل ذي عينين وصريح لمن يتدبر ما جاء فيها: هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرَّت به نفسي، ووضعت روحي عليه؛ فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع، ولا يسمع في الشارع صوته، قصبة مردودة لا يقصف، فتيلة خامدة لا ينطفئ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر؛ حتى يضع الحق في الأرض، انتظروا جزائر شريعته؛ أنا الرب قد دعوتك بالبر؛ فأمسك بيدك وأحفظك، وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم؛ لتفتح عيون العمي وتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة، وترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار؛ لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الرب مجدًا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر، الرب كالجبار يخرجك رجل حروب، ينهض غيرته، يهتف ويصرخ، ويقوى على عدائه، يخزي خزيًا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا، الرب قد سُرَّ من أجل بره، يعظم الشريعة ويكرمها؛ لكنه شعب منهوب ومسلوب، قد اصطيد في الحفر كله، وفي بيوت الحبوس اختبئوا، صاروا نهبًا ولا منقذ، وسلمًا وليس من يقول رد؛ من منكم يسمع؟! هذا يصغى ويسمع لما بعد. سفر إشعياء الإصحاح ٤٢ فقرة ١: ٢٣ بتصرف. فهذا النص معناه: أن هذا النبي المبشر به هو عبد الله ورسوله الذي اختاره الله، وأنزل عليه الروح القدس جبريل ﵇ سفير الوحي، وتكون رسالته الحقة لكل الأمم وجميع العالم، وهذا النبي ﷺ على خلق عظيم؛ فهو هين لين، ليس بالصخاب ولا الغليظ أو الفظ.

стр. 173

ثم هو مع ذلك نبي الملاحم ورسول محارب، لا يضعف ولا يُغلَب، وهو نور الله الذي لا ينطفئ، يحيي القلوب الغلف، ويثبت الحجة، ويقطع به المعذرة، به يسود الدين وتكتمل الشريعة التي جاء بها في عهده، لا من بعده، ويعصمه الله من الناس، فلا يتمكن منه أعداؤه، يقود الناس إلى الحق يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن مكانهم الذي هم فيه إلى العالم مستنيرين أقوياء. وهذا النبي يسكن الصحراء التي سكنها قيدار بن إسماعيل -الابن الثاني لإسماعيل بن إبراهيم، ﵉ ولذلك فلتفرح تلك البلاد ترفع صوتها كما يتغنى سكان سالع أصحاب ثنيات الوداع جبل بالمدينة، ومن رءوس الجبال يهتفون بالتسبيح والتكبير والتلبية، وتمجيد الله وكذلك في الجزر والصحراء. ومع هذا فهم أصحاب حروب وجهاد؛ يقودهم هذا النبي رجل الحرب، قد وعده الله بالنصر قذف الرعب في قلوب أعدائه قبل الوصول إليهم، وهو معنى: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) وأعداؤه منهزمون عبدة أوثان منحوتة، وأصحاب أصنام مسبوكة، يزعمون ألوهيتها، وقد جاءهم نبي البر بالشريعة السمحاء؛ فعظمها وكرمها، وقد أحبه ربه وسر به وفضله. هذا؛ وقد أُرسِل في شعب ضعيف متخلف، طعمة لكل آكل، نهبة لكل سالب، يتخطفون من الأرض، ولا ينقذون أنفسهم، ولا يستطيعون رد الاعتداء عليهم؛ فحبسوا أنفسهم، واختبئوا حتى مَنَّ الله عليهم بهذا النبي العظيم -صلوات الله وسلامه عليه. فهل بعد هذا من وضوح في البشارة؟! من له أذنان للسمع فليسمع!.

стр. 174

وفي سفر إشعياء أيضًا: ترنمي أيتها العاقر التي لم تلدي، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض؛ لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب. سفر إشعياء الإصحاح ٥٤ الفقرة الأولى. وهو هنا يتنبأ عن مكة المكرمة التي أنجبت سيد الخلق- ﷺ بينما أنجبت أرض بيت المقدس الأنبياء من بني إسرائيل؛ لهذا رمز إلى مكة بالمرأة العاقر بينما رمز إلى بيت المقدس بالمرأة الولود، ثم قال عنها كذلك: "قومي استنيري؛ لأنه قد جاء نورك، ومجد الرب أشرف عليك؛ لأنه هاهي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم؛ أما عليك فيشرق الرب، ومجده عليك يسري، فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك؛ ارفعي عينيك حواليك، وانظري قد اجتمعوا، كلهم جاءوا إليك، يأتي بنوك من بعيد، تُحمل بناتك على الأيدي حينئذ تنظرين وتنيرين؛ يخفق قلبك ويتسع لأنه تتحول إليك ثروة البحر ويأتي إليك غنى الأمم، تعطيك كثيرة الجمال بكران مدان وعيفا، كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا، وتبشر بتسابيح الرب كل غنم قيدار، تجتمع إليك كباش نبيوت تخدمك، تصعد إليك مقبولة على مذبحي؛ لأزين بيت جمالي". سفر إشعياء الإصحاح ٦٠ الفقرة ١: ٧. وعيفا: اسم عبري معناه ظلمة: وهو ابن مديان بن إبراهيم، ونسله من بعده؛ حتى اختلط الاسم بين الرجل والقبيلة؛ واشتهرت القبيلة بالتجارة والجِمال، وكانت تسكن المناطق الشمالية من شبه الجزيرة العربية. أقول: فهذه نبوءة عن الكعبة المشرفة؛ لأنها منارة الهدى تتوهج بنور التوحيد؛ فتبدد الظلام الذي خيم على الأرض، ظلام الجهل والشرك، ويظهر بدلًا منه النور

стр. 175

الذي تمشي فيه الأمم ومعها الملوك، ثم يتحدث عن شعائر الحج بتفاصيلها، وعن الهدْي الذي يقدم في منى بعد الوقوف بعرفات، مما يتفق مع ما جاء في القرآن الكريم؛ فيقول: "ارفعي عينيكِ حواليكِ وانظري؛ قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليكِ يأتي بنوكِ من بعيد"؛ فهو كقول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: ٢٧) وقوله: "يخفق قلبكِ ويتسع؛ لأنه تتحول إليكِ ثروة البحر ويأتي إليك غنى الأمم" يعضده قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: ٥٧) وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: ٣٧). وأما حديث النص عن كثرة الجمال والغنم والكباش؛ فيؤيده قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: ٢٨) ثم هي من شعائر ديننا وحجنا؛ قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الحج: ٣٧). هذا؛ وفي التوراة بشارات أخرى كثيرة بالنبي محمد ﷺ هذا بخلاف الذي حرفوه، والذي حذفوه وكتموه فأنكروا رسالة النبي محمد ﵊ فهذا موقف اليهود من أنبياء الله ورسله.

стр. 176

موقف اليهود من الإيمان باليوم الآخر الإيمان باليوم الآخر: فأذكر فيه هذا أنني قرأت التوراة فلم أجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر بتة! نعم ... لم تذكر التوراة شيئًا عن الآخرة، ولا عن الملائكة، ولم تذكر جنة ولا نارًا، وكل ما تعد به المحسنين مادي دنيوي فحسب، وذكر الآخرة لم يرد في نص واحد أو صريح؛ وكل ما ورد فيها من إشارات مثل كلمة "آخرتهم" أو "آخرتها" فإنها يحتمل أن تؤول إلى نهاية الأمر؛ لذلك كانت الحياة الدنيا هي غاية همهم، والمادية هي مبتغاهم الأسمى؛ بل شعارهم الذي يسيرون وراءه لا يضلون عنه؛ فقد صاروا نفعيين أنانيين يهدمون المبادئ من أجل ذواتهم ويدوسون المصالح العامة في سبيل منافعهم الشخصية؛ فحملتهم أنانيتهم ونفعيتهم أن يسلكوا كل سبيل مُلتوٍ وكل طريق منحرف للحصول على المال والمنافع؛ فلم يتورعوا عن الكذب والخداع، والغش والنفاق والتضليل. إن عدم ذكر اليوم الآخر عند اليهود في توراتهم المحرفة جعلهم لا يؤمنون إلا بالمادة، ولا قيمة للمعنويات عندهم، ولا وزن للأخلاق، ولا نصيب للروح، ولا مكان للمبادئ، ولا محل للصدق والوفاء، ولا وجود للأمانة والحياء؛ فهذه أمور لا يعرفها اليهود، وسائر الصفات التي هي فوق الغرائز. وهذا الإيمان بالماديات وحدها يقضي على مقومات الأخلاق الإنسانية والاجتماعية؛ بل على حقيقة الإيمان الديني؛ لأن جزءًا كبيرًا من الدين قائم على ما وراء المادة والغيبيات ... إنه الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك نرى اليهود لغلبة المادة وسيطرتها عليهم لا يؤمنون باليوم الآخر وما فيه.

стр. 177

وليس أدل على ذلك من أن كتبة التوراة أخلوها من ذكر هذا اليوم، وليس هذا فقط؛ بل إذا رجعنا إلى مصدر آخر من مصادرهم -ألا وهو التلمود- وجدنا حديث التلمود عن النعيم أو العذاب يرتبط بالدنيا لا بالآخرة؛ فيقول التلمود: بعد موت اليهودي تخرج روحه وتشغل جسمًا آخر؛ أما اليهود الذين يرتدون عن دينهم بقتلهم يهوديًّا؛ فإن أرواحهم تدخل بعد موتهم في الحيوانات أو النباتات ثم تذهب إلى الجحيم، وتعذب مدة عام كامل ثم تعود ثانيًا، وتدخل في الجمادات ثم في الحيوانات ثم في الوثنيين ثم ترجع إلى جسد اليهودي بعد تطهيرها، وهذا التناسخ فعله الله رحمة باليهود؛ لأن الله أراد أن يكون لكل يهودي نصيب من الحياة الأبدية. جاء ذلك في التلمود وفي (همجية التعاليم الصهيونية) وفي (بروتوكولات حكماء صهيون) و (اليهود بين القرآن والتلمود). ومع هذا؛ فنحن نعتقد أن اليهود لهم حديث يرتبط بالجنة والنار رغم خلو التوراة من الكلام على الآخرة؛ لكن بمراجعة التلمود نجدهم يتحدثون عن الجنة والنار؛ فيعتقدون الآتي: لا يدخل الجنة إلا اليهود؛ وسيظل المسلمون في النار إلى الأبد؛ لأنهم لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم، والمسيحيون يدخلون النار لأنهم لا يختتنون، كل الناس يوم القيامة في النار إلا اليهود ... هذا ما زعمه اليهود في التلمود، والذي أكده القرآن الكريم؛ فأشار القرآن الكريم إلى استهانتهم بأمور الدين واستخفافهم بالنار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (آل عمران: ٢٤) ومع هذا كله؛ يبلغ بهم الافتراء إلى حد احتكار الجنة لأنفسهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١).

стр. 178

فهذا هو مبلغ ما وصلنا إليه في إيمانهم باليوم الآخر الذي لا نجد له ذكرًا في التوراة، ولكن وجدنا كلامهم عن الجنة والنار في التلمود مع ما أكده القرآن عنهم في زعمهم أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة. لذلك نرى اليهود اتصفوا بصفات قبيحة وبأخلاق سيئة، وبعقائد فاسدة ومسالك خبيثة؛ فهم لا يؤمنون، ولا إيمان عندهم؛ بل أليق الأوصاف بهم الكفر والجحود، ونقض العهود، والأنانية والغرور والجبن والكذب، واللجاج والمخادعة، والعصيان والتعدي، وقسوة القلب، وانحراف الطبع، والمسارعة في الإثم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل، وسوء أدبهم مع الله تعالى، وعداوتهم لملائكته، وقتلهم لأنبيائه، وجحودهم الحق، وكراهتهم الخير لغيرهم -بدافع الأنانية والحسد، وتحايلهم على استحلال محارم الله تعالى، ونبذهم لكتاب الله، واتباعهم للسحر والأوهام الشيطانية، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًّا مما ذكروا به، وحرصهم على الحياة وجبنهم عن الجهاد في سبيل الله، وطلبهم من نبيهم أن يجعل لهم إلهًا كما لغيرهم آلهة، وعكوفهم على عبادة العجل، وتنطعهم في الدين، وإلحافهم في المسألة، وإنكارهم الآخرة، وتنكرهم للقضاء والقدر ... إلى غير ذلك من هذه الرذائل التي دمغهم القرآن الكريم بها وسجلها عليهم، والتي تكشف عن حقيقتهم وتعصبهم الأعمى، التي استحقوا بسببها الطرد من رحمة الله، وضرب الذلة والمسكنة عليهم. إن هذه القبائح التي سجلها القرآن عليهم يراها الإنسان واضحة جلية فيهم على مر العصور واختلاف الأمكنة، لم تزدهم الأيام إلا رسوخًا فيها، وتمكنًا منها وتعلقًا بها، وما ذكر من رذائل ما هو إلا نماذج من قبائحهم ومفاسدهم، وإن

стр. 179

هذه القبائح والمفاسد قد ورثها خلف اليهود عن سلفهم، وذكر القرآن لها ليسجل عليهم انحرافهم عن الحق، وإيثارهم للغي على الهدى والتعصب على التسامح؛ وليحذر المؤمنين من شرورهم وقبائحهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧). ومع ذلك فاليهود لهم ادعاءات كاذبة يزعمون معها أنهم خير الناس، وأنهم أحب الناس إلى الله؛ فهم ادعوا أن الهدى في اتباع سبيلهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٣٥) وزعموا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (المائدة: ١٨). ونعى الله عليهم تأليه غيره؛ كعزير والأحبار: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠، ٣١) وادعاؤهم بأن ذنوبهم مغفورة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف:١٦٩، ١٧٠). وقولهم ليس علينا في الأميين سبيل -أي من غير اليهود-: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ

стр. 180

قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:٧٥، ٧٦)؛ فنعى الله عليهم أمورًا كثيرة فقال : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ (النساء:١٥٣، ١٥٤) ﴿قُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (النساء: ١٥٤) ﴿قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (النساء: ١٥٤) ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٧) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٥٥، ١٥٦). ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٦١). هكذا كان اليهود وكانت عقائدهم وكان حالهم في ماضيهم وفي واقعهم، وضح القرآن ما عليه اليهود من عقائد ودعاوى باطلة، ورد عليهم بما أخرس ألسنتهم، وأبطل حجتهم، وبما يقطع دابر إفكهم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢). نكتفي بهذا القدر عن عقائد اليهود وعن حديثنا عن اليهود لننتقل إلى كلام آخر عن النصارى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →