← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

الشبلي والقوم سكوت، فقال له بعض المشايخ: يا أبا بكر، أليس هؤلاء يسمعون معك؟ مالك من بين الجماعة؟ فقام، وتواجد، وأنشأ يقول: من الكامل لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرّوا لعزة ركّعاً وسجودا وقال: من البسيط لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي قال: وسمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنا جماعة من الأحداث نصحب أبا الحسين بن أبي بكر الشبلي، وهو حدث، ونكتب الحديث، فأضافنا ليلة أبو الحسين، فقلنا: بشرط ألا يدخل علينا أبوك، فقال: لا يدخل. فدخلنا داره، فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة، ثماني شموع. فجاء وقعد في وسطنا، فاحتشمنا منه، فقال: يا سادة عدوني فيما بينكم طست شمع. ثم قال: أين غلامي أبو العباس؟ فتقدمت إليه، فقال لي: غنّ الصوت الذي كنت تغني: من الهزج ولما بلغ الحير ... ة حادي جملي حارا فقلت احطط بها رحلي ... ولا تحفل بمن سارا فغنيته، فألفى الشموع من يده وخرج. قال أبو يعقوب الخراط: كنت في حلقة الشبلي، فبكى رجل حتى علا صوته، وبكى الشبلي وأهل الحلقة ببكائه، وأنشأ يقول: من السريع أنافعي دمعي فأبكيكا ... هيهات مالي طمع فيكا لو كنت تدري بالذي نالني ... أقصرت عن بعض تجنيكا وقيل للشبلي: كم تهلك نفسك بهذه الدعاوى، ولا تدعها! فقال: من المنسرح

стр. 10082

إني وإن كنت قد أسأت بي ال ... يوم لراج للعطف منك غدا أستدفع الوقت بالرجاء وإن ... لم أر منكم ما أرتجي أبدا أغرّ نفسي بكم وأخدعها ... نفسٌ ترى الغيّ فيكم رشدا وسئل: هل يقع بين الإلفين تهاجر؟ فقال: يزاد رشدا، ثم أنشأ يقول: من الوافر هجرتك لا قلىً مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود كهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنّ المنية في الورود وسئل عن قوله تعالى: " وللهِ على النَّاسِ حجُّ البيتِ "، فوصفه بصفة تضبط عنه، ثم قال: من الخفيف لست من جملة المحبّين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما وطوافي إجالة السرّ فيه ... وهو ركني إذا أردت استلاما قال أبو السري: وقفت يوم عيد على حلقة الشبلي، والناس عليه، فجاء حدثٌ من أولاد الوزراء حسن الوجه والزي، وكثر الناس. فلما رآه الشبلي قال: من نظر اعتباراً سلم، ومن نظر اختياراً فتن. ثم قال له: مر من عندي وإلا أخرق ثيابك. قال أبو الحسن علي بن محمد بن أي صابر الدلال: وقفت على الشبلي قي قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه، فوقف عليه في الحلقة غلام لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجهاً منه يعرف بابن مسلم، فقال له: تنح، فلم يبرح، فقال له الثانية: تنح يا شيطان عنا، فلم يبرح، فقال له الثالثة: تنح، وإلا والله خرقت كل ما عليك، وكان عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كبيرة. فانصرف الفتى.

стр. 10083

وقيل: خرج الشبلي يوماً من منزله وعليه خريق وأطمار، فقيل له: ما هذا؟ فقال: من الطويل فيوماً ترانا في الخزوز نجرّها ... ويوماً ترانا في الحديد عوابسا ويوماً ترانا في الثريد نبسه ... ويوماً ترانا نأكل الخبز يابسا وقال الشبلي: ضاق صدري ببغداد، فضاقت علي أوقاتي، فوقع لي أن أنحدر إلى البصرة، فاكتريت سمارية، وركبت فيها، فلما بلغت البصرة، وخرجت من السمارية زاد علي ما كنت أجده ببغداد أضعاف ذلك. فركبت تلك السمارية، ورجعت إلى بغداد، فلما بلغت دار الخليفة إذا جارية تغنيى له في التاج: من الطويل أيا قادماً من سفرة البحر مرحباً ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا قدمت على قلبي كما قد تركته ... كئيباً حزيناً بالصّبابة متعبا فلما سمعت غناءها طرحت نفسي في دجلة، فقيل: أدركوا الرجل! فأخذت إلى الشط، فقال المقتدر: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر الشبلي؛ فحملت إليه، ووقفت بين يديه، فقال: يا أبا بكر، تبلغنا عنك في كل وقت أعاجيب فما هذا؟، فقصصت عليه القصة، وخرجت. وفي رواية: فصاح صيحة، ووقع في دجلة مغشياً عليه، فقال الخليفة: الحقوه، واحملوه، فحمل إلى بين يديه، فقال له: أمجنون أنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان من أمري كيت وكيت، فتحيرت فيما هو يجري علي. فبكي الخليفة مما رأى من حرقته. قال أبو الصقر الصوفي: دخلت على شيخ من شيوخنا أهنئه يوم عيد، فرأيت عنده نخالة وهندباء وخلاً، فشغل ذلك قلبي، فخرجت من عنده، ودخلت على أحد أرباب الدنيا، فذكرت ذلك له، فدفع إلي صرة فيها دراهم، فقال: احملها إليه.

стр. 10084

فعدت ودخلت إليه، فأخبرته، فقال: وما الذي رأيت من حالي؟ قلت: رأيت هندباء وخلاً ونخالة. فقال: كأنك افتقدت منزلي، وكذلك لو كانت في بيتي حرمة أكنت تفتقدها؟ قم فاخرج! أشهد لا كلمتك شهراً. قال: فخرجت، فنطح الباب وجهي، ففتحته، فمسحت الدم ومشيت. فلقيني الشبلي، فقلت: يا أبا بكر، رجل مشى في طاعة الله ينطح وجهه، ما يوجب هذا؟ قال: لعله أراد أن يجيء إلى شيء صاف فيكدره. وقال للشبلي رجل: يا أبا بكر، اليوم يوم العيد، فأنشأ يقول: من البسيط الناس بالعيد قد سرّوا وقد فرحوا ... وما سررت به والواحد الصمد لمّا تيقنت أنّي لا أعاينكم ... غمّضت طرفي فلم أنظر إلى أحد قال السلمي: وبلغني أن الشبلي كان واقفاً على قبر الجنيد، فسئل عن مسألة، فنظر إلى الرجل، ونظر إلى القبر، وقال: من الطويل وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني وقيل له: إن فلاناً رجلاً من أصحابه مات فجاءة، فقال: من الطويل قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار ومات أخ من إخوان الشبلي، فعز عليه، فرجع من جنازته وهو يقول: من الكامل سأودّع الإحسان بعدك والنّهى ... إذ حال منك البين والتوديع ولأستقلّ لك الدموع صبابةً ... ولو أن دجلة لي عليك دموع

стр. 10085

وحكايات الشبلي ﵀ كثيرة في إنشاده للشعر الحسن، والتمثل به، والطرب عليه، والتواجد من سماعه. وأنشد: من البسيط كادت سرائر سرّي أن تشير بما ... أوليتني من سرورٍ لا أسمّيه فصاح بالسر سرّ منك ترقبه ... كيف السرور بسرّ دون مبديه فظل يلحظني فكري لألحظه ... والحق يلحظني أن لا أراعيه وأقبل الحق يفني اللحظ عن صفتي ... وأقبل اللحظ يفنيني وأفنيه وقال: من الطويل وكم كذبةٍ لي فيك لا أستقلّها ... أقول لمن ألقاه إنّي صالح وأيّ صلاحٍ بي وجسمي ناحلٌ ... وقلبي مشغوفٌ ودمعي سافح وقال: من الطويل ذكرتك لا أنّي نسيتك لمحةً ... وأيسر ما في الذكر ذكر لساني وكدت بلا وجدٍ أموت من الهوى ... وهام عليّ القلب بالخفقان فلما أراني الوجد أنك حاضرٌ ... شهدتك موجوداً بكل مكان فخاطبت موجوداً بغير تكلم ... ولاحظت معلوماً بغير عيان وقال: من البسيط إنّي عجبت وما في الحبّ من عجبٍ ... فيه الهموم وفيه الوجد والكلف أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف قال جعفر الخلدي: أحسن أحوال الشبلي أن يقال له مجنون.

стр. 10086

وقال الشبلي: من الخفيف كلما قلت قد دنا حلّ قيدي ... قدّموني وأوثقوا المسمارا وقال لأصحابه ذات يوم: ألست عندكم مجنوناً وأنتم أصحاء؟ زاد الله في جنوني، وزاد في صحتكم. ثم قال: من البسيط قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ما لذّة العيش إلا للمجانين وقال أيضاً: من الخفيف بي جنون الهوى وما بي جنون ... وجنون الهوى جنون الجنون قال أبو نصر الهروي: كان الشبلي يقول: إنما يحفظ هذا الجانب بي يعني من الديالمة فمات هو يوم الجمعة، وعبرت الديالمة إلى الجانب الشرقي يوم السبت. مات هو وعلي بن عيسى في يوم واحد. قال منصور بن عبد الله: دخل قوم على الشبلي في مرضه الذي مات فيه، فقالوا: كيف نجدك يا أبا بكر؟ فقال: إن سلطان حبه ... قال لا أقبل الرّشا فسلوه ت فديته ... لم بقلبي تحرشا وسأل جعفر بن نصير بكران الدينوري وكان يخدم الشبلي: ما الذي رأيت منه؟ فقال: قال لي: علي درهم مظلمة، وتصدقت عن صاحبه بألوف، فما على قلبي

стр. 10087

شغل أعظم منه. ثم قال: وضئني للصلاة، ففعلت، فنسيت تخليل لحيته، وقد أمسك على لسانه، فقبض على يدي، وأدخلها في لحيته، ثم مات. فبكى جعفر وقال: ما تقولون في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة؟ وفي رواية: ما يمكن أن يقال في رجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في الوضوء في وقت نزع روحه. وقيل: دخل عليه قوم من أصحابه وهو في الموت، فقالوا: قل لا إله إلا الله. فأنشا يقول: من المديد إنّ بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاجٍ إلى السّرج وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج لا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج وقال بكير صاحب الشبلي: وجد الشبلي في يوم الجمعة آخر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة خفة من وجع كان به، فقال: تنشط نمشي إلى الجامع؟ قلت: نعم. فاتكأ عل يدي حتى انتهيت إلى الوراقين من الجانب الشرقي، فتلقانا رجل جاء من الرصافة، فقال بكير؟ قلت: لبيك، قال: غداً يكون لي مع هذا الشيخ شأن. ثم مضينا، وصلينا، ثم عدنا. فتناول شيئاً من الغداء، فلما كان الليل مات ﵀ فقيل: في درب السقائين رجل شيخ صالح يغسل الموتى. قال: فدلوني عليه في سحر ذلك اليوم. فنقرت الباب نقراً خفياً، فقلت: سلام عليكم، فقال: مات الشبلي؟ قلت: نعم، فخرج إلي، فإذا به الشيخ، فقلت: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، تعجباً. ثم قلت: لي الشبلي أمس لما التقينا بك في الوراقين: غداً يكون لي مع هذا الشيخ شأن. بحق معبودك، من أين لك أن الشبلي قد مات؟ قال: يا أبله، فمن أين للشبلي أنه يكون له معي شأن من الشأن اليوم؟!

стр. 10088

وكان موت الشبلي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ت وقيل: سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ودفن في الخيزرانية. أبو بكر الوراق الصوفي من الطوافين. صحب أبا سعيد الخراز، وكان معه على ساحل بحر صيدا في حكاية تقدمت. أبو بكر الجصاص البصري الصوفي سكن دمشق، وكان له كتاب يكتب فيه عمله حسنه وسيئه. أبو بكر الدمشقي من أهل الأدب. سكن بغداد. حكى عنه علي بن هارون بن علي بن يحيى المنجم. أبو بكر بن العطار الداراني قرأت بخط عبد الوهاب بن جعفر: يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة مات أبو بكر الداراني المعروف بابن العطار المتعبد في المسجد الجامع بدمشق. مات بداريا، وأخرجت جنازته بداريا من الغد ضحى نهار بعد أن نودي له في جامع دمشق، وخرج جماعة من الناس من الأشراف والشيوخ والتجار، وغيرهم فشهدوا جنازته بداريا بلاس.

стр. 10089

أبو بكر القلانسي قرأت بخط عبد الوهاب الميداني: في يوم الأحد سلخ شهر رمضان يعني سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة مات أبو بكر المعروف بالقلانسي الذي كان مقيماً بسطرا. وكان رجلاً مستوراً. وأخرجت جنازته في يوم الاثنين إلى باب شرقي، وشهد جنازته جماعة من الناس. أبو بكر بن الفريابي أحد الصالحين. قال عبد الوهاب: مات لإحدى عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فأخرجت جنازته إلى باب توما العصر، وكان له مشهد عظيم. عفا الله عنا وعنه. أبو بكر الواسطي الصوفي قرأت بخط غيث بن علي: حدثت أن أبا بكر الواسطي توفي بدمشق بعد مضيه من عندنا في ذي القعدة سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وأقام بدار الحجارة نحواً من يومين لم يعلم به. ذكر هو لي ﵀ أنه سمع من القاضي أبي عمر الهاشمي، وعلي بن بشران، وهلال الحفار، وطبقتهم. ولم يصحبه شيء من سماعه، وكان يذكر أنه شيء كثير، وما أظنه حدث. وكان يظهر لي أنه قد نيف على السبعين.

стр. 10090

أبو بكر السمرقندي الفقيه الحنفي المعروف بالظهير قدم دمشق، وأقام بها مدة، وعقد له مجلس التدريس في الخزانة الشرقية بالشام من جامع دمشق التي جعلت مسجداً. ثم فوض إليه التدريس بمسجد خاتون إلى أن مات بدمشق في شوال سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

стр. 10091

كنى النساء على حرف الباء أم البراء بنت صفوان بن هلال من النسوة الشواعر الفصيحات. عن سعيد بن حذاقة قال: دخلت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية وعليها ثلاث دروع قد كارت على رأسها كوراً، فسلمت وجلست، فقال لها: كيف أنت يا بنت صفوان؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: كيف حالك؟ قالت: ضعفت بعد قوة، وكسلت بعد نشاط. قال: شتان بين يومك ويوم تقولين: من الكامل يا زيد دونك صارماً ذا رونق ... عضب المهزة ليس بالخوّار أسرج جوادك مسرعاً ومشمّراً ... للحرب لس مولّياً لفرار يا ليتني أصبحت ليس بعورةٍ ... فأذبّ عنه عساكر الفجّار قالت: يا أمير المؤمنين عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، قال؛ هيهات! أما والله لو عاد لعدت، ولكنه اخترم قبلك، فكيف أبياتك فيه حين قتل؟ قالت: نسيتها. قال: هو والله حين تقولين: من الكامل يا للرجال لعظم أمر مصيبةٍ ... جلّت فليس مصابها بالزائل فالشمس كاسفة لفقد أميرنا ... خير البرية والإمام العادل

стр. 10092

يا خير من ركب المطي ومن مشى ... فوق التراب بحافي أو ناعل حاشا النبي لقد هدمت قواءنا ... فالحق أصبح خاضعاً للباطل قاتلك الله! والله ما كان حسان يحسن هذا. ألك حاجة؟ قالت: أما الآن فلا. وقامت، فعثرت بثوبها، فقالت: تعس شانئ علي. فقال لها معاوية: يا أم البراء، زعمت ألا! قالت: هو والله ما تعلم. وخرجت، فبعث إليها بمال. أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس زوج الوليد بن عبد الملك وابنة عمه. وكانت دارها بدمشق بقرب طاحونة الثقفيين المعروفة اليوم بطاحونة القلعة. وكانت لها دار أخرى خراج باب الفراديس على يسرة المار إلى المقبرة. عن ابن أبي عبلة قال: سمعت أم البنين تقول: أف للبخل، لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته. وعن ابن أبي عبلة قال: دخلت على أم البنين وهي تعالج قدراً لها، فقلت: ما هذا؟ فقالت: شيء اشتهاه أمير المؤمنين، فأنا أعالجه. أم البنين بنت عبد الملك بن مروان، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. قال الحافظ: كذا قال: وهو وهم، وإنما أم البنين بنت عبد العزيز أخت عمر.

стр. 10093

قال يحيى بن منصور: دخلت عزة كثير على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز فقالت لها: ما سبب قول كثير: قضى كلّ ذي دينٍ علمت غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها قالت: كنت وعدته قبلة، فتحرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها، وعلي إثمها. قال: فندمت أم البنين على قولها هذا، فأعتقت لكلمتها هذه سبعين رقبة. قال الزبير بن بكار في تسمية ولد عبد العزيز: وأم البنين بنت عبد العزيز ولدت للوليد بن عبد الملك. وأخواها لأمها: سهيل وجعفر ابنا خارجة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام. وأمهم ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وعن أبي نصر بن ماكولا قال: وأما أم البنين أوله باء معجمة بواحدة وبعدها نون مكسورة خفيفة فهي: أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، أخت عمر بن عبد العزيز.

стр. 10094

حرف التاء أبو تجراة الكندي وفد على معاوية بن أبي سفيان في أمر سعد بن طلحة بن أبي طلحة العبدري مع شيبة بن عثمان الحجبي. له ذكر. عن حسن بن زيد أنه قال يوماً: قاتل الله ابن هشام ما كان أجرأه على الله، دخلت عليه مع أبي في هذه الدار يعني دار مروان وقد أره هشام أن يفرض للناس، فدخل عليه ابن لعبد الله بن جحش المجدع في الله، فانتسب له، وسأله الفريضة، فلم يبه بشيء، ولو كان أحد يرفع إلى السماء كان ينبغي له أن يرفع. ثم دخل عليه ابن أبي تجراة، وهم أهل بيت من كندة رفعوا بمكة، فقال: ابن أبي تجراة صاحب عمل عمارة بن الوليد في سفره الذي يقول فيه: من الطويل تزوّج أبا تجراة من يك أهله ... بمكة يرحل وهو للظلّ آلف فقال له: لتعلمن أن مودة أبي فائد قد نفعتك اليوم. ففرض له، ولأهل بيته. أبو تميمة مولى بني مروان الأموي حكى عن عمر بن عبد العزيز، فقال: أين منزلك؟ قال: بالعراق، قال: أوما علمت أو بلغك أنه لا ينزله أحد إلا سيق إليه قطعة من البلاء.

стр. 10095

أبو توبة المصري روى عنه محمد بن أبي حميد، ووفد على عمر بن عبد العزيز. وقال: كنت عند عمر بن عبد العزيز ونحن بالإسكندرية حين استخلف. قال: فجمعني، وجمع فقهاء فقال: لا يبقين أحد منكم إلا أعلمني ما سمع في الخمر. فذكر حديث تحريم الخمر. قال الحافظ أبو القاسم: لا أعرف أن عمر بن عبد العزيز دخل الإسكندرية بعدما استخلف، وأبو توبة هذا لم أجد له ذكراً في كتاب من الكتب المشهورة، ومحمد بن أبي حميد سيء الحفظ. والله أعلم. حرف الثاء أبو الثريا الكردي ولي إمرة دمشق مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة من قبل أبي محمود المغربي أمير الشام في أيام الملقب بالعزيز، فوليها مدة يسيرة ثم عزل بأبي الفتوح جيش بن الصمصامة ولايته الثانية. أبو ثعلبة الخشنيّ اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً على ما سنورده. وكان من أصحاب النبي ﷺ . عن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع. قال عبد الجبار بن محمد بن مهنى: ذكر أبي ثعلبة الخشني، واسمه جرثوم بن ناشر. والدليل على نزوله داريا ومقامه

стр. 10096

بها حديث ابن جابر، عن عمير بن هانئ العنسي حيث يقول: كنا بدرايا في المسجد، ومعنا أبو ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ، مع من روى عنه من أهل داريا. وقد قيل: إن أبا ثعلبة كان يسكن بقرية البلاط، وإن من ولده بها قوماً إلى هذا اليوم. وأرى أن ولده انتقلوا من داريا فسكنوا البلاط؛ لأن حديث ابن جابر عن عمير بن هانئ مشهور ومعروف عند أهل العلم. والله أعلم. قال سليمان بن عبد الرحمن: سألت بعض ولد أبي ثعلبة الخشني عن اسم أبي ثعلبة فقال: لاشر بن جرثوم. وعن سعيد بن عبد العزيز: اسم أبي ثعلبة جرثوم، وقيل: جرهم. وسئل هشام بن عمار عن اسمه فقال: يقولون: جرثوم بن عمرو، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وقال: وقالوا: جرهم بن ناشم وفي رواية: لاشم. قال ابن زنجويه: بغلني أن اسم أبي ثعلبة جرهم بن ناشم. ومثل هذه الرواية وردت عن أحمد بن حنبل. وفي نسخة بخط أبي عمر بن حيويه كتبها عن ابن السماك: باسم بالباء والسين. وقال خليفة بن خياط: وابن البرقي: أبو ثعلبة الخشني اسمه ألا شق بن جرهم. ويقال: اسمه جرثومة بن ناشج. ويقال: اسمه جرهم.

стр. 10097

قال محمد بن سعد: أبو ثعلبة الخشني، وخشين من قضاعة، واسم أبي ثعلبة جرهم بن ناشم. وعن أبي مسهر الدمشقي أنه قال: اسمه جرثومة بن عبد الكريم. ذكره البرديجي في الطبقة الأولى من الأسماء المفردة وسماه جرثومة. قال بقية بن الوليد: اسم أبي ثعلبة الخشني لاشومة بن جرثومة. قال أبو عيسى الترمذي: أبو ثعلبة اسمه جرثوم، ويقال: جرهم، ويقال: ناشب. ومثله من طريق النسائي وزاد: جرثوم بن ناشم. قال أبو بكر بن عيسى: وبلغني أن أبا ثعلبة أقدم إسلاماً من أبي هريرة، ولم يقاتل مع علي، ولا مع معاوية. ومات في أول إمرة معاوية. عن حميد المزني قال: إن أول صلاة صلاها المسلمون يعني بحمص في كنيسة يحنا، صلى بهم أبو ثعلبة الخشني. قال عبد الغني بن سعيد: وأما ناشر بالنون في أوله والراء المهملة في آخره فهو: ناشر والد أبي ثعلبة الخشني، جرثوم. وقيل: ناشب.

стр. 10098

قال الواقدي: وممن نزل الشام: أبو ثعلبة. اسمه جرهم بن ناشم. وخشينة حي من قضاعة. مات سنة خمس وسبعين. قال مسلم بن الحجاج: أبو ثعلبة جرهم بن ناشم الخشني، ويقال: جرثوم. له صحبة. وقال الدارمي: لاس بن حمير. نا خليفة بن خياط قال: ومن خشين وهو وائل بن النمر بن ثعلب بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة أبو ثعلبة الخشني. من ساكني الشام. قال أبو بكر بن البرقي: وكان ممن بايع تحت الشجرة. قال أبو نعيم الحافظ: لاشر بن حمير، ويقال: لاشومة بن جرثوم، ويقال: ناشب بن عمرو، وقيل: لاشن بن جلهم، وقيل: عرنوق بن ناشم وقيل: ناشر وقيل: جرثمة بن ناشب، وقيل: جرهم بن ناشم، وقيل: جرثوم، أبو ثعلبة الخشني. قال ابن ماكولا: أما خشين بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة فهو: خشين بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. وإليه ينسب أبو ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ . بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وضرب له بسهمه يوم

стр. 10099

حنين، وأرسله إلى قومه فأسلموا. وأخوه عمرو بن جرهم أسلم على عهد رسول الله ﷺ . وهما من ولد لبوان بن مر بن خشين. قال أبو ثعلبة الخشني: أتيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: نويئبة. فقلت: يا رسول الله، نويئبة خير أو نويئبة شر؟ قال: بل نويئبة خير، لا تأكلوا الحمار الأهلي، ولا ذا ناب من السبع. نا أحمد بن يحيى ثعلب: قال في الحديث: نويئبة خير ونويئبة شر أي نائبة، تصغير. عن محجن بن وهب قال: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول الله ﷺ ، وهو يجهز إلى خيبر، فأسلم، وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين، فنزلوا على أبي ثعلبة، فأسلموا، وبايعوا، ورجعوا إلى قومهم. عن أبي ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام، قال رسول الله ﷺ : من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله بفضل رحمته إياهما الجنة، فلقيني أبو هريرة فقال لي: أنت الذي قال له رسول الله ﷺ في الولدين ما قال؟ قال: قلت له: نعم. قال: لأن يكون قالها لي أحب إلي مما أغلقت عليه حمص وفلسطين. وعن أبي ثعلبة قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، اكتب لي بأرض كذا وكذا لأرض

стр. 10100

بالشام لم يظهر عليها النبي ﷺ حينئذ فقال النبي ﷺ : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا؟! فقال أبو ثعلبة: والذي نفسي بيده لتظهرن عليها. قال: فكتب له بها. قال: فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض صيد، فماذا يحل لنا من ذلك، وما يحرم علينا؟ قال نبي الله ﷺ : إذا أرسلت كلبك المعلم أو المكلب، شك الراوي وذكرت اسم الله، فأخذ، أو قتل فكل، وإذا أرسلت كلبك الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكل، وما لم تدرك ذكاته فلا تأكل، وما رد سهمك فكل. قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهلها أهل الكتاب، وإنا نحتاج إلى قدورهم وآنيتهم، قال: فلا تقربوها ما وجدتم بداً، فإذا لم تجدوا بداً فاغسلوها بالماء، ثم اطبخوا وأشربوا. قال: ونهى رسول الله ﷺ عن لحم الحمار الأهلي، وعن كل سبع ذي ناب. قال: فزعموا أنهم لما ظهروا على الشام أخرج كتاب رسول الله ﷺ فأعطي ما فيه. عن أبي ثعلبة الخشني قال: كان أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل يتناجيان بينهما بحديث، فقلت لهما: ما حفظتما وصية رسول الله ﷺ في! قال: وكان أوصاهما بي قالا: ما أردنا أن ننتجي بشيء دونك، إنما ذكرنا حديثاً حدثنا رسول الله ﷺ ؛ فجعلا يتذاكرانه، قالا: إنه بدأ هذا الأمر نبوةً ورحمةً، ثم كائن خلافةً ورحمةً، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية وفساداً في الأمة؛ فيستحلون الحرير والخمر وفي رواية: الخمور والفروج والفساد في الأمة وفي رواية: وفساداً في الأرض ينصرون على ذلك، ويرزقون أيداً حتى يلقوا الله وفي رواية: ثم كانت في المواضع الثلاثة. عن إسماعيل بن عبيد الله قال: بينا أبو ثعلبة الخشني وكعب جالسين ذات يوم إذ قال أبو ثعلبة: يا أبا إسحاق، ما من عبد تفرغ لعبادة الله إلا كفاه الله مؤونة الدنيا. قال: أشيء سمعته من

стр. 10101

رسول الله ﷺ أم شيء تراه؟ قال: بل شيء أراه. قال: فإن في كتاب الله المنزل: من جمع همومه هماً واحداً، فجعله في طاعة الله كفاه الله ما همه، وضمن السماوات والأرض رزقه، فكان رزقه على الله، وعمله لنفسه، ومن فرق همومه، فجعل في كل واد هماً لم يبال الله في أيها هلك. ثم تحدثا ساعةً، فمر رجل يختال بين بردين، فقال أبو ثعلبة: يا أبا إسحاق، بئس الثوب ثوب الخيلاء. فقال: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء تراه؟ قال: بل شيء أراه. قال: فإن في كتاب الله المنزل: من لبس ثوب خيلاء لم ينظر الله إليه حتى يضعه عنه، وإن كان يحبه. قال ناشرة بن سمي: ما رأينا أصدق حديثاً من أبي ثعلبة الخشني، لقد صدقنا حديثه في الفتنة الأولى فتنة علي. وكان أبو ثعلبة لا يأتي عليه ليلة إلا خرج ينظر إلى السماء، فينظر كيف هي، ثم يرجع، فيسجد. قال أبو زرعة: غزا أبو ثعلبة الخشني القسطنطينية مع يزيد بن معاوية سنة خمس وخمسين. عن الوليد بن مسلم أن أبا ثعلبة الخشني كان يقول: إني لأرجو ألا يخنقني الله كما يخنقكم. فبينما هو في صرحة داره إذ نادى: يا عبد الرحمن وقد قتل عبد الرحمن جاء رسول الله ﷺ . فلما أحس بالموت أتى مسجد بيته، فخر ساجداً، فمات وهو ساجد. وعن أبي الزاهرية أن ابنة أبي ثعلبة رأت أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعةً، فنادت أمها: أين

стр. 10102

أبي؟ قالت: في مصلاه، فنادته، فلم يجبها، فأنبهته، فوجدته ساجداً، فحركته، فوقع لحينه ميتاً. مات أبو ثعلبة الخشني بالشام سنة خمس وسبعين.

стр. 10103

حرف الجيم أبو الجرح الغساني قال أبو الجراح: كانت أمي من ذلك السبي يومئذ يعني يوم أغار خالد بن الوليد على غسان بمرج راهط يوم قضمهم قبل افتتاحهم دمشق. قال: فلما رأت هدى المسلمين وصلاحهم وحسن صلاتهم، وما هم فيه وقع الإسلام في قلبها، فأعجبها ما رأت منهم، فأسلمت، فكانت مع المسلمين. ثم إن أبي طلبها في السبي، فوجدها، فجاء إلى المسلمين، فقال لهم: يا أهل الإسلام، إني امرؤ مسلم، وقد جئتكم مسلماً، وهذه امرأتي قد أصبتها، فإن رأيتم أن تصلوني بها، وتحفظوا حقي، وتردوا علي أهلي فعلتم. قال: وقد كانت امرأته أسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها المسلمون: ما تقولين في زوجك، فقد جاء يطلبك، وهو مسلم؟ فقالت: إن كان مسلماً رجعت إليه، وإن لم يكن مسلماً فلا حاجة لي فيه، ولست براجعة إليه. فلما عرفت إسلامه طابت نفسها بالرجوع، فدفعوها إليه. أبو الجعد السائح بلغ في سياحته جبل لبنان من أعمال دمشق. قال أبو الجعد السائح: رأيت رجلاً حسن الوجه كأنه الشن البالي بجبال لبنان، وعليه خرقة، وما معه

стр. 10104

شيء، ولا عليه غير تلك الخرقة، فسمعته يقول: مجزوء الخفيف شدّة الشّوق والهوى ... تركاني كما ترى أبو جعفر الصاحي عن محمد بن شعيب قال: كان معنا رجل يقرأ في حلقة المساكين، فقال لنا يوماً: ألا أحدثكم برؤيا رأيتها؟ قلنا: وما هي؟ قال: رأيت كأن طائراً وقع على جانب القبة، ثم مثل لي أنه صار رجلاً، فقال: فلان قدري، وفلان كذا، وأبو جعفر الصاحي نعم الرجل، وابن عمرو خير من يمشي على الأرض، وأنت يا فلان ميت غداً. فلما أصبحنا قلت: أرعاه ببصري. فقمت بعدما طلعت الشمس فإذا هو جالس في الصحن يتفلى، فقال لي: اسبق تأخذ السرير قبل أن تسبق إليه! قال: ثم انصرفت إلى البيت مستخفياً. فلما كان قبل الظهر ذكرت فقلت: أيش لو ذهبت حتى أنظر مصداق رؤيا هذا الرجل؟ فرحت إلى المسجد، فلقيت من يخبرني أنه قد مات. كذا في هذه الرواية. ورواها أحمد بن أنس بن مالك عن عباس، فقال بدل أبي جعفر الصاحي: أبو جفص عثمان بن أبي العاتكة، وهو الصواب. وهذه الرواية تصحيف، تصحف أبو حفص بأبي جعفر، وتصحف القاص بالصاحي. والله أعلم. أبو جعفر الخراساني الشافعي كان بدمشق. حكى عن الأصمعي قال: دخلت المقابر فإذا أنا بامرأة تبكي ابناً لها وهي تقول: من الكامل

стр. 10105

لمّا نشا ورجوته ذخري ... وظننت أن يقوى به ظهري ويكون من أعمامه خلفاً ... ويشدّ بعد تأطّرٍ أزري رشقته عن قوسٍ بلا وترٍ ... سهم المنون بمنزلٍ قفر ما زلت حتّى ذقت لوعتها ... وأمرّ منها لوعة الصّبر قال: ورأيت أخرى تبكي ابنها وتقول: من الكامل قد كنت آمله وأرجو نفعه ... وأعيذه بالله من حسد العدى وأزال أرقيه وأنفث حوله ... حتى تغطّي الصباح أستار الدّجى حذر العيون عليه إلاّ أنّه ... لا ينفع الحذر التمائم والرّقى أبنيّ قد أبليتني قبل البلى ... قدماً وقد أنسيتني ما قد مضى أمّا الفراق فقد شربت بكأسه ... فمتى يكون حبيب نفسي الملتقى أبو جعفر ابن بنت أبي سعيد الثعلبي حكى عن عبيد بن صرد أخي ضرار بن صرد أنه سمع رجلاً من ولد الربيع من خيثم يقول: كتب الربيع بن خيثم إلى أخ له: أما بعد، فرم جهازك، وافرغ من زادك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل الناس أوصياءك، ولا تجعل الدنيا من أكبر همك؛ فإنه لا عوض من تقوى الله، ولا خلف من الله. وروى عن حاجب بن أبي علقمة العطاردي قال: سمعت أبي يقول: قال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابن أخيه: يا بن أخي، إذا كانت لك حاجة إلي فاكتب بها إلي في رقعة؛ فإني أصون وجهك عن ذل السؤال.

стр. 10106

أبو جعفر بن ماهان الرازي روى عن هشام بن عمار، نا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد السكوني يقول: إن المؤمن ليقول قولاً، فلا يدعه الله وقوله حتى ينظر في عمله، فإن كان عمله موافقاً لقوله لم يدعه حتى ينظر ما نوى به، فإن سلمت له النية فبالأحرى أن يسلم له سائر ذلك. إن المؤمن ليقول قولاً يوافق قوله عمله، وإن المنافق ليقول بما نعلم، ويفعل بما ننكر. أبو جعفر الحداد الصوفي سافر، ودخل دمشق. وهو من أقران الجنيد بن محمد، ورويم بن يزيد، لقي أبا تراب النخشبي. عن أبي جعفر الحداد قال: كنت أختلف إلى الصوفية وأنا حدث، فلما كان ذلت يوم تبعني رجل يتعرض لي، فدفعته عن نفسي جهدي وطاقتي، فلازمني، حيثما مضيت وجئت وذهبت يتبعني. وخشيت أن يقطعني عن صحبة الفقراء ومجالستهم. وضاق بذلك صدري فخرجت يوماً إلى البرية، فتبعني، لا أكلمه، وهو لا يكلمني، كلما مشيت مشى، وإذا جلست جلس. فلما كان بعد ثلاثة أيام لا نأكل ولا نشرب، وجئنا إلى بئر طويل، فقلت له: لئن أنت أعفيتني منك، وانصرفت عني وإلا طرحت نفسي في هذا البئر! فلم يصدقني أني أفعل ذلك. فسكت، وجلس ناحيةً، فرميت نفسي في البئر، فوقعت على صخرة في وسط البئر، فجلست عليها، وبقي الرجل يصيح في الصحراء، وقد جعل التراب على رأسه، ويجيء كل ساعة يطلع في البئر. ثم هام على وجهه. فبقيت في البئر ثلاثة أيام على حالتي. فلما كان اليوم الرابع إذا حية عظيمة قد خرجت من ثقب في البئر، ودارت

стр. 10107

حول البئر على رأس الماء، فقلت في نفسي: قد أمرت في بأمر، مرحباً بحكم الله. فلما بلغت إلى عندي قاءت، فرمت شيئاً أصفر، كأنه صفرة البيض على وجه الماء. ومرت الحية، ورجعت في الثقب، فقلت: هذا، ما أشك، هو رزقي، فمسسته، وإذا فيه لين، فأخذته، وتذوقته، وإذا طعمه طيب، فأكلته، فوجدت فيه شبعاً. فلما كان اليوم الثاني إذا بالحية قد خرجت من الثقب، ودارت في البئر على رأس الماء حتى بلغت إلى عندي، فقاء مثل ذلك، فأخذته، وأكلته. فأقمت على هذا ثلاثة أيام، فكأني أنست بالموضع، وغمني فوات الصلوات. فخرجت الحية يوم الرابع، وانسابت في الحائط حتى صار رأسها عند رأس البئر، وذنبها في آخر البئر، وذنبها في آخر البئر، فثبتت رأسها، فوقع لي أنها تقول: تمسك بي، فتعلقت بها، وإذا هي قد رفعتني إلى رأس البئر. وخرجت، ودخلت إلى البصرة، وجئت إلى الفقراء، فحدثتهم، فدعوا لي دعاء رأيت بركته، ثم صرت إلى أهلي، فحدثتهم بقصتي. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو جعفر الحداد الكبير، بغدادي، من أقران الجنيد، ورويم، وكان أستاذ أبي جعفر الحداد الصغير. قال أبو جعفر الحداد: أشرف علي أبو تراب يوماً وأنا جالس على بركة في البادية، فيها ماء، ولي ستة عشر يوماً لم آكل، ولم أشرب من البركة، وأنا جالس. فقال لي: ما جلوسك؟ قلت: أنا بين العلم واليقين، أنظر من يغلب فأكون معه، فقال: سيكون لك شأن من الشأن. وقال: مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل، وأنا أعمل في السوق، وآخذ كل

стр. 10108

يوم أجرتي، ولا أنتفع منها بشربة ماء، ولا بدخلة حمام. وكنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونيزي، وأكون على حالي. قال أبو عمر الأنماطي: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يكتسب كل يوم ديناراً يتصدق به أو قال: ينفقه على الفقراء، وهو أشد الناس اجتهاداً، ويخرج بين العشاءين، فيتصدق من الأبواب، ولا يفطر إلا في وقت ما أحل الله عليه الميتة. وكان من رؤساء المتصوفة. قال محمد بن الهيثم: قال لي أبو جعفر الحداد: كنت أحب أن أدري كيف تجري أسباب الرزق على الخلق، فدخلت البادية بعض السنين على التوكل، فبقيت سبعة عشر يوماً لم آكل فيها شيئاً، فضعفت عن المشي، فبقيت أياماً أخر لم أذق فيها شيئاً حتى سقطت على وجهي، وغشي علي، وغلب علي القمل، شيء ما رأيت مثله، ولا سمعت به. فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب، فرأوني على تلك الحال، فنزل أحدهم عن راحلته، فحلق رأسي ولحيتي، وشق علي ثوبي، وتركني في الرمضاء وسار. فمر بي ركب آخر، فحملوني إلى حيهم، وأنا مغلوب، وطرحوني ناحيةً، فجاءتني امرأة، وحلبت على رأسي، وصبت اللبن في حلقي، ففتحت عيني قليلاً، فقلت لهم: أقرب المواضع منكم أين؟ قالوا: جبل الشراة. قال أبو جعفر: وحين سقطت كنت قد قبضت على حصاة، وجهدوا في البادية أن يفتحوا يدي فلم يطيقوا، وإذا هي حصاة كلما هممت برميها لم أجد إلى رميها سبيلاً، فدخلت بيت

стр. 10109

المقدس، واجتمع حولي الصوفية والحصاة في يدي أقلبها، فأخذها مني بعض الفقراء، وضرب بها الأرض، فتفتت، وخرج منها دودة صغيرة، ثم ضرب يده إلى ورقة فأخذها ووضعها على رأس الدودة، فلم تزل تسير حتى قورت الورقة وأنا أنظر إليها، فقلت: نعم يا سيدي، لم تطلعني على سبب مجاري الأرزاق إلا بعد حلق رأسي ولحيتي! قال محمد بن الهيثم: قلت لأبي جعفر الحداد: الناس يقولون: إنك أقمت في البادية سبعين يوماً ما أكلت فيها، ولا شربت، فحدثني؛ فقال: أنا معتمد التوكل، وأرى رزقي يجري على أيدي الناس. وكنت أريد أن يجيء به الجن أو الوحش، أو يخرج من الأرض، أو ينزل من السماء؛ فاعتقدت أني أدخل البادية، فإذا رأيت سواداً عدلت عنه. فأقمت أربعين يوماً ما أكلت، ولا شربت حتى ضعفت، فجئت إلى مصنع، فأخذت ماء، فغسلت وجهي ورجلي، واسترحت، ثم وجدت نصف دبة كان فيها قطران، قد مر عليها الحر والسيول، وقد استربت، فقمت، وأخذتها، وتركتها في حجري، ودققتها بين حجرين حتى صارت مثل السويق، فاستففتها، وشربت عليها الماء، فرجعت نفسي، فقمت، وطلبت السواد، فلما أشرفت عليهم ذبحوا وخبزوا، فأكلت واسترحت. ولم أزل أعدل إلى البوادي حتى أتيت مكة، وأقبل شعر رأسي ولحيتي يتناثر حتى دخلت مكة وأنا أقرع بغير لحة، وجلست في موضع، وأقبل الصوفية يذهبون ويجيئون، وينكرون، وبعضهم يقول: هو أبو جعفر، وبعضهم يقول: لا، حتى جاءني واحد منهم، فقال لي: أنت أبو جعفر الحداد؟ فقلت: نعم، فمضى وحشر علي الصوفية، وجلسوا حولي. فقال بعضهم، يا أبا جعفر، التوكل ما هو؟ فقلت: أيما أحب إليك؛ أصفه لك علماً، أو تراه حقيقة؟ فقال: أراه حقيقة، فقلت: حفل الرؤوس واللحى!

стр. 10110

قال أبو جعفر الحداد: إذا رأيت ضر الفقير في ثوبه فلا ترج خيره. وقال أبو جعفر الحداد: كنت بمكة، فطال شعري، ولم يكن معي قطعة آخذ بها شعري، فتقدمت إلى مزين توسمت فيه الخير، وقلت: تأخذ شعري لله؟ قال: نعم وكرامة. وكان بين يديه رجل من أبناء، فصرفه، وأجلسني، وحلق شعري، ثم دفع إلي قرطاساً فيه دراهم، وقال: استعن بها على حوائجك. فأخذتها، واعتقدت أني أدفع إليه أول شيء يفتح علي. قال: فدخلت المسجد، فاستقبلني بعض إخواني، وقال: خذ صرة أنفذها بعض إخوانك من البصرة فيها ثلاثمائة دينار. قال: فأخذت الصرة، وحملتها إلى المزين، وقلت: هذه ثلاثمائة دينار تصرفها في بعض أمورك، فقال لي: ألا تستحي يا شيخ؟ تقول لي: احلق شعري لله، ثم آخذ عنه شيئاً. انصرف عافاك الله! قال أبو جعفر الحداد: جئت الثعلبية وهي خراب، ولي سبعة أيام لم آكل، فدخلت القبة. وجاء قوم قراء يبكون، اصابهم جهد، وطرحوا أنفسهم على باب القبة، فجاء أعرابي على راحلة، وصب تمراً بين أيديهم، فاستقبلوا الأكل، ولم يقولوا لي شيئاً، ولم يرني الأعرابي. فلما كان بعد ساعة، فإذا الأعرابي جاء وقال لهم: معكم غيركم؟ فقالوا: نعم، هذا الرجل داخل القبة. قال: فدخل الأعرابي، وقال: أيش أنت؟ لم لم تتكلم؟ مضيت، فعارضني أن قد خلفت إنساناً لم تطعمه، ولم يمكني أن أمضي، وطولت علي الطريق، لأني رجعت عن أميال. وصب بين يدي التمر الكثير، ومضى. فدعوتهم، فأكلوا، وأكلت. أبو الجعيد شهد اليرموك.

стр. 10111

عن أبي الجعيد أنه أشار على المسلمين ببيات الروم، فقبلوا ذلك منه، فبعثوا معه خيلاً عظيمة، وأمروا أهل العسكر بإيقاد النيران. قال: فانطلق بهم أبو الجعيد على مدقة الطريق، وجسر الطريق حتى واقع عسكرهم، فقاتلوهم ملياً، فلما نشب القتال انحاز بهم في ظلمة الليل على الطريق التي أقبل عليها، والجسر. وتنادت الروم: إن العرب قد انهزمت، فخرجت الروم تراكض تؤم النيران، فتوقص منهم في وادي اليرموك أكثر من ثمانين ألفاً لا يعلم الآخر ما لقي الأول. أبو جلتا البهراني حمصي فارس. شهد حرب سليمان بن هشام بن عبد الملك لما وجهه يزيد بن الوليد لقتال عسكر أهل حمص الذين توجهوا إلى دمشق لطلب دم الوليد. وقتل أبو جلتا في ذلك الموكن بالسليمانية من قرى دمشق، بقرب عذرا. أبو الجلد التميمي عن أبي الجلدى التميمي قال: دخلت على عبد الملك بن مروان في الخصراء، وبين يديه كانون من فضة يوقد فيه بالعود الألنجوج. فقلت: زادك الله في النعمة عندي يا أمير المؤمنين، قال: أعجبك ما ترى يا أبا الجلد؟ قلت: إي والله يا أمي المؤمنين، فتمم الله ذلك برضوانه والجنة، قال: فلا يعجبك، هذا ابن هند ملك الناس أربعين سنة، عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، ذاك قبره!

стр. 10112

أبو جميع بن عمر بن الوليد ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي كان من أجواد بني أمية. قال الزبير بن بكار: ومن ولد عمر بن الوليد أبو جميع بن عمر بن الوليد. كان جواداً ممدحاً. يقول إبراهيم بن علي بن هرمة يمدحه: من البسيط من مبلغٌ عمراً عني بعسكره ... وقد يبلّغ عن ذي الحاجة الخبر أن قد أتى بامرئ ضخمٍ دسيعته ... أبي جميع، وأحياء بها عمر هل يفعل المرء إلاّ فعل والده ... أنّى تيّمم، والعيدان تعتصر أبو جميل القدريّ من الصدر الأول. أمر أبو إدريس الخولاني بترك مجالسته عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: لأن أسمع في ناحية المسجد بنار تحرق أحب إلي من أن أسمع ببدعة ليس لها مغير. ألا إن أبا جميل لا يؤمن بالقدر فلا تجالسوه. فانتقل من دمشق إلى حمص.

стр. 10113

أبو جندل بن سهيل سأل بلالاً عن المسح على الخفين بدمشق، فقال بلال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار عن مكحول قال: كان الحارث بن معاوية الكندي، وأبو جندل بن سهيل يتوضآن عند مطهرة باب البريد، فذكرا المسح على الخفين، فمر بهما بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، فسألاه عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: امسحوا على الخفين والخمار. وفي رواية أخرى: امسحوا على النصيف والموق قال أبو القاسم: أبو جندل بن سهيل اسمه عبد الله بن سهيل قتل يوم اليمامة، وأبو جندل هذا سأل بلالاً بدمشق في خلافة عمر، وهو غيره. عن نافع قال: لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار وأبي جندل كتب إلى أبي عبيدة في ذلك، وأمره أن يدعوهم على رؤوس الناس، فيسألهم: أحلال الخمر أم حرام؟ فإن قالوا: حرام

стр. 10114

فاجلدوهم ثمانين جلدة، واستتيبوهم، وإن قالوا: حلال فاضرب أعناقهم. فدعاهم، فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيوا، فلزموا البيوت، ووسوس أبو جندل. وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن أبا جندل قد وسوس إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج، فاكت إليه، وذكره. فكتب إليه: من عمر إلى أبي جندل: " إنَّ اللهَ لا يغفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به، ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لمَنْ يَشاءُ "، فتب، وارفع رأسك، وابرز، ولا تقنط؛ فإنه يقول: " يا عِباديَ الذينَ أَسْرَفُوا على أنفسِهم لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمةِ الله، إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنوبَ جميعاً إنه هُوَ الغفورُ الرحيمُ ". فلما قرأه عليه أبو عبيدة تطلق، وأسفر عنه. وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك. فبرزوا. وكتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، من استوجب الغير فغيروا عليه. ولا تعيروا أحداً فيفشوا فيكم البلاء. قالوا: وجاشت الروم: دعونا نغزهم، فإن قضى الله تعالى بالشهادة فذاك، وإلا عمدت للذي تريد. فاستشهد ضراب بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحدوا. أبو الجنوب المؤذن المؤدب مؤذن الضحاك بن قيس. عن عمر بن مهاجر: أن أبا الجنوب مؤذن الضحاك بن قيس كان معلم كتاب، فجاءه، فسلم عليه ثم قال: والله إني لأحبك أيها الأمير لله تعالى، فقال له الضحاك بن قيس: وأنا والله أبغضك لله تعالى. قال: ولم؟ قال: إنك ترتشي في التعليم، وتبغي في التأذين.

стр. 10115

أبو الجهم بن كنانة الكلبي من خاصة الحجاج بن يوسف. وفد على عبد الملك بن مروان برأس قطري بن الفجاءة الخارجي لما قتل بطبرستان، وولي عمالة الري، ثم وفد مرة أخرى على الوليد بن عبد الملك مع آل الحجاج بن يوسف بعد موته قيماً عليهم، وحافظاً لهم. أبو الجلاس العبدي كانت له قطيعة بدمشق. وكان في عقله شيء. عن عطية بن قيس قال: خرج أبو الدرداء، حتى إذا خرج، أتى الدرج، رفع يديه وأصحابه. قال: فعاب الناس ذلك عليه، وأبو الجلاس. قال: فقال أبو الدرداء: أن تعيبوا علينا أن نرفع أيدينا في الدنيا خير من أن تسلك في الأغلال يوم القيامة. قال أبو الدرداء: إنا لنعرف خياركم من شراركم. فذهب أبو الجلاس إلى معاوية، فقال: هذا أبو الدرداء يزعم أنه يعلم الغيب، يزعم أنه يعرف خيارنا من شرارنا. فبعث إليه معاوية فقال: يا أبا الدرداء، ما هذا الذي يقول أبو الجلاس؟ زعم أنك تعلم الغيب؛ أنك تعلم خيارنا من شرارنا! فقال أبو الدرداء: نعم، خيراكم الذين إذا ذكرنا أعانونا، وإذا نسينا ذكرونا. وشراركم الذين إذا لم يعينونا، وإذا نسينا لم يذكرونا، والذين يتخذون مجالس الذكر هجراً، ولا يأتون الصلاة إلا دبراً. قال: فقال معاوية لأبي الجلاس: خذها إليك حكمة غير جلاسية. حرف الحاء أبو حارثة أظنه ابن عراك بن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المري.

стр. 10116

قال ابن عراك: مات خالد بعد سعيد بن عبد العزيز بنحو من سنة، وهو ابن تسع وثمانين سنة. يكنى أبا هاشم. أبو الحارث الصوفي حدث عن أبي الحسن علي بن خشاف، عن الجنيد قال: قال لي سري السقطي: وقفت على راهب، فناديته، فأشرف علي، فقلت: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال منذ ثلاثين سنة. قال: فقلت: فأيش ورثك الله؟ قال: فقال لي: هل رأيت وزيراً قط أخرج سر خليفته؟ قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو الحارث الدمشقي. صحب الزقاق الكبير. كان من السائحين. أبو حازم الأسدي الخناصري حكى عن عمر بن عبد العزيز، ووفد عليه إلى دمشق. قال: قدمت دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، والناس رائحون إلى الجمعة فقلت: إن أنا صرت إلى الموضع الذي أريد نزوله فاتتني الصلاة، ولكن أبدأ بالصلاة، فصرت إلى باب المسجد، فإذا أمير المؤمنين على الأعواد يخطب الناس، فلما بصر بي عرفني، فناداني: يا أبا حازم إلي مقبلاً. فلما أن سمع الناس نداء أمير المؤمنين بي أوسعوا لي، فدنوت من المحراب، فلما أن نزل أمير المؤمنين فصلى بالناس، التفت إلي فقال: يا أبا حازم، متى قدمت بلدنا؟ قلت: الساعة، وبعيري معقول بباب المسجد، فلما أن تكلم عرفته، فقلت: أنت عمر بن عبد العزيز؟! قال: نعم، قلت له: تالله لقد كنت عندنا بالأمس بخناصرة أميراً لعبد الملك بن مروان، فكان وجهك وضيئاً، وثوبك

стр. 10117

نقياً، ومركبك وطيئاً، وطعتامك شهياً، وحرسك شديداً، فما الذي غيرك وأنت أمير المؤمنين؟! قال لي: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول. وفي رواية: إن بين أيديكم عقبة كؤوداً مضرسة لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول. قال: فبكى بكاء طويلاً ثم قال لي: يا أبا حازم، ألا ينبغي لي أن أضمر نفسي لتلك العقبة؟ فعسى أن أنجو منها يومئذ، وما أظن أني مع هذا البلاء الذي ابتليت به من أمور الناس بناج! ثم رقد، ثم تكلم الناس، فقلت: أقلوا الكلام، فما فعل به ما ترون إلا سهر الليل. ثم تصبب عرقاً في نوم الله أعلم كيف، ثم بكى حتى علا نحيبه، ثم تبسم، فسبقت الناس إلى كلامه، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت منك عجباً، إنك لما رقدت تصببت عرقاً حتى ابتل ما حولك، ثم بكيت حتى علا نحيبك، ثم تبسمت. فقال لي: وقد رأيت ذلك؟ قلت: نعم، من كان حولك من الناس رآه. فقال لي: يا أبا حازم، إني لما وضعت رأسي فرقدت رأيت كأن القيامة قد قامت، واجتمع الخلق، فقيل: إنهم عشرون ومائة صف ملء الأفق، أمة محمد ﷺ من ذلك ثمانون " مُهْطِعين إلى الدّّاعِ "، ينتظرون متى يدعون إلى الحساب إذ نودي: أين عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق؟ فأجاب، فأخذته الملائكة، فأوقفوه أمام ربه، فحوسب، ثم نجا، فأخذ به ذات اليمين. ثم نودي بعمر، فقربته الملائكة، فأوقفوه أمام ربه، فحوسب، ثم نجا، ثم أمر به وبصاحبه إلى الجنة. ثم نودي بعثمان، فحوسب، ثم أمر به إلى الجنة. فلما قرب الأمر مني أسقط في يدي. ثم جعل يؤتى بقوم لا أدري ما حالهم، ثم نودي: أين عمر بن

стр. 10118

عبد العزيز؟ فتصببت عرقاً. ثم سئلت عن الفتيل والنقير والقطمير، وعن كل قضية قضيت بها. ثم غفر لي. فمررت بجيفة ملقاة، فقلت للملائكة: من هذا؟ قالوا: إنك إن كلمته كلمك. فوكزته برجلي، فرفع رأسه إلي، وفتح عينيه. فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال: ما فعل الله بك؟ فقلت: تفضل علي، وفعل بي ما فعل بالخلفاء الأربعة الذين غفر لهم، وأما الباقون فلا أدري ما فعل بهم، فقال لي: هنيئاً لك ما صرت إليه، قلت: من أنت؟ قال: أنا الحجاج، قدمت على الله، فوجدته شديد العقاب، فقتلني بكل قتيل قتلته، وها أنا ذا موقوف بين يدي الله أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم؛ إما في جنة وإما إلى نار. قال أبو حازم: فعاهدت الله تعالى بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز ألا أقطع على أحد بالنار ممن يموت يقول: لا إله إلا الله. أبو حديرة ويقال أبو حديرج ويقال: أبو حدير الجذامي ويقال: الأجذمي، ويقال: اللخمي. ثم من بني جذيم بن لخم أدرك النبي ﷺ ، شهد خطبة عمر بالجابية. عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد العزيز بن مروان سأل عمن شهد خطبة عمر هذه، فأخبروه بسفيان بن وهب، فأرسل إليه، فأتاه، فقال: أشهدت خطبة عمر بالجابية؟ فقال: نعم شهدتها. قال: قال عمر: قد اجتمعت هذه الموال، فأنا قاسمها على من أفاءها الله عليه إلا هذين الحيين من لخم وجذام. فقام أبو حديرة الجذامي، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعدل. فقال عمر: العدل أردت، والله؛ أجعل أقواماً أنهكوا الظهر، وشدوا الغرض، وساحوا في

стр. 10119

البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟ فلو أن الهجرة كانت بصنعاء ما هاجر من لخم وجذام أحد! فقال أبو حديرة: إن الله وضعنا في بلاده بحيث شاء، ثم ساق إلينا الهجرة، فأسلمنا، وقاتلنا، ونصرنا، فذلك الذي يقطع بحظنا! فقال عمر: لكم حظكم مع المسلمين. عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه: أن عبد العزيز بن مروان قال لكريب بن أبرهة: أحضرت عمر بن الخطاب بالجابية؟ قال: لا، قال: فمن يحدثنا عنها؟ قال كريب: إن بعثت إلى سفيان بن وهب الخولاني حدثك عنها. فأرسل إليه، فقال: حدثني عن خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية. قال سفيان: إنه لما اجتمع الفيء أرسل أمراء الأجناد إلى عمر بن الخطاب أن يقدم بنفسه، فقدم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن هذا المال نقسمه على من أفاء الله عليه بالعدل إلا هذين الحيين من لخم وجذام، فلا حق لهم فيه. فقام إليه أبو حديرة الأجذمي، فقال: ننشدك الله يا عمر في العدل! فقال عمر: العدل أريد: أنا أجعل أقواماً أنفقوا في الظهر، وشدوا الغرض، وساحوا في البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟ ولو أن الهجرة كانت بصنعاء أو عدن ما هاجر إليها من لخم وجذام أحد! فقام أبو حديرة، فقال: إن الله وضعنا من بلاده حيث شاء، وساق إلينا الهجرة في بلانا، فقبلناها، ونصرناها، أفذلك يقطع حقنا يا عمر؟ قال: لكم حقكم مع المسلمين. ثم قسم، فكان للرجل نصف دينار. فإذا كانت معه امرأته أعطاه ديناراً. ثم دعا ابن قاطوراء صاحب الأرض، فقال: أخبرني ما يكفي الرجل من القوت في الشهر، وفي اليوم. فأتي بالمدي والقسط، فقال: يكفيه هذان المديان في الشهر، وقسط زيت، وقسط خل.

стр. 10120

فأمر عمر بمديين من قمح، فطحنا، ثم عجنا، ثم خبزا، ثم أدمهما بقسطين من زيت، ثم أجلس عليهما ثلاثين رجلاً، فكان كفاك شبعهم. ثم أخذ عمر المديين بيمينه، والقسط بيساره، ثم قال: الله لا أحل لأحد أن ينقصهما بعدي، اللهم فمن نقصهما فانقص من عمره. فغضب عبد العزيز وقال: إنك شيخ قد خرفت! ثم قال عمر بن الخطاب: هل من شراب؟ فقال: عندنا العسل لا يسيغ، وعندنا شراب نشربه من العنب. فدعا به عمر، فأتي به، وهو مثل الطلاء، طلاء الإبل، فأدخل عمر فيه اصبعه، ثم قال: ما أرى بهذا بأساً. أبو حرب اليماني المبرقع الذي زعم أنه السفياني. خرج على السلطان بفلسطين، ودعا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ثم قتل بناحية دمشق. قال أبو جعفر الطبري: ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين. كان فيها من الأحداث: خروج أبي حرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخلافه على السلطان. ذكر لي بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبر أمره أن سبب خروجه على السلطان كان لأن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها، وفيها إما زوجته، وإما أخته. فمانعته عن ذلك، فضربها بسوط معه، فاتقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها، فأثر فيها. فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت، وشكت إليه ما فعل بها، وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربه. فأخذ أبو حرب سيف ومشى إلى الجندي وهو غار، فضربه حتى قتله، ثم هرب، وألبس وجهه برقعاً كيلا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن. وطلبه السلطان فلم يعرف له خبراً.
следующие страницы →