Полный текст (387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وإذا كان الصلب لفداء الخطايا، فهل هذا الفداء يتناول صنيع الشرور والآثام والمظالم أم يتجاوزهم، أم هو لتصبر الضحايا على ما ينزل بها، أرأيت لو أن رجلًا له سبعة أولاد، ستة منهم مجرمون عاقون عاصون، والسابع منهم مطيع مؤدب مهذب، فأراد هذا الوالد أن يسامح أبناءه المجرمين وأن يغفر لهم، فأعلن لأولاده إذا أردتم عفوي ومغفرتي فاقتلوا أخاكم المطيع أكفر خطاياكم، فماذا تقول عن هذا الأب؟
والإجابة التي تتفق عليها الكلمة: إنه أب مجنون، فما زاد هذا الأب عن رب النصارى الذي اطلع على عباده، فرآهم مذنبين، فلما أراد أن يكفر خطاياهم أنزل ابنه، وأمر بصلبه ليكفر عن خطايا البشر، كيف يكون إلهًا من يأمر بذبح ابنه البار من أجل تكفير خطايا المذنبين، كما أنني أتساءل: لو أنني لبست ثوبًا أبيض ثم وقعت عليه نقطة حبر، أتزول إذا غسلت ثوبك وكل الأثواب؟ والإجابة لا. قلت: فلم يزول خطأ إذا اعتذر عنه آخر، عندما ألوث نفسي بخطأ دق أو جل، فأنا المسئول عنه أغسل أنا نفسي منه، وأشعر أنا بالندم عليه وأقوم أنا من عثرتي إذا وقعت.
ثم أعود أنا إلى الله لأعترف له بسوء تصرفي وأطلب منه الصفح، أما أن العالم يخطئ فيقتل الله ابنه كفارة للخطأ الواقع، فهذا ما يضرب الإنسان كفًا بكف لتصوره، لماذا يقتل الله ابنه الوحيد البريء من أجل ذنوب الآخرين، إذا كان هذا الإله رب أسرة كبيرة، فلِمَ يقتل أبناءه كلهم أو جلهم من غير جريرة، أليس الأعقل والأعدل أن يقول هذا الإله للمذنبين: تتطهروا من أخطائكم وتوبوا إلي أقبلكم، فلا يكون هناك قتل ولا صلب ولا لف ولا دوران، أليس كل إنسان مسئولًا عن نفسه ﴿أن لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٨، ٣٩).
стр. 247
ألم يكن أوفق لعدل الله ورحمته أن يعغو عن عباده بدلًا من أن يعاقب ابنه الوحيد المزعوم، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١١٠)، وإذا كان هذا الصلب بسبب ذنب اقترفه آدم ﵇ فهو إما أن يتوب الله كما حدث، يتوب عليه ويعفو عنه، أو أن يعاقبه بذنبه، ولا ثالث لهما وذلك مقتضى عدل الله.
أما إنه يصلب ابنه الوحيد بزعم العدل أو الرحمة، فهذا لا يقبله من عنده مسحة عقل، وأعجب كلما ذكرت خطيئة آدم ﵇ لماذا يتحمل أبناء آدم وزر هذه الخطيئة، وما الذي يجعلها دينًا في عنق أبناء آدم جميعًا، لا يكفرها إلا الصليب، ولمن يا للعجب لله الذي ارتكب آدم في حقه الخطيئة، فبدلًا من أن يكفر عنها آدم بنفسه يكفر الله عنها، ويحمل وزرها أبناء آدم، حتى يؤمنوا بأن الله قد صلب نفسه فداء لمخلوق من مخلوقاته، الذي أخطأ في حق خالقه، ما معنى هذا ولِمَ كل هذا؟! إن الابن ليس مسئولًا عن ذنب أبيه.
وهكذا قرر الكتاب المقدس: لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيته يقتل. سفر التثنية إصحاح ٢٤، فما ذنب عيسى يصلب بذنب أبيه آدم، وهل هو ابن آدم أم ابن الله، وهل هذا هو العدل الإلهي، فلماذا طلب المسيح نفسه النجاة وعاتب ربه أنه تركه للأعداء كما يقولون، كما نادى قائلًا: إلهي إلهي لماذا تركتني، أكان عيسى يجهل ذلك، وهل المنادي المستغيث في الأرض هو هو المنادى المستغاث به في السماء؛ لأن الأب والابن شيء واحد كما يزعمون، أجيبونا من القاتل ومن القتيل؟
قال المسيحيون: إن الله الابن صلب، لكنهم يقولون كذلك: إن الأب هو الابن هما الروح القدس جميعًا شيء واحد، إن كان الأمر كذلك فالقاتل هو القتيل،
стр. 248
وذاك سر ما قاله أحد الفرنجة المفكرين: خلاصة المسيحية أن الله قتل الله لإرضاء الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فهو أكبر وأعلى وأجل وأسمى من ذلك.
ونحن لا نريد إجابات على هذه الأسئلة، فعقيدتنا نحن المسلمين أن الله العظيم فوق هذه التصورات الهازلة، إن هذا الكلام الذي قرأناه من أسوأ وأغرب ما وصف به الله، وما كنا نحن نتصور أن يصل الإسفاف في الحديث عن الله ﷻ إلى هذا الدرك المعيب، ولكن تعصب المسيحية جعلهم يسطرون هذا اللغو وينشرونه بين الطلاب المسلمين؛ لأنه يعتقد أن القرآن يقبل التعاليم المسيحية، وأن التوحيد ينسجم مع التثليث، وأثبتوا هذا الهراء في منشورات ومجلات، يريدون به أن يختل المسلمون عن توحيدهم وسلامة معتقدهم.
وكم نود أن نقول لهؤلاء وأمثالهم من الحاقدين على الإسلام: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ٧٧).
إن الانسياق مع التعصب ضد الإسلام يجب أن يختفي، وإن كل محاولة لإهانة الإسلام وإخراج أهله، لا يمكن أن تكون موضع احترام توزع على المسلمين هذه الخرافات بين الحين والآخر، على أنها الحقائق المخفية، وأننا بحاجة إليها أحوج من الهواء الذي نتنفسه.
إننا معشر المسلمين نحب عيسى ونوقره، ونعد أنفسنا من أتباعه، ونرفض بغضب كل ريبة توجه إليه، أو إلى السيدة البتول أمه، بل نحن أولى بعيسى من أولئك الذين ينتمون إليه، ويغالون فيه، وليس خلافنا مع النصارى أنه قتل أو لم يقتل، الخلاف أعمق من ذلك، الخلاف أهو إنسان كما نقول أو إله كما يزعمون، أكل امرئ بما كسب رهين، أم أن هناك قربانًا قدمه الله من نفسه لمحو خطايا البشر؟!!.
стр. 249
هذا وفي الوقت الذي يدين فيه النصارى بالصلب والفداء، يعتقدون أن المسيح يدين ويحاسب، فأي تناقض هذا، زعم المسيحيون أنه لم يمكث المسيح بعد قيامته هذه -التي يعتقدها المسيحيون- إلا أربعين يومًا، ثم ارتفع بعدها إلى السماء، وجلس بجوار الرب في زعمهم، وسيأتي ليدين الناس يوم القيامة، يحاسب كل إنسان على ما فعل وقال، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وله بهذا الملك الأبدي فلا فناء لملكه فهم يقولون: إن الله قد أقام يومًا سيدين فيه سكان هذه الأرض يسوع المسيح؛ لأن الأب في زعمهم لا يدين أحدًا، بل قد أعطى ذلك للابن، فأعطاه سلطان أن يدين الإنسان لأنه ابن الإنسان أيضًا.
ولا بد أن يظهر الناس جميعًا أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد جزاء ما كان قد صنع خيرًا أو شرًّا، هذه عقيدتهم فقد جاء في إنجيل يوحنا: "الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون لأنه كما أن الأب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان، لا تعجبوا من هذا فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة.
أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا كما أسمع وأدين، ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني". إنجيل يوحنا إصحاح خمسة، فهل هما واحد أم اثنان مشيئة الأب الذي أرسله، وفي ذات الوقت يجلس على يمين الرب ثم يقال: هما شيء واحد تعجب، وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كرنسوس: لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد منا ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًّا.
стр. 250
فهذه النصوص جميعًا تبين بجلاء أن الذي سيحاسب الناس ويجازيهم إنما هو المسيح في نظرهم، فتعجب وكفى بهذا تناقضًا وكفى بالباطل عرضه، وقد عرضنا لعقيدة النصارى في عناصرها الأساسية، بحمد الله تعالى. إن العقل لا يصدق تجسد الإله، وإن كان أن يتحول رب العالمين إلى شخص يأكل ويشرب ويأتي بلازم ذلك، كما أن العقل لا يصدق أيضًا أن البشر جميعًا أرباب خطايا وأصحاب مفاسد، وأنهم محتاجون لمن ينتحر من أجلهم كي تغفر خطاياهم، وكذلك رفض الإسلام كلتا القضيتين، لكن يصر النصارى بتعصب أعمى على أن هذا هو الحق وما دونه ضلال.
وما أجمل ما قال الشاعر الحكيم:
أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وعاه
إذا مات الإله بصنع قوم ... أماتوه فما هذا الإله
وهل أرضاه ما نالوه منه ... فبشراهم إذا نالوا رضاه
وإن سخط الذي فعلوه فيه ... فقوتهم إذًا أوهت قواه
وهل بقي الوجود بلا إله ... سميع يستجيب لمن دعاه
وهل خلت الطباق السبع لما ... ثوي تحت التراب وقد علاه
وهل خلت العوالم من إله ... يدبرها وقد سمرت يداه
وكيف تخلت الأملاك عنه ... بنصرهم وقد سمعوا بكاه
وكيف أطاقت الخشبات حمل ... الإله الحق شد على قفاه
وكيف دنا الحديد إليه ... حتى يخالطه ويلحقه أذاه
وكيف تمكنت أيدي عداه ... وطالت حيث قد صفعوا قفاه
وهل عاد المسيح إلى حياة ... أم المحيي له رب سواه
стр. 251
ويا عجبًا لقبر ضم ربًّا ... وأعجب منه بطن قد حواه
أقام هناك تسعًا من شهور لدى ... الظلمات من حيض غذاه
وشق الفرج مولودًا صغيرًا ... ضعيفًا فاتحًا للثدي فاه
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي ... بلازم ذاك هل هذا إله
تعالى الله عن إفك النصارى ... سيسأل كلهم عما افتراه
أعباد الصليب لأي معنى ... يعظَم أو يقبح من رماه
وهل تقضي العقول بغير ... كسر وإحراق له ولمن بغاه
إذا ركب الإله عليه كرهًا ... وقد شدت لتسمير يداه
فذاك المركب الملعون ... حقًّا فدسْه لا تبسه إذ تراه
يهان عليه رب الخلق طُرًّا ... وتعبده فإنك مِن عداه
فإن عظمته من أجل أن قد ... حوى رب العباد وقد علاه
وقد فقد الصليب فإن رأينا ... له شكلًا تذكرنا سناه
فهلا للقبور سجدت طرًّا ... لضم القبر ربك في حشاه
فيا عبد المسيح أفق ... فهذا بدايته وهذا منتهاه
ولله در القائل أيضًا:
عجبي للمسيح بين النصارى ... وإلى أي والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا ... إنهم بعد قتله صلبوه
وإذا كان ما يقولون حقًّا ... وصحيحًا فأين كان أبوه
حين خلى ابنه رهين الأعادي ... أتراهم أرضوه أم أغضبوه
فلئن كان راضيًا بأذاهم ... فاحمدوهم لأنهم عذبوه
ولئن كان ساخطًا فاتركوه ... واعبدوهم لأنهم غلبوه
стр. 252
نعم الحق واضح أبلج والباطل لَجْلَج، هذه عقيدة النصارى يعجب لها من لديه مسحة من عقل، هذا هو دين النصرانية الذي تغير بتغير بولس وقسطنطين والأحبار والرهبان له، هذا الدين الذي رفض الحق وأنكروا نبوة محمد ﷺ مع ما كثرة ما جاء عندهم من الدلائل والبراهين والإشارات والبشارات بالنبي محمد ﷺ فضلًا عن معتقداتهم فضلًا عن شعائرهم وشرائعهم وتنصيرهم، وزعمهم أنهم على الحق.
أي دين هذا إنه دين النصرانية أو المسيحية أو الصليبية، برأ الله ساحة عيسى ابن مريم من كل ما قالوه وما اعتقدوه، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 253
الدرس: ١٣ الديانة المصرية القديمة .
стр. 254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(الديانة المصرية القديمة)
مصادر دراسة الدين المصري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة، كأديان المصريين القدماء والهند والصين واليابان واليونان والرومان والفرس، وأبدأ كلامي -إن شاء الله تعالى- عن دين المصريين القدماء؛ فأقول -وبالله التوفيق-:
ظهرت الحضارة فتية في مصر قبل الميلاد بأربعين قرنًا، وبرزت متنوعة في تراثهم الباقي أغلبه حتى الآن، وهناك إجماع عالمي في العصر الحديث على سبق الحضارة المصرية بمستواها الممتاز، مما دفع العلماء إلى الاهتمام بدراسة الآثار المصرية وكشفها، ومحاولة استنطاق الجمادات القديمة فيها؛ لمعرفة مختلف جوانب الحياة عند هؤلاء القدماء، حتى أصبح لعلم المصريات أقسام علمية في الجامعات ومراكز البحث في الجامعات، ومراكز البحث، كما أسست لدراسته المعاهد العلمية المتخصصة.
ويلاحظ أن الدين لم يغب عن حضارة المصريين أيضًا، ويبدو أنه شغل ركنًا أساسيًّا وكبيرًا من حياتهم، لدرجة أن بعض العلماء يرى أن التأريخ للدين في مصر القديمة يعد تأريخًا للحضارة المصرية؛ لأن الدين هو الذي دفعهم إلى بناء المقابر الضخمة، وجعلهم ينقشون على الحجر ويكتبون في ورق البَرَدَى، ويُخلدون الأناشيد والمواعظ المقدسة، ولا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا: إنه لولا الدين لما كان هناك أثر الآن للحضارة المصرية القديمة، وبناء على ذلك فإننا نشير -إن شاء الله تعالى- إلى مصادر الدين المصري، أو مصادر دراسة الدين المصري وما هي أهم المعتقدات والآلهة عندهم.
стр. 255
مصادر دراسة الدين المصري:
كان لمعرفة المصريين بالكتابة أثر في تسجيل تاريخهم وعقائدهم، وبفضل العثور على حجر رشيد وفك رموز اللغة الهيلوغريفية، تمكن العلماء من قراءة وفهم ما وصلهم عن عقائد المصريين، وبذلك استطاعوا أن يقدموا أسس العقائد المصرية القديمة، صحيح أن هذا التصور ليس تامًّا؛ لاحتمال ضياع بعض الكتابات وعدم العثور حتى الآن على بعضها الآخر، لكنه مع عدم تمامه يقدم تصورًا كافيًا لدارس الأديان تاريخيًّا ومقارنة، والكتابات التي عرفت العلماء بالدين المصري وجدت في المصادر الآتية:
الأول: أوراق البردي، فالبردي نبات يظهر على شاطئ النيل أوراقه عريضة، اكتشفه المصريون القدماء وتمكنوا من الاستفادة منه، فقاموا بتجفيفه وصنع لفافات طويلة منه يكتبون عليها، ويحفظونها في الأماكن الهامة، كبيت الملك أو المعبد أو المقبرة تبعًا للموضوع والهدف من كتابته، وقد تم اكتشاف العديد من أوراق البردي المختلفة في حجمه وموضوعه، وعكف العلماء على ترجمة النصوص ودراستها وحفظ الورق المكتشف في المتاحف المختلفة.
وتعود أقدم ورقة بردي عثر عليها إلى القرن العشرين قبل الميلاد، وتشمل صورة للاحتفالات الدينية والوصايا المقدسة التي تقال عند تولي الملك لعرشه، وتعتبر الكتابة على البردي أسبق سائر أنواع الكتابة، ولذلك وجدنا بعض الفراعنة المتأخرين بعد اكتشافهم لإمكانية الكتابة على الحجر، يقومون بنقلها من ورق البردي إلى الحجر حتى لا تتلف أو تتآكل.
وذلك كما فعل فرعون مصر "شباكو" حيث نقش على الحجر ما وجده مكتوبا على ورقة بردي، كتبت في أوائل القرن الرابع والثلاثين قبل الميلاد، محافظة على
стр. 256
الموضوع؛ لأنه يتعلق بالإله الواحد الخالق للكون كله، العليم بأحوال المخلوقات المحاسب لهم بعد الموت، وهذا الحجر موجود الآن في المتحف البريطاني بلندن، وعلى الجملة فإن نصوص أوراق البردي تقدم معلومات عديدة عن عقائد المصريين المختلفة، كما أنها تحدد في الغالب تاريخ كتابتها، وهذه مسألة هامة لدارس مقارنة الأديان.
الثاني: نصوص الأهرام، أي بعد أوراق البردي تأتي نصوص الأهرام، ساد الظن حينًا طويلًا على أن الأهرامات مجرد قبور، وأنها خالية من كل كتابة ونقش باطنها في ذلك كظاهرها، إلى أن تمكن الأثريون من دخول هرم بيبي الأول في سقارة لأول مرة، عام سنة ألف وثمانمائة وثمانين من الميلاد، وتبينوا وجود نصوص كثيرة منقوشة بداخله، فتتبعوا الأمر في سائر الأهرامات المكتشفة، وكانت المفاجأة أنهم أمام مجموعة متكاملة من الوثائق، فترجموها لعدة لغات وطبعوها عددًا من المرات.
وقد عرفت هذه الوثائق بنصوص الأهرام. إن هذه النصوص مكتوبة باللغة الهيلوغروفية، وتغشى حيطان الممرات والدهاليز والغرف لخمس أهرامات في سقارة، وقد تم كتابة النصوص في فترة بلغ مداها مائة وخمسون عامًا، أي في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد وربع قرن قبله وربع قرن بعده، وترجع أهمية هذه النصوص للمعلومات الدينية التي تحتويها، ولأنها تتحدث عن العقائد المصرية منذ العصور الأولى، كما أنها تعد وثيقة حقيقية لم يلعب بها تحريف ولم يداخلها التبديل، وأغلب ما تتناوله النصوص يتعلق بعقائد المصريين، وبخاصة ما يتعلق بالحساب وبالآخرة وبالخلود بعد الموت، وبمناجاة الآلهة، ومن الممكن تصنيف محتوياتها في خمسة موضوعات، هي:
стр. 257
١ - فروض جنائزية تتلى عند القبر بعد دفن الميت.
٢ - تعاويذ دينية.
٣ - تصوير للعبادة والطقوس.
٤ - توسلات تلقى نيابة عن الملك.
٥ - أساطير دينية متعددة.
وقد اهتم العلماء بنصوص الأهرام، فأخرجها المستشرق "زِيته" في مجلد ضخم، بلغت صفحاته ألف واحد وخمسين صفحة من الحجم الكبير، كما أن المستشرق "شِيفر" شرح نصوصها وحلل موضوعاتها، ومازالت هذه النصوص محل اهتمام حتى الآن.
الثالث: من المصادر كتاب الموتى، شغلت عقيدة المصريين في الحياة الخالدة بعد الموت ركنًا كبيرًا في تفكيرهم وتراثهم، ولذلك نراهم يصنعون كتابًا خاصًّا يحتوي على الاعتراف بالضعف البشري، وبالندم على الخطايا، كما يحتوي على طلب المغفرة والتقرب إلى الإله ليبعدهم عن العذاب ويدخلهم الجنة، ويسمى هذا الكتاب بكتاب الموتى، وكان يكتبونه على ورق أو ينقشونه على حجر، ويضعونه تحت رأس الميت أو بجواره أو يخطونه على جدر التوابيت.
وكثيرًا ما كانوا يكتبون نسخًا متعددة يضعونها مع الميت؛ اعتقادًا منهم بأن ذلك يساعد الميت على السعادة والخلود، ويؤدي إلى عفو الله ومغفرته لمن ينتقل منهم إلى الدار الآخرة، وكتاب الموتى أقرب نص يوضح العقيدة المصرية الدينية، ومدى اعترافها بالإله وبالموت وبالآخرة وبالنعيم في الآخرة، ولذلك يعتبره بعض العلماء كتابًا مقدسًا باعتبار الغاية منه، وإن كانت ألفاظه من تأليف الكهنة.
стр. 258
وقد نال كتاب الموتى اهتمام علماء الآثار والأديان لخطورة موضوعه، إلا أنه لم يطبع كله، فلقد طبعت أجزاء كثيرة منه تحت اسم نصوص التوابيت أو نصوص دينية أو نصوص مصرية، وهكذا، وعلى الجملة فهذا الكتاب يعد مصدرًا هامًّا لدراسة عقائد المصريين القدماء، وبخاصة في إيمانهم بالآخرة وبالحساب فيها.
رابع المصادر: نقوش الأحجار، كلما اكتشف العلماء أثرًا عمرانيًّا، يجدون أنفسهم أمام سيل من المعلومات عن الحضارة والعقيدة المصرية مكتوبة ومصورة، وما تزال الاكتشافات تتوالى كل يوم.
إن العقل البشري يقف مبهورًا أمام ما تركه المصريون القدماء، ويعجب أكثر للطريقة التي سجلوا بها عقائدهم وأفكارهم، وتمكنوا بها من تقديم أنفسهم للناس بعد زمان طويل في قوة وروعة وجلاء. هكذا عرفنا مصادر الديانة المصرية القديمة، فما هي أهم معتقداتها؟.
أهم معتقدات المصريين القدماء
عقائد القدماء المصريين:
يتبين لنا من المصادر السابقة الجوانب الرئيسة في عقيدة قدماء المصريين، وهي:
أولًا: عقيدة التوحيد، حيث آمن المصريون القدماء بالإله الواحد الخالق المحيط بالناس رب الدنيا والآخرة، وقد عرفت عنهم هذه العقيدة قبل الميلاد بأربعين قرنًا، يوم أن كانت مصر مقسمة إلى ولايات كثيرة متصارعة، فلقد عثر على نص يرجع تاريخه إلى القرن الرابع والثلاثين قبل الميلاد، يبين عقيدة التوحيد جاء فيه:
إن بِتاح صاغ وحدانيته بنفسه، وكل كلمة ربانية إنما تخرج إلى الوجود بتفكيره، إنه الذي صاغ الأجسام والصفات، إنه هو الذي خلق كل الأطعمة وكل
стр. 259
الضحايا بالكلمة. إنه الذي يسبب لكل خاتمة أن تخرج، وأنه هو اللسان الذي يعلن عن أفكار القلب، إنه هو الذي خلق كل عمل وكل صنعة تصوغها الأيدي، ومشي الأقدام وحركة كل عضو تبعًا لأمره، عن طريق تفكير القلب الذي يتحقق باللسان، ودلالة هذا النص الذي عثر عليه في قطعة منفيس، الذي نقشه الملك "شِباكو" تدل على عقيدة التوحيد واضحة.
وفي طيبة وجد نشيد ديني يتعلق بتسبيح الإله "آمون" جاء فيه: أول من جاء إلى الوجود في الأزمان الأولى آمون، لا إله أتي إلى الوجود قبله ولم يكن معه إله آخر، ليس له أم وليس له أب، وهو من العظمة بحيث يجب أن يسأل الناس عنه، ومن القوة بحيث ينبغي أن يعرف، كل الآلهة ثلاثة: آمون، ورَع، وبتاح، ولا تالي بعده، الخفي اسمه آمون هو رع في وجهه وبتاح في جسده، ترجم عن ولسن في تاريخ النص يرجع إلى سنة ألف وثلاثمائة وواحد وعشرين قبل الميلاد.
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد يتولى الملك "أخناتون" عرش مصر الموحدة، وينشط في دعوة الناس إلى الإيمان بإله واحد، هو خالق كل شيء وهو المحيي والمميت، ومن أناشيد كهنة أخناتون وهم ينادون الإله قولهم: ما أعظم أعمالك أيها الإله، إنها خافية عن جميع البشر، أيها الإله الواحد الذي لا إله سواه. أنت خلقت الأرض حسب مسرتك. قد خلقت الجلد البعيد لتشرق منه بوجهك لكي ترى عيناك كل ما صنعت يداك. الأرض كلها بين يديك، لذلك أنت الذي صنعتها، فعندما تشرق تحيا الخلائق، وعندما تغيب تموت؛ لأنك أنت مصدر الحياة، وجميع الناس بك يحيون.
وقد تصور البعض أن أخناتون هو أول من دعا إلى التوحيد في مصر القديمة، لكن النصوص المحفوظة في الآثار، خير شاهد على أن التوحيد وجد في مصر قبل
стр. 260
أخناتون بعشرين قرنًا على الأقل، ويلاحظ أن توحيد المصريين يتضمن الإيمان بأن الإله خالق كل شيء، وفق قدرة عاقلة حكيمة، كما يتضمن الإيمان بضرورة وجود مناسك وطقوس يؤديها الإنسان لله، وقد أورد الدكتور أحمد الحيني عددًا من المواعظ في أزمنة قديمة مختلفة ومتباعدة، للدلالة على ذلك.
إن هذا التوحيد رغم صفائه ووضوحه، وبعده عن الشرك والإلحاد، ورغم ثبوته بأدلة قوية رغم ذلك توجد آلهة عديدة تدور حولها الأساطير الكثيرة، أنزلها المصريون منزلة عظيمة ومقدسة، ومن هذه الآلهة رع إله الشمس واهب الدفء، ومصدر النور، وآمون الإله المستتر. أوزوريس إله الحب والتعاون والسلام، وتُحوت إله العلم والحكمة. وإيزيس إله الحياة.
ووجود هذه الآلهة وغيرها يدفعنا إلى سؤال بدهي وهام، يدور حول اجتماع التوحيد والشرك معًا في مصر القديمة. إن النصوص المصرية الثابتة لم تحل هذا التناقض، ومع ذلك فحله ليس بالأمر الشاق أو المستحيل؛ لأن من الممكن أن التوحيد كان للخاصة والشرك كان لغيرهم، أو أن الشرك مرحلة تالية للتوحيد أو العكس، أو أن الأسماء المختلفة تدور حول إله واحد، يسمى بما يوصف به، أو أن اختلاف الأقاليم أدى إلى تعدد اللغات مما جعل الاسم يختلف، وإن كانت حقيقة المسمى واحدة، أو أن حال المصريين كان كحال العرب في جاهليتهم، حيث كانوا يوحدون في الربوبية ويشركون في الألوهية، تلك كلها احتمالات ظنية ممكنة في تفسير هذه الظواهر.
لكن الإنصاف يجعلنا نكتفي بمجرد الوصف، تاركين الترجيح بين هذه الاحتمالات الآن؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف ماذا يدور بِخَلَد المصري القديم، وفيما يفكر عندما كان يسمع كلمة معبود، وعلى أي نحو كان يتمثل في خياله،
стр. 261
وكنه الصورة التي كانت تتمثل لدى القروي ولدى المدني ولدى رجل الدين، وهل كانت جميعًا واحدة وفي مستوى واحد، أو كانت مختلفة. إن معلوماتنا مأخوذة من أوراق البردي ومن نصوص الأهرام، ومن سائر الكتابات، وهي أوثق شيء لدينا حتى الآن، وهي الدليل عند العلماء على ما ذهبوا إليه.
ومن ثم لا نستطيع تفسير هذه الظواهر بدقة، وإن كنا نستطيع تصور التوحيد ومعرفة أسماء الآلهة الكثيرة، وما يدور حولها من الأساطير، وعلى الجملة فإن المصريين عرفوا التوحيد وعبدوا الآلهة المتعددة، فاجتمع لديهم التوحيد والشرك، وقد أوردت ما يدل على التوحيد عندهم، وكذلك ما يدل على تعدد الآلهة، وقد عُلِمَ أنه شاعت في مصر القديمة عبادة الطواطِم، التي يراد بها عبادة الحيوانات، كعبادة الصقر والنسر والقط والنسناس والجُعل والتمساح، وغير ذلك من فصائل الحيوانات وهي بقايا طَوْطَمية تحولت مع الزمان إلى رموز.
كما شاع عند المصريين القدماء عبادة الأرواح أو عقيدة الأرواح، فكان المصريون من أعرق الأمم التي آمنت بالبعث والثواب والعقاب بعد الموت، فكانوا يؤمنون بالروح ويجعلونها في صورة زهرة أو طائر له وجه آدمي، وتارة في صورة تمساح أو ثعبان، وقالوا: إن الروح تتشكل بجميع الأشكال، ولكنهم لم يقولوا بتناسخ الأرواح.
وأما أثبت العبادات وأعمها وأقواها وأبقاها، فهي عبادة الموتى والأسلاف دون مراء، ومن هنا كانت عناية المصري بتشييد القبور، وتحنيط الجثث وإحياء الذكريات التي لا تفوقها عناية شعب من الشعوب، وقد بقيت آثار هذه العبادة إلى ما بعد بزوغ الديانة الشمسية وعبادة الشمس، وكذا عبادة البشر متمثلة في أوزوريس وإيزيس وحوريس، ويبدو أن المصريين قد بذلوا الكثير من الجهد
стр. 262
والمال والوقت والفكر في سبيل عقيدة عبادة الموتى والأسلاف، والإيمان بالحياة بعد الموت وبالثواب والعقاب، حتى أقاموا لموتاهم هذه المقابر، وشيدوها بهذه الصورة، وأسسوها على هذا النحو الخاص، وحنطوا فيها أمواتهم ووضعوا الأدوات التي يستعملونها في أماكن لا تنالها عوادي الزمن، وفي ظروف لا تسمح للصوص بسرقة شيء من هذه الأدوات.
فتطور الاحتياط حسب التقدم الحضاري للمصريين، منذ كانوا يسكنون وادي النيل ويعيشون كصيادين بدائيين، ويدفنون موتاهم ومعهم أسلحتهم، وأواني مأكلهم ومشربهم، فلما تقدم الزمن وصار لهم ملوك وحضارة زاد ما كانوا يدفنونه مع موتاهم، فزادت عنايتهم واحتياطاتهم، فبنوا المقابر الضخمة ووضعوا فيها الأثاث الجنازي الكثير.
ثانيًا: في عقائد المصريين القدماء: الإيمان بالحياة في الآخرة، حيث آمن المصريون القدماء بالحياة بعد الموت، على أساس إيمانهم بأن الروح لا تفنى بالموت ولا تذهب بذهاب الجسد؛ لأن الموت في نظرهم عبارة عن مجرد مفارقة الروح للجسد.
وحتى يضمنوا عودة الروح لجسدها مرة أخرى بعد الموت، فقد بذلوا جهدهم في العناية بالأجساد وتحنيطها، ووضعها في توابيت قوية ومقابر ضخمة، وبالغوا في إخفائها، حتى لا يعتريها أمر يضيعها أو يضعفها، وبذلك تكون مستعدة لاستقبال الروح والعيش في السلام الكامل، وفي الحياة الآخرة آمن المصريون بالدينونة بين يدي الآلهة، ولذلك اهتموا بوضع كتاب الموتى مع الميت؛ ليعينه في اجتياز الحساب ودخول الجنة.
وقد بينت النصوص عقيدة المصريين في الروح والحساب والخلود، ووضحت مدى اعتمادها على الصور الحسية الدنيوية، فهم يعتقدون أن الروح بعد الموت
стр. 263
تتجه إلى الوادي السحيق، حيث يوجد بوسطه نهر الدينونة الرهيب، والوادي على شكل نصف دائرة، ممتدة على جوانبه التلال والجبال، وامتلأ من داخله بالهوام والوحوش.
إن الوادي مقسم إلى اثنتي عشرة منطقة، وهو ممتلئ بالأفاعي والثعابين والوحوش الضارية، ولا ينجو من هذه الآلام إلى الأرواح التي تسلح أصحابها بأعمال البر والخلق القويم.
وفي الوادي توجد محكمة الموت المعروفة بمحكمة أوزوريس، وعدد قضاتها اثنان وأربعون قاضيًا، يتوسطهم أوزوريس جالسًا فوق منصة تعلو تسع درجات، وتمثل الروح أمام المحكمة، وتنهال عليها الأسئلة: هل مجدت الآلهة؟ هل ارتكبت جريمة ما؟ هل نطق لسانك بالكذب وشهدت بالزور؟ هل غدرت بجارك؟ هل أحببت قريبك كنفسك؟ فترد على ما يوجه إليها من أسئلة وتقول: هأنذا أعاين جمالك ولم أرتكب الظلم في الناس، لم أقتل ولم أأمر بالقتل، لم أكذب ولم أذكر أنني خنت أحدًا، لم أعص الأوامر الإلهية ولم أحرض أحدًا على رئيسه، ولم أُجوع أحدًا، ولم أطفف كيل القمح، ولم أغش في قياس الذراع وفي حد الحقل، ولم أضغط على قَب الميزان، فأنا نقي نقي نقي.
وبعد ذلك يكون القضاء، وهي لحظة شاقة تنتظرها الروح لتعرف مصيرها في الآخرة، وهل ستكون من المقبولين الفائزين أم تكون من المحرومين المعذبين. إن الجنة هي جزاء المقبولين والعذاب جزاء المحرومين، وكلاهما في صورة حسية مادية على نمط تصور المصريين للحياة الأخروية بشكل عام. هذا وللعلماء في نشأة وتطور عقيدة المصريين آراء، حيث يتفق العلماء جميعًا على ظهور التوحيد في مصر القديمة، كما يتفقون على وجود الآلهة المتعددة فيها أيضًا، إلا أنهم
стр. 264
يختلفون في تفسير نشأة كل من التوحيد والتعدد، وفي أيهما الأسبق وفي الصلة بينهما، ولذلك نراهم ينقسمون إلى ثلاثة اتجاهات هي:
الاتجاه الأول: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الدين ظهر عند المصريين القدماء على سنة التطور الفكري، حيث بدأ بدائيًّا ثم أخذ في الترقي شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى عقيدة التوحيد، ويرى هؤلاء العلماء إلى أن تحول المصري القديم من الصيد إلى الزراعة، جذب انتباهه إلى البحث عن سر تحول الحبة بعد بذرها في الأرض إلى نبات أخضر مثمر، يمثل صورة الكائن الحي في التكاثر والنماء والتغذية والإخراج، وقد أدى هذا إلى الاعتقاد بوجود إله، هو روح هذه الحياة الخضراء حيث يحفظ لها استمرارها وتجددها، وسمى المصريون هذا الإله باسم أوزوريس.
ومن الزراعة نفسها أدرك المصريون ما في ماء النيل من أثر قوي على استمرار الخضرة وازدهارها، فاعتقدوا بإله النيل وأسموه حورس، ومن البيئة التي عاشها المصريون أدركوا أهمية الشمس، واعتقدوا بوجود إله يعرف بإله الشمس هو رع، وهكذا يفسر هؤلاء العلماء نشأة الآلهة المصرية، إذ يرونها ترتبط بالظواهر الطبيعية، التي أوحت للإنسان باختراع عقيدة معينة مرتبطة بالآلهة معينين، لهم أثر واضح في معاشهم ونشاطهم، ويرى العلماء أن هذه المرحلة البدائية مرت بطورين:
أولهما: تأليه المظهر الطبيعي ذاته.
وثانيهما: تأليه الروح التي يرمز لها المظهر الطبيعي، وقد قوي تأليه الروح حينما انتشر بين المصريين الإيمان بالروح، التي تسكن كل كائن موجود لاعتقادهم بوجود روح في كل شيء. وقد ساعد على نمو العقيدة ورقيها عند المصريين وجود
стр. 265
كهنة متفرغين للوعظ والعبادة، وخدمة الآلهة، ومن صور النمو الديني: شعور المصريين بأن بعض آلهتهم عالميون، كإله الشمس وإله الحياة، وإحساسهم بأن سلطان هذه الآلهة يمتد لما بعد الموت، وأنه فوق سلطان البشر، واهتمامهم بالتراتيل والأناشيد الدينية والتعاويذ حفظًا وكتابة.
وقد أدى هذا النمو في مرحلة ما إلى تسليم المصريين بأن بعض الآلهة أكبر من بعض آخر، وهذا دفعهم إلى الإيمان بالآلهة الأكبر، ثم كان الترقي في النهاية إلى معرفة المصريين للتوحيد، والإيمان بوجود إله واحد أعلى مما عداه له عدة أسماء تبعًا للهجات الإقليم، وتعدد اللغات وتبعًا للصفات التي يتصف بها. وأصحاب هذا الاتجاه يرون العقيدة من صناعة المصريين بصورة كلية، ويُرجعون جميع صورها إلى العقل الإنساني والصناعة البشرية المجردة.
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه في تفسير العقيدة المصرية عدد كبير من العلماء، وعلى رأسهم الأستاذ عباس العقاد في كتابه (الله) والدكتور عبد المنعم أبو بكر في كتابه (أخناتون) والأستاذ جيمس هنري برستد في كتابيه (تطور الفكر والدين في مصر القديمة) و (انتصار الحضارة) والأستاذ حبيب سعيد في كتابه (أديان العالم).
أما الاتجاه الثاني، فيذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن العقائد البدائية التي ظهرت في مصر القديمة من اختراع العقل، إلا أنها سرعان ما تأثرت بالتعاليم التي جاء بها الرسل، مما جعلها تقف على التوحيد الإلهي الصحيح، الذي تأثر بعد مدة بالتفكير البشري، وداخلته بعض العقائد القديمة، الأمر الذي أبعده جزئيًا عن صفاء التوحيد والدعوة الإلهية، وهؤلاء العلماء لا يسلِّمون بوجود التوحيد خالصًا في مصر، بل يؤخذون عليه ارتباطه بالشمس أو بإله الآلهة، البادي في صورة ملموسة حيث يسكن القصور ويأكل ويشرب.
стр. 266
ويفسرون ذلك بتأثر المصريين ببعض العقائد السماوية، وبصورة خاصة تلك الرسالات التي عاشت فترة بينهم، كرسالة إبراهيم ويوسف وموسى -عليهم الصلاة والسلام. وهؤلاء العلماء لا يرون الدين الصحيح صناعة بشرية، ويؤكدون أنه لا يكون إلا بالوحي المنزل على رسول من رسل الله تعالى، ويذهب بعضهم إلى أن الدين الصحيح جاء لسائر الأمم داعيًا للتوحيد الخالص والنظام المستقيم، استنتاجًا من الحقيقة القرآنية الواردة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤).
وهو بهذا يرى أن المصريين عاشوا بالضرورة مع رسالة سماوية صحيحة، وبعد ذلك أتاهم التحريف والتغيير، فانحدروا من التوحيد إلى التعدد إلى الوثنية، وهكذا كان تغير الدين في مصر القديمة نحو الهبوط، ولم يكن صعودًا دائمًا، وأصحاب هذا الاتجاه لا ينفون عن الدين المصري مروره في المرحلة البدائية، بل يذكر بعضهم أنها ظهرت قبل التوحيد الصحيح. (الإنسان في ظل الأديان) (معتقدات الأديان القديمة) للدكتور عمارة نجيب.
أما الاتجاه الثالث فيذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الدعوات الإلهية الصحيحة، ظهرت في مصر، إلا أنهم يذهبون إلى تحديد الدعوات، التي كلف المصريون بها، إذ يذهب بعضهم إلى أن إدريس ﵇ هو رسول الله المرسل إلى المصريين القدماء، حيث يقولون: ولد إدريس ﵇ بمدينة إدفو من أعمال الصعيد حيث رحل إليها أهله.
وقد ذكر المؤرخون أنه عاش يدعو المصريين إلى عبادة الله وتوحيده، وتنزيهه عن كل شرك كما دعا إلى المحبة والزهد والعدل والإحسان، ومن المعلوم أن إدريس ﵇ من رسل الله الذين أرسلوا مع بداية حياة الآدميين على الأرض، وبذلك
стр. 267
تكون العقيدة المصرية بدأت بالتوحيد الخالص ثم انحدرت إلى الشرك وتعدد الآلهة.
ويستدل الأستاذ محمد الهاشمي على أن البدء كان بالتوحيد الخالص الموحى به من عند الله، بما رآه العالم الأثري مانيتون استنتاجًا من الآثار المصرية القديمة؛ إذ يؤكد على أن هناك أنبياء ورسلًا أرسلوا إلى مصر، ويستدل كذلك بقول العلامة ماسبيرو: "وكان إله المصريين الأول عالمًا بصيرًا يدرِك ولا يدرَك، موجودًا بنفسه حيًّا بنفسه حاكمًا في الأرض والسموات، فهو أبو الآباء وأم الأمهات لا يفنى ولا ينضب أبدًا".
وبعد التوحيد أخذت الديانة المصرية تتطور تنازليًّا إلى عبادة آلهة ثلاثة ثم إلى تسعة، وهكذا زادت شيئًا فشيئًا، حتى وصلت إلى ما يقرب من المائة. أستاذ محمد فؤاد الهاشمي في كتابه (الأديان في كفة الميزان).
ولم تكن محاولة أخناتون في الدعوة إلى التوحيد؛ إلا لأنه قرأ شيئًا فشيئًا عن التراث الديني القديم وتأثر به، وأراد نشره في الناس، ولذلك كان توحيده مشوبًا بصفات البشرية وسماتها، وذهب آخرون إلى أن التوحيد الذي ظهر في مصر منقول من دعوة داود ﵇ الذي أرسل لبني إسرائيل.
ويستدل على ذلك بأن التوحيد المصري الذي أعلنه أخناتون ظهر بعد دعوة داود ﵇ مباشرة، وأيضًا فإن بعض أنشودة أخناتون للإله آتون تتشابه مع الفقرات من عشرين إلى ثلاثين من المزمور رقم مائة وأربعة من العهد القديم، مما يدل على اتفاق إلى حد كبير بين الأنشودة وفقرات المزمور المشار إليها، بل اتحدتا في ترتيبهما.
стр. 268
وهذا يؤكد أن الأنشودة التي يقولها أخناتون أُخذت من المزامير، مما يرجح أن دعوة أخناتون للتوحيد هي دعوة المزامير التي رتلها داود ﵇. وأمام الوحدة في المعنى والترتيب لا يمكن القول بأن هذا مجرد مصادفة، أو أنه خواطر تواردت لطول الفقرات وكثرة المعاني؛ لأن المصادفة لا تتكرر والخواطر لا تلتقي في مسيرة فكرية طويلة، والأمر لا يزيد عن أن أحدهما مأخوذ من الآخر.
مما دفع بعض العلماء إلى القول بأن توحيد أخناتون منقول من دعوة داود ﵇. وبتصوير هذا الرأي نكون قد بينا المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة الدين عند المصريين، وتطوره بينهم.
ويلاحظ أن الاتجاهين الثاني والثالث متقاربان؛ لاعتمادهما على القول بضرورة أن يكون التوحيد دعوة إلهية، نزل الوحي بها، وليس بينهما من خلاف سوى أن الاتجاه الثالث يذهب إلى تحديد الرسل ورسالاتهم، بينما اكتفى الاتجاه الثاني بوضع القضية في إطار مبدأ عام، تاركًا التفاصيل لمكتشفات المستقبل وتقدم وسائل البحث العلمي.
أما الاتجاه الأول فهو مع الأخيرين على طرفي نقيض، وبالنظر في كل ما ذكرته عن دين المصريين القدماء، نتبين دقة المعلومات التي فهمت من الكتابات المكتشفة؛ لأن عدم معرفة اللغة الهيلوغريفية صرف الناس عن العبث بما كتب، فلم يتصوروها سوى نقوش خالية من أي معنى، وأيضًا فإن نقشها في باطن الصخور وفي الجدران الداخلية للمقابر، ساعد على حفظها وعلى عدم تأثرها بالطبيعة، وهذا يدفع إلى التصديق بما تدل عليه.
إلا أن الباحث في الأديان ينبغي أن يكون حذرًا، إذا أراد الوصول إلى تصور كلي وتام لعقيدة قدماء المصريين، والسبب في هذا أن بعض الآثار لم يكتشف بعد،
стр. 269
وبعضها تعرض للضياع بفعل الأرض أو بفعل الإنسان، ويكفي أن نعرف أن بعض الناس اتخذ من سرقة الآثار وبيعها مهنة له، ومع الحذر فإن ما اكتشف وما أَجهد العلماء أنفسهم في ترتيبه كافٍ لأنْ يوجهنا إلى معرفة ما كان عليه قدماء المصريين، وقد سبقت الإشارة إلى أساسيات العقيدة المصرية، واشتمالها على توحيد الله، وفي ذات الوقت على تعدد الآلهة، مما جعل العلماء يذهبون في تفسيرها إلى المذاهب الثلاثة التي أشرت إليها، وأمام هذه المذاهب نقف قليلًا متأملين لنرجح الأقوى من بينها.
إن الاتجاه الأول قائم على أساس التطور في العقيدة، وقد سبق الرد عليه عند الكلام عن هذه القضية، مع ما عليه من جملة مآخذ، وهي دخول التصور الذهني والتخمين الخيالي، مع ما تدل عليه النصوص، وهذا لا يجوز، لجواز أن تُظهر المكتشفات عكس المتخيل، كما أن التخيل بلا دليل لا يجوز مطلقًا فكيف به في تفسير العقائد.
كذلك القول بالتطور يعني أن الصورة الأولى للعقيدة كانت بدائية، ثم أخذت في الترقي شيئًا فشيئًا، وهذا غير موجود عند قدماء المصريين؛ لأن النصوص تدل على أن الإيمان بالله الواحد، والإيمان بأنه الخالق المحاسب للناس بعد الموت ظهر في الأزمنة الموغلة في القدم، وقد سبق إيراد نصوص ترجع إلى القرن الرابع والثلاثين قبل الميلاد.
أيضًا القائلون بالتطور يرون أن مرحلة التوحيد مرتبطة بعقل الإنسان المحدود بالبيئة والزمان والثقافة، ومحال أن يتمكن هذا الإنسان من تصور الله بصفات الكمال الواجبة له، بينما نرى وصول المصريين إلى صفات الكمال التي تتصف
стр. 270
بها الذات الإلهية، والقائلون بالتطور لا يؤمنون بالله الذي جاءت به الأديان السماوية، ولذلك فهم يرون صفات الله مجرد تصورات عقلية بلا حقيقة واقعية.
بينما النصوص المكتشفة تدل على أن التوحيد في عقيدة المصريين القدماء، تعني الإيمان بالله المتصف بصفات مدركة بآثارها في الخلق والإبداع والرعاية والعون، ويدل مسار العقيدة عند المصريين على أن الأمر لم يكن يسير إلى الأرقى، وإنما الثابت أن العقيدة كانت تتجه إلى الانحدار والتقهقر، ويتخللها ومضات وحدة قوية، وهذا ما لم يقل به علماء التطور لأنهم يرون الترقي والتقدم إلى الأحسن.
من هذا نرى أن الاتجاه الأول في تفسير نشأة وتطور عقيدة المصريين ليس دقيقًا، ولا يسلم به عقل علمي صحيح، أما الاتجاهان الثاني والثالث فكلاهما يعتمد على أن التوحيد هو دعوة رسل الله تعالى، التي نزل الوحي بها من عند الله تعالى، وأمام ما بينهم من خلاف، فإننا نرى أن الأولى هو ترجيح الرأي القائل بأن التوحيد الموحى به تجاه المصريين، في أقدم عصورهم من غير تحديد رسالات أو رسل معينين لما يلي:
الأول: تأكيد الله تعالى في القرآن الكريم بأن سائر الأمم جاءها رسول من عند الله، لدعوتها إلى التوحيد ودين الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤) والمصريون أمة من الأمم، بل إنهم أسبق من غيرهم، لدرجة أن من العلماء من يرى أن المنطقة التي عمرت في الكون أولًا هي مصر، وتبعًا لهذا يمكن القول بمجيء رسول إلى المصريين منذ القدم.
بل إن العقل يسلم بنزول عدد من الرسل في مصر يدعون للتوحيد على فترات، فكلما غابت رسالة تأتي أخرى وهكذا، ولعل هذا يفسر ظهور دعوة التوحيد في فترات مختلفة على امتداد التاريخ المصري القديم.
стр. 271
الثاني: القول بتحديد أسماء الرسل يلزمنا بالدليل على ذلك، وبتعريف سائر الرسل الذين أرسلوا لمصر، بينما ذلك لم يذكره أحد ولا يستطيعه؛ لأن التعريف بالرسل لم يرد إلا في الكتب المقدسة، وهي لم تتناولهم جميعًا حيث يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨).
الثالث: القول بالتوحيد الموحى به، يفسر ظاهرة وجود تعدد الآلهة بجانب التوحيد، حيث آمن البعض بالتوحيد وكفر آخرون، وتلك قضية مسلمة أكدتها البشرية مع سائر دعوات الله تعالى.
الرابع: تحديد الرسالة بإدريس ﵇ أو بداود ﵇ يدفع إلى التسليم بخلو مصر من التوحيد قبل وبعد هذا الرسول أو ذاك، وذلك غير صحيح حيث ظهر التوحيد في حياة المصريين فترات عديدة.
الخامس: القطع بأن دعوة أخناتون جاءت بعد داود ﵇ غير مسلم به، فمن علماء الآثار من يذهب إلى أن دعوة أخناتون ظهرت قبل داود بوقت طويل، وفقرات المزمور مأخوذة من النص المصري، وهذا لون من تحريف التوراة.
السادس: القول بالرسالات من غير تحديد لا يتعارض مع القول بإرسال رسول معين، وتحديد مسماه؛ لأن ثبوت ذلك يؤكد أنه واحد من رسل الله تعالى، بينما التحديد يمنع من احتمال إرسال ما لم يرد في التحديد، وعلى الجملة فإن التوحيد ظهر في مصر القديمة، وبلغه رسل الله تعالى، وهذا الذي نرجحه ونراه الأولى بالتسليم، والله أعلم.
وأما ما يقال عن التوحيد الأخناتوني، فليس توحيدًا بالمعنى الشرعي الصحيح؛ ذلك لأن أخناتون كان يعبد الشمس، والشمس ليست إلهًا إنما هي من جنس
стр. 272
الآلهة الباطلة والأرباب الزائفة التي عبدها الناس بعيدًا عن الوحي الإلهي المنزل، فأخناتون أراد أن يوحد المصريين وأن يقلل من عدد الآلهة التي تعبد، فجعلها في صورة الشمس.
ونحن لا نقول بأن عبادة الشمس ولو تفردت الشمس بالعبادة تكون توحيدًا، إنما هو توحيد الآلهة الكثيرة الباطلة في إله واحد باطل أيضًا، وهو عبادة الشمس، لكن التوحيد الحق هو الذي جاء في الرسالات السماوية، ومما يلاحظه الدارس لديانات العالم القديم أن أشد الأمم تدينًا هم المصريون القدماء، حتى لقد قال شيخ المؤرخين هيرودوت: "إن المصريين أشد البشر تدينًا، ولا يعرف شعب بلغ في التدين درجتهم فيه، فإن صورهم بجملتها تمثل أناسًا يصلون أمام إله، وكتبهم في الجملة أسفار عبادة ونسك".
ولقد كان لشدة تدينهم أن أدخلوا الدين في كل أعمالهم الخاصة والعامة، فالدين مسيطر حتى في الكتابة في الحاجات الخاصة، وفي الإرشادات الصحية، والواقع أن عقائد المصريين كانت تتخالف بتخالف الأقاليم، وكانت آلهتهم محلية، فكان لكل مدينة إله أو أكثر، بيد أنه يجب علينا أن نعتقد أن دعوات إلى التوحيد الخالص بعبادة إله واحد، فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، قد تواردت على العقل المصري.
ولقد ورد في القرآن الكريم ما يفيد أن يوسف ﵇ وهو نبي كريم من أنبياء الله دعاهم إلى عبادة الواحد القهار، فلقد ورد في سورة "يوسف" ما حكاه الله تعالى من كلامه لصاحبي السجن، فقد قال حاكيًا عنه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
стр. 273
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٣٧ - ٤٠).
من هذا الخبر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، نحكم مستيقنين أن دعوة إلى التوحيد قد وردت للمصريين، فهذا يوسف ﵇ وهو في السجن يدعو صاحبيه إلى الدين القيم، وهجر عبادة ما سموه آلهة، ولقد مكن الله ليوسف في أرض مصر، واستولى على خزائن الدولة وصار ذا سلطان مبين فيها، وهو رسول من رب العالمين، فلا بد أن يكون قد دعاهم جهرة إلى الدين القيم، ولا بد أن يكون قد أجابه منهم أناس ونكص عن الإجابة غيرهم.
ولعل أروع ما في العقيدة المصرية القديمة: اعتقادهم الحياة الآخرة وأنها الباقية بعد هذه الدنيا الفانية، فقد كانت الدنيا في نظرهم فترة قصيرة بعدها حياة لها أمد غير محدود، وقد قام اعتقادهم بالحياة الآجلة بعد هذه العاجلة على أساسين:
أحدهما: أن هذه الدنيا معترك يتنازع فيه الشر والخير، وكثيرًا ما نرى الشر ينتصر على الخير، فلو لم يكن هناك يوم كله للخير وكله على الشر، يحاسب المسيء على إساءته ويكافأ المحسن بإحسانه، ما استقام العدل الإلهي.
ثانيهما: اعتقادهم في النفس الإنسانية، فهم يعتقدون وجود نفس تنفصل عن الجسم، وإن كانت تحل فيه، وهذه النفس متصلة بالعالم الإلهي ما دام الإنسان على قيد الحياة، فإذا مات اتصلت به اتصالًا وثيقًا. وكان المصريون يعتقدون أيضًا أن الميت أو روحه في العالم الآخر، يحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء في الدنيا من طعام وشراب، وأن ما يقدم من ذلك في الدنيا يكون قربانًا على أرواح الأموات،
стр. 274
يفيدهم في الآخرة، ولذلك تكون روح الميت في أشد الألم إذا لم تقدم القرابين من طعام وشراب، وما إلى ذلك من مطاعم الأحياء في الدنيا إليها.
والحق أنه مهما يكن في الديانة المصرية القديمة من أوهام وعقائد فاسدة، لا تستمد من المنطق قوتها، فإن الآداب التي اشتملت عليها، والفضائل التي تدعو إليها، وخصوصًا الجانب السلبي منها، كانت معينًا خصبًا، قبست منه الديانات غير المنزلة، ولقد كانت ديانة القدماء المصريين تتغير وعقائدهم تتبدل تبعًا لسنة الله في الأمم والكون، ما دامت ديانتهم لم تعتمد على أصل سماوي.
بل إن الديانات السماوية نفسها قبل الإسلام كان يعتريها التحريف والتغيير والتبديل، وتفهم على غير وجهها عندما يكون الناس على فترة من الرسل، والواقع أن عقائد المصريين كانت تتخالف بتخالف الأقاليم نفسها، وكانت آلهتهم محلية فكل مدينة كانت لها آلهتها، فكان موطن أوزوريس أبيدوس، وفِتاح في منف وآمون في طيبة، وهودوس في إدفو، وهكذا ومن هذا يفهم أنه لم يعرف المصريون حتى التوحيد الإقليمي، بأن يجتمع على آلهة واحدة في كل إقليم، ويتفقوا عليها مهما تتباين جهات إقامتهم، بل كانت آلهتهم محلية كل إقليم له آلهة خاصة.
فمما لا شك فيه أن المصريين عرفوا الدين من قديم، ثم حدثت الانتكاسة بالشرك، وقد تطور من ثالوث إلى تاسوع حتى بلغ المائة، فالمصريون أمة من الأمم هي أسبق الأمم تدينًا، والعقل يسلم بنزول عدد من الرسل إليهم، كلما غابت رسالة نبي جاء نبي آخر، كما هو مقرر في القرآن، ولم تكن محاولة أخناتون في الدعوة إلى التوحيد إلا أنه قرأ التاريخ الديني القديم وتأثر به، وأراد نشره في الناس ولذاك كان توحيده مشوبًا بالوثنية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 275
الدرس: ١٤ أديان الهند الكبرى .
стр. 276
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(أديان الهند الكبرى)
مصادر الديانة الهندوسية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
أديان الهند:
عرف الهنود الدين منذ القدم، وعاشوا أديانًا متعددة، وأهم أديانهم وأقدمها الديانة الهندستانية، المنسوبة إلى إله برهمة، والتي تعرف بالبرهمية، وبعد الهندستانية ظهرت الديانة الجِينية والديانة البوذية، وكلاهما يعتبر ردود فعل لبعض تعاليم البرهمية، وبخاصة في نظامها الطبقي ونظرتها للإله برهمة، ولكل دين من هذه الأديان الثلاثة التي ظهرت في بلاد الهند نصوص خاصة وتعاليم وعقيدة تتميز بها عما سواها، وقد عرفت بلاد الهند بأنها بلاد الأساطير والأسرار.
وقد عبد الهنود النار وهي أساس عبادتهم، وقد أقاموا لها المعابد ووظفوا لها السدنة والكهنة؛ للقيام بالطقوس ورسوم تلك العبادة، وقدمت إليها القرابين من خبز وعشب وخمر وكافة ثمار الأرض، ولم تكن عبادة النار وحدها في الهند، بل كانت عبادات أخرى، فقد عبدوا القمر وغيره الكثير كما عبدوا الشمس، ولكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة لها عندهم إله، فإله السماء وارُونا وإله الشمس فِشنو وإله الصبح أُوشا وإله العواصف رُدْرا وإله الماء بَرْجانيا، وكذلك هناك آلهة للنور والريح كما عبد الهنود الأرواح والأسلاف.
بل قيل إنهم عبدوا عضو التلقيح لاعتقادهم أنه سبب الخلق والوجود، كما عبدوا الأنثى من البشر، وبرزت الهند بصورة واضحة في عبادة الطواطم، واحتلت مكانة مقدسة، حتى إننا نستطيع أن نقول: إنه لم يكن هناك آلهة سواها،
стр. 277
كما عبدوا البقر وقالوا إنها هي أمهم، ولكن في الأخير بقيت هناك أديان شاعت وبرزت في الهند: الهندوسية أقدم أديان الهند وأوسعها انتشارًا، والبرهمية وهي أشهر وأكبر الديانات في الهند، والجينية تلي البرهمية في الأهمية، والبوذية وهي ثالثة أديان الهند الكبرى، وكل دين من هذه الثلاثة له طقوسه وواجباته وتعاليمه.
وعلى أساس منهجي في هذه الدراسة نريد أن نُعرف بالمصادر وبالأركان الأساسية لكل دين، ونوضح إن شاء الله النتائج المستفادة من دراسة الأركان، ونظرًا لتميز كل دين من أديان الهند عن غيره، فإنني سأفرد كل دين بدراسة مستقلة على حدة، فأقول -وبالله التوفيق-: الهندوسية:
الهندوسية أقدم أديان الهند وأكثرها انتشارًا، وهي أساس للأديان غيرها، والنصوص الخاصة بها عديدة، واهتم الهنود بها كثيرًا، فنقلوها للأجيال المتعاقبة عن طريق السماع والحفظ، أو عن طريق السلوك والتقاليد، وسنتناول توضيح البرهمية فيما يلي:
أولًا: مصادر الهندوسية:
للهندوسية مصادر عديدة، أهمها الفِيدات، ومعناها: العلم والمعرفة، ولذلك فهي اسم للأناشيد الدينية المسجلة والمحفوظة، كما تسمى بها الكتب الفيدية الأربعة، والفيدات مكتوبة باللغة السَنْكَرَتِية القديمة، وقد جمعها أحد حكماء الهند القدامى عرف بها، وسمي فِيدافِياسا، أي: جامع الفيدا، والكتب الأربعة هي:
стр. 278
١ - رَجْفيدا، أقدم الكتب الدينية؛ حيث يذكر بعض العلماء أن تاريخ تأليفه يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهو يتكون من ألف وثمانية وعشرين نشيدًا دينيًّا، مقسمة إلى عشرة فصول، تتحدث الستة الأولى منها عن أسر المنجمين والكهان، وتنسب إليهم مزاعم كثيرة تتعلق بالإبداع والتأثير، وتتحدث الأربعة فصول الأخرى عن التعاليم والواجبات الدينية، ويتميز الفصل العاشر بشمول النظرة وعمق التحليل، ونظرًا لأن هذا الكتاب يدور أغلبه حول الأسر الحاكمة والكهان سمي بالرجفيدا، أي: الفيدا الملكية.
الثاني: سِنْفيدا، ويشتمل هذا الكتاب على مجموعة من التراتيل، التي يتغنى بها الكهان أمام الآلهة، ولذلك عرف بالأنغام المطربة.
الثالث: يَجُورفيدا، ويتضمن الأناشيد التي تتلى عند الدعاء، ويعتقد الهنود أن تلاوتها تحقق الخير وتجلب البركات.
الرابع: أَثُروفيدا، وتتضمن التعاويذ التي تعمل على تغيير المصائب، ويتميز عن غيره باشتماله على طائفة من الشرائع البرهمية، وبخاصة ما يتعلق بنظام الطبقات المقدسة عند الهنود.
والكتب الثلاثة الأولى أقدم الكتب الهندية، حيث يرجع ظهورها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أما الكتاب الرابع فقد ظهر بعد ذلك بمدة طويلة، لدرجة أن مانو المشرع الهندي وغيره يكاد لا يعده من كتب الفيدا، والفيدا مقدسة عند الهنود ويرون أنها من كلام الإله برهمة، ولذلك أحاطوها بالحرص الملائم لها من نظرهم، كعدم كتابتها حتى لا يحوزها العامة، وكالمحافظة عليها بلغتها التي كتبت بها، وهي السِّنْسِكريتية القديمة ولذلك بقيت معلومات للكهان فقط.
стр. 279
وكانت عقائد الهنود تحرم عليهم تعليم ما في هذه الكتب لغير الهندوسيين؛ لجهل الغير بمكانتها، وقد بقيت هذه الكتب مجهولة حتى القرن العاشر الميلادي والرابع الهجري، حتى استطاع العالم المسلم محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني أن ينقل إلى اللغة العربية نصوصًا كثيرة من محتويات الفيدا، فكان بذلك أول عالم أخرج الديانة الهندوسية إلى عالم النور، وعرف العالم بمعتقداتهم وكتبهم، الأمر الذي وجه أنظار العالم والعلماء إلى أهمية دراسة المعتقدات الدينية الهندية من كافة جوانبها.
وقد استطاع أحد علماء الفرس الحصول على بعض أجزاء من الفيدا، فترجمها إلى اللغة الفارسية، سنة ألف ستمائة سبع وخمسين من الميلاد، وبعد ذلك ترجمت إلى عدد من اللغات العالمية، ويرى البعض أن بعض هذه الفيدات ثمرة تأليف أشخاص عاديين، بالرغم من اعتقاد الهنود أنها جاءت عن طريق الوحي، الذي ألقي فيه رُوعي المنجمين والحكماء.
المصدر الثاني بعد الفيدات: الرسائل المسمى اليُوبُونَشَدات، وتشمل مجموعة الشروح والحواشي التي أثارتها الفيدات عند حكماء البراهمة ورجال الدين، وبرغم أن هذه الشروح والحواشي تدور حول الفيدات، إلا أن الهنود يرونها مقدسة، ويرون أنها جزء مكمل للفيدات نفسها، ويحيطونها بدرجة كبيرة من السرية مع أنها ظهرت متأخرة عن الفيدات بوقت طويل.
وتتضمن هذه الرسائل مائتين وخمسين رسالة على الأقل، بعضها منثور وبعضها الآخر منظوم، وكانت الرسائل تلقن شفويًّا لطلاب المدارس، في شكل مذكرات مختصرة لسهولة حفظها، ونظرًا لكثرة الرسائل وطولها اقتصرت كل مدرسة على مجموعة منها فقط، في صورة مذكرات أو تراتيل أو حوار، وقد أدى اعتبار
стр. 280
الرسائل مقدسة أن قام رجال الدين بتأليف رسائل دينية، وضمها إلى مجموعة الرسائل من أجل ربط الفرق الخاصة بهم بالفيدات، وذلك كما فعل تاجور حيث ألف رسالة في سنة ألف ثمانمائة وثمان وأربعين من الميلاد، سماها اليُوبِنِيشاده البرهمية، كما ألف غيره رسائل ظهرت فيما بين سنة أربعمائة من الميلاد وسنة ألف ومائتين ميلادية.
ومع هذا الاعتبار فإن متعصبي البراهمة يرون الرسائل المؤلفة حديثًا غير شرعية، ويرون أن الرسائل الشرعية هي وحدها الملحقة بالفيدات قديمًا، لكن هذا التعصب لم يمنع من إلحاق رسالتين بالرجفيدا، ومثلهما بالسنفيدا وسبعًا بيجوفيدا والأكثر بالأثروفيدا، وهذا ما دعا إلى القول إمكان إلحاق رسائل جديدة إلى القديمة، وبه أيضًا يفهم السبب في اشتمال بعض الرسائل على قضايا لا تتجانس مع نصوص وتعاليم الفيدات، والرسائل تحتوي على أفكار كثيرة مكررة، فلا تستقل الواحدة بفكرة واحدة، وإنما تتشابه في اشتمال الرسالة على أفكار كثيرة موجودة في غيرها.
وقد كان للمدارس أثر واضح في قصور الرسائل عن تقديم مذهب عقلي تام المعالم، ومع ذلك فهي تشير إلى نظرات ثاقبة وفلسفة روحية في المواضيع التي تناولتها، وأهمها تمييز الإله الواحد المطلق برهمة عن أتْمن الإله، نظرية وحدة الوجود والقول بأن كل شيء هو برهمن، وعلى الجملة فإن الرسائل الفلسفية هذه قد طورتها المدارس، وحاولت أن تقدم منها مذهبًا متناسقًا يوضح العقيدة وجوانبها المختلفة.
المصدر الثالث: قوانين مانُو، ينسب هذا المصدر إلى حكيم هندي اسمه مانو، ويشتمل كتابه على تفصيل لعقائد الدين البرهمي وعباداته ومعاملاته ونظمه
стр. 281
المختلفة، كما يشتمل على نشأة الكون والإنسان وتقسيم الطبقات، ويرى بعض الهنود أن هذا الكتاب ليس مقدسًا، لكن الغالبية العظمى من الهنود يعتبرونه كتابًا مقدسًا حيث ألهم به مانو، وكتاب مانو أهم مرجع للباحثين في الدين البرهمي؛ لأنه قد استوعب جميع نواحي هذا الدين، ولم يغادر أصلًا أو فرعًا إلا وفصله تفصيلًا، مع محافظته في سائر تفصيلاته على نصوص مستمدة من كتب الفيدا.
وقد ألف هذا الكتاب كله في شعر منظوم، ووضعه صاحبه في اثني عشر قسمًا رئيسيًّا، ليشمل كل قسم موضوعًا معينًا مصاغًا في عدد من المواد، وقد بلغت مواد الكتاب كله ألفين وستمائة وأربع وثمانين مادة، قد ترجم هذا الكتاب إلى عدد من اللغات، ودارت حوله العديد من الأبحاث التحليلية والمقارنات.
هذا عن المصادر.
العق يدة الهندوسية أو البرهمية
فماذا عن العقيدة البرهمية؟
يشتمل الدين الهندوسي على تعاليم متعددة، تتضمن جوانب الحياة المختلفة للفرد والجماعة، بما فيها من عقائد وعبادات وشرائع وأخلاق، ونحن هنا نوردها واحدة واحدة بإيجاز وتركيز إن شاء الله تعالى.
عقيدة الهندوسي في الله:
يذكر البيروني أن اعتقاد الهندوسي في الله، أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله القادر الحكيم الحي المحيي المدبر المبقي، الفرد في ملكوته المنزه عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.
стр. 282
ورأى البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة) رأي البيروني هذا نشأ من مخالطته للهنود، الأمر الذي يعطي رأيه قوة خاصة، والبيروني نفسه يورد الشواهد على هذا من كتب الهندوس ذاتها، فيذكر ما جاء في أحد كتبهم المعروف بـ"باتِنْجل" على صورة حوار بين سائل ومجيب. قال السائل: من هذا المعبود الذي يُنال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل لمكافأة عليه تؤمل وترتجى، أو شدة تخاف وتتقى، والبريء عن الأفكار لتعاليمه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدًا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال.
ويمضي الكتاب بأسلوب الحوار مثبتًا لله كل الصفات اللائقة بالوحدانية الخالصة، كالعلم والكلام والعلو التام في القدر والغنى الجواد. ومن الكتب المقدسة التي بيناها نجد تصويرًا لهذا التوحيد، ففي الكتاب السابع من الرجفيدا جاء هذا النشيد: الحكماء هم الأجيال في طريق العظمة عنه الذي جعل العاملين الواسعين مشطورين، ودفع عقد السماء للعظمة والارتفاع، كذلك كوكب النهار وبسط الأرض عريضًا، ومع نفسي بذاتها تأملت هذا السؤال: متى أكون مع فارونًا متحدًا -فارونًا أي الإله الأكبر- أية موهبة عندي سيتمتع بها بغير سخط، متى بقلب سعيد أحظى برحمته، يا فارونا ما هو ذنبي الأساسي، أهو القضاء على صديق يتغنى بمدائحك. خبرني فالله غير خداع وذو سلطان وبلا أخطاء، هل أسترضيك إذًا بالتسبيح، اجعلني كعبد حينما يجعل مرة بلا ذنوب، أعبد الرحمن قبل زمن الغضب، صاغ الإله النبيل الغني مفكرًا، يسرع بالحكماء إلى الثراء إنه الحكيم، أرجو بنشيدي يا فارونا الحاكم القهار أن اقترب منك، وأجعل قلبك راضيًا، أرجو أن تحسن إلينا في الراحة والعمل فخصنا دائمًا بنعمائك.
стр. 283
يلاحظ في هذه الأنشودة الإيمان بالإله المسمى فارونا، بصفاته التي ينفرد بها، كما يتضح منها رغبة الإنسان في إفناء ذاته مع الإله، وهذا يشير إلى إيمانهم بوحدة الوجود، ومع هذا نجد كتبًا مقدسة تشير إلى آلهة أخرى، حيث نجد الإيمان بإله آخر هو أَجْنِي إله النار، وهو إله مخيف رهيب ينزل الأذى بالعصاة، مهمته تأديب العصاة والمذنبين.
ونجد عندهم أيضًا إله الشمس يسمى سِفْتَر، ومهمته تتركز في إثارة الأفكار الجميلة، بمعنى أنه يوحي فتثور الأفكار؛ ذلك لأن الشمس كما توقظ الناس للعمل كذلك توقظ روح الإنسان، فشعاعها رمز لنور باطني له تأثيره الكبير، وعلى هذا النمط وجدت آلهة متعددة في بلاد الهند، حتى كان القرن التاسع قبل الميلاد، وفيه عمل الكهنة الهنود على جمع الآلهة في إله واحد، في محاولة منهم للتوفيق بين التوحيد والتعدد فقالوا: إن الله واحد، وهو الذي أخرج العالم من ذاته، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو برهمة من حيث هو موجد، وهو فِشنو من حيث هو حافظ، وهو سِيفا من حيث هو مهلك.
جاء في كتب الهند أن كاهنًا توجه إلى الآلهة الثلاثة، وسألهم أيكم الإله بحق؟ فأجابوا جميعًا: اعلم أيها الكاهن أنه لا يوجد أدنى فارق بيننا نحن الثلاثة، فإن الإله الواحد يظهر بثلاثة أشكال بأعماله مِن خلق وحفظ وإعدام، ولكنه في الحقيقة واحد، فمن يعبد أحد الثلاثة فكأنه عبدها جميعًا أو عبدَ الواحد الأعلى، ويبدو أن محاولة الكهنة في هذا الجمع لم يحظ بإيمان الهندوسيين، فهم يؤمنون بالعديد من الآلهة ويعتبرون الثلاثة آلهة، يستقل كل واحد منهم عن الآخرين.
стр. 284
فالإله برهمة والإله الخالق، وقد أقيم له عدد من المعابد لتكريمه ويرسمونه في الفن الهندي شخصية ملكية، يمسك كتاب الفيدا يقرأ فيه، والإله سيفا يسمى الإله الكبير، وأتباعه عديدون فهو الإله المدمر الذي يصيب بالمحن والبلاء، ويرون أنه كان في الأصل إلهًا جبليًّا ينمي العشب المفيد، ولقوته في التدمير والإنماء صوروه بعيون ثلاثة، محاطًا بالثعابين والقوة المخيفة، والإله فشنو محسن جواد يدعو للمثل العليا والقيم النبيلة، يستخدم كل قواه لمساندة الخير والفضيلة.
والناظر في عبادة الهنود يجدهم يعبدون بعض الحيوانات كالبقرة، وبعض قوى الطبيعة وظواهرها، وعلى الجملة فإن الكتب الهندوسية تتناول في بعض أجزائها الحديث عن التوحيد التام، المتضمن التنزيه المطلق لله تعالى، وفي أجزاء أخرى تتحدث عن عدد من الآلهة، وعن صور عبادتهم وكيفية التقرب إليهم، وللعلماء في تفسير هذا التعارض آراء متعددة، نذكرها فيما بعد.
من عقائد الهندوسية: إنكار النبوة:
يرى الهندوسيون أن الدين يأتيهم من الله تعالى بلا واسطة، وبذا ذهبوا إلى إنكار النبوات، وعدم التصديق بنبي أو رسول يأتي بدين ما، زاعمين أن العقل يقرر ذلك، ويسلم باستحالة بعث الرسل وإرسال الأنبياء، ويستدلون على هذا بعدة أدلة عقلية منها:
الرسالة التي يأتي بها الرسول لا تخلو من أحد أمرين؛ إما أن تكون معقولة وإما أن تكون غير معقولة، فإن كانت معقولة فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه، فلا حاجة إلى رسول، وإن لم تكن معقولة فلا تكون مقبولة؛ إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد الإنسانية ودخول في حريم البهيمية، والرسالة تعني اتباع الإنسان لإنسان آخر هو الرسول.
стр. 285
ولا ينبغي اتباع رجل هو مثل غيره في الصورة والنفس والعقل، يأكل مما يأكل غيره ويشرب مما يشربون، والله عزيز حكيم، والحكيم لا يرسل الرسل ولا يأمر بما يقبح في العقول، والرسل قد قالوا بما يقبح في العقول، مثل الطواف بالبيوت والأركان والمنازل، ومن يدري إنهم سيعصون ولا يطيعون لأن الإرسال حينئذ عبث.
والقول بإرسال الرسل يكون لإخراج الناس من الضلال إلى الإيمان، والله تعالى حكيم قادر، والأولى به في حكمته والأتم لمراده أن يضطر العقول إلى الإيمان من غير إرسال رسل، ولذلك بطل عندهم إرسال الرسل. هذه الأدلة وغيرها أوردها ابن حزم والشهرستاني، ورد عليها بتفصيل، وإجمال الرد أن العقل الإنساني له طاقته المعينة، الدائرة في إطار محدود، وهو قاصر عن المعرفة الكاملة والهداية التامة.
والرسالة لا تغفل العقل وإنما تأتي لتوجيهه نحو الخير، في المجال الذي لا يدركه وحده ما دام تصور هذا المجال معقولًا، وحينئذ فإرسال الرسل وبعث الأنبياء ضرورة يقررها العقل، ويحتاج إليها فلا معنى لإنكارها، وأيضًا فإن الرسول يأتي لقوم ليسوا جميعًا عاصين، بل منهم من يطيع ومنهم من يعصي.
ولذلك فإرسال الرسل محقق للغرض منه، وفي كون الرسول من البشر فائدة للإنسان نفسه؛ لأن الله يختار رسولًا متميزًا بالخلق والطاعة والعصمة، والبشرية مما تمكنه من تقبل الوحي، وفي نفس الوقت يبلغه للناس بلغتهم فيفهم ويؤلَف، ولو كان رسول من غير البشر لنفر منه الناس، وللزم أن يتشكل بصورة البشر ليألفه الناس، ويتمكن من إبلاغهم، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون بشرًا أو في صورة البشر.
следующие страницы →