Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.
стр. 10361
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: لما نزلت هذه الآية: " وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " قال رسول الله ﷺ : عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك. قال علي: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: يا علي، إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فعرفت أني إن بادأتهم بذلك، رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك، فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب. ففعلت، فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلاً؛ يزيدون أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ منها رسول الله ﷺ حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: كلوا بسم الله. فأكل القوم حتى نهلوا عنه، وما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ :
اسقهم يا علي. فجئت بذلك القعب، فشربوا حتى نهلوا جميعاً، وأيم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدما سحركم صاحبكم! فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ ، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ : يا علي، عد لنا مثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم. ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وأيم الله، إن الرجل منهم ليأكل مثلها،
стр. 10362
ويشرب مثله، ثم قال رسول الله ﷺ : يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. فكان ما أخفى النبي ﷺ أمره واستسر به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه.
وقال ابن عباس: صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: ما لك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم، أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم، بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب " إلى آخر السورة. وفي رواية عنه أيضاً: قام رسول الله ﷺ فقال: يا آل غالب، يا لؤي، يا آل مرة، يا آل كلاب، يا آل قصي، يا آل عبد مناف، إني لا أملك لكم من الله منفعة ولا من الدنيا نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله. فقال أبو لهب: تباً لك، لهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب ". وفي قراءة عبد الله " وقد تب " فالأول: دعاء، والثاني: خبر. كما تقول: أهلكه الله وقد أهلكه. ويقال: خسرت يداه بترك الإيمان وخسر هو. و" حمالة الحطب " كانت تنم بين الناس، فذلك حملها الحطب. يقول: تحرش بين الناس، وتوقد بينهم العداوة. و" في جيدها حبل من مسد "، هي السلسلة التي في
стр. 10363
النار، ويقال: من مسد: هو ليف المقل. وقد يقال لما كان من أوبار الإبل من الحبال مسد. قال الشاعر: من الرجز
ومسدٍ أمر من أيانق
وقيل: المسد: ما فتل وأحكم من أي شيء كان. والمعنى: أن السلسلة التي في عنقها فتلت من الحديد فتلاً محكماً. ويقال: المسد: العصا التي تكون في البكرة. ويقال: المسد قلادة لها من ودع. و" تبت يدا أبي لهبٍ " معناها: خسرت يدا أبي لهب، وتب: أي خسر. وما في التفسير أن النبي ﷺ دعا عمومته، وقدم إليهم صحفة فيها طعام، فقالوا: أحدنا وحده يأكل الشاة، وإنما قدم إلينا هذه الصحفة! فأكلوا منها جميعاً، ولم ينقص منها إلا شيء يسير. فقالوا: ما لنا عندك إن اتبعناك؟ قال: لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم، وإنما تتفاضلون في الدين. فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا؟! فأنزل الله : " تبت يدا أبي لهب وتب ".
وجاء في التفسير أن امرأته أم جميل، وكانت تمشي بالنميمة. قال الشاعر: من الطويل
من البيض لم تصطد على ظهر لأمةٍ ... ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب
أي النميمة. وقيل: إنها كانت تحمل شوك العضاة، فتطرحه في طريق النبي ﷺ وأصحابه.
стр. 10364
وقيل في الحبل المسد: إنه سلسلة طولها أربعون ذراعاً يعني بها أنها تسلسل في النار في سلسلة طولها سبعون ذراعاً. قال طارق المحاربي: إني بسوق ذي المجاز إذا أنا بشاب يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وإذا رجل خلفه يرميه؛ قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. زاد في رواية في صفة أبي لهب: أحول ذو غديرتين، تقد وجنتاه. وكان ابن كثير يقرأ " أبي لهب "، ساكنة الهاء، ونسبه أنه لغة، كالنهر والنهر، واتفقوا في الثانية على الفتح لوفاق الفواصل. وما أنذره رسول الله ﷺ بالنار، قال أبو لهب: إن كان ما يقوله حقاً فإني أفتدي بمالي وولدي. فقال الله :
" ما أغنى عنه ماله وما كسب " أي: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من ماله " وما كسب "، يعني ولده، لأن ولده من كسبه. ثم أوعده الله بالنار فقال: " سيصلى ناراً ذات لهب " يعني ناراً تلتهب عليه. وفي حديث آخر عن طارق بمعناه، قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها، قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثياباً غير هذه، إذا رجل في طمرين له، فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة. قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد هذه المدينة. قال: ما حاجتكم فيها؟ قالوا: نمتار من تمرها. قال: ومعنا ظعينة لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم. فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا صاعاً من
стр. 10365
تمر. قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئاً. فأخذ بخطام الجمل، فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها. قلنا: ما صنعنا؟ ما بعنا جملنا مما نعرف، ولا أخذنا له ثمناً؟! قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلاً كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم. وزاد في آخر: ولقد رأيت وجه رجلٍ لا يغدر بكم. إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ : هذا تمركم، واشبعوا واكتالوا واستوفوا. فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا. ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد، فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته وهو يقول: تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من السفلى. زاد في رواية: وابدأ بمن تعول؛ أمك وأباك وأختك وأخاك، وأدناك أدناك. إذا أقبل رجل في نفر من بني يربوع أو قال: رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، لنا في هؤلاء دماً في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا. فقال: إن أماً لا تجني على ولد ثلاث مرات.
قال ابن إسحاق: وفر أبو سلمى بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم إلى أبي طالب ليمنعه، وكان خاله، فمنعه، فجاءت بنو مخزوم لتأخذه، فمنعه، فقالوا: يا أبا طالب، منعت منا ابن أخيك، أتمنع منا ابن أخينا؟ فقال أبو طالب: أمنع ابن أختي مما أمنع منه ابن أخي. فقال أبو لهب ولم يتكلم بكلام خير قط ليس يومئذ: صدق أبو طالب، لا يسلمه إليكم. فطمع فيه أبو طالب حين سمع منه ما سمع، ورجا نصره والقيام معه فقال شعراً يستجلبه بذلك: من الطويل
إن امرأ أبو عتيبة عمه ... لفي روضة من أن يسام المظالما
стр. 10366
أقول له وأين منه نصيحتي ... أبا معتب ثبت سوادك قائما
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما
وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعطي الضيم إلا مسالما
وول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما
ثم أقبل أبو طالب على أبي لهب حين ظاهر عليه قومه ونصب لعداوة رسول الله ﷺ مع من نصب له. وكان أبو لهب للخزاعية. وكان أبو طالب وعبد الله أبو رسول الله ﷺ والزبير لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران، فغمزه أبو طالب بأم له يقال لها: سماحيج قد شبب بها بعد ذلك حسان بن ثابت حين قاذف قريشاً. فقال أبو طالب وأغلظ له في القول: من الكامل
مستعرض الأقوام يخبرهم ... غدري وما إن جئت من غدري
فاجعل فلانة وابنها غرضاً ... لكرائم الأكفاء والصهر
واسمع بوادر من حديث صادق ... يهوين مثل جنادل الصخر
إن بنو أم الزبير وفحلها ... حملت بنا للطيب والطهر
فحرمت منا صاحباً ومؤازراً ... وأخاً على السراء والضر
وعن أبي رافع قال: كنا آل عباس قد دخلنا في الإسلام، وكنا نستخفي بإسلامنا، وكنت غلاماً للعباس أنحت الأقداح، فلما سارت قريش إلى رسول الله ﷺ يوم بدر وكنا نستخفي يوم بدر جعلنا نتوقع الأخبار، فقدم علينا الحيسمان الخزاعي بالخبر، فوجدنا في أنفسنا قوة، وسرنا ما جاءنا من الخبر من ظهور رسول الله ﷺ فإني لجالس في صفتي زمزم أنحت
стр. 10367
أقداحاً لي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، وبلغنا عن رسول الله ﷺ إذ أقبل الخبيث أبو لهب بشر يجر رجليه، قد كبته الله وأخزاه لما جاءه من الخبر حتى جلس على طنب الحجرة، فقال الناس: هذا أبو سفيان بن حرب قد قدم. فاجتمع عليه الناس، فقال: أبو لهب: هلم إلي يا بن أخي، فعندك لعمري الخبر. فجاء حتى جلس بين يديه، فقال له: يا بن أخي خبرني خبر الناس. قال: نعم، والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يضعون السلاح فينا حيث شاءوا، ووالله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق لا والله ما تليق شيئاً يقول: ما تبقي شيئاً قال: فرفعت طنب الحجرة فقلت: تلك والله الملائكة. فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ضربة منكرة، وثاورته وكنت رجلاً ضعيفاً فاحتملني فضرب بي الأرض، وبرك على صدري يضربني، وتقوم أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فتأخذه، وتقول: استضعفته أن غاب عنه سيده، وتضربه بالعمود على رأسه، فيفلقه شجة منكرة. وقام يجر رجليه ذليلاً، ورماه الله بالعدسة، فوالله ما مكث إلا سبعاً حتى مات، ولقد تركه ابناه في بيته ثلاثاً ما يدفنانه حتى أنتن، وكانت قريش تتقي هذه القرحة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان، إن أباكما في بيته قد أنتن؛ لا تدفنانه؟! فقالا: إنا نخشى عدوى هذه القرحة. فقال: انطلقا، فأنا أعينكما عليه. فوالله ما غسلوه إلا قذفاً بالماء من بعيد؛ ما يدنون منه، ثم إنهم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار، ثم رضموا عليه.
وعن عائشة أنها كانت لا تمر على مكان أبي لهب هذا إلا استترت بثوبها حتى تجوزه.
وفي حديث عروة في الرضاع، قال عروة: وثويبة مولاة أبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله في النوم بشر حيبة فقال له: ماذا لقيت؟ فقال أبو لهب: لم
стр. 10368
ألق بعدكم رخاءً غير أني سقيت في هذه ما؛ بعتاقي ثويبة. وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ " تبت " أرجو أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة. مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال: هذه ابنة عدو الله أبي لهب. فأقبلت عليه، فقالت: ذكر الله أبي لنباهته وشرفه، وترك أباك لجهالته. ثم ذكرت للنبي ﷺ ما سمعت. فخطب الناس فقال: لا يؤذين مسلم بكافر. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت " تب يدا أبي لهب وتب " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. قال رسول الله عليه وسلم: إنها لن تراني. وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال. وقرأ " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً " فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ . فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا، ورب هذا البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. وقيل: إن أم جميل دخلت على أبي بكر، وعنده رسول الله ﷺ ، فقالت: يا بن أبي
стр. 10369
قحافة، ما شأن صاحبك ينشد من الشعر؟ فقال: ما صاحبي بشاعر، وما يدري ما الشعر. فقالت: أليس قد قال: " في جيدها حبل من مسد " فما يدريه ما في جيدي؟ فقال النبي ﷺ : قل لها: ترين عندي أحداً؟ فإنها لن تراني. قال: جعل بيني وبينها حجاب. فسألها أبو بكر، فقالت: أتهزأ بي يا بن أبي قحافة؟ والله ما أرى عندك أحداً. وفي حديث بمعناه أنها قالت لأبي بكر: أنت عندي مصدق. وانصرفت. قلت: يا رسول الله: لم ترك؟ قال:
لا، لم يزل ملك يسترني منها بجناحه. توفي أبو لهب سنة اثنتين من الهجرة بعد وقعة بدر بسبع ليال، ودفن بمكة، وهو ابن سبعين سنة. قال أبو الحسين عاصم بن الحسن العاصمي: من الطويل
عليك بتقوى الله في كل حالة ... ولا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
ابن لؤلؤ الكاتب
من دمشق، من شعره: من المديد
غرر لكنهم غدر ... إن قرنت الخبر بالخبر
بقر لكننا لهم ... في امتثال الأمر كالبقر
يشربون الصفو من زمن ... لا يهنى فيه بالكدر
стр. 10370
حرف الميم
أبو محمد الأنصار
له صحبة، ويقال شهد بدراً. ويقال اسمه: قيس بن عباية بن عبيد بن الحارث بن عبيد الخولاني، حليف بني حارثة بن الحارث، من الأوس. حدث مولى لرويفع بن ثابت أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ اشترى جارية بربرية بمئتي دينار، فبعث بها إلى أبي محمد البدري من أصحاب النبي ﷺ ، وكان بدرياً، فوهب له الجارية البربرية، فلما جاءته قال: هذه من المجوس التي نهى النبي ﷺ عنها، وعن الذين أشركوا. قال: فحدثت هذا الحديث رجلاً، فحدثني أن يحيى بن سعيد حدث أن ابن عم له مات بالمغرب، وكان بدرياً. حدث المخدجي، رجل من أهل الشام، كان قد لزم عبادة بن الصامت حتى أنزله منزلة العبد سيده، وكان يسافر معه إذا سافر، ويخرج معه إذا خرج، ويدخل معه إذا دخل، ليس يفرق بينهما إلا أن يدخل عبادة إلى أهله، قال المخدجي: فجئت يوماً مجلس عبادة، فلم أجده، ووجدت أبا محمد من بني النجار، من أصحاب رسول الله ﷺ قد خلفه، فالناس يسألونه، فكان فيما سألوه عنه الوتر: أواجب هو مثل المكتوبة؟ قال: نعم، فأنكرتها في نفسي، ثم قلت، حتى أسأل عبادة عنها لا أنساها. فذهبت إلى بيته فقالوا لي: أخذ على الساحل آنفاً فعقبت على إثره حتى جئته، فقلت له: إن أبا محمد جلس آنفاً في مجلسك. فسألوه عن الوتر أواجب هو مثل المكتوبة؟ قال: نعم. فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات كتبها الله على عباده، من جاء بها لم يتركها ولم يضيعها استخفافاً بحقها؛ كان له عند الله عهد ألا يعذبه، ومن لم يأته بهن لم يكن له عند الله عهد. إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه.
стр. 10371
وفي رواية: كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. وفي حديث: بهن الجنة. قال عبد ربه: والوتر سنة أمر بها رسول الله ﷺ ، وصلاها المسلمون، لا ينبغي تركها. قوله: الوتر حق: أي واجب. يقال: حق الأمر؛ أي وجب. وقوله: كذب أبو محمد: لم يذهب به إلى الكذب الذي هو الانحراف عن الصدق، والتعمد للزور، وإنما أراد أمه زل في الرأي وأخطأ في الفتوى؛ وذلك أن حقيقة الكذب إنما تقع في الإخبار، ولم يكن أبو محمد في هذا مخبراً عن غيره، وإنما كان مفتياً عن رأيه، وقد نزه الله أقدار الصحابة ﵃ عن الكذب وشهد لهم في محكم كتابه العزيز بالصدق والعدالة فقال: " والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم " ولأبي محمد هذا صحبة، وهو من الأنصار من بني النجار، واسمه: مسعود بن زيد بن سبيع. قال: وقد يجري الكذب مجرى الخطأ في كلامهم، ويوضع موضع الخلف، كقولهم: كذب سمعي، كذب بصري. وقال ﷺ للرجل الذي وصف له العسل: صدق الله، وكذب بطن أخيك. ونظير هذا قول عمران بن حصين لسمرة بن جندب، قال سمرة في المغمى عليه: يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً حتى يقضيها. فقال له عمران بن حصين: كذبت، ولكنه يصليها معاً؛ يريد أخطأت. ومن ذلك حديث البراء بن عازب. قال: حدث البراء بن عازب وهو غير كذوب قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، فإذا قال: سمع الله لمن حمده. لم يحن منا رجل ظهره للسجود حتى يضع رسول الله ﷺ جبينه على الأرض. قوله: غير كذوب: أي غير مظنون به الخطأ، أو غير مجرب عليه الغلط في الرواية. يصفه بالحفظ والإتقان.
стр. 10372
وقيل: اسم أبي محمد مسعود بن أوس. شهد بدراً وأحداً والخندق، والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ . وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب، وليس له عقب. وشهد فتح مصر.
أبو محمد الكلبي
حدث عن مكحول أن أبا الدرداء قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة، أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت: علمت. قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ وإن قلت: جهلت. قيل لك: فما كان عذرك فيما جهلت؟ ألا تعلمت؟
أبو محمد الدمشقي
إن لم يكن الكلبي فهو غيره. حدث عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عن مؤذن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، وتكفيراً للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد.
أبو محمد الكلاعي
حدث عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : من أهديت له هدية، وعند قوم، فهم شركاؤه فيها.
أبو محمد القرشي
قال: سألت الأوزاعي، فقلت: يا أبا عمرو، هذا جيش عبد الله بن علي قد جاء، فنبيعهم علفاً؟ قال: لا، ولا إبرة.
стр. 10373
أبو محمد القرشي الدمشقي
من ولد الحارث بن عبد المطلب. حدث عن إبراهيم بن أبي عبلة وكانت له ناحية من عمر بن عبد العزيز قال: كان عطاء الخراساني يتكلم بعد الصلاة في بيت المقدس فتكلم رجل من المؤدبين، فقال رجل: من هذا؟ قال: أنا يا أبا المقدام. قال: اسكت. قال: ولم؟ قال: إنا نكره أن نسمع الخير من غير أهله.
أبو محمد الطرابلسي
حدث عن أبي معمر، عن الحسن قال: همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية.
أبو محمد الأنصاري
قال: قرأت على حجر ببيت المقدس: رأس الغنى القنوع، ورأس الفقر الخضوع. وقال: قرأت على حجر بدمشق: كلم من شئت فأنت نظيره، واستغن عمن شئت، فأنت أميره، واخضع لمن شئت، فأنت أسيره. قال: وقرأت على حجر عند جب: كل من أحوجك الدهر إليه فتعرضت له، هنت عليه.
стр. 10374
أبو محمد بن العباس
العطار الدمشقي حدث عن خالد بن يزيد بسنده، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: نعم السحور التمر، ونعم الإدام الخل، ورحم الله المتسحرين.
أبو محمد المعيوفي
قال علي بن محمد المعيوفي: كان عبد العزيز المطرز صاحب قلب طيب، لا يقدر أن يسمع شيئاً إلا وجد وجداً عظيماً تعود بركته على الحاضرين معه. وكان شيخنا أبو محمد المعيوفي أيضاً صاحب قلب لا تسل عنه، وفي حضور واجتماع. فكانا إذا اجتمعا، فإنما هو يوم سرور ومناحة.
أبو محمد بن فضالة الفقيه
حدث عن المسيب بن واضح بسنده إلى أنس بن مالك قال: كان لرسول الله ﷺ ناقة، يقال لها العضباء، فكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين. قالوا: أسبقت العضباء يا رسول الله؟ قال: إن حقاً على الله أن لا يرفع في الدنيا شيئاً إلا وضعه.
أبو محمد بن الصفر
ابن السري، الخراساني، الختلي حدث سنة خمس عشرة وثلاث مئة بدمشق عن عمار بن الحسين بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله عبداً أصلح من لسانه.
стр. 10375
أبو محمد الغزنوي الفقيه
أنشد لابن الرومي: من الوافر
رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... يعوض أو يسلي أو ينسي
أبت نفسي الهلاع لفقد شيء ... كفى رزءاً لنفسي فقد نفسي
وهو مأخوذ من قوله: من الطويل
ومن عجب الدنيا بأن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب
ولا تكتحل عيناك منها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
أبو مالك الأشعري
له صحبة. واختلف في اسمه، فقيل: كعب بن عاصم وهو أظهر وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم. وقيل: الحارث بن الحارث، وقيل: عمرو. وقيل: عبيد، وهو وهم. حدث أبو مالك قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع، في أوسط أيام الأضحى: أليس هذا اليوم حرام؟ قالوا: بلى. قال: فإن حرمة ما بينكم إلى يوم القيامة كحرمة هذا اليوم. ثم قال: ألا أنبئكم من المسلم؟ من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأنبئكم من المؤمن؟ من أمنه المؤمنون على أنفسهم ودمائهم، وأنبئكم من المهاجر؟ من هجر السيئات، وهي ما حرم الله، المؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم، لحمه حرام عليه أن يأكله، ويغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه حرام عليه أن يلطمه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تعنيه. قام ربيعة الجرشي في الناس فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أحل كثيراً طيباً، وحرم قليلاً خبيثاً، فما يؤمن أحدكم أن يقع في معصية من معاصي الله، فيمسخه الله قرداً أو خنزيراً. فقال رجل من
стр. 10376
ناحية الناس: والله ليكونن ذلك. قال: فتطاولت فإذا هو عبد الرحمن بن غنم الأشعري. فلما فرغ ربيعة قمت إليه، فإذا ربيعة قد بدرني إليه، فأخذ بيده فانتحاه فجلست قريباً منهما، فأخذا ينظران إلي المرة بعد المرة، فعلمت أن مجلسي قد ثقل عليهما، فقمت فأتيت أهلي، فما قرتني نفسي حتى رجعت إلى المسجد، وإني لأتبوأ منه مجلساً أنظر إلى أبوابه كلها، فإذا أنا به، فقمت إليه، فقلت: قد هجرت الرواح؟ قال: أجل، علمت أن المسجد ليس فيه أهله، فأحببت أن أعمره حتى يجيء أهله. فقلت: رحمك الله، يمين حلفت عليها اليوم إذ قال ربيعة: ما يؤمن أحدكم أن يقع في معصية من معاصي الله، فيمسخه الله قرداً أو خنزيراً. فحلف لا يستثني ليكونن ذلك قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك، والله يمين أخرى وما كذبني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم فيأتيهم آتٍ لحاجته فيقولون ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم عليهم، ويمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة. وعن أبي مالك الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رؤوسهم المعازف، ويخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير.
حدث هشام بن الغاز، عن أبيه، عن جده قال: قال يوماً لأهل دمشق: يا أهل دمشق، والله ليكونن فيكم الخسف والمسخ والقذف. قالوا: وما يدريك يا ربيعة؟ قال: هذا أبو مالك فسلوه. قال: وكان ينزل عليه فراح به إلى المسجد. فقالوا له: ما يقول ربيعة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في أمتي الخسف والقذف. قال: قلنا: فيم يا رسول الله؟ قال: باتخاذهم القينات وشربهم الخمور.
стр. 10377
وحدث كعب بن عاصم، عن النبي ﷺ قال: ليس من البر الصيام في السفر. وعامر بن الحارث قدم على رسول الله ﷺ في السفينة. وعن حبيب بن عبيد أن النبي ﷺ قال: اللهم، صل على عبيد أبي مالك الأشعري، واجعله فوق كثير من الناس. جمع أبو مالك الأشعري قومه فقال: يا معشر الأشعريين، اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم، أعلمكم صلاة رسول الله ﷺ التي صلى بالمدينة بنا. فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ فأراهم كيف يتوضأ، فأخفى الوضوء إلى أماكنه، حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن وصف الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة فتقدم، ورفع يديه وكبر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، ثم كبر فركع. فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرات ثم قال: سمع الله لمن حمده. ثم استوى قائماً، ثم كبر وخر ساجداً، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائماً، فكان يكبر في أول ركعة ست تكبيرات، وكبر حين قام إلى الركعة الثالثة، فلما قضى صلاته أقدم إلى القوم بوجهه فقال:
احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي، فإنها صلاة رسول الله ﷺ التي كان يصلي بنا هذه الساعة من النهار. ثم إن رسول الله ﷺ لما قضى صلاته، أقبل إلى القوم بوجهه فقال: أيها الناس، اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس فألوى بيده إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ناس من الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله ؟! انعتهم لنا حلهم لنا شكلهم
стр. 10378
فتروح رسول الله ﷺ بسؤال الأعرابي. فقال رسول الله ﷺ : هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نوراً، وثيابهم نوراً، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، هم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قال كعب بن عاصم الأشعري: ابتعت قمحاً أبيض ورسول الله ﷺ حي، فأتيت به أهلي، فقالوا: تركت القمح الأسمر الجيد وابتعت هذا؟ والله لقد أنكحني رسول الله ﷺ إياك وإنك لعيي اللسان، دميم الجسم، ضعيف البطش. فصنعت منه خبزة، فأردت أن أدعو عليها أصحابي الأشعريين، أصحاب الصفة. فقلت: أتجشأ من الشبع وأصحابي جياع؟! فأتت رسول الله ﷺ تشكو زوجها وقالت: انزعني من حيث وضعتني. وأرسل إليه رسول الله ﷺ فجمع بينهما، فحدثه حديثها. فقال رسول الله ﷺ : لم تنقمي منه شيئاً غير هذا؟! قالت: لا. قال: فلعلك تريدين أن تخلعي فتكوني كجيفة الحمار، أو تبغين ذا جمة فينانة، على كل جانب من قصته شيطان قاعد؟ ألا ترضين أني أنكحتك رجلاً من نفر ما تطلع الشمس على نفر خير منهم؟ قالت: رضيت. فقامت المرأة حتى قبلت رأس زوجها، فقالت: لا أفارق زوجي أبداً. وعن أبي مالك: أنه قدم هو وأصحابه في سفر، ومعه فرس أبلق، فلما أرسلوا وجدوا إبلاً كثيرة من إبل المشركين فأخذوها، فأمرهم أبو مالك أن ينحروا منها بعيراً فيستعينوا به، ثم مضى على قدميه حتى قدم على النبي ﷺ ، فأخبره بسفره وأصحابه، والإبل التي أصابوا، ثم رجع إلى أصحابه. فقال الذين عند رسول الله ﷺ : أعطنا يا رسول الله من هذه الإبل. فقال: اذهبوا إلى أبي مالك. فلما أتوه، قسمها أخماساً، خمساً بعث به إلى رسول الله ﷺ ، وأخذ ثلث الباقي بعد الخمس، فقسمه بين أصحابه، والثلثين الباقيين بين
стр. 10379
المسلمين، فقسم بينهم، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثلما صنع أبو مالك بهذا المغنم! فقال رسول الله ﷺ : لو كنت أنا ما صنعت إلا كما صنع. وعن شريح بن عبيد الحضرمي أن أبا مالك الحضرمي لما حضرته الوفاة قال: يا سامع الأشعريين ليبلغ الشاهد منكم الغائب، أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة. توفي أبو مالك في زمن عمر بن الخطاب. وطعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة، وأبو مالك في يوم واحد.
أبو مخرمة السعدي
من أهل دمشق كان عبد الله بن أبي زكريا، وأبو مخرمة، وغيرهم من التابعين يغزون عليهم تبابين إلى الركبتين تحت السراويلات مخافة السلب، ويكرهون لبس التبان الذي لا يستر شيئاً إلا العورة، وكان أبو مخرمة لا يغير شيبه. قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ومعنا مكحول: أن رجلاً مر بكرم بأرض الروم، فقال لغلامه: أعطني مخلاتي حتى آتيهم من هذا العنب. فأخذها، ثم دفع فرسه. فبينما هو في الكرم إذا هو بامرأة على مثل سرير لم ينظر إلى مثلها قط. فلما رآها صد عنها بوجهه، فقالت: لا تصد عني، فإني زوجتك، وامض أمامك فسترى ما هو أفضل مني. فمضى، فإذا هو بأخرى مثلها فقالت له مثل ذلك. وأظنه أبا مخرمة. قال عطاء بن قرة: كنا مع أبي مخرمة فما عدا أن جاءنا من ذلك العنب، فوضعه ودعا بقرطاس ودواة
стр. 10380
وكتب وصيته فلما رآه أبو كريب كتب وصيته، ثم قام مقاتل الليثي فكتب وصيته، ثم قام عمار بن أيوب فكتب وصيته، ثم قام عوف اللخمي فكتب وصيته، ثم لقينا برجان فما بقي من هؤلاء الخمسة أحد إلا قتل. قال: ولم نكتب نحن وصايانا فلم نقتل.
قال سعيد: لا نعلم أحداً رأى الحور العين عياناً، إلا في المنام، إلا ما كان من أبي مخرمة، فإنه دخل كرماً لبعض حاجاته فرأى الحور عياناً في قبتها، وعلى سريرها، فلما رآها صرف وجهه عنها فقالت: إلي يا أبا مخرمة، فإني أنا زوجتك، وهذه زوجة فلان، وهذه زوجة فلان، فانصرف إلى أصحابه فأخبرهم، فكتبوا وصاياهم، ولم يكتب أحد وصيته إلا استشهد.
قال سليمان بن حبيب: بينا أنا أطوف في سوق حمص، إذا أنا بعبد الله بن أبي زكريا، وأبي مخرمة وكان يتيماً في حجر أبي الدرداء قال: قلت: أين تريدان؟ قالا: نريد أبا أمامة. قلت: أفلا أنطلق معكما؟ قالا: بلى، إن شئت. فأتينا أبا أمامة، فدخلنا، فتحدث، ثم ذكر الكذب فعظم منه ما لم أسمع أحداً عظم منه ما عظم يومئذ أبو أمامة، ثم قال: إن الله يأمركم أن تنفقوا في سبيله، وجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة؛ أضعاف كثير، وقال: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه " ثم إنكم تبخلون على الله، أما والله، لقد فتحت الفتوح بأسياف ما حليتها الذهب والفضة ولكن حليتها الآنك والحديد. وفي حديث عن سليمان بن موسى قال: بينا أنا في سوق حمص في بعض ما كنت أعرو إذا أنا بعبد الله بن أبي زكريا وأبي مخرمة، قلت: أين تريدان؟ قالا: نريد أن نأتي أبا أمامة الحديث.
стр. 10381
أبو مدرك
أظنه عبد الله بن مدرك حدث عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج؛ مر علينا رسول الله ﷺ يوماً ونحن نتحدث فقال: ما تحدثون؟ قلنا: نتحدث عنك يا رسول الله قال: تحدثوا، وليتبوأ من كذب علي مقعده من جهنم. قال: ومضى رسول الله ﷺ لحاجته، وقد نكص القوم وأمسكوا عن الحديث، وهمهم ما سمعوا من رسول الله ﷺ . فقال: ما شأنكم لا تحدثون؟ قالوا: الذي سمعنا منك يا رسول الله. قال: إني لم أرد ذلك، إنما أردت من تعمد ذلك. قال: فتحدثنا. وحدث عن عروة بن الزبير، عن أمه أسماء ابنة أبي بكر أنها قالت: ذبحنا فرساً، فأكلنا منه نحن أهل بيت النبي ﷺ .
أبو مذكور الخولاني
قال أبو معيد: جاورنا شيخ من خولان كان ذا عبادة وعلم يكنى: أبا مذكور. قال: أخذ بيدي يوماً فوقف بي على طريق المزة الآخذ إلى باب دمشق، فقال: أراني أبو إدريس عائذ الله الخولاني هذا الموضع كما أريتك. فقال: يتداعى الناس بدمشق بدعوى جاهلية، تقطع فيها الأرحام، وتركب فيها الآثام، ويضاع فيها الإسلام، كأنكم بالخيل تعدو بردى في هذا النقب، لايرعون لله جلالة، ولا يخافون معاداً. قال أبو معيد فقلت للرجل: هل لذلك وقت؟ قال: نعم، أعدد خمسة ولاة من بني العباس.
стр. 10382
قال أبو العباس: كان هذا أمارات فتنة أبي العميطر، وهو الذي خرج بالمزة في أيام الخامس من بني العباس محمد بن زبيدة. قالوا: هذا وهم، وإنما هي فتنة أبي الهيذام.
أبو مرجى القرشي مولاهم الموقري
من أهل الموقر: حصن بالبلقاء من ناحية دمشق. حدث عن عبد الواحد بن قيس قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قال رسول الله ﷺ : يا بن آدم، لك ما نويت، وعليك ما اكتسبت، وأنت مع من أحببت، ومن مات بطريق كان من أهل ذلك الطريق.
وفي حديث مثله: يا ابن آدم، لك ما قدمت، وعليك ما اكتسبت الحديث.
أبو مرحوم العطار
أحد الصالحين. قال يحيى بن جابر: خرجت أنا وخالد بن معدان وأبو الزاهرية، وأبو مرحوم العطار، نريد بيت المقدس فنزلنا منزلاً بفلسطين، فقال لنا رجل: إن هذه الأرض مسبعة فلا تنزلوها، فنزلنا وبيتنا فيها، فجاء السبع، فقام إليه خالد بقوسه، فقال له أبو مرحوم: أبوالقوس تقوم إليه يا خالد؟ فمشى إليه أبو مرحوم في قميصه حتى دنا منه، فقال له: أنت كلب من كلاب الله، ونحن عباد الله، جئنا نصلي في بيت المقدس، فلا تؤذ منا أحداً إلا أن يكون لك في أحدنا رزق. قال: وكأنما يكلم رجلاً، فانصرف السبع عنا مولياً، ونحن ننظر إليه.
стр. 10383
أبو مرحوم المكي
قدم من مكة على الأوزاعي ليسمع منه، فأهدى إليه طرائف من طرائف مكة. فقال له الأوزاعي: إن شئت قبلت منك، ولم تسمع مني حرفاً، وإن شئت فضم هديتك واسمع.
أبو مريم الأزدي
قدم أبو مريم على معاوية، فقال له معاوية: ما أقدمك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فلما رأيت موقفك جئت أخبرك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولاه الله من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم وخلتهم وفاقتهم، احتجب الله يوم القيامة عن حاجته وخلته وفاقته. وقيل: إنه دخل على معاوية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولي من أمر الناس شيئاً، فأغلق بابه دون المسكين أو المظلوم أو ذي الحاجة، أغلق الله دونه أبواب رحمته عند حاجته وفقره أفقر ما يكون إليه.
أقبل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له أبو مريم، غازياً، حتى بلغ الحفير واستأذن على معاوية بدمشق حين مر بها، فلم يجد أحداً يأذن له، فلما بلغ الحفير ذكر حديثاً سمعه من رسول الله ﷺ ، فرجع حتى أتى باب معاوية، فقال لبعض من عليه: أما منكم أحد رشيد يقول لأمير المؤمنين ها هنا أخوك أبو مريم؟ فقال معاوية: ويحكم! وحبستموه؟ ائذنوا له. فلما دخل عليه قال: مرحباً، ها هنا ها هنا يا أبا مريم. ثم قال: إني لم أجئك طالب حاجة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغلق بابه دون ذوي الفقر والحاجة، أغلق الله عن فقره وحاجته باب السماء. فأكب معاوية يبكي، ثم قال: رد حديثك يا أبا مريم. فرده، ثم قال معاوية: ادعوا لي سعداً وكان حاجبه فدعي، فقال: يا أبا مريم، حدثه أنت كما سمعت. فحدثه أبو مريم. فقال معاوية لسعد: اللهم، إني أخلع هذا من عنقي، وأجعله في عنقك، من جاء يستأذن علي، فأذن له، يقضي الله على لساني ما قضى.
стр. 10384
أبو مريم مولى سلامة
شهد فتح إيلياء مع عمر بن الخطاب، فسار من الجابية فاصلاً حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود، ونحن معه، فدخلها، ثم قرأ سجدة ص، فسجد وسجدنا معه.
أبو مريم خادم مسجد دمشق
حدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أظنه قال: إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لتبلغوا بلداً لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، فجعل لكم الأرض، وعليها فاقضوا حوائجكم. وحدث عنه، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يبال في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه. وحدث عن أبي هريرة أنه قال: إن الملائكة يكونون يوم الجمعة على أبواب المساجد.
أبو مسلم الجليلي
ويقال: الجلولي والأول: أصح. من جبل الجليل. وكان من أهل الكتاب وكان معلم كعب الأحبار، وأدرك النبي ﷺ ، ولم يسلم، وأسلم في عهد معاوية. وقيل: في عهد عمر. وقيل: في عهد أبي بكر. قال أبو قلابة: إن أبا مسلم الجليلي أسلم على عهد معاوية، فأتاه أبو مسلم الخولاني فقال: ما منعك أن تسلم على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، حتى أسلمت الآن؟ فقال: إني وجدت في التوراة أن هذه الأمة ثلاثة أصناف، صنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً، وصنف يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة،
стр. 10385
فأردت أن أكون من الأولين، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يحاسبون حساباً يسيراً، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة.
وفي حديثٍ آخر أنه أسلم في زمن عمر، وأنه قال في الصنف الثالث: وصنف يوقفون، فيؤخذ بهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه، فنظرت فإذا الصنف الأول قد فاتني، وأرجو أن أكون في الصنف الثاني، وأرجو أن لا يخطئني الثالث. فهذا الذي حملني على الإسلام.
كان لأبي مسلم الخولاني جار يهودي، يكنى أبا مسلم، فكان يمر به فيقول: أبا مسلم، أسلم تسلم. فيقول: إن لي ديناً خيراً من دينك. فمر به ذات يوم، وهو قائم يصلي، فلما انصرف، قال له: يا أبا مسلم، ألم أكن أدعوك إلى هذا الدين فتأبى علي؟ قال: بلى، ولكن قرأت في التوراة غير المبدلة أن هذه الأمة تأتي يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً، ويبقى صنف أوزارهم على ظهورهم كأمثال الجبال، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي، من هؤلاء؟ فتقول: هؤلاء عبادك، كانوا يشهدون أن لا إله إلا أنت. قال: فيقول ﵎: خذوا أوزارهم وضعوها على المشركين. فيدخلون الجنة. كان أبو مسلم الجليلي يكنى أبا السموأل، فكناه أبو بكر أبا مسلم.
دخل أبو مسلم الجليلي على معاوية. فقال: اضمن لي خصلة، أضمن لك ألا يظهر على أمتك عدو، امنعهم من الزرع فإنه مكتوب أن الرعب مع الزرع. دخل أبو مسلم الجليلي على معاوية قبل أن يستخلف فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال القوم: أيها الأمير. فأعادها. فقال معاوية: دعوا الشيخ، فإنه أعلم بما يريد. فقال: اعلم أنه ليس من راعي رعية إلا وصاحبها سائله عنها، فإن هنأ جرباها، وجبر كسراها، ورد أولاها على أخراها، ورعاها في أنف الكلأ، وسقاها صفو الماء، وفاه أجره، وإن لم يفعل لم يعطه أجره، وعاقبه.
стр. 10386
لقي أبو مسلم الخولاني أبا مسلم الجليلي، فقال الجليلي: كيف منزلك من قومك؟ قال: إنهم ليعرفون حقي، ويعرفون شرفي. فقال الجليلي: ما هكذا تقول التوراة. فقال الخولاني: وكيف تقول التوراة؟ قال: تقول: إن أشد الناس بغضاً للمرء الصالح قومه، ومن هو بين أظهرهم. وإن أشد الناس له حباً أبعد الناس منه. فقال أبو مسلم الخولاني: صدقت التوراة، وكذب أبو مسلم. ثم قال الخولاني للجليلي: ما أدنى ما يدخل به الرجل الجنة؟ فقال الجليلي: أجد في كتاب الله العتيق أن رجلاً أتى السوق، فاشترى قميصاً سنبلانياً بخمسة دراهم فلبسه فحمد الله وجبت له الجنة، ورجل أتى أهله وهو جائع فقرب له خبز وزيت فأكل فحمد الله وجبت له الجنة، ورجل أتى السوق فاشترى دابة فركبها فحمد الله وجبت له الجنة.
أبو مسلم العبدي
حدث أنه رأى سلمان الفارسي، ورأى رجلاً يريد أن ينزع خفية للضوء، فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وناصيته وعمامته، وقال سلمان: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار.
أبو مسلم الثعلبي
قال: انطلقت إلى بيت المقدس، فأتيته، ثم رجعت، حتى إذا كنت بدمشق على رأس ميلين، أدركني رجل، فسألته: من أين جئت؟ فقال: من بيت المقدس. فقلت: هل لقيت أبا أمامة؟ قال: نعم. قلت: فما حدثك؟ قال: حدثني أن رسول الله ﷺ قال: ما على الأرض من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء لصلاة مفروضة، إلا غفر له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه، أو قبضت عليه يداه، أو نظرت إليه عيناه، واستمعت إليه أذناه، ونطق به لسانه، وحدثته به نفسه. قال: قلت له: أنت سمعت هذا من
стр. 10387
أبي أمامة؟ قال: نعم. قال: قلت: دمشق علي حرام إن دخلتها حتى أرجع إلى أبي أمامة فرجعت إليه فوجدته في صحن المسجد، قاعداً يتفلى فيأخذ الدواب فيدفنها في الحصى قال: قلت: يا أبا أمامة، إني لقيت رجلاً فحدثني أنك حدثته أن رسول الله ﷺ قال: ما على الأرض من مسلم يتوضأ، فيسبغ الوضوء لصلاة مفروضة، إلا غفر له في ذلك اليوم، ما مشت إليه رجلاه، أو قبضت عليه يداه، أو نظرت إليه عيناه، واستمعت إليه أذناه، ونطق به لسانه، وحدثته به نفسه. قال: فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، لقد سمعت هذا من رسول الله ﷺ .
أبو مشجعة بن ربعي الجهني
عم مسلمة بن عبد الله. شهد خطبة عمر بالجابية.
قال أبو مشجعة: عدنا مع عثمان بن عفان مريضاً، فسمعته يقول: خاض في رحمة الله، فإذا جلس عند مريض، غمرته الرحمة. قال: قلنا له: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ . وحدث أبو مشجعة عن أبي الدرداء قال: ما دعي رسول الله ﷺ إلى لحم إلا أجاب، ولا أهدي له إلا قبله. حدث أبو مشجعة عن أبي زميل الجهني، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال، وهو ثانٍ رجليه: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إن الله كان تواباً. سبعين مرة ثم يقول: سبعين، بسبع مئة، لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبع مئة، ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه وكان تعجبه الرؤيا، ثم يقول: هل رأى أحد منكم شيئاً؟ قال ابن زمل: فقلت: أنا يا نبي الله. قال: خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب
стр. 10388
العالمين، اقصص. فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفاً يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ. قال: فكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه يميناً ولا شمالاً. قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافاً، فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا حين المنزل. كأني أنظر إليهم يميلون يميناً وشمالاً. فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج فإذا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شتل أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولاً، وإذا عن يسارك رجل ربعة تار أحمر كثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم له إكراماً له. وإذا أمامكم رجل شيخ أشبه الناس بك خلقاً ووجهاً، كلكم تؤمونه تريدونه. وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف فإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعتها. قال: فانتقع لون رسول الله ﷺ ساعة ثم سري عنه فقال رسول الله ﷺ : أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى، وأنتم عليه.
стр. 10389
وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها ولم تتعلق منا، ولم نردها، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا، وهم أكثر منا أضعافاً، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك. ثم جاء عظم الناس فمالوا في المرج يميناً وشمالاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما أنت فمضيت على طريق صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني. وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات، وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفاً.
وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشتل فذاك موسى ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه. والذي رأيت عن يساري التار الربعة، الكثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، فذاك عيسى بن مريم نكرمه إكرام الله إياه. وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقاً ووجهاً، فذاك أبونا إبراهيم، كلنا نؤمه ونقتدي به. وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أتبعها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي. قال: فما سأل رسول الله ﷺ عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل فيحدثه بها متبرعاً.
الطريق الرحب: الواسع. واللاحب: الطريق المنقاد الذي لا ينقطع. يرف رفيفاً: يقال ذلك للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة حتى يكاد يهتز. والرعلة: يقال للقطعة من الفرسان رعلة، ولجماعة الخيل: رعيل. وأشفوا على المرج: أشرفوا، ولا يكاد يقال: أشفى، إلا على الشر، وكذلك هو على شفى، أكثر ما يستعمل في الشر، وأكبوا رواحلهم: هكذا ورد، وإنما هو كبوا رواحلهم. وكببت الإناء: قلبته، وكبه الله لوجهه
стр. 10390
بغير ألف وأكببته أنا على عملي، ومعنى كبوا رواحلهم: ألزموها الطريق. وكببت الجزور: عقرته. وقوله المرتع: يقال: رتعت الإبل إذا رعت، وأرتع الرجل: إذا خلى الركاب ترعى، ومنه قوله " يرتع ويلعب " والمدنيون يقرؤون " يرتع " بكسر العين، أي: يحفظ بعضنا بعضاً. ومنهم الآخذ الضغث، الضغث: الحزمة تجمعها من الخلاء ومن العيدان، أراد أن الفرقة الثانية نالت من الدنيا، وأن الأولى لم تنل شيئاً. لزموا الطريق فلم يظلموه، أي: يعدلوا عنه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. وقوله: قالوا: هذا حين المنزل: يريد أنهم ركنوا إلى ما في المرج من الرعي، وأوطنوه، وتخلفوا عن الفرقتين المتقدمتين. وقوله: يكاد يفرع الرجال: أي يطولهم. وقوله: فانتقع لون رسول الله ﷺ : أي تغير. يقال: امتقع وانتقع. والجيدة: امتقع. وقوله: ثم سري عنه: أي كشف ذلك عنه. قال أبو مشجعة: لما قدم عمر بن الخطاب الجابية لفرض الخراج، وذلك بعد وقعة اليرموك، قال: فشهدته دعا بكرسي من كراسي الكنيسة، فقام عليه، فقال: إن نبي الله ﷺ قام فينا فقال: أيها الناس، إن خياركم أصحابي، ألا ثم الذين يلونهم ألا ثم يظهر الكذب، ويكثر الحلف، حتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، ويشهد وإن لم يستشهد، ألا فمن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، يد ربكم على الجماعة، ألا وإن الشيطان ذئب بني آدم، فهو مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان الشيطان ثالثهما، ألا من ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن، قمت فيكم بقد ما قام به النبي ﷺ فينا.
ثم ارتحل حتى نزل أذرعات. وقد ولى على الشام يزيد بن أبي سفيان. فدعا بغدائه، فلما فرغ من الثريد وضعت بين يديه قطعة أخرى، فصاح وقال: ما هذا؟
стр. 10391
فأرسل يزيد إلى معاوية، وكان صاحب أمره. فقال معاوية: ما الذي أنكرت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما بالي توضع بين يدي قصعة، ثم ترفع وتوضع أخرى؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنك هبطت أرضاً كثيرة الأطعمة، فخفت عليك وخامتها، فأشر إلى أيها شئت حتى ألزمكه فأشار إلى الثريد. فقال قسطنطين لمعاوية: خادماً خرجت منها. فلما فرغ من غذائه قام قسطنطين وهو صاحب بصرى بينيديه فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا عبيدة قد فرض علي الخراج، فاكتب لي به. فأنكر عمر ذلك. قال: وما فرض عليك؟ قال: فرض علي أربعة دراهم وعباءة على كل جلجلة يعني الجماجم فقال عمر لأبي عبيدة: ما يقول هذا؟ قال: كذب، ولكني كنت صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج. فقال له عمر: أبو عبيدة أصدق عندنا منك. فقال قسطنطين: صدق أبو عبيدة وكذبت أنا. قال: فويحك، ما أردت بمقالتك؟ قال: أردت أن أخدعك، ولكن افرض علي يا أمير المؤمنين أنت علينا الآن. فجاثاه الفتى مجاثاة الخصم عامة النهار. ففرض على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى المفلس المدقع اثني عشر، وشرط عليهم عمر أن يشاطرهم منازلهم، وينزل فيها المسلمون، وعلى ألا يضربوا بناقوس، ولا يرفعوا صليباً إلا في جوف كنيسة، وعلى ألا يحدثوا إلا ما في أيديهم، وعلى ألا يقروا خنزيراً بين أظهر المسلمين، وعلى أن يقروا ضيفهم يوماً وليلة، وعلى أن يحملوا راجلهم من رستاق إلى رستاق، وعلى أن يناصحوهم ولا يغشوهم، وعلى ألا يمالئوا عليهم عدواً. فمن وفى لنا وفينا له ومنعناه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ومن انتهك شيئاً من ذلك، استحللنا بذلك سفك دمه وسباء أهله وماله. فقال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين، اكتب لي كتاباً. قال: نعم. ثم ذكر عمر فقال: أستثني عليك معرة الجيش فقال له النبطي: لك ثنياك وقبح الله من أقالك. فلما فرغ، قال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين، قم في الناس فأعلمهم كتابك، ليتناهوا عن ظلمنا، والفساد علينا. فقام عمر فخطب خطبة رسول الله ﷺ فلما بلغ: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. قال النبطي: إن الله لا يضل أحداً. فقال عمر: ما يقول؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، شيئاً تكلم به. فعاد عمر في الخطبة،
стр. 10392
ثم أعاد النبطي المقالة، فقال: أخبروني ما يقول؟ قالوا: إنه يقول: إن الله لا يضل أحداً. فقال عمر: والذي نفسي بيده، لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك. ومضى عمر في خطبته، فلما فرغ، قام قسطنطين فقال: يا أمير المؤمنين. لي إليك حاجة، فاقضها لي، فإن لي عليك حقاً. قال:
وما حقك علينا؟ قال: إني أول من أقر لك بالصغار. قال: وما حاجتك؟ إن كان لك فيها منفعة فعلنا. قال: تغدى عندي أنت وأصحابك، قال: ويحك، إن ذلك يضرك. قال: ولكنها مكرمة وشرف أناله. قال: فانطق حتى نأتيك. قال: فانطلق، فهياً في كنيسة بصرى ونجدها وهيأ فيها الأطعمة، وقباب الخبيص وكانوناً عليه المجمر. فلما جاء عمر وأصحابه نزلوا في بعض البيادر، ثم خرج يمشي، وتبعه الناس، والنبطي بين يديه، ثم بدا لعمر فقال: لا يتبعني أحد. ومضى هو والنبطي، فلما دخل الكنيسة إذا هو بالستور والبسط وقباب الخبيص والمجمر. فقال عمر للنبطي: ويلك، لو نظر من خلفي إلى ما ها هنا لفسدت علي قلوبهم، اهتك ما أرى. قال: يا أمير المؤمنين، إني أحب أن ينظروا إلى نعمة الله تعالى علي. قال: إن أردت أن نأكل طعامك فاصنع ما آمرك. فهتك الستور، ونزع البسط، واخرج عنه المجمر. ثم قال: اخرج إلى رحالنا، فأتني بأنطاع، فأخذها عمر فبسطها في الكنيسة، ثم عمد إلى ذلك الخبيص وما كان هيأ، فعكس بعضه على بعض وقال له: أعندك شيء آخر؟ قال: نعم، عندنا بقل وشواء قال: ائتني به قال: فأخذه فخلط الشواء بالخبيص بعضه على بعض، وجعل يحمل بين يديه ويجعله على الأنطاع. فقال النبطي: يا أمير المؤمنين، إن هذا الطعام لا يؤكل هكذا! فقال عمر: ويل لك ولأصحابك إذا جاء من يحسن يأكل هذا. ثم قال: ادع الناس. فجاءوا، فجثوا على ركبهم فأقبلوا يأكلون، فربما وقعت اللقمة من الخبيص في فم الرجل فيقول: إن هذا طعام ما رأيناه. فيقول عمر: ويلك، أما تسمع؟ كيف لو رأيت ما رأيت. فلما فرغوا، قال النبطي لمعاوية: إن الأحبار والرهبان قد اجتمعوا، وهم يريدون أن ينظروا إلى أمير المؤمنين، وإنما عليه أخلاق وسخة، فهل لك أن تخدعه حتى ينزعها ويلبس ثياباً، حتى يقضي جمعته؟ فقال له معاوية: أما أنا فلا أدخل
стр. 10393
في هذا بعد إذ نجوت منه أمس. فقال له النبطي: يا أمير المؤمنين، ثيابك قد اتسخت، فإن رأيت أن تعطيناها حتى نغسلها ونرمها قال: نعم. فغسل الثياب وتركها في الماء، ثم هيأ له قميصاً مروياً ورداءً قصباً. فلما حضرت الجمعة قال له عمر ائتني بثيابي. فقال له: يا أمير المؤمنين، ما جفت، ونحن نعيرك ثوبين حتى تقضي جمعتك. فقال: أرني. فلما نظر إلى القميص قال: ويحك!! كأنما رفي هذا رفواً. اغربهما عني، وائتني بثيابي. فجاء بها تقطر، فجعل يتناولها، وجعل النبطي يأخذ بطرف الثوب، وعمر بالطرف الآخر، ويعصرها، ثم دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه يخطب الناس، ويمسح ثيابه ويمددها قال: فسأله: أي شيء كانت ثيابه؟ قال: غزل كتان. قال: فجاءت الرهبان فقاموا وراء الناس، وعليهم البرانس تبرق بريقاً، ومعهم العصي فيها تفاح الفضة، ومعهم المواكب. فلما نظروا إلى هيئته قالوا: أنتم الرهبان؟! لا والله، ولكن هذه الرهبانية، ما أنتم عنده إلا ملوك.
ثم ارتحل عمر إلى دمشق، فشاطرهم منازلهم وكنائسهم، وجعل يأخذ الحيز القبلي من الكنيسة لمسجد المسلمين، لأنها أنظف وأطهر، وجعل يأخذ هو بطرف الحبل، ويأخذ النبطي بطرف الحبل، حتى شاطرهم منازلهم. قال: فربما أن خف فأخذ الحبل منه فأعقبه. ففرغ عمر من دمشق وحمص، وبعث أبا عبيدة إلى قنسرين وحلب ومنبج، ففعل بها كما فعل عمر، ورجع عمر من حمص إلى المدينة. ولما نزل أبو عبيدة منبج بعث عياض بن غنم في عشرين فارساً، فأتى الرها وقد اجتمع بها أهل الجزيرة من الأنباط، فأتاها ابن غنم، فوقف عند بابها الشرقي على فرس أحمر محذوف قال من سمع عياضاً وهو يدعوهم إلى الإسلام: فأبوا عليه، فعرض عليهم الجزية، فأقروا وقد عرفوا شرط عمر بن الخطاب على أهل الشام فقالوا: نقر، على أن
стр. 10394
نشترط، قال: نعم، فاشترطوا كنائسهم التي في أيديهم على أن يؤدوا خراجها وما لجأ إليها من طائر وصلمهم التي في كنيستهم الصلم: الخشبة التي يزعمون أن عيسى بن مريم صلب عليها، لم يقل صلبهم وسور مدينتهم. قال عياض: فإني أشترط أنا أيضاً. فاشترط عليهم أن يشاطرهم منازلهم وينزل فيها المسلمون، وعلى أن يحدثوا كنيسة إلا ما في أيديهم، وعلى ألا يرفعوا صليباً، ولا يضربوا بناقوس إلا في جوف كنيسة، وأن يقروا ضيف المسلمين يوماً وليلة، وعلى أن يحملوا راجل المسلمين من رستاق إلى رستاق، وعلى ألا يقروا خنزيراً بين ظهراني المسلمين، وعلى أن يناصحوا المسلمين فلا يغشوهم ولا يمالئوا عليهم عدواً، فمن وفى لنا وفينا له ومنعناه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ومن انتهك شيئاً من ذلك، استحللنا سفك دمه، وسباء أهله وماله. فقالوا: اكتب بيننا وبينك كتاباً، فتورك عياض على فرسه. فلما فرغ قالوا: اشهد لنا، فكتب: شهد الله وملائكته، وكفى بالله شهيداً. ودفع الكتاب إليهم. فدخل في شرطهم جميع أهل الجزيرة. وأما الأرض ففيء للمسلمين، وأنتم عمالهم فيها. في هذا الخبر أن عمر بن الخطاب جعل أهل الجزية طبقات، ففرض على أغنيائهم مقداراً من الجزية، وعلى المتوسط منهم مقداراً متوسطاً، بين ما فرض على أعلاهم طبقة، وما جعله على أدونهم في الوجد منزلة. وظهر ذلك من فعله، واستفاض في الصحابة، فلو ينكر أحد منهم ولا خالف، ثم تلاه في ذلك أئمة العلم في الأمصار. وكان الشافعي يرى أن لا يتجاوز في قدر الجزية ديناراً وعدله.
أبو المصبح المقرائي الأوزاعي
قال أبو مصبح الحمصي: بينا نحن نسير بأرض الروم في صائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي، إذ مر مالك بجابر بن عبد الله وهو يمشي يقود بغلاً له، فقال له مالك: أي أبا عبد الله، اركب فقد حملك الله. فقال جابر: أصلح دابتي، واستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. فأعجب مالكاً قوله، حتى إذا كان
стр. 10395
حيث يسمعه الصوت ناداه بأعلى صوته: أي أبا عبد الله، اركب فقد حملك الله. فعرف جابر الذي أراد، فأجابه فرفع صوته فقال: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله، حرمه الله على النار. فتواثب الناس عن دوابهم، فما رأينا يوماً أكثر ماشياً منه. وحدث أبو مصبح، عن شرحبيل بن الشمط، عن عبادة بن الصامت قال: دخلنا على عبد الله بن رواحة نعوده، فأغمي عليه، فقلنا: يرحمك الله، إن كنا لنرجم لك الشهادة، وإن كنت لتحب أن تموت على غير هذا. فدخل رسول الله ﷺ ونحن نذكر هذا. فقال: ففيم تعدون الشهادة؟ فأرم القوم، وتحرك عبد الله بن رواحة فقال: ألا تجيبون رسول الله ﷺ ؟ ثم أجابه هو فقال: نعد الشهادة القتل في سبيل الله. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، القتل شهادة، والبطن شهادة، والطاعون شهادة، والغرق شهادة، والنفساء يقتلها ولدها جمعاً شهادة. المقراء: قرية بدمشق. والنهراء: سكة بالفسطاط.
أبو مصعب مولى بني يزيد
قال أبو مصعب: كنت أرى واثلة بن الأسقع يتغدى ويتعشى بفناء داره، ويدعوا الناس إلى طعامه.
أبو معاوية الأسود الزاهد
مولى بني أمية. قال القاسم بن عثمان الدمشقي: قلت ليمان بن أبي معاوية الأسود العابد:
رأيت إبراهيم بن أدهم؟ فضحك وقال: وأكبر من إبراهيم بن أدهم. قلت: من؟ قال: سفيان
стр. 10396
الثوري، ثم قال: سمعت أخي سفيان الثوري يقول: ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة، وحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه. قال يحيى بن يحيى: إن كان أحد قد بقي من الأبدال فحسين الجعفي منهم، وأبو معاوية الأسود. قال يحيى بن معين: رأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها فقيل له: يا أبا معاوية، إنك تكسى خيراً من هذا. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا إذا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. وقال: كان أبو معاوية يخرج فيلتقط أسفل جزرة أو شيئاً مطروحاً، لقمة أو عدداً، فيجمع من هذا ثم يطبخه فيأكله. وكان رجل صدق، وكان يقول: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا إذا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. ثم قال يحيى بن معين: صدق والله، ما ضر رجلاً أتقى الله على ما أصبح وأمسى من أمر الدنيا، وما الدنيا إلا كحلم. لقد حججت وأنا ابن أربع وعشرين سنة. خرجت راجلاً من بغداد إلى مكة، هذا منذ خمسين سنة، كأنما كان أمس. أغلظ رجل لأبي معاوية بالكلام وهو لا يعرفه فقال له أبو معاوية: أستغفر الله من ذنبٍ سلطك به علي. كان أبو معاوية ذهب بصرة، فإذا أراد أن يقرأ نشر المصحف فيرد الله عليه بصره، فإذا أطبق المصحف ذهب بصره. قال أبو الزاهرية: قدمت طرطوس، فدخلت على أبي معاوية الأسود وهو مكفوف البصر، وفي منزله مصحف معلق. فقلت: رحمك الله، مصحف وأنت لا تبصر؟ قال: تكتم علي يا أخي حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: إني إذا أردت أن أقرأ فتح بصري. قال أحمد بن أبي الحوري: قلت لأبي معاوية الأسود: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل الله ألا يسلبناه. قال: يحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه.
стр. 10397
وقال أبو معاوية: الله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها، أو يستعمل بعمل إلا قبله.
وقال أبو معاوية: بادر قبل نزول ما تحاذر، وقدم صالح الأعمال، ودع عنك كثرة الأشغال، لا تهتم بأرزاق من تخلف، فليست أرزاقهم تكلف. جاء قوم إلى أبي معاوية، قالوا: ادع الله لنا. قال: اللهم، ارحمني بهم، ولا تحرمهم بي. قال أبو معاوية: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه؛ من خاف الوعيد لهي في الدنيا عما يريد؛ من خاف ما بين يديه، ضاق ذرعه بما في يديه؛ إن كنت يا أبا معاوية تريد لنفسك الجزيل فلا تنم بالليل ولا تقيل؛ وطن نفسك للمقال إذا وقفت غداً للسؤال. قال أبو معاوية: إن لكل شيء نتاجاً، ونتاج العمل الصالح الحزن، المحزون بأمر الله في علو من الله. قال أبو معاوية: إذا قال الرفيق للرفيق: أين قصعتي؟ فليس برفيق. خرج أبو معاوية الأسود من الشام إلى مكة، إلى فضيل بن عياض يعزيه بابنه علي، ولم يخرج لحج ولا عمرة.
أبو المعطل
مولى بني كلاب. أدرك معاوية وحكى عنه. قال: مر بنا أبو معاوية ونحن في المكتب يعود درة في نحوٍ من عشرة، فقال لنا المعلم: ما سلمتم على أمير المؤمنين، إذا رجع فسلموا عليه. فلما رجع قمنا إليه فقلنا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: اللهم بارك في ذراري أهل الإسلام. اللهم بارك في ذراري أهل الإسلام.
стр. 10398
أبو معين الرازي
اسمه الحسين بن الحسن، ويقال: محمد بن الحسين. أحد الحفاظ.
حدث عن عبد الرحمن بن عبد الملك الحزامي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لو كان المؤمن في جحر ضب لقيض الله له فيه من يؤذيه. قال أبو معين: أردت الحجامة يوم السبت، فقلت للغلام: ادع لي الحجام. فلما ولى الغلام ذكرت خبر النبي ﷺ : من احتجم يوم السبت فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه. فدعوت الغلام، ثم تفكرت فقلت: هذا حديث في إسناده بعض الضعف، فقلت للغلام: ادع لي الحجام. فدعاه فاحتجمت، فأصابني البرص، فنذرت لله نذراً لئن أذهب الله ما بي من البرص لم أتهاون في خبر النبي ﷺ صحيحاً أو سقيماً. فأذهب الله عني ذلك البرص.
أبو المغيرة الصوفي الدمشقي
قال: رأيت ثمامة بن حنظلة الصوفي وقد نظر إلى غلام، فتنفس نفساً كادت نفسه أن تخرج. فقلت له في ذلك. فقال: إني نظرت إلى وجه رددت فيه طرفي، وأجلت فيه فكري، فلم أر امرأ يمكن واصف أن يجده، ولا ممثل أن يصوره، ثم مثلته لقلبي وقد أقام في قبره ثلاثاً، فكادت نفسي تذهل، وعقلي يذهب.
أبو منبه
إن لم يكن عمر بن منبه. ويقال: ابن مزيد السعدي، فهو غيره. قال: قال عمر بن عبد العزيز: إن الحجاج لما بنى واسط إنما بناها إضراراً بالمصرين. يعني: الكوفة والبصرة. قال: وقد أردت أن أهدم مسجدها، وأرد كل قوم إلى وطنهم.
стр. 10399
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بها قوماً ولدوا بها لا يعرفون غيرها، ومسجد جماعة يقرأ فيه القرآن. فسكت.
أبو منهال الخارجي
شاعر وفد على عبد الملك بن مروان. وقال لعبد الملك: من الطويل
فأبلغ أمير المؤمنين رسالةً ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب
فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب
فإنك إن ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فطلبه عبد الملك، فهرب، فلحق بأمية بن عبد الله فأمنه ووفد معه إلى عبد الملك، وطلب فيه فأمنه وخلى سبيله.
أبو منيب الجرشي الأحدب
بضم الجيم، وفتح الراء، وكسر الشين المعجمة. حدث عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وحدث عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاث أحافظ عليهن: سبحة الضحى لا أدعها في
стр. 10400
حضر ولا سفر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على وتر، استكمل بذلك الدهر.
أبو المهاجر الدمشقي
روى عن أبي ذر الغفاري قال: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: كما لا تجتني من الشوك العنب، لا تنزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان فأيها أخذتم أدتكم إليه.
أبو المهاصر
من حرس عمر ين عبد العزيز. قال: كنت رسول عمر بن عبد العزيز إلى عماله، فبعثني بعض عماله، فلما أقبلت نظر إلي وتمثل: من الطويل
أخا سفر جواب أرضٍ تقاذفت ... به فلوات؛ فهو أشعث أغبر
ما ورائك؟ قلت: خيراً يا أمير المؤمنين. فسألني عن الأسعار فأخبرته، وسألني عن القاضي والوالي فأخبرته، ثم أخرجت جراب مسك بعث به إليه معي، فلما وجد ريحه أمسك أنفه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن له وزناً فليس ريحه من وزنه شيئاً. فقال: إنما ينتفع منه بريحه، فأكره أن أجد ريحه.
٢١٥٩ - ابن أبي محجن الثقفي دخل ابن أب محجن على معاوية. فقال معاوية: أبوك الذي يقول: من الطويل
إذا مت فادفني إلى أصل كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
فقال: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: ما هو؟ قال: قوله من البسيط
следующие страницы →