← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

كما قال للرهط الذين تهودوا ... وجاهدهم في الله كل جهاد فقال ولم يملك له النصح: رده ... فإن له أرصاد كل مضاد فإني أخاف الحاسدين وإنه ... أخو الكتب مكتوب بكل مداد قالوا: ولم يكن أحد يسود في الجاهلية إلا بمال إلا أبو طالب، وعتبة بن ربيعة. وقيل لتأبط شراً: أخبرنا عن أشراف العرب فقال: أفعل، سيد قريش ذو مالها، وإنما يسود في قريش ذو المال بالفعال. قال عمر بن الخطاب: إذا كان هذا المال في قريش فاض، وإذا كان في غيرها غاض. وكانت بيده السقاية، ثم أسلمها إلى العباس بن عبد المطلب، وكان نديمه مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان مسافر قد حبن، فخرج ليتداوى بالحيرة، فمات بهبالة. فقال أبو طالب يرثيه: من الخفيف ليت شعري مسافر ابن أبي عم ... رو، وليت يقولها المحزون كيف كانت مذاقة الموت إذ ... مت، وماذا بعد الممات يكون؟ رحل الركب قافلين إلينا ... وخليلي في مرمس مدفون بورك الميت الغريب كما بو ... رك نضر الريحان والزيتون ميت رزء على هبالة قد حا ... لت فياف من دونه وحزون مدره يدفع الخصوم بأيدٍ ... وبوجه يزينه العرنين كم خليل وصاحب وابن عمٍ ... وحميم قفت عليه المنون فتعزيت بالجلادة والصب ... ر، وإني بصاحبي لضنين

стр. 10257

كل من كان بالأباطح والجل ... س عليه من شيبه توشين أصبحوا بعده كدابغة اله ... ناء منها معين وعطين ولما هلك مسافر نادم أبو طالب عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي. ولذلك قال عمرو بن عبد لعلي بن أبي طالب يوم الخندق حين دعاه إلى البراز: إن أباك كان لي صديقاً. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " بعثت ولي أربع عمومة، فأما العباس فيكنى بأبي الفضل، ولولده الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بأبي يعلى، فأعلى الله قدره في الدنيا والآخرة، وأما عبد العزى فيكنى بأبي لهب، فأدخله الله النار وألهبها عليه، وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب، فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة. وعن حبة العرني قال: رأيت علياً ضحك على المنبر ضحكاً لم أره ضحك ضحكاً أكثر منه، حتى بدت نواجذه، ثم قال: ذكرت قول أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب، وأنا مع رسول الله ﷺ ونحن ببطن نخلة زاد في رواية: نصلي فقال: ماذا تصنعان يا بن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام. فقال: ما بالذي تصنعان بأس، أو بالذي تقولان بأس، ولكن والله لا تعلوني استي أبداً. فضحك تعجباً بقول أبيه، ثم قال: اللهم لا أعرف أن عبداً لك من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً. وكان أبو طالب بالنبي ﷺ رفيقاً شفيقاً، يمنعه من مشركي قريش. جاؤوه ذات صباح بعمارة بن الوليد، فقالوا له: قد عرفت حال عمارة بن الوليد في قريش،

стр. 10258

ونحن ندفعه إليك مكان محمد، وادفعه إلينا. فقال: ما أنصفتموني، أعطيكم ابن أخي تقتلونه، وتعطوني ابن أخيكم أغذوه لكم؟! وهو الذي يقول: من الطويل عجبت لحلمٍ يا بن شيبة حادث ... وأحلام أقوامٍ لديك سخاف يقولون شايع من أراد محمداً ... بسوء، وقم في أمره بخلاف أضاميم: إما حاسد ذو خيانة ... وإما قريب منك غير مصاف فلا تركبن الدهر منك ظلامة ... وأنت امرؤ من خير عبد مناف فإن له قربى إليك وسيلة ... وليس بذي حلف ولا بمضاف ولكنه من هاشم في صميمها ... إلى أبحر فوق البحور طواف فإن غضبت فيه قريش فقل لها ... بني عمنا ما قومكم بضعاف فما قومكم بالقوم يغشون ظلمهم ... وما نحن فيما ساءكم بخفاف وقال أبو طالب: من الطويل كذبتم وبيت الله نبزى محمداً ... ولما نطا عن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم نحوكم غير عزلٍ ... يبيض حديث عهدها بالصياقل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا، فقال: يا عقيل، انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت إليه، فاستخرجته من كبسٍ أو قال: حفش يقول: بيت صغير فجاء به في الظهيرة، في شدة الحر، فجعل يطلب

стр. 10259

الفيء يمشي فيه من شدة الحر، فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة. فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا وفي رواية ما كذبت ابن أخي قط. قالوا: وازداد البلاء من قبل قريش على سيدنا رسول الله ﷺ فائتمروا بينهم أن يكلموا أبا طالب في ابن أخيه، فإن فعل، وإلا تعاقدوا على عقد ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يدفعوه إليهم، فكتبوا في صحيفتهم عهداً بينهم ألا يناكحوا من بني عبد المطلب، ولا يبايعوهم، ولا يجالسواهم، ولا يكلموهم حتى يدفعوا إليهم محمداً، فيقتلونه. فمشوا إلى أبي طالب، وقد كتبوا كتابهم: قالوا: يا بن عبد المطلب، أنت أفضل قريش اليوم حلماً، وأكبرهم سناً، وأعظمهم شرفاً، وقد رأيت صنع ابن أخيك، والسفهاء الذين معه، الصباة المخلطين لأمرهم، إن قومك قد نفروا إلى أمر فيه صلاح قومك، وصلاحهم لك صلاح إن فعلت، وإن أبيت فقد أبلغوا إليك في العذر، وفيه هلاكك وهلاك أهل بيتك، لا يعدوكم ذلك إلى أحد غيركم، قد كتب قومك كتاباً فيه الذي تكرهون إن أبيتم أن تدفعوا إليهم حاجتهم. قال: وما حاجتكم فيما قبلي؟ قالوا: حاجتنا أن تدفع إلينا هذا الصابئ الذي فرق كلمتنا، وأفسد جماعتنا، وقطع أرحامنا، فنقتله، ونعطيك ديته. قال: لا تطيب بذلك نفسي أن أرى قاتل ابن أخي يمشي بمكة وقد أكلت ديته. قالوا: فإنا ندفعه إلى بعض العرب فيكون هو يقتله، وندفع إليك ديته، ونعطيك أي أبنائنا شئت، فيكون لك ولداً مكان هذا الصابئ. فقال لهم: ما أنصفتموني، تقتلون ابني وأغذو أولادكم؟ أولا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره؟ ولكن أمر هو أجمع لكم مما أراكم تخوضون فيه، تجمعون شباب قريش، من كان منهم بسن محمد، فتقتلونهم جميعاً، وتقتلون معهم محمداً، قالوا: لا لعمر أبيك، لا لا نقتل أبناءنا وإخواننا من أجل هذا

стр. 10260

الصابئ، ولكن سنقتله سراً أو علانية، فائتمر لذلك أمرك. فعند ذلك قال: من الطويل كذبتم وبيت الله نترك محمداً ... ولما نضارب دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض نهضاً في نحوركم القنا ... كنهض الروايا في طريق حلاحل وحتى نرى ذا الدرع يركب ردعه ... من الطعن مشي الأنكب المتحامل في قولٍ كثيرٍ يقول لهم. فلما سمعت بذلك قريش، عرفوا منه الجد، يئسوا منه، وأظهروا لبني عبد المطلب العداوة، واللفظ القبيح، والشتم، وأقسموا ليقتلنه سراً أو علانية. فلما عرف أبو طالب أن القوم قاتلوا ابن أخيه إن استطاعوا، خافهم وتتابعت معهم القبائل كلها، فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع رهطه، فانطلق بهم، فقاموا بين الأستار والكعبة، فدعوا الله على ظلمة قومهم في قطيعتهم أرحامهم، وانتهاكهم محارمهم، وتناولهم سفك دمائهم، فقال أبو طالب: إن أبى قومنا إلا البغي علينا، فعجل نصرنا، وحل بينهم وبين الذي يريدون من قتل ابن أخي. ثم أقبل إلى جمع قريش، وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه. فقال لهم: إنا قد دعونا رب هذا البيت على القاطع، المنتهك المحارم، والله، لتنتهن عن الذي تريدون، أو لينزلن الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون. قال: فأجابوه أن يا بن عبد المطلب، لا صلح بيننا وبينكم أبداً، ولا رحم، إلا على قتل الصابئ السفيه. ثم عمد فدخل الشعب بابن أخيه وبني أبيه، ومن اتبعهم من بين مؤمنٍ دخل لنصر الله ونصر رسوله، ومن بين مشركٍ يحمي أنفاً، فدخلوا شعبهم، وهو شعب أبي طالب، ناحية مكة. ودعا على قومه في شعره.

стр. 10261

قال: هشام بن عمرو العامري؛ الذي قام في نقض الصحيفة التي كتب مشركو قريش على بني هاشم في نفر قاموا معهم، منهم: مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة. تبرؤوا من الصحيفة. وفي ذلك يقول أبو طالب: من الطويل جزى الله رهطاً من لؤي تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزمٍ ويرشد قعوداً لدى جنب الحطيم كأنهم ... مقاولة، بل هم أعز وأمجد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً ... فسر أبو بكر بها ومحمد ألم يأتكم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد أعان عليها كل صقر كأنه ... شهاب بكفي قابسٍ يتوقد جريءٍ على جل الأمور كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد وكان سهل بن بيضاء الفهري الذي مشى إليهم في ذلك حتى اجتمعوا عليه. قالوا: وقال أبو جهل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والعاص بن سعيد، وأمية بن خلف: يا معشر قريش، إن هذا الأمر يزداد، وإن أبا طالب ذو رأي وشرف وسن، وهو على دينكم، وهو اليوم مدنف، فامشوا إليه، فأعطوه السواء يأخذ لكم وعليكم في ابن أخيه، فإنكم إن خلوتم بعمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب، وقد خالفا دينكم تكون الحرب بينكم وبين قومكم. فجاؤوا أبا طالب فقالوا: أنت سيدنا، وأنصفنا في أنفسنا، وقد رأيت هؤلاء السفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا، وطعنهم في ديننا، وقد

стр. 10262

فرق بيننا، وأكفر آلهتنا، وسب آباءنا، فأرسل إلى ابن أخيك، فأنت بيننا عدل. فأرسل أبو طالب إلى رسول الله ﷺ فأتاه، فقال له: هؤلاء قومك وذوو أسنانهم، وأهل الشرف منهم، وهم يعطونك السواء فلا تمل عليهم كل الميل، فقال رسول الله ﷺ : قولوا أسمع قولكم. فقال أبو جهل بن هشام: ترفضنا من ذكرك، ولا تكن منا ولا من آلهتنا في شيء، وندعك وربك، فقال رسول الله ﷺ : إن أعطيتكم ما سألتم، أمعطي أنتم كلمة واحدة لكم فيها خير، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل وهو مستهزئ: نعم، لله أبوك لكلمة نعطيها وعشرة أمثالها فقال: قولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فنفروا من كلامه، وخرجوا مفارقين له. وقالوا: " امشوا، واصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق إلى قوله بل لما يذوقوا عذاب ". فكان ممشاهم إلى أبي طالب لما لقوا من عمر وسمعوا منه. وعن ابن عباس في قوله " وهم ينهون عنه وينأون عنه " قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن النبي ﷺ أن يؤذى، وينأى ويجفوا عما جاء به " وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون " يعني أبا طالب. ولما حضرت أبا طالب الوفاة قال للنبي ﷺ : عليك بأخوالك بني النجار، فإنهم أمنع الناس لما في بيوتهم. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يحرس، وكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت عليه هذه الآية " والله يعصمك من الناس " فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: يا عماه، إن الله قد عصمني من الجن والأنس.

стр. 10263

وعن أنس بن مالك قال: مرض أبو طالب، فعاده النبي ﷺ ، فقال: يا بن أخي، ادع لي ربك الذي تعبده أن يعافيني. فقال النبي ﷺ : اللهم اشف عمي. فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا بن أخي، إن ربك الذي تعبده ليعطيك. قال: وأنت يا عماه، إن أطعت الله ليعطيك. وعنه قال: لما مرض أبو طالب مرضه الذي مات فيه، أرسل إلى النبي ﷺ : ادع ربك أن يشفيني، فإن ربك ليعطيك، وابعث إلي بقطاف من قطاف الجنة. فأرسل إليه النبي ﷺ وأنت يا عم، إن أطعت الله أطاعك. وعن عبد الله بن عمر، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة يقوده إلى رسول الله ﷺ شيخاً أعمى يوم الفتح، فقال رسول الله ﷺ : ألا تركت الشيخ حتى نأتيه؟ قال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله، أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك. قال: صدقت. ولما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها، قالت له قريش: يا أبا طالب، أرسل إلى ابن أخيك، فيرسل إليك من هذه الجنة التي ذكر شيئاً يكون لك شفاء. فخرج الرسول حتى وجد رسول الله ﷺ وأبا بكر جالساً معه، فقال: يا محمد، إن عمك يقول لك: يا بن أخي، إني كبير ضعيف سقيم، فأرسل إلي من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيئاً يكون لي فيه شفاء. فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين. فرجع إليهم الرسول، فأخبرهم، فحملوا أنفسهم عليه حتى أرسل رسولاً من عنده، فوجده الرسول في مجلسه، فقال له مثل ذلك. فقال رسول الله ﷺ : إن الله حرمهما على الكافرين، طعامها وشرابها. ثم قام في إثر الرسول حتى دخل معه بيت أبي طالب فوجده مملوءاً رجالاً. فقال: خلوا بيني وبين عمي. قالوا: ما نحن بفاعلين، ما أنت بأحق به منا، إن كانت لك قرابة فلنا قرابة مثل قرابتك. فجلس إليه، فقال: يا عم، جزيت عني خيراً، كفلتني صغيراً وحطتني كبيراً، جزيت عني خيراً، يا عم، أعني على نفسك بكلمة واحدة أشفع لك

стр. 10264

بها عند الله يوم القيامة. قال: وما هي يا بن أخي؟ قال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال: إنك لي ناصح، والله لولا أن نعير بها فيقال خرع عمك من الموت لأقررت بها عينك. فصاح القوم: يا أبا طالب، أنت رأس الحنيفية، ملة الأشياخ. فقال: لا تحدث بيننا قريش أن عمك جزع عند الموت. فقال رسول الله ﷺ : لا أزال أستغفر لك ربي حتى يردني. فاستغفر له بعد ما مات، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا، ولذوي قرابتنا؟ قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد ﷺ يستغفر لعمه. فاستغفروا للمشركين حتى نزلت " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ". وفي حديث فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " قال: لما مات على كفره تبين أنه عدو الله. قالوا: قال أبو طالب: يا بن أخي، والله لولا رهبة أن تقول قريش دهرني الجزع، فيكون سبة عليك وعلى بني أبيك لفعلت الذي تقول، وأقررت عينك بها، لما أرى من شكرك، ووجدك بي ونصيحتك لي. ثم إن أبا طالب دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد، وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا. فقال رسول الله ﷺ : أتأمرهم بها وتدعها لنفسك؟ فقال أبو طالب: أما إنك لو سألتني الكلمة وأنا صحيح لتابعتك على الذي تقول، ولكني أكره أن أجزع عند الموت، فترى قريش أنني أخذتها جزعاً، ورددتها في صحتي. وقيل: إن النبي ﷺ لما رأى تكذيبهم بالحق قال: لقد دعوت قومي إلى أمر ما اشتططت في القول. فقال عمه: أجل لم تشتط. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك، وأعجبه قول عمه: يا عم، لك علي كرامة، ويدك عندي حسنة، ولست أجد اليوم

стр. 10265

ما أجزيك به، غير أني أسألك كلمة تحل لي بها الشفاعة عند ربي، أن تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تصيب بها الكرامة عند الممات، فقد حيل بينك وبين الدنيا، وتنزل بكلمتك هذه الشرف الأعلى في الآخرة الحديث، وزاد في آخره فأنزل الله " أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ". وعن العباس بن عبد المطلب قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، قال له نبي الله ﷺ : يا عم، قل كلمة واحدة أشفع لك بها يوم القيامة، لا إله إلا الله. فقال: لولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك عبد الله غضاضة لأقررت بعينيك، ولو سألتني هذه في الحياة لفعلت. قال: وعنده جميلة ابنة حرب، حمالة الحطب، وهي تقول له: يا أبا طالب، مت على دين الأشياخ قال: فلما خفت صوته، فلم يبق منه شيء: قال: حرك شفتيه، فقال العباس: فأصغيت إليه، فقال قولاً خفياً: لا إله إلا الله. فقال العباس للنبي ﷺ : يا بن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. فقال: رسول الله ﷺ : لم أسمعه. وعن المسيب قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. قال أبو جهل وعبد اله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ".

стр. 10266

وعن علي قال: لما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ قد مات. قال: اذهب فواره، ولا تحدث من أمره شيئاً حتى تأتيني. فواريته ثم أتيته. فقال: اذهب فاغتسل، ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني. فاغتسلت ثم أتيته، فدعا لي بدعوات ما يسرني بهن حمر النعم وسودها. قالوا: وكان علياً إذا غسل ميتاً اغتسل. وفي رواية أخرى: إن عمك الشيخ الضال قد مات. وفي رواية: الكافر، فقال رسول الله ﷺ : اذهب فواره. فقلت: والله لا أواريه. قال: فمن يواريه إن لم تواره؟ فانطلق فواره، فقلت له: والله، لا أواريه. فقال: فمن يواريه إن لم تواره؟ فانطلق فواره، ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني الحديث ثم إنه قال: دعا لي بدعوات ما أحب لي بهن ما على الأرض من شيء. وعن ابن عباس قال: عارض النبي ﷺ جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم، جزاك الله خيراً يا عم. وعن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لأبي طالب عندي رحماً سأبلها ببلاها. وعن العباس أنه سأل النبي ﷺ : ما ترجو لأبي طالب؟ قال: كل الخير أرجو من ربي. وعن علي قال: أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب فبكى، ثم قال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. ففعلت، وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياماً، ولا يخرج من بيته، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " قال علي: وأمرني رسول الله ﷺ فاغتسلت.

стр. 10267

قال الحسن: لما مات أبو طالب، قال النبي ﷺ : إن إبراهيم ليستغفر لأبيه وهو مشرك، وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى " يعني به أبا طالب، فاشتد على النبي ﷺ . فقال الله لنبيه: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " يعني حين قال " سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا " " فلما تبين له أنه عدو الله " يعني مات على الشرك " تبرأ منه " " إن إبراهيم لحليم أواه منيب " يعني بالحليم: السيد. والأواه: الدعاء إلى الله. والمنيب: المستغفر. ذهب النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب إلى قبر أبي طالب ليستغفرا له، فأنزل الله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى " فاشتد على النبي ﷺ موت أبي طالب على الكفر، فأنزل الله على نبيه ﷺ " إنك لا تهدي من أحببت " يعني به: أبا طالب " ولكن الله يهدي من يشاء " يعني به العباس بن عبد المطلب. وكان العباس أحب عمومة النبي ﷺ بعد أبي طالب إليه، لأنه كان يتيماً في حجره. ولما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش، فألقى عليه تراباً، فرجع إلى بيته، فأتته امرأة من بناته، تمسح عن وجهه التراب وتبكي. قال: فجعل يقول: أي بنية، لا تبكين، فإن الله مانع أباك. ويقول ما بين ذلك: ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب.

стр. 10268

وعن أبي هريرة قال: لما مات أبو طالب ضرب النبي ﷺ ، فقال: ما أسرع ما وجدت فقدك يا عم. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ما زالت قريش كافة عني وفي رواية كاعةً عني حتى توفي أبو طالب. كاعة جمع كائع: وهو الجبان. يريد أنه كان يحوط النبي ﷺ ويذب عنه، وكانت قريش تكيع وتجبن عن أذاه. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب، وأخٍ لي كان في الجاهلية. وعن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله ما أغنيت عن عمك، فقد كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاحٍ من النار، ولولا أنا كان في الدرك الأسفل من النار. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر عنده أبو طالب فقال: تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. وفي حديث: كان يحوطك وينفعك فهل تنفعه؟ قال: نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجته إلى ضحضاح. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، في رجليه نعلان من نارٍ يغلي منهما دماغه.

стр. 10269

وفي حديث: وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن. قال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. وفي حديث: فقيل: إن فيها لضحضاحاً وغمراً. فقال رسول الله ﷺ : " نعم، إن أدنى أهل النار منزلة لمن يحذى له منها نعلان من نار يغلي من وهجهما دماغه، حتى يسيل على قوائمه. وقيل: إنه ينادي. يرى أنه لا يعذب أحد عذابه من شدة ما هو فيه. وقال علي يرثي أباه أبا طالب: من الطويل أرقت لنوح آخر الليل غردا ... لشيخي ينعى والرئيس المسددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى ... وذا الحلم لا جلفاً ولم يك قعددا أخا الهلك خلى ثلمةً سيدها ... بنو هاشم أو تستباح وتضهدا فأمست قريش يفرحون لفقده ... ولست أرى حياً لشيء مخلدا أرادت أموراً زينتها حلومهم ... ستوردهم يوماً من الغي موردا يرجون تكذيب النبي وقتله ... وأن يفتروا بهتاً عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم ... صدور العوالي والصفيح المهندا ويبدو منا منظر ذو كريهةٍ ... إذا ما تسربلنا الحديد المسردا فإما تبيدونا وإما نبيدكم ... وإما تروا سلم العشيرة أرشدا وإلا فإن الحي دون محمد ... بنو هاشم خير البرية محتدا فإن له منكم من الله ناصراً ... ولست بلاقٍ صاحب الله أوحدا نبي أتى من كل وحي بخطةٍ ... فسماه ربي في الكتاب محمدا أغر كنور البدر صورة وجهه ... جلا الغيم عنه ضوؤه فتعددا

стр. 10270

أمين على ما استودع الله قلبه ... وإن قال قولاً كان فيه مسددا توفي أبو طالب في نصف شوال في السنة العاشرة من حين تنبي سيدنا رسول الله ﷺ وهو يومئذٍ ابن بضع وثمانين سنة. وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيام، وهي يومئذٍ بنت خمس وستين سنة. فاجتمعت على رسول الله ﷺ مصيبتان: موت خديجة، وموت أبي طالب عمه. وقيل: إن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة. أبو طالب الجعفري الفقيه قال أبو طالب: جرى بين رجل من قريش، ورجل من الأنصار ملاحاة. فقال له القرشي: أتكلمني وأنا رجل من قريش؟ فقال له الأنصاري: من أي قريش؟ ممن أوينا ونصرنا أو ممن حاربنا فقتلنا أو ممن أسرنا فمننا؟ قال أبو طالب: فذهبت لأكلم الأنصاري، فقال أبي: اسكت، اتركهم ينتصرون لأنفسهم. قال أبو طالب الجعفري: إنه مما كان يتمثل به زيد بن علي في حربه: من السريع منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حدادا شرده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة ... والموت ختم في رقاب العباد

стр. 10271

جرى بين أبي طالب الجعفري، وبين علي بن الجهم وحشة ثم أرسل أبو طالب يعتذر إليه، فكتب إليه علي: من الخفيف لم تذقني حلاوة الإنصاف ... وتعسفتني أشد اعتساف وتركت الوفاء جهلاً بما في ... هـ وأسرفت غاية الإسراف غير أني إذا رجعت إلى ح ... ق بني هاشم بن عبد مناف لم أجد لي إلى التشفي سبيلا ... بقواف ولا بغير قواف لي نفس تأبى الدنية والأش ... راف لا تعتدي على الأشراف ولأبي طالب الجعفري: من مجزوء الكلام إني أهابك أن أقو ... ل ولست أئتمن الرسولا فإذا هدت فطن الرسو ... ل ورنح السكر العقولا فانظر إلى نظري إلي ... ك فإن في نظري دليلا وابسط لسانك إن رأي ... ت إلى مؤانستي سبيلا إني أعيذك أن تكو ... ن علي ممتنعاً بخيلا أجمل فديتك في جوا ... بك إذ ظننت بك الجميلا ألهيتني بك عن سوا ... ك وصرت لي أملاً وسولا

стр. 10272

أبو طالب الدمشقي قال أبو طالب: كتب رجل إلى ابن له: إنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك فاجعل في الطلب، واستطب المكسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب، فأكرم نفسك عن دنيا دنية، وشهوة ردية فإنك لا تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تأمن من خدع الشيطان أن تقول: متى أرى ما أكره؟ نزغت فإنه هكذا هلك من كان قبلك. أبو طاهر الدمشقي حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى النبي صلى اله عليه وسلم قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في يوم عيد، فكبر أربعاً وأربعاً، ثم انصرف، أقبل بوجهه، وقبض إبهاميه، وأشار بأصابعه، وقال: لا تنسوا كتكبير الجنائز. أبو طعمة مولى عمر بن عبد العزيز. حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فنودي: الصلاة جامعة. فركع رسول الله ﷺ ركعتين في سجدتين، ثم قام، فركع ركعتين في السجدتين، ثم جلي عن الشمس. وكانت عائشة تقول: ما سجد رسول الله ﷺ سجوداً، ولا ركع ركوعاً أطول منه. وعن أبي طعمة قال: أتينا ابن عمر بالمدينة، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في شرب الطلاء الحلو الحلال الطيب؟ قال: اشرب، واسقني، فولى الرجل. فقال ابن عمر لرجل: أدركه، فسله، فإن قال: أحله لنا، فرده. فأدركه،

стр. 10273

فرده، فقال: ما قلت؟ قال: كذا وكذا، فقال: وهل يقدر ابن عمر أن يحرم الحلو الحلال الطيب؟ أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لعن الله الخمر، وبائعها ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها. وحدث أبو طعمة عن ابن عمر قال: قال رسول اله صلى لله عليه وسلم: " لعنت الخمر على عشرة وجوه، لعنت الخمر بعينها وشاربها وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وأكل ثمنها.

стр. 10274

حرف الظاء المعجمة أبو ظبية السلفي الكلاعي الحمصي حدث عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: المقة من الله، والصيت في السماء، فإذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه. فيحبه أهل السماء، وينزل له القبول في الأرض. وفي حديث: فينزل الله المقة على أهل الأرض وعن شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي قال: قلت: يا أبا أمامة، حديث بلغني عنك تحدث به عن رسول الله ﷺ في الوضوء. قال أبو أمامة: لو لم أسمعه من نبي الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً، لم أحدث به. قال شهر: فقلنا له: كيف سمعته؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : " من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من مسامعه وبصره، ويديه، ورجليه. فقال أبو ظبية الحمصي ووجدته عند أبي أمامة: وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بذلك عن رسول الله ﷺ ويقول: ما من عبد يبيت على طهر، فيذكر الله، ثم يتعار من الليل، فيدعو الله إلا أعطاه الله ما سأل من أمر الدنيا والآخرة.

стр. 10275

وعن أبي ظبية قال: خطبنا عمر بن الخطاب بالجابية في يوم الجمعة فقرأ " إذا السماء انشقت " ونزل عن المنبر. فسجد وسجد الناس معه. ظبية: بظاء معجمة، وباء موحدة، وياء باثنتين من تحتها.

стр. 10276

حرف العين المهملة أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، ختن رسول الله ﷺ على ابنته زينب قيل: اسمه لقيط. وقيل: القاسم. وقيل: مهشم. وقيل: ياسر. أمه هالة بنت خويلد، أخت خديجة، زوج سيدنا رسول الله ﷺ . زوجه رسول الله ﷺ زينب، ابنته، وهي أكبر بنات رسول الله ﷺ ، فولدت له علياً وأمامة. فتوفي علي بن أبي العاص وهو غلام. وكان رسول الله ﷺ قد أردفه ناقته عام الفتح. وقالت فاطمة بنت رسول الله ﷺ لعلي حين حضرتها الوفاة: تزوج بنت أختي أمامة بنت أبي العاص. فتزوجها علي بن أبي طالب. فمكثت عنده ثلاثين سنة، ولم تلد له شيئاً وكانت عقيماً ثم تزوجها بعد علي المغيرة بن نوفل بن الحارث. وأبو العاص الذي بدأ فيه الجوار في ركب من قريش الذين أخذهم أبو جندل بن سهيل، وأبو بصير، وهو عتبة بن أسيد وأصحابه، فأتى بهم رسول الله ﷺ أسرى وبأموالهم، فخرج رسول الله ﷺ فقال: إن زينب بنت رسول الله قد أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع في ماله ومتاعه. فأدى إليهم كل شيء كان لهم. حتى إن الرجل ليأتي بالعقال من متاعهم.

стр. 10277

وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ استأذنت أبا العاص وهو بمكة أن تخرج إلى المدينة. فأذن لها، ثم خرج إلى الشام، فخرجت بعده إلى المدينة، فأنفر بها هبار بن الأسود فكسر ضلعاً من أضلاعها، وأدركها أبو سفيان وأصحابه فردوها إلى بيتها، فلقيتها هند بنت عتبة فقالت لها: عمل أبي خير من عملك وعمل زوجك. ثم بعث لها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، ورجلين من المهاجرين فواعدوها، وخرجت إليهم تحت الليل، فأقدموها على رسول الله ﷺ ومعها ابنها علي وابنتها أمامة. ثم قدم أبو العاص مكة من سفره، فأراد أن يخرج إلى امرأته وولده، فأخذته قريش وقالوا: هلم بنا ننكحك بنت سعيد بن العاص. فتزوجها أبو العاص فولدت له امرأة يقال لها أمية، فتزوجت محمد بن عبد الرحمن بن عوف، فهي أم القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف. فما مكث أبو العاص بن الربيع مع بنت سعيد بن العاص حتى لحق بزينب بنت النبي ﷺ وبولده بالمدينة قبيل الفتح بيسير. فلما قدم على رسول الله ﷺ ، وكان خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فاستخلفه علي على اليمن عام حجة الوداع. فحج عامه. وكان أبو العاص مع علي في البيت يوم بويع أبو بكر. وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ وهي عند أبي العاص. وكان أبو العاص بن الربيع أخاً لرسول الله ﷺ ، مصافياً له. وكان يقال لأبي العاص: الأمين، وكان رسول الله ﷺ يكثر غشيان أبي العاص في منزل أمه هالة بنت خويلد. وأسلم أبو العاص قبل فتح مكة. وكان يسمى جرو البطحاء يعني أنه متلد بها. أسلم

стр. 10278

قبل الحديبية بخمسة أشهر، ثم رجع إلى مكة، ولم يشهد مع سيدنا محمد رسول الله ﷺ شيئاً. وقيل: جيء به مربوطاً بقيد، فسأل رسول الله ﷺ أصحابه أن يطلقوه. وكان رسول الله ﷺ يقول: ما ذممنا صهر أبي العاص. ويقال: قدم مهاجراً إلى المدينة بعدما أسلم بمكة، فرجع إليه رسول الله ﷺ ابنته زينب بالنكاح الأول. ويقال: ردها عليه بمهر جديد، ونكاح جديد. وأثنى عليه رسول الله ﷺ وقال: إنه حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي. وأردف النبي ﷺ ابنها علياً يوم فتح مكة، وحمل أمامة في صلاته. وخرج أبو العاص في بعض أسفاره إلى الشام فقال: من البسيط ذكرت زينب لما وردت أرما ... فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما بنت الأمين جزاها الله صالحةً ... وكل بعل سيثني بالذي علما إرم: هي دمشق. وعن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ : " استوصوا بالأسرى خيراً ". فقال أبو العاص بن الربيع: كنت مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيراً كنا إذا تعشينا أو تغدينا، آثروني بالخبز، وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم. حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي. وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك، ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون. ولما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة من جزع ظفار كانت لخديجة، وأدخلتها بها

стр. 10279

على أبي العاص حين بنى عليها. فلما رآها رسول الله ﷺ عرفها ورق لها، وذكر خديجة، ورحم عليها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا إليها متاعها، فعلتم. فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوا أبا العاص، وردوا إلى زينب متاعها. وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أو وعد رسول الله ﷺ أن يخلي زينب إليه. قال ابن إسحاق: وكان فيما شرط عليه في إطلاقه إياه، ولم يظهر ذلك منه، ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو، إلى أن خرج أبو العاص إلى مكة، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، ورجلاً من الأنصار. فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها. وذلك بعد بدر بشهر. وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارةً. وكانت خديجة خالته، فقالت خديجة لرسول الله ﷺ : زوجه. وكان رسول الله ﷺ لا يخالفها، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي، فزوجه. فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته، آمنت به خديجة وبناته. وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة بن أبي لهب رقية أو أم كلثوم، فلما بادى قريشاً بأمر الله قالوا: إنكم قد فرغتم محمداً من بناته، فردوهن عليه، فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبي العاص فقالوا: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت من قريش. فقال: لا، ها الله، لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش. ثم مشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا: طلق ابنة محمد، ونحن نزوجك أي امرأة شئت من قريش. فقال: إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد بن العاص، فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن العاص، ففارقها ولم يكن دخل بها، وأخرجها الله من يديه كرامة لها، وهواناً عليه، وخلف عليها عثمان بن عفان. وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوباً وكان الإسلام قد فرق بين زينب وبين أبي العاص حين أسلمت، إلا أن رسول الله ﷺ كان لا يقدر على أن يفرق بينهما.

стр. 10280

قالوا: وكان الذي قدم في فداء أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع، وكان الذي أسره عبد الله بن جبير بن النعمان، أخو خوات بن جبير الأنصاري. خرج أبو العاص بن الربيع تاجراً إلى الشام وكان رجلاً مأموناً وكانت معه بضائع لقريش، فأقبل قافلاً، فلقيته سرية لرسول الله ﷺ ، فاستاقوا عيره وأفلت، وقدموا على رسول الله ﷺ بما أصابوا، فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص فدخل على زينب فاستجار بها، فسألها أن تطلب له من رسول الله ﷺ رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس. فدعا رسول الله ﷺ السرية فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً ولغيره مما كان معه، وهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقكم. فقالوا: بل نرد عليه يا رسول الله. فردوا عليه ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالشنة، والرجل بالإداوة، والرجل بالحبل، فما تركوا قليلاً أصابوه ولا كثيراً إلا ردوه عليه. ثم قدم مكة، فأدى إلى الناس ما كان معهم من بضائعهم، حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال لم أرده عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيراً، قد وجدناك وفياً كريماً. فقال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوف أن تظنوا بي أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. قالوا في حديث: وأتي بأبي العاص من طريق الشام مربوطاً في قد، فقامت إليه زينب، فحلته، وكانت معه بضائع للناس، فقيل له: أسلم يكن لك ما معك، وتأخذ هذه الأموال، فإنها أموال المشركين. فقال: لبئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. فكفلت عنه امرأته أن يرجع فيؤدي إلى كل ذي حق حقه، ويرجع فيسلم. ففعل، وما فرق بينهما. وقيل: إن أبا العاص لما قدم من الشام، ومعه أموال وتجارات قال أصحاب

стр. 10281

النبي ﷺ : لو استقبلنا هذا الكافر فقتلناه، وأخذنا ماله. فبلغ ذلك زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي امرأته، فأمنته، فاستقبله أصحاب النبي ﷺ عزلاً. فقالوا: يا أبا العاص، هل لك أن تسلم على ما في يديك من هذه الأموال، فتسود قريشاً، وتكون أكثرهم مالاً؟ قال: ما كنت لأستقبل الإسلام بغدرة، فأتى مكة فدفع إلى كل ذي حق حقه، وأسلم، وهاجر إلى المدينة، فأقاما على نكاحهما. وقيل: إن أبا العاص لما استجار بزينب، خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح، فلما كبر في الصلاة صرخت زينب: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص. فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته قال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا نعم؛ قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت منه ما سمعتم، إنه يجير على الناس أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ على زينب فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يقربنك فإنك لا تحلين له ولا يحل لك. وقيل: إن زينب قالت للنبي ﷺ : إن أبا العاص إن قرب فابن عم، وإن بعد فأبو ولد، وإني قد أجرته. فأجاره النبي ﷺ . قال ابن عباس: رد النبي ﷺ زينب ابنته على أبي العاص على النكاح الأول بعد ست سنين. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " سألت ربي أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد من أمتي، إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك. وعن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : زينب، فحلته، وكانت معه بضائع للناس، فقيل له: أسلم يكن لك ما معك، وتأخذ هذه الأموال، فإنها أموال المشركين. فقال: لبئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. فكفلت عنه امرأته أن يرجع فيؤدي إلى كل ذي حق حقه، ويرجع فيسلم. ففعل، وما فرق بينهما. وقيل: إن أبا العاص لما قدم من الشام، ومعه أموال وتجارات قال أصحاب النبي ﷺ : لو استقبلنا هذا الكافر فقتلناه، وأخذنا ماله. فبلغ ذلك زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي امرأته، فأمنته، فاستقبله أصحاب النبي ﷺ عزلاً. فقالوا: يا أبا العاص، هل لك أن تسلم على ما في يديك من هذه الأموال، فتسود قريشاً، وتكون أكثرهم مالاً؟ قال: ما كنت لأستقبل الإسلام بغدرة، فأتى مكة فدفع إلى كل ذي حق حقه، وأسلم، وهاجر إلى المدينة، فأقاما على نكاحهما. وقيل: إن أبا العاص لما استجار بزينب، خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح، فلما كبر في الصلاة صرخت زينب: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص. فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته قال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا نعم؛ قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت منه ما سمعتم، إنه يجير على الناس أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ على زينب فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يقربنك فإنك لا تحلين له ولا يحل لك. وقيل: إن زينب قالت للنبي ﷺ : إن أبا العاص إن قرب فابن عم، وإن بعد فأبو ولد، وإني قد أجرته. فأجاره النبي ﷺ . قال ابن عباس: رد النبي ﷺ زينب ابنته على أبي العاص على النكاح الأول بعد ست سنين. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " سألت ربي أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد من أمتي، إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك. وعن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : من تزوجت إليه أو تزوج إلي فحرمه على النار أو قال أدخله الجنة. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري.

стр. 10282

توفي أبو العاص في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر الصديق، وأوصى إلى الزبير بن العوام. وقيل: توفي سنة ثلاث عشرة. أبو العالية قال أبو العالية: سهرت مع عمر بن عبد العزيز ليلة فقلت: يا أمير المؤمنين ما يبقي منك تعب النهار وسهر الليل؟ قال: لا تفعل، فإن لقاء الرجال للرجال تلقيح لألبابها. أبو عامر حدث ببيروت عن أبي الدرداء أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال له: الإيمان ها هنا، وأشار إلى لسانه، والنفاق ها هنا، وأشار إلى قلبه، ولا أذكر الله إلا قليلاً. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل له لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير. قال: يا رسول الله، إنه كان لي صاحب من المنافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد ستراً. أبو عامر الرحبي الحمصي قال أبو عامر: جلست في حلقة بدمشق فيها واثلة بن الأسقع، صاحب النبي ﷺ ، فوقعوا في علي يشتمونه ويتنقصونه، حتى إذا افترقت الحلقة جعلت أتوقع في علي، فقال لي واثلة: أرأيت علياً؟ قلت: لا، قال: لم تقع فيه؟ قلت لأني سمعت هؤلاء يقعون فيه. قال: أفلا أخبرك عن علي؟ قال: أتيت منزله فقرعت الباب، فاستجابت لي فاطمة ابنة رسول

стр. 10283

الله ﷺ قالت: من ذا؟ قلت: واثلة. قالت: وما حاجتك؟ قلت: أردت أبا الحسن. قالت: ارقب؛ الساعة يأتيك. فقعدت. فأتى رسول الله ﷺ متكئاً على علي، فسلمنا فلما دخلا الدار دعا رسول الله ﷺ فاطمة بمرط فأدخل رأسه تحته، وأدخل رأس فاطمة ورأس علي ورأس الحسن والحسين تحته، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي ثلاثاً ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فقلت وأنا من خارج: وأنا من أهلك؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنت من أهلي. والله ما أرجو غيرها. أبو عامر المكي إن لم يكن محمد بن عبيد الله بن أبي صالح، فهو غيره. قال أبو عامر المكي: لقيت غيلان بدمشق مع نفر من قريش فسألوني أن أكلمه. فقلت: اجعل لي عهد الله وميثاقه أن لا تغضب ولا تجحد، ولا تكتم. فقال: ذلك لك. فقلت: نشدتك الله، هل في السموات أو في الأرض شيء قط من خير أو شر لم يشأه الله ولم يعلمه حتى كان؟ قال غيلان: اللهم لا، قلت: فعلم الله بالعباد أكان قبل أو أعمالهم؟ فقال غيلان: بل علمه كان قبل أعمالهم. قلت: فمن أين كان علمه بهم؟ من دار كانوا فيها قبله، جبلهم في تلك الدار غيره، وأخبره الذي جبلهم في الدار عنهم أم من دار جبلهم هو فيها، وخلق لهم القلوب التي يهوون بها المعاصي؟ قال غيلان: بل من دار جبلهم هو فيها، وخلق لهم القلوب التي يهوون بها المعاصي. قلت: فهل كان يجب أن يطيعه جميع خلقه؟ قال غيلان: نعم. قلت: انظر ما تقول. قال: هل معها غيرها؟ قلت: نعم. قلت: فهل كان إبليس يحب أن يعصي الله جميع خلقه؟ قال: فلما عرف الذي أردت؛ سكت فلم يرد علي شيئاً. ثم قال: يا أبا عامر؛ هل لهؤلاء الكلمات من أصل؟ قلت: نعم، أجيك بهن من كتاب الله ، إن الله خلق جميع خلقه من أربعة أشياء، لم يخلق شيئين من شيء

стр. 10284

واحد، فجعل الطاعة في اثنين وجعل المعصية في اثنين، فاللذان فيهما الطاعة هي فيهما إلى يوم القيامة، واللذان فيهما المعصية هي فيهما إلى يوم القيامة، إن الله خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق البهائم من ماء، وخلق آدم من طين، فجعل الطاعة في الملائكة والبهائم، وجعل المعصية في الجن والإنس. قال غيلان: صدقت. أبو عابد السلمي كان يسكن خارج باب الصغير. قال: مات جار لنا نصراني، فأخذوا في غسله، فبينما هم يغسلونه إذ استوى جالساً فقال: علي بالمسلمين. قال: فأتى الصريخ فجئناه، فإذا به جالس. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم مات، فولينا غسله وكفنه والصلاة عليه. أبو عائشة مولى مروان بن الحكم. حدث أبو عائشة أن سعيد بن العاص دعا أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان فسألهما: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً كتكبيره على الجنائز. وصدقه حذيفة. فقال أبو موسى: وكذلك كنت أكبر لأهل البصرة إذ كنت عليهم أميراً.

стр. 10285

أبو العباس إن لم يكن الوليد بن مسلم فلا أدري من هو حدث سنة تسعين ومئة عن إبراهيم بن يحيى عن أبان عن عكرمة مولى بن عباس قال: كنت أنا وعطاء بن أبي رباح وطاوس على مائدة ابن عباس. فوقعت جرادة على المائدة فقال محمد بن علي بن أبي طالب: أخبرني أبي، علي بن أبي طالب أن هذه النقط السود التي في جناح الجرادة كتاب بالسريانية: إني أنا الله، إله العالمين قاصم الجبارين خلقت الجراد، وجعلته جنداً من جنودي، أهلك به من أشاء من عبادي. أبو العباس البيروتي روى عن عقبة بن علقمة بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم. وحدث عنه بسنده إلى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان في الدفعتين ثنتيهما كافاً راحلته يقول لمن خلفه: السكينة السكينة. أبو العباس الحنفي: قدم دمشق. حدث بسنده إلى الأصمعي قال: دخلت على العتابي وقد كان المأمون أنزله المخرم فوجدته على بند بلا متكأ وبين يديه كلب رابض، وإناء فيه شراب، وهو يشرب شربة ويلعق الكلب أخرى، فقلت

стр. 10286

له: رحمك الله، أنت في سنك وعملك ومحلك من أمير المؤمنين تنادم كلباً؟! فقال: دعني منك، إن هذا خلف من قرناء السوء، وهو مع هذا يصبر على قليلي وكثيري، ويحفظني في مغيبي ومشهدي، ويرفع أذاه وأذى غيره قال: فوصفه بصفة حتى تمنى أنه كلب. ثم أنشد فيه شعراً: من الخفيف ونديم كان مهجة النف ... س تخيرته على حالتيه عنده الحلم في المجالس والطا ... عة أكرم به لدى خلتيه وهو دان إذا دنوت وإن غب ... ت رعاني مكانتي حافظيه إن تناولت عرضه أو تقرب ... ت فسيان ذا وهذا لديه أقمر أزرق كأن سراجي ... ن يضيئان في سنا مقلتيه يشرب الكأس إن أمرت وإلا ... لم يكلح بسقطة عطفيه مطرق تارة وأخرى يراعي ... نبوةً للعدو عن جانبيه إن تغيبته أشاح وإلا ... لم يزل ملهياً لها مسمعيه وإذا قمت للصلاة أو الحا ... جة لم أجل عن مدى نابيه فهو خل وصاحب ونديم ... وهو دانٍ إذا دنوت إليه أبو العباس الوراق الدمشقي حدث عن الجنيد قال: سمعت محمد بن أبي الورد يقول: في ارتفاع الغفلة ارتفاع العبودية، ثم الغفلة غفلتان: غفلة رحمة، وغفلة نقمة. فأما التي هي رحمة، فلو كشف الغطاء، وشهد القوم العظمة، ما انقطعوا عن العبودية، ومراعاة السر. وأما التي هي نقمة، فهي الغفلة التي تشغل العبد عن طاعة الله بمعصيته.

стр. 10287

وحدث أبو العباس عن ابن الجلاء قال: مات أبي فجعلناه على المغتسل، فكشفنا عن وجهه فإذا هو يضحك، وهو ميت. قال: والتبس على الناس أمره، فقالوا: هو حي. فجاءوا بالطيب، وغطينا وجهه، وقلنا خذ مجسه. فأخذ مجسه، فقال: هذا ميت. فكشفنا عن وجهه فرآه الطبيب ضاحكاً، فقال: لا والله ما أدري ميت أو حي!! فكلما جاء إنسان يغسله يهابه، ولا يقدر على غسله. فقام إلينا الفضل بن الحسين وكان من كبار العارفين فغسله وصلى عليه ودفنه. أبو عبد الله الأشعري من أهل دمشق. حدث أبو صالح الأشعري أن أبا عبد الله الأشعري حدثه: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال: لو مات هذا على ما هو عليه لمات على غير ملة محمد ﷺ ، فأتموا الركوع والسجود، فإن مثل الذي يصلي، ولا يتم ركوعه ولا سجوده، مثل الجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين، لا تغنيان عنه شيئاً. قال أبو صالح: فلقيت أبا عبد الله بعد ذلك فقلت: من حدثك بهذا أنه سمعه من رسول الله ﷺ ؟ فقال: حدثني به أمراء الأجناد: خالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص أنهم سمعوه من رسول الله ﷺ . أبو عبد الله الدمشقي حدث عن أكثم بن الجون الخزاعي ثم الكعبي قال: قال رسول الله ﷺ : يا أكثم بن الجون! اغز مع غير قومك يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون! خير الرفقاء أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفاً من قلة. يا أكثم بن الجون لا ترافق إلا مئتين.

стр. 10288

أبو عبد الله حرسي كان لعمر بن عبد العزيز. حدث عن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني حرسي معاوية أنه قدم على معاوية بطريق من الروم، يعرض عليه جزية الروم عن كل من بأرض الروم من كبير أو صغير جزية دينارين دينلرين، إلا عن رجلين: الملك وابنه، فإنه لا ينبغي للملك وابنه أن يجزيا. فقال معاوية وهو في كنيسة من كنائس دمشق: لو صببتم لي دنانير جزية حتى تملؤوا هذه الكنيسة، ولا يجزى الملك وابنه؛ ما قبلتها منكم. قال الرومي: لا تماكرني، فإنه لا يماكر أحد مكراً إلا ومعه كذب. فقال معاوية: أراك تمازحني! قال الرومي: إنك اضطررتني إلى ذلك، وغزوتني في البر والبحر، والصيف والشتاء. أما والله يا معاوية لا تغلبونا لا بعدد ولا عدة، ولوددت أن الله جمع بيننا وبينكم في مرج، ثم خلى بيننا، ورفع عنا وعنكم النصر حتى ترى. قال معاوية: ما له، قاتله الله؟ إنه ليعرف أن النصر من عند الله!! أبو عبد الله مولى لعمر ابن عبد العزيز حدث عن أبي بردة بن أبي موسى أنه حدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممها، ثم يدعى بعيسى، فيذكره الله نعمته عليه، فيقر بها. فيقول " يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك " الآية ثم يقول " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "؟ فينكر أن يكون قال ذلك. فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال: فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي

стр. 10289

الله مقدار ألف عام، حتى يرفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار. أبو عبد الله أو أبو عبيد الله الجزري كان من أعوان عمر بن عبد العزيز. حكى عنه قال: بعث إلي عمر بن عبد العزيز، فدفع إلي مالاً أقسمه بالرقة، وكتب إلى وابصة كتاباً يبعث معي بشرط يكفون الناس عني وقال: لا تقسم بينهم إلا على شاطئ نهر جار، فإني أخاف أن يعطشوا. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنك تبعثني إلى قوم لا أعرفهم، وفيهم غني وفقير. فقال: يا هذا، من مد يده إليك فأعطه. قال المصنف: الظاهر أن هذا خطأ، فإن وابصة لم يتأخر موته إلى خلافة عمر بن عبد العزيز. أبو عبد الله الدمشقي قال: أتى رجل الشعبي فقال: دلني على ما أسألك. قال: سل. قال: دلني على طعام حلال آكله، لا يسألني الله عنه يوم القيامة، فيحبسني في الحبس الطويل، ودلني على لباس حلال، أصلي فيه لا يكون لله علي فيه تبعة. فاسترجع الشعبي، وتفكر ساعة، ثم قال للرجل: هذه مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، تريد أن تعمل بما سألت؟ قال: ليس ذا عليك، أجب عما سألتك عنه، ولا تحبسني. فقال الشعبي: انطلق إلى ساحل البحر، فاطلب جزيرة تنبت فيها الحلفاء، فانسج منها جبة والبسها، وصم وصل، فإذا جعت فانطلق إلى ساحل البحر، فتصيد سمكة

стр. 10290

بيدك، ولا تصدها بشبكة، فكلها ولا تشوها، فإذا قدمت على الله لم يكن لله عليك فيها تبعة يسألك عنها، فما ألزمك من ذلك فخذ به الشعبي. فانطلق الرجل. وهرب الشعبي من الحجاج، فأخذ يدور في البلاد، فبينا هو بساحل البحر بعد اثنتي عشرة سنة رأى ذلك الرجل عليه مدرعة من حصر، وسمكة موضوعة في الشمس. فقال له الشعبي: أتعرفني؟ قال: نعم. قال: من أنا؟ قال: أنت الذي ترشد الناس، وتضل نفسك. قال: فبكى الشعبي. أبو عبد الله الدمشقي قال أبو عبد الله: قال عيسى بن مريم ﵇: الدهر ثلاثة أيام: أمس خلت عظته، واليوم الذي أنت فيه لك، وغداً لا تدري ما يكون. قال: وكان يقول: طوبى لمن كان قيله تذكراً، وصمته تفكراً، ونظره عبراً. أبو عبد الله الدمشقي قال إبراهيم بن أدهم: من دعا لمن ظلمه فرق الشيطان من ظله، ومن أحسن لمن أساء إليه، فبه تقوم الأرض، ومن كان ذا عز وتواضع فقد علم عظمة الله. وفي حديث: فقد عظم عظمة الله. أبو عبد الله بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي كان بأرض البلقاء، وكان عابداً مجتهداً، زاهداً ليست له زوجة ولا ولد ولا مملوك. وأمه امرأة من تميم، فكان ينسب إلى بني تميم. فسعي به إلى إبراهيم بن صالح وهو على

стр. 10291

الشام للمهدي فرفع إليه، فشده في الحديد، ووجه به إلى المهدي، فلما وقف بين يديه، قال له: من بني تميم؟ قال: نعم. قال: أين تسكن؟ قال: البلقاء. قال: أين منها؟ قال: الربة قال: ما لك وللربة؟ فما هي سهلة الموطئ، ولا طيبة المشتى. قال: إن كانت كذلك فإنها كما قال زهير: من الطويل على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل قال: والله، لقد مجتهم بخير وماجوك بشر. فقال: لا أحب أن أكافئ بالإساءة إلا إحساناً. قال: فما معاشك؟ قال: من الطويل نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف. قال: تكون في موضعها إلى أن أحتاج إليها. قال له عمر بن بزيع: إني لأحسبك ممن يسعى في الأرض فساداً. قال: على من يسعى بالفساد في الأرض لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقال المهدي لعمر: إياك يعني. ثم أطلقه، فأقام بالربة حتى هلك. أبو عبد الله الراهبي من أهل الراهب، محلة كانت خارج دمشق قبلي مصلى العيد. أحد الزهاد. سمع يقول: ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف. ومن أدخل فضلاً من الطعام، أخرج فضولاً من الكلام.

стр. 10292

أبو عبد الله البصري قال أبو الحسن بن أبي رجاء: سألت أبا عبد الله البصري الذي كان ينزل مسجد مقرى. قال: قلت: مسألة؟ قال: سل. قلت: متى يخرج حب الدنيا من قلب العبد؟ قال: إذا ترك خدمة أهلها. أبو عبد الله الفيحي أو الفتحي قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: تكلمت بشيء من الحكمة بين يدي هذا العمود الحجر، فقطر هذا العمود دماءً وقال: خرجنا أيام البصري إلى دير مران، ومعنا جماعة، منهم رجل في كمه محبرة، فتكلم رجل منا بشيء من الحكمة فصاحت المحبرة في كم الرجل صياحاً عالياً، وانفلقت. أبو عبد الله البرزي كان من برزة، من الغوطة، وكان يصوم الاثنين والخميس، وكان أعور، وبلغ سنه ثمانين سنة أو جاوزها. قال أبو سليمان بن زبر: يا أبا عبد الله، أي شيء كان سبب ذهاب عينك؟ فقال: أمر عجيب معجز. فقلت: حدثني به، فامتنع شهوراً، وأنا أسأله، إلى أن حدثني قال: جاءني إلى برزة، إلى بيتي رجلان من الحواة فدفعا إلي ثمن غرارة قمح، فاشتريت لهما، وطحنت، وقالا لي: اعجن لنا كل يوم ربع دقيق، وأنفق علينا كل يوم خمسة دراهم في لحم وشيءٍ حلو، ودفعا إلي خمسين

стр. 10293

درهماً، ووهبا لي خمسين درهماً، وأقاما عندي جمعة، ثم قالا لي: في قرية برزة واد؟ فقلت: نعم. فأريتهما إياه بالنهار، فوقفا عليه، ثم خرجا إليه نصف الليل، وأنا معهما، ونزلا إلى قعره، ومشيا فيه نحو نصفه. وكان معهما دابة محملة، فحطا عنها، وأخرجا خمس مجامر، وأوقدا فيها ناراً، وجعلا في الخمس مجامر بخوراً كثيراً، حتى عجعج الوادي بالدخان، وأقبلا يعزمان، والحيات تقبل إليهما من كل مكان، فلا يعرضان لحية منها، إلى أن جاءت إليهما حية نحو ذراع، أو أطول قليلاً، وعيناها توقدان مثل الدينار، فلما رأياها فرحا واستبشرا وسرا سروراً عظيماً وقالا: من أجل هذه الحية جئنا من خراسان نسير نحو سنة فالحمد لله الذي لم يخيب سفرنا ونفقتنا. ثم قبضا الحية، وكسرا المجامر، وأخذا ميلاً فأدخلاه في عين الحية، واكتحلا به، فلما رأيتهما فعلا ذلك، قلت لهما: اكحلاني كما اكتحلتما. فقالا لي: ما يصلح لك. قلت: لا بد من ذلك. قالا: يا هذا، ما لك فائدة فيه. قلت: والله ما أزايلكما أو تكحلاني منها. فقالا: يا هذا، إنا قد مالحناك، ووجب حقك علينا، وقد أنفقنا في منزلك، وأعطيناك خمسين درهماً، وما نشتهي أن يقع بيننا وبينك شر وخصومة فيما لا فائدة لك فيه. فقلت: لئن لم تكحلاني لأصرخن بالوادي حتى يخرج فيأخذ كل ما معكما وينهبكما. فلما لم يريا لهما مني مخلصاً قالا: فنكحل عينك الواحدة. فرضيت، فكحلا عيني اليمنى، فحين وقع ذلك في عيني؛ نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما توري المرآة ثم قالا لي: سر معنا قليلاً. فسرت حتى بعدنا عن القرية، فكتفاني وأدخل أحدهما يده في عيني فقلعها، ورمى بها، وتركاني مكتفاً، ومضيا، فلم أزل مكتفاً إلى الصبح، حتى جاءني نفر من الناس فحلوني. فهذا ما كان من خبر عيني.

стр. 10294

أبو عبد رب ويقال أبو عبد رب العزة، ويقال: أبو عبد ربه عبد الجبار ويقال: قسطنطين، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله، ويقال: ابن أبي عبد الله مولى ابن غيلان الثقفي، ويقال: مولى بني عذرة، الزاهد حدث عن معاوية أنه قال على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله. وفي حديث: إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله. كان أبو عبد رب يشتري الرقاب فيعتقها، فاشترى يوماً عجوزاً رومية فأعتقها، فقالت له: إيه، لا أدري أين آوي؟! فبعث بها إلى منزله، فلما انصرف من المسجد أتى بالعشاء فدعاها، وأكل، ثم راطنوها فإذا هي أمه، فسألها الإسلام فأبت. فكان يبلغ من برها ما يبلغ، فأتى يوماً بعد العصر، يوم الجمعة، فأخبر أنها أسلمت، فخر ساجداً حتى غربت الشمس. قال أبو عبد رب لمكحول: يا أبا عبد الله، تحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة؟ قال: فأحب الموت، فإنك لن تدخل الجنة حتى تموت. قال أبو عبد رب الزاهد: لو أن بردى سالت ذهباً وفضة ما أتيتها لآخذ منها شيئاً، ولو قيل لي من احتضن هذا العمود مات، لقمت إليه واحتضنته. وفي رواية زاد: شوقاً إلى الله وإلى رسوله ﷺ . قال سعيد بن عبد العزيز: ونحن نعلم أنه صادق.

стр. 10295

كان أبو عبد رب من أكثر أهل دمشق مالاً، فخرج إلى أذربيجان في تجارة له، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل به، قال: فسمعت صوتاً في ناحية من المرج يكثر حمد الله، فاتبعته، فرأيت رجلاً ملفوفاً في حصير، فسلمت عليه، وقلت: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قلت: فما حالك هذه؟ قال: نعمة يجب علي حمد الله عليها. قلت: وكيف، وإنما أنت في حصير؟! قال: ومالي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي، وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر عني ما أكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قلت: إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل، فإنا نزول على النهر ها هنا. قال: ولم؟ قلت: لتصيب من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما لي فيه حاجة، وإن لي في العشب كفاية وغنى قال: فأردته على أن يتبعني فأبى. قال أبو عبد رب: فانصرفت. وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها أن لم أخلف بدمشق رجلاً في الغنى يكاثرني، وأني ألتمس الزيادة في ذلك؟! اللهم، إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه. قال: فبت، ولا يعلم أعواني بالذي أجمعت عليه، فلما كان السحر رحلوا كنحو رحيلهم فيما مضى، وقدموا دابتي فصرفتها إلى دمشق، وقلت: ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت إلى منزلي. فسألني القوم فأخبرتهم، وعاتبوني على المضي فأبيت. فلما قدم تصدق بصامت ماله، وجهز في سبيل الله. قال ابن جابر: فحدثني بعض إخواني قال: ما كست رجلاً في ثمن عباءة بدانق، أعطيته ستة وهو يسأل سبعة. فلما أكثرت قال لي: ممن أنت؟ قلت من دمشق. قال: تشبه شيخاً وقف علي بالأمس، يقال له أبو عبد رب، اشترى مني سبع مائة كساء بسبعة سبعة، فما سألني أن أضع له درهماً، وبعث أعواني يحملونها له، فما زال يفرقها بين الفقراء، فما وصل إلى منزله إلا بكساء. قالوا: وتصدق بكل ماله إلا داراً له بدمشق.
следующие страницы →