Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.
стр. 10291
الشام للمهدي فرفع إليه، فشده في الحديد، ووجه به إلى المهدي، فلما وقف بين يديه، قال له:
من بني تميم؟ قال: نعم. قال: أين تسكن؟ قال: البلقاء. قال: أين منها؟ قال: الربة قال: ما لك وللربة؟ فما هي سهلة الموطئ، ولا طيبة المشتى. قال: إن كانت كذلك فإنها كما قال زهير: من الطويل
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
قال: والله، لقد مجتهم بخير وماجوك بشر. فقال: لا أحب أن أكافئ بالإساءة إلا إحساناً. قال: فما معاشك؟ قال: من الطويل
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف. قال: تكون في موضعها إلى أن أحتاج إليها. قال له عمر بن بزيع: إني لأحسبك ممن يسعى في الأرض فساداً. قال: على من يسعى بالفساد في الأرض لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقال المهدي لعمر: إياك يعني. ثم أطلقه، فأقام بالربة حتى هلك.
أبو عبد الله الراهبي
من أهل الراهب، محلة كانت خارج دمشق قبلي مصلى العيد. أحد الزهاد. سمع يقول: ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف. ومن أدخل فضلاً من الطعام، أخرج فضولاً من الكلام.
стр. 10292
أبو عبد الله البصري
قال أبو الحسن بن أبي رجاء: سألت أبا عبد الله البصري الذي كان ينزل مسجد مقرى. قال: قلت: مسألة؟ قال: سل. قلت: متى يخرج حب الدنيا من قلب العبد؟ قال: إذا ترك خدمة أهلها.
أبو عبد الله الفيحي أو الفتحي
قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: تكلمت بشيء من الحكمة بين يدي هذا العمود الحجر، فقطر هذا العمود دماءً وقال: خرجنا أيام البصري إلى دير مران، ومعنا جماعة، منهم رجل في كمه محبرة، فتكلم رجل منا بشيء من الحكمة فصاحت المحبرة في كم الرجل صياحاً عالياً، وانفلقت.
أبو عبد الله البرزي
كان من برزة، من الغوطة، وكان يصوم الاثنين والخميس، وكان أعور، وبلغ سنه ثمانين سنة أو جاوزها. قال أبو سليمان بن زبر: يا أبا عبد الله، أي شيء كان سبب ذهاب عينك؟ فقال: أمر عجيب معجز. فقلت: حدثني به، فامتنع شهوراً، وأنا أسأله، إلى أن حدثني قال: جاءني إلى برزة، إلى بيتي رجلان من الحواة فدفعا إلي ثمن غرارة قمح، فاشتريت لهما، وطحنت، وقالا لي: اعجن لنا كل يوم ربع دقيق، وأنفق علينا كل يوم خمسة دراهم في لحم وشيءٍ حلو، ودفعا إلي خمسين
стр. 10293
درهماً، ووهبا لي خمسين درهماً، وأقاما عندي جمعة، ثم قالا لي: في قرية برزة واد؟ فقلت: نعم. فأريتهما إياه بالنهار، فوقفا عليه، ثم خرجا إليه نصف الليل، وأنا معهما، ونزلا إلى قعره، ومشيا فيه نحو نصفه. وكان معهما دابة محملة، فحطا عنها، وأخرجا خمس مجامر، وأوقدا فيها ناراً، وجعلا في الخمس مجامر بخوراً كثيراً، حتى عجعج الوادي بالدخان، وأقبلا يعزمان، والحيات تقبل إليهما من كل مكان، فلا يعرضان لحية منها، إلى أن جاءت إليهما حية نحو ذراع، أو أطول قليلاً، وعيناها توقدان مثل الدينار، فلما رأياها فرحا واستبشرا وسرا سروراً عظيماً وقالا: من أجل هذه الحية جئنا من خراسان نسير نحو سنة فالحمد لله الذي لم يخيب سفرنا ونفقتنا. ثم قبضا الحية، وكسرا المجامر، وأخذا ميلاً فأدخلاه في عين الحية، واكتحلا به، فلما رأيتهما فعلا ذلك، قلت لهما: اكحلاني كما اكتحلتما. فقالا لي: ما يصلح لك. قلت: لا بد من ذلك. قالا: يا هذا، ما لك فائدة فيه. قلت: والله ما أزايلكما أو تكحلاني منها. فقالا: يا هذا، إنا قد مالحناك، ووجب حقك علينا، وقد أنفقنا في منزلك، وأعطيناك خمسين درهماً، وما نشتهي أن يقع بيننا وبينك شر وخصومة فيما لا فائدة لك فيه. فقلت: لئن لم تكحلاني لأصرخن بالوادي حتى يخرج فيأخذ كل ما معكما وينهبكما. فلما لم يريا لهما مني مخلصاً قالا: فنكحل عينك الواحدة. فرضيت، فكحلا عيني اليمنى، فحين وقع ذلك في عيني؛ نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما توري المرآة ثم قالا لي: سر معنا قليلاً. فسرت حتى بعدنا عن القرية، فكتفاني وأدخل أحدهما يده في عيني فقلعها، ورمى بها، وتركاني مكتفاً، ومضيا، فلم أزل مكتفاً إلى الصبح، حتى جاءني نفر من الناس فحلوني. فهذا ما كان من خبر عيني.
стр. 10294
أبو عبد رب
ويقال أبو عبد رب العزة، ويقال: أبو عبد ربه عبد الجبار ويقال: قسطنطين، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله، ويقال: ابن أبي عبد الله مولى ابن غيلان الثقفي، ويقال: مولى بني عذرة، الزاهد حدث عن معاوية أنه قال على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله. وفي حديث: إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله. كان أبو عبد رب يشتري الرقاب فيعتقها، فاشترى يوماً عجوزاً رومية فأعتقها، فقالت له: إيه، لا أدري أين آوي؟! فبعث بها إلى منزله، فلما انصرف من المسجد أتى بالعشاء فدعاها، وأكل، ثم راطنوها فإذا هي أمه، فسألها الإسلام فأبت. فكان يبلغ من برها ما يبلغ، فأتى يوماً بعد العصر، يوم الجمعة، فأخبر أنها أسلمت، فخر ساجداً حتى غربت الشمس. قال أبو عبد رب لمكحول: يا أبا عبد الله، تحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة؟ قال: فأحب الموت، فإنك لن تدخل الجنة حتى تموت.
قال أبو عبد رب الزاهد: لو أن بردى سالت ذهباً وفضة ما أتيتها لآخذ منها شيئاً، ولو قيل لي من احتضن هذا العمود مات، لقمت إليه واحتضنته. وفي رواية زاد: شوقاً إلى الله وإلى رسوله ﷺ . قال سعيد بن عبد العزيز: ونحن نعلم أنه صادق.
стр. 10295
كان أبو عبد رب من أكثر أهل دمشق مالاً، فخرج إلى أذربيجان في تجارة له، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل به، قال: فسمعت صوتاً في ناحية من المرج يكثر حمد الله، فاتبعته، فرأيت رجلاً ملفوفاً في حصير، فسلمت عليه، وقلت: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قلت: فما حالك هذه؟ قال: نعمة يجب علي حمد الله عليها. قلت: وكيف، وإنما أنت في حصير؟! قال: ومالي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي، وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر عني ما أكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قلت: إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل، فإنا نزول على النهر ها هنا. قال: ولم؟ قلت: لتصيب من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما لي فيه حاجة، وإن لي في العشب كفاية وغنى قال: فأردته على أن يتبعني فأبى. قال أبو عبد رب: فانصرفت. وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها أن لم أخلف بدمشق رجلاً في الغنى يكاثرني، وأني ألتمس الزيادة في ذلك؟! اللهم، إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه. قال: فبت، ولا يعلم أعواني بالذي أجمعت عليه، فلما كان السحر رحلوا كنحو رحيلهم فيما مضى، وقدموا دابتي فصرفتها إلى دمشق، وقلت: ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت إلى منزلي. فسألني القوم فأخبرتهم، وعاتبوني على المضي فأبيت. فلما قدم تصدق بصامت ماله، وجهز في سبيل الله.
قال ابن جابر: فحدثني بعض إخواني قال: ما كست رجلاً في ثمن عباءة بدانق، أعطيته ستة وهو يسأل سبعة. فلما أكثرت قال لي: ممن أنت؟ قلت من دمشق. قال: تشبه شيخاً وقف علي بالأمس، يقال له أبو عبد رب، اشترى مني سبع مائة كساء بسبعة سبعة، فما سألني أن أضع له درهماً، وبعث أعواني يحملونها له، فما زال يفرقها بين الفقراء، فما وصل إلى منزله إلا بكساء. قالوا: وتصدق بكل ماله إلا داراً له بدمشق.
стр. 10296
قال ابن جابر: فوافيته يوماً، فسلمت عليه، فقال: يا طويل، إني أريد أن أستشيرك. قلت: اذكر. قال: خرجت من مالي، ولم يبق إلا داري هذه، وأعطيت بها كذا وكذا ألفاً، فما ترى؟ قلت: ما أدري ما بقي من عمرك، وأخاف أن تحتاج إلى الناس، وفي غلتها قوام لمعيشتك، وتسكن في طائفة منها، فتسترك وتغنيك عن منازل الناس. قال: وإن هذا لرأيك؟ قلت: نعم. قال: أصابك المثل. قلت: ما هو؟ قال: لا يخطئك من طويل حمق، أو قرحة في رجله، أفبالفقر تخوفني؟ فباعها بمال عظيم، وفرقه. فكان ذلك مع موته. فما وجدنا من ثمنها إلا قدر ثمن الكفن. مات أبو عبد رب في خلافة هشام بن عبد الملك، قبل قتل الجراح بن عبد الله.
أبو عبد الرحمن
روى عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " قال: على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس.
أبو عبد الرحمن شيخ من أهل دمشق
من خيار المسلمين. قال: ذكر رسول الله ﷺ مدينة دمشق فقال: هي فسطاط المؤمنين، وإليها ينحاز الأجناد الأربعة، ليقتسمن أفنيتها اقتسام اللحم.
стр. 10297
أبو عبد الرحمن الهمذاني
من أهل جبيل روى عن أبي عبيدة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ " قل هو الله أحد " في يوم مئة مرة، كتب عمله يومئذ عمل نبي، وكتب له بكل ثلاث منها عدل قراءة القرآن، وبني له بكل عشر منها برج في الجنة والبرج قصر وكتب له بكل حرف منها عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات في الجنة. وهي محضرة للملائكة، منفرة للشيطان، وهي صفة الله ومعرفته.
أبو عبد الرحمن الأزدي
ويقال له: الأسدي قال أبو عبد الرحمن: كنت أدور على حائط بيروت، فمررت برجل مدلي الرجلين في البحر وهو يكبر، فاتكأت على شرافة إلى جنبه، فقلت: يا شاب، مالك جالساً وحدك؟ قال: يا فتى، لا تقل إلا حقاً، ما كنت قط وحدي مذ ولدتني أمي، إن معي ربي حيثما كنت، ومعي ملكان يحفظان علي، وشيطان ما يفارقني، فإذا عرضت لي حاجة إلى ربي سألته إياها بقلبي، ولم أسأله بلساني، فجاءني بها.
стр. 10298
أبو عبد الرحمن الأسدي
أظنه الأزدي المذكور قبله. قال: كنت آخذ بيد سعيد بن عبد العزيز كل اثنين وكل خميس، نأتي المقابر، فقلت له: يا عم، ماهذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة، وأي شيء هذا؟ قال: وما سؤالك عن هذا يا بن أخي؟ قلت: لعل الله أن ينفعني. فقال لي: ما قمت في صلاة قط إلا مثلت لي جهنم.
أبو عبد الرحيم الدمشقي
حدث عن مكحول، قال: بينا سليمان بن داود على بساط من شعر، وأصحابه حوله، إذا مرت الريح فاستقبلته، وصارت الإنس والجن أمامه، والطير تظله، وإذا حراث يحرث على جانب الطريق. فقال الحراث: لو أن سليمان بن داود عندي؛ كلمته بثلاث كلمات. فأوحى الله إلى سليمان أن ائت الحراث. فركب على فرس له، وأتاه، وقال: يا حراث، أنا سليمان فقل ما أردت أن تقول. قال: وما علمك أني أردت أن أقول؟ قال: الله أعلمني. قال: أشهد له بذلك. قال: إني رأيتك فيما أنت فيه فقلت: والله، ما سليمان في لذة لذها أمس ولا نعيم نعمه؛ وأنا في تعب تعبته أمس وفي نصب نصبته إلا سواء. لا سليمان يجد لذة ما مضى، ولا أنا أجد تعب ما مضى. قال: وأخرى قلتها. قال: وما هي؟ قلت: سليمان يموت وأنا أموت. قال: صدقت. قال: يا سليمان، لكني قلت كلمة طابت بها نفسي، قلت: سليمان يسأل غداً عما أعطي وأنا لا أسأل. قال: فخر سليمان ساجداً عن فرسه يبكي وهو يقول: يا رب، لولا أنك جواد لا تبخل؛ لسألتك أن تنزع مني ما أعطيتني. فأوحى الله إليه: يا سليمان، ارفع رأسك، فإني لم أنعم على عبد لي نعمة، فتكون تلك النعمة رضى، فأحاسبه عليها.
стр. 10299
أبو عبيد بن أبي عمرو
حاجب سليمان بن عبد الملك، ومولاه. اختلف في اسمه. حدث عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثا ًوثلاثين، وكبر ثلاثاً وثلاثين، وختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. وفي رواية: ولو كانت أكثر من زبد البحر.
أبو عثمان بن سنة الخزاعي
روى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو بمكة:
من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل. فلم يحضر منهم أحد غيري. قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطاً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب، ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني؛ فقال: ما فعل الرهط؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله. فأعطاهم روثاً وعظماً زاداً، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث. وروى ابن سنة أن رسول الله ﷺ قال: إن العلم بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ. هذا مرسل. كان أبو عثمان بن سنة قد لحق بعلي بن أبي طالب في الذين خرجوا إليه من أهل الشام، فكان يخصهم بمجلسه في حديثه دون أهل العراق. قال: فجاءنا يوماً وهو يحدثنا فقال: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية التي قال الله جل ثناؤه فيها: " إن شر الدواب عند
стр. 10300
الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون " إلى قوله: " لعلهم يذكرون " ثم قال: إن هذه الآية في فلان وأصحابٍ له.
أبو عثمان الأوقص
دمشقي. حدث عن الأزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزالون تقاتلون الكفار، حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة. وعن أبي عثمان الدمشقي قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران: يا موسى فبوجهي حلفت لا تدركني الأبصار، وأنا أدرك الأبصار، وأعلم أعمال العباد بالليل والنهار، ما آمنت بي خليقة إلا توكلت علي توكلها على الوالد الرحيم، بل هي بي أوثق، وبما عندي أطمع، فأعرف ما أقول لك أو دع، إني لك ناصح، وعليك مشفق، يا موسى! ضع الكلام مني إليك موضع الكلام من الوالدة الرحيمة، وكن لأمري مطيعاً، وأطلعني من نفسك على الرضا، ليكون أرضى لي عندك، ولا تطع كل مداهن غرور، واعلم بأن الدنيا دار تعز للظالمين.
أبو عثمان
حدث أبو عثمان عن شيخ يسمى عطية كان قد بلغ مئة سنة قال: رأيت ابن الزبير على جذع مصلوباً، وامرأة تحمل في محفة، حتى صارت إليه، فقال الناس: هذه
стр. 10301
أمه. فرأيتها مسفرة الوجه مبتسمة، فجاء الحجاج فأحدره لها، وقال: يا أسم، إني وإياه استبقنا إلى هذا الجذع، فسبقني هو إليه.
٥٣ - أبو عثمان النصيبي من أهل التصوف، قدم دمشق في سياحة. قال أبو إسحاق إبراهيم: كنت مجاوراً بمكة، فوقف علي أبو عثمان النصيبي فقال: يا فقير، أيما أحب إليك، أرفقك أو أحكي إليك حكاية؟ فقلت: بل حكاية. قال: كنت سائراً ببلاد دمشق، وعلي خرقتان: واحدة في وسطي، وأخرى على كتفي، فانتهيت إلى دير مران، والثلج يسقط مثل الورق، فاطلع إلي راهب من غرفة، وقد لويت عن باب الدير، فقال: بحق من خرجت من أجله إلا عدلت إلى الدير. فرجعت، فاستقبلني وأخذ بيدي، وصعدنا إلى غرفة حسنة الآلة، فأقمت عنده ثلاثاً في حسن عشرة، واستحسنته فقلت: يا راهب، أراك عاقلاً، فكيف أقمت على النصرانية؟ فقال: قد قرأت المسطور يعني القرآن ولو قضي شيء لكان. وهمت بالمسير، فرام وقوفي. فقلت: قال نبينا ﷺ : الضيف ثلاثة، فما زاد فهو صدقة. فقال: صدق نبيكم ﷺ ، ولكن من الضيف على صاحب البيت؟ فقلت: أراك أديباً، أسألك عن شيء؟ فقال: قل. قلت: ما صفة المحبة؟ فقال: المحبة لا صفة لها، ولكن إن أردت أن أصف لك شيئاً من أدب المحبة؟ فقلت: قل. قال: أدناه أن لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء. ونهضت فقام معي، ونزلنا إلى صحن الدير، وإذا باب مردود فقال: ادفعه. فدفعته، فإذا إنسان حسن الخلق في عنقه سلسلة مشدودة إلى السقف تمنعه من الجلوس، فقلت: ما هذا؟ فقال: كلمه. فقلت: ما اسمك يا فتى؟ قال: عبد المسيح. فقلت: ما وقوفك ها هنا؟ فقال: عبد المسيح. فقلت: وما تؤلمك هذه السلسلة؟ فقال: عبد المسيح. فقلت للراهب: ما هذا؟ فقال: هذا العيان، وذاك الخبر. أو كما قال.
стр. 10302
أبو عذبة
أظنه عمرو بن سليم الحضرمي. ويقال: هو الحارث بن معاوية الحمصي. قال أبو عذبة الحمصي: قدمت على عمر بن الخطاب رابع أربعة من الشام، ونحن حجاج، فبينا نحن عنده أتاه آت من بلاد العراق، وأخبره أنهم قد حصبوا إمامهم، وقد كان عمر عوضهم به مكان إمام كان قبله، فحصبوه. فخرج إلى الصلاة مغضباً، فسها في صلاته، ثم أقبل على الناس، فقال: من ها هنا من أهل الشام؟ فقمت أنا وأصحابي. فقال: يا أهل الشام، تجهزوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، ثم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فلبس عليهم، وعجل لهم الغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، ولا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. وعن أبي عذبة قال: أوشك بالرجل أن يأتي قبر حميمه فيتمعك عليه فيقول: يا ليتني كنت مكانك، فقد نجوت. قيل: عم ذلك؟ فقال: تدعون إلى ناحية عدو، فبينا أنتم كذلك إذ دعيتم من كل ناحية إلى عدو، فلا تدرون أي عدوكم تبغون، فيومئذ يكون ذلك. عذبة: بعين مفتوحة، وذال معجمة، وباء موحدة.
стр. 10303
أبو العذراء
حدث أبو العذراء، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: " أحلو الله يغفر لكم ". أي أسلموا لله يغفر لكم.
أبو العريان المخزومي
كان أبو العريان بباب معاوية بعد دعوة زياد بأيام، فأقبل زياد ليدخل على معاوية، فلما رآه الناس تحسسوا له. فقال أبو العريان وكان مكفوف البصر: من هذا؟ قالوا زياد بن أبي سفيان. فقال أبو العريان: ومتى كان زياد ابن أبي سفيان؟! ما أعرف له ابناً يقال له زياد، أما والله، لرب وضيع قد رفعه الله. ونمي الكلام إلى معاوية فقال لزياد: اقطع عنك لسان أعمى بني مخزوم. فبعث إليه زياد بمال فقال: وصل الله ابن عمي، وجزاه خيراً. فمر به زياد في الغد وهو يتكلم، وتحسحس له الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: زياد. قال: أما والله قد عرفت حزم أبي سفيان في منطقه. ونمى الحديث إلى معاوية، فكتب إليه: من البسيط
ما لبثتك الدنانير التي رشيت ... أن لونتك أبا العريان ألوانا
أمسى زياد أصيلاً في أرومته ... وما عرفت له الحق الذي كانا
لله در زياد لو تجعلها ... كانت له دون ما يخشاه قربانا
فكتب إليه أبو العريان: من البسيط
أما زياد فلم أظلمه نسبته ... وما أردت بما حاولت بهتانا
стр. 10304
أبو عفير الدؤلي
شاعر. كان عند عبد الملك بن مروان، فدخل أبو الأسود الدؤلي وكان أحول، دميماً قبيح المنظر فقال له عبد الملك يمازحه: يا أبا الأسود، لو علقت عليك عوذة تدفع عنك العين، فقال: إن لك جواباً يا أمير المؤمنين، وأنشد: من البسيط
أفنى الجديد الذي جاريت جدته ... كر الجديدين من آت ومنطق
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئاً أخاف عليه لذعة الحريق
ولئن كانت أبلتني السنون، وأسرعت إلي المنون، لما أبليت ذلك إلا في موضعه، وكنت يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض أشهى منك إليهن في يومك هذا؛ على عجبك بنفسك، وإني اليوم لكما قال امرؤ القيس: من البسيط
أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه قوسا
ولقد كنت كما قال: من الطويل
يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما ترعوي عيظ إلى صوت أعيسا
فقال له عبد الملك: قاتلك الله من شيخ ما أعظم همتك! عيظ: جمع عيظاء، الناقة الطويلة العنق. والأعيس: فحل أبيض تعلوه الشقرة.
стр. 10305
أبو عقيل المبتلي
أحد الصالحين قال أبو عقيل: مبتدأ وراثة العابدين الفكر، ثم ورثوا من الفكر العبر، ثم ورثوا من العبر الصبر، ثم ورثوا من الصبر العمل، ثم ورثوا من العمل الانتفاع، وجاءتهم الجوائز من رب العالمين بعد ما ألفت قيام الليل.
أبو علقمة بن أبي كبير الأسلمي
قال أبو علقمة: لما خلص الأمر إلى عبد الملك بن مروان، بعث إلي فقال: هل أخبرك كعب الأحبار فإنه كان يخصك، ويسر إليك لمن هذا الأمر بعدي؟ فقلت: سمعته يقول: تكون الأعماق على يد الواحد والعشرين خليفة من بعدك.
أبو علقمة النميري المضحك
انقطع إلى أبي علقمة غلام يخدمه، فأراد أبو علقمة البكور في حوائجه، فقال له: يا غلام، أصقعت العتاريف؟ فقال له الغلام: زقفيلم. قال أبو علقمة: وما زقفيلم؟ قال:
وما العتاريف؟ قال: الديوك. قال: ما صاح منها شيء بعد. جاء أبو علقمة الأعرابي إلى الحجام، فقال له: تحجمني؟ قال: نعم. قال: اشدد قضم المحاجم، وازنج ولا تربج، أجعل طعنك وخزاً، ومصك حفزاً، ولا تكرهن أبياً،
стр. 10306
ولا تردن أتياً. فقال الحجام، قد أتى علي خمسون سنة لم أقاتل في الهرب. يعني: في الحرب. أتى أبو علقمة أبا زلازل الحذاء فقال: يا حذاء احذ لي هذا النعل. فقال: وكيف تريد أن أحذوها لك؟ قال: خصر نطاقها، وغضف معقبها، وأقب مقدمها، وعرج ونية الذؤابة بخزم دون بلوغ الرصاف وأنحل مخازمها، وأوشك في العمل. فقام أبو زلازل فتأبط متاعه، فقال أبو علقمة: إلى أين؟ قال: إلى ابن القرية ليفسر لي كلامك.
أبو علقمة أو أبو علي البيروتي
قال أبو علي البيروتي: شارط إبراهيم رجلاً على شيء يعمل في الأرض، فعمل أياماً، وأتاه صاحب الأرض فقال: أفسدت علي أرضي. قال إبراهيم: ما أفسدت عليك أكثر أم كرائي؟ قال: الكراء. قال: فأطرح لك من الكراء بقدر
стр. 10307
ما أفسدت عليك. فقال الرجل: نعم. فولى إبراهيم، فقيل للرجل: هذا إبراهيم بن أدهم فأتاه فقال: خذ كراءك وافياً، وأجعلك في حل مما أفسدت أرضي. فقال إبراهيم: لا حاجة لي في الكراء، المسلمون عند شروطهم. قال أبو علي البيروتي: أهديت إلى إبراهيم هدية، فلم يكن عنده شيء يكافئه، فنزع فروة فجعلها في الطبق وبعث بها إليه.
أبو علي بن أبي التائب
قال أبو علي أنشدني سليم بن منصور بن عمار: من مجزوء الرمل
أذكر الموت ولا تن ... س حلول القبر وحدك
ورجوع القوم لما ... ألصقوا بالترب خدك
أنت في لحدك إذ لا ... بد أن تسكن لحدك
فأطع إن شئت أو فاع ... ص إذا ما شئت جهدك
لك عند الله ذي العز ... م كما لله عندك
أبو علي بن أبي السمراء الأطرابلسي
الضرير، الشاعر. قال أحمد بن عمرو الرومي: أنشدت أبا علي بن أبي السمراء شعراً فقال: قد عارضته، وأنشد من المنسرح
عجبت من عصبة نمت وسمت ... باسم التقى والنهى وهم جهله
وساوس النفس علمهم ولهم ... مقالة في الحلول مفتعله
تصوف القوم كي يبلغهم ... لباسهم ما تبلغ المسله
стр. 10308
لو أن ما هم عليه عن رغة ... ما جعل القوم زيهم مثله
لقد تأتى لهم بزيهمو ... من الورى ما تعاطى القتله
إذا تأملتهم رأيتهمو ... نوكى كسالى أذلة أكله
أبو علي بن أبي موسى المعدل
قال أبو علي: كنت بمصر فقال بعض أصحابنا: يا أبا علي ها هنا حكاية عجيبة، قم حتى تسمعها من أحمد بن طاهر القزاز. فجئنا إليه، وسألوه أن يحكي لي حكاية أبي شعيب المقفع فقال: هذا سوقي، أيش أذكر له؟ فقيل له: احكها له، فقال: نعم، كان لنا بمصر بيت ضيافة، فجاءنا فقير يكنى بأبي سليمان، فقال: الضيافة. فأقام عندنا سبعة أيام، أكل فيها ثلاث أكلات، كل ثلاثة أيام أكلة، فسمته المقام عندنا فأبى وقال: أريد الثغر. فسألته أن لا يقطع أخباره عني، فغاب اثنتي عشرة سنة، وقدم، فقلت له: لم لم تكتب إلي؟ فقال: لم أبلغ الثغر، كنت في الرملة، فرأيت فيها شيخاً يقال له أبو شعيب؛ مبتلى، فخدمته سنة، فوقع لي أن أسأله، عن سبب بلائه، فدنوت منه، فابتدأني وقال: وما سؤالك عما لا يعنيك؟ فصبرت سنة أخرى وتقدمت إليه لأسأله، فقال لي في الثالثة: ولا بد لك؟ فقلت: إن رأيت. قال: نعم، بينا أنا أصلي بالليل في محرابي، حتى بدا لي من المحراب نور شعشعاني كاد أن يخطف بصري. فقلت: اخسأ يا ملعون، فإن ربي أجل وأعز من أن يبرز للخلق. ثم صبرت برهة، فبدا لي نور فقلت مثل ذلك، ثم بدا في الثالثة نور أشد مما بدا، فقلت: إخسأ يا ملعون. فلو برزت السماوات والأرضون والعرش والكرسي كان ربي أجل وأعز من أن يبرز للخلق. قال: ثم سمعت نداءً ملكياً من المحراب: يا أبا شعيب. قلت: لبيك، لبيك، لبيك، فقال: تحب أن أقبضك في وقتك هذا، ونجازيك على ما مضى لك؟ أو نبتليك ببلاء نرفعك به في عليين. فسكت سكتة ثم قال:
بلاؤك، بلاؤك، بلاؤك. فسقطت عيني ويدي ورجلي. قال: فمكثت أخدمه اثنتي عشرة سنة. فقال لي يوماً، وكأن عينيه سكرجتان: ترى ما أرى؟ قلت: لا. قال: فتسمع ما أسمع؟ قلت: لا. قال: ادن مني. فدنوت منه، فسمعت أعضاءه تخاطب بعضها بعضاً
стр. 10309
يقول العضو لما يليه: ابرز منه. حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه صبة واحدة تسبح الله تعالى، وتقدمنا. فلولا أنه قد مات ماحدثتكم به.
أبو علي القيسراني
أحد الصلحاء كان مقيماً بأكواخ بانياس، قال ابن طبينة: اشتقت إلى أبي علي القيسراني. وكان صديقاً لي، ولي مدة ما زرته، وكان بالأكواخ فقلت: أزوره وأتبرك به، وآخذ له معي شيئاً أتحفه به فوقع في نفسي رطب فأخذت له سلاً، وسرت إليه، فلما وصلت قرعت الباب فقال: فلان. فعجبت من ذلك، وقلت: نعم. فقال: جئت لي معك الرطب؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فلما سلمت عليه وقبلت بين عينيه، قلت: أعلمني هذه القصة، كيف هيه؟ فقال: عرض في نفسي شهوة الرطب من سنين عدة واستحييت من الله أن أسأل في ذلك أو ينطق به لساني فرأيت البارحة في منامي هاتفاً يقول: غداً يجيئك الرطب على يد فلان ولم لا تسألنا فيه؟ فانتبهت وصليت ركعتين ثم عدت إلى مضجعي، فرأيت ذلك ثانياً فانتبهت وصليت صلاة الغداة، فلما كان وقتي هذا؛ لم يقرع الباب أحد غيرك. وأمرنا أن ينكت على الأرض فأكلت معه منه، وأقمت عنده ثلاثاً.
أبو عمارة الصوري
من شعره من الخفيف
يا ثقيلاٌ لو كان في حسناتي ... وجميع الأنام في سيئاتي
لا ستقل الذنوب بل كسر ال ... ميزان من ثقله على الكفات
стр. 10310
أبو عمران الطبري
أحد شيوخ الصوفية. قال أبو عمران: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: سمعت ذا النون بن إبراهيم الإخميمي يقول: أفضل الأعمال أربعة: الحلم عند الغضب، والسخاوة في القلة، والورع في الخلوة، وصدق القول عند من تخافه أو ترجوه. سأل بعض الفقراء أبا عمران فقال: فقير عقد على نفسه عقداً ثم يستقبله العلم بما هو أولى؟ قال: لا يرجع في عقده. قال الله تعالى: " فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ". قال السلمي: توفي سنة أربع وعشرين وثلاث مئة.
أبو عمر شيخ ببيروت
حدث عن أبي الدرداء أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان ها هنا. وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ها هنا. وأشار بيده إلى قلبه، ولا نذكر الله إلا قليلاً. فقال رسول الله ﷺ : اللهم، اجعل لسانه ذاكراً، وقلبه شاكراً، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير. فقال: يا رسول الله، إنه كان لي أصحاب من المنافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا أنبئك بهم؟ قال: من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد ستراً. وحدث عن معاذ بن جبل قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب؛ فيتهافت، يقرؤونه لايجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، أن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لا نشرك بالله شيئاً.
стр. 10311
أبو عمر الدمشقي
حدث عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم كان المرسلون؟ قال: كانوا ثلاث مئة وخمسة عشر؛ جماً غفيراً. قال: قلت: يا رسول الله آدم نبي كان؟ قال: نعم، نبياً مكلماً. قال: قلت: يا نبي الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وفي آخر بسنده عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: يا أبا ذر، هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل. قال: فقمت فصليت، ثم جلست، قال: يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن قال: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: نعم. قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر. قال: قلت: يا رسول الله، فالصوم؟ قال: فرض مجزئ، وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: جهد من مقل أو سر إلى فقير. قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم ﵇. قلت: ونبي كان؟ قال: نعم، نبي مكلم الحديث.
أبو عمر الدمشقي
قال: بلغني رجلاً أتى أبا ذر وهو بالربدة فقال: أنت أبو ذر؟ قال: نعم. قال: أنت جندب بن السكن؟ قال: نعم. قال: أنت تسب عثمان؟ قال: رحم الله عثمان، لا تقل في عثمان إلا خيراً. قال: أما والله ما طردك ولا نفاك إلا ولك خربات وبدعات وعورات. قال: فنظر إليه أبو ذر فقال: يا هذا، إن بيني وبين الجنة عقيبة،
стр. 10312
فإن أنا جزتها فوالله ما أبالي بقولك، وإن هو قصر بي دونها، فأنا أهل لما هو أشد مما قلت لي.
أبو عمر الدمشقي
أحد مشايخ الصوفية. كان يقول بالشواهد والصفات، وهذا مذهب لأهل الشام، ربما تكلموا بأشياء تدق في مسائل الأرواح وغيرها. قال: وهذا مكذوب على أبي عمر، لأنه أحد مشايخهم العالمين، وقد رد على الحلولية وأصحاب الشواهد والصفات مقالاتهم، وكان عالماً بعلوم الحقائق، ورد على من تكلم في قدم الأرواح والشواهد. قال أبو الفضل العباس: كان أبو عمر الصوفي يبايت أصحابنا وهو حدث على السماع، فلما كان في بعض الليالي اضطرب وخنق نفسه وأزبد ومات. فجلسنا حوله لا نعلم ما نعمل من أمره، فقال بعضنا لبعض: قطعوه إرباً إرباً ويخرج بكل قطعة منه رجل يرمي به في نهر. ثم تنفس وجلس، فقلنا له: ما شأنك؟ فقال: التوبة، إني كنت أحضر معكم وأستهزىء بما يجري من أصحابنا من الوجد، فلما قام أصحابنا الليلة، جرى في قلبي ذلك الإستهزاء، فإذا بأسود بشيع الخلقة، ومعه حربة من نار فأهوى إلي بها وقال: أتهزأ بأولياء الله؟ ثم لا أدري ما كان مني حتى الساعة، فأنا تائب إلى الله مما سلف. وهذا كان مبدأ حديث أبي عمر، ثم علا حتى صار أحد أئمة القوم.
سئل أبو عمر الدمشقي: أي الخلق أعجز؟ قال: من عجز عن سياسة نفسه. قلت: أي الخلق أقوى؟ قال: من قوي على مخالفة هواه. قلت: أي الخلق أعقل؟ قال: من ترك المكونات وأقبل على مكونها. وقال أبو عمر لرجل يوصيه في سفر يريد أن يخرج إليه: يا أخي، لا تصحب غير الله، فإنه الذي يكفيك المهمات، ويشكرك على الحسنات، ويستر عليك السيئات ولا يفارقك في خطوة من الخطوات.
стр. 10313
قال أبو عمر الدمشقي: سئل أبو عمر عن الزهد فقال: أن يزهد فيما له مخافة أن يهوى ما ليس له. كان أبو عمر يقول في قوله للملائكة " اسجدوا لآدم ": قال: أراد به امتحانهم وأن يعريهم من شواهد أحوالهم وأفعالهم. وقال أبو عمر: الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان. قال أبو عمر: كما فرض الله على الأنبياء إظهار الآيات والمعجزات ليؤمنوا بها، كذلك فرض على الأولياء كتمان الكرامات حتى لا يفتنوا بها. توفي أبو عمر سنة عشرين وثلاث مئة. وقيل: سنة أربع وعشرين، وقيل: سنة عشر وثلاث مئة.
أبو عمرو
ويقال: اسمه زرعة السيباني، الشامي الفلسطيني والد أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو حدث عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: " صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل ". وحدث عن عقبة أنه مر برجل هيئته هيئة رجل مسلم. فسلم، فرد عليه عقبة: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: أتدري على من رددت؟ فقال: أليس برجل مسلم؟ فقالوا: لا، ولكنه نصراني. فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك.
стр. 10314
أبو عمرو الدمشقي
قال أبو عمر بن عبد العزيز عن جند له شيء، فكتب إليهم " الله لا إله إلا هو، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثاً ".
أبو عمرو بن العلاء
ابن عمار بن العريان، واسمه عمرو بن عبد الله بن الحصين البصري أحد الأئمة السبعة من القراء اختلف في اسمه، فقيل: زبان بزاي بعدها باء مشددة وقيل: يحيى، وقيل: العريان، وقيل: جبر، وقيل: اسمه وكنيته. حدث عن ابن سيرين بن عبيدة عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان نبيه ﷺ قال عبيدة: قلت لعلي: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال:
إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة. وحدث عن أنس عن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء. قال أبو عمرو بن العلاء: خرجت مع جرير بن الخطفي إلى الشام فلما كنا ببعض
стр. 10315
الطريق قال لي: يا أبا عمرو، أنشدني شعراً لأخي بني مليح فأنشدته: من الطويل
وأذيتني حتى إذا ما استبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تراخين عني حين لا لي مذهب ... وغادرن ما غادرن بين الجوانح
فقال: يا أبا عمرو، لولا أن النخير لا يحسن بشيخ مثلي؛ نخرت نخرةً يسمعها هشام على سريره. مر أبو عمرو بن العلاء بمجلس قوم فقال رجل من القوم: ليت شعري، أعربي القوم أم مولى؟ وهو على بغلة له. فقال: النسب في مازن، والولاء للعنبر، وقال: عدس للبغلة، ومضى. قصد حمزة الزيات أبا عمرو بن العلاء إلى البصرة ليقرأ عليه، فأواه الليل بين قريتين، فإذا هاتف يهتف: أما وجد هذا موضعاً يأوي إليه هذا الموضع، سد؛ لأوذينه الليلة. قال: فأدرت حولي دارة، وقعدت في وسطها، وقرأت سورة الأنعام، فإذا بهاتف يهتف يقول: قد قرأ سورة الأنعام فاحرسه بقية ليلته. فوصل إلى البصرة، ودخل مسجد أبي عمرو بن العلاء فتغامز رجلان كانا في المسجد، فقال أحدهما: يشبه أن يكون حائكاً؛ وذلك أنه كان في خلقه دمامة، ولم يكن بالنظيف. وقال الآخر: إن كان حائكاً؛ فسيقرأ سورة يوسف. وسمع حمزة كلامهما، وخرج أبو عمرو بن العلاء فجلس في مجلسه، وجثا حمزة بين يديه، فابتدأ سورة يوسف، وكان لا يقرئ إلا عشراً عشراً، فلما قرأ عشراً منها ذهب حمزة ليقوم، فأومأ إليه أن زد، فقرأ عشراً آخر وأمسك، فأومأ إليه بيده أن زد. قال: فختمها وقام يجر كساءه وغطى به رأسه، وتعقل عند باب المسجد، ومضى راجعاً إلى الكوفة. فقال أبو عمرو لرجل عنده: الحق هذا الرجل وقل له: سألتك بالله أنت حمزة الزيات؟ فلحقه فقال له: أنت حمزة الزيات؟ قال: نعم. وانصرف إلى الكوفة. وكان أبو عمرو بن العلاء أعلم الناس بالقرآن والعربية، والعرب وأيامها، والشعر وأيام
стр. 10316
الناس، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها، وقال فيه الفرزدق: من البسيط
ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
وكان قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية، متمسكاً بالآثار، لا يكاد يخالف في اختياره ما جاء عن الأئمة قبله، متواضعاً في علمه، ولم يزل العلماء في زمانه تعرف له تقدمه، وتقر له بفضله، وتأتم في القراءة بمذاهبه، وكان حسن الاختيار، سهل القراءة، غير متكلف، يؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل. قال سفيان بن عيينة: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، قد اختلفت علي القراءات. فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ قال: اقرأ بقراءة أبي عمرو بن العلاء. قال شجاع بن أبي نصر: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فعرضت عليه أشياء من قراءة أبي عمرو فما رد علي إلا حرفين.
قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء وبين محمد بن مسعر الفدكي. قال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: أن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب. إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً. وأنشد: من الطويل
وإني إن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي
وروي مثل ذلك بينه وبين عمرو بن عبيد، وأنه كان تكلم في الوعيد سنة. فقال
стр. 10317
أبو عمرو: إنك لألكن الفهم إذ صيرت الوعيد في أعظم شيء مثله في أصغر شيء. فاعلم أن النهي عن الصغير والكبير ليسا سواء، وإنما نهى الله عنهما لتتم حجته على خلقه، ولئلا يعدل عن أمره وطاعته، ووراء وعيده عفوه ووسيع كرمه، وأنشد: من الطويل
ولا يرهب ابن العم مني صولة ... ولا أختتي من صولة المتهدد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
فقال له عمرو: صدقت، إن العرب تمتدح الوفاء بالوعد دون الإيعاد، وقد تمتدح بالوفاء بهما، ألم تسمع قول الشاعر؟ من المنسرح
إن أبا خالد لمجتمع الر ... م أي شريف الأفعال والبيت
لا يخلف الوعد والوعيد ولا ... يبيت من ثأره على فوت
قال عمرو: قد وافق هذا قول الله " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا " الآية، فقال له أبو عمرو: قد وافق الأول إخبار رسول الله ﷺ ، والحديث يفسر القرآن. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: " وباركنا عليه " في موضع، " وبركنا عليه " في موضع آخر، أتعرف هذا؟ فقال: ما أعرف إلا ما نسمع من المشايخ الأولين.
قال: وقال أبو عمرو: ما نحن فيمن مضى إلا كبقلٍ في أصول نخل طوال.
стр. 10318
وقال الأصمعي: قال أبو عمرو: لو أني كلما أخطأت رمي في حجري بجوزة، امتلأ حجري جوزاً.
مر أبو عمر بن العلاء بالبصرة، فإذا أعدال مطروحة مكتوب عليها: لأبو فلان. فقال: يا رب، يلحنون ويرزقون؟! لما قدم الأعمش وحدث بهذا الحديث: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام. فقال له أبو عمرو: إنما هي يتخوننا بالموعظة. فقال الأعمش: وما يدريك؟ فقال: لو شئت لأعلمتك أن الله لم يعلمك من هذا كبير شيء. قال الأصمعي: قد ظلمه أبو عمرو، يقال يتخولنا ويتخوننا جميعاً، فمن قال: يتخولنا، يقول يستصلحنا. يقال: رجل خائل مالٍ، ومن قال: يتخوننا: قال: يتعهدنا. وأنشد لذي الرمة: من البسيط
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داعٍ يناديه باسم الماء مبغوم
وقال أبو بكر بن دريد: التخول والتخون: واحد. قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابياً ينشد، وكنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج لي، واستخفائي منه: من الخفيف
يا قليل العزاء في الأهوال ... وكثير الهموم والأوجال
صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال
لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف لأواؤها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
قد يصاب الجبان في آخر الص ... ف وينجو مقارع الأبطال
стр. 10319
فقلت: ما وراءك يا أعرابي؟ فقال: مات الحجاج. فلم أدر بأيهما أفرح، بموت الحجاج أو بقوله فرجة بفتح الفاء لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري القراءة في سورة البقرة " إلا من اغترف غرفة ". قال الأصمعي: كان نقش خاتم أب عمرو بن العلاء من الطويل
وإن أمرأً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
فسألته عن ذلك فقال: كنت في ضيعتي نصف النهار أدور فيها، فسمعت قائلاً يقول هذا البيت، فنظرت فلم أجد أحداً، فكتبته على خاتمي. وفي رواية: قلت: إنسي أم جني؟ فقال: بل جني.
وفي رواية: فما أجابني، فنقشته على خاتمي. قال أبو عمرو بن العلاء: امتحنت خصال الإنسان فوجدت أشرفها صدق اللسان. قال الأصمعي: قال لي أبو عمرو بن العلاء: يا عبد الملك، كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لا يجيبك، أو تحدث من لا ينصت لك. وكأن البحتري أخذ هذا المعنى فقال: من الكامل:
وسألت من لا يستجيب فكنت في اس ... تخباره كمجيب من لا يسأل
سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده بها، ثم إن الحاجة تعذرت على أبي عمرو، فلقيه الرجل بعد ذلك فقال له: يا أبا عمرو، وعدتني وعداً فلم تنجزه. فقال أبو عمرو: فمن أولى بالغم؟ قال: أنا. قال: لا، بل أنا. قال الرجل: وكيف ذلك؟ قال: لأني
стр. 10320
وعدتك وعداً، فأبت بفرح الوعد، وأبت أنا بهم الإنجاز، فبت ليلتك فرحاً مسروراً، وبت ليلتي مفكراً مهموماً، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتني مدلاً، ولقيتك محتشماً. قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما ضاق مجلس بي متحابين. وقال: إني لأحب أن أرى أهل ودي كل يوم مرتين. مرض أبو عمرو بن العلاء مرضة، فأتاه أصحابه إلا رجلاً منهم، ثم جاءه بعد ذلك، فقال: إني أريد أن أسامرك الليلة. فقال: أنت معافى وأنا مبتلي، والعافية لا تدعوك أن تسهر، والبلاء لا يدعني أنام، والله أسال أن يسوق إلي أهل العافية والشكر، وإلى أهل البلاء الأجر. قال الأصمعي:
كان لأبي عمرو بن العلاء من غلته كل يوم فلسان: يشتري بفلس ريحاناً، وكوزاً جديداً بفلس، فيشرب فيه يومه، وإذا أمسى تصدق به، ويشم الريحان يومه، فإذا أمسى قال للجارية: جففيه ودقيه في الأشنان. كان ثقيل يجلس إلى أبي عمرو يستثقله، فكان إذا طلع دخل وتركه، وكتب إليه يستعطفه، فكتب إليه أبو عمرو: من الخفيف
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل كثير
قال أبو عمرو بن العلاء: الطلاق الثلاث البت لازم له إن كانت العرب قالت أجود من هذه الأربعة أبيات: من الكامل
كن للمكاره بالعزاء مقلعاً ... فلقل يوم لا ترى ما تكره
فلربما استتر الفتى فتنافست ... فيه العيون وإنه لمموه
ولربما خزن الكريم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه
ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حره يتأوه
стр. 10321
ومما أنشده لأبي عمرو بن العلاء: من المتقارب.
دع الهم بالرزق يا غافلاً ... فربك منه لنا قد فرغ
فمالك منه إذا ما افتكرت ... بعقل صحيح سوى ما مضغ
وجاز التراقي بلا مانع ... وفاتك بالجوف لما بلغ
فدع ذكر دنيا تبدت لنا ... كسم الشجاع إذا ما لدغ
فإني خلوت بذكري لها ... وخالفت إبليس لما نزغ
فألفيتها مثل ماء الإناء ... وكلب العشيرة فيه يلغ
فخليتها عن قلىً كلها ... وعللت نفسي بأخذ البلغ
وأنشدوا لأبي عمرو بن العلاء: من الكامل
أبني إن من الرجال بهيمةً ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطن بكل مصيبة في ماله ... فإذا يصاب بدينه لم يغفر
قال أبو سعيد الرازي: قدم علينا أبو عمرو بن العلاء الكوفة على محمد بن سليمان، فكنت أجالسه، فذكر يوماً أهل البصرة فقدمهم على أهل الكوفة فجعلت أرد عليه، وأقدم أهل الكوفة. فقال أبو عمرو: لكم حذلقة النبط وصلفها، ولنا دهاء فارس وأحلامها. فأردت أن أقول له: ولكم حدة الخوز ونزقها، فاستحييت منه. فقال لي ابن ثروان مولى قريش: لوددت أنك قلتها له، وأني غرمت ألف درهم. توفي أبو عمرو بن العلاء سنة أربع وخمسين ومئة. وقيل: سنة سبع وخمسين ومئة. قالوا: وهو ابن ست وثمانين. قال وكيع بن الجراح: قرأت على قبر أبي عمرو بن العلاء بالكوفة: هذا قبر أبي عمرو بن العلاء، مولى بني حنيفة.
стр. 10322
أبو عمرو شيخ قدم دمشق
إن لم يكن يوسف بن يعقوب بن الأخوين، فهو غيره. حدث عن سعيد بن يحيى الأموي بسنده إلى معاوية بن إسحاق قال: رأيت سعيد بن جبير عند الميضأة في الغلس، وهو ثقيل اللسان، فقلت: ما لي أراك ثقيل اللسان؟ قال: ختمت القرآن البارحة مرتين ونصفاً.
أبو عنبة الخولاني
أسلم في عهد النبي ﷺ ولم يره، وقيل: إنه سمع منه، وصلى إلى القبلتين، وقيل: إن اسمه عبد الله بن عنبة، وقيل: عمارة. حدث أبو عنبة وهو من أصحاب النبي ﷺ ، ممن صلى القبلتين كلتيهما، وأكل الدم في الجاهلية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال الله يغرس في هذا الدين بغرس يستعملهم في طاعته. وعن أبي عنبة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أراد الله بعبد خيراً عسله. قيل: وما عسله؟ قال: يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه. وعن أبي عنبة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله إذا أراد بعبد خيراً ابتلاه، فإذا ابتلاه اقتناه. قالوا: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لم يترك له مالاً ولا ولداً.
стр. 10323
وعن أبي عنبة أن النبي ﷺ قال: لا تحرجوا أمتي ثلاثاً اللهم؛ من أمر أمتي بما لم تأمرني به. فإنهم منه في حل. وعن أبي عنبة قال: حضرت عمر بالجابية قرأ " إذا السماء انشقت " على المنبر، فسجد وسجد الناس. وفي رواية: فنزل، فسجد. قال أبو عنبة: لقد أكلت الدم في الجاهلية، وتعلمت القرآن كله، لم يبق علي منه إلا آية لم أجد أحداً يقرئنيها. وقال أبو عنبة: لقد رأيتني وقد أرسلت شعري لأجزه لصنم لنا، فأخر الله ذلك حتى جزرته في الإسلام.
دخل أبو عنبة المسجد وهو أعمى يقوده غلام له فقال له: إياك أن تخطى بي رقاب الناس، أجلسني في أدنى المسجد. وعن أبي عنبة قال: رب كلمة خير من إعطاء مال.
وعن أبي عنبة قال: إن لله آنيةً في أرضه، وآنيته في أرضه قلوب عباده الصالحين، فأحبها إليه أرحمها وألينها. كان أبو عنبة يوماً في مجلس خولان في المسجد جالساً، فخرج عبد الله بن عبد الملك هارباً من الطاعون. فسأل عنه فقالوا: خرج يتزحزح هارباً من الطاعون. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما كنت أرى أني أبقى حتى أسمع بمثل هذا، أفلا أخبركم عن خلال كان عليها إخوانكم؟ أولها: لقاء الله، كان أحب إليهم من الشهد. والثانية: لم يكونوا يخافون عدواً قلوا أو كثروا. والثالثة: لم يكونوا يخافون عوزاً من الدنيا، كانوا واثقين بالله أن يرزقهم. والرابعة: إن نزل بهم الطاعون لم يبرحوا حتى يقضي الله فيهم ما قضى.
مات أبو عنبة سنة ثماني عشرة ومئة.
стр. 10324
أبو عنبة الأموي مولاهم
قال أبو عنبة: قلت لعمر بن عبد العزيز: أنا من مواليكم، وإن علينا بالعراق امرأ سوء. فقال لي: وما يسكنك العراق؟ لقد بلغني أن أحداً لا يسكن العراق إلا قيض له فريق من البلاء.
وفي حديث أنه قال له: أين منزلك؟ قال: بالعراق. قال: أو ما بلغك أنه لا ينزله أحد إلا سيق إليه قطعة من الداء؟
أبو العلاء
إن لم يكن برد بن سنان، فهو غيره. حدث عن محمد بن حجادة عن بن زيد بن حصين عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : ما بعث الله نبياً قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته. ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً. وحدث عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : هلاك أمتي بالعصبية والقدرية، والرواية من غير تثبت.
أبو العلاء بن العين زربي
شاعر محسن. قال أبو الحسن علي بن مسهر الموصلي: جاءني أبو العلاء بن العين زربي بدمشق سنة نيف وسبعين وأربع مئة بادياً حزيناً، فسألته عن حاله فقال: إني عملت في المنام أشعاراً كثيرة، لما اهتد بها في اليقظة، فما حفظت منها شيئاً، وقد رأيت ملك الموت ﵇ في هذه الليلة الماضية، وهو يقول لي: أنا ضيفك. فعملت في المنام هذين البيتين وحفظتهما: من الطويل
стр. 10325
قضى الله أن أقضي ويقضي منيتي ... ولم أقض في الدنيا مناي ومنيتي
فالله ضيف زارني فقريته ... حياتي فولى ظاعناً حين ولت
ثم خرج عني، فوصلني خبره بعد يومين أو ثلاثة أنه مات، إلى رحمة الله.
أبو عياش الدمشقي
حدث عن زجلة مولاة عاتكة عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: الإيمان إيمانان: إيمان شهادة، وإيمان أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
أبو عيسى الدمشقي
إن لم يكن موسى بن عيسى القرشي الذي تقدم في حرف الميم؛ فهو غيره. حدث عن محمد بن شهاب الزهري قال: مر النبي ﷺ برجل يتوضأ، وهو يفرغ الماء في وضوئه إفراغاً. فقال: لا تسرف. فقال: يا رسول الله، وفي الوضوء إسراف؟! قال: نعم، في كل شيء إسراف.
ابن عمار
مؤذن مسجد زرا. قال: وجدت في السفر الرابع من التوراة أن الله يقول: أنا الله الذي لا إله إلا أنا، عيني كل شيء، أرى أثر النمل في الصفا، وأرى وقع الطير في الهواء، وأعلم ما في القلب والكلى، وأعطي العبد على ما نوى.
стр. 10326
ابن أبي العمياء
ويقال: أبو العمياء حدث عن أبيه قال: وفدت إلى معاوية، فنسبني فانتسبت له، فعرفني فقال: إن المعرفة نسب من الأنساب، ارفع حوائجك، قبح الله معرفة لا تنفع.
عم يعلى بن عطاء العامري
قال: كنت مع عبد الله بن عمرو حين بعثه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير. قال: فسمعت عبد الله بن عمرو يقول لابن الزبير: تعلم أني أجد في الكتاب أنك ستعنى وتعنى، وتدعى الخليفة، ولست بخليفة، وإني أجد الخليفة يزيد بن معاوية.
عم إبراهيم بن أبي شيبان العنسي
قال: إذا أدرت الرب في القدح فعلق صفرته في القدح فهو الحلال.
العيشي أو العنسي
صاحب إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قدم دمشق مع المأمون. قال: قل المال بدمشق عند المأمون حتى ضاق، وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال قد وافاك بعد جمعة. وكان قد حمل إليه ثلاثون ألف ألف درهم من خراج ما كان يتولاه، فلما ورد عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال. قال: فخرجا حتى أصحرا، ووقفا ينظرانه وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، وألبست الأحلاس الموشاة والجلال المصبغة، وقلدت العهن وجعلت البدر بالحرير الصيني الملون، وأبدت رؤوسها. قال: فنظر المأمون إلى
стр. 10327
شيء حسن فاستكثر ذلك، وعظم في عينيه، واستشرفه الناس ينظرون إليه، ويتعجبون منه. فقال المأمون ليحيى بن أكثم: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين نراهم الساعة خائبين إلى منازلهم وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم؟ إنا إذاً للئام. ثم دعا محمد بن يزداد فقال: وقع لآل فلان بألف ألف ورجله في الركاب ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف ورجله في الركاب ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى لعطاء جندنا. قال العيشي: فخرجت حتى قمت نصب عينيه، فلم أرد طرفي عنه إلا بلحظتي ألا يراني بتلك الحال. فقال: يا أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألفاً من الستة الآلاف ألفٍ الباقية، لا يختلس ناظري، فلم يأت علي ليلتان حتى أخذت المال.
стр. 10328
أسماء النساء على حرف العين في الكنى
أم عاصم
قيل: إن اسمها ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، القرشية العدوية، أم عمر بن عبد العزيز. حدثت عن أبيها عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : نعم الإدام الخل. حدث سالم الأفطس أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة، وهو غلام بدمشق، فضمته أم عاصم أمه إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادماً ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا! فقال: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إن كان أشج بني أمية.
لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمة: اجمع لي أربع مئة دينار من طيب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح. فتزوج أم عمر بن عبد العزيز. لما ماتت رقية بنت عمر بن الخطاب عند إبراهيم بن نعيم بن عبد الله، انصرف به عاصم إلى منزله، فأخرج إليه ابنتيه حفصة وأم عاصم، فقال له: اختر أيهما شئت فإنا لا نحب أن ينقطع صهرك. قال إبراهيم: لم يخف علي أن أم عاصم أجمل المرأتين، فتجاوزت عنها وقلت: يصيب بها أبوها رغبة من بعض الملوك؛ لما رأيت من جمالها، وتزوجت حفصة. فتزوج عبد العزيز بن مروان أم عاصم؛ فولدت له عمر بن
стр. 10329
عبد العزيز، وإخوة له؛ ثم هلكت عنده، وهلك إبراهيم بن نعيم عن حفصة بنت عاصم، فتزوجها عبد العزيز بن مروان بعد مهلك أم عاصم، وحملت إليه بمصر. وكان بأيلة إنسان به خبل يقال له: شرشرين، فلما مرت به أم عاصم، تعرض لها، فأعطته وأحسنت إليه؛ ثم مرت به بعدها حفصة بنت عاصم، فتعرض لها، فلم ترفع به رأساً، فسئل: أين حفصة من أم عاصم؟ فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم. مر عمر بعجوز تبيع لبناً معها في سوق الليل. فقال لها: يا عجوز، لا تغشي المسلمين وزوار بيت الله ، ولا تشوبي اللبن بالماء. فقالت: نعم يا أمير المؤمنين. ثم مر بعد ذلك، فقال: يا عجوز، ألم أتقدم إليك أن لا تشوبي لبنك بالماء؟ فقالت: والله ما فعلت. فتكلمت ابنة لها من داخل الخباء، فقالت: يا أمة، أغشاً وكذباً جمعت على نفسك؟! فسمعهما عمر، فهم بمعاقبة العجوز، فتركها لكلام ابنتها، ثم التفت إلى بنيه فقال: أيكم يتزوج هذه، فلعل الله أن يخرج منها نسمة طيبة مثلها. فقال عاصم بن عمر:
أنا أتزوجها يا أمير المؤمنين. فتزوجها؛ فولدت له أم عاصم، فتزوج أم عاصم عبد العزيز بن مروان؛ فولدت له عمر بن عبد العزيز. وقيل: أن عمر بينا وهو يعس بالمدينة أعيا، فاتكأ على جدار، فإذا امرأه تقول لابنتها: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت: يا أمتاه، وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته؟ قالت: نادى مناديه: لا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنتاه، قومي فامذقيه. فإنك في موضع لا يراك عمر ولا منادي عمر. فقالت الصبية: ما كنت أطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك فقال: يا أسلم علم الباب، واعرف الموضع. ومضى في عسه. فلما أصبح قال: يا أسلم، امض إلى ذلك الموضع فانظر من القائلة والمقول لها، وهل لهم من بعل. فإذا أيم لا بعل لها، وإذا تيك أمها، ليس لهم رجل. فأخبر عمر، فجمع ولده، وقال: فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء؛ ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية. فزوجها من عاصم الحديث.
стр. 10330
وقيل: كان عمر بمنى فعطش، فانتهى إلى عجوز، فاستسقاها ماء، فقالت: ما عندنا. فقال: لبن. فقالت: ما عندنا. فبدرت جارية فقالت لها: أتكذبين وما تستحين؟! ثم قالت لعمر: هذا السقاء يه لبن. فسأل عمر عن الجارية، فإذا أبوها ثقفي. فزوجها من عاصم، فولدت أم عاصم، فتزوجها عبد العزيز، فولدت له عمر بن عبد العزيز.
وقيل: إنها قالت لأمها لما أمرتها بالمذق، لا أكون ممن يعصي عمر. فقال عمر لابنه عاصم: اذهب إلى موضع كذا وكذا، وانظر جارية كذا وكذا وصفها له فإن كان لها زوج، فبارك الله لزوجها، وإن لم يكن لها زوج فتزوجها، فإني أرجو أن يخرج الله منها سليلة تسود العرب. فذهب وسأل وتزوجها. بكى عمر بن عبد العزيز، وهو صغير قد جمع القرآن، فأرسلت إليه أمه، فقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكر الموت. فبكت أمه من ذلك. لما ورد عمر بن عبد العزيز مظالم أهل بيته، وأخذهم بالحق قال مولى لآل مروان، بربري: وأنتم أيضاً تزوجوا بنات عمر بن الخطاب.
أم عبد الله بنت أبي هاشم
ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، الأموية. بنت خال معاوية. كتبت إلى النعمان بن بشير تسأله غماً ألقي على لسان زيد بن خارجة بعد موته. فكتب إليها: بسم الله الرحمن الرحيم.
من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله ابنة أبي هاشم: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. فإنك كتبت إلي لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة: وإنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه وهو يومئذٍ من أصح أهل المدينة فتوفي، فأضجعناه لظهره، وغشيناه بردين وكساء. فأتاني آتٍ وأنا أسبح بعد المغرب، فقال: إن زيداً قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعاً، وقد حضره قوم من الأنصار وهو يقول،
следующие страницы →