← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

الثوري، ثم قال: سمعت أخي سفيان الثوري يقول: ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة، وحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه. قال يحيى بن يحيى: إن كان أحد قد بقي من الأبدال فحسين الجعفي منهم، وأبو معاوية الأسود. قال يحيى بن معين: رأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها فقيل له: يا أبا معاوية، إنك تكسى خيراً من هذا. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا إذا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. وقال: كان أبو معاوية يخرج فيلتقط أسفل جزرة أو شيئاً مطروحاً، لقمة أو عدداً، فيجمع من هذا ثم يطبخه فيأكله. وكان رجل صدق، وكان يقول: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا إذا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة. ثم قال يحيى بن معين: صدق والله، ما ضر رجلاً أتقى الله على ما أصبح وأمسى من أمر الدنيا، وما الدنيا إلا كحلم. لقد حججت وأنا ابن أربع وعشرين سنة. خرجت راجلاً من بغداد إلى مكة، هذا منذ خمسين سنة، كأنما كان أمس. أغلظ رجل لأبي معاوية بالكلام وهو لا يعرفه فقال له أبو معاوية: أستغفر الله من ذنبٍ سلطك به علي. كان أبو معاوية ذهب بصرة، فإذا أراد أن يقرأ نشر المصحف فيرد الله عليه بصره، فإذا أطبق المصحف ذهب بصره. قال أبو الزاهرية: قدمت طرطوس، فدخلت على أبي معاوية الأسود وهو مكفوف البصر، وفي منزله مصحف معلق. فقلت: رحمك الله، مصحف وأنت لا تبصر؟ قال: تكتم علي يا أخي حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: إني إذا أردت أن أقرأ فتح بصري. قال أحمد بن أبي الحوري: قلت لأبي معاوية الأسود: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل الله ألا يسلبناه. قال: يحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه.

стр. 10397

وقال أبو معاوية: الله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها، أو يستعمل بعمل إلا قبله. وقال أبو معاوية: بادر قبل نزول ما تحاذر، وقدم صالح الأعمال، ودع عنك كثرة الأشغال، لا تهتم بأرزاق من تخلف، فليست أرزاقهم تكلف. جاء قوم إلى أبي معاوية، قالوا: ادع الله لنا. قال: اللهم، ارحمني بهم، ولا تحرمهم بي. قال أبو معاوية: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه؛ من خاف الوعيد لهي في الدنيا عما يريد؛ من خاف ما بين يديه، ضاق ذرعه بما في يديه؛ إن كنت يا أبا معاوية تريد لنفسك الجزيل فلا تنم بالليل ولا تقيل؛ وطن نفسك للمقال إذا وقفت غداً للسؤال. قال أبو معاوية: إن لكل شيء نتاجاً، ونتاج العمل الصالح الحزن، المحزون بأمر الله في علو من الله. قال أبو معاوية: إذا قال الرفيق للرفيق: أين قصعتي؟ فليس برفيق. خرج أبو معاوية الأسود من الشام إلى مكة، إلى فضيل بن عياض يعزيه بابنه علي، ولم يخرج لحج ولا عمرة. أبو المعطل مولى بني كلاب. أدرك معاوية وحكى عنه. قال: مر بنا أبو معاوية ونحن في المكتب يعود درة في نحوٍ من عشرة، فقال لنا المعلم: ما سلمتم على أمير المؤمنين، إذا رجع فسلموا عليه. فلما رجع قمنا إليه فقلنا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: اللهم بارك في ذراري أهل الإسلام. اللهم بارك في ذراري أهل الإسلام.

стр. 10398

أبو معين الرازي اسمه الحسين بن الحسن، ويقال: محمد بن الحسين. أحد الحفاظ. حدث عن عبد الرحمن بن عبد الملك الحزامي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لو كان المؤمن في جحر ضب لقيض الله له فيه من يؤذيه. قال أبو معين: أردت الحجامة يوم السبت، فقلت للغلام: ادع لي الحجام. فلما ولى الغلام ذكرت خبر النبي ﷺ : من احتجم يوم السبت فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه. فدعوت الغلام، ثم تفكرت فقلت: هذا حديث في إسناده بعض الضعف، فقلت للغلام: ادع لي الحجام. فدعاه فاحتجمت، فأصابني البرص، فنذرت لله نذراً لئن أذهب الله ما بي من البرص لم أتهاون في خبر النبي ﷺ صحيحاً أو سقيماً. فأذهب الله عني ذلك البرص. أبو المغيرة الصوفي الدمشقي قال: رأيت ثمامة بن حنظلة الصوفي وقد نظر إلى غلام، فتنفس نفساً كادت نفسه أن تخرج. فقلت له في ذلك. فقال: إني نظرت إلى وجه رددت فيه طرفي، وأجلت فيه فكري، فلم أر امرأ يمكن واصف أن يجده، ولا ممثل أن يصوره، ثم مثلته لقلبي وقد أقام في قبره ثلاثاً، فكادت نفسي تذهل، وعقلي يذهب. أبو منبه إن لم يكن عمر بن منبه. ويقال: ابن مزيد السعدي، فهو غيره. قال: قال عمر بن عبد العزيز: إن الحجاج لما بنى واسط إنما بناها إضراراً بالمصرين. يعني: الكوفة والبصرة. قال: وقد أردت أن أهدم مسجدها، وأرد كل قوم إلى وطنهم.

стр. 10399

فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بها قوماً ولدوا بها لا يعرفون غيرها، ومسجد جماعة يقرأ فيه القرآن. فسكت. أبو منهال الخارجي شاعر وفد على عبد الملك بن مروان. وقال لعبد الملك: من الطويل فأبلغ أمير المؤمنين رسالةً ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب فإنك إن ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فطلبه عبد الملك، فهرب، فلحق بأمية بن عبد الله فأمنه ووفد معه إلى عبد الملك، وطلب فيه فأمنه وخلى سبيله. أبو منيب الجرشي الأحدب بضم الجيم، وفتح الراء، وكسر الشين المعجمة. حدث عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وحدث عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاث أحافظ عليهن: سبحة الضحى لا أدعها في

стр. 10400

حضر ولا سفر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على وتر، استكمل بذلك الدهر. أبو المهاجر الدمشقي روى عن أبي ذر الغفاري قال: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: كما لا تجتني من الشوك العنب، لا تنزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان فأيها أخذتم أدتكم إليه. أبو المهاصر من حرس عمر ين عبد العزيز. قال: كنت رسول عمر بن عبد العزيز إلى عماله، فبعثني بعض عماله، فلما أقبلت نظر إلي وتمثل: من الطويل أخا سفر جواب أرضٍ تقاذفت ... به فلوات؛ فهو أشعث أغبر ما ورائك؟ قلت: خيراً يا أمير المؤمنين. فسألني عن الأسعار فأخبرته، وسألني عن القاضي والوالي فأخبرته، ثم أخرجت جراب مسك بعث به إليه معي، فلما وجد ريحه أمسك أنفه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن له وزناً فليس ريحه من وزنه شيئاً. فقال: إنما ينتفع منه بريحه، فأكره أن أجد ريحه. ٢١٥٩ - ابن أبي محجن الثقفي دخل ابن أب محجن على معاوية. فقال معاوية: أبوك الذي يقول: من الطويل إذا مت فادفني إلى أصل كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها فقال: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: ما هو؟ قال: قوله من البسيط

стр. 10401

لا تسأل القوم: ما مالي وما حسبني ... وسائل القوم: ما حزمني وما خلقي القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق قد أركب الهول مسدولاً عساكره ... وأكتم السر فيه ضربة العنق أعطي السنان غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق ابن مقبل شاعر، شهد صفين مع معاوية، وكان يمدح أهل الشام، ويحث على الطلب بدم عثمان، ويعرض بعلي ﵄، وكان النجاشي في عسكر علي، فمن قول ابن مقبل للنجاشي: من الطويل ولو شهدت أم النجاشي ضربنا ... بصفين فدتنا بكل مكان ولو كنت وجه الخنفساء شهدتنا ... حملت قناة غير ذات سنان فأجابه النجاشي: من الطويل وما دفنت قتلى سليم وعامرٍ ... بصفين حتى حكم الحكمان ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني إذا قلت أطراف الرماح ينشنه ... مرته به الساقان والقدمان

стр. 10402

أسماء النساء على حرف الميم أم محمد بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كانت زوج يزيد بن معاوية. خطب يزيد بن معاوية بنت عبد الله بن جعفر ذي الجناحين إلى أبيها، فزوجه، فلما أهديت إليه من المدينة إلى الشام خرج فتلقاها، وأنشأ يقول: من الطويل جاءت بها دهم البغال وشهبها ... مسترة في جوف قر مستر مقابلة بين النبي محمد ... وبين علي والجواد بن جعفر منافية غراء جادت بودها ... لعبد مناف أغر مشهر فلما بلغت أبياته عبد الله بن جعفر قال: ما أراه ينسي نفسه في كل حال. أم مروان بنت مروان بن محمد بن مروان بن الحكم كانت مع أبيها لما خرج من دمشق هارباً إلى مصر، فلما قتل أبوها ألقي رأسه في حجرها، ثم خرجت إلى المغرب مع أخويها عبد الله وعبيد الله، ولقيت ما لقياه من الشدائد، ورجعت إلى العراق وسكنت الحيرة. وقيل: بل أتي بها إلى أبي العباس، فحبست ثم أطلقت. وكانت صابرة على المشي والعطش كصبر الرجال.

стр. 10403

أم مسكين بنت عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب امرأة يزيد بن معاوية. تزوج يزيد بن معاوية أم مسكين، فغارت امرأته أم هاشم، وقعدت تبكي، فقال يزيد: من الرجز مالك أم هاشم تبكين ... باعت على بيعك أم مسكين ميمونة من نسوة ميامين ... زارتك من يثرب في حوارين في منزل كنت به تكونين أم مسلم الخولانية زوج أبي مسلم الخولاني، وزوج عمرو بن عبد الخولاني بعد أبي مسلم. سئلت: أي الرجلين أفضل؟ قالت: أما أبو مسلم فإنه لم يكن يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه. وأما عمرو بن عبد فإنه كان ينار عليه في محرابه، حتى إني كنت أختدم على ضوء نوره من غير مصباح. قالت أم مسلم لأبي مسلم: قد حضر الشتاء، وليس لنا كسوة ولا طعام ولا إدام ولا حذاء ولا حطب. قالت: تخبره بحاجتك وجهدنا. قال: ويحك! إني لأستحي أن أطلب حاجتنا إلى غير الله . فلما أكثرت عليه قال: ويحك! جهزيني. قال: ثم عمد إلى المسجد فقال: إلهي، إن أم مسلم بعثتني إلى معاوية، وأنا إنما خرجت إليك، وأنت تعرف حاجتي. ومكث يومه ذلك في المسجد، فلما صلى الناس العشاء الآخرة، وخلا له المسجد جثا على ركبتيه ثم قال: اللهم، قد تعرف حالي فيما بيني وبينك، وقد سمعت مقالة أم مسلم

стр. 10404

وقد بعثتني إلى معاوية، وأنت تعرف أي شيء طلبت وقالت، وخزائن الدنيا كلها بيدك، وإنما معاوية خلق من خلقك، وقد أعطيته ما أعطيته، وإنما أسألك من خيرك الكثير اليسير، فاكس إلهي صبياني قمصاً وخفافاً وفراء، واكس زوجتي قميصين ودرعاً وخماراً وعجل لنا الساعة براً وعدساً وزيتاً وحطباً، وارزقني برنساً خفيفاً دفيئاً أصلي لك فيه، وارزقني فرساً حصاناً وساعاً جواداً طاهر الخلق، إن طلبت العدو عليه أدركته، وإن طلبوني لم يدركوني، وعجل ذلك لي الساعة، فإن خزائنك لا تنفذ، وخيرك لا ينقص، وأنت بي عالم، قد تعلم أنك أحب إلي من سواك، فإن تعطني هذا الساعة حمدتك عليه كثيراً، وإن تمنعنيه فلك الحمد كثيراً. قال: ورجل من آل معاوية في المسجد يسمع مقالته، فخرج يشتد حتى دخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، عجباً سمعته آنفاً في المسجد، رجل يناجي ربه كما يناجي الإنسان الإنسان، يسأله في دعائه قمصاً وفراء وخفافاً وبراً وعدساً وزيتاً وحطباً وفرساً حصاناً وبرنساً خفيفاً فهل سمعت بعجب مثل هذا؟ قال: ويحك، وهل تدري من هذا؟ هذا أبو مسلم، أليس قد أحصيت ما قال؟ قال: بلى، قال: فأضعفوا له كل ما سأل، وعجلوا به الساعة إلى منزله ولا يصبحن إلا وهذا الشيء في منزله، من كل شيء اثنان. فحمل هذا كله إلا الفرس، فإنه لم يصب في مربط معاوية إلا فرس واحد على ما وصف، فلما قدمت هذه الأشياء على أم مسلم أقبلت تحسن الثناء على معاوية، وتقول: لم أزل أعاتب الشيخ في إتيانه فيأبى علي. فلما صلى أبو مسلم الغداة انصرف وهو واثق بربه. فلما أتى البيت أصابه مملوءاً سواداً، فقالت له أم مسلم: ألا ترى ما أهدى إليك أمير المؤمنين؟ قال: ويح البعداء، لقد كفرت النعمة، ولم تشكري الرازق. والله ما أتيت لمعاوية داراً، ولا كلمت له حاجباً ولا رفعت إليه حاجة، وما هذا إلا قسم من الله أهداه إلينا، فلله الحمد كثيراً كثيراً. قال أبو مسلم: يا أم مسلم، سوي رحلك، فإنه ليس على جسر جهنم معبر.

стр. 10405

حرف النون أبو نصر بن أبي الفرج ابن أبي الفتح ويقال أبو نصر بن أبي الفتح كشاجم محمد بن محمود بن الحسين ابن السندي بن شاهك، الكاتب الشاعر له في وصف كتاب: من مجزوء البسيط وصاحب مؤنس إذا حضرا ... جالسني بالملوك والكبرا جسم موات تحيا النفوس به ... يجل معنىً وإن دنا نظرا ملكت منه كنزاً غنيت به ... فما أبالي ما قل أو كثرا وإن أطفل به فيا لك من ... مستحسن منظراً ومختبرا أعجب به جامعاً وإن جعلت ... عليه كف الجليس لاستترا ومن شعره: من الخفيف غبط الناس بالكتابة قوماً ... حرموا حظهم بحسن الكتابة وإذا أخطأ الكتابة حظ ... سقطت تاؤه فصارت كآبة

стр. 10406

أبو نصر البرمكي شاعر محسن قال يصف الناعورة، وأجاد: من الكامل وكريمة غذت الرياض بدرها ... فغدت تنوب على الغمام الهامع تصل الدؤوب بليلها ونهارها ... فإذا انتهت أبدت لجاجة راجع بلباس محزون وأدمع مدنف ... ومسير مشتاق وأنة جازع فكأنها فلك يدور وعلوه ... يرمي القرار بكل نجم طالع وله في حمام: من الخفيف عدتي للمهم من أوطاري ... والتذاذي في خلوتي وسراري مجلس تؤنس النفوس به الوح ... شة إلا من صاحب مختار شامخات قبابه كسماءٍ ... طالعتنا أقمارها بنهار هو حمامنا التي نحن فيها ... جمعت من بدائع الأفكار ألفوها من كل ضد ينافي ... ضده واتفقنا للإضطرار راحة من وجود كرب وستر ... في انتهاك وجنة في نار ابن ناصح قال الأوزاعي: أتاني شعيب بن إسحاق، وابن أبي مالك وابن علاق وابن ناصح فقالوا: قد أخذنا عن أبي حنيفة شيئاً فانظر إليه، فلم يبرح بي وبهم حتى أريتهم فيما جاءوني به أنه قد أحل لهم الخروج على الأئمة.

стр. 10407

ابن نمر إما أن يكون ابناً لعبد الرحمن بن نمر اليحسبي، أو يكون محمد بن عبد الرحمن بن نمران، فسقط منه الألف والنون. حدث عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: جعل رجل على عهد رسول الله ﷺ غلاماً له لم يكن له مال غيره حراً من بعده، فأخذ النبي ﷺ العبد فباعه ثم أعطاه صاحبه، ثم قال: أنت إلى ثمنه أحوج، والله عنه أغنى.

стр. 10408

حرف الواو أبو واثلة الهذلي حدث شهر بن حوشب الأشعري، عن رابه؛ رجل من قومه كان خلف على أمه بعد أبيه، كان شهد طاعون عمواس قال: لما اشتعل الوجع فذكر حديثاً فيه: فلما مات يعني معاذاً استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فينا خطيباً، فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع، فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبلوا منه في الجبال. فقال له أبو واثلة الهذلي: كذبت والله؛ لقد صحبت رسول الله ﷺ ، وأنت شر من حماري هذا! قال: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله، لا نقيم عليه. ثم خرج وخرج الناس، وتفرقوا عنه، ورفعه الله عنهم. أبو واقد الحارث بن عوف ويقال: عوف بن الحارث، ويقال: الحارث بن مالك بن أسيد بن جابر بن عبد مناة، الليثي. له صحبة. قال أبو واقد: بينا نحن جلوس مع رسول الله ﷺ في حلقة إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس، وأما رجل فجلس خلف الحلقة، وأما رجل فانطلق. فقال النبي ﷺ : ألا أحدثكم عن خبر هؤلاء الثلاثة؟ أما هذا الذي جلس في الحلقة فرجل أوى وفي حديث: آوى إلى الله. فآواه الله، وأما الذي جلس خلف الحلقة، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الذي أعرض، فأعرض الله عنه.

стр. 10409

وعن أبي واقد قال: قدم النبي ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنام الإبل ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة. وعن أبي واقد أنه شهد اليرموك قال: رأيت الرجل من العدو يسقط فيموت. فقلت في نفسي: لو أني أضرب أحدهم بطرف ردائي ظننت أنه سيموت. وفي حديث بمعناه: فقالت أسماء بنت أبي بكر للزبير: يا أبا عبد الله، والله إن كان الرجل من العدو ليمر يسعى فتصيب قدمه عروة أطناب خبائي فيسقط على وجهه ميتاً ما أصابه السلاح. وعن أبي واقد الليث قال: إني لمع عمر بالجابية إذ جاءه رجل فقال: عبدي زنا بامرأتي، وهي هذه تعترف، قال أبو واقد: فأرسلني عمر إليها في نفر معي فقال: سل امرأة هذا عما قال. فانطلقت، فإذا جارية حديثة السن قد لبست ثيابها قاعدة على فنائها فقلت لها: إن زوجك جاء أمير المؤمنين فأخبره أنك زنيت بعبده، فأرسلنا أمير المؤمنين نسألك عن ذلك. قال أبو واقد: إن كنت لم تفعلي فلا بأس عليك. فصمتت ساعة، فقلت: اللهم، أفرج فاها عما شئت اليوم أبو واقد القائل فقالت: والله لا أجمع فاحشة وكذباً، ثم قالت: صدق. فأمر بها عمر فرجمت. وشهد أبو واقد بدراً مع سيدنا رسول الله ﷺ ، وبقي بعد النبي ﷺ زماناً، وخرج إلى مكة وجاور بها سنة، ومات بها. فدفن في مقبرة المهاجرين وإنما سميت مقبرة المهاجرين لأنه دفن فيها من كان هاجر إلى المدينة. حج أو جاور. وقيل: لم يشهد بدراً. والصحيح أنه أسلم عام الفتح، لأنه شهد على نفسه أنه كان مع النبي ﷺ بحنين: ونحن حديثو عهد بكفر.

стр. 10410

وقد روي عنه أنه قال: إني لأتبع يوم بدر رجلاً من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله. قالوا: وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه وصفهم صفوفاً يوم حنين. ووضع الرايات والألوية في أهلها فسمى حامليها فقال: ومع بني صخرة وليث بن سعد راية يحملها أبو واقد الليثي الحارث بن مالك. وعن أبي واقد قال: تابعنا الأعمال فلم نجد شيئاً أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا. وعن أبي واقد قال: ما وجدنا شيئاً أعود على أخلاق الإيمان من الزهادة. وتوفي أبو واقد سنة ثمان وستين وهو ابن خمس وستين سنة. وقيل: سبعون. وقيل: خمس وثمانون. وقيل: توفي سنة خمس وستين. أبو الوزير بن النعمان ابن المنذر الغساني حدث عن أبيه، عن مكحول بسنده قال: قال رسول الله ﷺ : أمتي على خمس طبقات، وأنا ومن معي إلى أربعين سنة أهل نبوة وهدى، والطبقة الثانية إلى ثمانين سنة أهل بر وتقى، والطبقة الثالثة إلى عشرين ومئة سنة أهل تواصل وتراحم، والطبقة الرابعة إلى ستين ومئة أهل تقاطع وتدابر، والطبقة الخامسة إلى مئتي سنة أهل هرج، فالهرب أهل هرج فالهرب.

стр. 10411

أبو الوليد رفيق بن إبراهيم بن أدهم. قال أبو الوليد: كان إبراهيم بن أدهم وأصحابه يمنعون أنفسهم أربعاً: لذاذة الماء، والحذاء، والحمامات، ولا يجعلون في الملح إبزارات. ابن وبرة الكلبي حدث عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتى بسكران، فأمر رسول الله ﷺ من كان عنده أن يضربوه بما في أيديهم، وحثى رسول الله ﷺ عليه التراب. فلما كان أبو بكر أتى بسكران. فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. فروى ابن وبرة قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته وهو في المسجد معه عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وطلحة، والزبير، متكئون معه في المسجد فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة. فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسلهم فقال علي: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. فكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين، ثم جلد عثمان أيضاً ثمانين وأربعين.

стр. 10412

حرف الهاء أبو هاشم قيل اسمه خالد، ويقال: شيبة، ويقال: هاشم ويقال: عتبة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. عن أبي هريرة أنه أقبل حتى نزل بدمشق على آل أبي كلثم الدوسي، ثم أتى المسجد، فجلس في غربيه، فتذاكروا الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ . وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فقال: أنا أعلم لكم ذلك. فأتى رسول الله ﷺ وكان جرياً عليه فاستأذن، فدخل عليه، ثم خرج، فأخبرنا أنها صلاة العصر. قال سمرة بن سهم: دخلت على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين، فدخل عليه معاوية يعوده فبكى. فقال معاوية: ما يبكيك، أوجع يشئزك أم على الدنيا؟ فقد ذهب صفوها. فقال: على كل لا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهداً وددت أني اتبعته. قال: لعلك أن تدرك أموالاً تقسم بين أقوام، وإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله. فوجدت فجمعت. أسلم أبو هاشم يوم فتح مكة، وخرج إلى الشام فنزلها إلى أن مات بها. وكان ينزل دمشق وكانت ذهبت عينه يوم اليرموك.

стр. 10413

وكان له شارب يعقده خلف قفاه. قال حسان: فقلت: ما بال شاربك وقد جاء عن النبي ﷺ في إحفاء الشوارب ما جاء؟ فقال: إني كنت أخذت شاربي، فأتيت النبي ﷺ ، فأمر يده علي فقال: متى أخذت شاربك؟ قلت الساعة. قال: فلا تأخذه حتى تلقاني. فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن ألقاه، فلن آخذه حتى ألقاه. ولما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقال له أصحابه: ما يبكيك يا أبا هاشم وأنت تلحق برسول الله ﷺ ، وبإخوانك؟ فقال لهم: ما ذاك أبكاني، ولكنه أبكاني هول المطلع. أبو هريرة الدوسي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ . اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً. كان اسمه في الجاهلية عبد شمس بن صخر، وكنيته أبو الأسود. فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكناه بأبي هريرة. وقيل: سمي في الإسلام عبد الرحمن. وإنما كني بأبي هريرة لأنه كان يرعى غنماً لأبيه فوجد أولاد هرة. قال: فجعلتها في كمي، فلما أرحت عليه غنمه سمع أصوات هر في صفتي فقال: ما هذا يا عبد شمس؟ فقلت: أولاد هر وجدتها. قال: فأنت أبو هريرة. فلزمتني. وكان وسيطاً في دوس، حيث يحب أن يكون منهم. وقيل: إنه لما أسلم سمي عبد الله بن عامر بن عبد البشر، والبشر: صنم كان بأرضهم. ويقال: كان اسمه عبد نهم، وعبد غنم، ويقال: سكين ويقال: جرثوم. ويقال: عبد العزى، وقيل: سكين بن وذمة، قيل ابن مل. وقيل: ابن هانئ، وفيه اختلاف. شهد اليرموك، وقدم دمشق في خلافة معاوية، وحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئاً، ولا يفطن بمكانه فيعطى.

стр. 10414

وحدث أنه ﷺ قال: قال الله : الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي. والصوم جنة، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى الله، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وحدث أنه ﷺ قال: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل. وعن أبي هريرة أنه قال في بيت أم الدرداء: ثلاث هن كفر: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب. وكان أبو هريرة قاضياً بالمدينة. وقيل: كان اسمه سعد بن الحارث. وقيل: كان اسمه عبد ياليل، وقيل: برير بن عشرقة، وقيل: عبد تيم. وكان ينزل ذا الحليفة، وله دار بالمدينة تصدق بها على مواليه، فباعوها بعد ذلك من عمر بن بزيع. وكان سعد بن صفيح خال أبي هريرة من أشد أهل زمانه، فكان لا يأخذ أحداً من قريش إلا قتله بأبي أزيهر الدوسي. وكان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وألزمهم له. وروى عنه: ابن عباس وأنس بن مالك وابن عمر وواثلة بن الأسقع في ثمان مئة رجل أو أكثر من أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ . صحبه على شبع بطنه، فكان يده مع يده، يدور معه حيثما دار، إلى أن مات رسول الله ﷺ . وكان من أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ وآثاره. دعا له النبي ﷺ بأن يحببه إلى المؤمنين من عباده.

стр. 10415

كان إسلامه بين الحديبية وخيبر. قدم المدينة مهاجراً وأسلم والنبي ﷺ بخيبر، فشهد فتح خيبر ولم يسهم له، سكن الصفة، ولم يشتغل بالصفق في الأسواق، ولا بغرس الودي، وقطع الأعذاق. لزم النبي ﷺ ثلاث سنين، مختاراً العدم، وكان يشهد إذا غابوا، ويتحفظ إذا نسوا بسط نمرته للنبي ﷺ حتى أفرغ فيها من حديثه فجمعها إلى صدره. فصار للعلوم واعياً، ومن الهموم خالياً. كان من الذاكرين لله كثيراً. قال محمد بن قيس: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، كناني رسول الله ﷺ أبا هر. قال: ثكلتك أمك أبا هر. والذكر خير من الأنثى. قال ابن خثيم لعبد الرحمن: صف لي أبا هريرة فقال: رجل آدم، بعيد ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. قال قرة بن خالد: قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مخشوشناً؟ قال: لا، بل كان ليناً. قلت: فما كان ثوبه؟ قال: كان أبيض. قلت: هل كان يخضب؟ قال: نعم، نحو ما ترى. وأهوى محمد بيده إلى لحيته وهو حمراء. قلت: فما كان لباسه؟ قال: نحو ما ترى. قال: وعلى محمد ثوبان ممشقان من كتان. قال: وتمخط يوماً فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟! وعن أبي العالية قال: لما أيلم أبو هريرة قال له رسول الله ﷺ : ممن أنت؟ قال: من دوس. فوضع رسول الله ﷺ يده على جبينه ثم نفضها وقال: ما كنت أرى من دوس أحداً فيه خير. وعن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ، فاستخلف سباع بن عرفطة على المدينة. قال أبو هريرة:

стр. 10416

وقدمت المدينة مهاجراً، فصليت الصبح وراء سباع، فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، وفي الآخرة " ويل للمطففين " فقال أبو هريرة: فقلت: ويل لأبي فل؛ لرجل كان بأرض الأزد، وكان له مكيالان: مكيال يكتال به لنفسه، ومكيال يبخس به الناس. قال قيس: أتينا أبا هريرة نسلم عليه. فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول، قال: صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، فما كانت سنوات قط أعقل منهن ولا أحب إلي أن أعي ما يقول فيهن الحديث. وعن أبي هريرة قال: لقد رأيتني وأنا أصرع بين القبر والمنبر حتى يقول الناس: مجنون، وما بي جنون، إن هو إلا الجوع. وعن أبي هريرة قال: كنت في الصفة يعني من أصحاب الصفة فبعث إلينا رسول الله ﷺ بتمر عجوة. فكنا نقرن التمرتين من الجوع. فكان أحدنا إذا قرن يقول لصاحبه: إني قد قرنت فاقرنوا. وعن أبي هريرة قال: كان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال، ووالله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، وما أسأله إلا ليستتبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما أسأله إلا ليستتبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وقال: أبا هر! فقلت: لبيك يا رسول الله، فقال: الحق. ومضى فاتبعته، ودخل منزله، فاستأذنت فأذن لي، فوجد لبناً في قدح. فقال: من أين هذا اللبن لكم؟ فقيل: أهداه لنا فلان. فقال رسول الله ﷺ : أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق إلى أهل

стр. 10417

الصفة فادعهم لي وهم أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم فأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك وقلت: هذا القدح بين أهل الصفة، وأنا رسوله إليهم، فسيأمرني أن لأدور به عليهم، فما عسى أن يصيبني منه، وقد كنت أرجو أن أصيب منه ما يغنيني؟! ولم يكن بد من طاعة الله وطاعة رسوله، فأتيتهم فدعوتهم، فلما دخلوا عليه، فأخذوا مجالسهم قال: أبا هر، خذ القدح فأعطهم، فأخذت القدح، فجعلت أناوله الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرده، فأناوله الآخر حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ وقد روي القوم كلهم فأخذ رسول الله ﷺ القدح، فوضعه على يده، ثم رفع رأسه إلي فتبسم وقال: أبا هر. فقلت: لبيك يا رسول الله. فقال: اقعد واشرب. فشربت. ثم قال: اشرب فشربت ثم قال: اشرب. فلم أزل أشرب، ويقول: اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكاً. فأخذ القدح، فحمد الله وسمى وشرب. وعن أبي هريرة قال: كنت من أصحاب الصفة، فظللت صائماً، فأمسيت وأنا أشتكي بطني، فانطلقت لأقضي حاجتي، فجئت وقد أكل الطعام وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام إلى أهل الصفة فقلت: إلى من؟ فقلت: إلى عمر بن الخطاب، فأتيته وهو يسبح بعد الصلاة، فانتظرته، فلما انصرف دنوت منه فقلت: أقرئني وما أريد إلا الطعام قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فأبطأ. فقلت: ينزع ثيابه، ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئاً، فلما طال علي قمت فمشيت، فاستقبلني رسول الله ﷺ فكلمني فقال: يا أبا هر، إن خلوف فيك شديد. فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائماً وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه. قال: فانطلق. فانطلقت معه، حتى أتى بيته، فدعا جارية له سوداء فقال: ائتنا بتلك القصعة، فأتتنا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيراً قد أكل فبقي في جوانبها بعضه وهو يسير. فسميت وجعلت أتتبعه، فأكلت حتى شبعت.

стр. 10418

قال أبو هريرة: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد لم يخرجني إلا الجوع، فوجدت نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا هريرة، ما أخرجك هذه الساعة؟ فقلت: ما أخرجني إلا الجوع. فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقال: ما جاء بكم هذه الساعة؟ فقلنا: يا رسول الله، جاء بنا الجوع. قال: فدعا رسول الله ﷺ بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين فقال: كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما من الماء، فإنهما سيجزيانكم يومكم هذا. فأكلت، وجعلت تمرة في حجري، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة، لم رفعت هذه التمرة؟ فقلت: رفعتها لأمي. فقال: كلها، فإنا سنعطيك لها تمرتين، فأكلتها، فأعطاني لها تمرتين. قال أبو هريرة: أصابني جهد شديد، فلقيت عمر بن الخطاب، فاستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وقنحها علي، قال: فمشيت غير بعيد، فخررت لوجهي من الجهد، فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسي فقال: يا أبا هريرة. فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي بعس من لبن، فشربت منه، ثم قال: عد يا أبا هريرة، فعدت، فشربت منه، ثم قال: عد يا أبا هريرة. فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح. قال: ورأيت عمر فذكرت له الذي كان من أمري. فقلت له: ولى الله من كان أحق به منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الآيات، ولأنا أقرأ لها منك. قال عمر: والله لأن أكون قد أدخلتك أحب إلي من أن تكون لي حمر النعم. حدث أبو هريرة أنه أتى عليه ثلاثة أيام ولياليهن صائماً لا يقدر على شيء فانصرفت وراء أبي بكر، فسألني: كيف أنت يا أبا هريرة؟ فانصرفت وعلمت أنه ليس عنده شيء. قال: ثم انصرفت وراء عمر عشاءً فسألني: كيف أنت يا أبا هريرة؟ فانصرفت وعلمت أنه

стр. 10419

ليس عنده شيء. ثم انصرفت وراء علي عشاء بعد المغرب وقال: أدلك يا أبا هريرة. فقال: فأي فرح فرحت قال: فقال علي: يا بنت رسول الله اطوي بطنك الليلة، فإن عندنا ضيفاً. قال: فجاء بخبزتين مثل هاتين، وأشار بيده روح من أطراف الأصابع إلى نصف الكف. قال: وقام علي إلى المصباح كأنه يصلحه فأطفأه، وحركا أفواههما وليس يأكلان شيئاً. قال: فأتيت رسول الله ﷺ ، هل من شيء؟ قال: فخرج من تحت فخذها مزوداً مثل تيه وقال بكفه هذا من أطراف أصابعه إلى أصل الكف، وفيه كف من سويق وخمس تمرات فأكلتهن ولم يقعن مني موقعاً. قال أبو كثير: حدثني أبو هريرة وقال: والله ما خلق الله مؤمناً يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. قلت: وما أعلمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت امرأة مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى علي، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فكانت تأبى علي، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهد أم أبي هريرة. فخرجت أعدو لأبشرها بدعاء رسول الله ﷺ ، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف وسمعت خضخضة الماء، وسمعت خشف رجل يعني وقعها فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن مارها. فقالت: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فرجعت إلى رسول الله ﷺ أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن. فقلت: يا رسول الله، أبشر فقد استجاب الله دعاءك فقد هدى أم أبي هريرة. فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. فقال رسول الله ﷺ : اللهم، حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم

стр. 10420

إليهما. فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما محمد بشر، أغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، فأيما رجل من المسلمين آذيته أو شتمته أو جلدته، فاجعلها له قربة تقربه بها عندك يوم القيامة. قال أبو هريرة: لقد رفع علي رسول الله ﷺ يوماً الدرة ليضربني بها، لأن يكون ضربني بها أحب إلي من حمر النعم، ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمناً وأن تستجاب لرسول الله ﷺ دعوته. حدث رجل من الطفاوة قال: نزلت على أبي هريرة قال: ولم أدرك من صحابة رسول الله ﷺ رجلاً أشد تشميراً، ولا أقوم على ضيف منه، فبينا أنا عنده وهو على سريرٍ له، وأسفل منه جارية سوداء، ومعه كيس فيه حصى أو نوى يقول: سبحان الله، سبحان الله. حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فجعلته في الكيس ثم دفعته إليه فقال لي: ألا أحدثك عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى قال: فإني بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقال: من أحس الفتى الدوسي؟ من أحس الفتى الدوسي؟ فقال: له قائل: هو ذاك، يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء، فوضع يده علي وقال لي معروفاً. فقمت، وانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه، ومعه يومئذٍ صفان من رجال، فأقبل عليهم فقال: إن نساني الشيطان شيئاً من صلاتي، فليسبح القوم، وليصفق النساء، فصلى رسول الله ﷺ ، ولم ينس من صلاته شيئاً. فلما سلم أقبل عليهم بوجهه فقال: مجالسكم، هل فيكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا، وفعلت بأهلي كذا؟ فسكتوا، فأقبل على النساء

стр. 10421

فقال: هل منكن من تحدث؟ فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها، وتطاولت ليراها رسول الله ﷺ ويسمع كلامها، فقالت: إي والله، إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثن. قال: فهل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة، فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه. ثم قال: ألا لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا إلى ولد أو والد. قال: وذكر ثالثة فنسيتها. ألا إن طيب الرجال ما وجد ريحه ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يوجد ريحه. وعن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحضرمي، فأوصاه بي خيراً، فلما فصلنا قال لي: رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيراً، فانظر ماذا تحب؟ قال: قلت: تجعلني أؤذن لك، ولا تسبقني بآمين. قال: فأعطاه ذلك. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله. قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلى القمل يدب عليها فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه قال: اجمعها، فصرها إليك. فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من رجل تعلم كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً مما فرض الله ورسوله، فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة. قال أبو هريرة: فما نسيت حديثاً بعد إذ سمعتهن من رسول الله ﷺ . وفي حديث بمعناه: وبسطت ثوبي، وجعل رسول الله ﷺ يحدث حتى انقضى حديثه، فضممت ثوبي إلى صدري. قال: فإني لأرجو أن أكون لم أنس حديثاً سمعته منه.

стр. 10422

وعن أبي هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي ﷺ ، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون عن النبي ﷺ مثل حديث أبي هريرة؟! وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصفة، ألزم النبي ﷺ على ما في بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون. وقد قال النبي ﷺ في حديث يحدثه يوماً: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثم يجمع إليه ثوبه إلى وعى ما أقول. فبسطت نمرة علي حتى إذا قضى النبي ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء. وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك أحاديث كثيرة فأنساها. قال: ابسط رداءك. فبسطته فغرف يديه فيه، فما نسيت بعد. وفي حديث بمعناه: وإنه حدثنا يوماً فقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم قبضه إليه، لم ينس شيئاً مما سمعه مني أبداً. ففعلت، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئاً سمعته منه. وعن عطاء أنه سمع أبا هريرة، والناس يسألونه يقول: لولا آية أنزلت في سورة البقرة ما أخبرت من شيء، لولا آية قال: " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ". جاء رجل زيد بن ثابت فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة. قال: بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن ندعو الله ونذكر ربنا فجلس إلينا فسكتنا فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك

стр. 10423

ما سأل صاحباي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال النبي ﷺ : آمين. فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علماً لا ينسى. فقال: سبقكما الغلام الدوسي. وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة، لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه. قال أبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن من أعبد الناس، وكن قنعاً تكن من أغنى الناس، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وإياك وكثرة الضحك فإن ذلك يقسي القلب يا أبا هريرة. جاء أبو هريرة فسلم على النبي ﷺ يعوده في شكواه، فأذن له، فدخل عليه فسلم وهو قائم، فوجد النبي ﷺ متسانداً إلى صدر علي، وقد مال علي بيده على صدره، ضامه إليه، والنبي ﷺ باسط رجليه فقال النبي ﷺ : ادن يا أبا هريرة. فدنا، ثم قال: ادن. فدنا حتى مس أطراف أصابع أبي هريرة أطراف أصابع النبي ﷺ . ثم قال له: اجلس يا أبا هريرة، فجلس. فقال له: ادن مني طرف ثوبك. فمد أبو هريرة ثوبه. فأمسكه بيده ففتحه وأدناه من وجه النبي ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : أوصيك يا أبا هريرة، خصال لا تدعهن ما بقيت قال: نعم، أوصني بما شئت. قال له: عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ ولا تله. أوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما وإن صليت الليل كله، فإن فيهما الرغائب قالها ثلاثاً ضم إليك ثوبك. فضم ثوبه إلى صدره.

стр. 10424

فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أسر هذا أم أعلنه؟ قال: بل أعلنه يا أبا هريرة. قال ثلاثاً. وعن أبي هريرة أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. وفي حديث آخر: ثلاث جرب حديث، أخرجت منها رابين، ولو أخرجت الثالث خرجتم علي بالحجارة. قال أبو هريرة: لو حدثت الناس بما أعلم لرموني بالخزق: وقالوا: مجنون. الخزق: بالزاي والقاف. وعن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي ﷺ كثير: بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي ﷺ بالحديث فلا يعرفه بعضهم ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذٍ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ . وعن أبي صالح قال: أبو هريرة لم يكن بأفضلهم، ولكنه كان رجلاً حافظاً. كان أبو هريرة يقول: رب كيسٍ عند أبي هريرة لم يفتحه. يعني من العلم. وعن سعيد بن أبي الحسن قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً من أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإن مروان زمن هو على المدينة أراد أن يكتب حديثه كله، فأبى وقال: ارو كما روينا، فلما أبى عليه تغفله وأقعد له كاتباً لقناً ثقفاً، ودعاه، فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب الكاتب حتى استفرغ حديثه أجمع، ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا

стр. 10425

حديثك أجمع؟ قال: وقد فعلت!! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي. فقرؤوه، فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني تمحه. قال: فمحاه. قال أبو الزعيزعة؛ كاتب مروان بن الحكم: إن مروان دعا أبا هريرة فأقعده خلف السرير، فجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده من وراء حجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر. وفي آخر بمعناه: فما غير حرفاً عن حرف. قال الشافعي ﵀: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وعن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي قبة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح. جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه وكعب في القوم فقال كعب: ما تريد منه؟ فقال: أما وإني لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني. فقال كعب: أما إنك لم تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوماً من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا. فقال: أنت كعب؟ فقال: نعم. فقال: لمثل هذا جئتك. وعن أبي هريرة قال: ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب. وقال أبو هريرة: إن أبا هريرة لا يكتم ولا يكتب. حدث عبيد الله بن أبي جعفر عن زوج أمه أنه قال لأبي هريرة: كيف حديث كنت حدثتنيه في كذا وكذا؟ قال أبو هريرة: ما أذكر أني حدثتك هذا، فانطلق إلى البيت، فإني لا أحدث حديثاً إلا هو عندي مكتوب. فانطلقت معه، فأخرج صحيفة صغيرة فيها ذلك الحديث وحده.

стр. 10426

قال: وجه الجمع بين هذه الحكاية والتي قبلها، أن أبا هريرة كان لا يكتب في حياة النبي ﷺ ويتكل على حفظه، لما خصه به رسول الله ﷺ من بسط ردائه كما تقدم. ثم كتب بعد النبي ﷺ ما كان حفظه عنه، ولولا أنه كان مكتوباً عنده لم يمكنه تقديره بوعاءين وثلاث جرب كما تقدم. أتى أبو هريرة كعباً، فجعل يحدثه ويسائله. فقال كعب: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة. وعن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة. وكان أبو هريرة يقول: إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال أبو هريرة: ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر. قال أبو سلمة: فسألته بم؟ قال: كنا نخاف السياط. وأومأ بيده إلى ظهره. وعن أبي هريرة قال: اتهمني عمر بن الخطاب قال: إنك تحدث عن رسول الله ﷺ ما لم تسمع منه. هل كنت معنا يوم كان رسول الله ﷺ في دار فلان؟ قال أبو هريرة: نعم، قد علمت لأي شيء تسألني، لأن رسول الله ﷺ قال يومئذٍ: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. فقال عمر: حدث الآن عن النبي ﷺ ما شئت. وعن سعيد المقبري قال: يقول الناس أكثر أبو هريرة، فلقيت رجلاً فقلت له: بأي سورة قرأ رسول الله ﷺ البارحة في العتمة؟ فقال: لا أدري. فقلت: ألم تشهدها؟ قال: بلى. قلت: ولكني أدري. قال أبو هريرة: قرأ بسورة كذا وكذا.

стр. 10427

كان أبو هريرة إذا مر بالسوق قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو هريرة. أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. فدعوا أبا هريرة يتبوأ مقعده من النار إن هو كذب على رسول الله ﷺ . قال الشعبي: حدث أبو هريرة، فرد عليه سعد، فتواثبا حتى قامت الحجزة، وأرتجت الأبواب بينهما. وعن نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط من الأجر. فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وعن ابن عمر أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد. فقال له ابن عمر: أبا هر، انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ ! فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه. وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: من امسك كلباً إلا كلباً ضارباً أو كلب ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط. فقيل له: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، قال: إن أبا هريرة رجل زراع.

стр. 10428

قول ابن عمر هذا لم يرد به التهمة لأبي هريرة، وإنما أراد أن أبا هريرة حفظ ذلك لأنه كان صاحب زرع، وصاحب الحاجة أحفظ لها من غيره، ولم يخرج ابن عمر هذا مخرج الطعن على أبي هريرة، ولا ظن به التزيد في الرواية لحاجته كانت إلى حراسة الزرع، ولم يذكره إلا تصديقاً لقول أبي هريرة وتحقيقاً له. والدليل على صحة ذلك فتيا ابن عمر بإباحة اقتناء كلب الزرع بعد ما بلغه خبر أبي هريرة. وأتى ابن عمر فرأى كلباً فقال: لمن هذا الكلب؟ فقيل: لامرأتين. قال: لضرع أو لزرع؟ قال: ليس لشيء منهما. قال: مرهما فليقتلاه. وقد روى عبد الله بن معقل، وسفيان بن أبي زهير عن رسول الله ﷺ إباحة اقتناء كلب الزرع كما رواه أبو هريرة. كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول أبو هريرة، ولكننا نجبن ويجترئ. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه. فقال له مروان بن الحكم: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟! قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر مما يقول شيئاً؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وعن علقمة قال: كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي يحدث أن امرأة عذبت في هرة، ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها؟ فقال: سمعته منه يعني النبي ﷺ . فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ذلك كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلئ شعراً.

стр. 10429

قالت عائشة: لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير من أن يمتلئ شعراً هجيت به. قال نافع: كنت مع ابن عمر في جنازة أبي هريرة وهو يمشي أمامها، ويكثر الترحم عليه، ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. وعن عمرو قال: قال لي طاوس: امش حتى نجالس الناس. قال: فنجلس إلى رجل يقال له بشير بن كعب العدوي فقال طاوس: رأيت هذا يجلس إلى ابن عباس فيحدث، فقال ابن عباس: كأني أسمع حديث أبي هريرة. قال: لعل ابن عباس إنما شبه حديث بشير بحديث أبي هريرة في الإكثار. وقد روى ابن عباس وطاوس عن أبي هريرة، ولو كان عندهما متهماً لم يرويا عنه. وعن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ ، يسمعني ذلك، وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم. وعن أبي حسان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا لها: إن أبا هريرة يقول: إن الطيرة في الدار والمرأة والفرس. فغضبت من ذلك غضباً شديداً، وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ﷺ ما قاله. إنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك. قال الإمام أبو بكر: يشبه أن تكون أم المؤمنين ﵂ إنما أرادت بقولها كذب؛ إن كان

стр. 10430

قال ما حكيتما عنه. وقد قال العامريان على أبي هريرة الباطل، لم يقل أبو هريرة أن النبي ﷺ قال الطيرة فيما ذكرا، بل الأخبار متواترة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : لا عدوى ولا طيرة. والعامريان لا ندري من هما، ومن المحال أن يحتج برواية رجلين مجهولين، فنرد أخبار قوم ثقات حفاظ إلا أن يكون العامريان حكيا عن أبي هريرة أنه قال: الطيرة في المرأة والفرس والدار على ما تأولت الخبر في إيقاع اسم الطير على الفأل، كخبر سعد بن أبي وقاص، فلم يفهم العامريان عنه ما أراد بذكر الطيرة، ولم يعلما أنه أراد بالطير الفأل، فحكيا عنه لفظة أو همت الخطأ على من سمع اللفظة، ولم يعلم معناها. أو تكون حكاية العامريين عن أبي هريرة رويت عل ما ذكرت في كتاب النكاح إخباراً عن النبي ﷺ : أن الشؤم في ثلاث، على إضمار شيء وحذف كلمة، لا على إثبات الشؤم في هذه الثلاث. وعن عائشة أنها قالت لأبي هريرة: إنك تحدث عن رسول الله ﷺ أشياء ما سمعتها منه. فقال لها مجيباً: إنه كان يشغلك عن تلك الأحاديث المرآة والمكحلة. دخل أبو هريرة على عائشة فقالت له: أكثرت الحديث يا أبا هريرة عن رسول الله ﷺ قال: والله يا أمتاه ما كانت تشغلني عنه المكحلة ولا المرآة ولا الدهن وفي رواية والخضاب. فقالت: لعله. أتى رجل من قريش أبا هريرة في حلة يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة، إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب " ليبيننه للناس ولا يكتمونه " ما حدثتكم بشيء. سمعنا أبا القاسم ﷺ يقول: إن رجلاً ممن كان قبلكم بينا هو يتبختر في حلة إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة. فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك. قال أبو يعلى: أنا أشك.

стр. 10431

قال أبو الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت والٍ، وإن الوالي لغيرك فدعه يعني: حين أرادوا أن يدفن الحسن مع رسول الله ﷺ ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذه إرضاء من هو غائب عنك يعني معاوية. قال: فأقبل عليه مروان مغضباً فقال له: يا أبا هريرة، إن الناس قد قالوا: أكثر عن رسول الله ﷺ الحديث، وإنما قدم قبل وفاة النبي ﷺ بيسير. فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا يومئذ مقل، وأصلي خلفه، وأغزو وأحج معه؛ فكنت أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة من قريش والأنصار، فكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه، منهم: عمر بن الخطاب وهدي عمر هدي عمر ومنهم عثمان وعلي والزبير وطلحة، ولا والله ما يخفي علي كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله ﷺ منزلة، وكل صاحب لرسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر صاحبه في الغار، وغيره قد أخرجه رسول الله ﷺ من المدينة أن يساكنه، فليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علماً كثيراً جماً. قال: فوالله إن زال مروان يقصر عنه عن هذا الوجه بعد ذلك ويتقيه ويخاف جوابه، ويحب على ذلك أن ينال من أبي هريرة ولا يكون منه بسبب، يفرق من أن يبلغ أبا هريرة وأن مروان كان من هذا بسبب فيعود له بمثل هذا، فكف عنه. قال عروة بن الزبير: قال لي أبي الزبير بن العوام: أدنني من هذا اليماني، يعني أبا هريرة، فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ . فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، فجعل الزبير يقول: صدق كذب، صدق كذب. قال: قلت: يا أبه، ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بني، إما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه.

стр. 10432

قال أبو الشعثاء: قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: فقلت له: تحدث عن أبي هريرة وقد سمعت رسول الله ﷺ ؟! قال: إنه قد سمع، وأحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أحب إلي. قال بسر بن سعيد: كان يقوم فينا أبو هريرة فيقول: سمعت النبي ﷺ يقول كذا وكذا، سمعت كعباً يقول كذا. فعمد الناس إلى ما روى عن كعب فجعلوه عن النبي ﷺ وبعض ما روي عن النبي ﷺ فجعلوه عن كعب فمن ثم أنفي حديث أبي هريرة. قال ابن لهيعة: هو من الناس ليس من أبي هريرة. قال إبراهيم النخعي: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث جنة أو نار. وقال إبراهيم: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة. وقال شعبة: كان أبو هريرة يدلس. قالوا: وقول إبراهيم النخعي هذا غير مقبول منه. قال عمر بن حبيب: حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ فدفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائل منهم: لا يصح هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن نبي الله ﷺ ، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل لي: صاحب البريد بالباب، فدخل

стр. 10433

فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن. فقلت: اللهم، إنك تعلم إني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك ﷺ أن يطغى على أصحابه، فسلمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع. فلما بصر بي قال: يا عمر، ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عليه، فيه إزراء على رسول الله ﷺ وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود، كله مردود وغير مقبول. فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله. وأمر له بعشرة آلاف درهم. قال أبو هريرة: إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءاً للقرآن، وجزءاً أنام، وجزءاً أتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ . وكان أبو هريرة يصلي ثلث الليل وامرأته ثلثاً وابنته ثلثاً. قال أبو عثمان النهدي: تضيفت أبا هريرة سبعاً. فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. قال: قلت: يا أبا هريرة، كيف تصوم؟ قال: أما أنا فأصوم من أول الشهر ثلاثاً، فإن حدث بي حدث كان لي أجر شهري. وكان أبو هريرة يصوم الاثنين والخميس، وقال: إنهما يومان ترفع فيهما الأعمال. وكان أبو هريرة يسبح كل يوم باثنتي عشرة ألف تسبيحة. يقول: أسبح بقدر ديتي. وكان لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار فيقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار. فإذا كان العشي قال: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار. فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار.

стр. 10434

وعن أبي هريرة قال: لا تغبطن فاجراً بنعمته، فإن من ورائه طالباً حثيثاً طلبه " جهنم كلما خبت زدناها سعيرا ". قال أبو يزيد المدني: قام أبو هريرة على منبر رسول الله ﷺ مقاماً دون مقام رسول الله ﷺ بعتبة ثم قال: الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي من على أبي هريرة بمحمد ﷺ ، الحمد لله الذي أطعمني الخمير وألبسني الحبير الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعدما كنت أجيراً لها بطعام بطني وعقبة رجلي، أرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني. وعن أبي هريرة أنه صلى بالناس يوماً، فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله. وعن أبي هريرة أنه كان يقول: نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لابن عفان وابنة غزوان وهي بسرة بنت غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدو بهم إذا ساروا. فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وأبا هريرة إماماً. وعن مضارب بن حزن قال: بينما أنا أسير تحت الليل إذا رجل يكبر، فألحقته بعيراً، فقلت: من هذا؟ قال: أبو هريرة. قلت: ما هذا التكبير؟ قال: شكر. قلت: على ماذا؟ قال: إني كنت أجيراً لبسرة بنت غزوان، فكنت إذا ركب القوم سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم، وإذا أتيت على مكان سهل نزلت، ثم قالت: والله لا أبرح هذا المكان حتى تجعل لي عصيدة. قال: فزوجنيها الله بعد، فأنا أركب إذا ركب القوم، وأخدم إذا نزلوا، وإذا أتيت على نحو من مكانها نزلت فقلت: لا أبرح هذا المكان حتى يعصد لي عصيدة.

стр. 10435

زاد في آخر عن أبي مصعب الجهني: قلت: يا أبا هريرة، هل سمعت من خليلك أبي القاسم شيئاً؟ قال: قال رسول الله ﷺ : لا عدوى ولا هامة، وخير الطير الفأل، والعين. قال إمام مسجد سعد: قدم أبو هريرة الكوفة، فصلى الظهر والعصر واجتمع عليه الناس. فذكر قرباً منه. يعني أنه كان قريباً منه، فسكت ولم يتكلم، ثم قال: إن الله وملائكته يصلون على أبي هريرة الدوسي. فتغامز القوم فقالوا: إن هذا ليزكي نفسه. ثم قال: وعلى كل مسلم ما دام في مصلاه ما لم يحدث حدثاً بلسانه أو بطنه. وعن أبي سلمة قال: قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعاً، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل به أحب إلينا من مئة ركعة تطوعاً. وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال مات وهو شهيد. جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يا أبا ذر، إني أريد أن أتعلم العلم، وأخاف أن أضيعه. فقال له: تعلم العلم، فإنك إن مت عالماً خير لك من أن تموت جاهلاً. ثم جاء إلى أبي الدرداء فقال له: يا أبا الدرداء، إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال له: تعلم العلم، فإنك إن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. ثم جاء إلى أبي هريرة فقال: يا أبا هريرة، إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال له أبو هريرة: تعلم العلم، فإنك لن تجد له إضاعة أشد من تركه. زاد عن آخر مثله عن أبي الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالماً، والجاهل جاهلاً.
следующие страницы →