← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 31083

الأديان والمذاهب - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (387 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

موقف اليهود من الإيمان باليوم الآخر الإيمان باليوم الآخر: فأذكر فيه هذا أنني قرأت التوراة فلم أجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر بتة! نعم ... لم تذكر التوراة شيئًا عن الآخرة، ولا عن الملائكة، ولم تذكر جنة ولا نارًا، وكل ما تعد به المحسنين مادي دنيوي فحسب، وذكر الآخرة لم يرد في نص واحد أو صريح؛ وكل ما ورد فيها من إشارات مثل كلمة "آخرتهم" أو "آخرتها" فإنها يحتمل أن تؤول إلى نهاية الأمر؛ لذلك كانت الحياة الدنيا هي غاية همهم، والمادية هي مبتغاهم الأسمى؛ بل شعارهم الذي يسيرون وراءه لا يضلون عنه؛ فقد صاروا نفعيين أنانيين يهدمون المبادئ من أجل ذواتهم ويدوسون المصالح العامة في سبيل منافعهم الشخصية؛ فحملتهم أنانيتهم ونفعيتهم أن يسلكوا كل سبيل مُلتوٍ وكل طريق منحرف للحصول على المال والمنافع؛ فلم يتورعوا عن الكذب والخداع، والغش والنفاق والتضليل. إن عدم ذكر اليوم الآخر عند اليهود في توراتهم المحرفة جعلهم لا يؤمنون إلا بالمادة، ولا قيمة للمعنويات عندهم، ولا وزن للأخلاق، ولا نصيب للروح، ولا مكان للمبادئ، ولا محل للصدق والوفاء، ولا وجود للأمانة والحياء؛ فهذه أمور لا يعرفها اليهود، وسائر الصفات التي هي فوق الغرائز. وهذا الإيمان بالماديات وحدها يقضي على مقومات الأخلاق الإنسانية والاجتماعية؛ بل على حقيقة الإيمان الديني؛ لأن جزءًا كبيرًا من الدين قائم على ما وراء المادة والغيبيات ... إنه الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك نرى اليهود لغلبة المادة وسيطرتها عليهم لا يؤمنون باليوم الآخر وما فيه.

стр. 177

وليس أدل على ذلك من أن كتبة التوراة أخلوها من ذكر هذا اليوم، وليس هذا فقط؛ بل إذا رجعنا إلى مصدر آخر من مصادرهم -ألا وهو التلمود- وجدنا حديث التلمود عن النعيم أو العذاب يرتبط بالدنيا لا بالآخرة؛ فيقول التلمود: بعد موت اليهودي تخرج روحه وتشغل جسمًا آخر؛ أما اليهود الذين يرتدون عن دينهم بقتلهم يهوديًّا؛ فإن أرواحهم تدخل بعد موتهم في الحيوانات أو النباتات ثم تذهب إلى الجحيم، وتعذب مدة عام كامل ثم تعود ثانيًا، وتدخل في الجمادات ثم في الحيوانات ثم في الوثنيين ثم ترجع إلى جسد اليهودي بعد تطهيرها، وهذا التناسخ فعله الله رحمة باليهود؛ لأن الله أراد أن يكون لكل يهودي نصيب من الحياة الأبدية. جاء ذلك في التلمود وفي (همجية التعاليم الصهيونية) وفي (بروتوكولات حكماء صهيون) و (اليهود بين القرآن والتلمود). ومع هذا؛ فنحن نعتقد أن اليهود لهم حديث يرتبط بالجنة والنار رغم خلو التوراة من الكلام على الآخرة؛ لكن بمراجعة التلمود نجدهم يتحدثون عن الجنة والنار؛ فيعتقدون الآتي: لا يدخل الجنة إلا اليهود؛ وسيظل المسلمون في النار إلى الأبد؛ لأنهم لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم، والمسيحيون يدخلون النار لأنهم لا يختتنون، كل الناس يوم القيامة في النار إلا اليهود ... هذا ما زعمه اليهود في التلمود، والذي أكده القرآن الكريم؛ فأشار القرآن الكريم إلى استهانتهم بأمور الدين واستخفافهم بالنار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (آل عمران: ٢٤) ومع هذا كله؛ يبلغ بهم الافتراء إلى حد احتكار الجنة لأنفسهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١).

стр. 178

فهذا هو مبلغ ما وصلنا إليه في إيمانهم باليوم الآخر الذي لا نجد له ذكرًا في التوراة، ولكن وجدنا كلامهم عن الجنة والنار في التلمود مع ما أكده القرآن عنهم في زعمهم أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة. لذلك نرى اليهود اتصفوا بصفات قبيحة وبأخلاق سيئة، وبعقائد فاسدة ومسالك خبيثة؛ فهم لا يؤمنون، ولا إيمان عندهم؛ بل أليق الأوصاف بهم الكفر والجحود، ونقض العهود، والأنانية والغرور والجبن والكذب، واللجاج والمخادعة، والعصيان والتعدي، وقسوة القلب، وانحراف الطبع، والمسارعة في الإثم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل، وسوء أدبهم مع الله تعالى، وعداوتهم لملائكته، وقتلهم لأنبيائه، وجحودهم الحق، وكراهتهم الخير لغيرهم -بدافع الأنانية والحسد، وتحايلهم على استحلال محارم الله تعالى، ونبذهم لكتاب الله، واتباعهم للسحر والأوهام الشيطانية، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًّا مما ذكروا به، وحرصهم على الحياة وجبنهم عن الجهاد في سبيل الله، وطلبهم من نبيهم أن يجعل لهم إلهًا كما لغيرهم آلهة، وعكوفهم على عبادة العجل، وتنطعهم في الدين، وإلحافهم في المسألة، وإنكارهم الآخرة، وتنكرهم للقضاء والقدر ... إلى غير ذلك من هذه الرذائل التي دمغهم القرآن الكريم بها وسجلها عليهم، والتي تكشف عن حقيقتهم وتعصبهم الأعمى، التي استحقوا بسببها الطرد من رحمة الله، وضرب الذلة والمسكنة عليهم. إن هذه القبائح التي سجلها القرآن عليهم يراها الإنسان واضحة جلية فيهم على مر العصور واختلاف الأمكنة، لم تزدهم الأيام إلا رسوخًا فيها، وتمكنًا منها وتعلقًا بها، وما ذكر من رذائل ما هو إلا نماذج من قبائحهم ومفاسدهم، وإن

стр. 179

هذه القبائح والمفاسد قد ورثها خلف اليهود عن سلفهم، وذكر القرآن لها ليسجل عليهم انحرافهم عن الحق، وإيثارهم للغي على الهدى والتعصب على التسامح؛ وليحذر المؤمنين من شرورهم وقبائحهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧). ومع ذلك فاليهود لهم ادعاءات كاذبة يزعمون معها أنهم خير الناس، وأنهم أحب الناس إلى الله؛ فهم ادعوا أن الهدى في اتباع سبيلهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٣٥) وزعموا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (المائدة: ١٨). ونعى الله عليهم تأليه غيره؛ كعزير والأحبار: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠، ٣١) وادعاؤهم بأن ذنوبهم مغفورة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف:١٦٩، ١٧٠). وقولهم ليس علينا في الأميين سبيل -أي من غير اليهود-: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ

стр. 180

قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:٧٥، ٧٦)؛ فنعى الله عليهم أمورًا كثيرة فقال : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ (النساء:١٥٣، ١٥٤) ﴿قُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (النساء: ١٥٤) ﴿قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (النساء: ١٥٤) ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٧) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٥٥، ١٥٦). ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٦١). هكذا كان اليهود وكانت عقائدهم وكان حالهم في ماضيهم وفي واقعهم، وضح القرآن ما عليه اليهود من عقائد ودعاوى باطلة، ورد عليهم بما أخرس ألسنتهم، وأبطل حجتهم، وبما يقطع دابر إفكهم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢). نكتفي بهذا القدر عن عقائد اليهود وعن حديثنا عن اليهود لننتقل إلى كلام آخر عن النصارى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 181

الدرس: ١٠ النصرانية من حيث التسمية والمصادر .

стр. 182

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (النصرانية من حيث التسمية والمصادر) أصل التسمية بالنصرانية والمسيحية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فأبدأ حديثي عن النصرانية كواحدة من أهم الرسالات السماوية الديانة المسماة بالنصرانية، وكذا بالمسيحية: فالنصرانية هي الاسم القديم لأتباع عيسى ﵇ ولا يعني هذا أنه الدين الذي نزل على عيسى ﵇ فقد علم سلفًا أن الدين الذي أنزله الله على كل الأنبياء والرسل هو الإسلام؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) والرسل رسله والخلق خلقه؛ فأرسل رسله إلى خلقه بالدين الذي عنده: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) فعيسى ﵇ ما جاء إلا بالإسلام وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢) والحواريون شهدوا بذلك أيضًا في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١). لكن كلمة "النصرانية" -وإن كانت قديمة- ترجع في تسميتها لسبب أو لآخر؛ فهل ستعود إلى قولة الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: ١٤) لكن يكون هذا على غير القياس لغة، والأصح من هذا أن التسمية نسبة إلى قرية الناصرة، وقد أطلق القرآن الكريم عليهم هذه التسمية في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ

стр. 183

النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠) وفي قوله تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢). إذن الناصرة هي النسبة التي منها كلمة نصرانية، وليست دينًا منزلًا من السماء؛ كما أن هؤلاء القوم عرفوا أيضًا بالمسيحيين والديانة عرفت بالمسيحية: والمسيحية نسبة إلى المسيح ﵇ والمسيح ﵇ سمي بهذا الاسم الذي معناه الصديق، وقال بعض أهل اللغة: لا يعرف هذا؛ ولعله كان يستعمل في بعض الأزمان، فدرس فيما درس من الكلام، وقد درس من كلام العرب كثير. قال ابن سيده: والمسيح عيسى ابن مريم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- سمي بذلك لصدقه؛ وقيل: سمي بذلك لأنه كان سائحًا في الأرض لا يستقر. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه كان يمسح بيده على العليل والأكمه والأبرص فيبرئه الله، أو لأنه مسح بالبركة، وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض، أي يقطعها؛ أو لأنه كان أمسح الرِّجل؛ ليس لرجله أخمص، قيل: سمي مسيحًا لأنه خرج من بطن أمه مسموحًا بالدهن، والله تعالى أعلم بذلك؛ لكنه يسمى بالمسيح، وقد قال تعالى مبشرًا مريم ﵂: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: ٤٥). وقيل: سمى الله ابتداء أمره كلمة؛ لأنه ألقى إليها الكلمة، ثم كون الكلمة بشرًا، ومعنى الكلمة معنى الولد والمعنى يبشرك بولد اسمه المسيح. والمسيح عيسى ابن مريم يختلف عن المسيح الدجال الذي سمي بذلك؛ لأن عينه ممسوحة عن أن يبصر بها؛ فهما ضدان: مسيح الهداية عيسى ابن مريم ﵇ ومسيح الضلالة المسيح الدجال -عليه لعنة الله- فإذا ذكرت كلمة المسيحية أو

стр. 184

المسيحيون قيل: هم أتباع المسيح ﵇ قلت: بل عبدته؛ لأنه لا يقال على أتباع المسيح مسيحيون؛ بل إذا عبدوا المسيح يمكن أن يقال عنهم هذا، كما يقال عن المسلمين: إنهم مسلمون، فإذا أريد أن يقال: نحن عبدة محمد؛ قيل: محمديون، وقد حاول كثير من المستشرقين، ومن لف لفهم أن يصف المسلمين بهذا الوصف؛ فيقول: إن المحمديين ... إن الديانة المحمدية ... إلى غير ذلك؛ حتى يلصق بنا هذا الاتهام، ونحن لا نعبد محمدًا ﵊ لقولة الصديق ﵁: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" ... فنحن لا نعبد محمدًا ﵊ لذا لا يقال عنا: محمديون؛ أما المسيحيون يمكن أن يقال عنهم كذلك؛ لأنهم يعبدون المسيح ﵇ ويعتقدون فيه أنه إله وابن إله وثالث ثلاثة ... إلى آخر ما اعتقدوه. واسم "المسيحيين" أحدث من اسم النصارى، ولعل نشأته جاءت مع مذهب كان يؤمن بعودة عيسى ابن مريم ﵇ وتحدثوا عن هذا كثيرًا: عودة المسيح؛ فعرفوا بالمسيحيين، ثم اشتهر هذا الاسم فيهم، وصار محببًا إليهم، وبعد أن كان في الغرب صار إلى بلاد الشرق أيضًا. وليس هذا فقط اسم للديانة أو لأتباعها؛ فكما عرفوا بالمسيحيين وبالنصارى، والديانة عرفت بالنصرانية والمسيحية؛ كذلك عرف القوم حديثًا باسم الصليبيين، ويقال: "الديانة الصليبية"؛ لأنه ارتبط بهم هذا الاسم لعبادتهم للصليب وتقديسهم له، وكذلك بعد حروبهم التي أطلقوا عليها اسم الحروب الصليبية، ورفعوا فيها الصليب يقاتلون دونه ومن ورائه، وبكثرة الحملات الصليبية انتشر فيهم هذا الاسم: "الصليبيون"، ويمكن أن يقال عن الديانة الصليبية لتعظيمها الصليب، واعتقادها أن المسيح صلب -برأه الله مما يقولون.

стр. 185

فهذه ثلاثة أسماء إذن تذكر عن هذا الدين بخلاف الاسم الأصلي الذي ينبغي أن يكون ما لم يحرف هذا الدين؛ ألا وهو الإسلام الذي جاء به عيسى ﵇ لكن بعد هم نصارى، هم مسيحيون، هم صليبيون، ولو قلنا مثلثون نظرًا لأن عقيدة التثليث أهم عقائدهم يمكن أن يقال عنهم مثلثون، ويمكن أن يقال على نصارى مصر أقباط، نسبة إلى بلدهم في اسمها القديم قبط؛ فهم أقباط، وكانوا يعرفون بهذا الاسم ولا يزالون؛ لكن هذا ليس دينًا إنما هو نسبة إلى مكان: مصر في اسمها القديم قبط، في اسمها الإنجليزي مثلًا Egypt فيقال باللغة القديمة أقباط وبالإنجليزية Egyptian. النصرانية من حيث المصادر المعتمدة عندهم، وتاريخها، والنظر إليها تعتمد المسيحية أو النصرانية في عقائدها وتشريعاتها على: - الكتاب المقدس لديهم: وهو يشتمل على التوراة والأناجيل ورسائل الرسل وأعمالهم، ورسائل بولس إجمالًا، فالتوراة تعتبر المصدر الأساسي للتشريع عندهم؛ لأن عيسى ﵇ أعلن أنه غير ناسخ للتوراة فقال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء! ما جئت لأنقض بل لأكمل! فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يدعى الكل". ولقد كان المسيح عيسى ابن مريم مصدقًا للتوراة في العقيدة والشريعة؛ ولذلك جاء في التوراة: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد.

стр. 186

وجاء في إنجيل متى ومرقص ولوقا أن عالمًا من علماء بني إسرائيل سأل المسيح عن الوصية العظمى في التوراة فأجابه بقوله: "الرب إلهنا رب واحد" يقول مرقص: فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون؛ فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد". وعلى ذلك سار عيسى ﵇ ومن كان معه، وكان ﵇ يزيل تشدد علماء بني إسرائيل، ويصحح لهم تفسير ما اختلفوا فيه، وانطلق أتباع عيسى ﵇ بدعوته؛ حتى كانت دعوة بولس المشئومة، والتي غير فيها وبدل؛ كما ستعلم ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن التوراة مصدر أساسي عند النصارى، وما ذكرناه عن التوراة في الكلام عن اليهود يذكر هنا، غير أنه يقال هناك بعض الأسفار المعتبرة عند اليهود مرفوضة عند المسيحيين -مثل سفر إستير- لعدم اعتقادهم صحة الوحي فيها. أقول: فكل ما ذكر في التوراة عن الله يقال في عقيدة النصارى: أنهم لم يعتقدوا نسخه، ولا ذكروا كذبه، ولا قالوا ببطلانه؛ فهي عقيدتهم إذن في الله -جل وعلا- مضافًا إليها ما قالوه بأن الله تنزل من عليائه وحل في مريم، وتربى في بطنها جنينًا وتغذى من دم حيضها، ثم نزل من رحمها؛ فتغذى من ثديها، ثم تربى على حجرها؛ حتى كبر وصار فتى يافعًا بعد أن كان طفلًا ثم شابًّا قويًّا؛ فلما بلغ مبلغ الرجال، وقام بواجب دعوته كذبه اليهود وآذوه واضطهدوه، وفي نهاية الأمر أمسكوه ووضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه ولكموه، ثم حكموا عليه وصلبوه ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥).

стр. 187

وما ذكر عن الأنبياء هناك من فواحش واتهامات يقال هنا كذلك في عقيدة النصارى ما لم يكذبوه ويرفضوه؛ ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث؛ فهي إذن عقيدتهم في الأنبياء مضافًا إليها ما زعموه في تقديس الأنبياء حتى وصولهم إلى درجة البنوة لله أو الألوهية، وكذلك الزعم للحواريين بأنهم رسل، ولا عصمة لهم ولا معجزة تؤيدهم، في الوقت الذي أنكروا فيه نبوة النبي محمد ﵌ كاليهود أيضًا؛ وقد ثبتت نبوته في الإنجيل كما في التوراة، وما ذكر في التوراة من تعصب يذكر هنا أيضًا في معتقدات النصارى وفي مصدرهم؛ لأنه كتابهم المقدس، والتوراة شريعتهم قبل الإنجيل، وما جاء عيسى ليغير منها حرفًا بل يكمل؛ والإنجيل ما هو إلا بشارة وأخلاق روحية؛ فالتوراة إذن مصدرهم الأول الذي يستقون منه تشريعاتهم وأحكامهم -وإن ادعى بعضهم نسخ بعض أحكامها؛ كما هو مذكور في مواضعه في الإنجيل. المصدر الثاني: الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم: ولفظ الإنجيل مختص بكتب هؤلاء الأربعة، وقد يطلق مجازًا على مجموع كتب العهد الجديد، وهذا اللفظ معرب كان في الإنجيل اليوناني إنكليون، بمعنى البشارة والتعليم؛ كما يسمى هذا الجزء من الكتاب المقدس باسم العهد الجديد، يقابل العهد القديم: وهو التوراة، ويشتمل على سبعة وعشرين كتابًا، على رأسها الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، إنجيل مرقص، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا. ويلاحظ أن هذه هي الأناجيل الأربعة التي اعترفت بها الكنيسة، بعد أن اختارتها من عدد كبير من الأناجيل، وأصدرت قرارًا بإعدام ما عداها، واتخذت إجراءات صارمة في تنفيذ هذا القرار؛ حتى لم يبقَ منها سوى إنجيل برنابا، وهو غير معترف به أيضًا.

стр. 188

بقية كتب العهد الجديد على النحو التالي: كتاب أعمال الرسل -الحواريون، رسالة بولس إلى أهل رومية، رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، رسالته الثانية إليهم، رسالته إلى أهل غلاطية، رسالته الأولى إلى أهل أفسس، رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، رسالته الثانية إليهم، رسالته الأولى إلى تيموثاوس، رسالته الثانية إليهم، ورسالته تيطس، ورساله إلى قليمون، ورسالته إلى العبرانيين، ورسالة يعقوب، ورسالة بطرس الأولى، ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يوحنا الأولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا، ورؤيا يوحنا ... كذا في فهرست العهد الجديد، ولنا وقفة مع كل سفر من أسفار العهد الجديد. أولًا: الأناجيل الأربعة: نظرة عامة: هذه الأناجيل الأربعة لم يملها المسيح، ولم تنزل عليه هو بوحي أوحي إليه؛ لكنها كتبت بعده بفترات متباعدة، ولقد ذكر بعض المؤرخين إلا أنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثالث؛ فأول من ذكر هذه الأناجيل أربعة أرينيوس في سنة ٢٠٩ ثم جاء من بعده كرنس إسكندريانوس في سنة ٢١٦، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتفِ الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة؛ بل أرادت إرغام الناس على قبولها لاعتقادها صحتها ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت، وصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها. وهذه الأناجيل تشتمل على أخبار يحيى -يوحنا المعمدان عندهم- والمسيح ﵇ مع تفصيل القول عن المسيح، بعد إجمال الحديث عن يحيى وما كان منه، وما أحاط

стр. 189

بولادته من عجائب وغرائب، وما كان يحدث منه أمور خارقة للعادة، ولا تحدث من سواه من البشر، وما كان يحدث له من أحداث، وما كان يجري بينه وبين اليهود، وما كان يلقيه من أقوال وخطب وأحاديث وأمثال ومواعظ، وفيها قليل من الشرائع التي تتعلق بالزواج والطلاق، ثم أخبار المؤامرة عليه، واتهامه، والقبض عليه، ومحاكمته؛ سواء أكانت تلك المحاكمة أمام اليهود أم أمام الرومان، ثم الحكم عليه بالموت صلبًا، وصلبه بالفعل -فيما يعتقدون- وفيها أيضًا قيامته من قبره ومكوثه أربعين يومًا ثم رفعه إلى السماء، وفي الجملة هي تشتمل على أخبار المسيح، وصلواته وأقوال وعجائبه من بدايته إلى نهايته في هذا العالم. وقفة سريعة مع كل إنجيل على حدة بكلمة عن تاريخ تدوينه والتعريف بمؤلفه: ١ - إنجيل متى: ترجمة متى: هو أحد تلاميذ المسيح الاثنا عشر، ويسميهم المسيحيون رسلًا، ولقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل، وكان اليهود ينظرون إلى الجباة نظرة ازدراء؛ لأنها تحمل صاحبها الظلم والعنف، والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التي تحكم البلاد بغير رضا أهلها؛ ولكن المسيح اختاره تلميذًا من تلاميذه، ولما أنكر الفريسيون عليه ذلك قال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب؛ بل المرضى؛ فاذهبوا وتعلموا ما هو؛ إني أريد رحمة لا ذبيحة؛ لأني لم آت لأدعو أبرارًا؛ بل خطاة إلى التوبة. إنجيل متى إصحاح ٩ الفقر ١٢: ١٣.

стр. 190

ولما صعد المسيح إلى ربه جال متى للتبشير بالمسيحية في بلاد كثيرة، وإن كان موطن دعايته -كما يروي مؤرخو المسيحية- هو الحبشة التي مات بها سنة سبعين من الميلاد، وفي رواية سنة ثلاث وستين ميلادية. إنجيل متى: اتفق جمهورهم على أنه كتب إنجيله بالعبرية أو السريانية، وأن أقدم نسخة كانت باليونانية، واختلفوا في أمور ثلاث هي: ١ - الجهل في تاريخ التدوين: والحق أن باب الاختلاف في شأن التاريخ لا يمكن سده، ولا يمكن ترجيح روايته، ولا جعل تاريخ أولى من تاريخ بالاتباع، ويمكن حصر التواريخ في سنة سبع وثلاثين، وثمان وثلاثين، وثلاث وأربعين، وثمان وأربعين، وواحد وستين وأربع وستين؛ فتعجب وتأمل. ٢ - جهل النسخة الأصلية التي كتبت بالعبرية. ٣ - جهل المترجم وحاله من صلاح أو غيره: ولئن تسامح الباحث في تاريخ التدوين، فليمنعه العلم من الاسترسال في التسامح؛ حتى يعرف الأصل الذي ترجم منه، ومدى مطابقته الترجمة للأصل؛ ولكن عز علينا العلم بالأصل، ولقد كنا نتعزى عن ذلك لو عرفنا المترجم، وأنه ثبت ثقة أمين في النقل، عالم لا يزيد على العلماء، فقيه في المسيحية، عارف للغتين فاهم لهما، مُجيد في التعبير بهما؛ فعندئذ كنا نقول ثقة

стр. 191

روى عن ثقة بترجمته، ونخل الخلة بتلك الرواية، ونرأب الثلمة بتلك النظرة؛ ولكن قد امتنع هذا أيضًا؛ فقال جمهرة علمائهم: إن المترجم لم يُعرف؛ فبقيت الثلمة من غير ما يرأبها؛ فنحن بين أيدينا كتاب لا يعرف تاريخ تدوينه، مجهول أصله، لا يعرف مترجمه. ٢ - إنجيل مرقص: ترجمة مرقص: اسمه يوحنا، المقلب بمرقص، وأصله من اليهود، وكانت أسرته بأورشليم وقت ظهور المسيح، ولم يكن من الاثنا عشر الذين تتلمذوا على يد المسيح، وإن كان من أوائل الذين أجابوا دعوته، فاختاره من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقادهم من بعد رفعه وألهموا بالتبشير للمسيحية كما ألهموا مبادئها؛ لكن مرقص كان يذكر ألوهية المسيح، وقد لازم خاله برنابا وبولس في رحلتهما إلى أنطاكية ثم تركهما وعاد إلى أورشليم، ثم التقى مرة أخرى بخاله واصطحبه إلى قبرص، ثم افترقا؛ فذهب إلى شمال أفريقيا، ودخل مصر في منتصف القرن الأول؛ فوجد في مصر أرضًا خصبة لدعوته ودخل كثير من المصريين فيها، وكان يتردد بين مصر وروما أحيانًا، وإلى شمال أفريقيا أحيانًا أخرى؛ ولكن مصر كانت المستقر الأمين له؛ فاستمر إلى أن ائتمر به الوثنيون؛ فقتلوه سنة اثنين وستين من الميلاد. يتفق المسيحيون على أن هذا الإنجيل كتب باللغة اليونانية؛ ولكنهم اختلفوا في الآتي:

стр. 192

١ - صحة نسبة الإنجيل إلى مرقص: فابن البطريك يقرر أن الذي كتبه بطرس عن مرقص في مدينة رومية ونسبه إليه، وأرينوس يقرر أن الذي كتبه مرقص من غير تدبير بطرس؛ لأنه كتبه بعد موت بطرس وبولس؛ فمن الكاتب إذن؟! وليس بين أيدينا ما نرجح به إحدى الروايتين على الأخرى. ٢ - جهل تاريخ التدوين: واختلافهم في زمان تأليفه بين هذه السنوات: سنة ست وخمسين أو خمس وستين أو ستين أو ثلاث وستين أو واحد وستين؛ فبين أيدينا كتاب مشكوك في صحة نسبته إلى صاحبه ومختلف في تاريخ تدوينه. ٣ - إنجيل لوقا: ترجمة لوقا: اختلف الباحثون في التعريف بصاحب هذا الإنجيل؛ فمن قائل: إنه أنطاكي، ولد بأنطاكية، ومن قائل: إنه روماني، ولد بإيطاليا، ومن قائل: إنه كان طبيبًا، ومن قائل: إنه كان مصورًا ... وكلهم متفقون على أنه من تلاميذ بولس ورفقائه، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولا من تلاميذ حوارييه؛ فشأنه من شأن بولس لا من شأن المسيح أو التلاميذ له. اختلف الباحثون في القوم الذين كتب لهم أولًا هذا الإنجيل؛ فمن قائل: إنه كتب لليونان، ومن قائل: إنه كتب لليهود، ومن قائل: إنه كتب للرومان، وآخر:

стр. 193

للكنيسة العامة، ومن قائل: إنه كتب إلى ثاوفوليس، وهذا الأخير كان مصريًّا لا يونانيًّا؛ فهو كتب للمصريين لا لليونان. جهل تاريخ التدوين: اختلفوا في زمن تأليفه ما بين سنة ثلاث وخمسين وثمان وخمسين وستين وثلاث وستين وأربع وستين؛ فبين أيدينا كتاب لا نعرف على وجه القطع شخصية كاتبه، وصناعته، والقوم الذين كتب لهم، وتاريخ تدوينه. ٤ - إنجيل يوحنا: ترجمة يوحنا: يختلف الباحثون حول يوحنا، وصحة نسبة الإنجيل إليه، وتاريخ تدوينه: ١ - فجمهور النصارى على أن كاتبه هو يوحنا الحواري ابن زيدي الصياد الذي كان يحبه السيد المسيح؛ حتى إنه استودعه والدته وهو فوق الصليب -كما يعتقدون- وقد نُفي في أيام الاضطهادات الأولى، ثم عاد إلى أفسس؛ ولبث يبشر فيها حتى توفي شيخًا هرمًا. ٢ - أن كاتبه يوحنا آخر لا يمت إلى الحواري بصلة روحية؛ فواضعه ليس يوحنا الحواري؛ إنما هو كتاب مزور أراد صاحبه أن يضاد اثنين من الحواريين بعضهما لبعض: وهما القديسان يوحنا، ومتى، وهذا هو الذي عليه محققو المسيحية، وقد عد المتعصبون من المسيحيين قولهم هذا خروجًا على وجه المسيحية.

стр. 194

أما تاريخ تدوينه: فقد اختلفوا فيه ما بين سنة تسع وستين، وسبعين، وثمان وستين، وتسع وثمانين، وخمس وتسعين، وثمان وتسعين، وست وتسعين ميلاديًّا؛ إذن فليس له تاريخ محدد لتدوين هذا الإنجيل. أما سبب تدوينه: إن المتأمل في كتب النصارى ومؤلفاتهم يرى أنهم مجمعون -أو يكادون- على أن سبب تدوين يوحنا لإنجيله هو إثبات ألوهية المسيح التي اختلفوا في شأنها؛ لعدم وجود نص في الأناجيل الثلاثة: متى، ومرقص، ولوقا -بعينها. ويستنبط من هذا أن الأناجيل الثلاثة الأولى ليس فيها ما يدل على ألوهية المسيح، أو كانت كذاك قبل تدوين الإنجيل الرابع على الأقل، وأن النصارى مكثت أناجيلهم نحو قرن من الزمان ليس فيها نص على ألوهية المسيح. أيضًا أن الأساقفة اعتنقوا ألوهية المسيح قبل وجود الإنجيل الذي يدل عليه؛ ولما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم اتجهوا إلى يوحنا ليكتب لهم إنجيله الذي يشتمل على الحجة، وهذا معناه أن الاعتقاد بألوهية المسيح سابق لوجود نص في الكتب عليه. والواقع أن لهذا الإنجيل شأنًا أكثر من غيره؛ لأنه الإنجيل الذي صرح بألوهية المسيح وأصبحت عقيدة النصارى وأساس التباين بينها وبين العقائد الأخرى. فهذه نظرة سريعة وخاطفة حول الأناجيل الأربعة -كما يعتقد كتاب النصارى لا كما يعتقد غيرهم- وهي -كما ترى- مشكوك في أصحابها وفي تدوينها وفي ترجمتها وفي كل شيء فيها، هذا فضلًا عما اشتملت عليه من تناقض واضح وتحريف ظاهر، وسنشير إلى شيء من هذا مجملًا -إن شاء الله تعالى.

стр. 195

والذي يجدر التنبيه إليه ويجب أن نعتقده: أن هذه الأناجيل ليست نازلة على عيسى ﵇ في نظرهم فضلًا عن غيرهم، وليست منسوبة إليه؛ ولكنها منسوبة لبعض تلاميذه ومن ينتمي إليهم، وهي -كما علمت- تشتمل على أخبار المسيح، وقصصه ومحاوراته وخطبه وابتدائه ونهايته في الدنيا -كما يعتقدون هم- فهي على أقصى تقدير لا تزيد عن كتاب سيرة لحياة المسيح ممتلئة بالخرافات والمتناقضات، وليتها صدقت في حياة المسيح كما صدق الكتاب عندنا في عرض سيرة النبي محمد ﷺ ولكن ترى فيها العجب العجاب؛ إن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على تعصب هؤلاء القوم لباطلهم ومحاربتهم للحق وجفوتهم له؛ فأين إنجيل عيسى الحق؟!. وبعد هذه النظرة السريعة حول تاريخ الأناجيل المعتمدة عندهم ينبغي أن نقول: ثبوت تحريف الأناجيل: وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩) وكما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: ١٣). هذا؛ وتحريف هذه الأناجيل واضح لكل ذي عينين، ومع ذلك يتعصب لها النصارى، والتناقض الذي في هذه الأناجيل ليس فيما بين إنجيل وإنجيل! لا؛ ولكن في الإنجيل الواحد نفسه؛ بل في الإصحاح الواحد، ولا أكون مبالغًا إن قلت: إن التناقض والتحريف يبدو واضحًا في الصفحة الواحدة ما بين أولها وآخرها، وربما وسطها أو ذات سطرها، ولا يقف حد التحريف عند متنها فقط؛ بل يتعداه إلى السند أيضًا.

стр. 196

وهاك شيء من الدليل على سبيل الإشارة والإجمال لا على سبيل التوضيح والتفصيل؛ فنقول: إن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد القديم والجديد، وليس عندهم أدنى دليل على أن سِفرًا من الأسفار كتب بواسطة النبي فلان ووصل إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والإسناد إلى شخص ذي إلهام لمجرد الظن والوهم لا يكفي في الإثبات؛ بل دعوى الإلهام مردودة وباطلة؛ كما سنتبينه -إن شاء الله تعالى- بل ثبت لديهم أن الكثير من الأسفار هي من الأكاذيب المصنوعة، ولا حجة في شيء لا يثبت صحة إسناده لقائله، "والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال"، ولقد اعتذر بعضهم عن ذلك لوقوع المصائب والفتن على المسيحيين لمدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة؛ فنحن ليس أمامنا أي إسناد لهم، وما رأينا فيها شيئًا غير الظن والتخمين ... يقولون بالظن ويتمسكون ببعض القرائن، وإن الظن في هذا الموضوع لا يغني شيئا. نقول أيضًا: إن هذه الكتب مملوءة بالاختلافات والأغلاط، وقد أشرت عند الكلام عن التوراة إلى بعض الاختلافات في التوراة، وتلك بعض الإشارات في الأناجيل: - من قابل بيان نسب المسيح الذي في إنجيل متى بالبيان الذي في إنجيل لوقا وجد ستة اختلافات. - وكذلك الاختلافات حول مكان إقامته، ومدة إقامته، وانتقاله إلى مصر أو إلى أورشليم. - وقصة التموج والهيجان في البحر بعد وعظ الأمثال في مرقص، وبعد وعظ الجبل في متى في الإصحاح الثامن، وبعد وعظ الأمثال في الإصحاح الثالث عشر. - كتب مرقص في الإصحاح الحادي عشر أن مباحثة اليهود والمسيح كانت في اليوم الثالث من وصوله إلى أورشليم، وكتب متى في الإصحاح الحادي والعشرين أنها كانت في اليوم الثاني؛ فأحدهما غلط.

стр. 197

- أرسل اليهود والكهنة واللاويين إلى يحيى ليسألوه: من أنت؟ فسألوه، وقالوا له: أأنت إيلياء؟ فقال: لست أنا بإيلياء. كما جاء في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا في الآية ١٤ من الإصحاح ١١ من إنجيل متى قول عيسى في حق يحيى ﵉ هكذا: وإن أردتم أن تقبلوا؛ فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي. فلزم التناقض. - ما جاء في إنجيل متى الإصحاح ١١ ومرقص الإصحاح١ ولوقا إصحاح ٧ هكذا: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. وفي سفر ملاخي إصحاح ٣ هي هكذا: ها أنا ذا مرسل ملاكي ويسهل الطريق أمام وجهي. - كتب متى في الإصحاح ٢٠ من إنجيله: أن عيسى لما خرج من أريحا وجد أعميين جالسين في الطريق، فشفاهما من العمى، وكتب مرقص في الإصحاح ٥ من إنجيله: أنه وجد أعمى واحدًا اسمه بارتمواوس فشفاه. - وكتب متى في الإصحاح الثامن أن عيسى لما جاء إلى عبر، إلى كورة الجدريين؛ استقبله مجنونان خارجان من القبور فشفاهما، وكتب مرقص في الإصحاح ٥ ولوقا في الإصحاح ٨: أنه استقبله مجنون واحد خارج من القبور فشفاه. - كتب متى في الإصحاح ٢١: أن عيسى أرسل تلميذين إلى القرية ليأتيا بالأتان والجحش، وركب عليهما. وكتب الثلاثة الباقون: ليأتي بالجحش؛ فأتيا به وركبا عليه. - كتب مرقص في الإصحاح ١: أن يحيى كان يأكل جرادًا وعسلًا بريًّا، كتب متى في الإصحاح ١١: أنه كان لا يأكل ولا يشرب.

стр. 198

- من قابل الإصحاح ١ من إنجيل مرقص، والإصحاح ٤ من إنجيل متى، والإصحاح ١ من إنجيل يوحنا وجد ثلاثة اختلافات في كيفية إسلام الحواريين. - من قابل الإصحاح ٩ من إنجيل متى والإصحاح ٥ من إنجيل مرقص في قصة ابنة الرئيس وجد اختلافا. - في الآية ٣١ من الإصحاح ٥ من إنجيل يوحنا قول المسيح هكذا: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق. - يعلم من الإصحاح ١٥ من إنجيل متى: أن المرأة المستغيثة لأجل شفاء ابنتها كانت كنعانية ويعلم من الإصحاح ٧ من إنجيل مرقص: أنها كانت يونانية باعتبار القوم، وفينيقية سورية باعتبار القبيلة. - كتب مرقص في الإصحاح ٧: أن عيسى أبرأ واحدًا كان أصم وأبكم، وبالغ متى في الإصحاح ١٥ فجعل هذا الواحد جمًّا غفيرًا، وهذه المبالغة كما بالغ يوحنا في آخر إنجيله هكذا: وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة. فانظروا إلى ظنه!. - في الإصحاح ٢٦ من إنجيل متى: أن عيسى قال مخاطبًا للحواريين: إن واحدًا منكم يسلمني، فحزنوا جدًّا، وابتدأ كل واحد منهم يقول: هل أنا هو يا رب؟ فأجاب وقال: الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ فأجاب يهوذا مسلمه، وقال: هل أنا هو يا سيدي؟ قال له: أنت قلت ... وفي الإصحاح ١٣ من إنجيل يوحنا هكذا: قال عيسى ﵇: إن واحدًا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظر بعضهم إلى بعض متحيرين؛ فأشار بطرس إلى تلميذ كان عيسى يحبه أن يسأله، فسأل، فأجاب: هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه؛ فغمس اللقمة وأعطاها يهوذا.

стр. 199

- كتب متى في الإصحاح ٢٦ في كيفية أسر اليهود عيسى ﵇ أن يهوذا كان قد قال لليهود: أمسكوا من أقبله؛ فجاء معهم وتقدم إلى عيسى وقال: السلام يا سيدي وقبَّله، فأمسكوه، وفي الإصحاح ١٨ من إنجيل يوحنا هكذا: فأخذ يهوذا الجند من عند رؤساء الكهنة والفريسيين؛ فجاء؛ فخرج يسوع، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري، قال لهم عيسى: أنا هو -وكان يهوذا مسلمه أيضًا واقفًا معهم- فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض؛ فسألهم مرة أخرى من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري؛ فأجاب عيسى: قد قلت لكم: إني أنا هو؛ فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون. - اختلف الإنجيليون الأربعة في بيان إنكار بطرس على ثمانية أوجه فهم من الأناجيل الثلاثة الأوَل: أن عيسى ﵇ نحو الساعة السادسة كان على الصليب، ومن إنجيل يوحنا أنه كان في هذا الوقت في حضور بيلاطس البنطي. - يعلم من متى أن مريم المجدلية ومريم الأخرى لما وصلتا إلى القبر؛ نزل ملاك الرب ودحرج الحجر عن القبر، وقال: لا تخافا واذهبا سريعًا، ويعلم من مرقس أنهما وسالوما لما وصلن إلى القبر رأين أن الحجر مدحرج؛ ولما دخلن القبر رأين شابًّا جالسًا عن اليمين، ويعلم من لوقا أنهن لما وصلن وجدن الحجر مدحرجًا؛ فدخلن ولم يجدن جسد المسيح فصرن محتارات؛ فإذا رجلان واقفان بثياب براقة. - يعلم من متى أن الملَك لما أخبر المرأتين أنه قد قام من الأموات ورجعتا؛ لاقاهما عيسى ﵇ في الطريق وسلم عليهما وقال: اذهبا وقولا لإخوتي أن

стр. 200

يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني. ويعلم من لوقا أنهن لما سمعن من الرجلين رجعن وأخبرن الأحد عشر تلميذًا وسائر التلاميذ بهذا كله؛ فلم يصدقوهن، وكتب يوحنا أن عيسى لقي مريم عند القبر. - في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر: أن دم جميع الأنبياء منذ إنشاء العالم من دم هابيل إلى دم زكريا يطلب من اليهود، وفي سفر حزقيال الإصحاح ١٨: لا يؤخذ أحد بذنب أحد، وفي موضع من التوراة: أن الأبناء تؤخذ بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال أو أربعة أجيال. - في إنجيل متى إصحاح ٥: طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم يدعون أبناء الله. في إصحاح ١٠ منه هكذا: ولا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، وما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، وبين الكلامين اختلاف، ويلزم أن يكون عيسى ﵇ من الذين قيل في حقهم: طوبى، ولا يدعى ابن الله. - نقل متى قصة موت يهوذا الإسخريوطي في الإصحاح ٢٧: أنه خنق نفسه ومات، ونقل لوقا هذه القصة في سفر أعمال الحواريين الإصحاح ١: بأنه خر على وجهه وانشق بطنه؛ فانسكبت أحشاؤه كلها ومات. - العنوان الذي كتبه بيلاطس، ووضعه على الصليب في الأناجيل الأربعة مختلف: في الأول: هذا هو يسوع ملِك اليهود، وفي الثاني: ملِك اليهود، وفي الثالث: هذا هو ملِك اليهود، وفي الرابع: يسوع الناصري ملِك اليهود.

стр. 201

والعجب أن هذا الأمر قليل ما بقي محفوظًا لهؤلاء الإنجيليين؛ فكيف يعتمد على حفظهم في الأخبار الطويلة؟! ولو رآه آحدٌ من طلبة المدرسة مرة واحدة لما نسيه ... واعلم أن هذا غيض من فيض وقليل من كثير جدًّا. الثالث: إثبات التحريف اللفظي والمعنوي: ولا نزاع بيننا وبين المسيحيين في القسم الثاني التحريف المعنوي؛ لأنهم كلهم يسلمون صدوره عن اليهود في العهد القديم في تفسير الآيات التي هي إشارة -في زعمهم- إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام التي هي أبدية عند اليهود، وأن علماء البروتستانت يعترفون بصدوره عن المعتقدين في عصمة البابا في أسفار العهدين. بقي القسم الأول: تحريف لفظي: قد أنكره علماء البروتستانت في الظاهر إنكارًا شديدًا؛ لتغليظ جهال المسلمين، وأوردوا أدلة مموهة مزورة في رسائله ليوقعوا الناظرين في الشك؛ لذلك هو محتاج إلى الإثبات؛ ولذا أردنا إثباته هنا، مع القول بأن التحريف اللفظي على أقسام ثلاثة: ١ - التحريف اللفظي بالتبديل. ٢ - التحريف اللفظي بالزيادة. ٣ - التحريف اللفظي بالنقصان. وإذا أردت التوسع فراجع في ذلك كتاب (إظهار الحق) من صفحة ٢٠٥ إلى ٢٩٢؛ ولذلك أدلته الواضحة وشواهده البينة؛ إنما قصدنا الإشارة ولم نرد الذكر والتفصيل خوفًا من الإطالة، ولأنه إشارات لهذه المصادر، ولم نرِد

стр. 202

الحديث عن التحريف بالتفصيل؛ أما التوسع فيه وفي ذكر أدلته ففي كتاب (إظهار الحق) من صفحة ٢٩٦ إلى ٣١٣. رابعًا: إثبات نسخ الكتب السابقة للقرآن الكريم: فالكتاب الخاتم والمهيمن على كل الكتب، وذلك بثبوت تحريفها، وتطرق الشك إلى أحكامها؛ ولتغير الشرائع والمناهج من وقت لوقت حسبما تستدعيه الحكمة الإلهية والمصلحة التشريعية، والنسخ ثابت في كل الشرائع لا في شريعتنا فقط؛ فكان يقع النسخ لشريعة نبي سابق بشريعة نبي لاحق، ولا يشترط أن يكون النسخ جملة؛ وإنما يتبقى العقائد الصحيحة والأصول الثابتة في كل رسالة، وكذلك ما ثبت من الشرائع. ثانيًا: وقفة سريعة حول الأناجيل غير المعترف بها عند المسيحيين -إشارة دون التفصيل-: فلقد علمنا أن الكنيسة المسيحية قبلت تلك الأناجيل الأربعة وما تبعها من الرسائل؛ ولكنها أنكرت الكثير من الأناجيل التي لا تتفق مع ما صارت إليه الكنيسة بعد المجامع التي أقيمت، ومن ثم أصدرت قرارًا بإعدامها، واتخذت لذلك وسائل عدة؛ فإن من بين هذه الأناجيل التي أعدمت أناجيل قد أخذت بها فرق قديمة وراجت عندها، ولم تعتنق كل فرقة إلا إنجيلها. فعند كل من أصحاب مرقيون وأصحاب وصال إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح -في زعمهم- وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى ينكرونه، وهناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرنتهيس.

стр. 203

ولقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة -في اعتقادها- فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك. ولقد كنا نود ونحن ندرس المسيحية وأدوارها في التاريخ أن نعرف هذه الأناجيل التي أهملت، وما كانت تشتمل عليه مما كان سببًا في رفضها وحمل الناس على تركها، وخصوصًا أنها كانت رائجة ويأخذ بها طوائف من المسيحيين ويتدينون هذه الديانة على مقتضاها؛ فإن الاطلاع عليها يمكننا من معرفة اعتقاد الناس في المسيح وكيف كان؛ خصوصًا بين أولئك الذين قاربوا عصره وأدركوا زمانه، ولقوا تلاميذه ونهلوا من مناهلهم؛ وإذ ضن التاريخ بحفظ نسخ منها فقد كنا نود أن تطلعنا الكنيسة على ما اشتملت عليه مما يخالفها، وما كان من سبب رفضها، وترينا حجة الرفض لتكون دليلًا منيرًا لها على أنها بهذا أقامت دين المسيح ولم تغيره؛ ولكن ضن التاريخ علينا فطوى تلك الأناجيل، اللهم إلا ما وقع في أيدينا من إنجيل برنابا أو ما نسمع عنه أن هناك بعض النسخ من الأناجيل الأصلية أو القديمة وضعت في المتاحف؛ كما ضنت علينا الكنيسة فطوت تلك البينات؛ فلم يبقَ لنا إلا أن نكتفي من الدراسة بما بين أيدينا؛ ولعل فيه عناء إن أمعنا النظر وأمعنا في الاستنباط، وجعلنا لقضية العقل سلطانًا ومن بديهياته برهانًا. ومما تبقى من هذه الأناجيل كان إنجيل برنابا الذي أنكرته الكنيسة؛ لأنه صرح بتوحيد الله تعالى وبالبشارة بالنبي محمد ﵌ وقال ببشرية عيسى ﵇ وأنكر صلبه، وذكر أنه ألقي الشبه على يهوذا الإسخريوطي؛ كما ذكر أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق؛ فكانت هذه الأمور مخالفة لما عليه النصارى في

стр. 204

معتقداتهم؛ فأنكروا إنجيل برنابا الذي يمتاز بقوة التصوير وسمو التفكير، والدقة البارعة والعبارة المحكمة، والمعنى المنسجم؛ حتى أنه لو لم يكن كتاب دين لكان في الأدب والحكمة من الدرجة الأولى؛ لسمو العبارة وبراعة التصوير. هذا؛ وقد اختلف النصارى مع اليهود في عدد من كتب العهدين أو العهد القديم خاصة؛ كاختلافهم في كتاب إستير، ورسالة يعقوب، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية ليوحنا، والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا، والخلاف حول كتاب أزدم، وطوبيا، وباروخ، وإكييزيا، إستيكس، وكتاب المكابيين الأول والثاني، ورؤيا يوحنا - ما بين قبول ورد. حتى كانت رسائل بولس الذي ادعى أنه التقى مع المسيح، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى رسول يغير رسالة المسيح من الألف إلى الياء لسياسة النفس الطويل، وساعده على ذلك أنه كان نشيطًا دائم الحركة، ذا قوة لا تكل ونفس لا تمل، وكان ألمعيًّا شديد الذكاء بارع الحيلة، قوي الفكرة، يدير الأمور لما يريدها بدهاء الألمعي وذكاء الأروعي، ويسدد السهام لغاياته ومآربه فيصيبها؛ كما كان شديد التأثير في نفوس الجماهير قوي السيطرة على أهوائهم؛ وبذلك صارت المسيحية لبولس، وليس للمسيح ﵇ وكتب بولس رسائله فهو صاحب أربعة عشر رسالة من رسائل الرسل الاثنين والعشرين رسالة. وقد ادعوا أنه كتب هذه الرسائل بالإلهام، ودعوى الإلهام باطلة قطعًا؛ سيما وأن ما كتبه يوجد فيه من الاختلافات الكثير، والأغلاط الشيء الكثير، والتحريفات المحصورة وغير المحصورة الكثير والكثير؛ فكيف يكتب هذا بالإلهام؟! وكيف يكون إلهامًا، ولم تطابق كتب النصارى أي شروط لما ينبغي أن تكون عليه الكتب؟!. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 205

الدرس: ١١ أهم معتقدات النصرانية مع الرد عليها .

стр. 206

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (أهم معتقدات النصرانية مع الرد عليها) التثليث والإيمان بثلاثة أقانيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أنتقل بك إلى الكلام عن أهم معتقدات النصرانية مع الرد عليها. معتقدات النصرانية في أهمها قضية التثليث والصلب والفداء، فنقول -وبالله التوفيق-: عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس، وهي أصل الدستور الذي بيّنه مجمع نِيقِيا هي الإيمان بإله واحد، آب واحد، ضابط الكل خالق السماء والأرض كل ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهر، من نور الله، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شيء. والذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خطايانا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا في عهد بِيلاطِس، وتألم وقُبر وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب، وسيأتي بالمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه، والإيمان بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، الذي هو مع الابن يسجد له ويمجده الناطق بالأنبياء. هذا هو جوهر العقيدة المسيحية ولُبها، والذي يقوم على هذه العناصر الثلاثة؛ العنصر الأول: التثليث والإيمان بثلاثة أقانيم. والعنصر الثاني: صلب المسيح فداء عن الخليقة وقيامه من قبره ورفعه. والعنصر الثالث: أنه يدين الأحياء والأموات.

стр. 207

ولنتكلم عن كل واحد من هذه العناصر فنقول أولًا: عقيدة التثليث بألسنة وأقلام المسيحيين: قال الدكتور برست في (تاريخ الكتاب المقدس): "طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير. ويفهم من هذا أن الأقانيم الثلاثة عناصر متلازمة لذات الخالق. وقد فسر هذا المعنى القس بوتر في رسالة صغيرة سماها (الأصول والفروع) وإليك ما جاء فيها: "بعدما خلق الله العالم وتوج خليقته بالإنسان، لبث حينًا من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بوحدانيته، كما يتبين ذلك من التوراة، على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية؛ لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات: كلمة الله، أو حكمة الله، أو روح القدس، ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعاني؛ لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحه على وجه الكمال والتفصيل. ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المراد؛ إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت، ثم جاء المسيح إلى العالم، ران بتعاليمه وأعماله المدونة في الإنجيل أن له نسبة سرية أزلية إلى الله، تفوق الإدراك، ونراه مسمى في أسفار اليهود كلمة الله، وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة. ثم لما صعد إلى السماء أرسل روحه ليسكن بين المؤمنين، قد تبين أن لهذه الروح أيضًا نسبة أزلية إلى الله فائقة كما للابن، ويسمى الروح القدس، وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا.

стр. 208

مما تقدم يتضح بجلاء أن المسمى بكلمة الله، والمسمى بروح الله في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس، المذكوران في الإنجيل، فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل كل التصريح، وأن وحدة الجوهر لا يناقضها تعدد الأقانيم. وكل من أنار الله ذهنه وفتح قلبه في فهم الكتاب المقدس، لا يقدر أن يفسر الكلمة بمجرد أمر من الله أو قول مفرد، ولا يفسر الروح القوة التأثيرية، بل لا بد له أن يعلم أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، متساوية في الكمالات الإلهية، وممتازة في الاسم والعمل، والكلمة والروح القدس اثنان منهم، ويدعى الأقنوم الأول الأب. ويظهر من هذه التسمية أنه مصدر كل الأشياء ومرجعها، وأن نسبته للكلمة ليست صورية، بل شخصية حقيقية، ويمثل الأفهام محبته الفائقة وحكمته الرائعة. ويدعى الأقنوم الثاني الكلمة، بأن يعلن مشيئته بعبارة وافية، وأنه وسيط المخابرة بين الله والناس، ويدعى أيضًا الابن؛ لأنه يمثل العقل نسبة المحبة والوحدة بينه وبين أبيه، وطاعته الكاملة لمشيئته، والتمييز بين نسبته هو إلى أبيه، ونسبة كل الأشياء إليه. ويدعى الثالث الروح القدس، الدلالة على النسبة بينه وبين الأب والابن، وعلى عمله في تنوير أرواح البشر وحثهم على طاعته، وبناء على ما تقدم يظهر جليًّا أن عبارة الابن لا يشير -كما فهم بعضهم خطأ- إلى ولادة بشرية، ولكنها تصف سرية فائقة بين أقنوم وآخر في اللاهوت الواحد. وإذا أراد الله أن يفهمنا تلك النسبة، لم تكن عبارة أنسب من الابن للدلالة على المحبة والوحدة في الذات، والأمانة للمشورة الإلهية، وأما من حيث الولادة البشرية فالله منزه عنها. لأجل هذه الإيضاحات علم خدام الدين المسيحي

стр. 209

واللاهوتيون -حسب ما قررته الكلمة الإلهية- أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم حسب نص الكلمة الأزلية، ولكل منهم عمل خاص في البشر". انتهى كلامه من (تاريخ الكتاب المقدس). ونجد كاتب هذا الكلام يحاول ثلاث محاولات: أولاها: إثبات أن التوراة وجد فيها أصل التثليث، لوحت به ولم تصرح وأشارت إليه ولم توضح. وثانيهما: أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم هي في شعبها متغايرة، وإن كانت في جوهرها غير متغايرة. وثالثهما: أن العلاقة بين الأب والابن ليست ولادة بشرية، بل هي علاقة المحبة والاتحاد في الجوهر. ولقد كان بيان ذلك المعنى أوضح من هذا البيان، في قول القس إبراهيم سعيد في تفسير بشارة لوقا، فقد جاء في تفسير معنى كلمة ابن العلي، التي جاءت في "إنجيل لوقا" ما نصه: يليق أن نوضح بكلمات موجزة المعنى المراد بابن العلي أو ابن الله، فلم يقصد بها ولادة طبيعية ذاتية من الله، وإلا لقيل: ولد الله، ولم يقصد بها ما يقال عادة عن المؤمنين جميعًا أنهم أبناء الله؛ لأن نسبة المسيح لله هي غير نسبة المؤمنين عامة لله، ولم يقصد بها تفرقة في المقام من حيث الكبر والصغر، ولا الزمنية ولا في الجوهر. لكنه تعبير يكشف عن عمق المحبة السرية، التي بين المسيح والله، وهي محبة متبادلة، وما المحبة التي بين الأب والابن الطبيعيين سوى أثر من آثارها، وشعاع

стр. 210

ضئيل من بهاء أنوارها، ويراد بها إظهار المسيح لنا أنه الشخص الوحيد الذي حاز رضا الله، وأطاع وصاياه، فقبل الموت موت الصليب، لذلك يقول الله فيه: هذا ابني الحبيب، الذي به سررت له اسمعوا. وقد تكررت هذه العبارة عدة مرات مدة خدمة المسيح على الأرض؛ لأنه تم إرادة الله في الفداء، ويراد بها إظهار التشابه والتماثل في الذات وفي الصفات وفي الجوهر، كما يكون بين الأب والابن الطبيعيين، فقيل عن المسيح: إنه بهاء مجد الله ورسم جوهره. قال هو عن نفسه: من رآني فقد رأى الأب والأب واحد، ويراد بها دوام شخصية المسيح، باعتباره الوارث لكل شيء، الذي منه وبه وله كل الأشياء. وقد يراد بها معانٍ كثيرة غير معدودة يقصر دون إدراكها العقل، وفي هذا التفسير والتفسير الذي سبقه، يبدو بجلاء أن شخصية الابن غير الأب، وكذلك روح القدس، ولكن هل يدخل في الأقنوم الثاني جسده وروحه؟ جاء في كتاب (خلاصة تاريخ المسيحية في مصر): كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من "كرلس" و"ديسيقورس" ومعنا الكنائس الحبشية والأرمانية والسريانية الأرثوذكسية، نعتقد أن الله ذات واحدة مثلثة الأقانيم؛ أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الروح القدس، وأن الأقنوم الثاني -أي: أقنوم الابن- تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، مُصَيِّرًا هذا الجسد معه واحدًا وحدة ذاتية جوهرية، منزهة عن الاختلاط والامتزاج، والاستحالة بريئة من الانفصال. وبهذا الاتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين ومشيئة واحدة، وتعتقد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية بأن للأقنوم الثاني طبعيتين ومشيئتين.

стр. 211

من هذا ترى أن الكنائس كلها تعتقد التثليث وهذا هو موضع اتفاق، ولكن موضع الخلاف بينها هو العنصر الإلهي في المسيح، أهو للجسد الذي تكون من روح القدس ومن مريم العذراء، الذي باختلاطه بعنصر إلهي صار طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، أم أن الأقنوم الثاني له طبيعتان ومشيئتان. ومن هذا كله يفهم أن المسيحيين على اختلافهم يعتقدون أن في اللاهوت ثلاثة يعبدون، وعباراتهم تفيد بمقتضاها أنهم متغايرون، وإن اتحدوا في الجوهر والقدم والصفات والتشابه بينهم كامل، ولكن كتابهم يحاولون أن يجعلوهم جميعًا أقانيم لشيء واحد، وبعبارة صحيحة: يحاولون الجمع بين التثليث والوحدانية، ولكن عند هذه المحاولة تستغلق فكرة التثليث وتصير بعيدة عن التصور، كما هي في ذاتها مستحيلة التصديق، وإن كُتابهم أنفسهم يعتقدون أنها بعيدة التصور عند هذه المحاولة؛ لأن من أصعب الأشياء الجمع بين الوحدانية والتثليث. فنرى صاحب رسالة (الأصول والفروع) بعد بيان عقيدة التثليث يقول: "قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية". أي أن عقيدة التثليث لا يمكن أن تنكشف للنفس على وجهها، إلا يوم تتجلى كل الأشياء لها يوم القيامة، وذلك حق، فإنهم لا يعلمون حقيقتها إلا يوم يحاسبهم الله عليها، ويومها يعلمون كذبهم ويأخذون جزاءهم، كما قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (النحل: ٣٩).

стр. 212

ويقول القس توفيق في كتابه (سر الأزل): "إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس، تعتبر أعماقًا إلهية وأسرارًا سماوية، لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها وتحليلها، أو نلصق بها أفكارًا من عندياتنا، وإذا كانت أسرارًا فلماذا أرسل بها رسول مبلغ ونزل بها كتاب". ويقول أيضًا في كتابه (التثليث والتوحيد): "الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه". ويقول القس "باسيلوس" في كتابه (الحق): "أجل إن هذا التعليم من التثليث فوق إدراكنا". انتهى كلامهم، كما أردنا أن نبين عقيدة التثليث عند النصارى بأقلامهم وبألسنتهم. إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ وبنوته من القرآن الكريم ومن نصوص أناجيله، وإثبات نبوته وللرد عليهم نقول -بتوفيق الله : أولًا: إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ وبنوته من القرآن الكريم: نؤمن نحن المسلمين بأن الله أزلي أبدي، ليس لأزليته بداية وليس لأبديته نهاية، وأنه منزه عن الجوهر والعرض والجسد، مقدس عن أن يكون له والد أو يكون له ولد، وأنه قوي قاهر لا يهزم ولا يغلب ولا يقتل ولا يصلب، وأنه خالق قادر، خلق عيسى من غير ذكر، وحواء من غير أنثى، وآدم من تراب، وبقية البشر والخلق من ذكر وأنثى، وجعل لنا في ذلك آية. فنحن نؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ونحن بالإيمان بالمسيح ابن مريم رسول الله أولى، قدرناه حق قدره، وقلنا بفضله المعلوم وفخره، واعتقدنا بمنزلة تقبلها الأفهام وتليق بالعقول والأوهام، ليس

стр. 213

إلهًا ولا ابن إله ولا ثالث ثلاثة، ولا جزءًا من الله، أو نصف إله ... إلى آخر ما ادعاه النصارى، وإنما هو عبد كامل العبودية، أنعم الله عليه وجعله في ولادته ومعجزاته آية وعلامة لبني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف: ٥٩) ثم هو لم يتأب على العبودية ولم يتكبر عليها أو يستنكف عنها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: ١٧٢) وتبرأنا من قوم غدوا فيه على طرفي نقيض: مفتون به ضال، وظالم له بغيض، وهما في عمى بصائرهم سيان، ولدى حلبة الكفر فرسا رهان. أما المفتونون به الضالون، فقد أوقعوا أنفسهم في خطيئة ذات شقين يستحيل غفرانها؛ الأول: أنهم أوردوا عيسى بغلوهم فيه موردًا يعتذر عند الله فيه يوم الحشر بين يديه؛ إذ يقول له وهو ﵎ أعلم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١٦، ١٧). وأما من أبغضه أو سبه ولعنه، فإنما أوردوه بفعلهم موردًا يكون حسيبهم فيه، والقائم دونه يأخذ حقه منهم، ثم نحن نسأل: لماذا عيسى إله، ألأنه من روح الله، أم لأنه بدون أب، أم لأنه يحيي الموتى؟ فلئن كان من حيث هو روح من الله فآدم ﵇ كذلك، نفخ الله فيه من روحه بعد أن سواه من تراب، وعيسى نفخة من روح الله، فلماذا وجبت الألوهية لعيسى ولم تجب لآدم؟!

стр. 214

والنصارى يقرون له أنه روح من الله في حجاب من تراب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٩) ولئن كان من حيث إنه بدون أب، فإنه يلزم أن يكون آدم أولى منه بهذه الألوهية أو تلك البنوة؛ لأنه بدون أب ولا أم، بل خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، ولما لم يبعد خلق آدم من التراب، لم يبعد أيضًا خلق عيسى ﵇ من الدم، الذي كان يجتمع في رحم أمه، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). وربما زعموا له بالألوهية لأنه كان يحيي الموتى. نقول: ألم يكن ذلك بإذن الله، وكذلك هل كل من يحيي الموتى يحكم له بالألوهية؟ إذًا فعليهم أن يؤمنوا بألوهية إبراهيم، فقد أحيا الله على يديه الموتى، وبألوهية العزير قد أحيا الله له الموتى، وكذلك بألوهية إلياس النبي، فقد أحيا الموتى وكذلك اليسع كما ورد هذا في العهد القديم، فلم تظلمون بعضًا دون بعض. وكذلك أنطق الله الشاة المسمومة لنبينا محمد ﵌ فلماذا يكون عيسى ابنا لله من دون الخلق، والابن يكون لحاجة الأب إليه في كبر سنه، وليس لله حاجة فهو الغني عن العالمين، أو ليكون امتدادًا لسيرة والده من بعده، والله تعالى حي لا يموت، فلا حاجة لعيسى إذًا. ولئن كان عيسى ابنًا لله ألا تكون له خاصية وميزة على بقية الخلق، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر: ٤) فكان جديرًا بهذا الولد أن يكون فيه شبه من أبيه وميزة على من سواه، وتنزه عن نقائص بني آدم، ولكن القرآن الكريم يحدثنا

стр. 215

عن عيسى وأمه كما حدثتنا الكتب السابقة أيضًا، بأنهما كانا يأكلان الطعام، وأكل الطعام كناية عن التغوط، وقد كان يجب لله تعالى لو سبق في حكمه أن يكون إنسانًا، وينزل لمقابلة عباده كما زعموا، أن يمتنع عن التغوط؛ إذ هو دنية ابتلي بها آدم وبنيه، مبنية على نقصهم وضعفهم، وهو تعالى المختص بالكمال والموصوف بالعظمة والجلال، فلا يليق به تلك الدنية. ولا نعلم من فرق المسيحية من يقول: إن عيسى لم يكن يتغوط ولا يبول، حاشا لله أن يحقر خلقًا له بدنية، يراها أخص الآدميين عارًا في نفسه لم يتشبه بعبيده فيها، بل كان يتركها دون غيرها من صفات الإنسانية. يوضح الله الحقيقة بقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥). وكيف يكون عيسى ابنًا لله كما زعموا، وليس لله زوجة وكذلك لا ولد بدون زوجة، فكيف يكون إذًا ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٠١). ولم يكون لله ولد، مع أن كل الناس عباد لله، وعلى افتراض جدلي: لو أن لله ولدًا لعبدناه جميعًا وعلى رأسنا نبينا محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف: ٨١). ولكن لماذا وربنا يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: ٨٨ - ٩٣) الآيات.
следующие страницы →