← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

قال ابن عراك: مات خالد بعد سعيد بن عبد العزيز بنحو من سنة، وهو ابن تسع وثمانين سنة. يكنى أبا هاشم. أبو الحارث الصوفي حدث عن أبي الحسن علي بن خشاف، عن الجنيد قال: قال لي سري السقطي: وقفت على راهب، فناديته، فأشرف علي، فقلت: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال منذ ثلاثين سنة. قال: فقلت: فأيش ورثك الله؟ قال: فقال لي: هل رأيت وزيراً قط أخرج سر خليفته؟ قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو الحارث الدمشقي. صحب الزقاق الكبير. كان من السائحين. أبو حازم الأسدي الخناصري حكى عن عمر بن عبد العزيز، ووفد عليه إلى دمشق. قال: قدمت دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، والناس رائحون إلى الجمعة فقلت: إن أنا صرت إلى الموضع الذي أريد نزوله فاتتني الصلاة، ولكن أبدأ بالصلاة، فصرت إلى باب المسجد، فإذا أمير المؤمنين على الأعواد يخطب الناس، فلما بصر بي عرفني، فناداني: يا أبا حازم إلي مقبلاً. فلما أن سمع الناس نداء أمير المؤمنين بي أوسعوا لي، فدنوت من المحراب، فلما أن نزل أمير المؤمنين فصلى بالناس، التفت إلي فقال: يا أبا حازم، متى قدمت بلدنا؟ قلت: الساعة، وبعيري معقول بباب المسجد، فلما أن تكلم عرفته، فقلت: أنت عمر بن عبد العزيز؟! قال: نعم، قلت له: تالله لقد كنت عندنا بالأمس بخناصرة أميراً لعبد الملك بن مروان، فكان وجهك وضيئاً، وثوبك

стр. 10117

نقياً، ومركبك وطيئاً، وطعتامك شهياً، وحرسك شديداً، فما الذي غيرك وأنت أمير المؤمنين؟! قال لي: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول. وفي رواية: إن بين أيديكم عقبة كؤوداً مضرسة لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول. قال: فبكى بكاء طويلاً ثم قال لي: يا أبا حازم، ألا ينبغي لي أن أضمر نفسي لتلك العقبة؟ فعسى أن أنجو منها يومئذ، وما أظن أني مع هذا البلاء الذي ابتليت به من أمور الناس بناج! ثم رقد، ثم تكلم الناس، فقلت: أقلوا الكلام، فما فعل به ما ترون إلا سهر الليل. ثم تصبب عرقاً في نوم الله أعلم كيف، ثم بكى حتى علا نحيبه، ثم تبسم، فسبقت الناس إلى كلامه، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت منك عجباً، إنك لما رقدت تصببت عرقاً حتى ابتل ما حولك، ثم بكيت حتى علا نحيبك، ثم تبسمت. فقال لي: وقد رأيت ذلك؟ قلت: نعم، من كان حولك من الناس رآه. فقال لي: يا أبا حازم، إني لما وضعت رأسي فرقدت رأيت كأن القيامة قد قامت، واجتمع الخلق، فقيل: إنهم عشرون ومائة صف ملء الأفق، أمة محمد ﷺ من ذلك ثمانون " مُهْطِعين إلى الدّّاعِ "، ينتظرون متى يدعون إلى الحساب إذ نودي: أين عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق؟ فأجاب، فأخذته الملائكة، فأوقفوه أمام ربه، فحوسب، ثم نجا، فأخذ به ذات اليمين. ثم نودي بعمر، فقربته الملائكة، فأوقفوه أمام ربه، فحوسب، ثم نجا، ثم أمر به وبصاحبه إلى الجنة. ثم نودي بعثمان، فحوسب، ثم أمر به إلى الجنة. فلما قرب الأمر مني أسقط في يدي. ثم جعل يؤتى بقوم لا أدري ما حالهم، ثم نودي: أين عمر بن

стр. 10118

عبد العزيز؟ فتصببت عرقاً. ثم سئلت عن الفتيل والنقير والقطمير، وعن كل قضية قضيت بها. ثم غفر لي. فمررت بجيفة ملقاة، فقلت للملائكة: من هذا؟ قالوا: إنك إن كلمته كلمك. فوكزته برجلي، فرفع رأسه إلي، وفتح عينيه. فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال: ما فعل الله بك؟ فقلت: تفضل علي، وفعل بي ما فعل بالخلفاء الأربعة الذين غفر لهم، وأما الباقون فلا أدري ما فعل بهم، فقال لي: هنيئاً لك ما صرت إليه، قلت: من أنت؟ قال: أنا الحجاج، قدمت على الله، فوجدته شديد العقاب، فقتلني بكل قتيل قتلته، وها أنا ذا موقوف بين يدي الله أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم؛ إما في جنة وإما إلى نار. قال أبو حازم: فعاهدت الله تعالى بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز ألا أقطع على أحد بالنار ممن يموت يقول: لا إله إلا الله. أبو حديرة ويقال أبو حديرج ويقال: أبو حدير الجذامي ويقال: الأجذمي، ويقال: اللخمي. ثم من بني جذيم بن لخم أدرك النبي ﷺ ، شهد خطبة عمر بالجابية. عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد العزيز بن مروان سأل عمن شهد خطبة عمر هذه، فأخبروه بسفيان بن وهب، فأرسل إليه، فأتاه، فقال: أشهدت خطبة عمر بالجابية؟ فقال: نعم شهدتها. قال: قال عمر: قد اجتمعت هذه الموال، فأنا قاسمها على من أفاءها الله عليه إلا هذين الحيين من لخم وجذام. فقام أبو حديرة الجذامي، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعدل. فقال عمر: العدل أردت، والله؛ أجعل أقواماً أنهكوا الظهر، وشدوا الغرض، وساحوا في

стр. 10119

البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟ فلو أن الهجرة كانت بصنعاء ما هاجر من لخم وجذام أحد! فقال أبو حديرة: إن الله وضعنا في بلاده بحيث شاء، ثم ساق إلينا الهجرة، فأسلمنا، وقاتلنا، ونصرنا، فذلك الذي يقطع بحظنا! فقال عمر: لكم حظكم مع المسلمين. عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه: أن عبد العزيز بن مروان قال لكريب بن أبرهة: أحضرت عمر بن الخطاب بالجابية؟ قال: لا، قال: فمن يحدثنا عنها؟ قال كريب: إن بعثت إلى سفيان بن وهب الخولاني حدثك عنها. فأرسل إليه، فقال: حدثني عن خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية. قال سفيان: إنه لما اجتمع الفيء أرسل أمراء الأجناد إلى عمر بن الخطاب أن يقدم بنفسه، فقدم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن هذا المال نقسمه على من أفاء الله عليه بالعدل إلا هذين الحيين من لخم وجذام، فلا حق لهم فيه. فقام إليه أبو حديرة الأجذمي، فقال: ننشدك الله يا عمر في العدل! فقال عمر: العدل أريد: أنا أجعل أقواماً أنفقوا في الظهر، وشدوا الغرض، وساحوا في البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟ ولو أن الهجرة كانت بصنعاء أو عدن ما هاجر إليها من لخم وجذام أحد! فقام أبو حديرة، فقال: إن الله وضعنا من بلاده حيث شاء، وساق إلينا الهجرة في بلانا، فقبلناها، ونصرناها، أفذلك يقطع حقنا يا عمر؟ قال: لكم حقكم مع المسلمين. ثم قسم، فكان للرجل نصف دينار. فإذا كانت معه امرأته أعطاه ديناراً. ثم دعا ابن قاطوراء صاحب الأرض، فقال: أخبرني ما يكفي الرجل من القوت في الشهر، وفي اليوم. فأتي بالمدي والقسط، فقال: يكفيه هذان المديان في الشهر، وقسط زيت، وقسط خل.

стр. 10120

فأمر عمر بمديين من قمح، فطحنا، ثم عجنا، ثم خبزا، ثم أدمهما بقسطين من زيت، ثم أجلس عليهما ثلاثين رجلاً، فكان كفاك شبعهم. ثم أخذ عمر المديين بيمينه، والقسط بيساره، ثم قال: الله لا أحل لأحد أن ينقصهما بعدي، اللهم فمن نقصهما فانقص من عمره. فغضب عبد العزيز وقال: إنك شيخ قد خرفت! ثم قال عمر بن الخطاب: هل من شراب؟ فقال: عندنا العسل لا يسيغ، وعندنا شراب نشربه من العنب. فدعا به عمر، فأتي به، وهو مثل الطلاء، طلاء الإبل، فأدخل عمر فيه اصبعه، ثم قال: ما أرى بهذا بأساً. أبو حرب اليماني المبرقع الذي زعم أنه السفياني. خرج على السلطان بفلسطين، ودعا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ثم قتل بناحية دمشق. قال أبو جعفر الطبري: ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين. كان فيها من الأحداث: خروج أبي حرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخلافه على السلطان. ذكر لي بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبر أمره أن سبب خروجه على السلطان كان لأن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها، وفيها إما زوجته، وإما أخته. فمانعته عن ذلك، فضربها بسوط معه، فاتقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها، فأثر فيها. فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت، وشكت إليه ما فعل بها، وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربه. فأخذ أبو حرب سيف ومشى إلى الجندي وهو غار، فضربه حتى قتله، ثم هرب، وألبس وجهه برقعاً كيلا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن. وطلبه السلطان فلم يعرف له خبراً.

стр. 10121

فكان أبو حرب يظهر بالنهار، فيقعد على الجبل الذي أوى إليه مبرقعاً، فيراه الرائي، فيأتيه، فيذكره، ويحرضه على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان وما يأتي إلى الناس، ويعيبه. فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له قوم من حراثي أهل تلك الناحية، وأهل القرى. وكان يزعم أنه أموي. فقال الذين استجابوا له: هذا السفياني. فلما كثرت غاشيته وتباعه من هذه الطبقة من الناس دعا أهل البيوتات من تلك الناحية، فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية منهم رجل يقال له: ابن بيهس، وكان مطاعاً في أهل اليمن، ورجلان آخران من أهل دمشق. فاتصل الخبر بالمعتصم، وهو عليل علته التي مات فيها، فوجه إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند. فلما صار إلى رجاء إليه وجده في عالم من الناس فذكر الذي أخبر بقصته أنه كان في زهاء مائة ألف فكره رجاء مواقعته، وعسكر بحذائه، حتى إذا كان أول عمارة الناس الأرضين وحراثتهم انصرف من كان من الحراثين مع أبي حرب إلى حراثته، وأرباب الأرضين إلى أراضيهم، وبقي أبو حرب في نفر في زهاء ألف أو ألفين ناجزه رجاء الحرب، فالتقى العسكران، عسكر رجاء وعسكر المبرقع، فلما التقوا تأمل رجاء عسكر المبرقع، فقال لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلاً له فروسية غيره، وإنه سيظهر لأصحابه من نفسه بعض ما عنده من الرجلة، فلا تعجلوا عليه. قال: فكان الأمر كما قال رجاء، فما لبث المبرقع أن حمل على عسكر رجاء، فقال رجاء لأصحابه: أفرجوا له. فأفرجوا له حتى جاوزهم، ثم كر راجعاً إلى عسكره نفسه. ثم أمهل رجاء، وقال لأصحابه: إنه سيحمل عليكم مرة أخرى، فأفرجوا له، فإذا أراد أن يرجع فحولوا بينه وبين ذلك، وخذوه. ففعل المبرقع ذلك؛ حمل على أصحاب رجاء، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ثم كر راجعاً، فأحاطوا به، وأخذوه، وأنزلوه عن دابته. قال: وقد كان قدم على رجاء حين كان ترك معاجلة المبرقع من قبل المعتصم

стр. 10122

مستحث، فأخذ الرسول فقيده إلى أن كان من أمره وأمر أبي حرب ما كان مما ذكرنا فأطلقه. فلما قدم رجاء بأبي حرب على المعتصم عذله المعتصم على ما فعل برسوله، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين، وجهتني في ألف إلى مائة ألف، فكرهت أن أعاجله فأهلك ويهلك من معي، ولا نغني شيئاً، فتملهت حتى خف من معه، ووجدت فرصة، ورأيت لحربه وربه وجهاً فناهضته وقد خف من معه، وهو في ضعف ونحن في قوة، وقد جئتك بالرجل أسيراً. وفي رواية أخرى أنه خرج سنة ست وعشرين ومائة، وأنه خرج بفلسطين أو بالرملة. أبو حرة الحجازي وفد على عبد الملك بن مروان، فأمر له بمائتي درهم، فكلمه بن الزبير فيه، فزادة مائة. أبو حريش الكناني من أهل دمشق. روى عن مكحول الدمشقي قال: شهدت مع أنس بن مالك جنازة بالبصرة، فرجعت معه إلى منزله، فأتى فراشاً له، فاضطجع عليه، ثم أخذ رائطة مصرية فغطى بها وجهه، ثم بكى، قال مكحول: فقلت: ما يبكيك يا أبا النضر؟! فوالله إنك لخادم رسول الله ﷺ ، وإنك لبخير، وإن في بيتك لطعاماً وشراباً؟ قال: ما على هذا أبكي، أبكي على هذه الأمة، أخاف

стр. 10123

عليها الشرك، والشهوة الخفية. قال مكحول: لا يجعل الله في هذه الأمة شركاً، قال: فقال أنس: وأنا من الأخرى أخوف. قال رسول الله ﷺ : من ركب فرسه، ثم استعرض أمتي يقتلهم بسيفه خرج من الإسلام، وأما الأخرى فانطلاق الرجل إلى جاره يخالفه في أهله. عن أبي الحريش الكناني قال: كنا في سنة خمس وثلاثين ومائة، وعبد الله بن علي يومئذ بدابق على صائفة الناس، ومعه من أهل الشام وغيرهم نحو من مائة ألف قال أبو الحريش: أظنه عام عمورية قلنا: وما ذاك يا أبا الحريش؟ قال: غزونا الصائفة مع عثمان بن حيان في خلافة يزيد بن عبد الملك حتى نزلنا على عمورية، وأقام عليها ستة وثلاثين منجنيقاً، وجد في حصارها، وقتالهم. إذ خرج رجل منا من كنانة، من أهل فلسطين إلى البراز في دير الحبيش الذي دونها، فكلمه الحبيش، وقال له في ذلك قولاً أتانا به عنه، فذهبنا به إلى عثمان بن حيان، فأخبره بمقالته، فركب معه حتى وقف على الحبيش، وأمر صاحبنا أن يكلمه، فتقدم، فكلمه، فقال: إني قد أخبرت أميرنا بمقالتك، وها هو ذا قد أحب أن يسمعه منك. قال الحبيش: أجل، هو كما قلت لك، لا تقدرون على فتحها حتى يكون الذي يبعثكم رجلاً من أهل بيت نبيكم، وحتى يكون فيكم قوم شعورهم شعور النساء، ولباسهم لبالس الرهبان، فيومئذ يفتحونها. فوالله، لكأني أنظر إليهم يدخلونها من هذا الباب، ويخرجون من ذاك. قال أبو الحريش: فعاد عثمان إلى منزله، وأمر بتحريق المجانيق، وأمر منادياً ينادي: يا أيها الناس، أصبحوا على ظهر مغيرين إلى داخل أرض الروم. ففعل الناس، فمضى، ثم قفل بنا. قال ابن ماكولا: حريش: بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالشين المعجمة.

стр. 10124

أبو حسان بن حسان البسري أخو أبي عبيد محمد بن حسان. حكى عن أخيه قال: قال لي أخي أبو عبيد البسري يوماً: يا أبا حسان، ما غمي، ولا أسفي إلا أن يجعلني ممن يعفا وفي رواية: ممن عفا عنه غداً. فقلت: يا أخي، الخلق على العفو تذابحوا، فقال: أجل، ولكن أيش يصبح لشيخ مثلي يوقف غداً بين يدي الله جل اسمه فيقال له: شيخ سوء كنت لي، اذهب، فقد عفونا عنك. أملي في الله جل اسمه أن يهب لي كل من اجتنى. وجاء ابن أبي حسان عبيد الله إليه، فقال: إني خرجت بجرة فيها سمن، فوقعت، فانكسرت، فذهب رأس مالي. فقال له: يا بني، اجعل رأس مالك رأس مال أبيك؛ فوالله ما لأبيك رأس مال في الدنيا والآخرة إلا الله . أبو الحسن بن جعفر المتوكل ابن محمد المعتصم بن هارون الرشيد ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي قدم مع أبيه المتوكل دمشق سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وكان يعرف بابن فريدة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين. أبو الحسن بعض إخوان أبي الميمون بن راشد. حكى عنه أبو الميمون قال: أنشدني أبو عبد الله الأعرابي: من الوافر إذا ضيّع أوّل كلّ أمرٍ ... أبت أعجازه إلاّ التواء

стр. 10125

وإن أتبعت رأيك رأي وغدٍ ... ضعيفٍ كان رأيكما سواء أبو الحسن الأعرابي الصوفي صاحب سياحة ورباط، صبور على الفقر، والشدائد. اجتاز بجبل لبنان من أعمال دمشق. أبو الحسن الأطرابلسي روى عن أحمد بن الفرج، نابقية، عن إبراهيم بن أدهم: إن الحكمة لتكون في جوف المنافق، فما تزال تجلجل في جوفه حتى يخرجها، فيتلقها المؤمن، فيعمل بها. أبو الحسن المعاني من أهل معان من البلقاء. أحد شيوخ الصوفية. له معاملات وكرامات. قال إبراهيم بن شيبان: خرجت مع أبي عبد الله المغربي على طريق تبوك، فلما أشرفنا على معان وكان له بمعان شيخ يقال له: أبو الحسن المعاني ينزل عليه، وما كنت رأيته قبل ذلك، وسمعت باسمه فوقع في خاطري: إذا دخلت إلى معان قلت له يصلح لنا عدساً بخلن فالتفت إلي الشيخ، فقال لي: احفظ خاطرك، فقلت له: ليس إلا خيراً. فأخذ الركوة من يدي. فجعلت أتقلب على الرمضاء وأقول: لا أعود، فلما رضي عني رد الركوة إلي، فلما دخلنا إلى معان قال لي الشيخ أبو الحسن: وما رآني قط قد عاد خاطرك على الجماعة، كل ما عندنا عدس بخل!

стр. 10126

أبو الحسن الدمشقي حكى عمن حدثه قال: كان لنا شيخ قد صحبناه نتأدب به. فكنا معه، فاشتد بنا الجوع، فشكونا إليه ما نجده من شدة الجوع، فقال: ويعرض لكم الجوع؟ ثم قال: أما إنكم لا تصحبوني بعدها. ثم أخذ إزاراً، فتباعد عنا، ونحن ننظر إليه، فجعل يسفي فيه الرمل. ثم جمع طرفيه، وحمله على كتفه، وجاءنا به، فوضعه بين أيدينا، ثم قال: كلوا، فإذا هو خبز حار، فأكلنا، ومضينا، وما قدرنا نصحبه بعدها. أبو الحسن الدويدة شاعر مشهور. حج، واجتاز بدمشق في طريقه. وقيل اسمه علي بن أحمد بن محمد. ومن شعره: من البسيط ستور بيتك ذيل الأمن منك وقد ... علقتها مستجيراً أيّها الباري وما أظنّك لمّا أن علقت بها ... خوفاً من النار تدنيني من النار وها أنا جار بيتٍ قلت أنت لنا: ... حجّوا إليه، وقد أوصيت بالجار وولد له ولد على كبر، فقال: من الوافر رزقتك يا محمد بعد يأس ... وقد شابت من الرأس القرون فبعضي ضاحكٌ طرباً وبعضي ... من الإشفاق مكتئبٌ حزين مخافة أن ترّوعك الليالي ... بفقدي، أو تعاجلك المنون وله في أبي اليسر شاكر بن زيد بن عبد الواحد بن سليمان: من الرمل يا أبا اليسر غدا اليس ... ر بكفّيك دفاقا فقت في السبق إلى السّؤ ... دد والمجد البراقا

стр. 10127

بالذي زادك ما زا ... د أعاديك احتراقا لا تقل إن لم أكن ذا ... حاجةٍ لا نتلاقى إنّما أدعوك للأم ... ر إذا اشتدّ وضاقا وله: من السريع يا سيدي خذ خبري جملةً ... وارث له مثلي له يرثى مجتمع لي باجتماعي مع ال ... قلة ما يتركني خنثى خبز شعيرٍ والثمانون وال ... عجور والرائب والقثا فهذه الأشياء لو جمّعت ... لآدمٍ لم يدن من أنثى وله: أبا الحسن استمع قولي وبادر ... إلى ما تشتهيه فدتك نفسي وكن مستشفعاً بأبي عليٍّ ... إلى ندمائنا ليتمّ أنسي فعندي عجّة تقلى بلوزٍ ... كلون التّبر من عشرٍ وخمس أجادت في صناعتها عجوز ... لها في القلي حسٌّ أيّ حسّ ولم أر قبل رؤيتها عجوزاً ... تصوغ من الكواكب عين شمس فدونكم إلي فإن يوماً ... أراكم حولها هو يوم عرسي

стр. 10128

ذكر من اسمه أبو الحسين أبو الحسين بن أحمد بن الطيب النصيبي الفقيه المعروف بالحكاك خرج من دمشق إلى مصر في صفر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة مستصرخاً إلى الملقب بالعزيز، ومستحثاً له بإخراج عسكر إلى الشام بسبب العدو، أنه قد نزل على حلب. أبو الحسين بن بنان المصري الصوفي صفةً وطريقةً. صحب أبا سعيد الخراز، وعمرو بن عثمان المكي، وأبا بكر محمد بن الحسن الزقاق. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو الحسين بن بنان. من أهل مصر. كان يبيع شقاق الصوف، وكان يجالس القوم ويخالطهم، فلما دخل أبو سعيد الخراز مصر ذكر له أمر أبي الحسين بن بنان، فقعد أبو سعيد على حانوته، فسأله أبو الحسين عن الضنة، فقال: ضنتك ألحن أو ضنة بك؟ فأنفق أبو الحسين جميع ماله على الفقراء، ولم يأخذ أبو سعيد من ماله شيئاً، ولم يأكل له لقمة، وقال: إن أكلت له لقمة لا يفلح أبداً. قال: وحكي لي عن محمد بن علي الكناني قال: ما أعلم أن أحداً خرج من الدنيا وليس في قلبه من الدنيا شيء إلا أبا الحسين بن بنان.

стр. 10129

وادعى في أبي الحسين بن بنان: عمرو المكي، وأبو سعيد الخراز، والزقاق، كلهم قالوا: إنه صاحبه، وبه تخرج، من فضله، وحسن سيرته. وسمعت الحسن بن أحمد يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت ابن بنان يقول: تشهى علي أبو سعيد الخراز كبولاً، فحملت إليه ستين عدلاً قنباً، وقلت: إلى أن أحمل إليك آلته. قال أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو الحسين بن بنان، ينتمي إلى أبي سعيد الخراز. من كبار مشايخ الصوفية. قال ابن بنان: كل صوفي كان هم الرزق قائماً في قلبه فلزوم العمل أقرب له، وعلامة سكون القلب إلى الله تعالى أن يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده. وفي رواية: أن يكون قوياً عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، وفقده إياها، ويكون بما في يد الله أقوى وأوثق منه بما في يده. وقال: اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبوا الحرام. وقال: اتفقت مع السجزي في السفر من طرابلس، فسرنا أياماً لم نأكل شيئاً، فرأيت قرعاً مطروحاً، فأخذت آكله، فالتفت إلي الشيخ، ولم يقل شيئاً، فرميت به، وعلمت أنه كره، ثم فتح علينا خمسة دنانير، فدخلنا قرية، فقلت: يشتري لنا شيئاً لا محالة، فمر ولم يفعل. ثم قال: لعلك تقول: نمشي جياعاً ولم يشتر لنا شيئاً هوذا نوافي اليهودية قرية على الطريق وثم رجل صاحب عيال إذا دخلناها يشتغل بنا، فأدفعه إليه لينفق علينا، وعلى عياله، فوصلنا إليها، ودفع الدنانير إلى الرجل،

стр. 10130

ولا نفقة؛ فلما خرجنا قال لي: إلى أين؟ فقلت: أسير معك، فقال: لا، إنك تخونني في قرعة وتصحبني، لا تفعل. وأبى أن أصحبه. وقال السلمي: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: سمعت أبا علي بن الكاتب يقول: كان ابن بنان يتواجد، وكان أبو سعيد الخراز يصفق له. قال السلمي: ثم وجد ابن بنان في آخر عمره مطروحاً على تل في التيه، وهو يجود بنفسه ويقول: اربع، فهذا مربع الأحباب قلت: وقال السلمي في كتاب طبقات أئمة الصوفية: ومنهم أبو الحسين بن بنان، وهو من جلة مشايخ مصر. صحب أبا سعيد الخراز، وإليه ينتمي. مات في التيه قال أبو عثمان: كان أبو الحسين يقول: الناس يعطشون في البراري، وأنا عطشان، وأنا على شط النيل. وقال: لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله. أبو الحسين بن حريش قاضي دمشق خلافةً لأبي عبد الله الحسين بن أبي زرعة محمد بن عثمان بن زرعة إلى أن مات ابن أبي زرعة.

стр. 10131

أبو الحسين بن عمرو بن محمد السلمي الداراني مات سنة ثمانين وأربعمائة، وكانت له يد في علوم شتى. ومات أبوه سنة ستين وأربعمائة. أبو الحسين الرائق المعري الشاعر قدم دمشق. وله فيها شعر سبق ذكره في أول الكتاب، يقول فيه من قصيدة: من الخفيف أبباب البريد أذكر وجدي ... أم بباب الجنان أم جيرون يقول فيها وهي في مدح أميرها ينجوتكين: عزماتٌ كأنّما خلقت من ... عزمات الأمير ينجوتكين يا أمير الجيوش شاعرك الرا ... ئق ربّ المثقفّ الموزون وله: من السريع وفي لي الدهر بموعودي ... وتابع النعمى بتجديد يا عمري زد في المدى فسحةً ... ويا ليالٍ ذهبت عودي وفيها: لمّا أثيرت من دمشق إلى ... وردٍ من الإنعام مورود لاذ بها سكّان جيرون عن ... وجدٍ وصبرٍ غير موجود وكان دمع القوم يجلى به ... سواد تلك الدّرج السّود وودّعت من ودّعت واغتدت ... تنصاع من بيدٍ إلى بيد تزاحم الثلج بمن حلقه ... يوقد ناراً بهوى الغيد

стр. 10132

أبو حفص الدمشقي كان بمصر. وأظن أن أبا حفص هذا عمر الدمشقي الذي روى عنه المصريون، والله أعلم. وحديثه عن مكحول: أن رجلاً قال لأبي أمامة الباهلي: الرجل استودعني الوديعة، أو يكون لي عليه دين يجحدني فيستودعني، أو يكون له عندي الشيء، أفأجحده؟ قال: لا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أبو حفص الدمشقي هذا مجهول، ومكحول لم يسمع عن أبي أمامة شيئاً. قاله الدارقطني. أبو حفص الدمشقي وأظنه هو عمرو بن أبي سلمة.

стр. 10133

أبو الحكم بن أبي الأبيض العبسي كان من أصحاب هشام بن عبد الملك، وبعثه خطيباً إلى مصر حين قتل زيد بن علي. أبو حلحة الفزاري من أهل دمشق. شاعر له ذكر. أبو حلحلة بن الرداد الشاعر من أهل دمشق. حكى عن أبي تمام الطائي الشاعر. وذكر عن أبي بكر بن النائحة: أن أبا تمام الطائي وافى دمشق، وجاء إلى باب أبي حلحلة فاستأذن عليه، فقال أبو حلحلة لغلامه: سله من هو؟ فقال: قل له: إذا صعدت إليك عرفتك. فأذن له، فصعد، وعليه ثوب كردواني. قال: فقلت له: من أخونا؟ فقال أبو تمام: وما جئت هذا البلد يعني دمشق إلا ملتمساً لقاءك. فقلت: أحب أن تنشدني شيئاً، فقال: من الطويل شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحّت كما محّت وشائع من برد

стр. 10134

إلى آخرها. فاستحسنها. قلت: مالي أرى عليك أثر خلة، وقد جئت من مصر؟ قال: أصبت في طريقي. فقلت: قل في الأمير مالك بن طوق شعراً وكان يتقلد دمشق فقال قصيدته التي يقول فيها: من البسيط سلّم على الجزع من سلمى بذي سلم ... عليه وسمٌ من الأيام والقدم وعنيت بوصوله إلى مالك بن طوق، فاستحسن شعره، وأمر له بمائتي دينار، وتختين ثياباً، وبغلة. فقلت لأبي تمام يمدح الكروس وتبوك، فإنهما شيخا دمشق. فمدحهما بقصيدة أولها: من الكامل ضحك الزمان وكان غير ضحوك ... بكروّس حلف النّدى وتبوك فأمر له كل واحد منهما بمائة دينار، وحسنت حاله. واجتذبه نوح بن عمرو بن حوي السكسكي إليه، فامتدحه أبو تمام بقصيدته التي يقول فيها: من الكامل يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً ولا معقولا لا تدعون نوح بن عمروٍ دعوةً ... في الخطب إلاّ أن يكون جليلا قال: فبره نوح بن عمرو، وأكرم مثواه. ثم خرج من دمشق.

стр. 10135

أبو حلخان الصوفي دمشقي، ويقال: حلبي. قال السلمي: أبو حلخان الحلبي. دخل دمشق. يحكى عنه في الشواهد والأرواح مناكير، إن صح عنه ذلك فما هو من القوم في شيء. وكان اسمه عليا، وكنيته أبا الحسن. وأبو حلخان لقب. وأصله من فارس، ودخل بغداد بعد رجوعه من الشام، ونزل الرميلة، ولم يكن مذهبه إن صح ما يحكى عنه في قدم الأرواح مذهب الصوفية، ولكنه كان ينتمي إليهم، ويقعد معهم. سمعت الحسن بن أحمد يقول: سمعت العباس يقول: رأيت أبا حلخان الحلبي راكعاً بين يدي شخص من أول الليل إلى آخره يبكي بين يديه. وذكر القشيري بسنده قال: سمع ابن حلخان الدمشقي طوافاً ينادي: يا سعتر بري، فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق سئل، فقال: حسبته يقول: أشنع تر بري. أبو حمزة الخراساني الصوفي من مشايخ الصوفية المعروفين. ينسب في بعض الروايات إلى دمشق، فيحتمل أن يكون سكنها، وإلا فهو من أهل خراسان، وهو معاصر الجنيد. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو حمزة الخراساني من أقران الجنيد وأقدم منه. كان يجالس الفقراء، وأظن أن أصله جرجرائي. وقيل: كان بنيسابور من أهل محلة ملقباذ، وسكنه ينسب إليه بعد.

стр. 10136

قال القشيري: هو من أقران الجنيد، والخراز، وأبي تراب النخشبي. وكان ورعاً ديناً. وقال السلمي في الطبقات: صحب مشايخ بغداد، وسافر مع أبي تراب النخشبي، وأبي سعيد الخراز. وهو من أفتى المشايخ وأورعهم. قال أبو حمزة: من استشعر ذكر الموت حبب إليه كل باق، وبغض إليه كل فان. وقال: العارف يدافع عيشه يوماً بيوم، ويأخذ عيشه يوماً ليوم. وقال له رجل: أوصني، فقال: هيئ زادك للسفر الذي بين يديك، فكأني بك وأنت في جملة الراحلين، وهيئ لنفسك منزلاً تنزل فيه إذا نزل أهل الصفوة منازلهم، لئلا تبقى متحسراً. وقال: انظر رسل البلايا، وسهام المنايا. وسئل عن الإخلاص، فقال: الخالص من الأعمال ما لا يحب أن يحمد عليه إلا الله وقال: كنت قد بقيت محرماً في عباء أسافر كل سنة ألف فرسخ، تطلع علي الشمس وتغرب، كلما أحللت أحرمت.

стр. 10137

وقال: حججت سنة من السنين، فبينا أنا أمشي في الطريق وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله لا أستغيث. فما استممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال حتى نسد رأس هذا البئر في هذا الطريق. فأتوا بقصب وبارية، فهممت أن أصيح، فقلت في نفسي: أصيح على من هو أقرب إلي منهما. فسكت حتى طووا رأس البئر، فإذا بشيء قد جاء وكشف رأس البئر وما عليها، ودلى رجليه في البئر كأنه يقول في مهمهة له: تعلق بي، من حيث كنت أفهم همهمته، فتعلقت به، فأخرجني من البئر، فنظرت إليه، فإذا هو سبع، وإذا هاتف يهتف بي وهو يقول: يا أبا حمزة، أليس ذا أحسن، نجيناك بالتلف من التلف، فمشيت وأنا أقول: من الطويل نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى ... وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف تلطفت في أمري فأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللّطف يدرك باللطف تراءيت لي بالغيب حتّى كأنّما ... تبشّرني بالغيب أنّك في الكفّ أراك وبي من هيبةٍ لك وحشةٌ ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف وتحيي محبّاً أنت في الحبّ حتفه ... وذا عجبٌ كون الحياة مع الحتف وقيل: إن صاحب هذه الحكاية أبو حمزة البغدادي، وقيل: الدمشقي. والله أعلم. قال أبو محمد الرصافي: خرج أبو حمزة، فسمع قائلاً يقول: من الكامل نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل قال: فسقط مغشياً عليه.

стр. 10138

قال القشيري: توفي أبو حمزة سنة تسعين ومائتين. قال أبو حمزة الخراساني: من نصح نفسه كرمت عليه، ومن تشاغل عن نصيحتها هانت عليه. وقال: الأنس ضيق الصدر في معاشرة الخلق. وقال: العارف يخاف زوال ما أعطي، والخائف يخاف نزول ما وعد. وقال: خف سطوة العدل، وارج رقة الفضل، ولا تأمن مكره وإن أنزلك الجنان، ففي الجنة وقع لأبيك آدم ما وقع، وقد يقطع بقوم فيها. فقال: " كُلُوا وأشْرَبُوا هَنِيئاً بما أَسْلَفْتُم في الأيَّامِ الْخَالِيةِ "، فشغلهم عنه بالأكل والشرب، ولا مكر فوق هذا، ولا حسرة أعظم منه. وقال: من خصه الله منه بنظرة شفقة فإن تلك النظرة تنزله منازل أهل السعادة، وتزينه بالصدق ظاهراً وباطناً. وقال: الصوفي من صفا من كل درن، فلا يبقى فيه وسخ المخالفة بحال. أبو حملة والد علي بن أبي حملة الدمشقي. أدرك معاوية. ذكره أبو زرعة في الطبقة الثالثة، وكذلك ابن سميع، وقال: هو مولى لقريش لأبي هاشم بن عتبة.

стр. 10139

كنى النساء على الحاء أم حبيب بنت فلان القرشية أدركت عصر النبي ﷺ ، وشهدت اليرموك. لها ذكر. قال أبو حذيفة البخاري: قالوا: وشد طرف من الروم على عمرو بن العاص، فانكشف هو وأصحابه حتى دخلوا أول العسكر، وهم في ذلك يقاتلون ويشدون، ولم ينهزموا هزيمة ولوا فيها الظهر. قالوا: فنزلت النساء من التل بعمدهن، يضربن وجوه الرجال. ونادت الناس ابنة ابن العاص، وقالت: قبح الله رجلاً يفر عن حليلته، وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته. قالوا: وسمع نسوة من نساء المسلمين يقلن: فلستم ببعولتنا إن لم تمنعونا. قال: فتراد المسلمون، وزحف عمرو وأصحابه حتى عادوا إلى قريب من موقفهم. ذكر أبو مخنف هذه القصة وقال: سمعت أم حبيب بنت العاص. أم حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوج يزيد بن معاوية. كتبت إلى النعمان بن بشير تسأله عن قصة زيد بن خارجة الأنصاري الذي تكلم بعد موته، فكتب إليها بذلك. وكانت تكنى أم عبد الله بابنها عبد الله.

стр. 10140

أم حرام بنت ملحان واسمه مالك، ويقال: ملحان بن مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأنصارية زوج عبادة بن الصامت، وخالة أنس بن مالك. لها صحبة، وخرجت مع زوجها عبادة غازية إلى الشام. وقدمت دمشق. عن أنس بن مالك، عن خالته أم حرام بنت ملحان أنها قالت: نام رسول الله ﷺ يوماً قريباً مني ثم استيقظ، فتبسم. فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ظهر هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، وجاوبها مثل جوابه الأول. قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين. قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيةً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان. فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين، فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها، فصرعتها، فماتت رحمها الله. قال خليفة بن خياط: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن النجار، وهي امرأة عبادة بن الصامت. أمها مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وذكر ابن سعد مثلما تقدم عن خليفة، وذكر تمام نسب عبادة، وقال: فولدت له محمداً، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن

стр. 10141

غنم بن مالك بن النجار، فولدت له: قيساً، وعبد الله. وأسلمت أم حرام، وبايعت رسول الله ﷺ . وقال أبو نعيم الحافظ: أم حرام بنت ملحان الأنصارية خالة أنس بن مالك، كانت تحت عبادة بن الصامت، وخرجت معه في بعض غزوات البحر، وماتت بالشام، وقبرت بقبرس، وقصتها بغلتها، فماتت. وأهل الشام يستسقون بها، يقولون: قبر المرأة الصالحة. قيل: اسمها الرميصاء، وقيل: الغميصاء أيضاً. وعن ثابت قال: قال أنس: دخل علينا رسول الله ﷺ ، وما هو إلا أنا وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: قوموا فلأصل بكم في غير وقت صلاة، قال: فصلى بنا صلاةً قال رجل من القوم لثابت: أين جعل أنساً؟ قال: جعله عن يمينه قال: ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة. عن قتير حاجب معاوية، قال: كان أبو ذر يغلظ لمعاوية. قال: فأرسل إلى عبادة بن الصامت، وإلى أبي الدرداء، وإلى عمرو بن العاص، وإلى أم حرام، فأجلسهم، وقال: كلموه. فذكر حكاية. عن أبي نصر بن ماكولا قال: أما حرام بحاء مهملة وراء أم حرام بنت ملحان خالة أنس بن مالك.

стр. 10142

قال أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زبر: سنة سبع وعشرين قيل فيها توفيت أم حرام بنة ملحان بقبرس، سقطت عن دابتها فماتت. أم الحكم بنت أبي سفيان صخر ابن حرب ابن أمية بن عبد شمس أخت أم حبيبة لأبيها، وأخت معاوية لأبيه وأمه، أمهما هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. أدركت النبي ﷺ ، وكانت ممن أسلم يوم الفتح، وبايعت رسول الله ﷺ ، وحكت عن أخيها. قال الزهري: دخلت على عروة بن الزبير وهو يكتب إلى هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك، وكان سأله عن قول الله : " يا أيُّها الذينَ آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامْتَحِنُوهُنّ "، فكتب إليه: إن رسول الله ﷺ صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن ولي، فكان يرد الرجال. فلما هاجر النساء أبى الله ذلك، أن يردهن إذا امتحن بمحنة الإسلام، فزعمت أنها جاءت راغبةً فيه، وأمره أن يرد صدقاتهن إليهم، إذا حبسوا عنهم، وأن يردوا عليهم مثل الذي يرد عليهم إن فعلوا، فقال: " واسألوا ما أنفقتم ". وصبحها أخواها من الغد، فطلباها، فأبى رسول الله ﷺ أن يردها إليهما، فرجعا إلى مكة، فأخبرا قريشاً، فلم يبعثوا في ذلك أحداً، ورضوا بأن يحبس النساء، " وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. وإن فاتكم

стр. 10143

شيءٌ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا "، قال، إن فات أحداً منهم أهله إلى الكفار، فإن أتتكم امرأة منهم فأصبتم غنيمةً أو فيئاً فعوضوهم مما أصبتم صداق المرأة التي أتتكم. فأما المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأبى المشركون أن يقروا بذلك، وأن ما فات للمشركين على المسلمين من صداق من هاجر من أزواج المشركين " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثلما أنفقوا " من مال المشركين في أيديكم. ولسنا نعلم امرأة من المسلمين فاتت زوجها بلحوق بالمشركين بعد إيمانها، ولكنه حكم الله، حكم الله به لأمر إن كان، والله عليم حكيم " ولا تمسكوا بعِصَم الكوافر " يعني من غير أهل الكتاب فطلق عمر بن الخطاب مليكة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وطلق عمر أيضاً بنت جرول الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة، وطلق عياض بن غنم الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان يومئذ، فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي، فولدت له: عبد الرحمن بن أم الحكم. عن عبد الرحمن بن أم الحكم، حدثتني أمي أم الحكم أنها كانت عند معاوية حين أغمي عليه، فأفاق، فأراد أن يريهم، فقال: من الوافر وهل من خالدٍ إمّا هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار وقال ابن سعد في تسمية النساء المسلمات: أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، وأمها هند بنت عتبة بن ربيعة، تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.

стр. 10144

وقال أبو زرعة فيمن حدث بالشام من النساء: أم الحكم بنت أبي سفيان. وذكرها في الإخوة والأخوات من ولد أبي سفيان. وذكرها ابن سميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام. أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية أمها فاطمة بنت الوليد بن المغيرة بن عبد الله. أخت خالد. وهي تنسب لها قنطرة أم حكيم بمرج الصفر. لها صحبة من النبي ﷺ ، واستأمنته لبعلها عكرمة بن أبي جهل، وخرجت معه إلى الشام غازية، فقتل عنها، فتزوجها خالد بن سعيد، وكانت يوم أحد مع زوجها قبل أن يسلما. عن عروة بن الزبير قال: كانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام عند عكرمة بن أبي جهل، وكانت فاختة بنت الوليد بن المغيرة عند صفوان بن أمية، فأسلمتا جميعاً، فأتت أم حكيم إلى النبي ﷺ فاستأمنته لعكرمة فآمنه. وزادت رواية أخرى: فاستأذنته في طلبه، فأذن لها، فخرجت في طلبه، وخرج معها عبد لها رومي، فأرادها عن نفسها، فلم تزل تعده وتقربه حتى قدمت على ناس من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه لها، ثم انطلقت حتى جاءت به إلى النبي ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه.

стр. 10145

وعن الزهري قال: إن نساءً من المسلمات أسلمن قبل أزواجهن، ثم أسلم أزواجهن بعدهن، فلم يفرق النبي ﷺ بينهم، منهن: أم حكيم بنت الوليد بن المغيرة. وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل. قال الزبير: وأم عبد الرحمن بن الحارث وأخته أم حكيم بنت الحارث فاطمة بنت الوليد بن المغيرة. وليس للحارث بن هشام ولد إلا من عبد الرحمن، ومن أم حكيم. كانت تحت عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها يوم اليرموك شهيداً، فخلف عليها خالد بن سعيد بن العاص، فقتل عنها يوم مرج الصفر شهيداً، فتزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له فاطمة بنت عمر، فتزوج فاطمة عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فولدت له عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد. قال ابن سعد في تسمية النساء المسلمات المبايعات: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقال محمد بن سعد: أنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: شهد خالد بن سعيد فتح أجنادين، وفحل، ومرج الصفر. وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها بأجنادين، فاعتدت عنه أربعة أشهر وعشراً، وكان يزيد بن أبي سفيان يخطبها، وكان خالد بن سعيد يرسل إليها في عدتها يتعرض للخطبة، فحطت إلى خالد بن سعيد، فتزوجها على أربعمائة دينار، فلما نزل المسلمون مرج الصفر أراد خالد أن يعرس بأم حكيم، فجعلت تقول: لو أخرت الدخول حتى يقض الله هذه الجموع. فقال خالد: إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم،

стр. 10146

قالت: فدونك. فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر. فبها سميت قنطرة أم حكيم. وأولم عليها في صح مدخله، فدعا أصحابه على طعام، فما فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها صفوفاً خلف صفوف، وبرز رجل منهم معلم يدعو إلى البراز، فبرز إليه أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري، فنهاه أبو عبيدة، فبرز حبيب بن مسلمة، فقتله حبيب ورجع إلى موضعه. وبرز خالد بن سعيد، فقالت، فقتل. وشدت أم حكيم بنت الحارث عليها ثيابها وعدت، وإن عليها لردع الخلوق في وجهها، فاقتتلوا أشد القتال على النهر، فصبر الفريقان جميعاً، وأخذت السيوف بعضها بعضاً، فلا يرمى بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يرمى بحجر، ولا يسمع إلا وقع السيوف على الحديد، وهام الرجال وأبدانهم. وقتلت أم حكيم يومئذ سبعة بعمود الفسطاط الذي بات فيه خالد بن سعيد معرساً بها. وكانت وقعة مرج الصفر في المحرم سنة أربع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب. وعن ابن مسهر أن عمر بن الخطاب تزوجها بعد خالد بن سعيد. قال أبو حذيفة: وكان أمر اليرموك أن الروم لما صافت سار هرقل إلى الروم حتى نزل أنطاكية ومعه المستعربة: لخم، وجذام، وبلقين، وبلي، وعاملة، وتلك القبائل من قضاعة، ومعه من أهل أرمينية اثنا عشر ألفاً، فلما نزل أنطاكية بعث القيقلان خصياً له فسار بمائة ألف، وسار في أهل أرمينية حبرجة، وسار في قبائل قضاعة جبلة بن الأيهم الغساني وسائرهم من الروم، وعلى جماعة الناس القيقلان الخصي، وسار المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفاً عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوا باليرموك في سنة خمس عشرة، فاقتتل الناس قتالاً شديداً، فقاتل نساء بالسيوف حتى دخل العسكر منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام.

стр. 10147

أم حكيم بنت يحيى ويقال: بنت يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومية. امرأة شاعرة. تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فطلقها، ثم تزوجها هشام بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن هشام. وإلى أم حكيم هذه ينسب سوق أم حكيم، وقصر أم حكيم الذي عند مرج الصفر. قال الزبير بن بكار: وولد يحيى بن الحكم أبا بكر بن يحيى، وأم حكيم، تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، ثم تزوج عليها بنتاً لأبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فحظيت بنت أبي بكر عنده، وأحبها، فطلق عنها أم حكيم، فتزوجها هشام بن عبد الملك. فلما مات عبد العزيز بن الوليد تزوج هشام بن عبد الملك امرأته الأخرى بنت أبي بكر، فجمع بين امرأتيه جميعاً: أم حكيم وبنت أبي بكر، ثم طلق بنت أبي بكر عن أم حكيم، وقال لأم حكيم: أرضيتك، أقدتك منها، طلقتها عنك كما طلقك عبد العزيز عنها. فولدت أم حكيم لهشام: مسلمة، ومحمداً، ويزيد، وأم يحيى، وأم هشام، وأم أبي بكر. وأم حكيم بنة يحيى أمها زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث الموصولة. وقال الوليد بن يزيد: من الخفيف علّلاني بعاتقات الكروم ... وبكأسٍ ككأس أمّ حكيم إنها تشرب الرّساطون صرفاً ... في إناءٍ من الزّجاج عظيم

стр. 10148

ومما يروى من شعر أم حكيم: من الطويل ألا فاسقياني من شرابكما الوردي ... وإن كنت قد انفدت فاسترهنا بردي سواري ودملوجي وما ملكت يدي ... مباحٌ لكم نهبٌ، فلا تقطعوا وردي وعن ابن دأب قال: دخل هشام بن عبد الملك على أم حكيم وهي مفكرة، فقال لها: في أي شيء أنت مفكرة يا أم حكيم؟ قالت: خير يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك لتخبرني، قالت: في قول جميل: من الطويل فما مكفهرٌ في رحى مرجحنّةٍ ... ولا ما أسرّت في معادنها النحل بأحلى من القول الذي قلت بعدما ... تمكن من حيزوم ناقتي الرّحل فليت شعري ما كانت قالت له حتى استحلاه ووصفه؟! لقد كنت أحب أن أعلم. فضحك هشام، ثم قال: هذا شيء أحب عمك يعني أباه أن يعلمه، وسأل عنه من سمع الشعر من جميل، فلم يعلمه، فقالت: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.

стр. 10149

حرف الخاء أبو خالد الحرسي من حرس عبد الملك بن مروان. أبو خالد القصاع حكى عن الحسن بن يحيى الخشني قال: سمعت الحسن وسئل: ما علامته في أوليائه؟ قال: توفيقهم في دار الدنيا للأعمال التي يرضى بها عنهم. أبو خداش بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي الهاشمي بن ابن عم النبي ﷺ . أبو خراسان بن تميم الفارسي أخو الليث بن تميم. ولي غازية البحر في خلافة الوليد وسليمان ابني عبد الملك. وكان يكون ببيروت وطرابلس من ساحل دمشق. وأثر في جهاد الروم آثاراً حسنةً.

стр. 10150

حدث الليث بن تميم الفارسي: أن سفن المسلمين بالشام كانت متفرقةً في ساحل الشام، فكانت طائفة منها باللاذقية بساحل حمص، وعليها سفيان الفارسي، وطائفة منها بأطرابلس ساحل دمشق أو قال: ببيروت وعليها أخي أبو خراسان الفارسي. وكان أيما رجل في كماله وبأسه قال سليمان بن أبي كريمة: ما رأيت مثله من رجال فارس فلم يزل الأمر كذلك حتى ولي الأمر عمر بن هبيرة، فعزل سفيان الفارسي أبا خراسان، وصاحب عكا عما كانوا يلون من ذلك، حملهم معه في مركبه لئلا يكون لهم الذكر دونه، وولى عليها رجالاً غيرهم. قال الوليد: وأخبرني الليث: أن ولاة غازية البحر في زمان الوليد بن عبد الملك: سحيم، وأبو خراسان، وسفيان؛ فكان سفيان الفارسي على سفن حمص بمدينة اللاذقية، وأبو خراسان على سفن دمشق بمدينة طرابلس، وسفن الأردن وفلسطين بعكا. فلما ولي سليمان بن عبد الملك ولى على جماعة سفن المسلمين من أهل الشام ومصر وإفريقية ألف سفينة عمر بن هبيرة الفزاري، فعزل عمر بن هبيرة هؤلاء النفر عن ولايتهم، وولى على ذلك غيرهم من رجال العرب. أبو الخير الأقطع التيناتي وتينات من نواحي المصيصة، نسب إليها لأنه أقام بها، وأصله من المغرب. وقيل: إن اسمه حماد بن عبد الله. وكان أسود من العباد المشهورين، والزهاد المذكورين. صحب أبا عبد الله الجلاء. وسكن جبل لبنان أيضاً من نواحي دمشق، ودخل أطرابلس. حكى عنه أبو القاسم بكر بن محمد، وأبو علي الأهوازي، وغيرهما. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أبو الخير التيناتي. سكن جبل لبنان، وتينات على أميال من المصيصة، وأقام بها،

стр. 10151

وكان يعرف بأبي الخير الأقطع. وله آيات وكرامات. وكان ينسج الخوص بإحدى يديه لا يدري كيف ينسجه، وكان تأوي إليه السباع، ويأنسون به. لم تزل ثغور الشام محفوظةً أيام حياته إلى أن مضى لسبيله. ﵀. كان أبو الخير أصله من المغرب، وله كرامات وآيات يطول شرحها. وقال في كتاب الطبقات: ومنهم: أبو الخير الأقطع، وكان أوحد في طريقته في التوكل، كان يأنس إليه السباع والهوام، وكان حاد الفراسة، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة. قال أبو الخير: دخلت مدينة الرسول ﷺ ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، وتنحيت، ونمت خلف المنبر، فرأيت في المنام النبي ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلي بن أبي طالب بين يديه. فحركني علي، وقال لي: قم، قد جاء رسول الله ﷺ . قال: فقمت إليه، وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفاً، فأكلت نصفه، فانتبهت، فإذا في يدي نصف رغيف. وقال أبو الخير: لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى. وقال أبو الخير: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين.

стр. 10152

وقال: حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسبح في روح الغيوب. وقال: القلوب ظروف، فقلب مملوء إيماناً، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين، والاهتمام بما يهمهم، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقاً، فعلامته الحقد، والغل، والغش، والحسد. وقال: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فينطق بها ألسنة المقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه. قال أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو الخير الأقطع. مغربي الأصل. سكن تينات، وله كرامات، وفراسة حادة. كان كبير الشأن. قال أبو الحسين القيرواني: زرت أبا الخير التيناتي، فلما ودعته خرج معي إلى باب المسجد، فقال: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن احمل هاتين التفاحتين، فأخذتهما، ووضعتهما في جيبي وسرت. فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيام، فأخرجت واحدةً منهما، فأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا هما في جيبي، فكنت آكل منهما، وتعودان، إلى باب الموصل؛ فقلت في نفسي: إنهما تفسدان علي حال توكلي إذا صارتا معلوماً لي، فأخرجتهما من جيبي بمرة، فنظرت، فإذا فقير ملفوف في عباءة يقول: أشتهي تفاحة، فناولتهما إياه، فلما عبرت وقع لي أن الشيخ إنما بعث بهما إليه، وكنت في رفقة في الطريق، فانصرفت إلى الفقير، فلم أجده. قال أبو نعيم الأصبهاني: سمعت غير واحد ممن لقي أبا الخير يقول: إن سبب قطع يده أنه كان عاهد الله ألا

стр. 10153

يتناول بشهوة نفسه شيئاً مشتهى، فرأى يوماً بجبل لكام شجرة زعرور، فاستحسنها، فقطع منها غصناً، فتناول منها شيئاً من الزعرور، فذكر عهده، فتركه. ثم كان يقول: قطعت غصناً فقطع مني عضو. قال أبو ذر الهروي: سمعت عيسى بن أبي الخير التيناتي بمصر وكان رجلاً صالحاً وقلت له: لم كان أبوك أقطع؟ قال: ذكر لي أنه كان عبداً أسود. قال: فضاق صدري في الملك، فدعوت الله، فأعتقت، فكنت أجيء إلى الإسكندرية، فأحتطب، وأتقوت بثمنه، وكنت أدخل المسجد أقف على الحلق، وأعلم أنهم لا يعلموني شيئاً، لأني عبد أسود، فكنت أقف عليهم، فيسهل الله على لسانهم ما كنت أريد أن أسأل عنه، فأحفظه، وأستعمل ذلك. ذكرت مرةً حكاية يحيى بن زكريا وما عملوا به، فقلت في نفسي: إن الله ابتلاني بشيء في بدني صبرت. ثم خرجت إلى الثغر بطرسوس، وكنت آكل المباحات، ومعي حجفة وسيف. وكنت أغزو العدو مع الناس، فآواني الليل إلى غار هناك، فقلت في نفسي: إني أزاحم الطير في أكل المباحات، فنويت ألا مررت بعد ذلك بشجرة، فقطعت منها شيئاً، فلما أردت ذكرت، فرميته، ثم دخلت المغارة بالليل، فإذا هناك قطعوا الطريق، ودخلوا إلى الغار قبلي ولم أعلم، فلما دخلت إلى هناك، فإذا نحن بصاحب الشرطة يطلبهم، فدخل الغار، فأخذهم، وأخذني معهم، فقدموا جميعاً، فقطعوا. فلما قدمت قال اللصوص: لم يكن هذا الأسود معنا، وكان أهل الثغر يعرفونني، فغطى الله عنهم حتى قطعوا يدي، فلما مدوا رجلي قلت: يا رب، هذه يدي قطعت لعقد عقدته، فما بالي رجل؟؟! فكأنه كشف عنهم، وعرفوني، وقالوا: هذا أبو الخير! واغتموا. فلما أرادوا أن يغمسوا يدي في الزيت امتنعت، وخرجت، ودخلت الغار، وبت ليلة عظيمة، فأخذني النوم، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا

стр. 10154

رسول الله، فعلوا بي وفعلوا، فأخذ يدي المقطوعة، فقبلها، فأصبحت ولا أجد ألم الجرح، وقد عوفيت. وقال ابن جهضم: حدثني بكر بن محمد قال: كنت عند الشيخ أبي الخير بالتينات، فبسط محادثته لي إلى أن هجمت عليه، فسألته عن سبب قطع يده، وما كان منه، فقال: يد جنت فقطعت. فظننت أنه كانت له صبوة في حداثته في قطع طريق أو نحوه مما أوجب ذلك، فأمسكت. ثم اجتمعت معه بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهب الله لأوليائه، وأكثروا كرامات الله لهم، إلى أن ذكروا طي المسافات، فتبرم الشيخ بذلك، فقال: لم يقولون: فلان مشى إلى مكة في ليلة، وفلان مشى في يوم؟ أنا أعرف عبداً من عبيد الله حبشياً كان جالساً في جامع أطرابلس، ورأسه في جيب مرقعته، فخطر له طيبة الحرم، فقال في سره: يا ليتني كنت بالحرم، ثم أمسك عن الكلام. فتغامز الجماعة، وأجمعوا على أنه ذلك الرجل. وقال أبو القاسم بكر بن محمد: كنت عند أبي الخير التيناتي وجماعة اجتمعوا على أن يسألوه عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت، فقطعت. فقيل: قد سمعنا منك هذا مراراً كثيرةً، أخبرنا كيف سببه؟ فقال: نعم. أنتم تعلمون أني من أهل المغرب، فوقعت في مطالبة السفر، فسرت حتى بلغت إسكندرية، فأقمت بها اثنتي عشرة سنةً، ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا ودمياط، فأقمت أيضاً اثنتي عشرة سنةً. فقيل له: مكانك، إلى ها هنا انتهينا، الإسكندرية بلد عامر، أمكن أن تقيم بها، بين شطا ودمياط لا زرع ولا ضرع، أي شيء كان قوتك اثنتي عشرة سنةً؟ فقال: نعم، كان في الناس خير في ذلك الزمان، وكان يخرج من مصر خلق

стр. 10155

كثير يرابطون بدمياط، وكنت قد بنيت كوخاً على شط الخليج، فكنت أجيء من الليل إلى تحت السور، فإذا أفطر المرابطون نفضوا سفرهم خارج السور، فأزاحم الكلاب على قمامة السفر، فآخذ كفايتي، فكان هذا قوتي في الصيف. فقالوا: ففي الشتاء؟ قال: نعم، كان ينبت حول الكوخ من هذا البردي الجافي، فيخصب في الشتاء، فأقلعه، فما كان منه في التراب يخرج غضاً أبيض، فآكله، وأرمي بالأخضر الجافي. فكان هذا قوتي إلى أن نوديت في سري: يا أبا الخير، تزعم أنك لا تزاحم الخلق في أقواتهم، وتشير إلى التوكل، وأنت في وسط المعلوم جالس؟ فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبت الأرض حتى تكون أنت الموصلي إلى رزقي من حيث لا أكون أنا أتولى فيه. فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض وأتنفل، ثم عجزت عن النافلة، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض لا غير، ثم عجزت عن القيام، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي جالساً، ثم عجزت عن الجلوس، فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي. فلجأت إلى الله بسري، وقلت: إلهي وسيدي ومولاي افترضت علي فرضاً تسألني عنه، وضمنت لي رزقاً فتفضل علي برزقي، ولا تؤاخذني بما اعتقدته معك، فوعزتك لأجتهدن ألا أخالف عقدي الذي عقدته معك. فإذا بين يدي رغيفان وربما قال: قرصان بينهما شيء ولم يذكر الشيء فكنت آخذه على دوار وقتي من الليل إلى الليل. ثم طولبت بالمسير إلى الثغر، فسرت حتى دخلت مصر، وكان ذلك يوم جمعة، فوجدت في صحن الجامع قاصاً يقص على الناس، وحوله حلقة، فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا والمنشار، وما كان من خطاب الله له حين هرب منهم، فنادته الشجرة: إلي يا زكريا، فانفرجت له، فدخلها، ثم أطبقت عليه، ولحقه العدو، فتعلق بطرف عبائه، وناداهم: إلي، فهذا زكريا! ثم أخرج لهم حيلة المنشار، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا، فأن منه أنةً، أوحى الله تعالى: يا زكريا، لئن
следующие страницы →