← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

لومة لائم. عن أبي اليمان، وأبي المثنى أن أبا ذر قال: بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهد الله علي تسعاً ألا أخاف في الله لومة لائم. ثم قال أبو المثنى: قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله ﷺ وهو يشترط علي: أن لا تسأل الناس شيئاً، قلت: نعم، قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه. عن أبي اليمان قال: لما قفل الناس عام غزوة قبرس وعليهم معاوية، ومعه أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا بالشام، فخرج إلى الكنيسة التي إلى جانب أنطرسوس التي يقال لها كنيسة معاوية، وبمقامه عندها دعيت كنيسة معاوية، فقام في الناس قبل أن يتفرقوا إلى أجنادهم، فقال: إنا قاسموا غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم للسفن فإنها مراكبكم، وسهم للقبط، فإنكم لم يكن لكم حيلة إلا بهم، وسهم لكم. فقام أبو ذر، فقال: كلا والله لا نقسم سهامنا على ذلك، أتقسم للسفن وهي مما أفاء الله علينا؟ وتقسم للقبط وإنما هم خولنا؟ والله ما أبالي من قال أو ترك، لقد بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله علي سبعاً: ألا تأخذني في الله لومة لائم. فقال معاوية: تقسم الغنائم جميعاً على المسلمين. قال بشر بن بكر: حدثنا الأوزاعي: حدثني أبو كثير، حدثني أبي قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه ثم قال: أرقيب أنت علي؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار بيده إلى

стр. 10187

قفاه ثم ظننت أن أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. وفي رواية: أن رجلاً أتى أبا ذر فقال: إن المصدقين يعني جباة الصدقة إزدادوا علينا، فنغيب عنهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ قال: لا، قف مالك عليهم فقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلاً فذروه، فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة. وعلى رأسه فتىً من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتوى؟ فذكر ما سبق. وعن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي؛ ثم ضرب بيده على صدره. عن أبي الطفيل، عن ابن أخي أبي ذر قال: أخبرني رسول الله ﷺ أنه لن يسلط أحد على قتلي، ولن يفتنونني عن ديني. وأخبرني أني أسلمت فرداً، وأموت فرداً، وأبعث يوم القيامة فرداً. قال الأحنف بن قيس: أتيت المدينة، ثم أتيت الشام، فجمعت، فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا فر أهلها، يصلي ويخف صلاته. فجلست إليه، قال: قم عني لا أغرك بشر، فقلت: كيف تغرني بشر؟ قال: إن هذا يعني معاوية نادى مناديه أن لا يجالسني أحد. وفي رواية: كنت جالساً في حلقة بمسجد المدينة، فأقبل رجل لا تراه حلقة إلا فروا حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها، ففروا، وثبت، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، قلت: فما يفر الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن

стр. 10188

الكنوز، قلت: فإن أعطيتنا قد بلغت وارتفعت، أفتخاف علينا منها؟ قال: أما اليوم فلا، ولكن يوشك أن يكون أثمان دينكم، فإذا كان أثمان دينكم فدعوهم وإياها. وقال: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليهم في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل. قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، فأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً، إن خليلي أبا القاسم دعاني، فقال: يا أبا ذر، فأجبته، فقال: ترى أحداً، فنظرت ما علي من الشمس، وأنا أظنه يبعث بي في حاجة له، فقلت: أراه، فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئاً! فقلت: مالك ولإخوانك قريش، لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قال: لا وربك ما أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. قال مالك بن أوس بن الحدثان: قدم أبو ذر من الشام، فدخل المسجد وأنا جالس، فسلم علينا، وأتى سارية، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم قرأ: ألهاكم التكاثر حتى ختمها، واجتمع الناس عليه، فقالوا له: يا أبا ذر، حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال لهم: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته، من

стр. 10189

جمع ديناراً أو درهماً، أو تبراً، أو فضة لا يعده لغريم، ولا للنفقة في سبيل الله كوي به. قلت: يا أبا ذر، انظر ما تخبر عن رسول الله ﷺ ، فإن هذه الأموال قد فشت. فقال: من أنت يا بن أخي؟ فانتسبت له، قال: قد عرفت نسبك الأكبر، ما تقرأ " والذين يكنِزُون الذهبَ والفضةَ ولا ينفقونَها في سبيلِ الله "؟ وفي رواية: قدم أبو ذر من الشام وأنا جالس مع عثمان بن عفان في مسجد رسول الله ﷺ ، فجاء أبو ذر فسلم عليه، فقال عثمان: كيف أنت يا أبا ذر؟ قال: بخير، فكيف أنت؟ ثم ولى وهو يقول: " ألهاكُمُ التكاثرُ حتى زُرْتُم المقابر "، ورفع صوته وكان صلب الصوت حتى ارتج المسجد بقراءة السورة كلها، حتى مالت القراءة إلى سارية من سواري المسجد. فصلى ركعتين فتجوز فيهما، فاحتوشه الناس وقالوا: حدثنا عن رسول الله ﷺ ، وجلست قبالة وجهه. فذكر نحو ما تقدم. قال عبيد الله بن شميط: سمعت أبي يقول: بلغنا أن أبا ذر كان يقول وهو في مجلس معاوية: لقد عرفنا خياركم من شراركم، ولنحن أعرف بكم من البياطرة بالخيل. فقال رجل: يا أبا ذر، أتعلم الغيب؟ فقال معاوية: دعوا الشيخ فالشيخ أعلم منكم، من خيارنا يا أبا ذر؟ قال: خياركم أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة، وشراركم أرغبكم في الدنيا وأزهدكم في الآخرة. حدثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان من الباب الذي لا يدخل عليه منه، فتخوفنا عثمان عليه، فانتهى إليه، فسلم عليه وقال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم، ولا أدركهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أموت. ثم استأذنه إلى الربذة، فقال: نعم نأذن لك.

стр. 10190

عن عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان، فلما دخل إليه حسر عن رأسه وقال: والله ما أنا منهم يا أمير المؤمنين يريد الخوارج قال ابن شوذب: سيماهم التسبيت يعني الحلق فقال له عثمان: صدقت يا أبا ذر، إنما أرسلت إليك لتجاورنا بالمدينة، قال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي إلى الربذة، قال: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح، قال: لا حاجة لي في ذلك، تكفي أبا ذر صريمته. فلما خرج من عنده قال: دونكم معاشر قريش دنياكم فاخذموها، ودعونا وربنا. حدثني غزوان أبو حاتم قال: بينا أبو ذر عند باب عثمان ليؤذن له إذ مر به رجل من قريش، فقال: يا أبا ذر، ما يجلسك ها هنا؟ قال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا. فدخل الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال أبي ذر على الباب لا يؤذن له؟ فأمر فأذن له، فجاء حتى جلس ناحية القوم وميراث عبد الرحمن يقسم، فقال عثمان لكعب: يا أبا إسحاق، أرأيت المال إذا أدي زكاته هل يخشى على صاحبه فيه تبعة؟ فقال: لا، فقام أبو ذر ومعه عصاً، فضرب بها بين أذني كعب، ثم قال: يا بن اليهودية، أنت تزعم أنه ليس عليه حق في ماله إذا أدى الزكاة، والله تعالى يقول: " ويُؤْثِرون على أنفسهم " الآية، " ويُطْعِمون الطعامَ على حُبّه "، و" في أموالِهِمْ حَقُّ معلوم للسائل والمْحُروم "، فجعل يذكر نحو هذا

стр. 10191

من القرآن. فقال عثمان للقرشي: إنما نكره أن نأذن لأبي ذر من أجل ما ترى! عن ابن عباس قال: كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية، فكان يحب الوحدة والخلوة. فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار، فقال عثمان: ألا ترضون من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل القرابات. فقال كعب: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه، فرفع أبو ذر محجنةً، فضربه، فشجه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال: يا أبا ذر، اتق الله، واكفف يدك ولسانك. وقد كان قال له: يا بن اليهودية، ما أنت وما ها هنا؟! والله لتسمعن مني أو لا أدخل عليك، والله لا يسمع أحد من اليهود إلا فتنوه. قال زيد بن وهب: حدثني أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ البناء سلعاً فارتحل إلى الشام. فلما بلغ البناء سلعاً قدمت الشام، وكنت بها، فتلوت هذه الآية " والذين يكِنُزون الذَّهبَ والفِضّةَ "، فقال معاوية: هذه للكفار، فقلت: هي لأهل الإسلام. فكتب إلى عثمان: إن هذا يفسد، فكتب إلي عثمان، فقدمت المدينة، فأجفل الناس ينتظرونني، كأنهم لم يروني قط، فقال لي عثمان: لو ارتحلت إلى الربذة؟ قال: فارتحلنا إلى الربذة. وفي رواية: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: " والذين يكنزون الذهبَ والفضةَ "، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمت المدينة، فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكر ذلك لعثمان، فقال:

стр. 10192

إن شئت تنحيت، فكنت قريباً. قال: فذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمر علي حبشي لسمعت وأطعت. قال موسى بن عبيدة: أخبرني ابن نفيع، عن ابن عباس قال: استأذن أبو ذر على عثمان وأنا عنده، فتغافلوا عنه ساعةً، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا أبو ذر بالباب يستأذنك، فقال: ائذن له إن شئت، إنه يؤذينا ويبرح بنا، قال: فأذنت له، فجلس على سرير مرمول من هذه البحرية، فرجف به السرير، وكان عظيماً طويلاً، فقال له عثمان: أما إنك الزاعم أنك خير من أبي بكر وعمر؟ قال: ما قلت: قال عثمان: إني أنزع عليك بالبينة، قال: والله ما أدري ما بينتك، وما تأتي به؟ وقد علمت ما قلت، قال: فكيف قلت إذاً؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي يلحق بي على العهد الذي عاهدته عليه، وكلكم قد أصاب من الدنيا، وأنا على ما عاهدني عليه، وعلى الله تمام النعمة. وسأله عن أشياء، فأخبره بالذي يعلمه، فأمره أن يرتحل إلى الشام فيلحق بمعاوية، فكان يحدث بالشام، فاستهوى قلوب الرجال، فكان معاوية ينكر بعض شأن رعيته، وكان يقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، ولا تبر، ولا فضة إلا شيء ينفقه في سبيل الله، أو يعده لغريم. وإن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل: أنقذ جسدي من عذاب معاوية أنقذك الله من النار، فإني أخطأت بك. قال: يا بني، قل له: يقول لك أبو ذر: والله ما أصبح عندنا منه دينار، ولكن أنظرنا ثلاثاً حتى نجمع لك دنانيرك. فلما رأى معاوية أن قوله صدق فعله كتب إلى عثمان: أما بعد، فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله فابعث إلى أبي ذر، فإنه قد أوغل صدور الناس. فكتب إليه عثمان: أقدم علي. فقدم عليه المدينة.

стр. 10193

قال شداد بن أوس: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله ﷺ فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه يسلم عليهم، ثم إن رسول الله ﷺ يرخص فيه بعد فلم يسمعه أبو ذر، فتعلق أبو ذر بالأمر الشديد. قال عبد بن سيدان السلمي: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسماً، فقال الناس: مالك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع، ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة وفي رواية: لو أن عثمان أمرني أن أمشي على رأسي لمشيت، وفي رواية: لو أمرني ألا أجلس ما جلست ما حملتني رجلاي ولو كنت على بعير يعني موثقاً ما أطلقت نفسي حتى يكون هذا الذي يطلقني. وفي رواية: لما قدم أبو ذر على عثمان من الشام قال: يا أمير المؤمنين، أتحسب أني من قوم والله ما أنا منهم، ولا أدركتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ولا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه، سيماهم التحليق. والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت ما ملكتني رجلاي ولو أوثقتني بعرقوتي قتب ما حللته حتى تكون أنت الذي تحلني. عن شيخين من بني ثعلبة: رجل وامرأته قالا: نزلنا الربذة، فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستأذناه أن نغسل رأسه، فأذن لنا، واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك

стр. 10194

إذ أتاه نفر من أهل العراق، حسبته قال: من أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا ذر، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب له رايةً، فنكملك برجال ما شئت؟ فقال: يا أهل الإسلام، لا تعرضوا علي ذاكم، ولا تذلوا السلطان؛ فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة وأطول جبل لسمعت، وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق أو قال: ما بين الشرق والغرب لسمعت، وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت، وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي. عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت عند أبي الدرداء إذ جاءه رجل من أهل المدينة، فسأله فقال: إني تركت أبا ذر يسير إلى الربذة، فقال أبو الدرداء: إنا لله وإنا إليه راجعون! لو أن أبا ذر قطعني عضواً عضواً ما هجته مما سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه. قال الحافظ أبو القاسم ﵀: ولم يسير عثمان أبا ذر، لكنه خرج هو إلى الربذة لما تخوف من الفتنة التي حذره النبي ﷺ ، فلما خرج عقيب ما جرى بينه وبين أمير المؤمنين عثمان ظن أنه هو الذي أخرجه. ثم أسند عن عبد الله بن الصامت قال: قالت أم ذر: والله ما سير عثمان أبا ذر ولكن رسول الله ﷺ قال: إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها، فلما بلغ البناء سلعاً وجاوز خرج أبو ذر إلى الشام. وذكر الحديث في رجوعه، ثم خروجه إلى الربذة، وموته بها.

стр. 10195

قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلساً من رسول الله ﷺ يوم القيامة. وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا بهيئة ما تركته فيها، وإنه والله ما منكم أحد إلا قد تشبث منها بشيء. قال مالك بن دينار: قال أبو ذر للنبي ﷺ : والذي بعثك بالحق لا لقيتك إلا على الذي فارقتك عليه. عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في جهنم عقبة كؤود لا يقطعها إلا المخفون، قلت: أمن المخفين أنا يا رسول الله؟ قال: عندك طعام يوم؟ قلت: نعم، قال: أعندك طعام غد؟ قلت: نعم، قال: أعندك طعام بعد غد؟ قلت: لا، قال: لو كان عندك طعام ثلاثة أيام لكنت من المثقلين. وقال أبو ذر: كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ في كل جمعة صاعاً فلست بزائد عليه حتى ألقاه. قال إبراهيم التيمي: دخل شباب من قريش على أبي ذر فقالوا له: فضحتنا بالدنيا، وأغضبوه، فقال: مالي وللدنيا، وإنما يكفيني صاع من طعام في كل جمعة، وشربة من ماء في كل يوم. قال المعرور بن سويد: نزلنا الربذة، فإذا رجل عليه برد، وعلى غلامه برد مثله، فقلنا له، لو أخذت

стр. 10196

برد غلامك هذا فضممته إلى بردك هذا فلبسته كانا حلةً، واشتريت لغلامك برداً غيره؟ قال: إني سأحدثكم عن ذلك: كان بيني وبين صاحب لي كلام، وكانت أمه أعجميةً، فنلت منها، قال رسول الله ﷺ يعذره مني، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر، ساببت فلاناً؟ فقلت: نعم، قال: فذكرت أمه؟ فقلت: من ساب الرجال ذكر أبوه وأمه، فقال لي: إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت: على حال ساعتي من الكبر؟ قال: على حال ساعتك من الكبر؛ إنهم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه. عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذر حدثان إسلامه لابن عمه: يا بن الأمة، فقال النبي ﷺ : ما ذهبت عنك أعرابيتك بعد. عن عطاء بن أبي مروان، عن أبي ذر أنه رآه في نمرة مؤتزراً بها، قائماً يصلي، فقلت: يا أبا ذر، مالك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي رأيته علي، قلت: رأيت عليك منذ أيام ثوبين، فقال: يا بن أخي، أعطيتهما من هو أحوج مني إليهما، قلت: والله إنك لمحتاج إليهما، قال: اللهم غفراً، إنك لمعظم للدنيا، ألست ترى علي هذه البردة؟ ولي أخرى للمسجد، ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟

стр. 10197

قال عبد الله بن خراش: رأيت أبا ذر بالربذة في ظلة له سوداء، وتحته امرأة له سحماء، وهو جالس على قطعة جوالق، فقيل له: يا أبا ذر، إنك امرؤ ما يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم في الفناء، ويدخرهم في دار البقاء، قالوا: يا أبا ذر، لو اتخذت امرأةً غير هذه؟ قال: لأن أتزوج امرأة تضعني أحب إلي من امرأة ترفعني، قالوا له: لو اتخذت بساطاً ألين من هذا؟ قال: اللهم غفراً، خذ مما خولت ما بدا لك. عن رجل من بني سليم قال: جاورت أبا ذر بالربذة وله فيها قطيع إبل، له فيها راع ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحباً أكف راعيكم، وأقتبس بعض ما لعل الله ينفعني به. فقال له أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فما كنت لي مطيعاً فأنت لي صاحب، وإلا فلست لي بصاحب. قلت: وما الذي تسألني الطاعة فيه؟ قال: لا أدعوك لشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه ما شاء الله، فذكر له في أهل الماء حاجة، فقال: ائتني ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل، فإذا أفضلها فحلها ذلول، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتهم إليه، فتركته وأخذت ناقةً ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة، فرآني، فقال: يا أخا بني سليم، جنبني، يا أخا بني سليم أجتنبني، فلما فهمتها خليت الناقة ثم رجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: من رجلان يحتسبان عملهما؟ فقال رجلان: نحن، فقال: إما لا فأنيخاه، ثم اعقلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء، فجزئوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتاً مما تفعلون. فلما فرقوا اللحم دعاني، فقال: ما أدري حفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك، ولكن لما تصفحت الإبل وجدت أفضلها فحلها، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتكم إليه فتركته. قال: ما تركته إلا لحاجتي إليه؟ قلت:

стр. 10198

ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي إليه؟ يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي. إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو بشرها، والوارث، ينتظر متى يوضع رأسك فيستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت ألا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن؛ مع أن الله تعالى قال: " لَنْ تنالوا البِرَّ حتّى تُنْفِقُوا ممّا تُحِبُّون "، وإن هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي. عن سعيد بن أبي الحسن أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه للسنة فاشتراه، ثم اشترى فلوساً بما بقي، وقال: إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكى عليه إلا هو يتلظى على صاحبه. عن رجل من أهل الشام أنه دخل على أبي ذر وهو يوقد تحت قدر له من حطب قد أصابه مطر، ودموعه تسيل، فقالت له امرأة له: كان لك عن هذا مندوحة، فلو شئت كفيت، فقال أبو ذر: فهذا عيشي، فإن رضيت وإلا فتحت كنف الله. قال: فكأنما ألقمها حجراً؛ حتى إذا أنضج ما في القدر جاء بصحفة، فكسر فيها خبزاً له غليظاً، ثم جاء بالذي كان في القدر، فكبه عليه، ثم جاء به، وقال لي: ادن، فأكلنا جميعاً، ثم أمر جاريته أن تسقينا، فسقتنا مذقةً من لبن معزاة، فقلت: أبا ذر، لو اتخذت في بيتك عيشاً؟ فقال: أتريد لي حساباً أكثر من هذا؟ أليس هذا مثالاً نرقد عليه، وعباءة نبسطها، وكساءً

стр. 10199

نلبسه، وبرمة نطبخ فيها، وصحفة نأكل فيها، وبطة فيها زيت، وغرارة فيها دقيق؟ قلت: فإن عطاءك أربعمائة دينار، وأنت في شرف من العطاء فأين يذهب عطاؤك؟ فقال: لي في هذه القرية وأشار إلى قرية بالشام ثلاثون فرساً، فإذا خرج عطائي اشتريت لها علفاً، وأرزاقاً لمن يقوم عليها، ونفقة لأهلي، فإن بقي منها شيء اشتريت به فلوساً، فجعلته عند نبطي ها هنا، فإن احتاج أهلي إلى لحم أخذوا منه، وإن احتاجوا إلى شيء أخذوا منه، ثم أحمل عليها في سبيل الله. وليس عند آل أبي ذر دينار، ولا درهم. قال ميمون بن مهران: لما احتضر أبو ذر قال لامرأته: أين تلك النفقة؟ فجاءت بثلاثة عشر درهماً، فأمر بها فوضعت مواضعها، ثم قال: إن كانت محرقتي ما بين عانتي إلى ذقني. عن محمد بن المنذر قال: بعث حبيب بن مسلمة إلى أبي ذر وهو بالشام ثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك، فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، فما أحد أغنى بالله منا، لنا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل. وعن ابن سيرين قال: بلغ رجلاً كان بالشام من قريش أن أبا ذر به عوز، فبعث إليه ثلاثمائة دينار فقال: ما وجد عبداً لله هو أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سأل وله أربعون فقد ألحف، ولآل أبي ذر أربعون درهماً، وأربعون شاةً، وماهنان يعني خادمين.

стр. 10200

عن أبي شعبة قال: مر قوم بأبي ذر بالربذة، فعرضوا عليه النفقة، فقال أبو ذر: عندنا أعنز نحلبها، وأحمرة ننتقل عليها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة إني لأخاف الحساب فيها. وفي رواية: وفضل عباءة عن كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب الفضل. عن يحيى قال: كان لأبي ذر ثلاثون فرساً يحمل عليها، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزى عليها، ويصلح آلة بقيتها، فإذا رجعت أخذها فأصلح آلتها، وحمل على الأخرى. عن جسر بن الحسن قال: كان عطاء أبي ذر أربعة آلاف، فكان يشتري عشرين فرساً فيرتبطها بحمص، فكان يحمل على عشر عاماً، وعشر عاماً. قال إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى: حدثني أبي، عن جدي قال: خرج أبو الدرداء إلى السوق يشتري قميصاً، فلقي أبا ذر، فقال: أين تريد يا أبا الدرداء؟ قال: أريد أن أشتري قميصاً، قال: وبكم؟ قال: بعشرة دراهم. فوضع أبو ذر يده على رأسه ثم قال: ألا إن أبا الدرداء من المسرفين. قال: فالتمست مكاناً أتوارى فيه، فلم أقدر، فقلت: يا أبا ذر، لا تفعل، مر معي، فاكسني أنت، قال: وتفعل؟ قلت: نعم. فأتى السوق، فاشترى قميصاً بأربعة دراهم. قال: فانصرفت حتى إذا كنت بين منزلي والسوق لقيت رجلاً لا يكاد يواري سوأته، فقلت له: اتق الله ووار سوأتك! فقال: ما أجد ما أواري به سوأتي، فألقيت إليه الثوب، ثم انصرفت إلى السوق، فاشتريت قميصاً بأربعة دراهم، ثم انصرفت إلى منزلي، فإذا خادمة على الطريق تبكي، قد اندق إناؤها، فقلت: ما يبكيك؟ فقالت: اندق إنائي، وأبطأت على أهلي. فذهبت

стр. 10201

معها إلى السوق، فاشتريت لها سمناً بدرهم، وإناء بدرهم. فقالت: يا شيخ، أما إذ فعلت ما فعلت فامش معي إلى أهلي، فإني قد أبطأت، وأنا أخاف أن يضربوني، قال: فمشيت معها إلى مواليها فدعوت، فخرج لي مولاها، فقال: ما عناك يا أبا الدرداء؟ فقلت: خادمكم أبطأت عنكم، وأشفقت أن تضربوها، فسألتني أن آتيكم لتكفوا عنها. قال: فأنا أشهدك أنها حرة لوجه الله لممشاك معها. قال أبو الدرداء: فقلت: أبو ذر أرشد مني، كساني قميصاً، وكسا مسكيناً قميصاً، وأعتق رقبةً بعشرة دراهم. قال ثابت البناني: بنى أبو الدرداء مسكناً تدرأ بظله، فمر عليه أبو ذر، فقال: ما هذا؟ تعمر داراً أمر الله بخرابها؟! لأن أكون رأيتك تتمرغ في عذرة أحب إلي من أن أكون رأيتك فيها! فلما فرغ أبو الدرداء من بنائه قال: إني قائل على بنائي هذا شيئاً: بنيت داراً ولست عامرها ... لقد علمت إذ بنيت أين داري قال ابن سعد: يسنده إلى ابن بريدة، قال: لما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر، فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري رجلاً خفيف اللحم، قصيراً، وكان أبو ذر اسود كث الشعر، فجعل الأشعري يلزمه ويقول أبو ذر: إليك عني، ويقول الأشعري: مرحباً بأخي، ويدفعه أبو ذر ويقول: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل. قال: ثم لقي أبا هريرة، فالتزمه، وقال: مرحباً بأخي، فقال له أبو ذر: إليك عني، هل كنت عملت لهؤلاء؟ قال: نعم. قال: قد تطاولت في البناء، واتخذت زرعاً وماشيةً؟ قال: لا، قال: أنت أخي، أنت أخي.

стр. 10202

قال سفيان الثوري: قال أبو ذر: لك في مالك شريكان أيهما جاء أخذ ولم يؤامرك: الحدثان والقدر، كلاهما يمر على الغث والسمين، والورثة ينتظرون متى تموت فيأخذون ما تحت يدك. وأنت تقدم لنفسك؛ فإن استطعت ألا تكون أخس الثلاثة نصيباً فافعل. قال جعفر بن سليمان: دخل رجل على أبي ذر، فجعل يقلب بصره في بيته. فقال له: يا أبا ذر، أين متاعك؟ وفي رواية: ما أرى في بيتك متاعاً، ولا غير ذلك من الأثاث فقال: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا. قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت ها هنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه. وعن ابن جدعان، عمن سمع أبا ذر في مسجد المدينة يقول لرجل: بم تخوفني؟ فوالله للفقر أحب إلي من الغنى، ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها. وقال أبو ذر: أحب الإسلام وأهله، وأحب الفقراء، وأحب الغريب من كل قلبك. وادخل في هموم الدنيا واخرج منها بالصبر، ولا يأمن رجل أن يكون على خير فيرجع إلى شر، فيموت بشر، ولا ييأس رجل أن يكون على شر، فيرجع إلى خير، فيموت بخير، وليردك عن الناس ما تعرف من نفسك. وقال: يا أيها الناس، إني بكم ناصح، إني عليكم شفيق، صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبر، وصوموا في الدنيا لحر يوم النشور، وتصدقوا مخافة يوم عسير لعظائم الأمور.

стр. 10203

وقال: وددت أني شجرة تعضد، وددت أني لم أخلق. قال المدائني: قال عمر بن الخطاب لأبي ذر: يا أبا ذر، من أنعم الناس بالاً؟ قال: برئ في الثواب، قد أمن من العقاب فبشر بالثواب. قال: صدقت يا أبا ذر. وأسند ابن أبي الدنيا عن بعضهم قال: جاء غلام لأبي ذر وقد كسر رجل شاة له، فقال له أبو ذر: من كسر رجل هذه الشاة؟ قال: أنا، قال: ولم؟ قال: لأغيظك، لتضربني، فتأثم. فقال أبو ذر: لأغيظن من حرضك على غيظي! فأعتقه. قالت أم طلق: دخلت على أبي ذر فرأيته شعثاً شاحباً بيده صوف، قد جعل عودين وهو يغزل به ذلك الصوف، فنظرت يمنةً ويسرة فلم أر في بيته شيئاً، فناولته شيئاً من دقيق وسويق، فجعله في طرف ثوبه، فقال: أما ثوابك فعلى الله. وفي رواية: رأيته شعثاً شحباً، وفي يده صوف منفوش وعودان، قد وضع أحدهما على الآخر، وهو يغزل ذلك الصوف. قال عيسى بن عميلة الفزاري: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمةً له، فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، ولقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصره، وقرب إليهم تمراً وهو يسير، ثم تعذر إليهم، وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئاً.

стр. 10204

قال أبو ذر: أن تملي خيراً فيكتب لك خير من السكوت، والسكوت خير من أن تملي شراً، والجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. وفي رواية رفع ذلك إلى النبي ﷺ : قال أبو الأسود الدؤلي: قد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ فما رأيت بأبي ذر شبيهاً. قال ابن سعد: قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بين أبي ذر وبين المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة، وهو المعنق ليموت، وقال: لم تكن المؤاخاة إلا قبل بدر، فلما نزلت آية المواريث انقطعت المؤاخاة، وأبو ذر حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على رسول الله ﷺ المدينة بعد ذلك. عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ ، وهو على حمار وعليه بردعة أو قطيفة. عن أبي ذر أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم. وفي حديث آخر أن أبا ذر سأل رسول الله ﷺ الإمرة، فقال: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، فأدى الذي عليه فيها. عن غالب بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلاً قال: كنت أصلي مع أبي ذر في بيت المقدس، فكان إذا دخل خلع

стр. 10205

خفيه، فإذا بزق، أو تنخع تنخع عليهما. قال: ولو جمع ما في بيته لكان رداء هذا الرجل أفضل من جميع ما في بيته. عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته، وهو مستقبل مطلع الشمس، فظننته نائماً، فدنوت منه، فقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ فقال: لا بل كنت أصلي. عن بريدة بن سفيان ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما صار أبو ذر إلى الربذة وأصابه قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني، وكفناني، وضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم قولوا له: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا به ذلك، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عماراً، فلم يرعهم إلا بجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل أن تطأها، فقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله يبكي، وقال: صدق رسول الله ﷺ ، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، فنزل هو وأصحابه فواروه. عن محمد بن كعب أن رسول الله ﷺ قيل له عام تبوك: تخلف أبو ذر، وهو في الطريق، فطلع، فقال: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. قال: فلما حضرت أبا ذر الوفاة، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان من إمارة عثمان، قال لابنته: استشرفي يا بنية هل ترين أحداً؟ قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها،

стр. 10206

فذبحت شاةً، ثم قصبتها. ثم قال لها: إذا جاءك الذين يدفنونني فقولي لهم: إن أبا ذر يقسم عليكم ألا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب مقبلون، قال: استقبلي بي الكعبة، ففعلت، وقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. ثم خرجت ابنته، فتلقتهم، وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر! قالوا: وأين هو؟ فأشارت لهم إليه، وقد مات، فادفنوه، فقالوا: نعم، ونعمة عين، لقد أكرمنا الله بذلك. وإذا ركب من أهل الكوفة فيهم عبد الله بن مسعود، فمالوا إليه، وابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ : يموت وحده، ويبعث وحده. فغسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، ودفنوه. فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرؤ عليكم السلام، وأقسم ألا تركبوا حتى تأكلوا. ففعلوا. وحملوهم حتى قدموا بهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم الله أبا ذر. عن دري قال: خرجنا حجاجاً مع ابن مسعود ونحن أربعة عشر راكباً فسماهم، وفيهم: علقمة، والأسود وذلك سنة إحدى وعشرين، وفي رواية: أربعاً وعشرين حتى أتينا على الربذة، فإذا امرأة قد تلقتنا، فقالت: اشهدوا أبا ذر. فغسلناه، وكفناه؛ فإذا خباؤه منضوح بمسك، فقلنا للمرأة: ما هذا؟ قالت: كانت مسكة، فلما حضر قال: إن الميت يحضره شهود يجدون الريح، ولا يأكلون، فذوفي تلك المسكة بماء، ثم رشي بها الخباء، وأقريهم ريحها، واطبخي هذا اللحم، فإنه سيشهدني قوم صالحون يلون دفني، فاقريهم. فلما دفناه دعتنا إلى الطعام، فأكلنا، وأردنا احتمالها، فقال ابن مسعود: أمير المؤمنين منا

стр. 10207

قريب، فنستأمره، فقدمنا مكة، وأخبرناه الخبر، فقال: رحم الله أبا ذر، وغفر له نزوله بالربذة. فلما صدر خرج، فأخذ طريق الربذة، وضم عياله إلى عياله، وتوجه نحو المدينة، وتوجهنا نحو العراق. وعن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أم ذر قالت: لما حضر أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، ولا يدان لي بتغييبك، وليس معنا ثوب يسعك كفناً، ولا لك. فقال: لا تبك، وأبشري، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا منهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذبت، ولا كذبت، فأبصري الطريق. فقلت: أنى وقد ذهب الحاج، وتقطعت الطرق؟!؟ فقال: انظري. قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب، فأقوم عليه، ثم أرجع إليه فأمرضه. فبينما أنا كذلك إذا أنا برجال على رواحلهم كأنهم الرخم، فألحت بثوبي، فأسرعوا، ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إلي، فقالوا: مالك يا أمة الله؟ فقلت: امرؤ من المسلمين، تكفنونه، يموت، فقالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فسلموا عليه، فرحب بهم، وقال: أبشروا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يموت بين امرأين من المسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبا، فيريان النار أبداً. وسمعته يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منك بفلاة من الأرض، فتشهده عصابة من المسلمين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، وإني أنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت. وقال: أنشدكم الله، لا يكفني منكم رجل كان أميراً أو عريفاً، أو

стр. 10208

بريداً، أو نقيباً. فكفنه أنصاري في ردائه وثوبين عنده من غزل أمه، ودفنه النفر الذين معه، منهم: حجر بن الأدبر، ومالك الأشتر، في نفر كلهم يماني. قال المدائني: مات أبو ذر بالربذة، وصلى عليه ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين، وقدم ابن مسعود المدينة، فأقام عشرة أيام، ثم مات بعد عاشره. زاد غيره فيمن مات هذه السنة: معاذ بن عمرو بن الجموح، وأبا الدرداء، وكعب الأحبار. أبو ذر البعلبكي قال الخطيب: هو مجهول. أبو الذكر حكى عنه أبو علي محمد بن هارون بن شعيب قال: أنشدنا أبو الذكر الشامي وفي نسخة الدمشقي: مجزوء الكامل وسئمت كلّ مآربي ... فكأنّ أحسنها خبيث إلاّ الحديث فإنّه ... مثل اسمه أبداً حديث أبو الذيال من ولد بلال بن سعد

стр. 10209

حرف الراء أبو راشد الحبراني اسمه أخضر بن حوط ويقال: النعمان بن بشير. من أهل حمص ويقال: إنه دمشقي. عن أبي راشد الحبراني، عن عبادة بن الصامت: أنه قام فينا عند كنيسة معاوية، فحدث أن رسول الله ﷺ كان يقول: من عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وسمع وأطاع أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء ولها ثمانية أبواب، قال: ومن عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وسمع، وعصى فإن الله من أمره بالخيار، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه. كنيسة معاوية إلى جانب أنطرطوس نسبت إليه لأنه كان ينزل بها. عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له: حدثنا مما سمعت رسول الله ﷺ ، فألقى إلي صحيفةً، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ . قال: فنظرت، فإذا فيها: إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، علمني ما أقول إذا أصبحت، وإذا أمسيت، فقال: يا أبا بكر، قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيث والشهادة، لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقرف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم.

стр. 10210

وقال: أخذ بيدي أبو أمامة قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ ثم قال: يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين له قلبي. وقال: ركبت البحر عام قبرس مع ثلاثة عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ منهم: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعمير بن سعد، ومعاوية وهو الأمير. قال أحمد بن عبد الله العجلي: أبو راشد الحبراني: شامي، تابعي، ثقة، لم يكن بدمشق في زمانه أفضل منه. قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الشام: أبو راشد الحبراني. من حمير. كان يصفر لحيته. أبو الربيع الدمشقي إن لم يكن سليمان بن عتبة فهو آخر. أبو رجاء بن أخي أبي إدريس الخولاني . عن أبي رجاء، عن أبي إدريس عمه: أنه كان بدمشق قاعداً في يوم بارد، فأراد أن يخلع خفيه فيتوضأ، فمر به بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، فقال: يا بلال، كيف كان نبي الله ﷺ يتوضأ؟ قال: يمسح على الخفين والخمار، فقال: الحمد لله. وترك خفيه، ولم يخلعهما.

стр. 10211

وقال البرقاني: سألت الدارقطني، عن حديث زهير، عن حميد، عن أبي رجاء، عن عمه أبي إدريس، عن بلال في المسح فقال: تفرد فيه زهير بزيادة أبي رجاء، فقلت: يخرج هذا الحديث في الصحيح؟ فقال: نعم. أبو الرضا الصياد العابد حكى عن قاسم الجوعي قال: سمعت قاسم الجوعي يقول: العيش في ثلاثة أشياء: أولها الاستغناء عن الناس، العدو منهم والصديق، والثانية صحة البدن، والثالثة الأمن من الدين. أبو الرضا بن النحاس الحلبي شاعر قدم دمشق مرات. قال أبو عبد الله بن الملحي: هو ابن أخت أبي نصر الوزير، العالم المفيد الكاتب الشاعر المجيد. وكان أبو الرضا وصل إلى دمشق عند القبض على خاله، لأخذ خاله، فاجتمعت به، وأنشدني لخاله: من الكامل يا قلب أنت أذت لي في هجره ... وزعمت أنّك قاصرٌ عن ذكره وضمنت إنجادي عليه بسلوةٍ ... لا أتّقي فيها عواقب غدره ورجعت تطلبه وأنت أضعته ... هيهات فات الحزم فارط أمره فاستحسنت هذه الأبيات حتى غنى بها القيان، وهام بها الشيوخ والشبان. فعمل أبو الرضا: من الكامل يا طرف أنت طرحتني في حبّه ... وزعمت قلبك في هواه كقلبه حتّى إذا لفحتك نيران الجوى ... فحرمت ما أمّلته من قربه

стр. 10212

أنشأت تذكر ما جنيت وقلت: خذ ... قلبي المعنّى في هواه بذنبه ذق مرّ ما استحسنته وجنيته ... لا ينكر المغرور صرعة عجبه واغرق بدمعك في البكاء فربما ... قتل المتيّم نفسه من كربه قال ابن الملحي: وكتب إلي يوماً: من البسيط يا من إذا ما البليغ الحبر جاذبه ... حبل الفصاحة منسوبٌ إلى النّوك وابن الألى غمر الأحرار فضلهم ... حتى لقد أصبحوا مثل المماليك ما زلت تدأب في العلياء تعمرها ... مجاهداً في طريق غير مسلوك دعوتنا دعوةً بالأمس معجزةً ... فثنّ، لا تجعلنها بيضة الدّيك أبو روح شيخ صالح قال أحمد بن إبراهيم بن ملاس: قد رأيت أبا روح وذكر أنه كان يشبه بالأوزاعي فذكر أن أباه بلغ مائة سنة وست سنين، وأنه ذكر أنه كان بناحية عبادان من أرض البصرة، وأن المراكب كانت إذا شحنت للغزو لم يؤذن لها في المضي حتى يدخلها، فيدعو فيها بالبركة والسلامة. فذكر عن أبيه أنه صلى مع الناس صلاة العيد بالبصرة، فلما انصرف الناس ذكر الزحام والدواب، فقعد على دابته، فخف الناس، فما علم إلا بفارس قد أقبل على فرس كميت عليه قباء أبيض، فسلم عليه وقال: هل مر بك إنسان؟ قال: لا، قال: فما علم إلا بآخر قد جاء في مثل هيأته على فرس، وعليه قباء أبيض، فقال أحدهما لصاحبه: انظر من صح عمله فأجز عليه، فأخرج من قبائه كتاباً فجعل يجيز على واحد واحد.

стр. 10213

أبو روق الدمشقي أحد المجاهيل. حدث عن محمد بن غالب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : سبعة في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله: رجل ذكر الله ففاضت عيناه، ورجل يحب عبداً لا يحبه إلا لله، ورجل قلبه معلق بالمساجد من شدة حبه إياها، ورجل يعطي الصدقة بيمينه فيكاد يخفيها عن شماله، وإمام مقسط في رعيته، وامرأة ذات جمال عرضت نفسها على رجل فتركها لخوف من الله، ورجل كان في سرية، فلقيهم العدو، وانكشفوا فحمى أدبارهم حتى نجا ونجوا. أبو رويحة الخثعمي قيل اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، ويقال: ربيعة بن السكن. آخى النبي ﷺ بينه وبين بلال بن رباح. وقدم الشام مع بلال، ثم سكن فلسطين. روى عنه عبد الجبار بن عبد الله الخثعمي أنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ ، فعقد لي رايةً بيضاء، وقال لي: يا أبا رويحة، اذهب إلى قومك، فناد فيهم: من دخل تحت راية أبي رويحة فهو آمن، ففعلت. قال ابن سميع في الطبقة الأولى: أبو رويحة الفزعي، من خثعم. وذكره موسى بن سهل فيمن نزل فلسطين من الصحابة.

стр. 10214

قال محمد بن إسحاق لما دون عمر الديوان بالشام كان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهداً، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبداً، للأخوة التي كان النبي ﷺ عقد بيني وبينه، فضمه إليه، وضم ديوان الحبشة إلى خثعم لمكان بلال منهم، فهم مع خثعم إلى هذا اليوم بالشام. قال البغوي: لم يسند أبو رويحة عن النبي ﷺ حديثاً. أم الربيع جدة سعيد بن عيسى. ذكرها ابن سميع في الطبقة الثانية.

стр. 10215

حرف الزاي أبو زائد الدمشقي حكى عن جعفر بن زياد الشامي قال: هوي رجل منا جاريةً سوداء، فلامه أهله، فقال: من الوافر يكون الخال في خدٍّ قبيحٍ ... فيكسوه الملاحة والجمالا فكيف يلام إنسان على من ... يراه كلّه في العين خالا؟! أبو الزبير الدمشقي حكى عن أبيه قال: نفق فرس لرجل مع الفضل بن العباس في رفقته، فأعطاه فرساً كان يحبب إليه، فعاتبه بعض المنتصحين إليه. فقال له: أبخيلي تتنصح إلي؟ إنه كفى لؤماً أن يمنع الفضل، وتترك المواساة. والله ما رأيت الله حمد في كتابه إلا المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. أبو زرعة بن عمرو بن جرير ابن عبد الله البجلي اختلف في اسمه. فقيل: عمرو بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هرم بن عمرو، وقيل: عبد الله.

стр. 10216

روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حببان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. وروى عن أبي هريرة قال: كان سرول الله ﷺ إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، فقلت: بأبي أنت وأمي، رأيت سكتتك بين التكبير والقراءة، فأخبرني ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد. وفد على معاوية مع جده جرير، وقال: ما وفد جرير قط إلا وفدت معه، ولا دخل على معاوية إلا دخلت معه، ولا دخلنا عليه قط إلا ذكر قتل حجر، ثم يخرج أبو هريرة فيحدثه ويحدثنا. فحدثنا أن رب العزة نادى محمداً ﷺ : إن رحمتي سبقت غضبي، ثم أنزلت هذه الآية في سورة موسى وفرعون: " وما كنتَ بجانب الطور إذ نادَيْنا "، الآية. قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة من الفقهاء بعد أصحاب علي وعبد الله: أبو زرعة بن عمرو بن جرير. عن محمد بن عمر قال: كان لجرير ابن يقال له عمرو، وبه كان يكنى، هلك في إمارة عثمان، فولد عمرو

стр. 10217

ابناً سماه جريراً باسم أبيه، وغلب عليه أبو زرعة. رأى علياً، وكان انقطاعه إلى أبي هريرة، وسمع من جده أحاديث، وكان بين ذلك. وسئل يحيى بن معين عنه فقال: ثقة. وقال ابن خراش: هو كوفي صدوق ثقة. قال عمارة بن القعقاع: قال إبراهيم النخعي له: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة، فإنه حدثني بحديث، ثم سألته بعد ذلك بسنتين فما أخرم منه حرفاً. قال أبو غياث النخعي، جد حفص بن غياث: رأيت أبا زرعة بايع رجلاً فخيره بعدما وقع البيع ثلاث مرات، فسمعت أبا زرعة يقول: سمعنا أبا هريرة يقول: هذا البيع على تراض. أبو زرعة اللخمي من وجوه عسكر مسلمة بن عبد الملك الذي توجه به من دمشق لحصار القسطنطينية، وأرسله مسلمة مع البطال إلى ليون متملك الروم: أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها؟ فقال: لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن، ولقد رأيت أن أفي له بما يستقيم، أصنع له طعاماً، وحماماً، فيدخل هو ومن أحب من أصحابه الحمام، ويصيب الطعام، ثم ينصرف راشداً. فقال: إن هذا لغير كائن، وإنا لنقول: إن الله قد احاط بكم، ولسنا نبرح دون صغار الجزية، أو يدخلناها الله عنوةً. فقال: إن دون ذلك لصغاراً وقتالاً شديداً، وكم عسى أن تصبروا؟ فقالوا نصبر.

стр. 10218

ولا بد لطعامك الذي عددت فيه أن يعفن. فقال: أوما ترى كيف دبرته؟ لم أدخله بيتاً ولا هرياً مخافةً عليه، فأما هذه السنة فنطحن ما طحنا، ونأكل ما أكلنا، ويفسد منه ما فسد. وإذا كان قابل أمرت به فطحن من آخره، فنأكل منه ما أكلنا، ويفسد منه ما فسد، وإذا كان العام الثالث أمرنا به فخبز خبز القرابين، فأكلناه حتى نأتي على آخره؛ فهذا إلى ثلاث سنين، ما قد كان أمر يحول بينكم وبين ما تريدون، ودعا بغدائه، فغداهم من كل الألوان، وآتاهم من كل الطرائف، ثم أقبل عليهم، فقال: نحن فيما تقولون من الحصار والأزل نأكل مما ترون، فادعوا بما شئتم، وتشهوا علينا. فقال البطال: أمر يسير عليك، خفيف مؤنته تدعو لنا به. قال: ما هو؟ قال: كف من تراب من خلف الخندق. فقطب وغضب، وأمر بهم فأخرجوا، وأتوا مسلمة بمقالته. أبو زرعة الدمشقي الصوفي صحب القاسم بن عثمان الجوعي. قال السلمي: هو من فتيان مشايخ الشام، كان يرجع إلى علم ودراية. فرق السلمي بينه وبين الجنبي الآتي ذكره، وهما واحد، قاله الحافظ. أبو زرعة الجنبي صحب أبا عبيد البسري، والقاسم الجوعي. وهو القائل لأبي عبيد البسري: يا أستاذ، أنا أحبك شديد المحبة، لو أمر بك ربك إلى النار، وأمر بي إلى الجنة لافتديتك بنفسي.

стр. 10219

وقد تقدم ذلك في ترجمة أبي عبيد محمد بن حسان البسري. قال أبو زرعة الجنبي: مكرت بي امرأة قالت: ألا تدخل الدار فتعود مريضاً؟ وفي رواية: ادخل، فشل معي هذا الزبيل فلما دخلت أغلقت الباب، ولم أر أحداً، فعلمت قصدها، فقلت: اللهم سودها، فاسودت، فتحيرت، وفتحت الباب، فخرجت، وقلت: اللهم ردها إلى حالها، فرجعت إلى ما كانت. أبو زكار الزاهد من أهل حوران. ذكره أبو أحمد عبد الله بن بكر الطبراني في كتاب: أخبار الأولياء، وذكر أنه كان من أفاضل القوم، وأحسنهم إشارةً، وله حالة مع الله جليلة، رفيعة، ظاهرة البركات. قال أحمد الهلالي، قال لي ولد أبي زكار: أقام أبي خمس عشرة سنة لازماً البيت، وكنا إذا قلنا له: قد فرغنا من الزرع، أو من الحصاد، أو من الدرس، أو نريد سفراً يقول: يا بني، لا تخبروني بشيء من أموركم، فتشغلوا قلبي. وحدث أبو بكر الهلالي، عن بعض شيوخه قال: كان أبو زكار بدمشق، فوافاه قوم من أهل قريته، فشكوا إليه شدة العطش في نفوسهم، وبهائمهم، فدعا لهم عند العصر، وعادوا إلى قريتهم، فقيل لهم: في ساعة الدعاء على ما حدثوهم ثارت سحابة، فمطروا مطراً عظيماً، امتلأت منه الجباب والأودية.

стр. 10220

قال الهلالي: قال لي ولد أبي زكار: لما حضرت أبي الوفاة قال لنا: إذا أنا مت فلا تعترضوا على الخراساني في أمري. فلما توفي أقبل رجل خراساني، فقرع الباب بعكاز معه، ودخل فتولى جميع أمره، وبات عندنا تلك الليلة، فأحضرنا له الطعام، وفيه خلاط، فأكل منه، ثم قدمنا له دجاجة، فقال: لا آكل إلا من لون واحد، فلم يضع يده في غير الخلاط حتى فرغ من طعامه. فودعته بكرةً، فقال لي: كيف حالك؟ فقلت له: إنني فقير، فقال: أيش تقول في البيضاء، وبراق، والمرجانية، هذه ثلاث ضياع نفيسة إن قيل لك خذها ودع شهادة أن لا إله إلا الله كنت تفعل؟ فقلت: سبحن الله! فقال: أما يستحي من له خير من البيضاء، وبراق، والمرجانية أن يشكو الفقر؟! وودعني ومضى. أبو الزهراء القشيري ممن أدرك النبي ﷺ ، وشهد فتح دمشق، وولي صلح أهل البثنية وحوران من قبل يزيد بن أبي سفيان في خلافة عمر. وأصيبت رجل أخي أبي الزهراء بدمشق يوم دمشق. ذكر ذلك كله سيف. قال: وقال أبو الزهراء القشيري في حد عمر من شرب الخمر بالشام: من الطويل ألم تر أنّ الدّهر يعثر بالفتى ... وليس على صرف المنون بقادر صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست عن الصّهباء يوماً بصابر رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلاّنها يبكون حول المعاصر

стр. 10221

ذكر من اسمه أبو زياد أبو زياد مولى آل دراج الجمحي عن أبي زياد مولى آل دراج: ما رأيت فنسيت فإني لم أنس أن أبا بكر الصديق كان إذا قام إلى الصلاة قام هدلاً، وأخذ بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى لازقاً بالكوع. قال أبو زرعة: هو من أهل دمشق، داره بها. حدثني بذلك دحيم. ممن رأى أبا بكر. وذكر محمود بن سميع أن ابن دراج فلسطيني. أبو زياد أو أبو ثابت أو ثابت عن ثابت، أو عن أبي ثابت أن رجلاً دخل مسجد دمشق، فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، وارزقني جليساً صالحاً. فسمعه أبو الدرداء، فقال: لئن كنت صادقاً فلأنا أسعد بما قلت منك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " فمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه "، قال: الظالم يؤخذ منه في مقامه ذلك، فذلك الهم والحزن، " ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ " قال: يحاسب حساباً يسيراً، " ومِنْهُمْ سابِقٌ بالخَيْراتِ "، قال: الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

стр. 10222

وقال الأشجعي يعني عن سفيان عن الأعمش، عن أبي زياد. دخلت مسجد دمشق. أبو زياد الدمشقي حدث عن أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: تعلموا القرآن. فوالذي نفسي بيده إن الشيطان ليخرج من البيت يقرأ فيه سورة البقرة. أبو زياد من أهل جبيل ساحل دمشق. أبو زيد الأسدي ويقال الأزدي رجل فصيح. وفد على سليمان بن عبد الملك. عن عيسى بن يزيد بن دأب: أن أبا زيد الأزدي دخل على سليمان بن عبد الملك، وهو قاعد على دكان مبلط بالرخام الأحمر، مفروش بالديباج المطبوع الأخضر، في وسط بستان ملتف قد أثمر، ونار كل شق من الدكان ميدان ينبت الربيع، وعلى رأسه وصفاء كل واحدة منهن من صاحبتها أقمر وأزهر، وقد أشرقت الشمس، فنضرت لحسنها الخضرة، وتضاعفت الزهرة، وتغنت الأطيار، فتجاوبت، وهبت الرياح على الأشجار فتمايلت، بين أنهار فيه قد شققت، ومياه فيها قد دفقت. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فرفع رأسه، وكان مطرقاً، فقال: أبا زيد، انصات في هذا اليوم، مرحباً، فقلت:

стр. 10223

يا أمير المؤمنين، وقد قامت القيامة، فقال: على أهل المحبة سراً، والمراسلة خفياً، قد أكلوا النعيم، فمشمشوه، وأبسطوا التفكير فقاربوه، وفتقوا أكمام الطيب فمازجوه. ثم أطرق ملياً، ثم رفع رأسه، فقال: أبا زيد، ما يطيب في يومنا هذا؟ فقلت: قهوة حمراء، في زجاجة بيضاء، تناولنيها مقدودة هيفاء، كوماء كحلاء، أشربها من يدها، وأمسح فمي بفمها. فأطرق عند ذلك ملياً تتحادر من عينيه عبرات متواليات بلا شهيق، فلما رأى الوصفاء ذلك تنحوا عنه، فقال: أبا زيد، حللت بيوم فيه انقضاء أجلك، وتصرم عمرك، لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك؟ أو لأضربن عنقك، فقد أبديت مني مكتوماً بوصفك، وأعلنت مني مستوراً بنعتك. فقلت: الأمان يا أمير المؤمنين، قال: لك ذلك فقل. فقلت: يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات يوم قاعد بباب سعيد بن عبد الملك إذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر تريد رحبته كالغزال الفالت من شبكة الصائد، وعليها ثوب سكب إسكندراني، يرى منه نور بدنها، وطي عكنها، ونقش تكتها، وتدوير سرتها. في رجلها نعل قد أشرق بياض قدمها على حمرة نعلها، تفرد ذؤابةً تضرب الحقو، وعينان مملوءتان سحراً، الغالب عليهما الفتور، بينهما أنف أقنى، كأنه قصبة در، فوقه حاجبان قد قوسا على محاجر عينيها، وطرة كالحمم على متن جبينها، وصدغان قد تعقربا، نونان على صحن خدها، وقفا كالعناقيد على سلتها. شغلني عن صفة فمها ذهاب عقلي، كأنه فم غلام قد تبرق شاربه، وهي تلون كلامها وتقول: عباد الله، ما الدواء لما لا يشتكى؟ والعلاج لما لا يسمى؟ دام الحجاب، وأبطأ الكتاب، والنفس محتبس، والروح مختلس، والنفس واهية، والأذن واعية. سلم الله على قوم عاشوا تجلداً، وماتوا كمداً. فقلت: سماوية أم أرضية، أم جنية، أم إنسية؟ فقد انتهى جمال خلقك، وكمال عقلك، وحسن منطقك. فسترت وجهها بكمها، وقالت: اعذر أيها القاعد، فما أشد الوحشة بلا مساعد، والمقاساة لخصم معاند. غلب القضاء، وقل العزاء، وبرح الخفاء،

стр. 10224

والله شاهد على ما ترى، ورقيب على ما يخفى. ثم ولت مدبرةً. فوالله يا أمير المؤمنين ما أستحلي طيباً إلا غصصت به، ولا أرى حسناً إلا سمج في عيني لتشكيها. فقال سليمان: كاد الجهل أن يستفزني، والصبا أن يعاودني بسحر ما رأيت، وحسن ما سمعت. أبا زيد، أتدري من تلك؟ هي الزلفاء، باعها أمير المؤمنين من أخيه بألف ألف درهم، وهي عائقة لمن باعها، وأمير المؤمنين عاشق لها. والله لا مات من يموت إلا بحسرتها، ولا يفارق الدنيا إلا بغصتها. قم أبا زيد، واكتم المفاوضة. يا غلام، نعله. وأمر بإخراجه. أبو زيد الدمشقي حكى عن عمر بن عبد العزيز قال: لما ثقل عمر بن عبد العزيز دعي له طبيب، فلما نظر إليه قال: أرى الرجل قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت. فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضاً على من لم يسق السم! قال الطبيب: هل حسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفت حين وقع في بطني، قال: فتعالج يا أمير المؤمنين، فإني أخاف أن تذهب نفسك، قال: ربي خير مذهوب إليه؛ والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته، اللهم خر لعمر في لقائك. قال: فلم يلبث إلا أياماً حتى مات ﵀. أبو زيد الأعمى وفد على هشام بن عبد الملك، وشهد وفاته.

стр. 10225

حرف السين أبو الساكن من أهل دمشق. له ذكر. قال أبو مسهر: حدثنا هشام بن يحيى بن يحيى قال: كان في مسجد دمشق رجل في عقله شيء يقال له: أبو الساكن، فمر على يحيى بن يحيى، فقال له: أنت ذو ميسرة، فمر لي بدرهمين، قال: كيف أصبحت؟ قال: بخير، قال: فلم تريد الدرهمين؟ قال: ويلي على عقلك! من أجل درهميك أقول لك إني بشر. أبو سباع روى عنه يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك أنه قال: اشتريت ناقةً من دار واثلة بن الأسقع، فلما خرجت أدركنا واثلة وهو يجر رداءه قال: يا عبد الله، اشتريت؟ قلت: نعم، قال: هل بين لك ما فيها؟ فإن بخفها نقباً. فذكر الحديث: من باع شيئاً فلا يحل له حتى يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا أن يبينه.
следующие страницы →