Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.
стр. 10046
لأبيه، وباعها، فأقام أياماً ما يبيع أحد في السوق طعاماً، ولا زيتاً غير عبد الله من تلك العينة، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الأسديين، فدفعها إليهم.
عن عمر بن عبد الرحمن: أن أخاه أبا بكر بن عبد الرحمن كان يصوم، ولا يفطر، فدخل عليه ابنه وهو مفطر، فقال: ما شأنك اليوم مفطراً؟ قال: أصابتني جنابة، فلم أغتسل حتى أصبحت، فأفتاني أبو هريرة أن أفطر. فأرسلوا إلى عائشة سألونها، فقالت: كان النبي ﷺ تصيبه الجنابة فيغتسل بعدما يصبح، ثم يخرج رأسه يقطر، فيصلي بأصحابه، ثم يصوم ذلك اليوم.
عن هشام بن عروة قال: رأيت على أبي بكر بن عبد الرحمن كساء خز.
حدثنا محمد بن هلال أنه رأى أبا بكر بن عبد الرحمن لا يحفي شاربه جداً، يأخذ منه أخذاً حسناً.
قال مصعب الزبيري: كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مكفوفاً. وقد كف بصر أبي بكر بن عبد الرحمن، وكف بصر ابن عباس في آخر عمره، وهو ممن رأى جبريل.
قال الواقدي: وكان عبد الملك بن مروان مكرماً لأبي بكر، مجلاً له، فأوصى الوليد وسليمان بإكرامه. وقال عبد الملك: إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن، فأستحي منه، وأدع ذلك الأمر له.
стр. 10047
قال الزبير: وكان أبو بكر ذا منزلة من عبد الملك، فأوصى به حين حضرته الوفاة ابنه الوليد، فقال له: يا بني، إن لي بالمدينة صديقين، فاحفظني فيهما: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبا بكر بن عبد الرحمن.
قال ابن أبي سبرة: وزوج أبو بكر في غداة واحدة عشرة من بني المغيرة، وأخدمهم.
قال: وتبين مالاً عظيماً فأداه في ديات تحملها.
وقال صالح بن حسان: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لي في خلافته: وذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فكثروا جلالته، وهيبته، ونبله.
وقال أبو عون مولى المسور بن مخرمة: رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن وقد ذهب بصره يفرش له في وسط الدار، وهي دار فيها من أهل بيته، ما يفتح باب، ولا يغلق، ولا يدخل داخل ولا يخرج، ولا يمر به أحد حتى يقوم إعظاماً له.
وقال عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: قال لي أبي: يا بني، لا يفقدن مني جليسي إلا وجهي، هذا عهدي إليك، وهو عهد أبي كان إلي.
قال خليفة بن خياط، وعلي بن المديني: مات أبو بكر بن عبد الرحمن سنة ثلاث وتسعين.
стр. 10048
قال عبد الله بن جعفر: صلى أبو بكر بن عبد الرحمن العصر، فدخل مغتسله، فسقط، فجعل يقول: والله ما أحدثت في صدر نهاري هذا شيئاً. قال: فما علمت غربت الشمس حتى مات، وذلك سنة أربع وتسعين بالمدينة.
قال محمد بن عمر: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها قال غيره: مات فيها: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعلي بن الحسين.
وقيل: مات أبو بكر بن عبد الرحمن سنة خمس وتسعين.
قال ابن أبي فروة: دخل مغتسله فمات فيه فجاءةً.
أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي
أخو عمر بن عبد العزيز لأبويه؛ أمهما أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكان أبو بكر فاضلاً، وكان الأسن منهما، وكان له ابنان: الحكم بن أبي بكر، ومروان بن أبي بكر.
قال الزبير بن بكار: وولد عبد العزيز بن مروان: عمر بن عبد العزيز، وعاصماً، وأبا بكر، ومحمداً لا عقب له. وأمهم أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
стр. 10049
عن عبد الله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: خرجت أنا والأحوص الأنصاري مع عبد الله بن حسن للحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن حسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي فأنشدنا من شعره. فأرسل إليه، فجاءه، وأنشدنا قصيدة: من الكامل
يا بيت خنساء الذي أتجنّب ... ذهب الزمان وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحك الصّدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصّدود لأجنب
مالي أحنّ إذا جمالك قرّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقرب
لله درّك هل لديك معوّلٌ ... لمتيّم أو هل لودّك مطلب
فلقد رأيتك قبل ذاك وإنّني ... لمتيّمٌ بهواك لو أتجنّب
وأرى السّميّة باسمكم فيزيدني ... شوقاً إليك جنابك المتسبّب
وأرى العدوّ يودّكم فأودّه ... إن كان ينسب منك أو يتنسّب
وأخالف الواشين فيك تجمّلاً ... وهم عليّ ذوو ضغائن درّب
ثم اتّخذتهم عليّ وليجةً ... حتى غضبت ومثل ذلك يغضب
فلما كان القابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، فمررنا بالمدينة، فدخل عليه الأحوص، فاستصحبه، فأصحبه؛ فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: تقدم بالأحوص الشام فتعير به؟ فبعث إلى الأحوص فقال له: يا خال، إني نظرت فيما سألتني من الاستصحاب فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين بلا إذن، ولكني أستأذنه لك، فإن أذن كتبت إليك في المسير إلي. فقال الأحوص: لا والله، ما بك ما ذكرت، ولكني
стр. 10050
سبغت عندك. ثم خرج. فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز بصلة، واستوهبه عرض أبي بكر، فوهبه له، ثم قال: من الكامل
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
إني لأمنحك الصّدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصّدود لأميل
ثم قال يعرض بأبي بكر بن عبد العزيز:
ووعدتني في حاجتي فصدقتني ... ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا
حتى إذا رجع الحديث مطامعي ... يأساً وأخلفني الذين أؤمّل
قابلت ما صنعوا إليك برحلةٍ ... عجلى وعندك منهم متحوّل
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فقال له عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني ما استعفيتك به! قال أبو سعيد بن يونس: أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان.
قال أحمد بن يحيى بن وزير: توفي في رجب سنة ست وتسعين.
وذكر غير ابن يونس: أن عمر كان قد رضيه للخلافة بعده، فسقي السم، فماتا معاً.
стр. 10051
أبو بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم بن زيد بن لوذان ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو محمد الأنصاري الخزرجي المدني الفقيه ولي القضاء والإمرة بالمدينة والموسم لسليمان بن عبد الملك، ثم لعمر بن عبد العزيز. يقال: إن اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد.
قدم به على يزيد بن عبد الملك، فتزوج بنت عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، وأصدقها مالاً كثيراً، فكتب الوليد بن عبد الملك إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: إنه قد بلغ من اللؤم أن يزيد بن عبد الملك تزوج فلانة، وأصدقها مالاً كثيراً، ولا أراه فعل ذلك إلا وهو يراها خيراً منه، فقبح الله رأيه، فإذا جاءك كتابي هذا فادع عوناً، فاقبض المال منه، فإن لم يدفعه إليك فاضربه بالسياط حتى تستوفيه منه، ثم افسخ نكاحه.
فأرسل أبو بكر بن محمد إلى عون، فدعاه بالمال، فقال: ليس عندي، وقد فرقته. فقال أبو بكر: إن أمير المؤمنين أمرني إن لم تدفعه لما كله أن أضربك بالسياط، ثم لا أرفعها عنك حتى أستوفيه منك. فصاح به يزيد بن عبد الملك، فجاءه، فقال له فيما بينه وبينه: كأنك خشيت أن أسلمك؟! ادفع إليه المال، ولا تعرضه لنفسك، فإنه إن دفعه إلي رددته إليك، وإن لم يدفعه إلي أخلفته لك. ففعل. فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة كتب في أبي بكر بن محمد، وفي الأحوص، فحملا إليه، لما بين أبي بكر والأحوص من العداوة وكان أبو بكر قد ضرب الأحوص وغربه إلى دهلك، وأبو بكر مع عمر بن عبد العزيز، وعمر إذ ذاك على المدينة قال: فلما صارا بباب يزيد أذن
стр. 10052
للأحوص، فرفع أبو بكر يديه يدعو، فلم يخفضهما حتى خرج بالأحوص ملبباً، مكسور الأنف.
فإذا هو لما دخل على يزيد قال له: أصلح الله أمير المؤمنين، هذا ابن حزم الذي سفه رأيك، ورد نكاحك. فقال يزيد: كذبت، عليك غضب الله، ومن يقول ذاك أكسر أنفه! فكسر أنفه، وأخرج ملبباً.
قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أحد بني مالك بن النجار. وأمه كبشة، وخالته عمرة بنت عبد الرحمن التي روت عن عائشة. وأبو بكر هو اسمه.
قال محمد بن عمر: توفي أبو بكر بالمدينة سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثمانين سنة، وكان ثقةً كثير الحديث.
وقال ابن سعد أيضاً: فولد محمد بن عمرو بن حزم: عثمان، وأبا بكر الفقيه، وأم كلثوم. وأمهم كبشة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عدس من بني مالك بن النجار.
قال أبو نصر الكلاباذي: يقال: اسمه وكنيته واحد. ويقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. حدث عن عباد بن تميم، وعمرو بن سليم، وعمر، وعمرة. روى عنه. ابنه عبد الله، ويحيى بنت سعيد في الاستسقاء والجنائز والأنبياء.
стр. 10053
قال يحيى بن معين وابن خراش: هو مدني ثقة.
عن امرأة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنها قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل.
قال محمد بن علي: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استعملت أبا بكر بن حزم، غرك بصلاته! قال: إذا لم يغرني المصلون فمن يغرني؟! قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه.
قال صالح بن كيسان: كان المحدثون من هذه الطبقة من أهل المدينة: سليمان بن يسار، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن هشام، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة.
عن سليمان بن عبد الرحمن بن خباب قال: أدركت رجالاً من المهاجرين، ورجالاً من الأنصار من التابعين يفتون بالبلد؛ فأما المهاجرون فسعيد بن المسيب فذكرهم، وقال: ومن الأنصار: خارجة بن زيد، ومحمود بن لبيد، وعمر بن خلدة الزرقي، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف.
стр. 10054
قال ابن وهب: حدثني مالك قال: لم يكن عند أحد بالمدينة من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن أبا بكر كان يتعلم القضاء من أبان بن عثمان. قال مالك: وكان أبو بكر قاضياً لعمر بن عبد العزيز إذ كان عمر أمير المدينة، ولم يكن على المدينة أنصاري أميراً غير أبي بكر بن محمد. وكان قاضياً.
قال: وحدثني مالك
أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر، وكان عمر قد أمره على المدينة بعد أن كان قاضياً قال مالك: وقد ولي أبو بكر بن حزم المدينة مرتين أميراً، فكتب إليه عمر أن يكتب له العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. قال: فقلت لمالك: السنن؟ قال: نعم. قال: فكتبها له.
قال مالك: فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر عن تلك الكتب، فقال: ضاعت. وكان أبو بكر عزل عزلاً قبيحاً.
قال خليفة: أقام عمر بن عبد العزيز بالمدينة إلى سنة ثلاث وتسعين، ثم عزله الوليد، واستخلف على المدينة أبا بكر بن حزم، فعزله الوليد وولى عثمان بن حيان المري، فعزله سليمان وولى أبا بكر بن حزم في شهر رمضان سنة ست وتسعين حتى مات سليمان، وأقر عمر بن عبد العزيز عليها أبا بكر بن حزم. وقيل: إن محمد بن قيس بن مخرمة ولي
стр. 10055
المدينة لعمر بن عبد العزيز. ثم عزل يزيد بن عبد الملك أبا بكر بن حزم وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري.
وأقام الحج أبو بكر بن حزم سنة ست وتسعين، وسنتي ولايته: تسع وتسعين، وسنة مائة.
قال: وولى عمر بن عبد العزيز في إمرته على المدينة القضاء عبد الرحمن بن يزيد بن جارية.
ثم عزله واستقضى أبا بكر بن حزم. ثم عزله الوليد.
وولى عثمان بن حيان المري أبا بكر قضاء المدينة سنة ثلاث وتسعين.
قال: وكتب هشام بن عبد الملك إلى أبي بكر بن حزم فكان يصلي بالناس بالمدينة سنة تسع عشرة حتى قدم محمد بن هشام.
قال علي بن محمد: أقر عثمان بن حيان أبا بكر بن حزم على القضاء.
ثم عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان وولى أبا بكر بن حزم على المدينة فاستقضى أبا طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية. وأقر عمر أبا بكر على المدينة، فأقر أبا طوالة على القضاء. ثم عزل يزيد بن عبد الملك أبا بكر عن المدينة وولى ابن الضحاك.
قال ابن وهب: حدثني مالك قال: كان أبو بكر بن حزم على قضاء المدينة، وولي المدينة أميراً. قال: فقال له قائل: ما أدري كيف أصنع بالاختلاف؟ فقال أبو بكر: يا بن أخي، إذا وجدت أهل المدينة على أمر مستجمعين عليه فلا تشك فيه، إنه الحق.
стр. 10056
عن عبد الله بن أبي بكر: أن عمر أجرى على أبيه ثمانيةً وثمانين ديناراً.
قال مالك بن أنس: ولا أراه أجراها عليه إلا على حساب سعر المدينة.
عن مصعب بن عثمان وغيره: أن أبا الحارث بن عبد الله بن السائب اختصم هو ورجل من قريش، فقال له أبو الحارث: أتكلمني وعندك يتيمة لك تبوكها؟ فاستعدى عليه أبا بكر بن حزم، فسأل عن البوك، فذكر له أن رسول الله ﷺ وقف على ماء يحير في عين تبوك، فقال: أنتما عليها تبوكانها منذ اليوم، يريد تثورانها. فحد أبو بكر بن حزم أبا الحارث. فقال له أبو الحارث وهو يحده: أيا بن حزم، تضربني قلاظاً؟ فقال ابن حزم: احفظ هذه الكلمة أيضاً حتى نسأل عنها. فقال له أبو الحارث: أتكلفني يا بن حزم أن أعلمك كلام مضر؟ والقلاظ: الظلم. قال: وانتهى بعد ذلك إلى أبي بكر بن حزم أن البوك خرج غير المخرج الذي حد عليه أبا الحارث، فأشهد أنه قد درأ عنه الحد.
قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءةً، ولا أتم حالاً، ولا رأيت مثلما أولي: ولاية المدينة، والقضاء، والموسم. وكان يقول لابنه عبد الله: إني أراك تحب الحديث،
стр. 10057
وتجالس أهله، فلا تستقبل صدر حديث إذا سمعت عجزه؛ استدل بأعجازها على صدورها.
وفي رواية: يا بني؛ إنك حديث السن، وإنك تجالس الناس، فاسمع ما يسأل عنه، ولا تسأل، فإن فاتك شيء من أول الحديث تستدل على أوله بآخره.
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رأى أبا بكر بن حزم يقضي في المسجد معه حرسيان مستنداً إلى الأسطوان على القبر.
قال محمد بن عمر: فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ولى أبا بكر إمرة المدينة، فاستقضى أبو بكر على المدينة ابن عمه أبا طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم. وكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس، ويتولى أمرهم.
أخبرنا معن، حدثنا أبو الغصن قال: لم أر على أبي بكر بن حزم على المنبر سيفاً قط، ورأيته يعتم يوم العيد، ويوم الجمعة بعمامة بيضاء.
أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا أبو الغصن أنه رأى أبا بكر بن حزم في أصبعه اليمين خاتم فيه ياقوتة لونها لون السماء.
وفي رواية: خاتم فصه ياقوتة حمراء.
стр. 10058
قال يحيى بن معين: مات أبو بكر بن حزم سنة عشرين ومائة، ومات ابنه عبد الله بن أبي بكر سنة ثلاثين ومائة.
هذا الذي عليه الأكثر. وقال الهيثم: مات أبو بكر سنة ست وعشرين. وقال آخر: سنة سبع عشرة. وقال غيره: سنة عشر ومائة. وقال بعضهم: سنة مائة. والله أعلم.
أبو بكر بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي
أمه أم ولد.
ذكر البلاذري أنه هو الذي يقول: من الخفيف
وإذا العبد أغلق الباب دوني ... لم يحرّم عليّ متن الطريق
وذكر أن خالد بن يزيد هجاه فقال: من الوافر
سمين البغل من مال اليتامى ... رخيّ البال مرزول الصّديق
أبو بكر بن يزيد بن أبي بكر بن يزيد بن معاوية الأموي
حفيد المقدم ذكره.
كان يسكن صهيا من قرى دمشق، وكانت لجده معاوية
أبو بكر بن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الموي
أمه امرأة من كلب
стр. 10059
أبو بكر الكلبي العابد
كان من عباد أهل الشام قال: ابن آدم، ليس لما بقي من عمرك في الدنيا ثمن.
وقال: عند الصباح يحمد القوم السرى، وعند الممات يحمد القوم التقى.
أبو بكر رجل من أهل دمشق
عن أبي بكر الدمشقي أن معاوية بن أبي سفيان قال: فذكر كلاماً.
أبو بكر الشبلي
أحد شيوخ الصوفية المعدودين، وزهادهم الموصوفين.
اختلف في اسمه، فقيل: دلف بن جعبر، ويقال: ابن جحدر، ويقال: بل اسمه جعفر بن يونس.
كان فقيهاً على مذهب مالك بن أنس، وكتب الحديث الكثير، ثم صدف عن ذلك، ولزم العبادة حتى صار رأساً في المتعبدين، ورئيساً للمجتهدين. وكان مقامه ببغداد، وقد زرت قبره بها. وقدم دمشق على ما بلغني في بعض الحكايات.
стр. 10060
عن الشبلي قال: حدثنا محمد بن مهدي المصري، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فروة الرهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : الق الله فقيراً، ولا تلقه غنياً. قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال: ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تخبأ. قال: يا رسول الله، كيف لي بذاك؟ قال: هو ذاك، وإلا فالنار.
وقال الشبلي: كنت وردت الشام من مكة، فرأيت راهباً في صومعة، فنظر إلي، فقلت له: يا راهب، لماذا حبست نفسك في هذه الصومعة؟ قال: ليثوب عملي، فقلت: يا راهب، ولمن تعمل؟ قال: لعيسى، قلت: وبأي شيء استحق عيسى هذه العبادة منك دون الله؟ قال: لأنه مكث أربعين يوماً لم يطعم، ولم يشرب، فقلت له: ومن يعمل ذلك يستحق العبادة له؟ قال: نعم.
قال الشبلي: فقلت للراهب: فاستوفها مني. فمكثت أربعين يوماً تحت صومعته، لا آكل، ولا أشرب. فقال لي: ما دينك؟ قلت: محمدي. فنزل، وأسلم علي يدي. وحملته إلى دمشق، فقلت: اجمعوا له أشياء، فإنه قريب العهد بالإسلام. وانصرفت، وتركته مع الصوفية.
قال الحافظ أبو القاسم ﵀: وقد كتبت نحو هذه الحكاية عن أبي بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني، وسقتها في ترجمته. وقد ورد وروده يعني الشبلي الشام من وجهيت آخرين:
стр. 10061
قال أبو الحسن بن سمعون: قال لي الشبلي: كنت باليمن، وكان باب دار الإمارة رحبةً عظيمة، وفيها خلق كثير قيام ينظرون إلى منظرة، فإذا قد ظهر من المنظرة شخص أخرج يده كالمسلم عليهم، فسجدوا كلهم. فلما كان بعد سنين كنت بالشام، وإذا تلك اليد قد اشترت لحماً بدرهم، وحملته. فقلت له: أنت ذلك الرجل؟ قال: نعم، من رأى ذاك، ورأى هذا لا يغتر بالدنيا.
وقال: سمعت الشبلي يقول: كنت في قافلة الشام، فخرج الأعراب فأخذوها، وأميرهم جالس يعرضون عليه. فخرج جراب فيه لوز وسكر، فأكلوا منه إلا الأمير فما كان يأكل، فقلت له: لم لا تأكل؟ قال: أنا صائم، قلت: تقطع الطريق، وتأخذ الأموال، وتقتل النفس وأنت صائم؟! قال: يا شيخ، أجعل للصلح موضعاً.
فلما كن بعد حين رأيته يطوف حول البيت وهو محرم كالشن البالي. فقلت: أنت ذاك الرجل؟ فقال: ذاك الصوم بلغ بي إلى هذا.
قال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي: دلف بن جعبر، ويقال: دلف بن جحدر، ويقال: دلف بن جعفر. ويقال: إن اسم الشبلي جعفر بن يونس. سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يذكر ذلك، وهكذا رأيته على قبره مكتوباً ببغداد. وأظن أن الأصح: دلف بن جحدر.
وأبو بكر الشبلي أصله من أشروسنة، ومولده بسر من رأى.
стр. 10062
سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: الشبلي من أهل أشروسنة، بها قرية يقال لها: شبلية أصله منها. وكان خاله أمير الأمراء بإسكندرية.
قال السلمي: كان الشبلي مولده بسر من رأى، وكان حاجب الموفق، وكان أبوه حاجب الحجاب، وكان الموفق جعل لطعمته دماوند، ثم لما قعد الموفق وكان ولي العهد من قبل أخيه حضر الشبلي يوماً مجلس خير النساج، وتاب فيه، ورجع إلى دماوند، وقال: أنا كنت حاجب الموفق، وكان ولاني بلدتكم هذه، فاجعلوني في حل. فجعلوه في حل، وجهدوا أن يقبل منهم شيئاً، فأبى. وصار بعد ذلك واحد زمانه حالاً ونفساً. سمعت أبا سعيد السجزي يذكر ذلك كله.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي. بغدادي المولد والمنشأ، أصله من أشروسنة. صحب الجنيد، ومن في عصره، وكان نسيج وحده حالاً وظرفاً وعلماً، مالكي المذهب، عاش تسعاً وثمانين سنة، ومات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وقبره ببغداد. ومجاهداته في بدايته فوق الحد.
стр. 10063
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: بلغني أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر، ولا يأخذه النوم. ولو لم يكن من تعظيمه للشرع إلا ما حكاه بكران الدينوري في آخر عمره لكان كثيراً.
وكان الشبلي إذا دخل شهر رمضان جد في الطاعات، ويقول: هذا شهر عظمه ربي فأنا أولى من يعظمه.
وقال الشبلي: مات أبي وخلف ستين ألف دينار سوى الضياع والعقار وغيرها، فأنفقتها كلها، ثم قعدت مع الفقراء حتى لا أرجع إلى مادي، ولا أستظهر بمعلوم.
وقال أحمد بن عطاء: سمعت الشبلي يقول: كتبت الحديث عشرين سنةً، وجالست الفقراء عشرين سنةً.
وكان يتفقه لمالك. وكان له يوم الجمعة نظرة، ومن بعدها صيحة. فصاح يوماً صيحةً تشوش ما حوله من الخلق. وكان بجنب حلقته حلقة أبي عمران الأشيب، فقال لأبي الفرج العكبري: ما للناس؟ قال؛ حردوا من صيحتك. وحرد أبو عمران وأهل حلقته. فقام الشبلي، وجاء إلى أبي عمران، فلما رآه أبو عمران قام إليه، وأجلسه إلى جنبه، فأراد بعض أصحاب أبي عمران أن يري الناس أن الشبلي جاهل، فقال له: يا أبا بكر، إذا اشتبه على المرأة دم الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع؟ فأجاب بثمانية عشر جواباً. فقام أبو عمران وقبل رأسه، وقال: يا أبا بكر، أعرف منها اثني عشر، وستة ما سمعت بها قط.
قال السلمي: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي، ولا أتم حالاً من الكتاني.
وقال السلمي: سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت الشبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه، وغرق في هذه الدجلة التي
стр. 10064
ترون سبعين قمطراً مكتوباً بخطه، وحفظ الموطأ، وقرأ بكذا وكذا قراءةً عنى به نفسه.
قال أبو الخير زيد بن رفاعة الهاشمي: دخل أبو بكر بن مجاهد على أبي بكر الشبلي، فحادثه، وسأله عن حاله. فقال ابن مجاهد: نرجو الخير؛ يختم في كل يوم بين يدي ختمتان وثلاث. فقال له الشبلي: أيها الشيخ قد ختمت في تلك الزاوية ثلاثة عشر ألف ختمة إن كان فيها شيء قبل فقد وهبته لك، وإني لفي درسه منذ ثلاث وأربعين سنة ما انتهيت إلى ربع القرآن.
قال أبو بكر محمد بن عمر: كنت عند أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد المقرئ، فجاء الشبلي، فقام إليه أبو بكر بن مجاهد، فعانقه، وقبل بين عينيه، فقلت له: يا سيدي، تفعل هذا بالشبلي، وأنت وجميع من ببغداد يتصورونه بأنه مجنون؟؟! فقال لي: فعلت كما رأيت رسول الله ﷺ فعل به؛ وذاك أني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وقد أقبل الشبلي، فقام إليه، وقبل بين عينيه، فقلت: يا رسول الله، أتفعل هذا بالشبلي؟ قال لي: نعم، هذا يقرأ بعد صلاته: " لقد جاءكم رسولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم " الآية، ويتبعها بالصلاة علي.
قال الخطيب: سمعت أبا القاسم عبيد الله بن عبد الله بن الحسن الخفاف المعروف بابن النقيب يقول:
كنت يوماً جالساً بباب الطاق أقرأ القرآن على رجل يكنى بأبي بكر المعيمش، وكان ولياً لله، فإذا بأبي بكر الشبلي قد جاء إلى رجل يكنى بأبي الطيب الجلاء، وكان من أهل العلم، فسلم عليه، وأطال الحديث معه، وقام لينصرف. فاجتمع قوم إلى أبي
стр. 10065
الطيب فقالوا: نسألك أن تسأله أن يدعو لنا، ويرينا شيئاً من آيات الله ومعهم صاحبان له فألح أبو الطيب عليه في المسألة، واجتمع الناس بباب الطاق، فرفع الشبلي يده إلى الله تعالى، ودعا بدعاء لم يفهم، ثم شخص إلى السماء، فلم يطبق جفناً على جفن إلى وقت الزوال. وكان دعاؤه وابتداء إشخاص بصره إلى السماء ضحى النهار. فكبر الناس وضجوا بالدعاء والابتهال. ثم مضى الشبلي إلى سوق يحيى، وإذا برجل يبيع حلواء، وبين يديه طنجير فيه عصيدة تغلي، فقال الشبلي لصاحب له: هل تريد من هذه العصيدة؟ قال: نعم. فأعطى الحلاوي درهماً، وقال: أعط هذا ما يريد، ثم قال: تدعني أعطيه رزقه؟ قال الحلاوي: نعم. فأخذ الشبلي رقاقة، وأدخل يده في الطنجير، والعصيدة تغلي، فأخذ منها بكفه، وطرحها على الرقاقة. ومشى الشبلي إلى أن جاء إلى مسجد أبي بكر بن مجاهد، فدخل على أبي بكر، فقام إليه، فتحدث أصحاب ابن مجاهد بحديثهما، وقالوا لأبي بكر: أنت لم تقم لعلي بن عيسى الوزير، وتقوم للشبلي؟! فقال أبو بكر: ألا أقوم لمن يعظمه رسول الله ﷺ ؟! رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: يا أبا بكر، إذا كان في غد فسيدخل عليك رجل من أهل الجنة، فإذا جاءك فأكرمه.
قال ابن مجاهد: فلما كان بعد ذلك بليلتين أو أكثر رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا بكر، أكرمك الله كما أكرمت رجلاً من أهل الجنة. فقلت: يا رسول الله، بم استحق الشبلي هذا منك؟ فقال: هذا رجل يصلي كل يوم خمس صلوات يذكرني في إثر كل صلاة، ويقرأ: " لقد جاءكم رسولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم "، الآية يفعل ذلك منذ ثمانين سنةً، أفلا أكرم من يفعل هذا؟
стр. 10066
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن جعفر الرازي: كان أهل بغداد يقولون: عجائب الدنيا ثلاث: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات جعفر.
قال أبو بكر الزبير بن محمد بن عبد الله: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الجنيد؟ قال: جمع العلم، قلت: فالشبلي؟ قال: إن صحا انتفع به كثير من الناس، قلت: فالحلاج؟ قال: استعجل.
قال الشبلي: كان بدء أمري أني نوديت: يا أبا بكر، ليس لهذا أردناك، ولا بهذا أمرناك. فتركت خدمة المعتضد، ونظرت في الناسخ والمنسوخ، والتأويل والتفسير، والتحليل والتحريم. وسمعت الحديث والفقه وكتاب المبتدأ وغير ذلك، ثم أبدت علي خفقة أذهبت ما سوى الله، فإذا الله الله.
وقال: كنت في أول بدايتي أكتحل بالملح، فلما زاد علي الأمر أحميت الميل فاكتحلت به.
وقال: أطع الله يطعك كل شيء.
قال برهان الدينوري: حضر الشبلي ليلةً ومعه صبي، فقال للصبي: قم نم، فقال الصبي: إني آنس برؤيتك، فأشتهي النظر إليك إلى أن تنام. فقال الشبلي: إن جاريتي قالت: عددت عليك ستة أشهر لم تنم فيها.
стр. 10067
قال جعفر الفرغاني: سمعت الجنيد يقول: لا تنظروا إلى أبي بكر الشبلي بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله.
قال أبو عمر الأنماطي: سمعت الجنيد يقول: لكل قوم تاج، وتاج هؤلاء القوم الشبلي.
قال أبو عمرو بن علوان: سمعت الجنيد يقول: جزى الله الشبلي عني خيراً، فإنه ينوب عني في أمر الفقراء شيئاً كثيراً.
قال الجنيد: إذا كلمتم الشبلي فكلموه من وراء الترس، فإن سيوف الشبلي تقطر دماً، فقال له ابن عطاء: هو هكذا يا أبا القاسم؟ قال: نعم يا أحمد، ما ظنك بشخص السيوف في وجهه، والأسنة في ظهره، والسهام عن يمينه وشماله، والنار تحت قدميه؟ قال: فزعقت.
قال عبد الله بن يوسف الصباغ: كنت مع أبي في الدكان نصبغ، فلما كان يوم من الأيام خرجت فإذا على باب الدكان شيخ جالس، فقلت مازحاً: الشيخ قد صلى الظهر؟ قال: نعم، والحمد لله، قلت: أين صليت؟ قال: بمكة. فدخلت إلى أبي، فقلت: يا أبه، رجل بباب الدكان قال: صليت الظهر بمكة! فخرج أبي، فلما رآه رجع وقال: هذا الشبلي.
قال أبو الحسين بن سمعون:
اعتل الشبلي، فقال علي بن عيسى للمقتدر بالله: الشبلي عليل. فأنفذ إليه بطبيب يحمل إليه ما يصف له، فلما كان يوم قال الطبيب للشبلي: والله لو كان دواءك في قطعة من لحمي ما عسر علي ذلك. قال له الشبلي: دوائي في دون ذلك، قال: وما هو؟ قال:
стр. 10068
تقطع الزنار، قال: فإذا قطعت الزنار تبرأ؟ قال: نعم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فأخبر الخليفة بذلك، فقال: أنفذنا بطبيب إلى عليل، وما علمنا أنا أنفذنا بعليل إلى طبيب.
قال أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى الوزير: كان ابن مجاهد يوماً عند أبي، فقيل له: الشبلي؟ قال: يدخل. فقال ابن مجاهد: سأسكته الساعة بين يديك؛ وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئاً خرق فيه موضعاً، فلما جلس قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر، أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ قال له الشبلي: أين في العلم " فَطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأعناق "؟ قال: فسكت ابن مجاهد. فقال له أبي: أردت أن تسكته فأسكتك! ثم قال له: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت؛ أين في القرآن: الحبيب لا يعذب حبيبه؟ قال: فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: قل يا أبا بكر، فقال: قوله تعالى: " وقالت اليهودُ والنصارى نحنُ أبناءُ اللهِ وأحباؤه قلْ فَلِمَ يُعَذّبُكم بذنوبِكُم ". فقال ابن مجاهد: كأنني ما سمعتهما قط.
قال السلمي: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: قال أبو العباس بن شريح يوماً للشبلي: يا أبا بكر، أنت مع جودة خاطرك وفهمك لو شغلته بشيء من علوم الفقه؟ فقال: أنا أشتغل بعلم يشاركني فيه مثلك؟! قال القشيري: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل الشبلي، فقيل له: أخبرنا عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد؟ فقال: ويحك! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن
стр. 10069
أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم.
قال السلمي: سمعت عبد الله بن موسى السلامي يقول: سمعت الشبلي يقول: جل الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف.
وقال الشبلي في قوله تعالى: " ادعوني أستجب لكم ": ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة.
قال السلمي: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: كنت واقفاً في مجلس الشبلي في جامع المدينة ببغداد، فوقف سائل على مجلسه وحلقته، وجعل يقول: يا الله، يا جواد، فتأوه الشبلي، وصاح، وقال: كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود، ومخلوق يقول في شكله: من الطويل
تعوّد بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتّق الله سائله
هو البحر من أيّ النّواحي أتيته ... فلجّته المعروف والجود ساحله
ثم بكى وقال: بلى يا جواد، فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت
стр. 10070
بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم، وعما في أيديهم، فإنك الجواد كل الجواد، فإنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له، ولا صفة. فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد.
وقال الشبلي: ما قلت الله قط إلا واستغفرت الله من قولي الله.
قال السلمي: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: وقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال: الصبر في الله، قال: لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، قال: فأيش؟ قال: الصبر عن الله، فصرخ الشبلي صرخةً كادت روحه أن تتلف.
وسئل الشبلي عن المحبة، فقال: الميم محو الصفات، والحاء: حياة القلوب بذكر الله، والباء بلى الأجساد، والهاء: هيمان القلوب في ذات الله.
قال بندار بن الحسين:
سمعت الشبلي يقول يوم الجمعة وهو يتكلم على الناس، وقد سأله شاب فقال: يا أبا بكر، لم تقول: الله، ولا تقول: لا إله إلا الله؟ قال الشبلي: أخشى أن أؤخذ في كلمة الجحود فلا اصل إلى كلمة الإقرار. قال الشاب: أريد حجةً أقوى من هذه، فقال: يا هذا، قال الله تعالى: " قُلِ اللهُ ثمّ ذَرْهُمْ في خوضِهم يَلْعَبُون "، قال: فزعق الشاب زعقةً، فقال الشبلي: الله، فزعق ثانية، فقال الشبلي: الله، فزعق الثالثة، فمات. فاجتمع إليه أبواه، فقدماه إلى الخليفة، وادعيا عليه الدم، فقال له الخليفة: يا أبا بكر، ماذا صنعت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، روح جنت فرنت، ودربت، فعلمت، ودعيت، فأجابت، فما ذنبي؟ فصاح الخليفة ثم أفاق فقال: خليا سبيله، لا ذنب له. هذا قتيل لا دية له ولا قود.
стр. 10071
قال السلمي: سمعت أبا بكر الأبهري الفقيه ببغداد يقول: سمعت الشبلي يقول: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب، وترك الأدب يوجب الطرد، ومن لم يراع أسراره مع الحق لا يكاشف عن عين الحقيقة بذرة.
قال أبو العباس الدامغاني: أوصاني الشبلي فقال: الزم الوحدة، وامح اسمك عن القوم، واستقبل الجدار حتى تموت.
قال السلمي: سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: كان الشبلي يقول لمن يدخل عليه: عندك خبر، أو عندك أثر؟! وينشد: من الطويل
أسائل عن سلمى فهل من مخبر ... بأنّ له علماً بها أين تنزل
ثم يقول: لا وعزتك ما في الدارين عنك مخبر.
وقال الشبلي: ما أحد يعرف الله، قيل: كيف؟ قال: لو عرفوه لما اشتغلوا عنه بسواه.
قال أبو محمد جعفر بن محمد الصوفي: كنت عند الجنيد، فدخل الشبلي، فقال جنيد: من كان الله همه طال حزنه، فقال الشبلي: يا أبا القاسم، لا بل، من كان همه زال حزنه.
قال البيهقي: قول الجنيد محمول على دار الدنيا، وقول الشبلي محمول على الآخرة، وقول الجنيد محمود على حزنه عند رؤية التقصير في نفسه في القيام بواجباته، وقول الشبلي محمول على سروره بما أعطي من التوفيق في الوقت حتى جعل الهم هماً واحداً. والله أعلم.
стр. 10072
وسئل الشبلي عن الزهد فقال: تحويل القلب عن الأشياء إلى رب الأشياء.
وقال: ليكن همك معك لا يتقدم، ولا يتأخر.
وسئل: لم سموا صوفية؟ فقال: لمصافاة أدركتهم من الحق فصفوا. فمن صفا فهو صوفي. وقيل للشبلي: يا أبا بكر، أوصني، فقال: كلامك كتابك إلى ربك، فانظر ما تملي فيه.
وقال: سهو طرفة عين عن الله شرك بالله.
قال السلمي: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سئل الشبلي وأنا حاضر: هل يبلغ الإنسان بجهده إلى شيء من طرق الحقيقة، أو الحق؟ فقال: لا بد من الاجتهاد والمجاهدة، ولكنهما لا يوصلان إلى شيء من الحقيقة، لأن الحقيقة ممتنعة عن أن تدرك بجهد واجتهاد، فإنما هي مواهب، يصل العبد إليها بإيصال الحق إياه لا غير. وأنشد على أثره: من الطويل
أسائلكم عنها فهل من مخبّرٍ ... فمالي بنعمٍ بعد مكثتنا علم
فلو كنت أدري أين خيّم أهلها ... وأيّ بلاد الله أو ظعنوا أمّوا
إذاً لسلكنا مسلك الريح خلفها ... ولو أصبحت نعمٌ ومن دونها النجم
قال السلمي: وحكي عن بعضهم قال: كنت يوماً في حلقة الشبلي فسمعته يقول: الحق يفني بما به يبقي، ويبقي بما به يفني، ويفني بما فيه بقاء، ويبقي بما فيه فناء. فإذا أفنى عبداً عن إياه أوصله به، وأشرفه على أسراره. وبكى، وأنشد على أثره: من الوافر
لها في طرفها لحظات سحرٍ ... تميت به وتحيي من تريد
стр. 10073
وسئل الشبلي: ما علامة صحة المعرفة؟ قال: نسيان كل شيء سوى معروفه. قيل: وما علامة صحة المحبة؟ قال: العمى عن كل شيء سوى محبوبه.
وقال: ليس للعارف، ولا لمحب سلوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار.
قال الحسن الفرغاني: سألت الشبلي: ما علامة العارف؟ فقال: صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه مطروح. والعارف الذي عرف الله، وعرف مراد الله، وعمل لما أمر الله، وأعرض عما نهى الله، ودعا عباد الله إلى الله. والصوفي من صفا قلبه فصفا، وسلك طريق المصطفى، ورمى الدنيا خلف القفا، وأذاق الهوى طعم الجفا. والتصوف التآلف والتطرف، والإعراض عن التكلف.
وقال أيضاً: هو التعظيم لأمر الله، والشفقة على عباد الله.
وقال أيضاً: الصوفي من صفا من الكدر، وخلص من الغير، وامتلأ من الفكر، وتساوي عنده الذهب والمدر.
وقيل له: ما علامة القاصد؟ قال: أن لا يكون للدرهم راصداً.
وقيل له: في أي شيء أعجب؟ قال: قلب عرف ربه ثم عصاه.
وقال: المعارف تبدو فتطمع، ثم تخفى فتؤيس، فلا سبيل إلى تحصيلها، ولا طريق إلى الهرب منها؛ فإنها تطمع الآيس، وتؤيس الطامع.
وسئل: إلى ماذا تحن قلوب أهل المعارف؟ فقال: إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية. وأنشد: من الكامل
стр. 10074
سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا
وقال: الدنيا خيال، وظلها وبال، وتركها جمال، والإعراض عنها كمال، والمعرفة بالله اتصال.
وسئل: ما الفرق بين رق العبودية، ورق المحبة؟ فقال: كم بين عبد إذا عتق صار حراً، وعبد كلما عتق ازداد رقاً.
وقال: من البسيط
لتحشرنّ عظامي بعد إذ بليت ... يوم الحساب وفيها حبّكم علق
وسئل: هل يتسلى المبتلى عن حبيبه دون مشاهدته؟ فأنشأ يقول: من السريع
والله لو أنك توجتني ... بتاج كسرى ملك المشرق
ولو بأموال الورى جدت لي ... أموال من باد، ومن قد بقي
وقلت لي لا نلتقي ساعة ... اخترت يا مولاي أن نلتقي
وسئل: هل يعرف المحب أنه محب؟ قال: نعم، إذا كتم حبه، ثم ظهر عليه مع كتمانه.
وأنشد: من البسيط
قد يسحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظن غرّكم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
стр. 10075
قال زيد بن رفاعة الهاشمي: سمعت أبا بكر الشبلي ينشد في جامع المدينة يوم الجمعة والناس حوله: من الطويل
يقول خليلي كيف صبرك عنهم ... فقلت وهل صبر فتسأل عن كيف
بقلبي هوى أذكى من النار حرّه ... وأخلى من التقوى وأمضى من السيف
قال أبو جعفر الفرغاني: كنت أنا وأبو العباس بن عطاء، وأبو محمد الجريري جلوساً عند الجنيد، إذ أقبل الشبلي وهو متغير، فلم يتكلم مع أحد، وقصد الجنيد، فوقف على رأسه، وصفق بيديه، وقال: من الخفيف
عوّدوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصّدّ والصدّ صعب
لا وحسن الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحبّ الاّ يحبّ
قال: فضرب الجنيد برجله الأرض وقال: هو ذاك يا أبا بكر، هو ذاك! قال عامر الدينوري: كنت جالساً عند الشبلي، فاجتاز أبو بكر بن داود الأصبهاني، فسلم عليه. فقال له الشبلي: أنت الذي أنشدت لك وحقيقة: من الخفيف
موقف للرقيب لا أنساه لست أخشى.
стр. 10076
مرحباً بالرقيب من غير وعدٍ ... جاء يجلو عليّ من أهواه
لا أحبّ الرّقيب إلاّ لأني ... لا أرى من أحبّ حتى أراه
فقال ابن داود: ما علمت أن لله فيها إشارة حتى نبهني الشبلي عليها.
وسئل الشبلي عن حقيقة التوكل، فقال: حفظ العبد حركات همته من الطلب بما ضمنه الباري من رزقه.
وقال الشبلي: ذكر الله على الصفاء ينسي العبد مرارة البلاء.
وقال: ذكر الغفلة يكون جوابه اللعن. وأنشد: من البسيط
ما إن ذكرتك إلاّ همّ يلعنني ... ذكري وسري وفكري عند ذكراكا
حتى كأن رقيباً منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياكا
وقال: ليس مع العالم إلا ذكر؛ قال الله تعالى: " إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ للعالَمِين ".
وسئل: من أقرب أصحابك إليك؟ قال: ألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله.
قال أبو نصر محمد بن علي الطوسي: سمعت الشبلي يوماً في مجلسه، وقد غلبه حاله، جثا على ركبتيه وهو يقول: من الطويل
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا ... كفى لمطايانا بذكرك هاديا
وقطع المجلس.
وسمعته يوماً ينشد وهو في مثل هذه الحال: من الطويل
إذا أبصرتك العين من بعد غايةٍ ... وعارض فيك الشكّ أثبتك القلب
ولو أن ركباً أمّموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدلّ بك الركب
فقطع المجلس أيضاً بمثل هذا.
стр. 10077
وسئل الشبلي عن التصوف فقال: ترويح القلوب بمرواح الصفاء، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء، والبشر في اللقاء.
وقال السلمي: سمعت ... والسجزي يقولان: بلغنا أن رجلاً قال للشبلي من أصحابك؟ وهم في المسجد الجامع فقال الشبلي: مر بنا إليهم، فمر الرجل معه حتى دخل المسجد، فرأى الشبلي قوماً عليهم المرقعات والفوط، فقال؛ هؤلاء هم؟ قال: نعم. فأنشأ يقول: من الكامل
أمّا الخيام فإنّها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها
قال عيسى بن علي الوزير: دخل الشبلي على أبي، فدفع إليه صرة فيها أربعون ديناراً، فقال له: خذ هذه نفقة للصوفية. فأخذها وخرج. فقيل لأبي: إنه عبر على الجسر، فرأى رجلاً صوفياً قد وقف على دكان الحجام يقول له: قد احتجت إليك ساعة، أتفعل ذلك من أجل الله؟ فقال له: ادخل، فدخل إليه، فأصلح وجهه، وحلق رأسه، وحجمه، والشبلي بباب الدكان، فلما فرغ وجاء الرجل ليخرج قال الشبلي للحجام: خذ هذه الصرة أجرة خدمتك لهذا الرجل، فقال الحجام: إنما فعلت ذلك من أجل الله، فقال له: إن فيها أربعين ديناراً! فقال الحجام: ما أنا بالذي أحل عقداً عقدته بيني وبين الله بأربعين ديناراً. فلطم الشبلي وجهه وقال: كل أحد خير من الشبلي حتى الحجام.
قال أحمد بن جعفر السيرواني: دخلت أنا وفقير على الشبلي، فسلمنا عليه، فقال: إلى أين تريدان؟ فقلنا: البادية، فقال: على أي حكم؟ فقال صاحبي: على حكم الفقراء، فقال: احذروا ألا تسبقكم همومكم، ولا تتأخر!
стр. 10078
قال أبو الحسن السيرواني: فجمع لنا العلم كله في هذه الكلمة.
قال أبو حاتم الطبري: سمعت أبا بكر الشبلي يقول في وصيته: وإن أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها فانظر إلى مزبلة، فهي الدنيا، فإذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذ كفاً من تراب، فإنك منها خلقت، وفيها تعود، ومنها تخرج. ومتى أردت أن تنظر ما أنت فانظر إلى ما يخرج منك في دخولك الخلاء، فمن كان حاله كذلك لا يجوز أن يتطاول ويتكبر على من هو منه.
قال أبو طالب العلوي: كنت مع الشبلي بباب الطاق، فجاء رجل راكب، وبين يديه غلام، فقال رجل لرجل: من هذا؟ قال: صقعان الأمير ومسخرته، فغدا الشبلي، فقبل فخذه، فرمى الرجل نفسه من الفرس فقال: يا سيدي، أحسبك ما عرفتني! قال: بلى قد عرفتك، أنت تأكل الدنيا بما تساويه، اركب، فأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين.
قال أبو بكر الرازي: سمعت الشبلي يقول: ما أحوج الناس إلى سكرة تفنيهم عن ملاحظات أنفسهم، وأفعالهم، وأحوالهم، والأكوان وما فيها. وأنشد: من الطويل
وتحسبني حيّاً وإنّي لميّت ... وبعضي من الهجران يبكي على بعضي
وسئل عن متابعة الإسلام، فقال: أن تموت عنك نفسك.
وقال: ليس في الوقت مرح، الوقت جد كله.
وقال: من فني عن نفسه وقام الحق بتوليه لا ينكر له تقليب الأعيان، واتخاذ المفقود.
стр. 10079
وقال: احذر أماكن الاتصال، فإنه خدع كلها، وقف بحيث وقف العوام تسلم.
وقال: لا أشك إلا أني قد وصلت، ولا أشك إلا أن الوصل دوني، ولكن أبكي. ثم أنشأ يقول: من الوافر
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتخسن عينه عند التلاقي
وسئل الشبلي: ما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة، لأن الحيلة إما رشوة، أو قرار، وهما بعيدان عن طرق الحقيقة، فاطلب الدواء من حيث جاء الداء، فلا يقدر على شفائك إلا من أعلك وأنشد: من البسيط
إنّ الذين بخيرٍ كنت تذكرهم ... هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا
لا تطلبن دواء عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا
واجتاز الشبلي بدرب سليمان عند الجسر في شهر رمضان، فسمع البقلي ينادي: من كل لون. فحال لونه، وأخذه السماع، وأنشأ يقول: من المتقارب
فيا ساقي القوم لا تنسني ... ويا ربّة الخدر غنّي رمل
وقد كان شيء يسمّى السرور ... قديماً سمعنا به ما فعل
خليليّ إن دام هذا الصّدود ... على ما أراه سريعاً قتل
وفي رواية:
خليليّ إن دام همّ النفوس ... على ما تراه قليلاً قبل
مؤمّل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمّل قبل الأمل
стр. 10080
وقال الشبلي: لولا أن الله خلق الدنيا على العكس لكان منفعة الإهليلج في اللوزينج.
وقال: كن مع مولاك مثل الصبي مع أمه؛ تضربه ويمسكها، ويقول: يا أمي لا أعود.
وقال: ما ظنك بمعان هي شموس كلها، بل الشموس فيها ظلمة.
وقيل له: يا أبا بكر، الرجل يسمع الشيء ولا يفهم معناه، فيؤاخذ عليه، لم هذا؟! فأنشأ يقول: من الرمل
ربّ ورقاء هتوفٍ بالضحى ... ذات شجوٍ صدحت في فنن
ذكرت إلفاً ودهراً صالحاً ... فبكت حزناً فهاجت حزني
فبكائي ربما أرّقها ... وبكاها ربما أرّقني
ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني
غير أنّي بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً بالجوى تعرفني
وقال الشبلي: الوجد اصطلام. ثم قال:
الوجد عندي جحود ... ما لم يكن عن شهود
وشاهد الحق عندي ... يفني شهود الوجود
قال السلمي: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: حضرت مع الشبلي ليلة في مجلس سماع، وحضره المشايخ، فغنى قوال شيئاً، فصاح
стр. 10081
الشبلي والقوم سكوت، فقال له بعض المشايخ: يا أبا بكر، أليس هؤلاء يسمعون معك؟ مالك من بين الجماعة؟ فقام، وتواجد، وأنشأ يقول: من الكامل
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرّوا لعزة ركّعاً وسجودا
وقال: من البسيط
لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
قال: وسمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنا جماعة من الأحداث نصحب أبا الحسين بن أبي بكر الشبلي، وهو حدث، ونكتب الحديث، فأضافنا ليلة أبو الحسين، فقلنا: بشرط ألا يدخل علينا أبوك، فقال: لا يدخل. فدخلنا داره، فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة، ثماني شموع. فجاء وقعد في وسطنا، فاحتشمنا منه، فقال: يا سادة عدوني فيما بينكم طست شمع. ثم قال: أين غلامي أبو العباس؟ فتقدمت إليه، فقال لي: غنّ الصوت الذي كنت تغني: من الهزج
ولما بلغ الحير ... ة حادي جملي حارا
فقلت احطط بها رحلي ... ولا تحفل بمن سارا
فغنيته، فألفى الشموع من يده وخرج.
قال أبو يعقوب الخراط: كنت في حلقة الشبلي، فبكى رجل حتى علا صوته، وبكى الشبلي وأهل الحلقة ببكائه، وأنشأ يقول: من السريع
أنافعي دمعي فأبكيكا ... هيهات مالي طمع فيكا
لو كنت تدري بالذي نالني ... أقصرت عن بعض تجنيكا
وقيل للشبلي: كم تهلك نفسك بهذه الدعاوى، ولا تدعها! فقال: من المنسرح
стр. 10082
إني وإن كنت قد أسأت بي ال ... يوم لراج للعطف منك غدا
أستدفع الوقت بالرجاء وإن ... لم أر منكم ما أرتجي أبدا
أغرّ نفسي بكم وأخدعها ... نفسٌ ترى الغيّ فيكم رشدا
وسئل: هل يقع بين الإلفين تهاجر؟ فقال: يزاد رشدا، ثم أنشأ يقول: من الوافر
هجرتك لا قلىً مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنّ المنية في الورود
وسئل عن قوله تعالى: " وللهِ على النَّاسِ حجُّ البيتِ "، فوصفه بصفة تضبط عنه، ثم قال: من الخفيف
لست من جملة المحبّين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما
وطوافي إجالة السرّ فيه ... وهو ركني إذا أردت استلاما
قال أبو السري: وقفت يوم عيد على حلقة الشبلي، والناس عليه، فجاء حدثٌ من أولاد الوزراء حسن الوجه والزي، وكثر الناس. فلما رآه الشبلي قال: من نظر اعتباراً سلم، ومن نظر اختياراً فتن. ثم قال له: مر من عندي وإلا أخرق ثيابك.
قال أبو الحسن علي بن محمد بن أي صابر الدلال: وقفت على الشبلي قي قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه، فوقف عليه في الحلقة غلام لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجهاً منه يعرف بابن مسلم، فقال له: تنح، فلم يبرح، فقال له الثانية: تنح يا شيطان عنا، فلم يبرح، فقال له الثالثة: تنح، وإلا والله خرقت كل ما عليك، وكان عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كبيرة. فانصرف الفتى.
стр. 10083
وقيل: خرج الشبلي يوماً من منزله وعليه خريق وأطمار، فقيل له: ما هذا؟ فقال: من الطويل
فيوماً ترانا في الخزوز نجرّها ... ويوماً ترانا في الحديد عوابسا
ويوماً ترانا في الثريد نبسه ... ويوماً ترانا نأكل الخبز يابسا
وقال الشبلي: ضاق صدري ببغداد، فضاقت علي أوقاتي، فوقع لي أن أنحدر إلى البصرة، فاكتريت سمارية، وركبت فيها، فلما بلغت البصرة، وخرجت من السمارية زاد علي ما كنت أجده ببغداد أضعاف ذلك. فركبت تلك السمارية، ورجعت إلى بغداد، فلما بلغت دار الخليفة إذا جارية تغنيى له في التاج: من الطويل
أيا قادماً من سفرة البحر مرحباً ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا
قدمت على قلبي كما قد تركته ... كئيباً حزيناً بالصّبابة متعبا
فلما سمعت غناءها طرحت نفسي في دجلة، فقيل: أدركوا الرجل! فأخذت إلى الشط، فقال المقتدر: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر الشبلي؛ فحملت إليه، ووقفت بين يديه، فقال: يا أبا بكر، تبلغنا عنك في كل وقت أعاجيب فما هذا؟، فقصصت عليه القصة، وخرجت.
وفي رواية: فصاح صيحة، ووقع في دجلة مغشياً عليه، فقال الخليفة: الحقوه، واحملوه، فحمل إلى بين يديه، فقال له: أمجنون أنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان من أمري كيت وكيت، فتحيرت فيما هو يجري علي. فبكي الخليفة مما رأى من حرقته.
قال أبو الصقر الصوفي: دخلت على شيخ من شيوخنا أهنئه يوم عيد، فرأيت عنده نخالة وهندباء وخلاً، فشغل ذلك قلبي، فخرجت من عنده، ودخلت على أحد أرباب الدنيا، فذكرت ذلك له، فدفع إلي صرة فيها دراهم، فقال: احملها إليه.
стр. 10084
فعدت ودخلت إليه، فأخبرته، فقال: وما الذي رأيت من حالي؟ قلت: رأيت هندباء وخلاً ونخالة. فقال: كأنك افتقدت منزلي، وكذلك لو كانت في بيتي حرمة أكنت تفتقدها؟ قم فاخرج! أشهد لا كلمتك شهراً. قال: فخرجت، فنطح الباب وجهي، ففتحته، فمسحت الدم ومشيت. فلقيني الشبلي، فقلت: يا أبا بكر، رجل مشى في طاعة الله ينطح وجهه، ما يوجب هذا؟ قال: لعله أراد أن يجيء إلى شيء صاف فيكدره.
وقال للشبلي رجل: يا أبا بكر، اليوم يوم العيد، فأنشأ يقول: من البسيط
الناس بالعيد قد سرّوا وقد فرحوا ... وما سررت به والواحد الصمد
لمّا تيقنت أنّي لا أعاينكم ... غمّضت طرفي فلم أنظر إلى أحد
قال السلمي: وبلغني أن الشبلي كان واقفاً على قبر الجنيد، فسئل عن مسألة، فنظر إلى الرجل، ونظر إلى القبر، وقال: من الطويل
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
وقيل له: إن فلاناً رجلاً من أصحابه مات فجاءة، فقال: من الطويل
قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار
ومات أخ من إخوان الشبلي، فعز عليه، فرجع من جنازته وهو يقول: من الكامل
سأودّع الإحسان بعدك والنّهى ... إذ حال منك البين والتوديع
ولأستقلّ لك الدموع صبابةً ... ولو أن دجلة لي عليك دموع
стр. 10085
وحكايات الشبلي ﵀ كثيرة في إنشاده للشعر الحسن، والتمثل به، والطرب عليه، والتواجد من سماعه.
وأنشد: من البسيط
كادت سرائر سرّي أن تشير بما ... أوليتني من سرورٍ لا أسمّيه
فصاح بالسر سرّ منك ترقبه ... كيف السرور بسرّ دون مبديه
فظل يلحظني فكري لألحظه ... والحق يلحظني أن لا أراعيه
وأقبل الحق يفني اللحظ عن صفتي ... وأقبل اللحظ يفنيني وأفنيه
وقال: من الطويل
وكم كذبةٍ لي فيك لا أستقلّها ... أقول لمن ألقاه إنّي صالح
وأيّ صلاحٍ بي وجسمي ناحلٌ ... وقلبي مشغوفٌ ودمعي سافح
وقال: من الطويل
ذكرتك لا أنّي نسيتك لمحةً ... وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكدت بلا وجدٍ أموت من الهوى ... وهام عليّ القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضرٌ ... شهدتك موجوداً بكل مكان
فخاطبت موجوداً بغير تكلم ... ولاحظت معلوماً بغير عيان
وقال: من البسيط
إنّي عجبت وما في الحبّ من عجبٍ ... فيه الهموم وفيه الوجد والكلف
أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
قال جعفر الخلدي: أحسن أحوال الشبلي أن يقال له مجنون.
следующие страницы →