Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.
стр. 10151
وكان يعرف بأبي الخير الأقطع. وله آيات وكرامات. وكان ينسج الخوص بإحدى يديه لا يدري كيف ينسجه، وكان تأوي إليه السباع، ويأنسون به. لم تزل ثغور الشام محفوظةً أيام حياته إلى أن مضى لسبيله. ﵀.
كان أبو الخير أصله من المغرب، وله كرامات وآيات يطول شرحها.
وقال في كتاب الطبقات: ومنهم: أبو الخير الأقطع، وكان أوحد في طريقته في التوكل، كان يأنس إليه السباع والهوام، وكان حاد الفراسة، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة.
قال أبو الخير: دخلت مدينة الرسول ﷺ ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، وتنحيت، ونمت خلف المنبر، فرأيت في المنام النبي ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلي بن أبي طالب بين يديه. فحركني علي، وقال لي: قم، قد جاء رسول الله ﷺ . قال: فقمت إليه، وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفاً، فأكلت نصفه، فانتبهت، فإذا في يدي نصف رغيف.
وقال أبو الخير: لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى.
وقال أبو الخير: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين.
стр. 10152
وقال: حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسبح في روح الغيوب.
وقال: القلوب ظروف، فقلب مملوء إيماناً، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين، والاهتمام بما يهمهم، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه إليهم. وقلب مملوء نفاقاً، فعلامته الحقد، والغل، والغش، والحسد.
وقال: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فينطق بها ألسنة المقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه.
قال أبو القاسم القشيري: ومنهم أبو الخير الأقطع. مغربي الأصل. سكن تينات، وله كرامات، وفراسة حادة. كان كبير الشأن.
قال أبو الحسين القيرواني: زرت أبا الخير التيناتي، فلما ودعته خرج معي إلى باب المسجد، فقال: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن احمل هاتين التفاحتين، فأخذتهما، ووضعتهما في جيبي وسرت. فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيام، فأخرجت واحدةً منهما، فأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا هما في جيبي، فكنت آكل منهما، وتعودان، إلى باب الموصل؛ فقلت في نفسي: إنهما تفسدان علي حال توكلي إذا صارتا معلوماً لي، فأخرجتهما من جيبي بمرة، فنظرت، فإذا فقير ملفوف في عباءة يقول: أشتهي تفاحة، فناولتهما إياه، فلما عبرت وقع لي أن الشيخ إنما بعث بهما إليه، وكنت في رفقة في الطريق، فانصرفت إلى الفقير، فلم أجده.
قال أبو نعيم الأصبهاني: سمعت غير واحد ممن لقي أبا الخير يقول: إن سبب قطع يده أنه كان عاهد الله ألا
стр. 10153
يتناول بشهوة نفسه شيئاً مشتهى، فرأى يوماً بجبل لكام شجرة زعرور، فاستحسنها، فقطع منها غصناً، فتناول منها شيئاً من الزعرور، فذكر عهده، فتركه. ثم كان يقول: قطعت غصناً فقطع مني عضو.
قال أبو ذر الهروي: سمعت عيسى بن أبي الخير التيناتي بمصر وكان رجلاً صالحاً وقلت له: لم كان أبوك أقطع؟ قال: ذكر لي أنه كان عبداً أسود. قال: فضاق صدري في الملك، فدعوت الله، فأعتقت، فكنت أجيء إلى الإسكندرية، فأحتطب، وأتقوت بثمنه، وكنت أدخل المسجد أقف على الحلق، وأعلم أنهم لا يعلموني شيئاً، لأني عبد أسود، فكنت أقف عليهم، فيسهل الله على لسانهم ما كنت أريد أن أسأل عنه، فأحفظه، وأستعمل ذلك.
ذكرت مرةً حكاية يحيى بن زكريا وما عملوا به، فقلت في نفسي: إن الله ابتلاني بشيء في بدني صبرت. ثم خرجت إلى الثغر بطرسوس، وكنت آكل المباحات، ومعي حجفة وسيف. وكنت أغزو العدو مع الناس، فآواني الليل إلى غار هناك، فقلت في نفسي: إني أزاحم الطير في أكل المباحات، فنويت ألا مررت بعد ذلك بشجرة، فقطعت منها شيئاً، فلما أردت ذكرت، فرميته، ثم دخلت المغارة بالليل، فإذا هناك قطعوا الطريق، ودخلوا إلى الغار قبلي ولم أعلم، فلما دخلت إلى هناك، فإذا نحن بصاحب الشرطة يطلبهم، فدخل الغار، فأخذهم، وأخذني معهم، فقدموا جميعاً، فقطعوا. فلما قدمت قال اللصوص: لم يكن هذا الأسود معنا، وكان أهل الثغر يعرفونني، فغطى الله عنهم حتى قطعوا يدي، فلما مدوا رجلي قلت: يا رب، هذه يدي قطعت لعقد عقدته، فما بالي رجل؟؟! فكأنه كشف عنهم، وعرفوني، وقالوا: هذا أبو الخير! واغتموا. فلما أرادوا أن يغمسوا يدي في الزيت امتنعت، وخرجت، ودخلت الغار، وبت ليلة عظيمة، فأخذني النوم، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا
стр. 10154
رسول الله، فعلوا بي وفعلوا، فأخذ يدي المقطوعة، فقبلها، فأصبحت ولا أجد ألم الجرح، وقد عوفيت.
وقال ابن جهضم: حدثني بكر بن محمد قال: كنت عند الشيخ أبي الخير بالتينات، فبسط محادثته لي إلى أن هجمت عليه، فسألته عن سبب قطع يده، وما كان منه، فقال: يد جنت فقطعت. فظننت أنه كانت له صبوة في حداثته في قطع طريق أو نحوه مما أوجب ذلك، فأمسكت. ثم اجتمعت معه بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهب الله لأوليائه، وأكثروا كرامات الله لهم، إلى أن ذكروا طي المسافات، فتبرم الشيخ بذلك، فقال: لم يقولون: فلان مشى إلى مكة في ليلة، وفلان مشى في يوم؟ أنا أعرف عبداً من عبيد الله حبشياً كان جالساً في جامع أطرابلس، ورأسه في جيب مرقعته، فخطر له طيبة الحرم، فقال في سره: يا ليتني كنت بالحرم، ثم أمسك عن الكلام.
فتغامز الجماعة، وأجمعوا على أنه ذلك الرجل.
وقال أبو القاسم بكر بن محمد: كنت عند أبي الخير التيناتي وجماعة اجتمعوا على أن يسألوه عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت، فقطعت. فقيل: قد سمعنا منك هذا مراراً كثيرةً، أخبرنا كيف سببه؟ فقال: نعم.
أنتم تعلمون أني من أهل المغرب، فوقعت في مطالبة السفر، فسرت حتى بلغت إسكندرية، فأقمت بها اثنتي عشرة سنةً، ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا ودمياط، فأقمت أيضاً اثنتي عشرة سنةً. فقيل له: مكانك، إلى ها هنا انتهينا، الإسكندرية بلد عامر، أمكن أن تقيم بها، بين شطا ودمياط لا زرع ولا ضرع، أي شيء كان قوتك اثنتي عشرة سنةً؟ فقال: نعم، كان في الناس خير في ذلك الزمان، وكان يخرج من مصر خلق
стр. 10155
كثير يرابطون بدمياط، وكنت قد بنيت كوخاً على شط الخليج، فكنت أجيء من الليل إلى تحت السور، فإذا أفطر المرابطون نفضوا سفرهم خارج السور، فأزاحم الكلاب على قمامة السفر، فآخذ كفايتي، فكان هذا قوتي في الصيف. فقالوا: ففي الشتاء؟ قال: نعم، كان ينبت حول الكوخ من هذا البردي الجافي، فيخصب في الشتاء، فأقلعه، فما كان منه في التراب يخرج غضاً أبيض، فآكله، وأرمي بالأخضر الجافي. فكان هذا قوتي إلى أن نوديت في سري: يا أبا الخير، تزعم أنك لا تزاحم الخلق في أقواتهم، وتشير إلى التوكل، وأنت في وسط المعلوم جالس؟ فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبت الأرض حتى تكون أنت الموصلي إلى رزقي من حيث لا أكون أنا أتولى فيه. فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض وأتنفل، ثم عجزت عن النافلة، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي الفرض لا غير، ثم عجزت عن القيام، فأقمت اثني عشر يوماً أصلي جالساً، ثم عجزت عن الجلوس، فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي. فلجأت إلى الله بسري، وقلت: إلهي وسيدي ومولاي افترضت علي فرضاً تسألني عنه، وضمنت لي رزقاً فتفضل علي برزقي، ولا تؤاخذني بما اعتقدته معك، فوعزتك لأجتهدن ألا أخالف عقدي الذي عقدته معك. فإذا بين يدي رغيفان وربما قال: قرصان بينهما شيء ولم يذكر الشيء فكنت آخذه على دوار وقتي من الليل إلى الليل. ثم طولبت بالمسير إلى الثغر، فسرت حتى دخلت مصر، وكان ذلك يوم جمعة، فوجدت في صحن الجامع قاصاً يقص على الناس، وحوله حلقة، فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا والمنشار، وما كان من خطاب الله له حين هرب منهم، فنادته الشجرة: إلي يا زكريا، فانفرجت له، فدخلها، ثم أطبقت عليه، ولحقه العدو، فتعلق بطرف عبائه، وناداهم: إلي، فهذا زكريا! ثم أخرج لهم حيلة المنشار، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا، فأن منه أنةً، أوحى الله تعالى: يا زكريا، لئن
стр. 10156
صعدت منك إلي أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة. فعض زكريا على الصير حتى قطع بشطرين فقلت في نفسي: لقد كان زكريا صابراً، إلهي وسيدي ومولاي لئن ابتليتني لأصبرن. ثم سرت حتى دخلت أنطاكية، فرآني بعض إخواني، وعلم أني أريد الثغر، فدفع إلي سيفاً وترساً وحربةً للسبيل، فدخلت الثغر، وكنت حينئذ أحتشم من الله أن أرى وراء سور خيفة العدو، فجعلت مقامي بالنهار في غابة أكون فيها، وأخرج باللي إلى شط البحر، فأغرز الحربة على الساحل، وأشد الترس إليها محراباً، وأتقلد سيفي، وأصلي إلى الغداة، فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة، فكنت فيها نهاري أجمع. فبدرت في بعض الأيام، فبصرت بشجرة بطم قد بلغ بعضه أخضر، وبعضه أحمر، قد وقع عليه الندى، وهو يبرق، فاستحسنته، وأنسيت عقدي مع الله، وقسمي به أني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض، فرددت يدي إلى الشجرة، فقطعت منها عنقوداً، وجعلت بعضه في فمي ألوكه، فذكرت العقد، فرميت ما في يدي، وبزقت ما في فمي، وقلت: حلت المحنة، ورميت الترس والحربة، وجلست موضعي يدي على رأسي. فما استقر جلوسي حتى دار بي فرسان، وقالوا لي: قم. فساقوني إلى أن أخرجوني إلى الساحل، فلما قدمت إلى الأمير، وكان رجلاً تركياً، قال لي: أيش أنت ويلك؟ قلت: عبد من عبيد الله، فقال للسودان: تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: بلى، هو رئيسكم، وإنما تفدونه بنفوسكم، لأقطعن أيديكم وأرجلكم. فقدموهم، فلم يزل يقدم رجلاً رجلاً يقطع أيديهم حتى انتهى إلي آخرهم، فقال لي: تقدم، مد يدك، فمددتها، فقطعت، ثم قال لي: مد رجلك، فمددتها، فرفعت سري إلى السماء وقلت: إلهي وسيدي ومولاي، يدي جنت، رجلي أيش عملت؟! فإذا بفارس قد أقبل وقف على الحلقة، ورمى نفسه إلى الأرض، وصاح: أيش تعملون، تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء؟ هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير المناجي وكنت حينئذ أعرف بالمناجي فرمى الأمير نفسه عن فرسه، وأخذ يدي
المقطوعة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يقبل صدري، ويشهق، ويبكي، ويقول: ما علمت، سألتك بالله اجعلني في حل. فقلت: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، هذه يد جنت فقطعت. ة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يقبل صدري، ويشهق، ويبكي، ويقول: ما علمت، سألتك بالله اجعلني في حل. فقلت: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، هذه يد جنت فقطعت.
стр. 10157
وقال أبو الخير: جاورت بمكة سنة من السنين، ومر علي بها شدائد، وهمت نفسي بالسؤال، فهتف بي هاتف: أما يستحي الوجه الذي تسجد لي به أن تبذله لغير؟! فجلست.
وقال أبو الخير: من أنس بالله لم يستوحش من شيء.
قال أبو سعد إسماعيل بن علي الواعظ: سمعت جماعة من مشايخنا: أن يوماً صلوا خلف أبي الخير الأقطع، فلما سلم قال رجل: لحن الشيخ. ففي نصف الليل خرج إلى البراز، فرأى أسداً والشيخ يطعمه، فغشي على الرجل، فقال الشيخ: منهم من يكون لحنه في قلبه، ومنهم من يكون يلحن بلسانه.
قال السلمي: سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول: دخل على أبي الخير الأقطع بعض البغداديين، وقعدوا يتكلمون بين يديه، وضاق صدره، فخرج، فلما خرج جاء السبع، ودخل البيت، فسكتوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وتغيرت ألوانهم، فدخل عليهم أبو الخير وقال: يا سادتي، أين تلك الدعاوى؟ قال أبو القاسم القشيري: وأبو الخير التيناتي مشهور بالكرامات. حكي عن إبراهيم الرقي أنه قال: قصدته مسلماً، فصلى صلاة المغرب، فلم يقرأ الفاتحة مستوياً، فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي. فلما سلمت خرجت للطهارة، فقصدني السبع، فعدت إليه فقلت: أن الأسد قصدني، فخرج، وصاح على الأسد. وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني؟ فتنحى. وتطهرت، فلما رجعت قال: اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: بكرت يوماً إلى أبي عثمان المغربي، فقعدت معه إلى أن أذنوا لصلاة الظهر، ثم قلت:
стр. 10158
آذيت الشيخ. قال: ثم أقبل علي فقال: أنا لا أعرف الناس، قد كان رجل بمكة يحمل إلي الطعام ثلاث سنين وأنا لا أعرف اسمه، ولكن أجدني قد أنست إليك، فاعلم أن طريق السالكين أحكم من طريق أهل الروايات؛ هذا الأسود الذي كان بالشام يعني أبا الخير الأقطع خرج إليه إبراهيم بن المولد من العراق، فوصل إليه عند المساء، فنزل، وتطهر، وصلى معه صلاة العتمة، فازدرى به لقراءته، ففطن أبو الخير لذلك، فلما جن عليه الليل أخذ إبراهيم ركوته، وذهب يجدد وضوءاً، فبينا هو على ذلك إذ جاء سبع، فوقف عليه، فترك إبراهيم ركوته وعدا إلى المسجد، فأدركه أبو الخير، فقال: مالك؟ قال: سبع! فخرج أبو الخير، وأخذ بأذن السبع. وقال: يا أبا الحارث، ألم أقل لك لا تؤذ الناس! وأخذ ركوة إبراهيم وردها إليه.
قال أبو القاسم بكر بن محمد: ورد على أبي الخير رجل فقيه من العراق، فلما وجبت صلاة العشاء خرج إلى المسجد وضيفه معه، فتقدم الشيخ، فصلى بهم، وكان في لسانه عجمة الحبش، فلما فرغ من الصلاة قام الفقيه فأعاد صلاته التي صلاها خلفه، فلما كان من غد قدم الشيخ ضيفه فقال: تقدم، صل بنا الصبح، فإنك تحقق القراءة أكثر مني، فتقدم الرجل، وصلى بالشيخ والجماعة، ثم خرج الرجل بين الآجام، فإذا به يصرخ، فخرج الشيخ فدخل الأجمة، فإذا بالرجل ملقىً على ظهره، والسبع على صدره، فتقدم الشيخ إلى السبع، فأخذ أذنه وقال: ويحك تخيف ضيفي!؟ ونحاه عن صدره، فأقام الرجل مغشياً عليه ساعةً، وحمل إلى المسجد، فلما أفاق قال له الشيخ: يا هذا، لو حققت يقينك كما حققت قراءتك لكنت أحد رجال الله، ففطن الرجل وقال: أيها الشيخ التوبة، فقال: يا هذا، لا يعرج إلى السماء إلا كما نزل منها محققاً، ولي اجتهادك، فصوب يقينك كما صوبت قراءتك، ارفع سوء الظن عن عباد الله. فقال: سمعاً لك وطاعةً.
قال أبو ذر الهروي: سألت عيسى بن أبي الخير:
كيف كان حديث السبع معك؟ قال: كان أبي يخرج خارج الحصن، وعنده آجام كثيرة، وسباع، وكان أبي يضرب السبع ويقول: لا تؤذ أصحابي. فلما كان ذات يوم
стр. 10159
قال: ادخل القرية فأتني بعيش، فتركت ما أمرني واشتغلت ألعب مع الصبيان بجفنة العشاء، فغضب علي، فقال: لأحملنك وأبيتنك في الأجمة، فأخذني تحت إبطه وحملني إلى أجمة بعيدة لا أهتدي للطريق منها، ورماني هناك ورجع، فلم أزل أبكي وأصيح، ثم أخذني النوم، فانتبهت قريب السحر، فإذا أنا بالسبع إلى جنبي، وأبي قائم يصلي، فلما فرغ قال له: قم فإن رزقك على الساحل. فقام السبع ومضى، ثم نمت، فلما أصبحت انتبهت وأبي قد ذهب، فخرجت من الأجمة، وعرفت الطريق، وجئت إلى أبي.
قال أبو الحسن بن زيد: ما كنا ندخل على أبي الخير وفي قلبنا سؤال إلا تكلم علينا من ذلك الموضع من غير أن نسأله.
قال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير التيناتي، وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاماً. فلما خرجت من عنده ومشيت إذا به خلفي، وقد حمل طبقاً عليه طعام، فقال: يا فتى، كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك.
قال أبو الحسن علي بن محمود الزوزني الصوفي: كان أبو الخير التيناتي صاحب مشاهدة، وكان يسميني: غلام الله، وكنت أنبسط إليه. فقلت: يا سيدي، بأيش وصلت إلى هذه الحال؟ فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقبل صدري، فأنا أرى من خلفي كما أرى من قدامي.
قال: وسمعت العراقي يحكي: إني كنت ماضياً إلى التينات أزور الشيخ، فالتقيت بإنسان بغدادي، فقال لي: إلى أين تمضي؟ فقلت: إلى التينات أزور الشيخ، فقال: إن نقم بزيارة إليه الساعة، ندخل عليه ويقدم لنا الخبز واللبن، وأنا لا أتمكن من أكله فإني صفراوي. فدخلنا على الشيخ،
стр. 10160
فقام ودخل إلى بيته، وجاء على يده قصعة فيها لبن وخبز، وقال: كل أنت هذا، وفي يده الأخرى رمان حلو وحامض، فتركه بين يدي البغدادي، فقال: كل أنت هذا، ثم قال لي: من أين صحبت هذا فإنه بدعي؟ وما كنت سمعت منه شيئاً. فلما كان بعد عشر سنين رأيته بتنيس وهو تاجر، وإذا به معتزلي محض.
قال عبد العزيز البحراني وكان يمشي حافياً في أسفاره قال: خرجت من البصرة حافياً ونعلي بيدي، إذا وصلت إلى بلد تحظيت فيهما، وإذا خرجت حملتهما بيدي إلى أن دخلت الثغر، فلما عدت من الغزو، وأردت الخروج من الثغر أحببت أن ألقى أبا الخير التيناتي، فعدلت إلى التينات، فسألت صبياً على باب الزقاق: كيف الطريق إلى مسجد الشيخ؟ فقال: ما أكثركم! قد آذيتم هذا الشيخ الزمن، كم تأكلون خبز هذا الضعيف؟ فوقع في قلبي من قوله، فاعتقدت ألا آكل طعاماً ما دمت بتينات. وأتيته، فبت عنده ليلتين ما قدم لي شيئاً، ولا عرض علي شيئاً. فلما خرجت، وصرت بين الزيتون إذا به يصيح خلفي: قف. فالتفت، فإذا به، فقلت: انا أرجع إليك، فاستقبلته، فدفع إلي ثلاثة أرغفة ملطوخة بلبن، وقال لي: كل هذه فقد خرجت من عقدك، ثم قال: أما سمعت قول النبي ﷺ : إن الضيف إذا نزل نزل برزقه؟ فقلت: بلى، قال: فلم شغلت قلبي بقول صبي؟ فاعتذرت إليه، وسرت.
وقال أبو الحسن العراقي: قدم أبو الخير تنيس، فقال لي: قم نصعد السور نكبر، فصعدت معه، ثم قلت في نفسي ونحن على السور: هذا عبد أسود قد نال ما هو فيه، فالتفت إلي وقال: " يَعْلَمُ ما في أنفسِكُمْ فاحْذَرُوه "، فلما سمعت ذلك فزعت، وغشي علي، فمر وتركني، فلما أفقت جعلت أذم نفسي، وأستغفر مما جرى في نفسي، فجاءني، فقال: " وهو الذي يقبلُ التوبةَ عَنْ عِبادِهِ ". فقمت معه.
стр. 10161
قال أبو ذر الهروي: وسمعت عيسى بن أبي الخير، سمعت أبي يقول: الآن يدخل رجل عليه ثياب ذكرها فلما كان بعد ساعة قال أبي: بين يديه ظلمة نعوذ بالله. فلما دخل سلم عليه أبي وقال: من أين أتيت؟ قال: من الجبل الفلاني، قال: وما تعمل هناك؟ قال: أتزهد وأتعبد، قال: وأيش هذه الظلمة بين يديك؟ فقال الرجل: ليس إلا خير. فسكت، ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله! أرى في عنقك رأساً، ما هذا؟ فبكى الرجل، ولطم نفسه، وقال: اعلم أني بليت في شبابي بقتل، وقد تبت من ذلك من سنين، فما الحيلة؟ قال: ارجع إلى الجبل، وأخلص النية لله، فلعله يقبل توبتك.
وقال أبو الخير: كنت واقفاً أركع، فإذا أنا بإبليس اللعين قد جاء في صورة حية عظيمة، فتطوق بين يدي سجودي، فنفضته وقلت: يا لعين، لولا أنك نجس لسجدت على ظهرك.
وقال: كنت بأطرابلس الشام بعد عشاء الآخرة، وقد مضى من الليل وقت، فذكرت الحرم وطيبة، فاشتد شوقي إليه، فقلت: أيش أعمل الساعة؟ فسجدت، ورفعت رأسي، فإذا أنا في المسجد الحرام.
قال بكر بن محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله ويعرف بابن أم راغب قال: دخلت على الشيخ أبي الخير التيناتي في مسجده، فإذا هو مع شخص يحدثه، فقال لي: يا إبراهيم، اخرج ورد الباب، فخرجت، وجلست بالباب طويلاً، وكانت بي حاجة إليه، فقلت في نفسي: إن كانا في سر فقد فرغا. ففتحت الباب، ودخلت، وإذا به جالس وحده، فقلت: حبيبي، أين الرجل الذي كان معك، فإنه لم يخرج؟ فقال: يا بني، هو لا يخرج من الباب، فقلت: من هو؟ قال: هو الخضر، فبكيت، فقال: لم تبكي؟ قلت: لو عرفته لسألته الدعاء. ثم مضت مديدة، ففتح على الشيخ نقود تركية، فقال: يا بني، لو حملت إلى الأذنة فبعته، وابتعت به حوائج ذكرها. فانحدرت، فاشتريت الحوائج، وحملتها في كساء على ظهري، فلقيت رجلاً في الطريق، فسلم علي،
стр. 10162
وقد بقي إلى التينات ستة أميال، فقال: يا أخي قد تعبت، فناولني أحمل عنك، فناولته، فحملها، وجعل يحادثني بأخبار الصالحين حتى بلغنا التينات، فدفعها، وودعني، وقال: تقرأ على الشيخ مني السلام، فقلت: حبيبي، أقول من؟ قال: هو يعرف. فلما دخلت على الشيخ قال لي: يا إبراهيم، ما استحييت، حملته ستة أميال؟ ما حسدتك، وحسدتني على كلامه إياي؟ فبكيت، وقلت: هو هو؟ قال: هو هو ولا حيلة، تبكي إذا لم تلقه، وتبكي إذا لقيته! قال أبو ذر: سمعت عيسى يقول: كان خيثمة بن سليمان يبعث كل سنة لي شيئاً. فلما كان بعض السنين بعث لي ذلك مع رجل، فإذا بين الدراهم التي بتينات وبين الذي معه صرف، فباع ما معه بدراهم تينات، وأخذ الزيادة لنفسه، ثم جاء إلي، وأعطاني، فخرج أبو الخير إلى طرابلس من يومه، فإذا بخيثمة قد خرج إلى الصحراء لبعض شأنه، فلما رآه عرفه. وترجل له. وقبل رأسه، وقال له: ما الذي أقدمك؟ فقال: كنت تبعث لنا في كل سنة بشيء طيب، وهذا ليس بطيب، والذنب للرسول، ولكن لا تعاقبه، ولا تستعمله أبداً. وترك تلك الدراهم عنده ورجع، فرجع الرسول بعد أيام قال خيثمة: وكنت كتبت اليوم الذي رأيت فيه أبا الخير فقال: قدمت تينات وسلمت إليه ما أمرتني في يوم كذا وكذا. قال: وهو اليوم الذي جاءني أبو الخير، وبين تينات وبين طرابلس مسيرة أيام فوق العشرة، ولكن مر، فليس تصلح لخدمتي.
قال أبو الخير: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب ألا يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب.
قال أبو القاسم بكر بن محمد المنذري: سألني أبو حفص عمر بن عبد الله الأسواني عن أبي الخير التيناتي فقلت: قد نحل جسمه، فقال: قربت وفاته، قلت: من أين قلت؟ قال: ما هو بمريد فتنحله الرياضة، ولا بخائف تذيبه الهموم، وما هو إلا يصفيه حتى يقبضه إليه. قال: فوصل الخبر بعد مديدة بوفاته ﵀.
стр. 10163
قال أبو القاسم: وسمعت أبا الخير التيناتي يقول: بعثت إلى الثغور، فبكيت، فقيل لي: هي محروسة ما عشت، وفلان، وفلان، وفلان طائفة من الأخيار ما بقي منهم غيري، كلهم ماتوا.
قال السلمي: سمعت أبا الأزهر يقول: عاش أبو الخير التيناتي مائة وعشرين سنة، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، أو قريباً منه.
стр. 10164
كنى النساء ممن ابتداء أسمائهن على الخاء
أم خالد بنت عتبة بن ربيعة
ابن عبد شمس بن عبد مناف خالة معاوية بن أبي سفيان.
ذكر دارها أبو الحسين الرازي في كتاب الدوران.
أم الخيار
زوج رياح بن عبيدة.
حكى عنها ابنها موسى بن رياح قال: حدثتني أمي أم الخيار قالت:
كنت عند فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز أحدثها، فإذا عمر بن عبد العزيز قد دخل علينا، فأتى كوز الحب، فأخذه، فاغترف، فتوضأ. ثم أقبل. فقالت له فاطمة: يا أمير المؤمنين، هذه أم الخيار، فقال: يا أم الخيار شغلنا عنك، ومضى. قالت: فقلت لها: لولا أن أحبسك الليلة عن أمير المؤمنين لبت عندك. قالت: أما إذ قلت هذا، فلا تبرحي الليلة حتى تري. فلما صلى العتمة دخل، وأدخل معه كتاب العامة، قالت: ودعا بالشمع، فلم يزل في كتابه وحسابه حتى ذهب نحو من ثلث الليل، قالت: ثم أمر بالكتاب فأقيموا، ورفع الشمع، ثم دعا بكتابه كتاب الخاصة، ودعا بسراج، فجعل يحاسبهم حتى مضى ثلث الليل الأوسط، ثم قام إلى مصلاه فصلى حتى أصبح.
стр. 10165
أم الخير بنت الحريش بن سراقة
البارقية الكوفية قدمت على معاوية، وحاورها محاورة تدل على فصاحتها وجزالتها.
عن الشعبي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية برحلة محمودة الصحبة، غير مذمومة العاقبة، واعلم أني مجازيك بقولها فيك بالخير خيراً، وبالشر شراً.
فلما ورد الكتاب عليه ركب إليها، فأقرأها إياه. قالت: أما أنا فغير راغبة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تلجلج مني بمجرى النفس، يغلي بها صدري غلي المرجل بحب البلس يوقد بجزل السمر.
فلما قدمت على معاوية أنزلها بيتاً مع الحرم ثلاثة أيام، ثم أذن لها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وعليك السلام، وبالرغم منك دعوتني بهذا الاسم، قالت: مه يا هذا، فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه، فقال: صدقت، كيف حالك، وكيف رأيت مسيرك؟ قالت: لم أزل في عافية وسلامة حتى أدتني إلى ملك جزل، ذي عطا، بذل، فإنا في عيش أنيق، وعند ملك رفيق. فقال معاوية: بحسن نيتي والله ظفرت بكم، وأعنت عليكم. قالت: مه يا هذا، والله لك من دحض المقال ما تردى عاقبته. قال: ليس لهذا أردناك، قالت: إنما أجري في ميدانك، إذا أجريت شيئاً أجريته؛ فسل عما بدا لك. قال: كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله رويته قبل، ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فإن شئت أحدثت لك مقالاً غير ذلك، قال: لا أشاء، ثم التفت إلى بعض أصحابه فقال: أيكم يحفظ كلام أم الخير؟ فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير
стр. 10166
المؤمنين كحفظي لسورة الحمد، قال: فهاته، قال: نعم، كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:
" يا أيها الناسُ اتقوا ربَّكم إنّ زَلْزَلةَ الساعةِ شيءٌ عظيم ". إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا شعواء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ أفراراً عن أمير المؤمنين، أم رغبةً عن الإسلام، أم ارتداداً عن الحق؟! أما سمعتم الله يقول: " ولَنَبْلُوَنّكُمْ حتّى نَعْلَمَ المجاهدين منكم والصابرين، ونبلوَ أخبارَكُم ". ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنه قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك اللهم أزمة القلوب، فاجمع اللهم الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، وأردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، إنها أحن بدرية، وضغائن أحدية، وأحقاد جاهلية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بثارات بني عبد شمس. ثم قالت: " قاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفْرِ إنّهم لا أَيْمان لهم لعلّهم ينتهون ". صبراً معاشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكن، وثبات من دينكم، فكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة. لا تدري ما يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى و" عمّا قَليلٍ ليُصْبِحُنّ نادمين "، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة، " ولاتَ حينَ مناص ". إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار. أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطالوا مدة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن يبطل الحق، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اختاروا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. إلى
стр. 10167
أين تريدون حرمكم الله أيها الناس عن ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك حتى أيده الله بمعونته، يمضي على سنن استقامة، لا يفرح لراحة اللذات بها، وهو مفلق الهام، مكسر الأصنام، صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الله به الأحزاب، وقتل أهل حنين، وفرق جمع هوازن. فيالها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً، وردةً وشقاقاً. قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا القول إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك، فقالت: والله ما يسوؤني أن يجري الله قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه؟! قال: هيهات يا كثيرة الفضول.
стр. 10168
حرف الذال
أبو ذر الغفاري
صاحب رسول الله ﷺ اختلف في اسمه اختلافاً كبيراً، والأظهر أنه جندب بن جنادة. وهو من أعيان الصحابة. قديم الإسلام. أسلم بمكة قبل الهجرة، ورجع إلى بلاد قومه، ولم يشهد مع النبي ﷺ بدراً.
وشهد فتح بيت المقدس، والجابية مع عمر بن الخطاب، وقدم دمشق، ورآه بها الأحنف بن قيس، وقيل: ببيت المقدس، وقيل: بحمص.
وذكر أبو بكر البلاذري قال: بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال له أبو ذر: إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف. فسكت معاوية.
قال خالد بن حيان: كان أبو ذر وأبو الدرداء في مظلتين من شعر بدمشق.
وقال الأحنف بن قيس: دخلت مسجد دمشق فإذا رجل يكثر الركوع والسجود، قلت: لا أخرج حتى أنظر أعلى شفع يدري هذا ينصرف أم على وتر، فلما فرغ قلت: يا أبا عبد الله أعلى شفع تدري انصرفت أم على وتر؟ فقال: إلا أدر فإن الله يدري؛ إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ ثم بكى، ثم قال: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً
стр. 10169
إلا رفعه الله بها درجةً وحظ عنه بها خطيئة، قلت: من أنت، رحمك الله؟ قال: أنا أبو ذر. قال الأحنف: فتقاصرت إلي نفسي مما وقع في نفسي عليه.
قال أبو زرعة: وممن نزل الشام من مصر أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، نزل بيت المقدس يوم ارتحله عثمان إلى المدينة.
قال ابن سعد في الطبقة الثانية:
وأبو ذر، واسمه جندب بن جنادة وساق نسبه إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
قال: وكان خامساً في الإسلام، ولكنه رجع إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ بعد ذلك، وتوفي لأربع سنين بقيت من خلافة عثمان، وصلى عليه عبد الله بن مسعود بالربذة زاد غيره: سنة اثنتين وثلاثين.
ووقع في طبقات ابن سميع أنه بدري، وهو وهم؛ فإن أبا ذر لم يشهد بدراً.
وقال البخاري: هاجر إلى النبي ﷺ . حجازي. ومات بالربذة في زمن عثمان.
قال أبو أحمد الحاكم: أبو ذر جندب بن جنادة ويقال: برير بن جندب، ويقال: برير بن جنادة، ويقال: جندب بن عبد الله، ويقال: جندب بن السكن. والمشهور: جندب بن جنادة الحجازي. له صحبة. وأمه: رملة بنت الوقيعة، من بني غفار أيضاً.
قال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختط بها.
стр. 10170
قال ابن منده: ويقال: إن اسم أبي ذر جنادة بن السكن.
قال أبو نعيم: اختلف في اسمه ونسبه، وكان يتعبد قبل مبعث النبي ﷺ بثلاث سنين، يقوم بالليل مصلياً، حتى إذا كان آخر الليل سقط كأنه خرقة، ثم أسلم بمكة في أول الدعوة، وهو رابع الإسلام، وهو أول من حيا النبي ﷺ بتحية الإسلام، وبايع النبي ﷺ على ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم كان يشبه بعيسى بن مريم عبادةً ونسكاً، لم يتلوث بشيء من فضول الدنيا حتى فارقها. ثبت على العهد الذي بايع عليه النبي ﷺ من التخلي عن فضول الدنيا، والتبرئ منها؛ كان يرى إقبالها محنةً وهواناً، وإدبارها نعمةً وامتناناً. حافظ على وصية الرسول ﷺ له في محبة المساكين ومجالستهم، ومباينة المكثرين في مفارقتهم. كان يخدم النبي ﷺ ، فإذا فرغ منه أوى إلى مسجده، واستوطنه. سيد من آثر العزلة والوحدة، وأول من تكلم في علم الفناء والبقاء. كان وعاءً ملئ علماً فربط عليه.
كان رجلاً آدم طويلاً أبيض الرأس واللحية، توفي بالربذة، فولي غسله وتكفينه والصلاة عليه عبد الله بن مسعود في نفر كان منهم حجر بن الأدبر، سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بها. وكان يؤاخي سلمان الفارسي. لم تقل الغبراء، ولم تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق منه.
عن رجل من بني عامر قال: كنت كافراً فهداني الله إلا الإسلام، وكنت أعزب عن الماء، ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة، فوقع ذلك في نفسي، وقد نعت لي أبو ذر، فحججت، فدخلت مسجد منىً، فعرفته، فالتفت، فإذا شيخ معروق آدم عليه قطري.
стр. 10171
وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فدخلت مسجدها، فبينما أنا أصلي إذ دخل رجل آدم طوال أبيض الرأس واللحية محلوق، يشبه بعضه بعضاً. قال: فخرج، فاتبعته، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر.
وفي صحيح مسلم: حدثنا هداب بن خالد الأزدي وقال محمد بن سعد: أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني أبو النضر قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا، فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا بثوبه فجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيساً، فأتى أنيس بصرمتنا ومثلها معها.
قال: وقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: لله، قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي، أصلي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إن لي حاجةً
стр. 10172
بمكة، فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد يعدو أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر زاد في رواية أخرى: قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له، وتجهموا.
قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلاً منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي، فقال: هذا الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشياً علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب الله على أسمختهم، فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين، فأتتا علي وهما يدعوان إسافاً ونائلة، فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان، وتقولان: لو كان ها هنا أحد من
стр. 10173
أنفارنا! فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطتان، قال: مالكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمةً تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته كنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: وعليك ورحمة الله، ممن أنت؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقد عني صاحبه، وكان أعلم به مني، فرفع رأسه ثم قال: متى كنت ها هنا؟ قلت: منذ ثلاثين بين ليلة ويم، قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، فما وجدت على كبدي سخفة جوع. فقال رسول الله ﷺ : إنها مباركة، إنها طعام طعم. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في إطعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم.
فأتيت أنيساً، فقال: ما صنعت؟ فقلت: صنعت أني أسلمت، وصدقت، قال: ما لي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما لي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت، وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ : غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله.
стр. 10174
رواه ابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: صليت قبل أن يبعث النبي ﷺ بسنتين، قلت: أين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله، كنت أصلي حتى إذا كان نصف الليل سقطت كأني خرقة فذكر الحديث نحو ما مضى إلى أن قال: فانطلق أخي أنيس، فأتى مكة، فلما قدم قال: أتيت رجلاً تسميه الناس الصابئ، هو أشبه الناس بك.
قال أبو ذر:
فأتيت مكة، فرأيت، رجلاً هو أضعف القوم في عيني، فقلت: أين الرجل الذي تسميه الناس الصابئ؟ فرفع صوته علي، وقال: صابئ، صابئ. فرماني الناس حتى كأني نصب أحمر، فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها، فكنت فيها خمس عشرة من بين يوم وليلة فذكر الحديث في اجتماعه بالنبي ﷺ نحو ما مضى، وقال: قال صاحبه: يا رسول الله، أتحفني بضيافته الليلة.
رواه مسلم في الصحيح مختصراً، ثم قال: وحدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومحمد بن حاتم قالا: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني.
فانطلق الأخ حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنةً له، فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ، وهو لا يعرفه،
стр. 10175
وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه يعني الليل، فاضطجع، فرآه علي، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم ولا يرى النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي، فقال: أما أنى للرجل أن يعلم منزله!؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالثة فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره، فقال: إنه حق، وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك منه قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بني ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه.
وقال أبو قتيبة سلم بن قتيبة: حدثنا المثنى بن سعيد القصير، حدثني أبو جمرة قال: قال ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى، قال: قال: كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: أنطلق إلى هذا الرجل فكلمه، وائتني بخبره. فانطلق، فلقيه ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ قال: والله لقد رأيته رجلاً يأمر
стр. 10176
بالخير، وينهى عن الشر، فقلت: لم تشفني من الخبر. فأخذت جراباً وعصا ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. فمر علي فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم، قال: فانطلق إلى المنزل، فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء، ولا أخبره. فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء، فمر بي علي فقال: ما آن للرجل أن يعود؟ قلت: لا، قال: ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: إن كتمته علي أخبرتك، قال: فإني أفعل. قلت: بلغنا أنه قد خرج رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه.
قال: أما إنك قد رشدت لأمرك، هذا وجهي إليه فاتبعني، فادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحداً أخافه عليك قمت إلى الحائط. وامض أنت. قال: فمضى، ومضيت معه حتى دخل، ودخلت معه على النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، اعرض علي الإسلام، فعرضه علي، فأسلمت مكاني، فقال لي: يا أبا ذر، أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل. قلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن ما بين أظهركم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا، فضربت لأموت، وأدركني العباس، فأكب علي ثم قال: ويحكم! تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم، وممركم على غفار؟ فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت، فقلت ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فضربوني، وأدركني العباس، فأكب علي.
قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر.
عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: كان أبو ذر رجلاً يصيب الطريق، وكان شجاعاً ينفرد وحده بقطع الطريق،
стр. 10177
ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي، ويأخذ ما أخذ. ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبي ﷺ وهو يومئذ بمكة يدعو مختفياً، فأقبل يسأل عنه، حتى أتاه في منزله وقبل ذلك ما قد طلب من يوصله إلى رسول الله ﷺ ، فلم يجد أحداً فانتهى إلى الباب، فاستأذن، فدخل، وعنده أبو بكر، وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين، وهو يقول: يا رسول الله، والله لا نستسر بالإسلام، ولنظهرنه، فلا يرد عليه رسول الله ﷺ شيئاً، فقلت: يا محمد، إلام تدعو؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له، وخلع الأوثان، وتشهد أني رسول الله. قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. ثم قال أبو ذر: يا رسول الله، إني منصرف إلى أهلي، وناظر متى يؤمر بالقتال فألحق بك، فإني أرى قومك عليك جميعاً. فقال: رسول الله ﷺ : أصبت، فانصرف. فكان يكون بأسفل ثنية غزال، فكان يعترض لعيرات قريش، فيقتطعها، فيقول: لا أرد إليكم منها شيئاً حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن فعلوا رد عليهم ما أخذ منهم، وإن أبوا لم يرد عليهم شيئاً. فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله ﷺ ، ومضى بدر وأحد، ثم قدم، فأقام بالمدينة مع النبي ﷺ .
عن أبي ذر قال: كنت رابع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة، وأنا الرابع، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: سلام عليك يا نبي الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله ﷺ ، فقال: من أنت؟ قلت: أنا جندب رجل من بني غفار، قال: فرأيتها في وجه النبي ﷺ ، حيث ارتدع، كأنه ود أني كنت من قبيلة أرفع من قبيلتي. قال: وكنت من قبيلة فيها رقةً، كانوا يسرقون الحاج بمحاجن لهم.
стр. 10178
قال جبير بن نفير: كان أبو ذر، وعمرو بن عبسة، كل واحد منهم يقول: أنا ربع الإسلام. وقال: وكان أبو ذر يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام، لم يسلم قبلي إلا النبي ﷺ ، وأبو بكر، وبلال.
وعن موسى بن عقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت في الإسلام خامساً.
قال الواقدي: قالوا: وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه، وصفهم صفوفاً يعني يوم حنين ووضع الرايات والألوية في أهلها، وسمى حامليها. قال: وكان في بني غفار راية يحملها أبو ذر.
قال: وكان أبو ذر يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيري، كان نضواً أعجف، فقلت: أعلفه أياماً، ثم ألحق برسول الله ﷺ . فعلفته أياماً، ثم خرجت، فلما كنت بذي المروة أذم بي، وتلومت عليه يوماً فلم أر به حركة. فأخذت متاعي، فحملته على ظهري، ثم خرجت أتبع رسول الله ﷺ ماشياً في حر شديد، وقد تقطع الناس فلا أرى أحداً يلحقه من المسلمين، وطلعت على رسول الله ﷺ نصف النهار، وقد بلغ مني العطش، فنظر ناظر من الطريق، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فجعل رسول الله ﷺ يقول: كن أبا ذر، فلما تأملني القوم قالوا: يا رسول الله، هذا أبو ذر، فقام رسول الله ﷺ حتى دنوت منه، فقال:
стр. 10179
مرحباً بأبي ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، فقال: ما خلفك يا أبا ذر؟ فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعز أهلي علي تخلفاً، لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنباً إلى أن بلغتني، ووضع متاعه عن ظهره، ثم استسقى، فأتي بإناء من ماء فشربه.
وعن غضيف بن الحارث، عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله ﷺ يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب.
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال أبو ذر: وكان أكثر أصحاب رسول الله ﷺ له سؤالاً.
فذكر حديثاً.
وعن حاطب قال: قال أبو ذر: ما ترك رسول الله ﷺ شيئاً مما صبه جبريل وميكائيل في صدره إلا قد صبه في صدري، ولا تركت شيئاً مما صبه رسول الله ﷺ في صدري إلا صببته في صدر مالك بن ضمرة.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وهو يذكرنا منه علماً.
وقال: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصا، فقال: واحدة.
قال: أوصاني حبي بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم، وأنظر إلى من تحتي ولا
стр. 10180
أنظر إلى من فوقي، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مراً، وأن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال عمر مولى غفرة: ما أعلم بقي فينا من الخمس إلا هذه؛ قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن عون بن مالك، عن أبي ذر أنه جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر هل صليت الضحى؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين، فقام فصلى، ثم جلس، فقال: يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس، قلت: يا رسول الله، هل للإنس شياطين؟ قال: نعم يا أبا ذر، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: ما هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن عبيد بن عمير، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا ذر ألا أوصيك بوصايا إن أنت حفظتها نفعك الله بها؟ قلت: بلى بأبي أنت وأمي، قال: جاور القبور تذكر بها وعيد الآخرة، وزرها بالنهار، ولا تزرها بالليل، واغسل الموتى؛ فإن في معالجة جسد خاو عظةً، وشيع الجنائز؛ فإن ذلك يحرك القلب ويحزنه، وأعلم أن أهل الحزن في أمن الله، وجالس أهل البلاء والمساكين، وكل معهم، ومع خادمك لعل الله يرفعك يوم القيامة، والبس الخشن الصفيق من الثياب تذللاً لله وتواضعاً لعل الفخر والبطر لا يجدان فيك مساغاً، وتزين أحياناً في عبادة الله بزينة حسنة تعففاً وتكرماً، فإن ذلك لا يضرك إن شاء الله وعسى أن يحدث لله شكراً.
وسئل أبو ذر: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيني قط
стр. 10181
إلا صافحني، ولقد جئت مرةً، فقيل لي: إن النبي ﷺ طلبك، فجئت، فاعتنقني، فكان ذلك أجود وأجود.
وقال: أرسل إلي رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، فأتيته، فوجدته نائماً، فأكببت عليه، فرفع يده فالتزمني.
سئل علي بن أبي طالب عن أبي ذر، فقال: علم العلم ثم أوكى فربط عليه ربطاً شديداً.
وقال أيضاً: أبو ذر وعاء ملئ علماً ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيء، حتى قبض.
وقال أيضاً: وعى علماً عجز فيه وكان شحيحاً حريصاً؛ شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم، وكان يكثر السؤال، فيعطى ويمنع، أما إنه قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ.
فلم يدروا ما يريد بقوله: وعى علماً عجز فيه؛ أعجز عن كشفه، أم عما عنده من العلم، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي ﷺ ؟ وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كان أبو ذر جالساً إلى جنب أبي بن كعب يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فتلا رسول الله ﷺ آيةً لم يكن أبو ذر سمعها، فقال أبو ذر لأبي: متى أنزلت هذه الآية؟ فلم يكلمه، فلما أقيمت الصلاة قال له أبو ذر: ما منعك أن تكلمني حين سألتك؟ فقال أبي: إنه ليس لك من جمعتك إلا ما لغوت. فانطلق أبو ذر إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال: صدق أبي، فقال أبو ذر: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال
стр. 10182
رسول الله ﷺ : اللهم اغفر لأبي ذر وتب عليه.
وعن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ دفع إلى أبي ذر غلاماً، فقال: يا أبا ذر، أطعمه مما تأكل، واكسه مما تلبس، فلم يكن عنده غير ثوب واحد، فجعله نصفين، فراح إلى رسول الله ﷺ فقال: ما شأن ثوبك يا أبا ذر؟ فقال: إن الفتى الذي دفعته إلي أمرتني أن أطعمه مما آكل، وأكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلا هذا الثوب فناصفته. فقال رسول الله ﷺ : أحسن إليه يا أبا ذر، فانطلق أبو ذر فأعتقه، فسأله رسول الله ﷺ : ما فعل فتاك؟ قال: ليس لي فتى، قد أعتقته، قال: أجرك الله يا أبا ذر.
قال عبد الله بن مليل: سمعت علياً يقول: قال رسول الله ﷺ : إنه لم يكن قبلي نبي إلا قد أعطاه الله سبعة رفقاء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشر، فذكرهم، وفيهم أبو ذر.
وعن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت بحب أربعة من أصحابي، وأخبرني الله أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد.
وعن علي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص قالوا: قال رسول الله ﷺ : ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر زاد علي: طلب شيئاً من الزهد عجز عنه الناس.
وعن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره
стр. 10183
أن ينظر إلى تواضع وفي رواية: إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
وعن مالك بن مرثد، عن أبيه قال: قال أبو ذر: قال لي رسول الله ﷺ : ما تقل الغبراء، ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق، ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم. قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، أفنعرف ذلك له؟ قال: نعم فاعرفوه له.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم هديا وبراً ونسكا فعليكم بأبي ذر.
وعن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : إن أبا ذر ليباري عيسى بن مريم في عبادته. من سره أن ينظر إلى شبه عيسى بن مريم خلقاً وخلقاً فلينظر إلى أبي ذر.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نبي إلا له نظير في أمتي: أبو بكر نظير إبراهيم، وعمر نظير موسى، وعثمان نظير هارون، وعلي نظيري. ومن سره أن ينظر إلى عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر الغفاري.
عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي أبو بكر الصديق، وأحسنهم خلقاً أبو عبيدة بن الجراح، وأصدقهم لهجةً أبو ذر، وأشدهم في الحق عمر، وأقضاهم علي.
عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر، إني رأيت أني وزنت بأربعين أنت فيهم، فوزنتهم.
стр. 10184
عن أبي ذر قال: والله ما كذبت على رسول الله ﷺ ، ولا أخذت إلا عنه، أو عن كتاب الله .
وقال: والله إني لعلى العهد الذي فارقت عليه رسول الله ﷺ ، ما غيرت، ولا بدلت.
عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ قال: وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب.
وقال أبو ذر: قال لي رسول الله ﷺ :
كيف أنت عند ولاة يستأثرون عليك؟ قلت: قلت: والذي بعثك بالحق، أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك. قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ اصبر حتى تلحقني وفي رواية: تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك حتى تلقاني وأنت على ذلك، وفي رواية: إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها وضرب بيده نحو الشام ولا أرى أمراءك إلا يحولون بينك وبين ذلك قلت: فآخذ سيفي، وأضرب به من حال بيني وبين أمرك؟ قال: لا، ولكن تسمع وتطيع ولو لعبد حبشي. فلما بلغ البناء سلعاً خرج من المدينة حتى أتى الشام، فتكاب الناس عليه، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فأرسل إلى أبي ذر. فكتب إليه عثمان يأمره بالقدوم عليه، فقال: سمعاً وطاعة. فلما قدم على عثمان قال له: ها هنا عندي. قال: الدنيا لا حاجة لي فيها، قال: تأتي الربذة، قال: إن أذنت لي. فلما قدم الربذة حضرت الصلاة، قيل له: تقدم يا أبا ذر، فقال: من على هذا الماء؟ قالوا: هذا، فإذا عبد حبشي. قال أبو ذر: الله أكبر، أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي. فتقدم، فصلى خلفه أبو ذر.
стр. 10185
وقال أبو ذر: كنت أخدم رسول الله ﷺ ، ثم آتي المسجد إذا أنا فرغت من عملي فاضطجع فيه. فأتاني رسول الله ﷺ وأنا مضطج فيه، فضبني برجله، فاستويت جالساً، ثم قال رسول الله ﷺ : كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ قلت: ألحق بأرض الشام، قال: كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ قلت: آخذ سيفي، فأضرب به من يخرجني، قال: فجعل رسول الله ﷺ يده على منكبي ثم قال: غفراً أبا ذر، غفراً أبا ذر، بل تنقاد معهم حيث قادوك، وتنساق معهم حيث ساقوك ولو لعبد أسود. قال: فلما نفيت إلى الربذة أقمت الصلاة، فتقدمهم رجل أسود كان فيها على بعض الصدقة، فلما رآني أخذ يرجع ليقدمني، فقلت: كما أنت أنقاد لأمر رسول الله ﷺ .
وقال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر، أنت رجل صالح، وسيصيبك بعدي بلاء، قلت: في الله؟ قال: في الله قلت: مرحباً بأمر الله.
وقال أبو ذر: أمرنا رسول الله ﷺ ألا نغلب على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن.
قال عبد الله بن أبي قيس: خرجنا مع غضيف بن الحارث نريد بيت المقدس، فأتينا أبا الدرداء، فسلمنا عليه، فقال أبو الدرداء: الق أبا ذر، فقل: يقول لك أبو الدرداء: اتق الله، وخف الناس، فقال أبو ذر: اللهم غفراً، إن كنا قد سمعنا فقد سمع، وإن كنا قد رأينا فقد رأى، أو ما علم أني بايعت رسول الله ﷺ على ألا تأخذني في الله
стр. 10186
لومة لائم.
عن أبي اليمان، وأبي المثنى أن أبا ذر قال: بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهد الله علي تسعاً ألا أخاف في الله لومة لائم. ثم قال أبو المثنى: قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله ﷺ وهو يشترط علي: أن لا تسأل الناس شيئاً، قلت: نعم، قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه.
عن أبي اليمان قال: لما قفل الناس عام غزوة قبرس وعليهم معاوية، ومعه أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا بالشام، فخرج إلى الكنيسة التي إلى جانب أنطرسوس التي يقال لها كنيسة معاوية، وبمقامه عندها دعيت كنيسة معاوية، فقام في الناس قبل أن يتفرقوا إلى أجنادهم، فقال: إنا قاسموا غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم للسفن فإنها مراكبكم، وسهم للقبط، فإنكم لم يكن لكم حيلة إلا بهم، وسهم لكم. فقام أبو ذر، فقال: كلا والله لا نقسم سهامنا على ذلك، أتقسم للسفن وهي مما أفاء الله علينا؟ وتقسم للقبط وإنما هم خولنا؟ والله ما أبالي من قال أو ترك، لقد بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله علي سبعاً: ألا تأخذني في الله لومة لائم.
فقال معاوية: تقسم الغنائم جميعاً على المسلمين.
قال بشر بن بكر: حدثنا الأوزاعي: حدثني أبو كثير، حدثني أبي قال:
أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه ثم قال: أرقيب أنت علي؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار بيده إلى
стр. 10187
قفاه ثم ظننت أن أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
وفي رواية: أن رجلاً أتى أبا ذر فقال: إن المصدقين يعني جباة الصدقة إزدادوا علينا، فنغيب عنهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ قال: لا، قف مالك عليهم فقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلاً فذروه، فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة.
وعلى رأسه فتىً من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتوى؟ فذكر ما سبق.
وعن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي؛ ثم ضرب بيده على صدره.
عن أبي الطفيل، عن ابن أخي أبي ذر قال: أخبرني رسول الله ﷺ أنه لن يسلط أحد على قتلي، ولن يفتنونني عن ديني. وأخبرني أني أسلمت فرداً، وأموت فرداً، وأبعث يوم القيامة فرداً.
قال الأحنف بن قيس: أتيت المدينة، ثم أتيت الشام، فجمعت، فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا فر أهلها، يصلي ويخف صلاته. فجلست إليه، قال: قم عني لا أغرك بشر، فقلت: كيف تغرني بشر؟ قال: إن هذا يعني معاوية نادى مناديه أن لا يجالسني أحد.
وفي رواية: كنت جالساً في حلقة بمسجد المدينة، فأقبل رجل لا تراه حلقة إلا فروا حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها، ففروا، وثبت، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، قلت: فما يفر الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن
стр. 10188
الكنوز، قلت: فإن أعطيتنا قد بلغت وارتفعت، أفتخاف علينا منها؟ قال: أما اليوم فلا، ولكن يوشك أن يكون أثمان دينكم، فإذا كان أثمان دينكم فدعوهم وإياها.
وقال: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليهم في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل.
قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، فأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً، إن خليلي أبا القاسم دعاني، فقال: يا أبا ذر، فأجبته، فقال: ترى أحداً، فنظرت ما علي من الشمس، وأنا أظنه يبعث بي في حاجة له، فقلت: أراه، فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئاً! فقلت: مالك ولإخوانك قريش، لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قال: لا وربك ما أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله.
قال مالك بن أوس بن الحدثان: قدم أبو ذر من الشام، فدخل المسجد وأنا جالس، فسلم علينا، وأتى سارية، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم قرأ: ألهاكم التكاثر حتى ختمها، واجتمع الناس عليه، فقالوا له: يا أبا ذر، حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال لهم: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته، من
стр. 10189
جمع ديناراً أو درهماً، أو تبراً، أو فضة لا يعده لغريم، ولا للنفقة في سبيل الله كوي به. قلت: يا أبا ذر، انظر ما تخبر عن رسول الله ﷺ ، فإن هذه الأموال قد فشت. فقال: من أنت يا بن أخي؟ فانتسبت له، قال: قد عرفت نسبك الأكبر، ما تقرأ " والذين يكنِزُون الذهبَ والفضةَ ولا ينفقونَها في سبيلِ الله "؟ وفي رواية: قدم أبو ذر من الشام وأنا جالس مع عثمان بن عفان في مسجد رسول الله ﷺ ، فجاء أبو ذر فسلم عليه، فقال عثمان: كيف أنت يا أبا ذر؟ قال: بخير، فكيف أنت؟ ثم ولى وهو يقول: " ألهاكُمُ التكاثرُ حتى زُرْتُم المقابر "، ورفع صوته وكان صلب الصوت حتى ارتج المسجد بقراءة السورة كلها، حتى مالت القراءة إلى سارية من سواري المسجد. فصلى ركعتين فتجوز فيهما، فاحتوشه الناس وقالوا: حدثنا عن رسول الله ﷺ ، وجلست قبالة وجهه.
فذكر نحو ما تقدم.
قال عبيد الله بن شميط: سمعت أبي يقول: بلغنا أن أبا ذر كان يقول وهو في مجلس معاوية: لقد عرفنا خياركم من شراركم، ولنحن أعرف بكم من البياطرة بالخيل. فقال رجل: يا أبا ذر، أتعلم الغيب؟ فقال معاوية: دعوا الشيخ فالشيخ أعلم منكم، من خيارنا يا أبا ذر؟ قال: خياركم أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة، وشراركم أرغبكم في الدنيا وأزهدكم في الآخرة.
حدثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان من الباب الذي لا يدخل عليه منه، فتخوفنا عثمان عليه، فانتهى إليه، فسلم عليه وقال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم، ولا أدركهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أموت. ثم استأذنه إلى الربذة، فقال: نعم نأذن لك.
стр. 10190
عن عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان، فلما دخل إليه حسر عن رأسه وقال: والله ما أنا منهم يا أمير المؤمنين يريد الخوارج قال ابن شوذب: سيماهم التسبيت يعني الحلق فقال له عثمان: صدقت يا أبا ذر، إنما أرسلت إليك لتجاورنا بالمدينة، قال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي إلى الربذة، قال: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح، قال: لا حاجة لي في ذلك، تكفي أبا ذر صريمته. فلما خرج من عنده قال: دونكم معاشر قريش دنياكم فاخذموها، ودعونا وربنا.
حدثني غزوان أبو حاتم قال: بينا أبو ذر عند باب عثمان ليؤذن له إذ مر به رجل من قريش، فقال: يا أبا ذر، ما يجلسك ها هنا؟ قال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا. فدخل الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال أبي ذر على الباب لا يؤذن له؟ فأمر فأذن له، فجاء حتى جلس ناحية القوم وميراث عبد الرحمن يقسم، فقال عثمان لكعب: يا أبا إسحاق، أرأيت المال إذا أدي زكاته هل يخشى على صاحبه فيه تبعة؟ فقال: لا، فقام أبو ذر ومعه عصاً، فضرب بها بين أذني كعب، ثم قال: يا بن اليهودية، أنت تزعم أنه ليس عليه حق في ماله إذا أدى الزكاة، والله تعالى يقول: " ويُؤْثِرون على أنفسهم " الآية، " ويُطْعِمون الطعامَ على حُبّه "، و" في أموالِهِمْ حَقُّ معلوم للسائل والمْحُروم "، فجعل يذكر نحو هذا
следующие страницы →