Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.
стр. 10011
وقال: حرم الله على نفس أن تموت حتى ينقطع أثرها، وحتى تأتي على آخر عملها، وحتى تستوعب آخر رزقها، وحتى ينقطع أجلها.
وقال: اللهم إني أسألك حرباً في لين، وقوة في دين، وإيماناً في يقين، ونشاطاً في هدى، وبراً في استقامة، وكسباً من حلال.
قال الهيثم بن عمران: كنت جالساً عند يونس بن حلبس، وكان عند غياب الشمس يدعو بدعوات فيها: اله ارزقنا الشهادة في سبيلك. فكنت أقول في نفسي: من أين يرزق هذه الشهادة وهو أعمى؟! فلما دخلت المسودة دمشق قتل.
قال الهيثم: بلغني أن الخراسانيين اللذين قتلاه بكيا عليه لما أخبرا من صلاحه، وكان من آنس الناس مجلساً.
قال أبو زرعة: قتل أبو حلبس سنة اثنتين وثلاثين ومائة، في شهر رمضان.
يونس بن يزيد بن أبي النجاد
ويقال: ابن مشكان أبو يزيد القرشي مولاهم الأيلي قدم دمشق، وصحب الزهري بالشام ثنتي عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة.
قال ابن سعد: وكان بأيلة: يونس بن يزيد الأيلي، وكان حلو الحديث كثيره، وليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر.
стр. 10012
قال أبو أحمد الحاكم: له أخوان: يسمى أحدهما خالداً، وهو والد عنبسة، وثانيهما يكنى أبا علي.
قال يونس بن يزيد: أرسلني ابن شهاب في شيء، فلما عدت قلت لابن شهاب: ما حدثت بعدي؟ قال: يا يونس، لا تكاثر العلم مكاثرة، خذه في الليالي والأيام.
وقال: سمعني الزهري أثني على عالم، فقال: ما تزيد لو رأيت عبيد الله بن عبد الله! قال خالد بن نزار: سألني الأوزاعي، فقال لي: أنت من أهل أيلة، أين أنت عن أبي يزيد؟ يعني يونس بن يزيد الأيلي فحضني عليه.
كان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس.
قال عبد الله بن المبارك وذكر أصحاب الزهري: كان يونس أحفظهم للمسند. وقال: ما رأيت مثل معمر في الزهري إلا أن يونس كان آخذ للمسند.
وقال: ليس أحد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب الكتب على الوجه.
وقيل ليحيى بن معين: من أثبت: معمر أو يونس؟ قال: يونس أسندهما، وهما ثقتان جميعاً.
وقال: أثبت الناس في الزهري مالك بن أنس، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة.
стр. 10013
عن يحيى بن سعيد قال: لما قدم ابن المبارك من عند معمر قلت له: اكتب لي حديث الإفك عن معمر، قال: إن شئت كتبته لك عن معمر قراءة، وإن شئت كتبته له عن يونس إملاء. قال: قلت: لا أريده.
قال وكيع: لقيت يونس الأيلي، فجهدت الجهد حتى يتخلص منه حديث واحد، فلم يكن يحفظ.
وقال: زاملت يونس إلى مكة، فلم يكن يحفظ شيئاً، كانت كتبه معه. وكان سيئ الحفظ.
مات يونس سنة تسع وخمسين ومائة، وقيل: مات سنة ستين.
وقال ابن يونس: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
يونس المديني الكاتب
قدم دمشق في خلافة هشام بن عبد الملك، ثم قدم على الوليد بن يزيد.
حكي عنه أنه قال:
خرجت إلى الشام في خلافة هشام ومعي جاريتي عاتكة، وقد كنت علمتها وحذقتها، وأنا أقدر منها ما أستغني به. فلما قربنا من دمشق نزلت القافلة على غدير، ونزلت ناحية منهم، فأقبل فتىً حسن الوجه والهيئة، على فرس أشقر، ومعه خادمان، وعليه ثياب وشي مذهبة، ما أدري أوجهه أحسن أم ثيابه، فسلم علي وقال: أتقبل ضيفاً؟ فقمت، فأخذت بركابه، وقد علمت أنه من أهل بيت الخلافة، ودخلني له هيبة وإجلال، وقلت: انزل سيدي، فنزل. فذكر أنه سقاه، وغناه، وغنته الجارية حتى
стр. 10014
ظلمة العشاء الآخرة، فقال: ما أقدمك بهذه الجارية؟ قلت: أردت بيعها، قال: كم قدرت منها؟ قلت: قضاء ديني، وصلاح حالي. قال: قد أخذتها بخمسين ألف درهم، ولك بعد ذلك جائزة وكسوة ونفقة طريقك، وأن أشركك في حالي أبداً ما بقيت. قلت: قد بعتكها، قال: قد قبلت، أفتثق بي أن أحمل إليك ذلك غداً وأحملها معي، أو تكون عندك؟ قلت: قد وثقت بك، فخذها، بارك الله لك فيها. فقال لأحد خادميه: احملها على دابتك، وارتدف وراءها، واحملها معك، ففعل، وركب فرسه، وودعني. فما هو إلا أن غاب عني حتى عرفت موضع خطئي، وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ رجل لا أعرفه، ولا أدري من هو وهبني عرفته من أين أصل إليه؟! وجلست مفكراً، ثم قلت: الجارية برة بي، لن تتركه أو تقضي حقي. فلم أزل ليلتي أتململ حتى أصبحت، فصليت، وجلست في موضعي، ودخل أصحابي دمشق، وصهرتني الشمس، وقلت: إن دخلت لم يعرف موضعي، فأقمت، وأنفذت رحلي مع بعض أهل المدينة، وجلس في ظل جدار هناك. فلما أضحى النهار إذا أنا بأحد الخادمين قد أقبل إلي، فما أذكر أني فرحت مثل فرحي بالنظر إليه، فقال لي: أنا منذ غدوة أدور عليك في رفقتك. فقبل أن أسأله عن شيء قلت: من صاحبي؟ قال: ولي العهد الوليد بن يزيد. فسكنت نفسي. ثم قال: قم فاركب، وإذا معه دابة، فركبت، ودخلت إلى داره، فقال: من تكون؟ قلت: يونس الكاتب، قال: مرحباً بك، أما ندمت على ما كان منك البارحة؟ قلت: معاذ الله، قال: لكني ندمت على أخذها منك، وقلت: رجل غريب لا يعرفني، وقد غممته الليلة، وسفهت رأيي واستعجالي.
فذكر أنه أعطاه ثمنها خمسين ألفاً، وزاده ألفي دينار وقال: هذه زيادة لحسن ظنك وثقتك بنا، وخمسمائة درهم لرسم النفقة في الطريق، والهدية للأهل، وقال: إن أفضى هذا الأمر إلي فاقصدني، فوالله لأملأن يديك، ولأغنينك ما بقيت.
قال: فلما ولي الخلافة صرت إليه، فوفى بوعده، وزاد، ولم أزل معه حتى قتل.
стр. 10015
ذكر من سمي بكنيته
أو اشتهرت كنيته في اسمه سوى ما تقدم ذكره مرتباً على الحروف أيضاً
حرف الألف
أبو أحمد بن علي الكلاعي
من أهل دمشق.
روى عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: تربوا صحفكم؛ فإنه أنجح لها، فإن التراب مبارك.
وروى عن مكحول، عن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ : يضمن المقدم على الدابة ثلثي ما أصابت وهو راكب، ويضمن الرديف الثلث.
قال أبو أحمد الحاكم: أبو أحمد الكلاعي الدمشقي، روى عنه بقية بن الوليد حديثاً لا يتابع عليه.
قال الحافظ أبو القاسم: كذا ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لم يقف على اسمه، وعندي أنه عمر بن أبي عمر الكلاعي. روى أبو ياسر عمار بن نصر، ومحمد بن عمرو بن حنان عن بقية، عن عمر بن أبي عمر، عن أبي الزبير حديث تتريب الكتاب.
стр. 10016
قال أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل في السجن، عن حديث يزيد بن هارون بسنده عن جابر أن النبي ﷺ قال: إذا كتبت كتاباً فتربه، فإنه أنجح للحاجة، قال: هذا حديث منكر.
أبو أحمد بن هارون الرشيد
قدم دمشق في صحبة ابن أخيه جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد مع من قدم معه من أهل بيته في سنة أربع وأربعين ومائتين.
حكى عن المأمون أخي، وسمع غناء عمته علية بنت المهدي في شعرها ويروى لأبي العتاهية: من السريع
مالي أرى الأنصار لي جافيه ... لم تلتفت منّي إلى ناحيه
لا تنظر الناس إلى المبتلى ... وإنّما الناس مع العافية
صحبي سلوا ربّكم العافيه ... فقد دهتني بعدكم داهيه
صار مني بعدكم سيّدي ... فالعين من هجرانه باكيه
أنشد أبو الحسن بن البراء لجذيمة بن أبي علي النحوي يخاطب أبا أحمد بن الرشيد: من المتقارب
عجبت لقبلك كيف انقلب ... ومن طول حبك لي لم ذهب
وأعجب من ذا وذا أنّني ... أراك بعين الرّضى في الغضب
стр. 10017
وأذكر سالف أيّامنا ... فأبكي عليها دماً منسكب
وما كنت أوّل ذي هفوةٍ ... وما كنت أوّل مولىً عتب
مات أبو أحمد بن الرشيد في رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين.
أبو إبراهيم الدمشقي
إن لم يكن خالد بن اللجلاج فهو غيره.
أبو الأبرد الدمشقي
روى عنه حرب بن سيار حديثاً آخره:.. موتاً في طاعة خير من حياة في معصية.
أبو الأبطال
قال: بعثت إلى سليمان بن عبد الملك ومعي ست أحمال مسك، فمررت بدار أيوب بن سليمان، فأدخلت عليه، فمررت بدار ما فيها من الثياب والنجد بياض، ثم أدخلت منها إلى دار أخرى صفراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دار حمراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دار خضراء، وما فيها كذلك؛ فإذا أنا بأيوب وجارية له على سرير، ما أعرفه من الجارية.
قال: ولحقني من كان في تلك الدور، فانتهبوا ما معي من المسك. ثم خرجت، فلما صرت إلى سليمان صليت العصر في مسجده، فقلت لرجل إلى جنبي: هل شهد أمير
стр. 10018
المؤمنين الصلاة؟ فأشار لي إلى سليمان، فأتيته، فكلمته، فقال: أنت صاحب المسك؟ قلت: نعم، قال: اكتبوا له بالموافاة.
قال: ثم مررت بدار أيوب بعد سبعة عشر يوماً فإذا الدار بلاقع، فقلت: ما هذا؟ قالوا: طاعون أصابهم.
أبو الأبيض العبسي الشامي
من بني زهير بن جذيمة. قدم الشام مع الوليد بن عبد الملك.
روى عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة.
قال أبو محمد بن أبي حاتم: عيسى أبو الأبيض العبسي.
ثم قال في باب الكنى: سئل أبو زرعة عن أبي الأبيض الذي روى عن أنس، فقال: لا يعرف اسمه.
قال الحافظ أبو القاسم: لعل ابن أبي حاتم وجد في بعض رواياته أبو الأبيض عبسي فتصفحت عليه بعيسى، والله أعلم.
стр. 10019
قال أبو الأبيض: قال لي حذيفة: إن أقر أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي، فيسألون الحاجة. والذي نفس حذيفة بيده لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام.
وقال أبو الأبيض: رابطت أنا وصاحب لي بالبصرة، فكنت أقصر ويتم، فقضى لي أنس بن مالك عليه.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: أبو الأبيض شامي، تابعي، ثقة.
قال علي بن أبي حملة: لم يكن أحد بالشام يستطيع أن يعيب الحجاج علانية إلا ابن محيريز، وأبو الأبيض العبسي. فقال الوليد بن عبد الملك لأبي الأبيض: ما للحجاج كتب يشكوك؟ لتنتهين، أو لأبعثنك إليه! قال أبو حفص عمر الجزري: كتب أبو الأبيض وكان عابداً إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإنك لم تلكف من الدنيا إلا نفساً واحدة، فإن أنت أصلحتها لم يضرك فساد من فسد بصلاحها، وإن أنت أفسدتها لم تنتفع بصلاح من صلح بفسادها، وأعلم أنك لا تسلم من الدنيا حتى لا تبالي من أكلها من أحمر أو أسود.
حدث إسماعيل بن عياش: أن رجلاً من الجيش أتى أبا الأبيض العبسي بدابق قبل نزولهم على الطوانة، فقال: رأيت في يدك قناة فيها سنان يضيء لأهل العسكر كضوء كوكب، فقال: إن صدقت رؤياك، إنها الشهادة. قال: فاستشهد في قتال أهل الطوانة.
стр. 10020
وحدث محمد بن يحيى الثقفي أن أبا الأبيض قال هذه الأبيات: من الطويل
ألا ليت شعري هل يقولن قائلٌ ... وقد حان منهم عند ذاك قفول:
تركنا، ولم نجنن من الطير لحمه ... أبا الأبيض العبسيّ وهو قتيل
فعرّي أفراسي، وزنّت حليلتي ... كأن لم تكن بالأمس ذات حليل
وذي أملٍ يرجو تراثي، وإنّ ما ... يصير له منه غداً لقليل
وما لي تراث غير درعٍ حصينةٍ ... وأجرد من ماء الحديد صقيل
وقيل: إن أبا الأبيض خرج مع العباس بن الوليد في الصائفة، فقال أبو الأبيض: رأيت كأني أتيت بتمر وزبد، فأكلته، ثم دخلت الجنة، فقال العباس: نعجل لك الزبد والتمر، والله لك بالجنة. فدعى له بتمر وزبد، فأكله. ثم لقي أبو الأبيض العدو، فقاتل حتى قتل.
قال الليث:
وفي سنة ثمان وثمانين غزا مسلمة، وعباس بن أمير المؤمنين طوانة.
قال الوليد بن مسلم: حدثني من أصدق أن الوليد لما عزم على غزو الطوانة فذكر القصة، قال: وقتل أبو الأبيض العبسي.
أبو أحيحة القرشي
شهد الفتح. وكان في جيش خالد الذي قدم معه من العراق، وقال شعراً في رافع دليل خالد إلى دمشق.
стр. 10021
قال ابن إسحاق: قال أبو أحيحة القرشي:
لله عينا رافع أنّى اهتدى ... في مهمه مشتبه يعيي السّرى
والعين منه قد تغشّاها القذى ... معصوبة كأنها ملأى قذى
فهو يرى بقلبه ما لا ترى ... من الصّوى تبرى له ثم الصّوى
أو النّقا بعد النّقا إذا سرى ... وهو به خبرنا وما دنا
وما رآه ليس بالقلب خسا ... قلبٌ حفيظ وفؤاد قد وعى
فوّز من قراقرٍ إلى سوى ... والسيير زعزاع وما فيه ونى
خمساً إذا ما سارها الجيش بكى ... في اليوم يومين وراحٌ وسرى
ما سارها من قبله إنسٌ أرى ... هذا لعمر رافعٍ هو الهدى
وقد روي بعض هذا الرجز للقعقاع بن عمرو التميمي.
أبو الأخضر
مولى خالد بن يزيد بن معاوية.
ذكره أبو زرعة في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام.
стр. 10022
عن أبي عبد رب الزاهد قال: لقيت أبا الأخضر مولى خالد بن يزيد بن معاوية، فقلت له: خالد، قد علم العرب والعجم في أي ذلك وجد بناء هذه الدار يعني دار الحجارة فقال: والله سمعته يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وضعت فيها حجراً على حجر.
أبو الأزهر
ابن بنت أبي النجم العجلي الراجز. كان مع جده عند سليمان بن عبد الملك بن مروان ويقال: عند عبد الملك.
أبو إسماعيل
مولى داود بن علي. وكان فاضلاً.
قال الحافظ: الأظهر أن أبا إسماعيل هذا من مواليه بالحميمة.
أبو الأسود البيروتي
كان من أهل الفضل.
قال الهقل، وابن شعيب، والوليد: احترقت كتب الأوزاعي. قلنا له: يا أبا عمرو، إن نسخها عند أبي الأسود وكان أبو الأسود رجلاً فاضلاً، وكان قد كتب كتب الأوزاعي، وصححها مراراً، ومنزله ببيروت عند قبلة الجامع فقال الأوزاعي: بل نحدث بما حفظنا منها. وما حدث بحرف من ذلك إلا ما كان يحفظه.
стр. 10023
أبو أسيد
بالفتح ويقال: أبو أسيد بالضم الفزاري من زهاد أهل دمشق.
ذكره أبو زرعة في طبقة قدم تلي الطبقة العليا من التابعين.
قال أبو بكر بن أبي داود: أبو أسيد الفزاري، أحد الأبدال. يقال: كان مستجاب الدعوة.
قال سعيد بن عبد العزيز: قيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش؟ قال: فكبر الله، وحمده، وقال: يرزق الله وفي رواية: يرزق الله الكلب والخنزير ولا يرزق أبا أسيد؟! قال: ومر أبو أسيد الفزاري بسوق الرؤوس، فذكر هذه الآية: " هم فيها كالحون "، فخر مغشياً عليه.
قال الوليد بن مسلم: سألت ابن جابر، فقلت: من رأيت ممن يخضب؟ قال: رأيت عبد الله بن أبي زكريا، وأبا مخرمة، وأبا أسيد، وبلال بن سعد، والقاسم بن مخيمرة، وعطية بن قيس لا يخضبون بشيء، بيض لحاهم.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو أسيد يمشي مع ابن أبي زكريا، فقال له ابن أبي زكريا: فلان يفعل كذا وكذا وفي رواية: كان من أمر الناس كذا فقال أبو أسيد: ذكر الناس داء، وذكر الله شفاء. ثم أعرض عنه، فلم ير منه ما يحبه حتى فارقه. قال: وأراد ابن أبي زكريا عبادة أبي أسيد، فلم يقدر عليها. وما كان عندنا أعبد منه يعني من أبي أسيد.
стр. 10024
قال ابن أبي زكريا: وكان أبو أسيد الفزاري يغتسل كل يوم لصلاة الصبح، ثم يغدو إلى المسجد، فيصلي الصبح، ثم يجلس، فيذكر الله حتى تمكنه السبحة، ثم يقوم يركع، فلا يزال يركع حتى نصف النهار، ثم ينصرف إلى أم الدرداء، فتقوم عليه أم الدرداء بمنزلة الأمة له، فإذا سمع المؤذن راح، فلا يزال قائماً يصلي حتى العصر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس بعد العصر، فيذكر لله حتى المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يقوم، فيركع، فلا يزال راكعاً حتى ينصرف آخر النهار من العشاء الآخرة، ثم ينصرف إلى أهله، وهو مع هذا صائم. قال: وكان منزله عند باب الشرقي، فيفطر مع أهله، ثم ينام نومة، فعسى ألا ينام آخر أهل بيته حتى يستيقظ، فلا يزال قائماً يصلي حتى يصبح.
قال: فجاءه ابن أبي زكريا، فقال: قد علمت أنه كان من الناس كيت وكيت. فقال أبو أسيد: ذكر الله شفاء، وذكر الناس داء. ثم لم يره ما يحب حتى فارقه.
قال سعيد: فهذا أعجب إلي من عبادته.
قال سعيد أو غيره: شهد أبو أسيد جنازة، فمر بعتبة باب داره، فإذا هو قد أصلح، فقال: ما نظرت إلى هذا بنهار منذ ثماني عشرة سنة.
أبو أوس
ذكره خليفة في الطبقة الأولى من أهل الشامات.
أبو إياس الليثي
قيل: إنه له صحبة، وإنه شهد عمر بالجابية.
стр. 10025
وهو وهم، والصواب: أبو واقد الليثي، وسيأتي ذكره في حرف الواو من الكنى حين أرسله عمر إلى المرأة التي زنت.
أبو أيوب مولى معاوية وحاجبه
ذكر ذلك خليفة. والمعروف أبو يوسف.
أبو أيوب
إن لم يكن سليمان بن عبد الرحمن، فهو غيره.
قال أبو أيوب الدمشقي: قال السري بن ينعم وكان من عباد أهل الشام: بؤساً لمحب الدنيا، أيحب ما أبغض الله تعالى؟
أم أبان بنت عتبة بن ربيعة
ابن عبد شمس بن عبد مناف أخت هند، وخالة معاوية.
كانت بالشام، وشهدت الفتح مع أخيها أبي هاشم، وزوجها أبان بن سعيد بن العاص. وقتل عنها يوم أجنادين. وقيل إنه لم يكن معها سوى ليلتين حتى قتل عنها.
قال موسى بن طلحة بن عبيد الله: خطب عمر بن الخطاب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فأبته، فقيل لها: ولم؟ قالت: إن دخل دخل ببأس، وإن خرج خرج بيأس، قد أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، كأنه ينظر إلى ربه بعينه. ثم خطبها الزبير بن العوام، فأبته، فقيل لها:
стр. 10026
ولم؟ قالت: ليست لزوجه منه إلا شارة في قراملها. ثم خطبها علي، فأبت، فقيل لها: ولم؟ قالت: ليس لزوجه منه إلا قضاء حاجته، ويقول: كنت، وكنت. وكان، وكان. ثم خطبها طلحة بن عبيد الله، فقالت: زوجي حقاً! قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: إني عارفةً بخلائقه، إن دخل دخل ضحاكاً، وإن خرج خرج بساماً. إن سألت أعطى، وإن سكت ابتدأ، وإن عملت شكر، وإن أذنبت غفر. فلما أن ابتنى بها قال علي: يا أبا محمد، إن أذنت لي أن أكلم أم أبان، قال: كلمها، قال: فأخذ سجف الحجلة، ثم قال: السلام عليك يا غريرة نفسها، قالت: وعليك السلام، قال: خطبك أمير المؤمنين، وسيد المسلمين فأبيته؟ قالت: كان ذلك. قال: وخطبك الزبير ابن عمة رسول الله ﷺ ، وأحد حوارييه فأبيته؟ قالت: وقد كان ذلك، قال: وخطبتك أنا، وقرابتي من رسول الله ﷺ ؟ قالت: قد كان ذلك، قال: أما والله لقد تزوجت أحسننا وجهاً، وأبذلنا كفاً، يعطي هكذا وهكذا.
قال الزبير في تسمية ولد عتبة بن ربيعة: وولد: أبا هاشم بن عتبة، وأم أبان؛ ولدت لطلحة بن عبيد الله. وأمهم: خناس بنت مالك بن المضرب. وأخواهم لأمهم: مصعب، وأبو عزيز ابنا عمير بن هاشم بن عبد الدار بن قصي.
أم أبيها بنت عبد الله بن جعفر
ابن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، القرشية الجعفرية كانت عند عبد الملك بن مروان بدمشق، فطلقها، فتزوجها علي بن عبد الله بن عباس.
عن الحسن بن الحسن قال: زوج عبد الله بن جعفر بنته، فخلا بها. قال الحسن: فلقيتها، فقلت: ما قال
стр. 10027
لك؟ قالت: قال لي: يا بنية، إذا نزل بك الموت، أو أمر تفظعين به، فقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. فأتيت الحجاج، فقلتهن، فقال لي: لقد جئتني وأنا أريد أن أضرب عنقك، وما من أهلك الآن أحد أحب إلي منك، فسلني ما شئت.
وفي قصة مطولة عن علي بن حسين، قال:
كان أبو جعفر يقول: علمني أبي يعني علياً كلمات، زعم أن رسول الله ﷺ علمه إياهن، يقولهن عند الكرب، إذا نزل به، وقال: أي بني، لقد كتمتهن عن حسن وحسين، وخصصتك بهن، فكنا نسأله عنهن، فيكتمناهن، ويأبى أن يعلمناهن حتى زوج ابنته، فخرجنا نشيعها، حتى إذا كنا بمحيص ركبت، وودعتها، خلا بها، وهي على دابتها، فعرفت أنه يعلمها تلك الكلمات التي كان يكتمنا. ثم انصرف، وانصرفنا، حتى إذا سرنا قريباً من الميل تخلفت كأني أهريق الماء، ثم ركضت حتى أدركتها، فقلت لها: أي ابنة عم، إني قد عرفت أن أباك إنما خلا بك دوننا ليعلمك الكلمات التي كان يكتمنا. قالت: أجل، قلت: فأخبريني بهن، قالت: قد نهاني أن أخبر بهن أحداً، قلت: أسألك بالله لما أخبرتني، فلعلي لا أراك بعد هذا الوقت أبداً، قالت: خلا بي، ثم قال: أي بنية، إن أبي علمني كلمات علمه إياهن رسول الله ﷺ ، يقولهن عند الكرب إذا نزل به، وقال: لقد خصصتك بهن دون حسن وحسين. وأنت تقدمين أرضاً أنت بها غريبة، فإذا نزل بك كرب، أو أصابتك شدة فقوليهن: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحانه، وتبارك الله رب العرش العظيم. الحمد لله رب العالمين.
стр. 10028
حرف الباء
أبو البختري
شهد وفاة عمر بن عبد العزيز.
قال الحافظ أبو القاسم: أظن أبا البختري هذا مغراء العبدي.
أبو بردة بن عوف الأزدي
عراقي من التابعين. وفد على يزيد بن معاوية.
أبو بردة
مولى سعيد بن عبد الملك بن مروان.
أبو بسرة الجهني
شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية.
أبو بشر التنوخي
كان نصرانياً. خرج مع الروم إلى اليرموك، وحكى بعض أمر الوقعة.
стр. 10029
أبو بشر مؤذن مسجد دمشق
يقال: إنه من أهل قنسرين.
مات سنة ثلاثين ومائة في خلافة مروان بن محمد.
أبو بشر المروزي
إن لم يكن إسحاق بن عبد الله بن كيسان، فلا أدري من هو.
قال البخاري: عبد الله بن كيسان المروزي، أبو مجاهد. وله ابن يسمى إسحاق. منكر. ليس من أهل الحديث.
أبو بقية
راجز قدم مع المتوكل دمشق، وقال مزدوجةً يصف فيها المنازل من سامراء إلى دمشق، أولها:؟ يا نفس إن العمر في انتقاص وليس من موتك من مناص
أما تخافين من القصاص ... وترغبين الفوز بالخلاص
فبادري بالطاعة المعاصي
إلى أن قال:
ثمت سرنا سبعةً خفيفه ... فراسخاً أميالها منيفه
стр. 10030
ثم أتينا منزل القطيفه ... فارتحل الناس مع الخليفه
نؤمّ منها البلدة الشّريفه
مع الإمام السيد الهمام ... أمين ذي العرش على الإسلام
الكاشر السيد والقمقام ... قد سبق القوم على التمام
في أيمن اليوم من الأيام
стр. 10031
ذكر من اسمه أبو بكر
أبو بكر بن أنس بن مالك بن النضر الأنصاري
أمه أم ولد.
وفد على عبد الملك بن مروان مع أبيه أنس بن مالك، وقال: قدم أبي من الشام وافداً، وأنا معه، فلقينا محمود بن الربيع، فحدث أبي حديثاً عن عتبان بن مالك، فقال أبي: يا بني، احفظ هذا الحديث؛ فإنه من كنوز الحديث. فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة، فسألنا عنه، فإذا هو حي، وإذا شيخ أعمى، فسألناه عن الحديث، فقال: نعم، ذهب بصري على عهد رسول الله ﷺ . فذكر حديث مالك بن الدخشم.
حدث حفص بن أخي أنس، عن أنس قال: انطلق أبي في أربعين رجلاً من الأنصار حتى أتى بها عبد الملك بن مروان، ففرض لنا. فلما رجع رجعنا، حتى إذا كنا بفج صلى بنا الظهر صلاة السفر ركعتين، وسلم، فدخل فسطاطه، فقام القوم يضيفون إلى ركعتيه ركعتين آخرتين، فنظر إليهم، فقال لابنه أبي بكر: ما يصنع هؤلاء القوم؟ قال: يضيفون إلى ركعتنا ركعتين آخرتين، فقال: قبح الله الوجوه، ما قبلت الرخصة، ولا أصابت السنة؛ أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن قوماً يتعمقون في الدين، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
стр. 10032
قال ثابت البناني:
كنت عند أنس بن مالك إذ قدم علينا ابن له من غزاة، يقال له: أبو بكر، فساءله، فقال: ألا أخبرك عن صاحبنا فلان؟ بينا نحن قافلون من غزاتنا، إذ ثار وهو يقول: يا أهلاه، يا أهلاه، أو: يا هؤلاء، يا هؤلاء! فثرنا إليه، فظننا أن عارضاً عرض له، فقلنا: مالك؟ فقال: إني كنت أحدث نفسي ألا أتزوج حتى أستشهد، فيزوجني الله تعالى من الحور العين، فلما طالت علي الشهادة قلت في سفري هذا: إن أنا رجعت هذه المرة تزوجت. فأتاني آت قبيل في المنام، فقال: أنت القائل: إن رجعت تزوجت؟ فقم، فقد زوجك الله العيناء، فانطلق إلى روضة خضراء معشبة، فيها عشر جوار، في يد كل جارية صنعة تصنعها، لم أر مثلهن في الحسن والجمال، فقلت: فيكن العيناء؟ فقلن: نحن من خدمها، وهي أمامك. فمضيت، فإذا روضة أعشب من الأولى وأحسن، فيها عشرون جاريةً، في يد كل واحدة صنعة تصنعها، ليس العشر إليهن بشيء في الحسن والجمال. قلت: فيكن العيناء؟ قلن: نحن من خدمها، وهي أمامك، فمضيت، فإذا بروضة، وهي أعشب من الأولى والثانية وأحسن، فيها أربعون جاريةً، في يد كل واحدة منهن صنعة تصنعها، ليس العشر والعشرون إليهن بشيء في الحسن والجمال. قلت: فيكن العيناء؟ قلن: نحن من خدمها، وهي أمامك. فمضيت، فإذا أنا بياقوتة مجوفة، فيها سرير عليه امرأة قد فضل جنباها السرير. قلت: أنت العيناء؟ قالت: نعم، مرحباً. فذهبت أضع يدي عليها، قالت: مه، إن فيك شيئاً من الروح بعد، ولكن تفطر عندنا الليلة. قال: فانتبهت.
قال: فما فرغ الرجل من حديثه حتى نادى المنادي: يا خيل الله اركبي. قال: فركبنا، فصافنا العدو؛ فإني لأنظر إلى الرجل، وأنظر إلى الشمس، فأذكر حديثه، فما أدري أرأسه سقط أولاً أم الشمس سقطت.
فقال أنس: رحمه، ﵀.
قال أحمد العجلي: أبو بكر بن أنس بن مالك: بصري، تابعي، ثقة.
стр. 10033
أبو بكر بن حنظلة العنزي
كان من صحابة خالد بن يزيد بن معاوية، فجفاه، فقال في ذلك شعراً. ذكره البلاذري.
أبو بكر بن سعيد الأوزاعي
ذكره ابن سميع في الطبقة الخامسة.
وقد سمي في بعض الروايات عمراً. وقد تقدم في حرف العين.
أبو بكر بن سليمان بن أبي السائب
القرشي الدمشقي ذكره أبو أحمد الحاكم.
أبو بكر بن عبيد بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري
وفد مع جده على عبد الملك بن مروان.
أبو بكر بن عبد الله بن حويطب بن عبد العزى
ابن أبي قيس بن عبد ود القرشي العامري قدم الشام غازياً.
стр. 10034
أبو بكر بن عبد الله بن محمد
ابن أبي سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري المديني قيل: إن اسمه عبد الله بن عبد الله، وقيل: محمد.
قال الوليد بن مزيد: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة القرشي ثم الحسلي، وكان قدم علينا دمشق في ولاية الفضل بن صالح سنة خمس وأربعين ومائة.
فذكر حديث العرنيين.
قال مصعب: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة. كان من علماء قريش. ولاه المنصور القضاء.
قال الزبير: وأمه أم ولد.
وذكره ابن سعد في الطبقة السادسة. وكان كثير العلم والسماع والرواية. ولي قضاء مكة لزياد بن عبيد الله. وكان يفتي بالمدينة، ثم كتب إليه، فقدم به بغداد، فولي قضاء موسى بن المهدي وهو يومئذ ولي عهد. ثم مات ببغداد سنة اثنتين وستين ومائة في خلافة المهدي وهو ابن ستين سنةً. فلما مات ابن أبي سبرة بعث إلى أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، فاستقضي مكانه، فلم يزل قاضياً مع موسى وهو ولي عهد، وخرج معه إلى جرجان.
قال أبو بكر بن أبي سبرة: قال لي ابن جريج: اكتب لي أحاديث من أحاديثك جياداً. قال: فكتبت له ألف حديث، ودفعتها إليه، ما قرأها علي، ولا قرأتها عليه.
стр. 10035
قال محمد بن عمر: ثم رأيت ابن جريج قد أدخل في كتبه أحاديث كثيرةً من حديثه يقول: حدثني أبو بكر بن عبد الله، وحدثني أبو بكر بن عبد الله يعني ابن أبي سبرة وكان كثير الحديث ليس بحجة.
وأخوه محمد بن عبد الله مات في ولاية زياد بن عبيد الله، وكان ولاه قضاء المدينة.
قال الخطيب:
وأبو سبرة صحابي شهد مع رسول الله ﷺ بدراً. وأبو بكر من أهل مدينة رسول الله ﷺ ، وهو أخو محمد بن عبد الله بن أبي سبرة الذي تولى قضاء المدينة من قبل زياد بن عبيد الله الحارثي. قدم بغداد، وولي القضاء بها، وبها كانت وفاته.
قال مصعب بن عبد الله: خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة على المنصور، وكان أبو بكر بن أبي سبرة على صدقات أسد وطيئ، فقدم على محمد بن عبد الله منها بأربعة وعشرين ألف دينار، دفعها إليه، فكانت قوة محمد بن عبد الله؛ فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة قيل لأبي بكر: اهرب، قال: ليس مثلي يهرب. فأخذ أسيراً، فطرح في حبس المدينة، ولم يحدث فيه عيسى بن موسى شيئاً غير حبسه. فولى المنصور جعفر بن سليمان المدينة، فقال له: إن بيننا وبين أبي بكر بن عبد الله رحماً، وقد أساء، وقد أحسن، فإذا قدمت عليه فأطلقه، وأحسن جواره.
стр. 10036
وكان الإحسان الذي ذكر المنصور من أبي بكر أن عبد الله بن الربيع الحارثي قدم المدينة بعدما شخص عيسى بن موسى، ومعه جند، فعاثوا بالمدينة، وأفسدوا، فوثب عليه سودان المدينة والرعاع والصبيان، فقاتلوا جنده، وطردوهم، وانتهبوهم، وانتهبوا عبد الله بن الربيع؛ فخرج عبد الله بن الربيع حتى نزل بئر المطلب يريد العراق على خمسة أميال إلى المدينة بالميل الأول وكسر السودان السجن، وأخرجوا أبا بكر، فحملوه حتى جاؤوا إلى المنبر، وأرادوا كسر حديده، فقال لهم: ليس على هذا فوت، دعوني حتى أتكلم، فقالوا له: فاصعد المنبر، فأبى، وتكلم أسفل من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم حذرهم الفتنة، وذكرهم ما كانوا فيه، ووصف عفو الخليفة عنهم، وأمرهم بالسمع والطاعة، فأقبل الناس على كلامه، واجتمع القرشيون، فخرجوا إلى عبد الله بن الربيع، فضمنوا له ما ذهب منه ومن جنده، وقد كان تأمر على السودان زنجي منهم يقال له: وثيق، فمضى إليه محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة، فلم يزل يخدعه حتى دنا منه، فقبض عليه، وأمر من معه فأوثقوه، فشدوه في الحديد، ورد القرشيون عبد الله بن الربيع إلى المدينة، وطلبوا ما ذهب من متاعه، فردوا ما وجدوا منه، وغرموا لجنده. وكتب بذلك إلى المنصور، فقبل منه. ورجع ابن أبي سبرة أبو بكر بن عبد الله إلى الحبس حتى قدم عليه جعفر بن سليمان، فأطلقه، وأكرمه؛ فصار بعد ذلك إلى المنصور فاستقضاه ببغداد، ومات ببغداد.
قال سعيد بن عمرو: كان أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عاملاً لرباح بن عثمان بن حيان على مسعاة أسد وطيء، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن جاءه أبو بكر بما صدق من مسعاه أسد وطيء، فدفع ذلك إليه، فلما قتل محمد أمر المنصور بحبس أبي بكر وتحديده. فحبس وحدد. فلما قام السودان بعبد الله بن الربيع الحارثي أخرج القرشيون أبا بكر، فحملوه على منبر رسول الله ﷺ ، فنهى عن معصية أمير المؤمنين، وحث على طاعته. وقيل له: صل بالناس؟ فقال: إن الأسير لا يؤم. ورجع إلى محبسه. فلما ولى المنصور جعفر بن سليمان بن علي المدينة أمر بإطلاق ابن أبي سبرة، وأوصاه به، وقال له: إنه إن
стр. 10037
كان أساء فقد أحسن. فأطلقه جعفر بن سليمان، فجاء إلى جعفر، فسأله أن يكتب له بوصاة إلى معن بن زائدة، وهو إذ ذاك على اليمن، فكتب له بوصاة إليه، فلقي الرابحي، فقال: هل لك في الخروج معي إلى العمرة؟ قال: والله ما أخرجني من منزلي إلا طلب شيء لأهلي؛ ما تركت عندهم شيئاً، قال ابن أبي سبرة: تكفاهم. فأمر لأهله بما يصلحهم، وخرج به معه. فلما قضيا عمرتهما قال للرابحي: هل لك بنا في معن بن زائدة؟ قال: حال أهلي ما أخبرتك! فخرج معه، وأمر لأهله بما يصلحهم.
وقدم ابن أبي سبرة على معن والرابحي معاً، فدخل عليه ابن أبي سبرة، فدفع إليه كتاب جعفر بن سليمان، فقرأه بالوصاة به. ثم قال له معن: جعفر أقوى على صلتك مني، انصرف، فليس لك عندي شيء. فانصرف مغموماً، فلما انتصف النهار أرسل إليه، فجاءه، فقال له: يا بن أبي سبرة، ما حملك على أن قدمت علي وأمير المؤمنين عليك واجد؟ ثم سأله: كم دينه؟ فقال: أربعة آلاف دينار، فأعطاه إياها، وأعطاه ألفي دينار، فقال: أصلح بهما من أمرك. فانصرف، وأخبر الرابحي، فراح الرابحي إلى معن.
فأنشده الرابحي يقول في مدح لأبي الوليد أخي المهدي الغمر: من الكامل
ملكٌ بصنعاء الملوك له ... ما بين بيت الله والشّحر
لو جاودته الريح مرسلةً ... لجرى بجودٍ فوق ما تجري
حملت به أمٌّ مباركةٌ ... فكأنّها بالحمل ما تدري
حتى إذا ما تمّ تاسعها ... ولدته أوّل ليلة القدر
فأتت به بيضاً أسرّته ... يرجى لحمل نوائب الدهر
مسح القوابل وجهه فبدا ... كالبدر أو أبهى من البدر
فنذرن حين رأين غرّته ... إن عاش أن سيفين بالنّذر
لله صوماً شكر أنعمه ... والله أهل الحمد والشكر
стр. 10038
فنشا بحمد الله حين نشا ... حسن المروءة نابه الذكر
حتّى إذا ما طرّ شاربه ... خضع الملوك لسيّدٍ فهري
فإذا رمي ثغرٌ يقال له ... يا معن أنت سداد ذا الثّغر
قال: أنا الوليد؛ أعطه ألف دينار، فأعطيها. فرجع إلى ابن أبي سبرة. فخرج ابن أبي سبرة إلى مكة وخرج به معه، فلما قدما مكة قال ابن أبي سبرة للرابحي: أما الأربعة الآلاف التي أعطاني معن في ديني فقد حبستها حتى أقضي بها ديني، لا أوثر عليه شيئاً، وأما ألفا الدينار اللذان أعطاني فلي منها ألف دينار، وخذ أنت ألفاً. فقال الرابحي: قد أعطاني ألف دينار! فقال: أقسمت عليك إلا أخذت. فأخذها، وقام هو والرابحي حتى بلغه أهله بالمدينة. فانصرف ابن أبي سبرة لقضاء دينه، وفضل ألف دينار، وانصرف الرابحي بألفي دينار.
قال: ونمي الخبر إلى المنصور فكتب إلى معن: ما الذي حملك على أن تعطي ابن أبي سبرة ما أعطيته، وقد علمت ما فعل؟ فكتب إليه معن: إن جعفر بن سليمان كتب إلي يوصيني به، فلم أحسب جعفراً أوصاني به حتى رضي عنه أمير المؤمنين. فكتب المنصور إلى جعفر بن سليمان يبكته بذلك، فكتب إليه جعفر: إنك يا أمير المؤمنين أوصيتني به، فلم يكن من استيصائي به شيء أيسر من كتاب وصاة إلى معن بن زائدة.
قال مالك: لما لقيت أبا جعفر قال لي: يا مالك، من بقي بالمدينة من المشيخة؟ قلت: ابن أبي ذئب، وابن أبي سلمة، وابن أبي سبرة.
قال عبد الله بن الحارث المخزومي: كتب ابن جريج إلى ابن أبي سبرة، فكتب إليه بأحاديث من أحاديثه، وختم عليها.
стр. 10039
قال يحيى بن معين: روى ابن جريج عن أبي بكر السبري، وكتبه منه إملاءً.
قال: وكان ابن أبي سبرة قدم العراق، فجعل يقول لمن أتاه: عندي سبعون ألف حديث، فإن أخذتم عني كما أخذ ابن جريج فخذوا.
قال: وكان ابن جريج أخذ عنه مناولةً.
وقال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبو زرعة، والجوزجاني، والدارقطني، وغيرهم: ابن أبي سبرة ضعيف.
قال أحمد بن حنبل: أبو بكر بن أبي سبرة كان يضع الحديث. قال لي حجاج: قال لي أبو بكر السبري: عندي سبعون ألف حديث في الحلال والحرام.
قال أحمد: ليس بشيء، كان يضع الحديث، ويكذب.
وقال: أبو بكر بن أبي سبرة لا يساوي حديثه شيئاً. قال الواقدي: تروى عنه العجائب.
قال يحيى بن معين: أبو بكر بن أبي سبرة الذي يقال له: السبري، هو مديني، كان ببغداد، وليس حديثه بشيء، قدم ها هنا فاجتمع الناس عليه، فقال: عندي سبعون ألف حديث، إن أخذتم كما أخذ ابن جريج يعني عرضاً وإلا فلا.
стр. 10040
وقال ابن المديني والبخاري: أبو بكر بن أبي سبرة منكر الحديث زاد ابن المديني: هو عندي نحو ابن أبي يحيى.
وقال النسائي: هو متروك الحديث.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم. ورأيت أصحابنا يضعفونهم.
قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث.
ومات ببغداد سنة اثنتين وستين ومائة، وبلغ ستين سنة.
أبو بكر بن عبد الله الأسوار بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
أخو أبي محمد بن عبد الله القرشي الأموي. وكان شاعراً، وكان ممن بايع مروان بن محمد بدمشق. وهو الذي يقول لولد عباد بن زياد، ونزل عليهم فاعتلوا باحتباس العطاء: من الوافر
стр. 10041
بتنهج ليلةٌ طالت علينا ... وأخلفنا المواعد والدّعاء
نناديهم ليقرونا فقالوا ... سنقريك إذا خرج العطاء
ذكر الجاحظ في كتاب البخلاء، وذكر البلاذري عن المدائني: كان أبو بكر بن يزيد ذا نيقة في الطعام، وكان صاحب تنعم، فمر بقرية لعباد بن زياد بن أبي سفيان، ومعه رجل من تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة، وكانت القرية تدعى تنهج، فلم يقروهم، فقال التيمي:
بتنهج ليلةٌ طالت علينا ... وأخلفنا المواعد والعشاء
نناديهم ليقرونا فقالوا ... سنقريكم إذا خرج العطاء
ودون عطائهم شهرا ربيع ... ونحن نسير إن متع الضّحاء
أنادي خالداً والباب دوني ... وكيف يجيبك الفدم العياء
ويقال: إن الأبيات لأبي بكر نحلها التيمي. فأجاب خالد بن عباد على الشعر، على أنه للتيمي فقال: من الوافر
وما علم الكرام بجوع كلبٍ ... عوى والكلب عادته العواء
وتيم اللات لا ترجى لخيرٍ ... وتيم اللات تفضلها النساء
قال الحافظ أبو القاسم: سألت بعض من يخبر الشام عن تنهج فقال: حصن من مشارف البلقاء مما يلي البرية، وذكر أنه خراب اليوم.
وقد ذكرت في ترجمة مروان بن محمد أن أبا بكر بن عبد الله كان حياً حين قدم مروان دمشق، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائة.
стр. 10042
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني الفقيه الضرير. أحد فقهاء المدينة السبعة. ويقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن.
روي أنه وفد على الوليد بن عبد الملك.
قال: وأنا أستبعد ذلك لأنه ضرير البصر، والمحفوظ أن دخوله عليه كان بالمدينة عام حج الوليد بعدما استخلف.
ذكر أبو محمد عبد الله بن سعد القطربلي قال: روي أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قدم على الوليد بن عبد الملك، فأجلسه معه على سريره، وأقطعه أموال بني طلحة بن عبيد الله وقد كان سخط على بعضهم، فاصطفى أموالهم فلما خرج أتاه بنو طلحة، فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، وحضره بنوه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ، ثم قال: إن الله قد رد عليكم أموالكم، وما قبلتها من أمير المؤمنين إلا مخافة أن تصير إلى غيري، فابعثوا من يقبضها. فقال له بنوه: أفلا تركت القوم حتى يتكلموا؟ قال: فما أتعبت عليهم بعد وجوههم.
قال الزبير بن بكار: فولد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أبا بكر بن عبد الرحمن، وكان قد كف بصره، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان يسمى الراهب، وكان من سادة قريش. وكان من التابعين؛ وأمه الشريدة فاختة بنت عنبة بن سهيل بن عمرة، وإخوته لأبيه وأمه: عمر، وعثمان، وعكرمة، وخالد، ومحمد وبه كان يكنى عبد الرحمن وحنتمة ولدت لعبد الله بن الزبير بن العوام: عامراً، وموسى، وفاختة، وأم حكيم.
стр. 10043
قال ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة: أبو بكر بن عبد الرحمن. وأمه فاختة فذكر نسبها كما سبق، ثم قال: فولد أبو بكر: عبد الرحمن، لا بقية له، وعبد الله، وعبد الملك، وهشاماً لا بقية له، وسهيلاً لا بقية له، والحارث، ومريم. وأمهم سارة بنت هشام بن الوليد بن المغيرة، وأبا سلمة لا بقية له، وعمر، وأم عمرو وهي ربيعة. وأمهم قريبة بنت عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأمها زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وفاطمة بنت أبي بكر، وأمها من نسل قيس بن عاصم المنقري.
قال محمد بن عمر: ولد أبو بكر في خلافة عمر بن الخطاب، وكان يقال له: راهب قريش، لكثرة صلاته، ولفضله. وكان قد ذهب بصره. وليس له اسم، كنيته اسمه. واستصغر يوم الجمل، فرد هو وعروة بن الزبير. وقد روى أبو بكر عن أبي مسعود الأنصاري، وعائشة، وأم سلمة. وكان ثقة، فقيهاً، كثير الحديث، عالماً، عالياً، عاقلاً، سخياً.
قال علقمة بن وقاص الليثي: لما خرج طلحة والزبير وعائشة لطلب دم عثمان عرضوا من معهم بذات عرق، فاستصغروا عروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، فردوهما.
وعن النبي ﷺ : نعم أهل البيت بنو الحارث بن هشام.
عن بعض العلماء قال:
كان يقال: ثلاثة أبيات من قريش توالت خمسة خمسة بالشرف، كل رجل منهم من أشرف أهل زمانه. فمن الثلاثة الأبيات: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة.
стр. 10044
عن أبي الزناد أن السبعة الفقهاء الذين كان يذكرهم أبو الزناد: سعيد بن المسب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار.
وقال ابن أبي الزناد: والسبعة الذين يستشيرهم الناس: فذكر مثله قال أبو الزناد: أدركت من فقهاء أهل المدينة وعلمائهم، ومن نرتضي وينتهى إلى قولهم، منهم: سعيد، وعروة، والقاسم، وأبو بكر، وخارجة، وعبيد الله، وسليمان، في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل.
قال أحمد العجلي: أبو بكر بن عبد الرحمن: مدني، تابعي، ثقة.
وذكره النسائي في تسمية فقهاء المدينة.
وقال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين وقال في موضع آخر: عمر، وأبو بكر، وعكرمة، وعبد الله، هؤلاء ولد الحارث بن هشام، كلهم جلة ثقات، يضرب بهم المثل. وروى الزهري عنهم كلهم إلا عمر.
стр. 10045
عن عثمان بن محمد: أن عروة استودع أبا بكر بن عبد الرحمن مالاً من مال بني مصعب، فأصيب ذلك المال، أو بعضه. فأرسل إليه عروة أن لا ضمان عليك، إنما أنت مؤتمن. فقال أبو بكر: قد علمت أن لا ضمان علي، ولكن لم يكن لتحدث قريش أن أمانتي خربت. فباع مالاً له، فقضاه.
قال هشام بن عبد الله بن عكرمة: جاء المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي إلى أبي بكر بن عبد الله يسأله في غريم ألط به، فلما جلس قال له أبو بكر: قد أعانك الله على غرمك بعشرين ألفاً؛ فقال له من كان معه: والله ما تركت الرجل يسألك؟! فقال: إذا سألني فقد أخذت منه أكثر مما أعطيه.
قال مصعب بن عبد الله: ذكر أن قوماً من بني أسد بن خزيمة قدموا عليه يسألونه في دماء كانت بينهم، فاحتمل عنهم أربع ديات، ثم قال لابنه عبد الله بن أبي بكر: اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن فأعلمه ما حملنا من هذه الديات، وسله المعونة. فذهب عبد الله إلى عمه، فذكر ذلك له، فقال المغيرة: أكثر علينا أبوك. فانصرف عنه عبد الله، فأقام أياماً لا يذكر لأبيه شيئاً، وكان يقود أباه إلى المسجد، فقال له أبوه يوماً: أذهبت إلى عمك؟ قال: نعم، وسكت، فعرف حين سكت عبد الله أنه لم يجد عند عمه ما يحب، فقال له أبو بكر: يا بني، لا تخبرني ما قال لك، فإن لا يفعل أبو هاشم يعني أخاه المغيرة فربما فعل، واغد غداً إلى السوق فخذ لي عينةً. فغدا عبد الله، فتعين عينةً من السوق
стр. 10046
لأبيه، وباعها، فأقام أياماً ما يبيع أحد في السوق طعاماً، ولا زيتاً غير عبد الله من تلك العينة، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الأسديين، فدفعها إليهم.
عن عمر بن عبد الرحمن: أن أخاه أبا بكر بن عبد الرحمن كان يصوم، ولا يفطر، فدخل عليه ابنه وهو مفطر، فقال: ما شأنك اليوم مفطراً؟ قال: أصابتني جنابة، فلم أغتسل حتى أصبحت، فأفتاني أبو هريرة أن أفطر. فأرسلوا إلى عائشة سألونها، فقالت: كان النبي ﷺ تصيبه الجنابة فيغتسل بعدما يصبح، ثم يخرج رأسه يقطر، فيصلي بأصحابه، ثم يصوم ذلك اليوم.
عن هشام بن عروة قال: رأيت على أبي بكر بن عبد الرحمن كساء خز.
حدثنا محمد بن هلال أنه رأى أبا بكر بن عبد الرحمن لا يحفي شاربه جداً، يأخذ منه أخذاً حسناً.
قال مصعب الزبيري: كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مكفوفاً. وقد كف بصر أبي بكر بن عبد الرحمن، وكف بصر ابن عباس في آخر عمره، وهو ممن رأى جبريل.
قال الواقدي: وكان عبد الملك بن مروان مكرماً لأبي بكر، مجلاً له، فأوصى الوليد وسليمان بإكرامه. وقال عبد الملك: إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن، فأستحي منه، وأدع ذلك الأمر له.
стр. 10047
قال الزبير: وكان أبو بكر ذا منزلة من عبد الملك، فأوصى به حين حضرته الوفاة ابنه الوليد، فقال له: يا بني، إن لي بالمدينة صديقين، فاحفظني فيهما: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبا بكر بن عبد الرحمن.
قال ابن أبي سبرة: وزوج أبو بكر في غداة واحدة عشرة من بني المغيرة، وأخدمهم.
قال: وتبين مالاً عظيماً فأداه في ديات تحملها.
وقال صالح بن حسان: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لي في خلافته: وذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فكثروا جلالته، وهيبته، ونبله.
وقال أبو عون مولى المسور بن مخرمة: رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن وقد ذهب بصره يفرش له في وسط الدار، وهي دار فيها من أهل بيته، ما يفتح باب، ولا يغلق، ولا يدخل داخل ولا يخرج، ولا يمر به أحد حتى يقوم إعظاماً له.
وقال عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: قال لي أبي: يا بني، لا يفقدن مني جليسي إلا وجهي، هذا عهدي إليك، وهو عهد أبي كان إلي.
قال خليفة بن خياط، وعلي بن المديني: مات أبو بكر بن عبد الرحمن سنة ثلاث وتسعين.
стр. 10048
قال عبد الله بن جعفر: صلى أبو بكر بن عبد الرحمن العصر، فدخل مغتسله، فسقط، فجعل يقول: والله ما أحدثت في صدر نهاري هذا شيئاً. قال: فما علمت غربت الشمس حتى مات، وذلك سنة أربع وتسعين بالمدينة.
قال محمد بن عمر: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها قال غيره: مات فيها: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعلي بن الحسين.
وقيل: مات أبو بكر بن عبد الرحمن سنة خمس وتسعين.
قال ابن أبي فروة: دخل مغتسله فمات فيه فجاءةً.
أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي
أخو عمر بن عبد العزيز لأبويه؛ أمهما أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكان أبو بكر فاضلاً، وكان الأسن منهما، وكان له ابنان: الحكم بن أبي بكر، ومروان بن أبي بكر.
قال الزبير بن بكار: وولد عبد العزيز بن مروان: عمر بن عبد العزيز، وعاصماً، وأبا بكر، ومحمداً لا عقب له. وأمهم أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
стр. 10049
عن عبد الله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: خرجت أنا والأحوص الأنصاري مع عبد الله بن حسن للحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن حسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي فأنشدنا من شعره. فأرسل إليه، فجاءه، وأنشدنا قصيدة: من الكامل
يا بيت خنساء الذي أتجنّب ... ذهب الزمان وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحك الصّدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصّدود لأجنب
مالي أحنّ إذا جمالك قرّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقرب
لله درّك هل لديك معوّلٌ ... لمتيّم أو هل لودّك مطلب
فلقد رأيتك قبل ذاك وإنّني ... لمتيّمٌ بهواك لو أتجنّب
وأرى السّميّة باسمكم فيزيدني ... شوقاً إليك جنابك المتسبّب
وأرى العدوّ يودّكم فأودّه ... إن كان ينسب منك أو يتنسّب
وأخالف الواشين فيك تجمّلاً ... وهم عليّ ذوو ضغائن درّب
ثم اتّخذتهم عليّ وليجةً ... حتى غضبت ومثل ذلك يغضب
فلما كان القابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، فمررنا بالمدينة، فدخل عليه الأحوص، فاستصحبه، فأصحبه؛ فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: تقدم بالأحوص الشام فتعير به؟ فبعث إلى الأحوص فقال له: يا خال، إني نظرت فيما سألتني من الاستصحاب فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين بلا إذن، ولكني أستأذنه لك، فإن أذن كتبت إليك في المسير إلي. فقال الأحوص: لا والله، ما بك ما ذكرت، ولكني
стр. 10050
سبغت عندك. ثم خرج. فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز بصلة، واستوهبه عرض أبي بكر، فوهبه له، ثم قال: من الكامل
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
إني لأمنحك الصّدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصّدود لأميل
ثم قال يعرض بأبي بكر بن عبد العزيز:
ووعدتني في حاجتي فصدقتني ... ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا
حتى إذا رجع الحديث مطامعي ... يأساً وأخلفني الذين أؤمّل
قابلت ما صنعوا إليك برحلةٍ ... عجلى وعندك منهم متحوّل
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فقال له عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني ما استعفيتك به! قال أبو سعيد بن يونس: أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان.
قال أحمد بن يحيى بن وزير: توفي في رجب سنة ست وتسعين.
وذكر غير ابن يونس: أن عمر كان قد رضيه للخلافة بعده، فسقي السم، فماتا معاً.
следующие страницы →