Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.
стр. 10466
وعند الله المزيد. قال: قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل أو أسر إلى فقير. قال: قلت: فأيما أنزل آية عليك أعظم؟ قال: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " حتى فرغ من الآية. قال: قلت: كم المرسلون؟ قال: ثلاث مئة وخمسة عشر جماً غفيراً. قال: قلت: فآدم كان نبياً؟ قال: نعم مكلماً. قال: ثم؟ قال: أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
رجل حدث عن عائشة
قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهدي لنا طعام فأكلنا منه. قالت عائشة: فدخل علينا رسول الله ﷺ فبدرتني حفصة وكانت ابنة أبيها فقالت: يا رسول الله، أصبحت أنا وعائشة صائمتين، فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: صوما يوماً مكانه.
شيوخ من بني عنس
حدثوا أنهم لما كانوا بصفين، أتوا جبل الجودي ينظرون إلى موضع السفينة منه. قال: فبينا نحن ننظر إلى آثارها، وما بقي من حديدها، إذا نحن بأبي هريرة ينظر إلى ما نظرنا إليه منها، فسلمنا عليه، فرد السلام. فقلنا له: أخبرنا عن هذه الفتنة التي نحن فيها. فقال: أما إنكم ستنصرون فيها على عدوكم، ثم سكت وسكتنا. فقال: ما لكم لا تسألوني؟ فقلنا: أخبرنا. فقال: أما إنها ستكون بعدها فتن ما هذه عندها إلا كالماء بالعسل تترككم وأنتم قليل نادمون، ولتنزلن فارس أرضها، يضطرب نشابها بين لعلع وبارق ولتنزلن الروم أرضها آمنة يضطرب نشابها، ولتخرجنكم من الشام كفراً كفراً
стр. 10467
إلى سنبك من الأرض يقال له حسمى جذام
رجل من دمشق
قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه قدم على معاوية في خلافته؛ فدخلت المقصورة فجلست، فقال لي رجل: من أنت يا فتى؟ قلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال: يرحم الله أباك، أخبرني فلان لرجل سماه أنه قال: لألحقن بأصحاب رسول الله ﷺ فلأحدثن بهم عهداً ولأكلمنهم. فقدمت المدينة في خلافة عثمان بن عفان، فلقيتهم إلا عبد الرحمن بن عوف، أخبرت أنه بأرض له بالجرف، فركبت إليه، فإذا هو واضع رداءه، يحول الماء بمسحاة في يده، فلما رآني استحيا مني وألقى المسحاة، وأخذ رداءه، فسلمت عليه وقلت له: جئتك لأمر وقد رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا، وهل علمتم إلا ما قد علمناه؟ فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم. قال: قلت: فما لنا نزهد في الدنيا وترغبون، ونخف في الجهاد وتتثاقلون، وأنتم سلفنا وخيارنا وأصحاب نبينا ﷺ ؟ فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكنا بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر.
رجل من دمشق
حدث عن عبد الله بن عمر أنه: إن رسول الله ﷺ كان يقول: من قال هذه الكلمات دعا بهن، فرج الله همه، وأذهب حزنه، وأطال سروره. أن يقول: اللهم، إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك وفي قبضتك، ناصيتي في يدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاءك، أسألك بأحب أسمائك إليك، وباسمك الذي سميت به
стр. 10468
نفسك، وبكل اسمٍ أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن نور صدري، وربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي.
شيخ من دمشق
حدث عن أبي أمامة الباهلي قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثاً، وسبح ثلاثاً، وهلل ثلاثاً، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه وشركه.
رجل من أهل دمشق
قال أبو غالب، صاحب أبي أمامة: كنت بدمشق، ورجل ينشد المال، ورجل من التجار معي فقال: لقد ذهب لي مال ما مثله يرد. قلت: على ذلك لو أتيناه فسألناه. فأتيناه فسألناه فقال: قد وجدت مالاً وهو في المنزل. فذهب بنا إلى منزله، فلما نظر التاجر إلى خرجه قال: مالي. فدفعه إليه فقال صاحب المال: خذ منه ما شئت. قال: لا أرزؤك منه شيئاً، وما عندي عشاء ليلة، ولقد كنت من مالي في غناء. قال: فإذا هو قد لف الخرج بشريط وطرحه على حجارة البيت، وكان المال أربعين ألف دينار. قال أبو غالب: فقلت للتاجر: كيف كان أمر مالك؟ قال: أتيت باب الفرما فخشيت من العشارين، فوضعت الخرج على حمار، وخليت سبيله، فانطلق الحمار فلم أجده.
رجل رحبي من الرحبة
حدث أنه قعد في حلقة بدمشق فيها واثلة بن الأسقع الليثي فحدث القوم، فلما أرادوا أن يتفرقوا أخذوا في عيب علي حتى وصل ذلك إلى ذلك الرجل، وكان آخر من أراد
стр. 10469
القيام، فتناوله واثلة بثوبه فأقعده. فقال له: أتعرف علياً، هل رأيته؟ قال: لا. قال: أفلا أحدثك عن علي؟ قال: بلى. قال: أتيت علياً أطلبه في منزله فلم أصبه، فاستجابت لي فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقالت: من تريد؟ قلت: أبا حسن. قالت: الساعة يأتيك من هذه الناحية. قال: فجاء علي والنبي ﷺ معه، يتوكأ عليه، فدخل على فاطمة وحسن وحسين، ثم دعا بمرط فغشاهم به ثم قال: اللهم، هؤلاء أهلي ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً " قال: قلت: يا رسول الله، وأنا فاجعلني من أهلك. قال: وأنت. قال: فوالله ما عندي شيء أرجى عندي منها.
رجل من حجور
حدث عن أنس بن مالك قال: سمعت أنس بن مالك يقول وسأله الوليد بن عبد الملك بدير المران: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الإيمان إلى هذين الحيين، لخمٍ وجذامٍ، وإن الكفر والجفاء في هذين الحيين: ربيعة ومضر. قال الوليد: قد سمعت هذا، فحدثني غيره، فصمت أنس.
شيخ كبير من أهل دمشق
كان في عصر الصحابة. قال حبان بن زيد: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص قبل الأفسون إلى الجراجمة،
стр. 10470
فلقيت شيخاً كبيراً من أهل دمشق على رحالة قد سقط حاجباه على عينيه فيمن أغاث فسلمت عليه وقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: يا بن أخي، إن الله استنفرنا خفافاً وثقالاً، إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيذه فيقتنيه، إنما يبتلي الله من عباده من صبر وشكر وذكر، ولم يعبد إلا الله.
حرسي لمعاوية
قال: عرضت على معاوية خيل، فقال لرجل من الأنصار يقال له ابن الحنظلية: يا بن الحنظلية، ماذا سمعت رسول الله ﷺ يقول في الخيل؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها معان عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها.
شاب من قريش
قال الأصمعي: خرجت ابنة لمعاوية صبية، وجماعة من قريش جلوس. فقال شاب من قريش: ما أكبر عجيزتها! فدخلت إلى معاوية تبكي. فقال: ما يبكيك؟ قالت: سفل بي أحد القوم الذين بالباب. فخرج عليهم معاوية وهو مغضب فقال: أيكم سفل بالصبية؟ فسكت القوم. فأعادها. فقال الشاب: أنا مازحتها يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: أما والله لقد رأيت أمك وهي تضرب بصحنها فتؤذي جليسها وما نظرت نفسها، وإني لأعلم قريش بقريش. فقال له الرجل: مهلاً فوالله إني لأعلم قريش بقريش. فقال معاوية: واحدة بواحدة، ولكم جوائزكم.
رجل من أهل البادية
وفد على معاوية، كانت امرأته قالت له هي وبناته: لو أتيت أمير المؤمنين فسألته وأخبرته بما لك، لعل الله يرزقك منه شيئاً. فقال: ليس بيدي شيء. فباعوا متاعاً لهم، وتجهز إلى معاوية، فدخل عليه وقد نصب في الطريق، فرأى جماعة الناس
стр. 10471
على معاوية، فلم يقدر على كلامه، فدار خلفه فقعد خلف السرير بين وسادتين، فجعل يخفق برأسه لما لقي من العناء في طريقه. فقال ابن بريدة: والشيخ إذا كان قاعداً كان أكثر لنومه، فنام، وتفرق الناس عن معاوية لما أمسوا، وخرج للمغرب، ثم رجع فتعشى وخرج لصلاة العشاء، والشيخ نائم لا يعلم، حتى ذهب هوي من الليل. فدخل معاوية إلى أهله فانتبه الشيخ لما أصابه برد الليل، فإذا هو بالسرج وليس في البيت غيره، فقام فخرج إلى الدار، فإذا الأبواب مغلقة، فاسترجع وقال: إنا لله، جئت أطلب الخير فالآن أوخذ بظن أني جئت أغتال أمير المؤمنين. فطلب مكاناً يختبئ فيه إلى أن يصبح فلم يجد، فدخل تحت سرير معاوية فلما ذهب هوي من الليل إذا معاوية أقبل، شيخ ضخم البطن، متوشح بملحفة حمراء، حتى قعد على السرير، والشيخ ينظر وهو يسترجع في نفسه: الآن أقتل. ثم قال معاوية: يا غلام، انطلق إلى ابنة قرظة فادعها، فجاءت تمشي ومعها جواري يسترنها حتى صعدت على السرير معه، فطرب للجواري، فكلمها معاوية ساعة ثم قال: عزمت عليك إلا نزلت فمشيت، ورمى عنها ثيابها، وبقيت في درع رقيق من قز يستبين منه جميع جسدها. فمشت فقال: أقبلي. فأقبلت. ثم قال: أدبري. فأدبرت. والشيخ ينظر، ثم أقبلت، فإذا هي ببريق عين الشيخ من تحت السرير. فصاحت وقالت: افتضحت. وقعدت وتقنعت بيديها. فقام معاوية إليها، وقال: ما لك؟ فقالت: رجل تحت السرير. فأدخل معاوية يده، فأخذ برأسه، فإذا شعرات، فجعل لا يقدر أن يقبض على شعره، فلما علم أنه شيخ كبير تركه ولبست ابنة قرظة ثيابها وانطلقت إلى بيتها، وخرج الشيخ إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين لينفعني عندك الصدق. قال: هيه، فقص عليه القصة. فقال: لا بأس عليك، وجعل معاوية يضحك ويسأله فإذا أعرابي منكر لا يسأله عن شيء إلا أخبره. فلما أصبح دعا معاوية خصياً له وقال: خذ بيد الشيخ إلى ابنة قرظة فقل لها: هذا الشيخ الذي تخلاك
стр. 10472
البارحة، وللخلوة نحلة، فأعطيه نحلته. فأخبرها فقالت للأعرابي: ما قصتك؟ فقص عليها القصة، فأعطته وأوقرت راحلته ثياباً وغير ذلك وقالت له: لا تقيمن في هذه البلاد، فإن رآك أحد بها نكلت بك، وخافت أن يقيم، فكلما ذكره معاوية دعاه وذكر له ما كان. ثم قال لغلام: انطلق فاحمله على الراحلة وما معه، ثم انخس به حتى تخرجه من هذه الأرض. فانطلق الأعرابي وقد أصاب حاجته.
مولى لشقيق أو ابن شقيق
من أهل البصرة. كان بين شقيق بن عبد الله وبين عبد الله بن شقيق حس فأخذ له زياد ساجاً بثلاثين ألف درهم، فبعث شقيق غلاماً إلى معاوية وقال: إن أتيتني منه بكتاب فأنت حر. فبلغ ذلك زياداً، فأخذ بالرصد، فقطع النهر بالسباحة، وأتى معاوية، فأخذ منه كتاباً إلى زياد برد ذلك المال، وكان زياد بالكوفة، وخليفته سمرة بن جندب على البصرة، فلما قدم على زياد كتب له إلى سمرة فقال: أصلحك الله عتقت مرتين، ولم أعتق. قال: وكيف ذلك؟ قال: اعتقني يا مولاي، وأعتقني أمير المؤمنين، وأقدم على سمرة فيقتلني. قال: أما والله إن كنت لأرجو أن أشتفي منك. قال: فكتب إلى سمرة. فلما قدم إلى زياد خيره شقيق أو ابن شقيق بين ثلاثين ألفاً وبين آنية من الفضة، فاختار الآنية. قال: فقدم تجار من دارين فباعهم إياها بالعشرة ثلاثة عشر، ثم لقي أبا بكرة فقال: ألم تر كيف غبنتهم؟ قال: وكيف؟ فذكر ذلك له. قال: أقسمت لتردنها. فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا.
стр. 10473
شيخ كان يشبه برسول الله ﷺ
كان معاوية يقوم لشيخ في منزله إذا دخل عليه، فقيل له: أتقوم لهذا الشيخ، وأنت أمير المؤمنين؟! قال: نعم، لأني رأيت فيه مشابهاً من رسول الله ﷺ ، فأنا أقوم لذلك لا له. قال: وهذا الرجل هو كابس بن ربيعة، وهو في حرف الكاف.
رجل قاص
من أهل الأردن. قال أبو عبيد الله: كنا مع معاوية بالجابية، وكان يخرج إليها إبان العشب، وفينا رجل يقص علينا من أهل الأردن، إذ قام رجل من ناحية الناس فقال: ألا أخبركم بكلم يهتز لها عرش الرحمن وشجر الجنة؟ قلنا: بلى. قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. يهتز لها عرش الرحمن وشجر الجنة. ثم قال في إثر ذلك: سبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير، أعوذ بوجه الله الكريم من عذابه الأليم.
رجل من تيم الله بن ثعلبة
أوفد زياد إلى معاوية وفداً من أهل البصرة، فيهم رجل من بني تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل، فلما دخلوا على معاوية قام التيمي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة عليه، وإن الله إذا أراد بقوم خيراً ولي أمرهم علماؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وجعل الأموال في سمحائهم، وإذا أراد بقوم سوءاً، ولي أمرهم سفهاؤهم، وقضى في الأحكام جهلاؤهم، وجعل الأموال في بخلائهم. فاحفظ معاوية. ثم دعا له على رؤوس الناس بعطية جزيلة. فقال: خذها يا أخا بني تيم، أبخيل لنا؟ فقال: سبحان الله، إذا لم تكن بخيلاً فأخاف أن تكون
стр. 10474
مبذراً، أو لكل الناس أعطيت كما أعطيتني؟ قال: لا، ولا يمكن هذا. فقال التيمي: فاجعل نصيبي في هذا الفيء أكثر من نصيب رجل من المسلمين. ففرق معاوية في ذلك الوفد مالاً عظيماً، وأمرهم بالشخوص إلى بلدهم، وكتب إلى زياد: لا تزال توجه إلي الرجل بعد الرجل فيقف بين يدي مؤنباً، أولى لك، فلما قرأ زياد الكتاب قال: علي نذر لأصلبن التيمي على أربع جذوع. ثم جعل ينتظر قدومه يوماً يوماً، ويعد له المراحل حتى انتهى التيمي إلى بعض المنازل، فمات به. وبلغ زياداً موته، فبعث إلى ابن أخ له من أهل البصرة فقال: عمك الحروري يؤنب أمير المؤمنين؟ فقال التميمي: أيها الأمير ما استأمرتني فيه حين أردت توجيهه، ولا ضمنت لك سقطة إن جاءت على لسانه، ولقد انتخبه بعلمك واخترته برأيك، فإن جاءتك فلا عليك بل على نفسه، وبعد، فمهما كنت صانعاً به أيها الأمير لو ظفرت به، أهو أكثر من أن تقتله؟ فقد قتله الله وكفاك أمره. فقال زياد: يا سلم، انطلق به فاحبسه الليلة حتى ينكل به غداً على رؤوس الناس. فدفعه سلم إلى غلام له فقال: امض به إلى الحبس. فمضى به الغلام، فلما كانوا في بعض الطريق أفلته الفتى وفر هارباً وأنشأ يقول: من الطويل
وأيقنت أني إن لبثت ساعة ... على باب سلم سار جسمي إلى قبري
جميعاً وشتى مدرجاً في عباءة ... فرأسي بعيد وهو أقرب من شبر
وجاء البخاريون يبتدرونني ... عيون لهم خرز توقد كالجمر
عكوف على الأبواب من يؤمروا به ... فليس براء أهله آخر الدهر
عشية يدعوهم دويد ومن يجب ... دويداً فقد لاقى العظيم من الأمر
ولله أيام أتين ثلاثة ... غلبن علينا القوم من كل ذي صبر
تحدر فيهن المنايا تحدراً ... كأن دماء القوم من راحهم تجري
وكان زياد تواعد الناس بالقتل في ثلاثة أيام، فقتل منهم خلقاً كثيراً، ودويد هذا رجل كان من البخاريين على عذاب زياد.
стр. 10475
رجل من كلب
قتل رجل من الشام امرأته، فأخذه والدها فرفعوه إلى معاوية فلم يدر ما يقول فيها، فأرسل أعرابياً من كلب إلى علي فأخبره خبرها فقال: إن شاء أهل المرأة أدوا إلى الرجل ديته ثم قتلوه، وإن أحبوا أخذوا من القاتل نصف الدية، وإنما هما امرأتان برجل.
رجل شاعر من كلب
أجرى معاوية الخيل فيها وفرس يقال له سالم، فقال معاوية: من الوافر
رأيت لسالم خيراً وشراً ... فلا أدري لأيهما يصير
فقال رجل من كلب من البادية، وكان له فرس في الحلبة يقال له المستنير: ائذن لي يا أمير المؤمنين أجبك، وأعطني الأمان. قال: فعلت. فقال الأعرابي:
تصير إلى التي أشفقت منها ... إذا ما قيل جاء المستنير
فجاء فرس الأعرابي سابقاً. فقال له معاوية: يا أعرابي، لقد جئت بفأل له شأن. فأعطاه سبقه أربعة آلاف درهم.
رجل من المعمرين
من أهل نجران. قدم على معاوية رجل من نجران، يقولون: له يوم قدم عليه مئتا سنة. فسأله عن الدنيا فقال: سنيات بلاء، وسنيات رخاء، يوم فيوم، وليلة فليلة، يولد مولود، ويهلك هالك، فلولا المولد باد الخلق، ولولا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها، فقال له: سل. فقال: عمر مضى فترده وأجل حضر فتدفعه. قال: لا أملك ذلك، قال: لا حاجة لي إليك ثم قال: من البسيط
стр. 10476
استرزق الله خيراً وارضين به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار رمساً تعفيه الأعاصير
كأنه لم يكن إلا لتذكرة ... والدهر أهلكنا منه الدهارير
رجل شاب من غسان
قال الشعبي: كان أول من سمر من الخلفاء، واتخذ له أقوام معاوية، وكان ملك الروم في زمانه فوق بن مورق بن هرقل بن قيصر بن فوق بن مورق بن الأصفر، وكان معاوية يقول: ما أردت في الشام شيئاً قط إلا ظننت أنه معي، وكان ملك الروم يقول مثل ذلك. فسمر معاوية ليلة ثم أوى إلى فراشه فأرق فامتنع منه النوم فأراده فلو يستطعه حتى أسحر، فسمع أصوات النواقيس فآذته، فلم يزل يتململ حتى أصبح، فلما صلى الفجر وجلس أمر منادياً فنادى: من يبيعني نفسه؟ فقال شاب من غسان: أنا يا أمير المؤمنين. قال: بكم؟ قال: ثلاث ديات: دية لي، ودية أخلفها لأهلي، ودية أشتري لهم بها ضيعة. فأعطاه أربعة آلاف دينار، ثم قال: قد أجلتك ثلاثاً فتهيأ وافرغ من حوائجك ثم ائتني. ففعل، فإذا كتاب بين يدي معاوية إلى ملك الروم فقال: انطلق بهذا إلى ملك الروم، فتدخل عليه وهو جالس على سريره وبطارقته حوله وتاجه على رأسه، فإذا عاينته فضع كتابك وأدخل أصبعيك في أذنيك، فأذن وقل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، حتى تفرغ. فخرج الغساني حتى دخل عليه، وتاجه على رأسه، وبطارقته عنده، فوضع الكتاب ورفع صوته بالأذان، فانتضوا سيوفهم وأقبلوا نحوه، فوثب عن سريره يخصر حتى حال بينهم وبينه. قال: فاستدبرني واستقبلهم ثم قال: أف لكم، كنت أظنه يقاس برأيكم فإذا رأيكم قد عجز عنكم، ارجعوا، فما رجعوا إلا بعد شر، فلما رجعوا إلى مجالسهم قال: أتدرون ما قصة هذا؟ قالوا: لا. قال: تجدون معاوية أرق فسمع أصوات النواقيس فآذته، وقد علم أن النصارى بالشام لهم أنصاف منازل
стр. 10477
المسلمين، وأنصاف مساجدهم، وقد عاهدهم على ذلك من هو أفضل منه من أهل دينه، فلم يستطع نقضه فقال: من يبيعني نفسه، فتجدون هذا البائس انتدب لذلك، ولم يأخذ لنفسه ثمنها؟ فوجهه وأمره بما سمعتم لتستحلوا قتله ويستحل هو بذلك قتل من بالشام من النصارى، وهدم كنائسهم. قال الغساني: والله ما علمت ما أراد معاوية إلا تلك الساعة. قالوا: أيها الملك، ما تصنع به؟ قال: نحسن جائزته، ونرد جواب كتبه، فما أتت على معاوية إلا ثمانية وأربعون ليلة حتى عاد الغساني، فلما رآه معاوية قال: أفلت وانحص الذنب. قال: يا أمير المؤمنين، عرضتني للقتل. قال: أما والذي لا إله إلا هو، لو قتلك ما تركت فيما بين العريش إلى الفرات نصرانياً إلا قتلته، ولا كنيسة إلا هدمتها، ولكن اللعين كان أوفى بالذمة.
رجل لقب أم عمار
خطب معاوية وهو خليفة فقال في خطبته، ولم يتم البيت لأنه كان على المنبر: من الطويل
إذ الناس ناس والزمان بغرة
وأعاده ولم يتم البيت، فظن بعض العامة أنه أشكل عليه البيت، وأنه يريد من يتممه له. فقام وقال:
وإذ أم عمار صديق مساعف
فقال له: اسكت يا أم عمار، ما أردنا هذا منك. قال: فبقي عليه لقباً، فكان إذا مر بالصبيان صاحوا: يا أم عمار يا أم عمار، حتى رمي بالآجر.
стр. 10478
أعرابي
جرت له محاورة مع معاوية، وحلم عنه. خطب معاوية يوماً فقال: إن عاملاً لي بمكان كذا كتب إلي يذكر أن بني قشير كان منهم إليه أمر، لهممت أن أجد من كان منهم في البر فأحمله في البحر في السفن، ثم أحرقها عليهم فلا أبقي منهم أحداً. فقام إليه أعرابي، عليه عباءة يرفعها من جانب، وتسقط من آخر فقال: يا معاوية، أما والله لو أردت ذلك لجاءك مئة ألف أمرد على مئة ألف أجرد فجعلوا صدرك ترسة لرماحهم فقال: اسكت أيها الغراب الأبقع. قال:
إن الغراب الأبقع يحجل إلى الرخمة البيضاء فينقر رأسها، ويستخرج دماغها، فيأكله. فأعرض عنه معاوية وأخذ في خطبته، فقال له عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، ما هذه الاستكانة؟! أما رأيت ما قال لك؟! قال: يا أبا عبد الله، لنخلين بينهم وبين ألسنتهم ما خلوا بينا وبين ملكنا.
رجل من كنانة
له محاورة مع معاوية. خطب معاوية بن أبي سفيان فقال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين عثمان ولاني بعض ما ولاه الله عليه، فوالله ما خنت، ثم وليت الأمر فيما بيني وبين الله ، فهل ترون خللاً؟ فوثب رجل من كنانة أو من بكر بن وائل فقال: نعم يا معاوية خللاً كخلل المنخل. فقال: اقعد أقعد الله رجليك. كأني بك وقد ارتبطت عشرة أعنزٍ في مثل حافر عير معهن تيس تحتلبهن قال:
стр. 10479
والله، إن قلت ذلك، إن ثم لحسباً غير ذميم، والله ما قتلت نفساً حراماً ولا أكلت مالاً حراماً. قال: وأنى لك أن تقتل نفساً حراماً أو تأكل مالاً حراماً، أنت أذل وأخزى من ذلك، اسكت، دق الله فاك. قال: لا بل أذهب حيث لا أرى شخصك ولا أسمع صوتك. قال: أبعد وأبعد. قال: لئن طرت بك لأطيرن بك طيرة بعيداً وقوعها. قال الأعرابي: فهل إلا إلى الله ثم تقع يا معاوية، وأنا أستغفر الله.
رجل لقي الخضر ﵇
خرج رجل إلى معاوية، فلقي الخضر فقال له: لعلك تريد هذا الرجل؟ قال: نعم. قال: فإذا أردت الدخول عليه فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم اجعل بدو يومي هذا صلاحاً، وأوسطه فلاحاً، وآخره نجاحاً، وأسألك باسمك الأحد الكبير المتعال: ثم سل حاجتك.
فدخل الرجل على معاوية، ونسي أن يصنع ما أمره به، فلم يلتفت إليه معاوية، فلما كان بعد صنع الذي أمر به. فقال معاوية: سحرتني والذي نفسي بيده، لقد جئتني وما أريد أن أعطيك شيئاً. فأخبره بالذي قيل له. فأعطاه وأحسن إليه.
رجل أقام بباب معاوية
وطال مقامه ثم أذن له فقال: يا أمير المؤمنين، انقطعت إليك بالأمل، واحتملت جفوتك بالصبر، وليس لمقرب أن يأمن ولا لمباعد أن يأنس، وكل صائر إلى حظه من رزق الله . فقال معاوية: هذا كلام له ما بعده، فأمر بعهده له إلى فلسطين. فقال الرجل: من الوافر
دخلت على معاوية بن حرب ... وكنت وقد يئست من الدخول
وما أدركت ما أملت حتى ... حللت محلة الرجل الذليل
стр. 10480
وأغضيت العيون على قذاها ... ولم أنظر إلى قال وقيل
رجل من كلب
دخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي في بيت مال المسلمين حقاً ولي رحم. فقال: أما ذكرت فيما لك في بيت مال المسلمين فقد عرفناه، وأما رحمك فما هي؟ قال: إن أم إلياس بن مضر كانت امرأة من كلب. فقال معاوية: وأبيك، لقد متت برحم بعيدة. وعنده ابن عباس، فقال: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليعذب على قطيعة الرحم التي تلقاك إلى ثلاثين أباً، فقال له: الله عليك، لقد سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: الله علي، لقد سمعته من رسول الله ﷺ . قال: سل حاجتك. قال: مئة ألف أشتري بها داراً. قال: هي لك. قال: مئة ألف أقضي بها تجاراً. قال: هي لك. قال: مئة ألف أشتري بها عقاراً. قال: هي لك. قال ابن الأعرابي: يا أبه، أبرمت أمير المؤمنين. قال: فنتف رأسه بيده ثم قال: اسكت، إنما أمير المؤمنين كما قال خال بني جبار: من الوافر
نميل على جوانبه كأنا ... إذا ملنا نميل على أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرماً ولينا
رجل من همدان شاعر
كان لمعاوية فرس يقال له البشير قد سبق عليه سوابق أهل الشام، فقيدت إليه في خلافة عثمان أفراس العرب في حلبة استعد لها معاوية، وقدم رجل من مدد همدان، فرأى الناس يحفلون نحو الحلبة. فقال لهم: ما هذا؟ فأخبر فبادر إلى معاوية بفرس يقال له المستطير، قدم راكباً عليه من اليمن فقال: أيها الأمير، قدمت الساعة من
стр. 10481
شبام على فرسي هذا، وهو يعجبني، فسمعت بهذه الحلبة فأسرعت به. فقال له معاوية: فرسك مخبل وليس بمخبل، وهو بعد نضي وجي. فقال أنشدك الله يا بن الكرام. فأمر بفرسه فختم وأنفذ مع الخيل إلى المقوس وقعد معاوية يتشوف لها ثم أنشأ يقول: من الوافر
أخاف على البشير وأتقيه ... فما أدري إلى ماذا يحور
فقال الهمذاني: أتأذن لي في الجواب؟ قال: هات. فقال: من الوافر
يحور إلى التي أرجو سناها ... إذا ما قيل هذا المستطير
فضحك معاوية وصاح الناس: الخيل. الخيل، وطلع المستطير فرس الهمذاني.
وكان معاوية جعل لمن سبق البشير أربعين أوقية من ذهب وفريضة في الشرف، وفرائض لعشرة رجال من قرابته أو عشيرته. فشاطر معاوية الهمذاني في فريضته ووفر عليه السبق، وفرائض عشرة من أهل بيته فقال الهمذاني: من الوافر
ألا ليت الرياح إذا استطرت ... تبشر أهلنا كنفي شبام
بأن المستطير أهل يهوي ... أمام الخيل في جمع السنام
ولم يسكن وجاه بعد شهر ... وعشر سنين محتفر الظلام
فأبت بسبقه وعلوت حداً ... على شرف الفرائض في الكرام
فبعث إليه معاوية، فاشترى منه المستطير بألف دينار، فسبق عليه العرب أيامه كلها.
стр. 10482
رجل استسقى به معاوية
خرج معاوية يستسقي فجعل يقول: قم يا فلان، قم يا فلان. فقيل له: إن في قرية كذا رجلاً مجاب الدعوة. فأرسل إليه فأتى على حماره وهو مسمط إداوةً له لئلا تأتي عليه حالة إلا وهو فيها متوضئ. فقال له معاوية: أردنا أن تستسقي لنا. فاستعفاه فلم يعفه، فأتى إداوته فأحدث وضوءاً وصلى ركعتين، واستسقى وعزم على ربه فقال: ارفعوا أيديكم. فما فرق بينهم إلا المطر حيث يصلي حتى جرى الماء من تحته. فأتاه أهل قريته فاحتملوه. فقال: اللهم، إن معاوية أقامني مقام سمعة ورياء، فاقبضني إليك. فقبض قبل الجمعة.
رجل من ولد خلف الجمحي
كان مع معاوية بصفين، وكان فارس أهلها، والذي رد الأشتر عن معاوية بعدما غشيه.
دخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إنا تركنا الحق عياناً، وعلي بن أبي طالب يدعو إليه في المهاجرين والأنصار، وبايعناك على ما قد علمت، ثم طاعنت عنك أشد أهل العراق بعد ما غشيك حتى إذا نلت ما رجوت وأمنت ما خفت، جعلت الدهر أربعة أيام: يوماً لسعيد بن العاص، ويوماً لمروان بن الحكم، ويوماً لعمرو بن العاص، ويوماً للمغيرة بن شعبة، وصرنا لا في عير ولا في نفير، ثم خرج من عنده وهو يقول: من الطويل
أظن قريشاً باعثي الحرب مرة ... عليك ابن هند أو تجر الدواهيا
أيوم لمروان ويوم لصهره ... سعيد ويوم للمغير معاويا؟
ويوم لعمرو والحوادث جمة ... وقد بلغت منا النفوس التراقيا
стр. 10483
أتنسى بلائي يوم صفين والقنا ... رواء وكانت قبل ذاك صواديا
أو الأشتر النخعي في مرجحنة ... يمانية يدعو ربيساً يمانيا
وطاعنت عنك الخيل حتى تبددت ... بداد بنات الماء أبصرن بازيا
تركنا علياً في صحاب محمد ... وكان إلى خير الطريقة داعيا
فلما استقام الأمر من بعده ميله ... وزحزح ما تخشى ونلت الأمانيا
دعوت الألى كانوا لملكك آفة ... وخلت مقامي حية وأفاعيا
فبعث إليه معاوية، وعنده وجوه قريش فقال: يا بن أخي، إني مثلت بين تركي إياك وبين معاتبتك، فوجدت معاتبتك أبقى لك، وأيم الله، ما أخاف عليك نفسي ولكني أخاف عليك من بعدي، فإني رأيتك رحب الذراعين بمساءة عمل شديد التقحم عليه، فلتضق به ذرعك، ولتقل علي تقحمك، فإنك لست كلما شئت تجد من يحمل سفهك. فخرج الفتى من عنده وقد استحيا وارتدع. وأنشأ معاوية يقول: من الطويل
أيا من عذيري من لؤي بن غالب ... فنخشى كلباً كاشر الناب عاويا
فما لي ذنب في لؤي بن غالب ... سوى أنني دافعت عنها الدواهيا
وأني لبست الجود والحلم فيهم ... وأن من رماهم بالأذى قد رمانيا
فأصبحت ما ينفك صاحب سوءة ... يقوم بها بين السماطين لاهيا
فإن أنا جازيت السفيه بذنبه ... فمنها يميني أفردت من شماليا
وإن أنا لم أجز السفيه بذنبه ... لوى رأسه وازداد غياً تماديا
فوليتهم أذني وكانت سجيتي ... ليالي لم أملك ولو كنت واليا
فكم قائل إما هلكت لقومه ... وقائلة لا تبعدن معاويا
وإني لكم عود ذلول موقر ... يقل الألى ينهاهم ما نها مانهانيا
ألم أعف عن أهل الذنوب وأعطهم ... عطية من لايحسب المال فانيا
ثم دعا بالفتى فعقد له على بعض كور الشام.
стр. 10484
رجل
كان معاوية، فقال له ليلة: ألا أخبرك عن زوجتي؟ قال: بلى. قال: ولدت إحداهما غلاماً، والأخرى جارية، فخرجت أم الغلام ترقصه وتقول: من الرجز
يا ليته قد راح في الغزي ... على جواد مشرف علي
فآب بالمغنم والسبي ... فألحق الفقير بالغني
فرددت ذلك حتى أغضبت أم الجارية، فخرجت بابنتها تر قصها وتقول: من الرجز
وما علي أن تكوني جاريه ... تمشط رأسي وتكون الفاليه
وترفع الفاضل من ردائيه ... حتى إذا ما بلغت ثمانية
زوجتها عتبة أو معاويه ... أصهار صدق ومهور غاليه
فضحك معاوية وقال: وأبيها، إن عتبة ومعاوية عنها لمشغولان. وأمر لها بأربعة آلاف.
رجل من بني عذرة
أذن معاوية للناس يوماً فدخل فيهم فتى من بني عذرة، فوقف بين السماطين وقال: من الطويل
معاوي يا ذا الفضل والحلم والعقل ... وذا البر والإحسان والجود والبذل
أتيتك لما ضاق في الأرض مذهبي ... وأنكرت مما قد أصبت به عقلي
ففرج كلأك الله عني فإنني ... لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجي عدله إذ أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني ... فهذا أمير المؤمنين من العدل
стр. 10485
فقال معاوية: ما خطبك؟ فقال: تزوجت ابنة عم لي، وكانت لي صرمة من إبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان رغب عني أبوها، وكانت جارية فيها الحياء والكرم فكرهت مخالفة أبيها، فأتيت عاملك ابن أم الحكم فذكرت ذلك له، وبلغه جمالها، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم، فتزوجها وأخذني فحبسني وضيق علي، فلما أصابني مس الحديد وألم العذاب طلقتها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحروب، وسند المسلوب، فهل من فرج؟ ثم بكى وقال في بكائه: من المجتث
وفي القلب مني نار ... والنار فيها شنار
وفي فؤادي جمر ... والجمر فيه شرار
والجسم مني نحيل ... واللون فيه اصفرار
والعين تبكي بشجو ... فدمعها مدرار
والحب داء عسير ... فيه الطبيب يحار
حملت منه عظيماً ... فما عليه اصطبار
فليس ليلي ليلاً ... ولا نهاري نهار
فرق له معاوية، وكتب له إلى ابن أم الحكم كتاباً عظيماً، وكتب في آخره: من البسيط
ركبت أمراً عظيماً لست أعرفه ... أستغفر الله من جور امرئ زاني
قد كنت تشبه صوفياً له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحباً ... يشكو إلي بحق غير بهتان
أعطي الإله عهوداً لا أخيس بها ... أولا قربت من دين وإيمان
إن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع ... أشهد على ذاك نصراً وابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب ... ولا فعالك حقاً فعل إنسان
فلما ورد كتاب معاوية على ابن أم الحكم، تنفس الصعداء وقال: وددت أن أمير
стр. 10486
المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف، وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر، فلما أزعجه الوفد طلقها. ثم قال: يا سعاد اخرجي، فخرجت شكلة غنجة ذات هيئة وجمال، فلما رآها الوفد قالوا: ما تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين لا لأعرابي. وكتب جواب كتابه: من البسيط
لا تحنثن أمير المؤمنين فقد ... أوفى بعهدك في رفق وإحسان
وما ركبت حراماً حين أعجبني ... فكيف سميت باسم الخائن الزاني
وسوف تأتيك شمس لا خفاء بها ... أبهى البرية من إنس ومن جان
حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت ... أقول ذلك في سري وإعلاني
فلما ورد الكتاب على معاوية قال: إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة فهي أكمل البرية، فاستنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاماً، وأكملهم شكلاً ودلاً. فقال: يا أعرابي، هل من سلو عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم، إذا فرقت بين رأسي وجسدي. ثم أنشأ الأعرابي يقول: من البسيط
لا تجعلني والأمثال تضرب لي ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسي ويصبح في هم وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق ... وأسعر القلب منه أي إسعار
والله والله لا أنسى محبتها ... حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبار
فغضب معاوية غضباً شديداً، ثم قال لها: اختاري إن شئت أنا، وإن شئت ابن أم الحكم، وإن شئت الأعرابي. فأنشأت سعاد تقول: من الرجز
هذا، وإن أصبح في أطمار ... وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري ... وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
стр. 10487
فقال معاوية: خذها لا بارك الله لك فيها، فأنشأ الأعرابي يقول: من الرجز
خلوا الطري للأعرابي ... ألم ترقوا ويحكم لما بي
فضحك معاوية، وأمر له بعشرة آلاف درهم وناقة ووطاء، وأمر بها فأدخلت في بعض قصوره حتى انقضت عدتها من ابن أم الحكم، ودفعها للأعرابي.
شاعر
يقال له النجاشي، ويقال: هو أبو المهلهل الصدائي كان معاوية يغزي أهل اليمن دون غيرهم، فاجتمعوا بعكة، فقام رجل فقال: من الطويل
ألا أيها الناس الذين تجمعوا ... بعكا، أناس أنتم أم أباعر
أتترك قيس ترتعي في بلادها ... ونحن نسامي البحر، والبحر زاخر
فوالله ما أدري وإني لسائل ... أهمدان تحمي ضيمها أم يحارب
أم الشرف الأعلى من أولاد حمير ... بنو مالك إن تستمر المرائر
أأوصى أبوهم بينهم أن تواصلوا ... وأوصى أبوكم بينكم أن تدابروا
فجمع معاوية الناس على غزو البحر، وأعذر إليهم، فقال: ما أغزيكم دون قيس، إن معكم فيهم لكنانة وخندف، وإني أتيمن بكم وأعرف طاعتكم، وقيس فيهم خلاف ونكد في غزو البحر.
شاعر من كلب
كان في زمان معاوية، أو يزيد بن معاوية.
стр. 10488
قال حين رجعت قضاعة عن الانتساب إلى معد بن عدنان وانتسب إلى قحطان، ينكر رجوعهم عن المعدية: من الوافر
أزنيتم عجوزكم وكانت ... عجوزاً لا يحل لها إزار
عجوزاً لو تلمسها يمان ... للاقى مثلما لاقى يسار
يسار هذا: غلام يعرف بيسار الكواعب، كان غلام امرأة من العرب، فراودها عن نفسها فقالت: أنظر في ذلك، ثم عاودها وألح عليها، فدعت بموسى فجدعت أنفه، فضربت العرب المثل به.
شاعر من طيئ
وفد على يزيد بن معاوية فقال: أتيتك سائلاً في حمالة تحملتها عن قومي، وأنا من فرسانهم، فارددني لك شاكراً. فقال يزيد: اشدد فرسك بحزامه، واشج فاه بلجامه ثم ارم به سواد الليل في عرض الجبل، حتى يقضي الله عنك غرمك أو يحمد نجمك. فقال الرجل: والله لقد خفت هذا منك ولكني رجوت لين قلبك. وكان الرجل طويل القامة، مختلف الخلق، فأنشأ يزيد: من البسيط
يا أيها الأعقف المدلي بحجته ... لا حرمة تبتغي عندي ولا نسبا
شد الحزام على حيزوم محتنك ... ذي حارك ولبانٍ يملأ اللببا
واعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا
стр. 10489
أقب لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يغمز له عصبا
حتى تصادف مالاً أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
فقال الطائي: من البسيط
يا أيها الملك المحروم سائله ... لا تقطع اليوم من سؤالك السببا
قد كنت آمل سجلاً من سجالكم ... فاليوم لا فضة أرجو ولا ذهبا
فاستفتح القول شد السرج معترضاً ... جور الفلاة بطرف يمعج الخببا
لو كان والدك الماضي حللت به ... رد الجميل وجلى عني الكربا
إن الحريب إذا ما رد مطعمه ... بخل الخليفة يوماً رده حربا
فتذمم يزيد وأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان يقول بعد ذلك: وددت أني فديت ما كان من قولي حتى تصادف مالاً بما يثقل علي لأني أعلم كم من فتى فارس كريم سيهلكه هذا البيت ويحمله على طباعه عند ضيق المعيشة. قال الرحبي: وقد صدق. وقيل: إن ذلك جرى مع.... فقال عبد الملك: ردوه، فإني أحسبه قد عزم على شر. فطلب فلم يوجد، ولم يلبث عبد الملك أن خرج خارجي أسعر الأرض شراً، وألزمه غرماً ثقيلاً، وكتب إليه: يا أمير المؤمنين، أنا الذي أمرتني، فقبلت قولك. فكتب إليه أمانة، فقدم عليه، وكان من أعراب.
رجل من همدان
من بني وادعة، من أهل الأردن. كان في الجيش الذي وجهه يزيد بن معاوية من البلقاء لقتال أهل المدينة.
стр. 10490
قال: كنا مع مسلم بن عقبة مقدمه المدينة، فدخلنا حائطاً بذي المروة، فإذا شاب حسن الوجه والهيئة قائم يصلي، فطفنا في الحائط ساعة وفرغ من صلاته فقال لي: يا عبد الله، أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم. قال: أترمون ابن الزبير؟ قلت: نعم قال: ما أحب أن لي ما على ظهر الأرض كله وأني سرت إليه، وما على ظهر الأرض اليوم أحد خير منه. قال: فإذا هو عبد الملك بن مروان، فابتلي به حتى قتله في المسجد الحرام.
حرسي لمعاوية
قال: قدم على معاوية بطريق من الروم يعرض عليه جزية الروم عن كل من بأرض الروم من صغير وكبير، جزية دينارين دينارين إلا عن رجلين: الملك وابنه، فإنه لا ينبغي للملك وابنه أن يجزيا. فقال معاوية وهو في كنيسة من كنائس دمشق: لو صببتم لي دنانير جزية حتى تملؤوا هذه الكنيسة لا يجزي الملك وابنه ما قبلتها منكم. فقال الرومي: لا تماكرني، فإنه لا يماكرني أحد مكراً إلا ومعه كذب. فقال معاوية: أراك تمازحني! فقال الرومي: إنك اضطررتني إلى ذلك، غزوتني في البر والبحر والصيف والشتاء، أما والله يا معاوية ما تغلبونا بعدد ولا عدة، ولوددت أن الله جمع بيننا وبينكم في مرج ثم خلى بيننا وبينكم، ورفع عنا وعنكم النصر حتى ترى. قال معاوية: ما له قاتله الله؟ إنه ليعرف أن النصر من عند الله.
مولى ليزيد بن معاوية
حدث عن عائذ الله رجل من أهل الشام عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا نبي الله، ونبياً كان؟ قال: نعم، جبل الله تربته، ونفخ فيه من روحه، وخلقه بيده، وكلمه قبلاً
стр. 10491
رجل من اليمامة
كان باليمامة رجلان أبناء عم، فكثر مالهما فوقع بينهما ما يقع بين الناس، فرحل أحدهما عن صاحبه، قال: فإني ليلة قد ضجرت برعي الإبل والغنم إذ أخذت بيد صبي لي، وعلوت الجبل، فإنا كذلك إذ أقبل السيل، فجعل مالي يمر بي ولا أملك منه شيئاً حتى رأيت ناقة لي قد علق خطامها بشجرة فقلت: لو نزلت إلى هذه فأخذتها لعلي أنجو عليها أنا وابني هذا. فنزلت فأخذت الخطام وجذبها السيل، فرجع علي غصن الشجرة فذهب بإحدى عيني، وأفلت الخطام من يدي، فذهبت الناقة، ورجعت إلى الصبي فوجدته قد أكله الذئب، فأصبحت لا أملك شيئاً فقلت: لو ذهبت إلى ابن عمي لعله يعطيني شيئاً. فمضيت إليه فقال لي: قد بلغني ما أصابك، والله ما أحب أنه أخطاك. فكان ذلك أشد علي مما أصابني. فقلت: أمضي إلى الشام فأطلب. فدخلت دمشق والناس يتحدثون أن عبد الملك بن مروان أصيب بابنٍ له فاشتد جزعه عليه. فأتيت الحاجب فقلت: إني أحدث أمير المؤمنين بحديث يعزيه عن مصيبته هذه. فاستأذن له، فدخل فحدثه فقال: قد عزيتني بمصيبتك عن مصيبتي. وأمر له بمال. قال: فعدت وتراجعت حالي.
شيخ كلبي
قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أن هو الذي قتل طلحة، ما تركت من ولد طلحة أحداً إلا قتلته بعثمان بن عفان.
стр. 10492
أعرابي من كلب
كان عبد الملك بن مروان قد ولى صدقات كلب رجلاً من بني أمية، وكانت الروم قد نزعته، وكان أشقر عصباً فدخل أعرابي جلف جاف على عبد الملك في خفة الناس فقال: يا إنسان، إنك مدبر مربوب قال: أجل، فما تشاء. قال: أحتجبت بهذه المدرة، ووليت خطابنا أصهب عصباً كالقرعوس، طمطمانياً أطوماً كأن وجهه جهوة قرد قد قشر بصرها، وكأن فاه سرم أتان قد قاشها عير فهي ترمز، إن كشرت بسر وإن خاطبت نهر، وإن بالغت زبر فلا الكلام مدفوع ولا القول مسموع، ولا الحق متبوع ولا الجور مردوع، ولنا مقام فيه ينص الخصام، وتزحف الأقدام، وينتصف المظلوم، وينعش المهضوم، ها إن ملكك هناك زائل، وعزك حائل، وناصرك خاذل، والحاكم عليك عادل. فاكبأن عبد الملك، وتضاءلت أقطاره، وترادفت عبراته في صدره. ثم قال: لله أبوك، أي ظلم نالك منا حتى أجاءك إلى هذا المقال. قال: ساعيك في السماوة، نهاره لهو، ورأيه لغو، وغضبه سطو، يجمع المناقط، يحتجن المشايط، ويستنجد العمارط. فأمر عبد الملك بصرف العامل.
نفسر ذلك: العصب: الصمم. والقرعوش: والد البختية وهو لا ينجب
стр. 10493
ولا ينفع. والطمطماني: الأعجم. والأطموم: الذي لا يفهم ولا يفهم؛ أخذ من جلد الأطوم: وهي دابة صليبة الجلد. وقيل: هي السلحفاة. وجهوة قرد: دبره وما ولاه، وكذلك هو لكل ذي أربع، وربما استعمل في الناس. وقشر بصرها: البصر: قشرة على كل شيء. وقاشها: أي نزا عليها. والترمز: التحرك. والمشايط: الواحد: مشياط، وهو الذي يسرع إليه السمن. والمناقط: المتفرقة، ونقط هذا: أي فرقه. والعمارط: واحدها عمروط: وهو الذي لا يرى شيئاً إلا اختلسه، وهو اللص، والواني الوغد. وأكبان: دخل بعضه في بعض. وتضاءلت: أي تصاغرت. والأقطار: النواحي. وأجاءك: أي اضطرك.
رجل من ولد عثمان بن عفان
وفد على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أمير المؤمنين، رأيت في يومي هذا عجباً. كنت في الصيد، فبينا أنا بقفرة من الأرض إذ رأيت شخصاً سقط حاجباه على عينيه، يتوكأ على عنزة معه. فقلت له: من الشيخ؟ فقال: امض لشأنك ودع السؤال عما لا أرب لك في علمه. فازددت لما قال ذعراً، فقلت له: أتروي من شعر العرب شيئاً؟ قال: نعم، وأقول كما قالوا؛ قلت: نحو ماذا؟ فأنشدني: من البسيط
أقول والنجم قد مالت أواخره ... إلى المغيب تبين نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعمٍ بدا لي أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين أثواب وأستار
قال: وكنت يا أمير المؤمنين أعرف الشعر لهادر صاحب نابغة بني ذبيان فقلت: سبقك أخو ذبيان إلى هذا. فضحك ثم قال: بلفظي كان ينطق، أنا هادر بن ماهر. ثم اعتمد على عنق فرسي وقال: ذكرتني صباي. قلت: هذا الشعر من أربعمائة سنة. ثم أنشد: من المتقارب
стр. 10494
وصلت القيان بعهد المسيح ... فأظهرن هجراً بقول قبيح
وذاك لأني حنيت العصا ... وأبدى الزمان لصحبي كلوحي
فمن لي بوجه ولا ليس لي ... بدا لا بوجه صبيح مليح
ثم نظرت. فإذا الأرض منه بلقع. قال عبد الملك: لقد رأيت عجباً.
قضاعي
وفد على عبد الملك ناس من قضاعة. فقال رجل منهم: من الكامل
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعاداتنا التي عودتنا ... أولا، فارشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. ثم وفد عليه فقال: من الطويل
وربي الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما
وليس كبانٍ حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما
فأعطاه ألفي دينار. ثم وفد عليه فقال: من الطويل
إذا استعزروا كانوا معازير بالندى ... يكورن بالمعروف عوداً على بدء
فقال: أحسنت. وأعطاه أربعة آلاف دينار.
стр. 10495
أعرابي وفد على عبد الملك بن مروان
فسلم عليه، ثم قال: مرت بنا سنون ثلاثة: أما إحداها فأكلت المواشي، وأما الثانية فأنضلت اللحم، وأما الثالثة فخلصت إلى العظم، وعندك مال، فإن يكن لله فأعط عباد الله، وإن يكن لك فتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين. قال: فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال: لو كان الناس يحسنون أن يسألوا هكذا ما حرمنا أحداً.
أعرابي دخل على عبد الملك
فقال عبد الملك: يا أعرابي، تمنه. فقال: العافية يا أمير المؤمنين. فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم رزق في دعة ليس لأحد علي فيه منة إلا الله ولا لله علي فيه تبعة. قال: ثم ماذا؟ قال: الخمول، فإني رأيت السوء إلى ذي النباهة سريعاً.
رجل من بني عذرة
صنع عبد الملك بن مروان طعاماً فأكثر وأطاب، ودعا إليه الناس فأكلوا فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام، ما رأى أحد أكثر منه ولا أطيب، فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر فلا، وأما أطيب فقد أكلت أطيب منه. فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك، فأدني منه فقال: ما أنت بمحق فيما تقول إلا أن تخبرني بما تبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا بهجر في تراب أحمر في أقصى حجر إذ توفي أبي، وترك كلاً وعيالاً وكان له نخل، وكان فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن ثمرها أخفاف الرباع لم ير قط أغلظ لحاءً ولا أصغر نوى، ولا أحلى حلاوة منها، وكانت تطرقها أتان وحشية قد ألفتها، تأوي بالليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها، وترفع يديها وتقطع بفيها، فلا تترك بها إلا النبذ والمتفرق، فعظمني ذلك ووقع مني كل موقع، فانطلقت بقوسي وأسهمي، وأنا أظن أني أرجع من ساعتي، فمكثت يوماً وليلة
стр. 10496
لا أراها، حتى إذا كان السحر أقبلت فتهيأت لها فرشقتها، فأصبتها وأجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرتها فاحتززتها، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رصف وعمدت إلى زندي فقدحت، وأضرمت النار في ذلك الحطب، وألقيت سرتها فيها، وأدركني النوم فلم يوقظني إلا حر الشمس في ظهري، فانطلقت إليها وكشفتها، وألقيت ما عليها من قذى ورماد، ثم قلبت مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزعة والمنصفة فسمعت لها أطيطاً كتداعي عامر وغطفان. ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين، وأهوي بها إلى فمي فبم أحلف أني ما أكلت طعاماً قط مثله؟ فقال له عبد الملك: لقد أكلت طيباً، فممن أنت؟ قال: أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وكشكشة ربيعة، وحوشي أهل اليمن وإن كنت منهم. قال: فمن أيهم أنت؟ قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس، فهل لك علم بالشعر؟ قال: سلني عما بدا لك. قال: أي بيت أمدح؟ قال: قول جرير: من الوافر
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
قال: وجرير في القوم. فرفع رأسه وتطاول لها. قال: فأي بيت أفخر؟ قال: قول جرير: من الوافر
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضاب
فتحرك جرير. ثم قال: أي بيت أهجى؟ قال: قول جرير: من الوافر
стр. 10497
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
قال: فاستشرف لها جرير. قال: فأي بيت أغزل؟ قال: قول جرير: من البسيط
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
قال: فاهتز جرير وطرب. ثم قال: أي شيء قالته العرب أحسن تشبيهاً؟ قال: قول جرير: من الطويل
سرى نحوهم ليل كأن نجومه ... قناديل فيهن الذبال المفتل
فقال جرير: جائزتي يا أمير المؤمنين للعذري. فقال عبد الملك: وله مثلها من بيت المال، ولك جائزتك يا جرير لا ننقص منها شيئاً. وكانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم وتوابعها من الجلان والكسوة. فخرج العذري بثمانية ألف درهم ورزمة ثياب.
رجل فصيح
قال الزهري: دخل رجل على عبد الملك فقال له: كم عطاؤك؟ قال: مئتي درهم. قال: في كم ديوانك؟ قال: عشرون ديناراً. قال: أما علمت أني قد أمرت أن لا يتكلم أحد إلا بإعراب؟ قال:
ما علمت ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فمن العرب أنت أم من الموالي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن تكن العربية آباءً فلست منها، وإن تكن لساناً فإني منها. قال: صدقت، قال الله " بلسان عربي مبين " فقام الرجل. فقال عبد الملك: يا زهري، ما ناظرني أحد بمناظرة إلا علوته فيها خلا هذا الرجل.
стр. 10498
رجل
دخل على عبد الملك بن مروان وهو يتغدى فقال: هلم إلى الغداء. فقال: ما في فضل. فقال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون به فضل. فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد ولكني أكره أن أصير إلى الحالة التي استقبح أمير المؤمنين.
رجل أعرابي
دخل على عبد الملك بن مروان وهو يأكل الفالوذج فقال: يا بن عم، ادن فكل من هذا الفالوذج، فإنه يزيد في الدماغ. قال: لو كان كما يقول أمير المؤمنين كان رأسه مثل رأس البغل.
رجل
وعظ عبد الملك بن مروان. قال له عبد الملك: تكلم. قال: بم أتكلم وقد علمت أن كل كلام يتكلم به المتكلم عليه إلا ما كان لله؟ فبكى عبد الملك ثم قال: لم يزل الناس يتوعظون ويتواصون. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن للناس في القيامة جولة، لا ينجو من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه. فبكى عبد الملك وقال: لا جرم، لأجعلن هذه الكلمات مثالاً نصب عيني ما عشت.
رجل
من شعراء البادية عشق ابنة عمه وأمل أن يتزوجها، فأصابتهم حطمة أفسدت المال وغيرت الحال، في خلافة عبد الملك بن مروان فارتحل أهلها إلى بعض مدائن الشام وكثر خطاب الجارية، وبذل لها الرغائب، فبلغ ذلك الأعرابي، فأقبل على
стр. 10499
قعود له، وأغذ السير، فعطب قعوده، فلم يبق معه إلا حلسه وقتبه، فأتاهم فذكر قرابة وشرفاً فقالوا: المال أحب إلينا للحال التي نحن عليها. قال: أي قوم، أما إذا أبيتم فأجلوني شهراً أو شهرين، فإن جئتكم بما تحبون وإلا فأنتم من وراء ما تريدون. وأتى باب عبد الملك فأقام ببابه شهراً لا يصل إليه، ثم أذن له فدخل وهو يقول: من البسيط
ماذا يقول أمير المؤمنين لمن ... أدلى إليك بلا قربى ولا نسب
مدله عقله من حب جارية ... موصوفة بكمال الدل والأدب
خطبتها إذ رأيت الناس قد لهجوا ... لذكرها، والهوى يدعو إلى العطب
فقلت لي حسب عال ولي شرف ... قالوا الدراهم خير من ذوي الحسب
قالوا نريد ألوفاً منك أربعة ... ولست أملك غير الحلس والقتب
فالنفس تعجب لما رمت خطبتها ... مني، وتضحك إفلاسي من العجب
لو كنت أملك مالاً أو أحيط به ... أعطيتهم ألف قنطار من الذهب
فامنن علي أمير المؤمنين بها ... واجمع بها شمل هذا البائس العزب
فما وراءك بعد الله مطلب ... أنت الرجاء ومنهى غاية الطلب
فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، وما يصلح للوليمة. زاد في أخرى مثلها: ورجع إلى الشيخ فتزوج ابنته.
стр. 10500
٢٧٥ - رجل من غسان دخل على عبد الملك بن مروان فكلمه في حوائج قضاها له، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في تقبيل يدك؟ فقال: مه، أما علمت أنها من العرب مذلة، وهي من العجم خدعة؟
رجل من العراق
نصب عبد الملك موائد يطعم الناس، فجلس رجل من العراق على بعض الموائد، فنظر إليه خادم عبد الملك فأنكره، فقال له: أعراقي؟ قال: نعم. قال: فجاسوس؟ قال: كلا، دعني أتهنأ بزاد أمير المؤمنين. ثم إن عبد الملك وقف على تلك المائدة فقال: من القائل: من الوافر
إذا الأرط توسد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين
وما معناه؟ ومن أجاب فيه أجزناه، والخادم يسمع. فقال العراقي للخادم: تحب أن أشرح لك من قائله؟ وفيما قاله؟ قال: نعم. قال: يقول عدي بن زيد في الخمر. فقال الخادم: يا أمير المؤمنين، أنا أجيبك. قال: قل. قال: يقول عدي بن زيد في الخمر. فتبسم عبد الملك. فقال له الخادم: أخطأت أم أصبت؟ قال: بل أخطأت. قال: يا أمير المؤمنين، هذا العراقي لقننيه. فقال عبد الملك: أنت لقنت هذا الخادم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فخطأ لقتنته أم الصواب؟ قال: بل الخطأ قال: ولم؟ قال: لأني كنت متحرماً بمائدتك، فوقف علي فقال: أعراقي أنت؟ قلت: نعم. قال: أنت جاسوس فقلت: دعني لا تنغصني بزاد أمير المؤمنين. قال: فكيف الصواب؟ قال: يقوله شماخ بن ضرار الثعلبي في بقر الوحش، وقد تجزأت بالخضير عن الماء. قال: صدقت. فأجازه، ثم قال: سل حاجتك؟ قال: تنحي هذا عن بابك فإن فيه مشينة.
стр. 10501
رجل قدم على الحجاج بفتح سمرقند
فوجهه إلى الشام. قال: قدمتها فدخلت مسجدها فجلست وإلى جانبي شيخ ضرير، فسألته عن شيء من أمر الشام، قال: إنك لغريب؟ فقلت: أجل. قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان. قال: ما أقدمك؟ فأخبرته. فقال: والذي بعث محمداً بالحق ما افتتحتموها إلا غدراً، وأنكم يا أهل خراسان الذين تسلبون بني أمية ملكهم وتنقضون دمشق حجراً حجراً. قال: أظن الضرير يونس بن ميسرة بن حلبس.
رجل مدح سليمان بن عبد الملك
وأخذ في تقريظه. فقال له سليمان: على رسلك، فإني لا أحب التزكية في المشاهدة، ومديح اللقاء. فقال رجل: إني لست أمدحك، ولكني أحمد الله على النعمة فيك. فقال سليمان: بلغت بالمديح مناط الإحسان.
شيخ من دمشق
دخل سليمان بن عبد الملك المسجد فرآه فقال: يا شيخ، أيسرك أن تموت؟ قال: لا والله. قال: ولم وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخبره، فإذا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
أعرابي دخل على سليمان بن عبد الملك
فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته، فإن من ورائه ما تحب إن قبلته، وإن كرهت أوله. قال سليمان: إنا لنجود بسعة الاحتمال على ما لا نرجو نصيحته ولا نأمن غشه، وأنت الناصح حبباً والمأمون غيباً.
стр. 10502
قال: يا أمير المؤمنين، أما إذا أمنت بادرة غضبك فأطلق لساني بما خرست به الألسن عن عظتك، تأدية لحق الله وحق رعايته وفي رواية وحق إمامتك.
يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لن يألوا للأمانة تضييعاً، والأمة عسفاً، وللقرى خسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين لما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره. فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد نصحت، وأرجو الله أن يعين على ما تقلدنا وفي رواية فقال له: أما أنت فقد سللت لسانك، فهو أقطع من سيفك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين: لك لا عليك.
رجل ظلمه وكلاء رجل من بني أمية
له منزلة عند ملوكهم، في مال له بالحجاز، فخاصم الرجل الوكلاء إلى الوالي فمال عليه لهم. فقال: لا أرضى إلا بوالي مكة والمدينة، فصاروا إليه فكتب الأموي إلى الوالي الذي ارتفعوا إليه، فمال عليه لهم، فقال الرجل: لا أرضى إلا بأمير المؤمنين. فخرج إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يلق بدمشق أحداً من جلساء سليمان، ولا عظيماً من عظماء دمشق إلا مال إلى الأموي عليه. فطلب الوصول إلى سليمان، فتعذر عليه ذلك، فدل على خادم خصي أنه لا يوصله إلى سليمان غيره، ولا يوصله حتى يرغبه. فقال:
أجعل له مئتي دينار على أن يوصلني إليه خالياً. فاجتمعوا، وقرر له ذلك، إن قضيت حاجته أو لم تقض. فأمر الخادم الرجل بلزوم الباب، فلزمه. فدعا سليمان الخصي يوماً، وأمره أن يأتيه بوضوء، فأتاه به، فبينا الخادم يصب على سليمان إذ ملأ سليمان يده فضرب به وجه الخادم، فعرف الخادم منه طيب نفس فقال: أما هذا فتحسنه، وأما أن تعطيني أو تدع من يعطيني فلا. فقال سليمان: هل منعت من أحداً؟ قال: هذا رجل ببابك، وقد جعل لي مئتي دينار على أن يكلمك
стр. 10503
في حالة له خالياً، قضيت الحاجة أم لم تقض. فقال له سليمان: هاته. فجاء به، وقام سليمان يصلي، ثم قعد يخطر بأصبعه ويدعو. فقال الرجل حين نظر إلى سليمان في تلك الحال: أواه، أواه، أخطأت موضع حاجتي. ورجع خارجاً، وانصرف سليمان. فقال للخصي: أين صاحبك؟ فطلبه فوجده خرج وقال: ادفعوا الدنانير للخادم فإنه وفى بما ضمن. فطلبه الخادم فلم يجده، فرجع إلى سليمان فأخبره. فقال سليمان للخادم: بساطي عليك محرم أو تجيئني بهذا الرجل. فخرج الخادم وثقاته فتفرقوا في طلبه حتى ظفروا به يقود راحلته خارجاً من باب من أبواب دمشق، فقال له الخادم: ارجع إلى أمير المؤمنين فقد طلبك. فقال: لا حاجة لي به، وقد أمرت أن تدفع إليك الدنانير. فقال له الخصي: لا بد من الرجوع إلى أمير المؤمنين. فرده على كره منه إلى سليمان فقال له سليمان: ألم أخبر أنك جعلت لهذا مئتي دينار على أن يدخلك إلي؟ فقال الرجل: قد كان ذلك. قال سليمان: أفلم أرك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك؟ والله إن لك لخبراً. قال: أجل، خبر ضخم العنق، إن فلاناً ظلمني في أرض بالحجاز لي، فاستعديت عليه الوالي على ناحيتنا، فمال علي له، فلم أرض بذلك، واستعديت عليه الوالي الأكبر، فمال علي، فلم أرض بذلك، وقدمت إليك فلم أجد أحداً إلا يميل له علي، فجعلت لخادمك هذا الذي جعلت له على أن يوصلني إليك، فلما أوصلني إليك رأيتك تخطر بأصبعك إلى السماء تطلب من الله حاجتك وتضرع إليه، فعقلت بفعلك موضع حاجتي، وعلمت أني أخطأت في طلبها، ولم آتها من الموضع الذي ينبغي، فرجعت أطلبها من الموضع الذي تطلب أنت حاجتك. فبكى سليمان ثم قال: إن الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وكتب إلى الأموي بكل ما أحب، وأمره برد ما يدعي عليه، وأعطاه أيضاً ما يصلح به ضيعته وذلك بعد ما وصله سليمان وكساه، وأمر له بفرائض.
رجل أجابه سليمان
وطلبه ليقتله فهرب، فجعلت رسله تختلف إلى منزله يطلبونه، فلم يظفر به، وجعل الرجل لا يأتي بلدة إلا قيل له: كنت تطلب ها هنا. فلما طال عليه
стр. 10504
الأمر، وخشي ألا يفلت قال: ما أجد شيئاً خيراً من أن أذهب إلى بلاد ليس فيها له مملكة. فأقبل إلى أهله فطرقهم ليلاً فدق الباب. فقالت المرأة: من هذا؟ قال: افتحي، أنا فلان. قالت: ويحك، وما جاء بك؟ فوالله ما نأمن ولا يأمن جيراننا، ولكن الحين جاء بك. ففتحت له، وأسرجت سريعاً، ونبهت له عياله وجاءته بعشاء فتعشى، وأرادها على نفسها، فلم تمتنع عليه فواقعها وقالت: يا جارية، ضعي لمولاك في المتوضأ سراجاً، وصبي له ماء، واذهبي إلى فلان وفلان: أربعة من جيرانها، ولا يعلم الرجل. فأتت أبوابهم فطرقتها، فقالوا ما لكم، أطرقكم الليلة أحد؟ قالت: لا. قالوا: فلأي شيء بعثتك؟ قالت: ما لي علم. فدق هذا على هذا، وأتوها، ودخلوا البيت فقام إليهم، واعتنقهم، وقالوا: ما جاء بك؟ فإنا ما نأمن منازلنا، ولكن الحين جاء بك. فقال:
يا قوم، لم آت بلدة إلا وجدتني أطلب فيها، فرأيت أن أدخل بلدة ليس له عليها مملكة، وجئت لأوصي هذه المرأة وصية الموت، لأني إن دخلت بلاداً غير بلاد الإسلام لم أقدر أن أخرج منها، فأوصيت إلها، وأشهدكم على ذلك. ثم ودعهم، وقاموا يخرجون. فقالوا: أيتها المرأة لأي شيء بعثت إلينا؟ فقالت: أليس تعرفون الرجل أنه زوجي؟ قالوا: بلى. قالت: فإنه قد كان منه الليلة ما يكون من الرجل إلى أهله، فاشهدوا على هذه الليلة، فإنه لا أدري ما يكون ها هنا وأشارت إلى بطنها فيقول الناس: من أين جاءت بهذا وزوجها غائب؟ فخرج القوم وهم يقولون: ما رأينا كاليوم امرأة أحسن عقلاً، ولا أقرب مذهباً. وودعوه، وخرج الرجل، ترفعه أرض وتضعه أخرى حتى ظن أنه قد خرج من مملكته. فبينا هو في صحراء ليس فيها شجر ولا ماء، إذا هو برجل يصلي. فقال: فخفته وقلت: هذا يطلبني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: ما معه راحلة ولا دابة. فقصدت نحوه، فلما صرت بين كتفيه ركع ثم سجد ثم التفت إلي فقال: لعل هذا الطاغي أخافك؟ قلت: أجل، رحمك الله. قال: فما يمنعك من السبع؟ قلت: وما
стр. 10505
السبع يرحمك الله؟! قال: قل سبحان الله الواحد الذي ليس غيره إله، سبحان القديم الذي لا بادئ له، سبحان الدائم الذي لا نفاذ له، سبحان الدائم الذي كل يوم هو في شأن، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي خلق ما يرى وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء بغير علم. قال: قلها. فقلتها، وحفظتها، فألقى الله في قلبي الأمن، ورجعت من الطريق الذي جئت منه، فلم أر الرجل، وقصدت أهلي فقلت: لآتين باب سليمان بن عبد الملك، فأتيت بابه فإذا هو يوم إذنه للناس، فدخلت وهو قاعد على فرشه، فما عدا أن رآني، فاستوى على فرشه ثم أدناني حتى قعدت معه على الفراش، ثم قال: سحرتني؟ وساحر أيضاً مع ما بلغني عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أنا بساحر ولا سحرتك. قال: فكيف؟ فما ظننت أن يتم ملكي إلا بقتلك، فلما رأيتك لم أستقر حتى دعوتك فأقعدتك على فرشي وهو يضرب بيده على فخذه ثم قال: اصدقني. فأخبرته بقصتي وخوفي، وأمري كله. فقال سليمان: الخضر والله علمكها، اكتبوا له أمانه، وأحسنوا جائزته، واحملوه إلى أهله.
رجل أرسل إليه عمر بن عبد العزيز
فقال: كيف الحديث الذي حدثتني عن الصنابحي؟ فقال: أخبرني الصنابحي أنه لقي عمرو بن عبسة فقال: هل من حديث عن رسول الله ﷺ لا زيادة فيه ولا نقصان؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ أو قصر كان عدل رقبة، ومن شاب شيبة في سبيل الله كان له نوراً يوم القيامة.
شيخ ضرير من الجزيرة
من ملازمي المسجد. لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خرج مما كان في يده القطائع، وكان في يده
следующие страницы →