← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 31083

الأديان والمذاهب - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (387 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من هذا ترى أن الكنائس كلها تعتقد التثليث وهذا هو موضع اتفاق، ولكن موضع الخلاف بينها هو العنصر الإلهي في المسيح، أهو للجسد الذي تكون من روح القدس ومن مريم العذراء، الذي باختلاطه بعنصر إلهي صار طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، أم أن الأقنوم الثاني له طبيعتان ومشيئتان. ومن هذا كله يفهم أن المسيحيين على اختلافهم يعتقدون أن في اللاهوت ثلاثة يعبدون، وعباراتهم تفيد بمقتضاها أنهم متغايرون، وإن اتحدوا في الجوهر والقدم والصفات والتشابه بينهم كامل، ولكن كتابهم يحاولون أن يجعلوهم جميعًا أقانيم لشيء واحد، وبعبارة صحيحة: يحاولون الجمع بين التثليث والوحدانية، ولكن عند هذه المحاولة تستغلق فكرة التثليث وتصير بعيدة عن التصور، كما هي في ذاتها مستحيلة التصديق، وإن كُتابهم أنفسهم يعتقدون أنها بعيدة التصور عند هذه المحاولة؛ لأن من أصعب الأشياء الجمع بين الوحدانية والتثليث. فنرى صاحب رسالة (الأصول والفروع) بعد بيان عقيدة التثليث يقول: "قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية". أي أن عقيدة التثليث لا يمكن أن تنكشف للنفس على وجهها، إلا يوم تتجلى كل الأشياء لها يوم القيامة، وذلك حق، فإنهم لا يعلمون حقيقتها إلا يوم يحاسبهم الله عليها، ويومها يعلمون كذبهم ويأخذون جزاءهم، كما قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (النحل: ٣٩).

стр. 212

ويقول القس توفيق في كتابه (سر الأزل): "إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس، تعتبر أعماقًا إلهية وأسرارًا سماوية، لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها وتحليلها، أو نلصق بها أفكارًا من عندياتنا، وإذا كانت أسرارًا فلماذا أرسل بها رسول مبلغ ونزل بها كتاب". ويقول أيضًا في كتابه (التثليث والتوحيد): "الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه". ويقول القس "باسيلوس" في كتابه (الحق): "أجل إن هذا التعليم من التثليث فوق إدراكنا". انتهى كلامهم، كما أردنا أن نبين عقيدة التثليث عند النصارى بأقلامهم وبألسنتهم. إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ وبنوته من القرآن الكريم ومن نصوص أناجيله، وإثبات نبوته وللرد عليهم نقول -بتوفيق الله : أولًا: إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ وبنوته من القرآن الكريم: نؤمن نحن المسلمين بأن الله أزلي أبدي، ليس لأزليته بداية وليس لأبديته نهاية، وأنه منزه عن الجوهر والعرض والجسد، مقدس عن أن يكون له والد أو يكون له ولد، وأنه قوي قاهر لا يهزم ولا يغلب ولا يقتل ولا يصلب، وأنه خالق قادر، خلق عيسى من غير ذكر، وحواء من غير أنثى، وآدم من تراب، وبقية البشر والخلق من ذكر وأنثى، وجعل لنا في ذلك آية. فنحن نؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ونحن بالإيمان بالمسيح ابن مريم رسول الله أولى، قدرناه حق قدره، وقلنا بفضله المعلوم وفخره، واعتقدنا بمنزلة تقبلها الأفهام وتليق بالعقول والأوهام، ليس

стр. 213

إلهًا ولا ابن إله ولا ثالث ثلاثة، ولا جزءًا من الله، أو نصف إله ... إلى آخر ما ادعاه النصارى، وإنما هو عبد كامل العبودية، أنعم الله عليه وجعله في ولادته ومعجزاته آية وعلامة لبني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف: ٥٩) ثم هو لم يتأب على العبودية ولم يتكبر عليها أو يستنكف عنها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: ١٧٢) وتبرأنا من قوم غدوا فيه على طرفي نقيض: مفتون به ضال، وظالم له بغيض، وهما في عمى بصائرهم سيان، ولدى حلبة الكفر فرسا رهان. أما المفتونون به الضالون، فقد أوقعوا أنفسهم في خطيئة ذات شقين يستحيل غفرانها؛ الأول: أنهم أوردوا عيسى بغلوهم فيه موردًا يعتذر عند الله فيه يوم الحشر بين يديه؛ إذ يقول له وهو ﵎ أعلم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١٦، ١٧). وأما من أبغضه أو سبه ولعنه، فإنما أوردوه بفعلهم موردًا يكون حسيبهم فيه، والقائم دونه يأخذ حقه منهم، ثم نحن نسأل: لماذا عيسى إله، ألأنه من روح الله، أم لأنه بدون أب، أم لأنه يحيي الموتى؟ فلئن كان من حيث هو روح من الله فآدم ﵇ كذلك، نفخ الله فيه من روحه بعد أن سواه من تراب، وعيسى نفخة من روح الله، فلماذا وجبت الألوهية لعيسى ولم تجب لآدم؟!

стр. 214

والنصارى يقرون له أنه روح من الله في حجاب من تراب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٩) ولئن كان من حيث إنه بدون أب، فإنه يلزم أن يكون آدم أولى منه بهذه الألوهية أو تلك البنوة؛ لأنه بدون أب ولا أم، بل خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، ولما لم يبعد خلق آدم من التراب، لم يبعد أيضًا خلق عيسى ﵇ من الدم، الذي كان يجتمع في رحم أمه، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). وربما زعموا له بالألوهية لأنه كان يحيي الموتى. نقول: ألم يكن ذلك بإذن الله، وكذلك هل كل من يحيي الموتى يحكم له بالألوهية؟ إذًا فعليهم أن يؤمنوا بألوهية إبراهيم، فقد أحيا الله على يديه الموتى، وبألوهية العزير قد أحيا الله له الموتى، وكذلك بألوهية إلياس النبي، فقد أحيا الموتى وكذلك اليسع كما ورد هذا في العهد القديم، فلم تظلمون بعضًا دون بعض. وكذلك أنطق الله الشاة المسمومة لنبينا محمد ﵌ فلماذا يكون عيسى ابنا لله من دون الخلق، والابن يكون لحاجة الأب إليه في كبر سنه، وليس لله حاجة فهو الغني عن العالمين، أو ليكون امتدادًا لسيرة والده من بعده، والله تعالى حي لا يموت، فلا حاجة لعيسى إذًا. ولئن كان عيسى ابنًا لله ألا تكون له خاصية وميزة على بقية الخلق، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر: ٤) فكان جديرًا بهذا الولد أن يكون فيه شبه من أبيه وميزة على من سواه، وتنزه عن نقائص بني آدم، ولكن القرآن الكريم يحدثنا

стр. 215

عن عيسى وأمه كما حدثتنا الكتب السابقة أيضًا، بأنهما كانا يأكلان الطعام، وأكل الطعام كناية عن التغوط، وقد كان يجب لله تعالى لو سبق في حكمه أن يكون إنسانًا، وينزل لمقابلة عباده كما زعموا، أن يمتنع عن التغوط؛ إذ هو دنية ابتلي بها آدم وبنيه، مبنية على نقصهم وضعفهم، وهو تعالى المختص بالكمال والموصوف بالعظمة والجلال، فلا يليق به تلك الدنية. ولا نعلم من فرق المسيحية من يقول: إن عيسى لم يكن يتغوط ولا يبول، حاشا لله أن يحقر خلقًا له بدنية، يراها أخص الآدميين عارًا في نفسه لم يتشبه بعبيده فيها، بل كان يتركها دون غيرها من صفات الإنسانية. يوضح الله الحقيقة بقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥). وكيف يكون عيسى ابنًا لله كما زعموا، وليس لله زوجة وكذلك لا ولد بدون زوجة، فكيف يكون إذًا ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٠١). ولم يكون لله ولد، مع أن كل الناس عباد لله، وعلى افتراض جدلي: لو أن لله ولدًا لعبدناه جميعًا وعلى رأسنا نبينا محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف: ٨١). ولكن لماذا وربنا يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: ٨٨ - ٩٣) الآيات.

стр. 216

ولذلك حكم الله تعالى بكفر من يعتقد بهذا الشرك ويؤمن بهذا المعتقد، فقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٢ - ٧٤) كما بين في قرآنه العظيم الكريم هذه الحقائق. ننتقل منها إلى إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ وإثبات نبوته من نصوص أناجيله: إن الذي يقرأ الأناجيل لا يجد فيه حديثًا صريحًا عن ألوهية عيسى، وإن عيسى ﵇ لم يدع تلك الألوهية، ولم تذكر تلك الأقانيم التي يقولون بها، اللهم إلا ما كان من بعض النصوص أو الفقرات المنتحلة، والتي ثبت تحريفها بل كذبها، بل إن الإنجيل أثبت عكس ما يزعمون، فها هو عيسى ﵇ حين خرج من السامرة ولحق بالجليل قال: "إنه لم يكرم نبي في وطنه أو أن ليس لنبي كرامة في وطنه"، إنجيل يوحنا إصحاح أربعة، الفقرة الثالثة والأربعون والرابعة والأربعون. وكذلك: "إنه ليس نبي مقبولًا في وطنه"، إنجيل لوقا إصحاح أربعة الفقرة الثالثة والعشرين. وحسبك هذا من دليل على أنه ما ادعى غير النبوة المعلومة. وقوله ﵇ لمن سأل: "أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلا واحدًا وهو الله، أنت تعرف الوصايا: لا تزنِ لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب أكرم أباك وأمك". إنجيل مرقص إصحاح عشرة الفقرة السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة.

стр. 217

وفي الإنجيل أيضًا: أن اليهود لما أرادت القبض عليه، وعلم بذلك رفع بصره إلى السماء وقال: "قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك، واجعل لي سبيلًا إلى أن أملك كل ما ملكتني الحياة الباقية، وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلهًا واحدًا وبالمسيح الذي بعثت، وقد عظمتك على أهل الأرض، واحتملت ما أمرتني به فشرفني لديك". إنجيل يوحنا إصحاح سبعة عشر. وكذلك قول عيسى لتلاميذه: "ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض؛ لأن أباكم واحد الذي في السموات، ولا تدعوا معلمَين لأن معلمكم واحد المسيح". إنجيل متى إصحاح ثلاثة وعشرين الفقرة التاسعة والعاشرة. ومعناه: لا تقولوا: إنه على الأرض ولكنه في السماء، ثم أنزل نفسه حيث أنزله الله تعالى. وقال: "ولا تدعوا معلمين فإن معلمكم المسيح وحده". فها هو قد سمى نفسه معلمًا في الأرض له، وشهد أن إلههم في السماء واحد. وفي إنجيل لوقا أن عيسى أحيا الميت بباب مدينة نائِين، عندما أشفق على أمه لشدة حزنها عليه؛ فقال: "فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه. وليوحنا أن عيسى قال لليهود: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا، كما أسمع وأدين ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي أرسلني". إنجيل لوقا إصحاح سبعة الفقرة الستة عشر. وقال: "فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلًا: تعرفونني وتعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه". إنجيل يوحنا إصحاح سبعة الفقرة الثامنة والعشرون. فها هو قد جعل نفسه وموضعه معلومين عند اليهود، وجعل الله عندهم مجهولًا.

стр. 218

وقال: "لأني خرجت من قبل الله واتبعت لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني". إنجيل يوحنا إصحاح سبعة الفقرة الثامنة والعشرون. وفي الإنجيل أنه قال لليهود بعد حوار طويل حين قالوا له: "أبونا هو إبراهيم قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله إبراهيم، أنتم تعملون أعمال أبيكم فقالوا له: إننا لم نولد من زنا، لنا أب واحد هو الله فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قِبل الله، وأتيت لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني، لماذا لا تفهمون كلامي؟ ". إنجيل يوحنا إصحاح ثلاثة الفقرة التاسعة والثلاثون إلى الثالثة والأربعين. فها هو يحكم على نفسه بأنه إنسان، وهذا هو الحق الذي تكلم به بعد أن أوحي إليه من عند الله. ثم هو يبغض أن يقتل ويرفض ذلك ويقول لهم: لماذا لا تفهمون كلامي؟ وفي الإنجيل أيضًا: وكان يسوع يتمشى في الهيكل في رواق سليمان، فاحتاط به اليهود وقالوا له: "إلى متى تعلق أنفسنا إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرا، أجابهم يسوع: إني قلت لكم ولستم تؤمنون". إنجيل يوحنا إصحاح واحد الفقرة الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون. ولم يقولوا: إن كنت الله؛ لأنه لم يعلموا من دعواه ذلك. ولا اختلاف عند اليهود أن الذي انتظروه هو إنسان نبي، ليس بإنسان إله كما يزعمون. وفي الإنجيل أيضًا عنه: ولما تم الثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حُبل به في البطن. إنجيل لوقا إصحاح أربعة. فأي رب هذا الذي يدعى صبيًا ويختن ويخشى على نفسه.

стр. 219

وفي تجربة إبليس لعيسى ﵇ يقول عيسى ﵇: "مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهًا". إنجيل متى إصحاح أربعة. حينئذ قال له يسوع: "اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد". إنجيل لوقا إصحاح أربعة. أليس هذا هو التوحيد الذي قام يدعو به عيسى وإليه، ثم تركه إبليس وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه. إنجيل متى إصحاح أربعة. ولو كان ربًا لكانت تعبده ولا تخدمه، وكيف يجرب الرب أمام إبليس، وقد ورد كذلك فتعجب الناس قائلين: أي إنسان هذا فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه. إنجيل متى إصحاح ثمانية. وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه أعميان يصرخان ويقولان: "ارحمنا يا بن داود". إنجيل متى إصحاح تسعة ولم يقولا: يا بن الله، وكذلك حينئذ أجاب قوم من الكتبة الفريسيين قائلين: "يا معلم نريد أن نرى منك آية". إنجيل متى إصحاح ١٢ ولم يقولوا: يا الله. ويصرح عيسى ﵇ بنبوته ورسالته فيقول صراحة: "لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة". إنجيل متى إصحاح خمسة عشر. وقال: "لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته". إنجيل يوحنا إصحاح خمسة. فلو كان هو الله ما قال لهم هذا؛ لأنهم على الأقل أبصروا عيسى وسمعوا صوته. وقوله ﵇: "من قبل واحدًا من أولادي مثل هذا باسمي يقبلني، ومن قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني". إنجيل لوقا إصحاح خمسة وإنجيل مرقص إصحاح ١٢، ولوقا إصحاح عشرة بنحوه. وكذلك أجابهم يسوع وقال:

стр. 220

"تعليمي ليس لك بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله، أم أتكلم أنا من نفسي، من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه، وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق، وليس فيه ظلم". إنجيل لوقا إصحاح سبعة. وجاء عنه وقال له: "أنت متغرب وحدك في أورشليم، ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام، فقال لهما: وما هي؟ فقال المختص بيسوع الناصري الذي كان إنسانًا نبيًّا مقتدرًا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب". إنجيل لوقا إصحاح أربعة وعشرين. وفي الأناجيل من هذا الكثير، مما يدل على رسالة عيسى ﵇ ونبوته لا ألوهيته وبنوته، بل إن عيسى ﵇ كان ينادي بالتوحيد الخالص في القوم، ولكنهم كذبوا عليه ومن ذلك قوله عندما سئل: "أي وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى فقال له الكاتب: جيدًا يا معلم بالحق قلت؛ لأنه الله واحد وليس آخر سواه، ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة". إنجيل مرقس إصحاح الثاني عشر ولوقا إصحاح عشرة بنحوه. وكان ﵇ يخلص العبادة لله كما جاء في الأناجيل: وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله. إنجيل لوقا إصحاح ستة، فلئن كان هو الله أو ابنه فلم الصلاة ولمن؟! هذا وهناك الكثير من هذا لمن قلب صفحات الأناجيل ونظر فيها، فأين التثليث المزعوم أو الألوهية الباطلة؟!.

стр. 221

إبطال دعوى ألوهية عيسى ﵇ أو التثليث بدليل عقلي ومن بعد أدلة القرآن وأدلة الأناجيل، أنتقل إلى إبطال دعوى ألوهية المسيح أو التثليث بدليل عقلي: لقد كتبوا في الإنجيل أن الرب صعد فصار عن يمين الرب في أثر الصلب، فأخبرونا عن هذين الربين: مَن خلق منهما صاحبه؟ فالمخلوق منهما ضعيف عاجز ليس بإله، وإذا أراد أمرًا لمن الحكم منهما؟ فإن كان أحدهما مضطرًا إلى مشاورة الآخر ومساعدته، كان المضطر عاجزًا مقهورًا، ولم يكن إلهًا قادرًا، وإن كان قادرًا على مخالفته ومدافعته فهو إذًا إله مداهن، ويكون الآخر ضعيفًا عاجزًا مقدورًا عليه، والقرآن الكريم يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) ويقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١). ومن عجب التناقض اتفاقهم على أن التثليث: آب، وابن، وروح قدس، وأن كل واحد من هذه الثلاثة لا يبصَر، ولا يلحقه ما يلحق الخليقة، مع أن عيسى كان يُبْصَر ويُبصِر ويجوع ويشبع ويأكل، وغير ذلك من صفات الخليقة، ثم جعلوه الابن من تلك الثلاثة، ويلحقه ما ليس يلحقها. فإن قالوا: إن نصفه هو إله تام والنصف الآخر ليس بإله، فيلزمهم أن يقولوا: يا نصف المسيح ارحمنا، وإذا قيل لهم: من إلهكم؟ يقولون: هو نصف المسيح، وكيف يكون نصفه خالقًا ونصفه معبودًا لنصفه وليس بإله تام، وهذا مأخوذ من قولهم: لَمّا لم يكن أن ينتقم الله من عبده آدم لسقوط منزلة العبد، انتصف من

стр. 222

الإنسان الذي هو إله مثله، وأن الانتصاف إنما كان من الجسم فهو الماثل، فإذا جعلوه كله إلهًا فهم يعبدون غير الله، ولا فرق إذًا بين الله وبين مخلوقاته. وقالوا: إن الابن إله تام وإن الأب يستحق من الألوهية والقدم ما لا يستحقه الابن، فإذا كان ذلك فالابن إذًا إله غير تام، حيث لا يستحق من الألوهية مثل ما يستحقه الأب، وهذا من مكابرة العقول. وقالت اليعقوبية وهي من فرق المسيحية: إن الله نزل فدخل في بطن مريم، واتخذ من لحمها جسدًا، فصار مع الجسد نفسًا واحدة. وقالت النسطورية: ليست النفس هي الله وإنما هي بعضه. ومن كلام اليعقوبية: إن الله أخذ ذلك اللحم والدم، فوردهما في نفسه، فصار ذلك اللحم الله، ثم اتفقوا على أن أقانيم الأب والابن وروح القدس غير مختلفة بل هي أقنوم واحد، فإذا كان هذا الأب هو الابن وهي روح القدس الكل شيء واحد، وهذا توحيد فلم خصصتم المسيح بالابن؟ لِمَ لا تقولوا: إنه الأب وقد قلتم: إن الأب وروح القدس شيء واحد؟ فلم جعلتم البدن شيئًا معبودًا وليس من الثلاثة؟ فهؤلاء إذًا أربعة وقد بطل التثليث وصار تربيعًا، فإن أبيتم إلا ثلاثًا فقد جعلتم نفي العبد وإثباته سواء وكابرتم العقول، فهل هو تثليث أم تربيع؟! نحن نؤمن بإله واحد لا بتثليث، وبأنه سبحانه كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١). ومن هنا نحن ننفي ألوهية المسيح، وننفي تجسد الله فيه، وننكر التثليث والتجسد، وأما استناد المسيحيين أو النصارى إلى أن المسيح إله أو ابن الله؛ لأنه بدون أب أو أنه روح الله، أو أنه يحيي الموتى، فقد سبق الرد عليه.

стр. 223

واستنادهم إلى أنه هو كلمته التي ألقاها إلى مريم، فليس في ذلك ما يبرر الألوهية والتثليث؛ لأن كلمة الله تعالى هي أمره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢). والمسيح تكوّن في بطن أمه، وخرج إلى الدنيا بأمر الله وكلمته، فهو كلمة الله بهذا المعنى، ألا ترى أن الحاكم يصدر الأمر ويتكلم بالكلمة فتنفذ، وتحول إلى بناء يقام أو مدينة تشيد، فيقال عن ذلك: كلمة الحاكم وأمره، والأمر شيء والمأمور به شيء آخر، فعندما يُخلق إنسان بكلمة ويظهر في الوجود بأمره لا يقال أبدًا الذي تكلم الكلمة وأمر بها، ومظهره وما تكونت به شيء واحد، ولا يقال: إن الذي تكلم الكلمة هو الشيء الذي تكوّن بها ومنها، فالنار التي أطفئت بأمر الله وكلمته، ولم تصب إبراهيم ليست هي الذي أمر وتكلم وقال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: ٦٩). والروح هي القدرة والمسيح خلق بقدرة الله، وهو ليس وحده بل آدم كذلك، ونحن أيضًا كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (السجدة ٨، ٩) إن ما تزعمه النصرانية فوق مستوى العقول والنقول، وذلك ما اعترفوا به هم أنفسهم، وذكرنا من ذلك ما قاله القس توفيق في كتابه (سر الأزل) إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس، تعتبر أعماقًا إلهية وأسرارًا سماوية، لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها وتحليلها، أو نلصق بها أفكارًا من عندنا. ثم ذكر في كتابه (التثليث والتوحيد): الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه، هل يكلف الإنسان بما فوق فهمه وإدراكه، ما الداعي لهذه الطلاسم والألغاز، ثم في النهاية يكون العذاب الأبدي. إن العقل لا يصدق تجسد الإله، وإن كان أن

стр. 224

يتحول رب العالمين إلى شخص يأكل ويشرب ... إلى آخره، كما أن العقل لا يصدق أيضًا أن البشر جميعًا أرباب خطايا وأصحاب مفاسد، وأنهم محتاجون لمن ينتحر من أجلهم كي تغفر خطاياهم. وكذلك رفض الإسلام كلتا القضيتين، وتنزل القرآن الكريم مفيضًا الحديث عن تنزيه الله، وسعته وقدرته وحكمته وعلمه، كما أفاض الحديث عن الناس ومسئولياتهم الشخصية، عما يقترفون من خير أو شر، أحيانًا في هدأة الليل يرمق الإنسان النجوم الثاقبة وأبعادها السحيقة، ثم يتساءل أليس بادئ هذا الملكوت أكبر ممن خلق سبحانه، فكيف يحتويه بطن امرأة، وأحيانًا يرمق الأمواج ذوات الهدير وهي تضرب الشاطئ، وتعود دون ملل أو كلل، ويبرق في رأسه خاطر عابر، هل رب هذا البحر عظيم، كان جنينًا فرضيعًا فبشرًا قتيلًا، ثم يهز رأسه مستنكرًا، قد تتقارب وجهات النظر في أمور كثيرة، وتذوب الفوارق في أمور مختلفة، أما تذويب الفوارق بين التوحيد والتعدد كليهما فذاك مستحيل. لقد كتب بعض الناس كلامًا يريد عقد لقاء بين عقيدة التوحيد الإسلامية، وعقيدة التثليث المسيحية، فنفى أن يكون الله ثالث ثلاثة كما ذكر القرآن الكريم، وقال: إن الله الواحد هو جملة الأقانيم الثلاثة، ولما كان كل أقنوم على حدة يسمى إلهًا، فإن الكاتب أراد أن يوضح هذا الغموض، ولا نقول: يكشف هذا التناقض، فقال بنصه: "إذًا كيف نوفق بين هذا وذاك وبين ثلاثة ثم واحد، إن هذا هو بيت القصيد وفحوى الحديث. وسوف أذكر مثالًا: ماذا تعرف عن الشمس؟ الشمس الواحدة أعرف أنها قرص وحرارة وأشعة، وأي شيء من هذه الثلاثة هو الشمس، هل القرص أم الحرارة أو الأشعة، ثلاثتهم يكونوا الشمس، إذن الشمس واحدة، وهكذا الله ، مع فارق التشبيه العظيم من حيث المكانة".

стр. 225

ونقف قليلًا لنذكر رأينا في هذا الكلام فنقول: إن الكائن الواحد قد يكون له عدة صفات، قد يكون طويل القامة أسمر اللون، ذكي العقل، ويمكن أن تنسب إليك صفات أخرى، فهل قلة الصفات أو كثرة الصفات تعني تعددًا في الذات؟ وهل يجوز أن يطلق شخصك نفسه على صفة الطول أو السمرة أو الذكاء؟ وهل يتصور أن تنفصل إحدى الصفات المذكورة، ليطلق عليها الرصاص، أو تتدلى من حبل المشنقة، أو تسمر على خشبة الصليب؟!. إن الشمس واحدة، ولكن استدارتها وحرارتها وإضاءتها وكثافتها ... إلى آخر صفاتها أعراض لذاتها، والصفة لا تسمى ابنًا ولا خالًا ولا عمًا، ونحن نثبت لله الواحد عشرات الأوصاف الجليلة، بيد أن إثبات الأوصاف شيء بعيد كل البعد عن القول بأن الأب هو الابن، وهو الصديق، وأن خالق الكون هو الذي صُلب على خشبة الصليب في أرضه. إن التمثيل بالشمس وأوصافها الكثيرة لا يخدم قضية التثليث ولا التربيع في ذات الله، والأمر لا يعدو لونًا من اللعب بالألفاظ. إن الله خالق هذا العالم واحد، وما عداه عبد له أوجده من العدم، ولن تنفك صفة العبودية عن أي موجود آخر سواء كان عيسى أو موسى أو محمد -صلى الله عليه وعليهم- أو غيرهم من أهل الأرض والسماء. ونريد أن نسأل هل إذا كانت الشمس هي القرص والحرارة والأشعة، فهل يمكن القول بأن الحرارة مثلًا ثلث الشمس؟ لا يقول هذا عاقل؛ لأن الصفة لا تكون

стр. 226

قسيمًا للذات بتاتًا. هل يمكن القول بأن القرص شكا للأشعة ما نزل به من بلاء مثلًا؟ ذاك ما لا يتصوره ذوو لب. إن هذا الكلام كما قلت لون من اللعب بالألفاظ، ولا يصور العلاقة بين أفراد الأقانيم الثلاثة كما رسمتها الأناجيل المقدسة. ثم ذكر الكاتب دليلًا آخر على أن التثليث هو التوحيد فقال: "أقول لك عن إنسان اسمه إبراهيم، إبراهيم هذا في بيته وسط أولاده يدعى ربًا لأسرته، وينادونه يا أبانا يا إبراهيم، إبراهيم هذا ذهب يومًا إلى البحر، فإذا الجموع محتشدة وإنسان يغرق وليس من ينقذه، فما كان منه إلا أن خلع ملابسه وارتدى لباس البحر، وأسرع وأنقذ الغريق، فهتف المتجمهرون ليحيا المنقذ إبراهيم. ذهب بعد ذلك إلى عمله، وإذ كان يعمل بالتدريس ويشرح للتلاميذ، وصاروا ينادونه المعلم إبراهيم، فأيهم إبراهيم الأب أم المنقذ أم المعلم؟ كلهم إبراهيم وإن اختلفت الألقاب مع الوظائف وهكذا أيضًا، والله خلق فهو الأب، الله أنقذ فهو ابن، الله يعلم فهو الروح. نقول: هذا الكلام أوغل من سابقه في خداع النظر، فإن الضابط قد يرتدي في الجيش ملابسه العسكرية، وقد يرتدي في عطلته الملابس المدنية، وقد يرتدي في بيته ملابس النوم، ولم يقل مجنون ولا عاقل: إن هؤلاء ثلاثة وأنهم واحد، ولا يتصور أحد أن الضابط بزيه العسكري يصدر حكمًا بالإعدام على الضابط نفسه بزيه المدني، أو أن هذا المدني يقول لعسكري: لماذا قتلتني أو لماذا تركتني". وبعد هذا الرد العقلي مختصرًا أنادي على أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ

стр. 227

رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: ١٧١، ١٧٢). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 228

الدرس: ١٢ تابع أهم معتقدات النصرانية مع الرد عليها .

стр. 229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (تابع أهم معتقدات النصرانية مع الرد عليها) قصة الصلب والفداء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فمع الصلب والفداء إذا شاء رب الأرض والسماء، فأقول وبالله التوفيق: هناك ربط بين قضية الصلب والفداء فيقال: صلب المسيح فداء عن الخليقة، ماذا تعتقد النصرانية في قضية الصلب هذه، وماذا قالوا في هذا، وماذا قالت الأناجيل؟ يقولون في هذا: إن الله من صفاته المحبة، حتى لقد جاء في الكتب المقدسة عندهم: الله محبة، ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم؛ لأن العالم من عهد سقوط آدم في الخطيئة، وهبوطه هو وبنيه إلى الدنيا مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة. ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته، رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد إلى العالم ليخلص العالم، كما جاء ذلك في الإنجيل: لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية؛ لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص العالم الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن به قد دِين؛ لأنه لا يؤمن باسم ابن الله الوحيد. إنجيل يوحنا إصحاح الثالث الفقرة السادسة عشرة إلى التاسعة عشرة. وفي إنجيل لوقا: "وإن ابن الإنسان قد جاء لكي يُطلب ويخلص ما قد هلك". إنجيل لوقا إصحاح تسعة بنحوه، فبمحبته ورحمته قد صنع طريقًا للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته، إذ إن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله؛ بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتران العدل بالرحمة، وبتوسيط الابن الوحيد وقبوله للتكفير عن قضايا الخطأ، قرب الناس من الرب بعد الابتعاد.

стр. 230

وقد كان التكفير الذي قام به المسيح هو الصلب، لهذا صلب ورضي الله عن صلبه وهو ابنه، ولماذا؟ لأن الله لا يعاقب إنسانًا، فأراد أن يعاقب إلهًا مثله، فكان صلب المسيح. هكذا يفلسف النصارى مسألة صلب المسيح فداء عن الخليقة، وقد كتبوا هذا الكلام في مجلات، ووزعوها على الطلاب المسلمين بالجامعات دعوة للتنصير، وقد كتبها ورد عليها فضيلة الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- في كتابه (قذائف الحق). أما الأناجيل ماذا تقول عن واقعة الصلب؟ إن الناظر في الأناجيل وهي تحكي قصة الصلب، يجد عجبًا فيما اشتملت عليه من تناقضات، وما احتوت عليه من خرافات، وما انتهت إليه من أكاذيب وضلالات. ونذكر منها على سبيل المثال، جاء في إنجيل متى: "تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح، وابن الإنسان يسلم ليصلب. إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد، فأجاب يهوذا مسلمه وقال: هل أنا هو يا سيدي؟ قال له: أنت قلت، حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة؛ لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية، ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل، فأجاب بطرس وقال له: وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك فيك أبدًا. قال له يسوع: الحق أقول لك إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاثة مرات. قال له بطرس: ولو اضطررت إلى أن أموت معك لا أنكرك، هكذا قال

стр. 231

أيضًا جميع التلاميذ، وابتدأ يحزن ويكتئب فقال لهم: نفسي حزينة جدًا حتى الموت، ثم تقدم قليلًا وخر على وجهه، وكان يصلي قائلًا: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت هو ذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة، هو ذا الذي يسلم لقد اقترب. وفيما هو يتكلم إذا يهوذا أحد الاثنى عشر قد جاء، ومعه كثير أناس بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلًا: الذي أقبله هو هو أمسكوه، فللوقت تقدم إلى يسوع فقال: السلام يا سيدي وقبله فقال له يسوع: يا صاحبي لماذا جئت حينئذ، تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه، وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه، وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، فقال له يسوع: رد سيفك إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون السيف يهلكون، أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي، فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة، فكيف تكمل الكتب، إنه هكذا ينبغي أن يكون. وفي تلك الساعة قال يسوع للجموع كأنه على لص خرجتكم بسيوف وعصي لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني، وأما هذا كله فقد كان لكي تكتمل كتب الأنبياء، حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا، وأما بطرس فتبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فدخل إلى داخل وجلس بين الخدام لينظر النهاية، وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه، وأما يسوع فكان ساكتًا. فأجاب رئيس الكهنة وقال له: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ قال له يسوع: أنت قلت وأيضًا أقول لكم من الآن تبصرون ابن

стр. 232

الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء، فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلًا: قد جدف ما حاجتنا بعد إلى شهود، ها قد سمعتم تجديفه ماذا ترون؟ فأجابوا وقالوا: إنه مستوجب الموت، حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه وآخرون لطموه قائلين: تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك، أما بطرس فكان جالسًا خارج الدار، فجاءت إليه جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلين فأنكر قدام الجميع قائلًا: لست أدري ما تقولين. ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري، فأنكر أيضًا بقسم إني لست أعرف الرجل، وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس: حقًّا أنت أيضًا منهم، فإن لغتك تظهرك فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إني لا أعرف الرجل، وللوقت صاح الديك فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له: إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات، فخرج إلى خارج وبكى بكاء مرًّا، ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: إيلي إيلي لم شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ فقوم من الواقفين هناك لما سمعوه قالوا: إنه ينادي إيليا، وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلًّا، وجعلها على قصبة وسقاه، وأما الباقون فقالوا: اترك لنرى هل يأتي إيليا يخلصه، فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح. ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف، وكان هو أيضًا تلميذًا ليسوع، فهذا تقدم إلى بلاطس وطلب جسد يسوع، فأمر بلاطس حينئذ أن يعطى الجسد، فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي، ووضعه في قبره الجديد

стр. 233

الذي كان قد نحته في الصخرة، ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المَجْدَلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر. وبعد السبت عند الفجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر، فإذا ليس هو هناك لأنه قام كما قال". إلى آخر ما أورده إنجيل متى إصحاح سبعة وعشرين وثمانية وعشرين بتصرف. وهكذا جاءت قصة الصلب بروايات مختلفة، ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما جاء في بقية الأناجيل، وإن كان بعضها فيه تشابه وبعضها الآخر فيه تناقض، وسنعرض إن شاء الله تعالى لقصة الصلب المزعومة، نبين مزاعمها ونظهر باطلها وندحض مفترياتها بإذن الله تعالى. إبطال دعوى صلب المسيح من القرآن الكريم، ومن الإنجيل فنقول في الرد على مزاعم النصارى في صلب المسيح ﵇ نبدأ أولًا بخير الكلم، بقول الله : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧، ١٥٨). وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥) الآية. فالآية الكريمة الأولى أوضحت بيقين أن المسيح ﵇ لم يصلب، كما بينت الاختلافات التي يعجز عن فهمها حتى الآن علماء النصارى وآباء الكنيسة على الصعيد العالمي،

стр. 234

هذا وليس القرآن الكريم وحده هو الذي حكم ببطلان الصلب، بل الإنجيل أيضًا والتاريخ والعقل كذلك، وإليك طرفًا من ذلك. إبطال دعوى صلب المسيح من الإنجيل: فإن الذي يقرأ قصة الصلب في الأناجيل، يلاحظ أن الشخص الذي صلبته اليهود لم يكن عيسى ﵇ فيما يلي: الأول: لم يكن عيسى معروفًا بشخصه لدى رجال الشرطة التي أمرت بالقبض عليه، ولذا أخذوا معهم يهوذا الإسخريوطي ليعينه لهم. الثاني: ثبت أن يهوذا ندم على استعداده لمعاونة الشرطة في تعيين شخص عيسى من بين التلاميذ، ورد لهم المبلغ الذي أخذه منهم. الثالث: يحتمل بناء على هاتين الملاحظتين -وهما مذكورتان في الإنجيل نصًّا- أن يهوذا أدركته الندامة قبل وصوله مع رجال الشرطة، إلى المكان الذي فيه عيسى مع تلاميذه، فعين لهم أحد التلاميذ على أنه عيسى، ولم ينكر التلميذ رغبة في إنقاذ معلمه فأخذ وصلب. ولا يرفع هذا الاحتمال ذهاب مريم المجدلية إلى القبر، وإخبارها بقيام عيسى ﵇ لأنها لم تكن مع التلاميذ حين ذهبت الشرطة للقبض عليه، ولم يخبروها بأن المقبوض عليه ليس عيسى حتى لا ينتشر الخبر، فتعاود السلطات البحث عن عيسى، وكذلك لم يكذبوها حين روت أنه قام من قبره؛ لأن في ذلك رفعًا لشأنه وعاملًا قويًّا لحمل الناس نفسيًّا على الإيمان بالمسيحية. الرابع: أن اليهود قتلت رجلًا لم تعينه بإقرار الإنجيل، ولم تعرفه إلا بشهادة يهوذا الإسخريوطي أنه ذلك المطلوب، وأما الإنجيل فلا دليل فيه صادق بتحقيق

стр. 235

ذلك، ولا خبر قاطعًا للحجة، كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم صلب عيسى ﵇ ووقوع الشبه على غيره وذلك من وجوه منها. الخامس: جاء في الإنجيل أن المطلوب قد استسقى اليهود فأعطوه خلًا ممزوجًا بمرارة، فذاقه ولم يشربه فنادى: إلهي إلهي لم خذلتني، في الوقت الذي صرحت فيه الأناجيل بأن عيسى ﵇ كان يطوي أربعين يومًا وليلة ويقول للتلاميذ: "إن لي طعامًا لستم تعرفونه، ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يومًا وليلة، كيف يظهر الحاجة والمذلة والمهانة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد" هذا لا يفعله أدنى الناس فكيف بخواص الأنبياء، أو كيف بالرب تعالى على ما تدعيه النصارى، فيكون حينئذ المدعي للعطش غيره يقينًا وهو الذي شبه لهم. السادس: قوله: إلهي إلهي لِمَ خذلتني، هو كلام يقتضي عدم الرضا بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الله تعالى، وعيسى ﵇ منزه عن ذلك فيكون المصلوب غيره، لا سيما والنصارى يقولون: إن المسيح ﵇ نزل ليؤثر العالم على نفسه، ويخلصه من الشيطان ورجسه، فكيف يتفق هذا مع ذلك وهو على خلافه تمامًا. السابع: جاء في التوراة أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون ﵈ لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم، فلم يجزعوا من الموت ولم يهابوا مذاقه، ولم يعيبوه، مع أنهم عبيد الله، والمسيح بزعمكم ولد ورب، فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم، ولما لم يكن ذلك دل على أن المصلوب غيره. الثامن: نطق الإنجيل بأن عيسى ﵇ نشأ بين ظهور اليهود في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم، يعظهم ويعلمهم ويناظرهم، ويعجبون من براعته وكثرة

стр. 236

تحصيله، حتى كانوا هم يقولون: أليس هذا ابن يوسف أليست أمه مريم، أليس أخواه عندنا، فمن أين له هذه الحكمة؟. وإذا كان كذلك غاية الشهرة والمعرفة عندهم، فلم نص الإنجيل على أنهم وقتما أرادوا القبض عليه لم يحققوه، حتى دفعوا لأحد تلاميذه -وهو يهوذا- ثلاثين درهمًا ليدلهم عليه، فلما قبله لهم -وهي العلامة المتعارف عليها- أمسكوه وربطوه وتركه التلاميذ وهربوا، وتبعه بطرس من بعيد فقال له رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ فقال له المسيح: أنت قلت ذلك. تُرى هل يمكن أن تلتبس شخصية المسيح على رئيس الكهنة والجمع الكبير، حتى يستحلفه باسم الله الحي: هل أنت المسيح؟ فيقول له: أنت تقول. التاسع: وهذا يؤكد لنا أن المصلوب ليس عيسى وإنما غيره يقينًا ألقي عليه شبه عيسى حتى صار الناس في شك منه، فالشبه شبه عيسى، ولكن الدلائل والأحوال تؤكد أنه غير عيسى ﵇ لذلك سأل كبير الكهنة ذلك المصلوب: هل أنت المسيح؟ وليس هذا فقط بل شك فيه كل تلامذته وأنكره أحب التلاميذ إليه، وفي الإنجيل أيضًا أن يسوع ﵇ كان مع تلاميذه بالبستان، فجاء اليهود في طلبه فخرج إليهم وقال لهم: "من تريدون؟ قالوا: يسوع، وقد خفي شخصه عنهم ففعل ذلك مرتين. انظر إنجيل يوحنا. وفي إنجيل متى: "بينما التلاميذ يأكلون طعامًا مع يسوع قال: كلكم تشكون في هذه الليلة، فإنه مكتوب أني أضرب الراعي فتفترق الغنم، فقال بطرس: فلو شك جميعهم ما أشك أنا. قال يسوع: الحق أقول لك إنك في هذه الليلة تنكرني قبل أن يصيح الديك، وقد كان فقد شهد عليهم بالشك بل على خيارهم وهو

стр. 237

بطرس، فإنه خليفته عليهم". فقد انخرم حينئذ الوثوق بأقوال النصارى في صلب المسيح، وجُزم بإلقاء الشبه على عيسى ﵇. وما الذي يمنع الشبه أو يحيله، والله قادر على أن يجعل شبه عيسى ﵇ على ذلك الخائن أو على شيطان أو على أي شيء، والله الذي جعل من عصا موسى حية، قادر على أن يجعل إنسانًا شبه إنسان، فإذا كان الله خلق جميع ما للحية في عصاة موسى ﵇ وهو أعظم من الشبه، فإنّ جعل حيوان يشبه حيوانًا أقرب من جعل نبات يشبه حيوانًا، وقلب العصا حية تسعى مما أجمع عليه اليهود والنصارى، كما أجمعوا على جعل النار لإبراهيم ﵇ بردًا وسلامًا، وعلى قلب الماء خمرًا، فإذا جوزوا مثل هذا جوزوا أيضًا إلقاء الشبه من غير استحالة. العاشر: ولم يقع الشك من رئيس الكهنة فقط، ولا من تلاميذ المسيح حتى بطرس فحسب، بل من جميع من كان في المجمع، وحتى الذين اقتادوا عيسى لصلبه سألوه قائلين: "إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقوني، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني". فما معنى هذا القول؟ المعنى واضح: إن قلت لكم لست أنا المسيح لا تصدقونني، وإن سألتكم بعدها أن تطلقوا سراحي لا تجيبون طلبي، ويستحيل أن يكون المعنى: إن قلت لكم أنا المسيح لا تصدقوني؛ لأنهم إذا كانوا لا يصدقونه أنه المسيح فلم جاءوا به، فلم يبق إلا المعنى الوحيد المعقول، وهو إن قلت لكم: لست أنا المسيح لا تصدقوني ولا تجيبونني إلى ما أريد ولا تطلقونني. الحادي عشر: بل في الإنجيل ما يصرح بنجاة عيسى ﵇ حتمًا، ويؤكد إلقاء الشبه على غيره وذلك في قوله: "أقول لكم: إنه في تلك الليلة يكون اثنان على

стр. 238

فراش واحد، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر". إنجيل لوقا إصحاح سبعة عشر فقرة الرابعة والثلاثون إلى السادسة والثلاثين، ويترك الآخر فيؤخذ الواحد ويترك الآخر، أي: التلميذ الخائن يؤخذ ويترك المسيح، بدليل ما جاء في سفر الأمثال: "الشرير فدية للصديق". سفر الأمثال إصحاح ٢١ الفقرة الثامنة عشرة. يعني: الخائن يصلب فدية للصديق وهو المسيح. ويقول سفر المزامير: كثيرة هي بلايا الصديق، ومن جميعها ينجيه الله يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر، الشر يميت الشرير ومبغضو الصديق يعاقبون الرب نادى نفس عبده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب. مزمور أربعة وثلاثين عدد ثمانية عشر. وفي إنجيل يوحنا: "فرفعوا حجارة ليرجموه، أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم". إنجيل يوحنا إصحاح ثمانية الفقرة التاسعة والخمسون، "فطلبوا أيضًا أن يمسكوه، فخرج من بين أيديهم". إنجيل يوحنا إصحاح عشرة الفقرة السادسة والثلاثون. الثاني عشر: وفي إنجيل متى مكتوب أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أيديهم يحملونك لكي لا تصطدم بحجر رجلك. إنجيل متى إصحاح أربعة الفقرة السادسة، ولوقا إصحاح أربعة الفقرة الأولى، فكيف تكون الوصية للملائكة، حتى لا تصدم رجل المسيح بحجر ثم يترك للصلب والتعذيب والإهانة. الثالث عشر: وفي إنجيل يوحنا: أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خدامًا ليمسكوه، فقال لهم يسوع: "أنا معكم زمان يسير بعد، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبونني ولا تجدوني حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن؟ لعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين، ويعلِم اليونانيين ما هذا القول الذي قال ستطلبونني

стр. 239

ولا تجدوني حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. إنجيل يوحنا الإصحاح السابع الفقرة الخامسة والثلاثون والسادسة والثلاثون. ألا يعني هذا أن ملائكة الرب حملته بعيدًا إلى السماء في يوم الضيق، ولم يتمكن منه الكهنة والفريسيون، بل إن الكهنة والفريسيين لم يروه أبدًا، ولن يروه بعد أن تركهم في الهيكل، كما قال لهم في آخر لقاء عاصف معهم: "إنني أقول لكم لا ترونني من الآن حتى تقول مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل". إنجيل متى إصحاح ثلاثة وعشرون الفقرة التاسعة والثلاثون، وفي إنجيل أربعة وعشرين الفقرة الأولى. الرابع عشر: والمسيح نفسه ينفي عن نفسه فكرة القتل والصلب، ينفيها بكل قوة في مواضع كثيرة، ويتوعد بالقتل والصلب بدلًا منه يهوذا الخائن: سقط في الهوة مَن صنع. إنجيل يوحنا، وذلك لأن الرب قضى أن أمضى الشرير يعلق بعمل يديه. في إنجيل يوحنا. المعلق على الخشبة ملعون من الله. سفر التثنية إصحاح ٢١ الفقرة الثالثة والعشرين. بأي جنون وبأي حماقة لعنوا الناموس والمسيح فقالوا: المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا؛ لأنه مكتوب: ملعون كل من عُلق على خشبة لثابت بولس إلى غَلاطِيا. إصحاح الثالث الفقرة الثالثة عشرة. ألم تهتز عقولكم وقلوبكم ولو مرة واحدة، فتكف عن لعنة الناموس والمسيح، ألم تسمعوا يسوع يقول لكم: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني، أليس موسى قد أعطاكم الناموس، وليس أحد منكم يعمل بالناموس، لماذا تطلبون أن تقتلوني". إنجيل يوحنا إصحاح السابع الفقرة التاسعة عشرة.

стр. 240

أنا أعلم أنكم ذرية إبراهيم ولكنكم تطلبون أن تقتلوني؛ لأن كلامي لا موضع له فيكم، لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد حدثكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله إبراهيم. إنجيل يوحنا إصحاح الثامن الفقرة السابعة والثلاثون إلى الأربعين. ألم تهتز عقولكم وقلوبكم ولو مرة واحدة، أم كنتم من الذين قال عنهم المسيح: "تمت فيهم نبوءة أشعياء القائلة: تسمعون سمعًا ولا تفهمون ومبصرون تبصرون ولا تنظرون؛ لأن قلب هذا الشعب غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها، وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم، ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم". إنجيل متى إصحاح ثلاثة عشر فقرة الرابعة عشرة والخامسة عشرة. فارجعوا إلى الحق الذي جاء به المسيح فها هو طريق الخلاص الحقيقي، لا ما أنتم عليه وتذكروا قوله: "اذهبوا وتعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة". إنجيل متى إصحاح تسعة الفقرة الثالثة عشرة. ومن هنا نعلم أن هذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه، بل فيها اختلافات وشكوك كثيرة كما قدمت لك، بل هي احتمالات، واليهود ليسوا قاطعين بذلك أيضًا، فأي ضرورة تدعوكم إلى إثبات أنواع الإهانة والعذاب في حق رب الأرباب على زعمكم، إن هذا لمن العجب العجاب، هذا فضلًا عن تبرئة اليهود حديثًا من دم المسيح ﵇ وصدق ربنا إذ قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (النساء: ١٥٧).

стр. 241

إبطال دعوى صلب المسيح بدليل تاريخي وأنتقل بك بعد إلى إبطال دعوى صلب المسيح بدليل تاريخي: يحدثنا التاريخ أنه قد كان في سلف الدهر رجل من أمره كذا -كما حكى الإنجيل- وبأضغاث أحلام من امرأة اسمها مريم المجدلية، ادعت أنها رأت في منامها هذيانات، فقبلتم أقوالها وشرعتم بها من غير يقين ولا تواتر متصل، وسمع ذلك قيصر بن هَيْلانة حين كثر عدوه وكاد ملكه يذهب؛ لاختلاف رعاياه وأنصاره من الروم عليه، فأراد أن يحملهم على شريعة ينظم به سلوكهم ويؤلف متفرقهم. فاستشار من لديه من أهل النظر، فوقع اختيارهم على أن يتعبد القوم بطلب دم ليكون ذلك أقوى لارتباطهم معه، وآكد بجدهم في نصرته، فوجد اليهود يزعمون أن في بعض تواريخهم خبرًا عن رجل كان منهم، هَم بنسخ حكم التوراة والانفراد بالتأويل فيها، فطلبوه وهو في نفر يسير وظفروا بواحد اعتقدوا أنه المطلوب فصلبوه، وما عندهم تحقيق بكونه ذلك المطلوب بعينه، إلا فقدهم إياه من حينئذ، فعمد قسطنطين إلى من وجد من أمة عيسى، فوجدهم قد اختلفت آراؤهم بعد المسيح بأربعين سنة، والتفت إليهم غير محسوسين في الأرض، لا يظفر بواحد منهم إلا قتل ومثل به. فاستخرج قسطنطين ما بقي برسم الشريعة بأيديهم وجمع عليه وزراءه، فأثبت ما شاء وما رآه موافقًا لاختياره، كالقول بالصلب ليتعبد قومه بطلب دم، ثم أكد لهم ذلك بمنام اختلقه لهم، وجمع أنصاره ورعاياه، فلما اجتمعوا ذكر لهم أنه كان يرى في منامه آتيًا أتاه، فيقول له: بهذا الرسم تغلب، ويعرض عليه هيئة الصليب، فأعظمت ذلك العامة ومن يومه عظم الصليب.

стр. 242

ثم بعث إلى امرأة كاهنة في ذلك الزمان، وكانت ذات جأش وقوة، فشهدت له أنها رأت مثل الذي رأى، فقوي تصديق العامة بذلك، وفي هذا كله لا يعلمون لذلك الرسم تأويلًا، ولم يكن قسطنطين قد كشف لهم شيئًا من أمره، وخرج بهم إلى عدوه ووعظهم، وهول عليهم أمر الرسم فحصل له كل ما أراد من جد القوم واجتهادهم معه. فلما عادوا إلى أوطانهم سألوه عن تأويل ذلك الرسم وألحوا عليه فيه، فقال: أوحي إلي في نومي أنه كان الله تعالى هبط من السماء إلى الأرض، فصلبته اليهود فهالهم ذلك كثيرًا، مع ما تقدم عندهم من تصديقه وعظم عليهم الخطب فيه، فانقادوا إلى قسطنطين انقيادًا حسنًا، وصح له منهم ما أراد، وشرع لهم في هذه الشرائع التي بأيديهم إلى اليوم أو أكثرها. وقد ظهر لجماعة من أهل العلم غير أولي الشرائع من ذلك الزمان أن هذا الشخص الذي تعظمه النصارى وتصفه بالألوهية، لم يكن ولا وجد في العالم، ولكن قسطنطين ابتدع ذلك كله، واتفق مع نفر من أحبار اليهود وعلمائها على أن يعطي لهم ما يطلبونه من متاع الدنيا، ويشهدون له عند قومه، بأن ذلك الشخص كان عند اليهود فصلبته، وأن تضع الأحبار ذلك مستورًا عند اليهود، ففعلت وألقت من أخباره شيئًا، وشهدت أن ذلك القول صحيح، وأنه جمع بعد صلب ذلك الشخص بسنين قلائل، فبقيت النصارى على ذلك الإحداث في شريعتهم، مع افتراءات بمنامات تدعيها النساء، ومن لا يوثق به، فيدون ذلك وتشرع به زائدًا على ما كان بأيديهم. فلما بعث الله رسولًا كريمًا وأنزل عليه كتابًا حكيمًا، وأيده بالآيات وأنجده بالمعجزات، فصدع بالحق المبين وقطع الشك باليقين، نكسوا على أعقابهم وارتدوا على أدبارهم فاعجب.

стр. 243

إبطال دعوى صلب المسيح بالأدلة العقلية لقد قالوا: إنه لما لم يمكن أن ينتقم الله من عبده العاصي آدم، الذي كلمه واستهان بقدره لاعتلاء جلالة السيد، وسقوط منزلة العبد، أراد أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله، فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح ﵇ ونحن نسأل أولًا عن هذه المماثلة كيف وجبت لعيسى بالله تعالى؟ وقد ثبت يقينًا بطلان ألوهية عيسى أو بنوته لله، وأن ذلك هو الكفر البواح الصراح، ثم إذا كان الله لم يرد الانتقام من آدم لاعتلاء قدر السيد وسقوط منزلة العبد، فالأولى أن يعفو عن الذنب ويتوب على المذنب، وإن الأبعد عنه أن يعاقب أحدًا بذنب غيره؛ لأن هذا غاية الظلم ونهاية الجور. لقد أبوا التوبة على آدم ﵇ مع ثبوتها يقينًا احتيالًا للصلوبية وإثباتها، ونسبوا إلى الله تعالى ما ينسب إلى شرار الآدميين من الحقد والغائلة، ونفوا عنه ما يليق به من العفو والصفح، كيف هذا وقالوا إنه: انتصف من الإنسان الذي هو إله مثله، وفي الإنجيل الذي بأيديهم أن الصلب لحق جسم عيسى المتخذ من آدم، وأن النصف اللاهوتي لم يلحقه الصلب، ومخالفة ذلك عندهم كفر. فإذا كان هذا فإلى الآن لم ينتقم الله ولا انتصف من إله مثله، إنما انتصف وانتقم من إنسان من نسل آدم، فكيف ينبغي لله أن يظلم إنسانًا فيعاقبه بذنب جده، أخبرونا عن رجل أخطأ عبده في حقه فبقي بعده مدة غاضبًا عليه ساكتًا على معاقبته، حتى ولد لنفسه ولدًا، فعمد إلى قتله بذنب العبد الذي كان أذنب له،

стр. 244

ألست ترى ذلك من قتله ولده أنه أراد أن يشفي نفسه على ذلك العبد، فأصبح ذلك زائدًا في كربه وداعيًا إلى دوام حزنه. وهل يحدث هذا نفسه من عاقل أو ممن لا عقل له؟ إن الذي دعاكم إلى القول بصلب عيسى ما أقررتم به من الفداء، حين قلتم: إن آدم وجميع ولده إلى زمان عيسى كانوا كلهم ثاوين في الجحيم بخطيئة أبيهم آدم، حتى فداهم عيسى بإهراق دمه عنهم على خشبة الصليب، ثم نزل في ذلك الوقت إلى الجحيم، وأخرج منها جميعهم إلا يهوذا الإسخريوطي، أخبرونا كيف نفهم أن الله تعالى أدخل موسى بن عمران الجحيم، وخلده فيها بعد أن كلمه واصطفاه وفضله وبعثه إلى عباده نبيًّا وهاديًّا، ولم يكفر بعد ذلك. وكذلك إبراهيم الذي كان قد اتخذه الله خليلًا، واصطفاه وفضله بهدايته ونبوته، وأظهر على يديه توحيده، ولا جرم أنه لو كان ذنب آدم بقي في أعناق أولاده حتى أنقذوا منه بدم الله، لنطقت به التوراة ولصرحت به الأنبياء؛ لأنه أمر شنيع ومصاب للعالم بشيع، ففي أي موضع من التوراة ذكر، أو في أي صحيفة من صحف الأنبياء سطر، أما إنكم أتيتم على ذلك بشواهد من التوراة وكتب الأنبياء، فتأويلكم فيها لا يخفى على العواجز ضعفه، ولا يستتر على عقول صغار الولدان سخفه. ومن كان الممسك للسموات والأرض، إذ كان الله كما تزعمون مربوطًا في خشبة الصليب، هل بقيا ساكنتين، أم كان استخلف عليهما غيره، وهبط هو لربط نفسه في خشبة الصليب، وليوجب اللعنة على نفسه بما قال في التوراة: ملعون ملعون من تعلق بالصليب، عجبًا له إنه المنتقم والمنتقم منه، والحقود والمحقود عليه، وإنه الظالم يأخذ نفسًا بذنب غيرها، وهو المظلوم لأنه صلب بذنب غيره.

стр. 245

وعجبًا لتفاوت غائلته وحقده، كيف يمتنع عن المعايب وليس هو عندكم غير من اتصف بهذه المعايب، حتى سمرت يداه ورجلاه، ولا قنع من آدم صاحب الذنب بالتوبة حتى غرست الخشبة في ظهره؛ تكفيرًا لما ارتكبه آدم في الجنة. أخبرني ما الذي أوجب لآدم ﵇ أن يكون موصوفًا لديكم بهذه الشتائم، وهو أبو البشر والله قد تاب عليه واجتباه، أستغفر الله من شر ما جئتم به وهو الغفور الرحيم، ثم وصفتم فيما جئتم به من كذب حادثة الصليب وأحاديثها الفاسدة، ثم قلتم: قام بعد ثلاثة أيام من القبر، وتحدثتم عن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، أنهما اشتريتا حنوطًا وأقبلتا إلى القبر وقالتا: من ينزع لنا الصخرة من على فم القبر؟ فزالت الصخرة من ذاتها، فنظرتا إلى فتى قاعد في الجانب الأيمن من القبر، مغطى بثوب وذلك في يوم الأحد قبل طلوع الشمس. عجبًا لتوقحكم على الله، وتحديدكم الجانب الأيمن من القبر، وقبل طلوع الشمس من اليوم لتحققوا كذبكم على رعاع الأعاجم، فقال لهما ذلك المغطى بالثوب، ولم يكن غير التراب المصلوب قام ومضى إلى الجليل قولا لتلاميذه ينهضون إليه، وهكذا جملة من الهذيانات قصصتم عليها في ذلك لنا الحق أن نسأل: لماذا قتل الإله الأب الإله الابن؟ والجواب المعروف لدى المسيحيين هو الفداء، الفداء لخطايا الخليقة، بل باعتبار أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد عند المسيحيين، نقول: لماذا قتل الإله نفسه؟ والجواب من أجل أن تنقطع الآلام ويتحملها عن العالم بصلبه على خشبة الصليب، والسؤال: هل انقطعت هذه الآلام بعد الصلب، أم بقيت تتجدد على اختلاف الزمان والمكان، فبذلك لم تؤدِ قصة الصلب المنشود منها، فينبغي أن تتكرر، وهل يحمل هذا الإله مسئولية المآسي العالمية.

стр. 246

وإذا كان الصلب لفداء الخطايا، فهل هذا الفداء يتناول صنيع الشرور والآثام والمظالم أم يتجاوزهم، أم هو لتصبر الضحايا على ما ينزل بها، أرأيت لو أن رجلًا له سبعة أولاد، ستة منهم مجرمون عاقون عاصون، والسابع منهم مطيع مؤدب مهذب، فأراد هذا الوالد أن يسامح أبناءه المجرمين وأن يغفر لهم، فأعلن لأولاده إذا أردتم عفوي ومغفرتي فاقتلوا أخاكم المطيع أكفر خطاياكم، فماذا تقول عن هذا الأب؟ والإجابة التي تتفق عليها الكلمة: إنه أب مجنون، فما زاد هذا الأب عن رب النصارى الذي اطلع على عباده، فرآهم مذنبين، فلما أراد أن يكفر خطاياهم أنزل ابنه، وأمر بصلبه ليكفر عن خطايا البشر، كيف يكون إلهًا من يأمر بذبح ابنه البار من أجل تكفير خطايا المذنبين، كما أنني أتساءل: لو أنني لبست ثوبًا أبيض ثم وقعت عليه نقطة حبر، أتزول إذا غسلت ثوبك وكل الأثواب؟ والإجابة لا. قلت: فلم يزول خطأ إذا اعتذر عنه آخر، عندما ألوث نفسي بخطأ دق أو جل، فأنا المسئول عنه أغسل أنا نفسي منه، وأشعر أنا بالندم عليه وأقوم أنا من عثرتي إذا وقعت. ثم أعود أنا إلى الله لأعترف له بسوء تصرفي وأطلب منه الصفح، أما أن العالم يخطئ فيقتل الله ابنه كفارة للخطأ الواقع، فهذا ما يضرب الإنسان كفًا بكف لتصوره، لماذا يقتل الله ابنه الوحيد البريء من أجل ذنوب الآخرين، إذا كان هذا الإله رب أسرة كبيرة، فلِمَ يقتل أبناءه كلهم أو جلهم من غير جريرة، أليس الأعقل والأعدل أن يقول هذا الإله للمذنبين: تتطهروا من أخطائكم وتوبوا إلي أقبلكم، فلا يكون هناك قتل ولا صلب ولا لف ولا دوران، أليس كل إنسان مسئولًا عن نفسه ﴿أن لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٨، ٣٩).

стр. 247

ألم يكن أوفق لعدل الله ورحمته أن يعغو عن عباده بدلًا من أن يعاقب ابنه الوحيد المزعوم، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١١٠)، وإذا كان هذا الصلب بسبب ذنب اقترفه آدم ﵇ فهو إما أن يتوب الله كما حدث، يتوب عليه ويعفو عنه، أو أن يعاقبه بذنبه، ولا ثالث لهما وذلك مقتضى عدل الله. أما إنه يصلب ابنه الوحيد بزعم العدل أو الرحمة، فهذا لا يقبله من عنده مسحة عقل، وأعجب كلما ذكرت خطيئة آدم ﵇ لماذا يتحمل أبناء آدم وزر هذه الخطيئة، وما الذي يجعلها دينًا في عنق أبناء آدم جميعًا، لا يكفرها إلا الصليب، ولمن يا للعجب لله الذي ارتكب آدم في حقه الخطيئة، فبدلًا من أن يكفر عنها آدم بنفسه يكفر الله عنها، ويحمل وزرها أبناء آدم، حتى يؤمنوا بأن الله قد صلب نفسه فداء لمخلوق من مخلوقاته، الذي أخطأ في حق خالقه، ما معنى هذا ولِمَ كل هذا؟! إن الابن ليس مسئولًا عن ذنب أبيه. وهكذا قرر الكتاب المقدس: لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيته يقتل. سفر التثنية إصحاح ٢٤، فما ذنب عيسى يصلب بذنب أبيه آدم، وهل هو ابن آدم أم ابن الله، وهل هذا هو العدل الإلهي، فلماذا طلب المسيح نفسه النجاة وعاتب ربه أنه تركه للأعداء كما يقولون، كما نادى قائلًا: إلهي إلهي لماذا تركتني، أكان عيسى يجهل ذلك، وهل المنادي المستغيث في الأرض هو هو المنادى المستغاث به في السماء؛ لأن الأب والابن شيء واحد كما يزعمون، أجيبونا من القاتل ومن القتيل؟ قال المسيحيون: إن الله الابن صلب، لكنهم يقولون كذلك: إن الأب هو الابن هما الروح القدس جميعًا شيء واحد، إن كان الأمر كذلك فالقاتل هو القتيل،

стр. 248

وذاك سر ما قاله أحد الفرنجة المفكرين: خلاصة المسيحية أن الله قتل الله لإرضاء الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فهو أكبر وأعلى وأجل وأسمى من ذلك. ونحن لا نريد إجابات على هذه الأسئلة، فعقيدتنا نحن المسلمين أن الله العظيم فوق هذه التصورات الهازلة، إن هذا الكلام الذي قرأناه من أسوأ وأغرب ما وصف به الله، وما كنا نحن نتصور أن يصل الإسفاف في الحديث عن الله ﷻ إلى هذا الدرك المعيب، ولكن تعصب المسيحية جعلهم يسطرون هذا اللغو وينشرونه بين الطلاب المسلمين؛ لأنه يعتقد أن القرآن يقبل التعاليم المسيحية، وأن التوحيد ينسجم مع التثليث، وأثبتوا هذا الهراء في منشورات ومجلات، يريدون به أن يختل المسلمون عن توحيدهم وسلامة معتقدهم. وكم نود أن نقول لهؤلاء وأمثالهم من الحاقدين على الإسلام: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ٧٧). إن الانسياق مع التعصب ضد الإسلام يجب أن يختفي، وإن كل محاولة لإهانة الإسلام وإخراج أهله، لا يمكن أن تكون موضع احترام توزع على المسلمين هذه الخرافات بين الحين والآخر، على أنها الحقائق المخفية، وأننا بحاجة إليها أحوج من الهواء الذي نتنفسه. إننا معشر المسلمين نحب عيسى ونوقره، ونعد أنفسنا من أتباعه، ونرفض بغضب كل ريبة توجه إليه، أو إلى السيدة البتول أمه، بل نحن أولى بعيسى من أولئك الذين ينتمون إليه، ويغالون فيه، وليس خلافنا مع النصارى أنه قتل أو لم يقتل، الخلاف أعمق من ذلك، الخلاف أهو إنسان كما نقول أو إله كما يزعمون، أكل امرئ بما كسب رهين، أم أن هناك قربانًا قدمه الله من نفسه لمحو خطايا البشر؟!!.

стр. 249

هذا وفي الوقت الذي يدين فيه النصارى بالصلب والفداء، يعتقدون أن المسيح يدين ويحاسب، فأي تناقض هذا، زعم المسيحيون أنه لم يمكث المسيح بعد قيامته هذه -التي يعتقدها المسيحيون- إلا أربعين يومًا، ثم ارتفع بعدها إلى السماء، وجلس بجوار الرب في زعمهم، وسيأتي ليدين الناس يوم القيامة، يحاسب كل إنسان على ما فعل وقال، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وله بهذا الملك الأبدي فلا فناء لملكه فهم يقولون: إن الله قد أقام يومًا سيدين فيه سكان هذه الأرض يسوع المسيح؛ لأن الأب في زعمهم لا يدين أحدًا، بل قد أعطى ذلك للابن، فأعطاه سلطان أن يدين الإنسان لأنه ابن الإنسان أيضًا. ولا بد أن يظهر الناس جميعًا أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد جزاء ما كان قد صنع خيرًا أو شرًّا، هذه عقيدتهم فقد جاء في إنجيل يوحنا: "الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون لأنه كما أن الأب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان، لا تعجبوا من هذا فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة. أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا كما أسمع وأدين، ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني". إنجيل يوحنا إصحاح خمسة، فهل هما واحد أم اثنان مشيئة الأب الذي أرسله، وفي ذات الوقت يجلس على يمين الرب ثم يقال: هما شيء واحد تعجب، وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كرنسوس: لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد منا ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًّا.

стр. 250

فهذه النصوص جميعًا تبين بجلاء أن الذي سيحاسب الناس ويجازيهم إنما هو المسيح في نظرهم، فتعجب وكفى بهذا تناقضًا وكفى بالباطل عرضه، وقد عرضنا لعقيدة النصارى في عناصرها الأساسية، بحمد الله تعالى. إن العقل لا يصدق تجسد الإله، وإن كان أن يتحول رب العالمين إلى شخص يأكل ويشرب ويأتي بلازم ذلك، كما أن العقل لا يصدق أيضًا أن البشر جميعًا أرباب خطايا وأصحاب مفاسد، وأنهم محتاجون لمن ينتحر من أجلهم كي تغفر خطاياهم، وكذلك رفض الإسلام كلتا القضيتين، لكن يصر النصارى بتعصب أعمى على أن هذا هو الحق وما دونه ضلال. وما أجمل ما قال الشاعر الحكيم: أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإله بصنع قوم ... أماتوه فما هذا الإله وهل أرضاه ما نالوه منه ... فبشراهم إذا نالوا رضاه وإن سخط الذي فعلوه فيه ... فقوتهم إذًا أوهت قواه وهل بقي الوجود بلا إله ... سميع يستجيب لمن دعاه وهل خلت الطباق السبع لما ... ثوي تحت التراب وقد علاه وهل خلت العوالم من إله ... يدبرها وقد سمرت يداه وكيف تخلت الأملاك عنه ... بنصرهم وقد سمعوا بكاه وكيف أطاقت الخشبات حمل ... الإله الحق شد على قفاه وكيف دنا الحديد إليه ... حتى يخالطه ويلحقه أذاه وكيف تمكنت أيدي عداه ... وطالت حيث قد صفعوا قفاه وهل عاد المسيح إلى حياة ... أم المحيي له رب سواه
следующие страницы →