Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.
стр. 10501
رجل قدم على الحجاج بفتح سمرقند
فوجهه إلى الشام. قال: قدمتها فدخلت مسجدها فجلست وإلى جانبي شيخ ضرير، فسألته عن شيء من أمر الشام، قال: إنك لغريب؟ فقلت: أجل. قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان. قال: ما أقدمك؟ فأخبرته. فقال: والذي بعث محمداً بالحق ما افتتحتموها إلا غدراً، وأنكم يا أهل خراسان الذين تسلبون بني أمية ملكهم وتنقضون دمشق حجراً حجراً. قال: أظن الضرير يونس بن ميسرة بن حلبس.
رجل مدح سليمان بن عبد الملك
وأخذ في تقريظه. فقال له سليمان: على رسلك، فإني لا أحب التزكية في المشاهدة، ومديح اللقاء. فقال رجل: إني لست أمدحك، ولكني أحمد الله على النعمة فيك. فقال سليمان: بلغت بالمديح مناط الإحسان.
شيخ من دمشق
دخل سليمان بن عبد الملك المسجد فرآه فقال: يا شيخ، أيسرك أن تموت؟ قال: لا والله. قال: ولم وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخبره، فإذا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
أعرابي دخل على سليمان بن عبد الملك
فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته، فإن من ورائه ما تحب إن قبلته، وإن كرهت أوله. قال سليمان: إنا لنجود بسعة الاحتمال على ما لا نرجو نصيحته ولا نأمن غشه، وأنت الناصح حبباً والمأمون غيباً.
стр. 10502
قال: يا أمير المؤمنين، أما إذا أمنت بادرة غضبك فأطلق لساني بما خرست به الألسن عن عظتك، تأدية لحق الله وحق رعايته وفي رواية وحق إمامتك.
يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لن يألوا للأمانة تضييعاً، والأمة عسفاً، وللقرى خسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين لما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره. فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد نصحت، وأرجو الله أن يعين على ما تقلدنا وفي رواية فقال له: أما أنت فقد سللت لسانك، فهو أقطع من سيفك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين: لك لا عليك.
رجل ظلمه وكلاء رجل من بني أمية
له منزلة عند ملوكهم، في مال له بالحجاز، فخاصم الرجل الوكلاء إلى الوالي فمال عليه لهم. فقال: لا أرضى إلا بوالي مكة والمدينة، فصاروا إليه فكتب الأموي إلى الوالي الذي ارتفعوا إليه، فمال عليه لهم، فقال الرجل: لا أرضى إلا بأمير المؤمنين. فخرج إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يلق بدمشق أحداً من جلساء سليمان، ولا عظيماً من عظماء دمشق إلا مال إلى الأموي عليه. فطلب الوصول إلى سليمان، فتعذر عليه ذلك، فدل على خادم خصي أنه لا يوصله إلى سليمان غيره، ولا يوصله حتى يرغبه. فقال:
أجعل له مئتي دينار على أن يوصلني إليه خالياً. فاجتمعوا، وقرر له ذلك، إن قضيت حاجته أو لم تقض. فأمر الخادم الرجل بلزوم الباب، فلزمه. فدعا سليمان الخصي يوماً، وأمره أن يأتيه بوضوء، فأتاه به، فبينا الخادم يصب على سليمان إذ ملأ سليمان يده فضرب به وجه الخادم، فعرف الخادم منه طيب نفس فقال: أما هذا فتحسنه، وأما أن تعطيني أو تدع من يعطيني فلا. فقال سليمان: هل منعت من أحداً؟ قال: هذا رجل ببابك، وقد جعل لي مئتي دينار على أن يكلمك
стр. 10503
في حالة له خالياً، قضيت الحاجة أم لم تقض. فقال له سليمان: هاته. فجاء به، وقام سليمان يصلي، ثم قعد يخطر بأصبعه ويدعو. فقال الرجل حين نظر إلى سليمان في تلك الحال: أواه، أواه، أخطأت موضع حاجتي. ورجع خارجاً، وانصرف سليمان. فقال للخصي: أين صاحبك؟ فطلبه فوجده خرج وقال: ادفعوا الدنانير للخادم فإنه وفى بما ضمن. فطلبه الخادم فلم يجده، فرجع إلى سليمان فأخبره. فقال سليمان للخادم: بساطي عليك محرم أو تجيئني بهذا الرجل. فخرج الخادم وثقاته فتفرقوا في طلبه حتى ظفروا به يقود راحلته خارجاً من باب من أبواب دمشق، فقال له الخادم: ارجع إلى أمير المؤمنين فقد طلبك. فقال: لا حاجة لي به، وقد أمرت أن تدفع إليك الدنانير. فقال له الخصي: لا بد من الرجوع إلى أمير المؤمنين. فرده على كره منه إلى سليمان فقال له سليمان: ألم أخبر أنك جعلت لهذا مئتي دينار على أن يدخلك إلي؟ فقال الرجل: قد كان ذلك. قال سليمان: أفلم أرك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك؟ والله إن لك لخبراً. قال: أجل، خبر ضخم العنق، إن فلاناً ظلمني في أرض بالحجاز لي، فاستعديت عليه الوالي على ناحيتنا، فمال علي له، فلم أرض بذلك، واستعديت عليه الوالي الأكبر، فمال علي، فلم أرض بذلك، وقدمت إليك فلم أجد أحداً إلا يميل له علي، فجعلت لخادمك هذا الذي جعلت له على أن يوصلني إليك، فلما أوصلني إليك رأيتك تخطر بأصبعك إلى السماء تطلب من الله حاجتك وتضرع إليه، فعقلت بفعلك موضع حاجتي، وعلمت أني أخطأت في طلبها، ولم آتها من الموضع الذي ينبغي، فرجعت أطلبها من الموضع الذي تطلب أنت حاجتك. فبكى سليمان ثم قال: إن الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وكتب إلى الأموي بكل ما أحب، وأمره برد ما يدعي عليه، وأعطاه أيضاً ما يصلح به ضيعته وذلك بعد ما وصله سليمان وكساه، وأمر له بفرائض.
رجل أجابه سليمان
وطلبه ليقتله فهرب، فجعلت رسله تختلف إلى منزله يطلبونه، فلم يظفر به، وجعل الرجل لا يأتي بلدة إلا قيل له: كنت تطلب ها هنا. فلما طال عليه
стр. 10504
الأمر، وخشي ألا يفلت قال: ما أجد شيئاً خيراً من أن أذهب إلى بلاد ليس فيها له مملكة. فأقبل إلى أهله فطرقهم ليلاً فدق الباب. فقالت المرأة: من هذا؟ قال: افتحي، أنا فلان. قالت: ويحك، وما جاء بك؟ فوالله ما نأمن ولا يأمن جيراننا، ولكن الحين جاء بك. ففتحت له، وأسرجت سريعاً، ونبهت له عياله وجاءته بعشاء فتعشى، وأرادها على نفسها، فلم تمتنع عليه فواقعها وقالت: يا جارية، ضعي لمولاك في المتوضأ سراجاً، وصبي له ماء، واذهبي إلى فلان وفلان: أربعة من جيرانها، ولا يعلم الرجل. فأتت أبوابهم فطرقتها، فقالوا ما لكم، أطرقكم الليلة أحد؟ قالت: لا. قالوا: فلأي شيء بعثتك؟ قالت: ما لي علم. فدق هذا على هذا، وأتوها، ودخلوا البيت فقام إليهم، واعتنقهم، وقالوا: ما جاء بك؟ فإنا ما نأمن منازلنا، ولكن الحين جاء بك. فقال:
يا قوم، لم آت بلدة إلا وجدتني أطلب فيها، فرأيت أن أدخل بلدة ليس له عليها مملكة، وجئت لأوصي هذه المرأة وصية الموت، لأني إن دخلت بلاداً غير بلاد الإسلام لم أقدر أن أخرج منها، فأوصيت إلها، وأشهدكم على ذلك. ثم ودعهم، وقاموا يخرجون. فقالوا: أيتها المرأة لأي شيء بعثت إلينا؟ فقالت: أليس تعرفون الرجل أنه زوجي؟ قالوا: بلى. قالت: فإنه قد كان منه الليلة ما يكون من الرجل إلى أهله، فاشهدوا على هذه الليلة، فإنه لا أدري ما يكون ها هنا وأشارت إلى بطنها فيقول الناس: من أين جاءت بهذا وزوجها غائب؟ فخرج القوم وهم يقولون: ما رأينا كاليوم امرأة أحسن عقلاً، ولا أقرب مذهباً. وودعوه، وخرج الرجل، ترفعه أرض وتضعه أخرى حتى ظن أنه قد خرج من مملكته. فبينا هو في صحراء ليس فيها شجر ولا ماء، إذا هو برجل يصلي. فقال: فخفته وقلت: هذا يطلبني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: ما معه راحلة ولا دابة. فقصدت نحوه، فلما صرت بين كتفيه ركع ثم سجد ثم التفت إلي فقال: لعل هذا الطاغي أخافك؟ قلت: أجل، رحمك الله. قال: فما يمنعك من السبع؟ قلت: وما
стр. 10505
السبع يرحمك الله؟! قال: قل سبحان الله الواحد الذي ليس غيره إله، سبحان القديم الذي لا بادئ له، سبحان الدائم الذي لا نفاذ له، سبحان الدائم الذي كل يوم هو في شأن، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي خلق ما يرى وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء بغير علم. قال: قلها. فقلتها، وحفظتها، فألقى الله في قلبي الأمن، ورجعت من الطريق الذي جئت منه، فلم أر الرجل، وقصدت أهلي فقلت: لآتين باب سليمان بن عبد الملك، فأتيت بابه فإذا هو يوم إذنه للناس، فدخلت وهو قاعد على فرشه، فما عدا أن رآني، فاستوى على فرشه ثم أدناني حتى قعدت معه على الفراش، ثم قال: سحرتني؟ وساحر أيضاً مع ما بلغني عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أنا بساحر ولا سحرتك. قال: فكيف؟ فما ظننت أن يتم ملكي إلا بقتلك، فلما رأيتك لم أستقر حتى دعوتك فأقعدتك على فرشي وهو يضرب بيده على فخذه ثم قال: اصدقني. فأخبرته بقصتي وخوفي، وأمري كله. فقال سليمان: الخضر والله علمكها، اكتبوا له أمانه، وأحسنوا جائزته، واحملوه إلى أهله.
رجل أرسل إليه عمر بن عبد العزيز
فقال: كيف الحديث الذي حدثتني عن الصنابحي؟ فقال: أخبرني الصنابحي أنه لقي عمرو بن عبسة فقال: هل من حديث عن رسول الله ﷺ لا زيادة فيه ولا نقصان؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ أو قصر كان عدل رقبة، ومن شاب شيبة في سبيل الله كان له نوراً يوم القيامة.
شيخ ضرير من الجزيرة
من ملازمي المسجد. لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خرج مما كان في يده القطائع، وكان في يده
стр. 10506
المكندس وجبل الورس باليمن وفدك وقطائع اليمامة، فخرج من ذلك كله ورده إلى المسلمين إلا أنه ترك عيناً بالسويداء كانت تأتيه غلتها كل سنة مئة وخمسين ديناراً، وأقل وأكثر، فذكر له يوماً مزاحم أن له نفقة أهله قد فنيت. فقال: حتى تأتي غلتنا، فقدم قيمه بغلته وبجراب صيحاني، وبجراب تمر عجوة، فنثره بين يديه، وسمع أهله بذلك، فأرسلوا ابناً له صغيراً فحفن له من التمر، فانصرف ولم ينشب أن سمعنا بكاءه، ويضرب، ثم أقبل يؤم الدنانير فقال: أمسكوا يديه. ورفع يديه فقال: اللهم، بغضها إليه كما حببتها إلى موسى بن نصير، ثم قال: خلوه. فكأنما يرى به عقارب. ثم قال: انظروا الشيخ الجزري المكفوف الذي يغدو إلى المسجد بالأسحار فخذوا له ثمن قائد لا كبير فيقهره ولا صغير فيضعف عنه. ففعلوا. ثم قال لمزاحم: شأنك بما بقي فأنفقه على أهلك.
رجل من بني مروان بن الحكم
قال عمر بن عبد العزيز لآذنه: لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني، فلما اجتمعوا عنده، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم يا بني مروان قد أعطيتم في الدنيا حظاً وشرفاً وأموالاً، إني لأحسب شطر مال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم، فردوا ما في أيديكم من هذا المال. فسكتوا. قال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. قال: ألا تجيبوني؟ فتكلم رجل من القوم قال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى يحال بين رؤوسنا وأجسادنا، والله لا نكفر آباءنا ولا نفقر أبناءنا. قال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت خدودكم، قوموا عني.
стр. 10507
مؤذن عمر بن عبد العزيز
حدث عن مسلم بن يسار عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال: يا عويش، قولي اللهم رب النبي محمد ﷺ ، اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن.
رجل وفد على عمر بن عبد العزيز
قال: أتاني آت في منامي فقال لي: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل. فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرات في المنام، فلما كان آخر ذلك زبرني وأودعني، فرحلت إليه، فلما قدمت لقيته فحدثته الحديث فقال: ما اسمك؟ ومن أين أنت؟ وأين منزلك؟ قلت: بخراسان. قال: ومن أمير المكان الذي أنت به؟ ومن ديقك هناك ومن عدوك؟ فألطف المسألة، ثم حبسني أربعة أشهر. فشكوت إلى مزاحم، مولى عمر بن عبد العزيز فقال: إنه قد كتب فيك. قال: فدعاني بعد أربعة أشهر فقال: إني كتبت فيك فجاءني ما أسر به من قبل صديقك وعدوك، فبايعني على السمع والطاعة والعدل، فإذا تركت ذلك فليس لي عليك بيعة، فبايعته. قال: ألك حاجة؟ فقلت: لا. أنا غني في المال، إنما أتيتك لهذا. فودعته ومضيت. فقلت بيني وبين نفسي وهو يراني، وذكرت بعد أهلي وطول المسير إليهم فقلت: لو حملني على البريد. فالتفت، فرآني، فدعاني فقال: ألك حاجة؟ فقلت: نعم، شيء إن لم يثقل عليك؛ ذكرت بعد أهلي، وطول المسير فقلت: لو حملني على البريد. فقال: ما ذلك لك، ولا لنا. قال: فمكث هنية ثم قال: هل لك أن تعمل لنا عملاً وأحملك؟ فقلت: نعم. قال: لا تأت على عامل لنا إلا نظرت في سيرته، فإن كانت حسنة لم تكتب بها، وإن كانت قبيحة كتبت به. قال مزاحم: فما زال كتاب منه يجيئنا في عامل فنعزله حتى قدم خراسان.
стр. 10508
رجل من بني أسد
حرسي لعمر بن عبد العزيز قال: ما رأيت عمر قتل أسيراً قط إلا واحداً من الترك جيء بأسرى من الترك فأمر بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو رأيت هذا لأحدهم وهو يفتك في المسلمين لكثر بكاؤك عليهم. فقال عمر: فدونك فاقتله. فقتله.
رجل من حرس عمر بن عبد العزيز
قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، فقمنا. فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا، ولكن توسعوا. ثم قال: أيعرف أحدكم فلان؟ فقلنا: كلنا نعرفه. قال: فليقم أحدثكم سناً، فقام أحدثنا سناً، فدعاه له، فجاء الرجل وقد تهيأ وشد عليه ثيابه. فقال عمر: إنا بعثناك في أمر عجلة من أمور المسلمين، فلا يحملك استعجالنا لك على أن تخرج حتى تصلي الجمعة، فإن اليوم الجمعة، وإذا حضرت الصلاة، فصلها لوقتها، فإنك لا محالة أن تصليها، وإن الله ذكر قوماً فقال: " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً " ولم تكن إضاعتهم إياها أن تركوها، ولو تركوها لسماهم بتركها كفاراً.
شيخ حرسي لعمر بن عبد العزيز
قال: رأيت عمر حين ولي وبه من حسن اللون، وجودة الثياب والبزة، ثم دخلت عليه بعد وقد ولي فإذا هو قد احترق واسود، ولصق جلده بعظمه حتى ليس بين الجلد
стр. 10509
والعظم لحم، وعبيه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها، تعلم أنها قد غسلت، وعليه سحق إنبجانية قد خرج سداها وهو على شاذكونة قد لصقت بالأرض، تحت الشاذكونة عباءة قطوانية من مشاقة الصوف، فأعطاني مالاً أتصدق به بالرقة فقال: لا تقسمه إلا على نهر جار. فقلت له: يأتيني من لا أعرف، فمن أعطي؟ قال: من مد يده إليك.
حرسي لعمر بن عبد العزيز
دخل رسول لبعض الولاة على عمر بن عبد العزيز، ومعه حرسي لعمر، فجعل الرسول إذا كلم عمر كلمة زجره الحرسي وانتهره، حتى فرغ من قراءة كتابه فقال: كن قريباً. ثم دخل رسول آخر ومعه ذلك الحرسي، فكلم عمر، لا يندهه ولا يمنعه، حتى فرغ من قراءة كتابه فقال: كن قريباً، ثم أرسل عمر إلى رسول الأول فقال له: أرأيت الحرسي الذي كان دخل معك، هل تعرفه؟ قال: لا. قال: إن الله قد أفطنني لمنعه إياك من الكلام فنفعك ذلك ولم يضرك، فارفع إلي حاجتك. فلم يسأله شيئاً إلا أعطاه إياه، ثم أرسل إلى الرسول الثاني فقال: هل بينك وبين الحرسي الذي دخل معك معرفة؟ قال: نعم، هو صديقي وجاري. قال: أما أنه قد حاباك، وجهد أن ينفعك فألقي في روعي لا تصيب مني شيئاً، فلولا أن تكون مني مراغمة في منع رزق، لم تصب مني شيئاً، وسآمر لك بمعروف. ثم أرسل إلى الحرسي فقال: ويلك، وليت أمر رجلين بين يدي فلم تعدل بينهما، فكيف الأمر على ما ابتليت به؟ فاختر مني أحد أمرين: إما أن تأذن لي قألقبك لقباً، وإما أن أمحوك من الحرس. قال: بل تعفيني. قال: لا. قال: فإني أختار أن تلقبني. فسماه الجانف، فكان إذا رآه يقول: ادعوا لي الجانف، فيقول: يا أمير المؤمنين! فيقول: ما سببت، هو شرطي عليك. فلم يزل كذلك حتى مات.
стр. 10510
رجل من حرس عمر بن عبد العزيز
قال: بينما عمر يسير على بغلته بخناصرة إذ جاء رجل متزر ببرد، متعصب بآخر حتى أخذ بلجام بغلته، ما ينهنهه أحد فقال: من البسيط
تدعون حران مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاكم لعند الدار مظلوم
فقال: ممن أنت؟ قال: من حضرموت. قال: ما ظلامتك؟ قال: أرضي، وأرض آبائي أخذها الوليد وسليمان فأكلاها. فنزل عمر عن دابته يتكئ حتى جلس بالأرض. فقال: من يعلم ذلك؟ قال: أهل البلد قاطبة. قال: يكفيني من ذلك شاهدا عدل. اكتبوا له إلى بلاده، إن أقام شاهدي عدل على أرضه وأرض آبائه وأجداده، فادفعوها إليه، فحسب الوليد وسليمان ما أكلا من غلتها. فلما ولى الرجل قال: هل هلكت لك من راحلة، أو أخلق لك من ثوب، أو نفد لك من زاد، أو تخرق لك من حذاء؟ فحسب ذلك، فبلغ اثنتين وثلاثين ديناراً أو ثلاثة وثلاثين ديناراً. فأتى بها من بيت المال، فكأني أنظر إليها تعد في يده.
رجل ممن كان في جيش مسلمة
ابن عبد الملك في غزوة القسطنطينية. وفد على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن بلائي كذا، ومن أمري كذا. فالتفت إلى بعض جلسائه فقال: أما يريد هؤلاء أن يسبقوا لآخرتهم شيئاً؟!
رجل من العلماء
قدم على عمر بن عبد العزيز. فقال: الصامت على علم كالمتكلم على علم. فقال عمر:
стр. 10511
إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالاً وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه. قال: يا أمير المؤمنين، وكيف بفتنة المنطق؟ فبكى عمر بكاء شديداً.
خصي لعمر بن عبد العزيز
حدث أن عمر لم يغتسل بداره قط إلا بمئزر.
مولى لعمر بن عبد العزيز
حدث عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ . " يوم يكشف عن ساق " قال: عن نور عظيم، يخرون له سجداً.
رجل سمع عمر بن عبد العزيز
وهو خليفة في يوم فطر على المنبر يقول: إن شعار هذا اليوم التحميد والتكبير والتكبير والتمجيد. ثم كبر مراراً، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ثم يشهد للخطبة، ثم يفصل بين التشهد والتكبير.
أعرابي دخل على عمر
فقال: رجل من أهل البادية، ساقته الحاجة، وانتهت به الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر: ما سمعت كلمات أبلغ من قائل، ولا أبلغ لمقول منها.
شيخ حد في الشراب
قال عمر بن عبد العزيز: لأجلدن في الشراب كما فعل جدي عمر بن الخطاب ﵄. ثم أمر صاحب عسسه وضم إليه صاحب خبره، وقال لهما: من وجدتماه سكران
стр. 10512
فأتياني به. فطافا ليلتهما حتى انتهيا إلى بعض الأسواق، فإذا هما بشيخ حسن الشيبة، بهي المنظر، عليه ثياب حسنة، متلوث في أثوابه سكران وهو يتغنى: من الطويل
سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنت
فحركاه بأرجلهما وقالا له:
يا شيخ، ما تستحي بهذه الشيبة الحسنة من مثل هذه الحال؟ فقال: ارفقا بي، فإن لي إخواناً أحداث الأسنان شربت عندهم ليلتي هذه، فلما عمل الشراب في أخرجوني، فإن رأيتما أن تعفوا عني فافعلا فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف يا شيخ ولا تعد. فقال: نعم، وأنا تائب، فلما كان في الليلة الثانية وجدا الشيخ على حاله وهو يتغنى: مجزوء الخفيف
إنما هيج البلا ... حين عض السفرجلا
فرماني وقال لي ... كن بعيني مبتلى
ولقد قام لحظه ... لي على القلب بالقلى
فحركاه بأرجلهما وقالا له: يا شيخ، أين التوبة منك؟ فقال: ارفقا بي واعلما أن إخواني الذين ذكرتهم لكما البارحة حلفوا لي في يومهم هذا أنه متى عمل الشراب لا يخرجوني، فعمل فيهم وفي فخرجت وهم لا يعلمون، فإن رأيتما أن تزيدا في العفو فافعلا. فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف. فلما طافا في الليلة الثالثة وجداه على حاله يتغنى: من الخفيف
ارض عني فطالما قد سخطتا ... أنت ما زلت جافياً مذ عرفتا
أنت ما زلت جافياً لا وصولاً ... بل بهذا فدتك نفسي ألفتا
ما كذا يفعل الكرام بنو النا ... س بأحبابهم فلم كنت أنتا
فحركاه بأرجلهما وقالا: هذه الثالثة ولا عفو. قال: أخطأتما، فإني رويت بسندي إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه. فإن شربها الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله
стр. 10513
عليه فإن شربها الثالثة لم تقبل صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه فإن شربها الرابعة لم تقبل صلاته أربعين ليلة، ثم تاب لم يتب الله عليه، وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار في النار.
قال: فعفو من الثالثة واجب، ومن الرابعة غير واجب. فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم علي أمره حتى أطلقه. قال: قد فعلت. قال: انصرف. فلما كان في الليلة الرابعة وجداه على حاله يتغنى: من البسيط
قد كنت أبكي وما حنت لهم لإبل ... فما أقول إذا ما حمل الثقل
كأنني بك نضو لا حراك به ... تدعى وأنت عن الداعين في شغل
فقلبوك بأيديهم هناك وقد ... سارت بأجمالك المهرية الذلل
حتى إذا استيأسوا من أن تجيبهم ... غطوا عليك وقالوا قد قضى الرجل
هذه الرابعة ولا عفو. قال: لست أسألكما عفواً بعدها، فافعلا ما بدا لكما، فحملاه فأوقفاه بحضرة عمر بن عبد العزيز، وقصا عليه قصته من أولها إلى آخرها، فأمر عمر ﵁ باستنكاهه فوجد منه رائحة، فحبسه حتى أفاق، فلما كان في الغد أقام عليه الحد، فجلده ثمانين جلدة. فلما فرغ قال له عمر: أنصف يا شيخ من نفسك ولا تعد. قال: يا أمير المؤمنين، قد ظلمتني لأنني عبد، وحددتني حد الأحرار. فاغتم عمر. فقال: أخطأت علينا وعلى نفسك، أفلا أخبرتنا أنك عبد فنحدك حد العبيد؟ فلما رأى اهتمام عمر به رد عليه وقال: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، ليكن لي بقية هذا الحد سلفاً عندك، لعلي أرفع إليك مرة أخرى. فضحك عمر حتى استلقى على مسنده، وكان قليل الضحك، وقال لصاحب عسسه وصاحب خبره: إذا رأيتما مثل هذا الشيخ في هيئته وعلمه وفهمه وأدبه فاحملا على أمره الشبهة، فإن رسول الله ﷺ قال: ادرؤوا الحدود بالشبهة.
стр. 10514
شاب
دخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه، وإذا فيهم شاب داثر ناحل الجسم فقال له عمر: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمراض وأسقام. قال: سألتك بالله إلا صدقتني. فقال: يا أمير المؤمنين، ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة، فصغر في عيني زهرتها وحلاوتها، واستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي، والناس يساقون إلى الجنة والنار، فأظمأت لذلك نهاري، وأسهرت ليلي، وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه.
فتى من الأنصار
دخل على عمر بن عبد العزيز شيخ جليل فقال: يا أمير المؤمنين، إني دخلت مصر مع مروان، وغزوت دير الجماجم، وغزوة كذا وغزوة كذا، فتأمر لي بشيء؟ فقال: اجلس أيها الشيخ. قال: ويثور عند الشيخ يكلمه غلام من الأنصار فقال: يا أمير المؤمنين، أنا فلان بن فلان، أبي ممن شهد العقبة وبدراً وأحداً. وذكر مغازي فقال عمر: أين الشيخ؟ فقال: ها هو ذا. فقال: هذه المكارم، لا ما يعده الشيخ منذ اليوم: من البسيط
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيباً بماء فصارا بعد أبوالا
قال: هذا الأنصاري هو رجل من ولد قتادة بن النعمان، كما روي أنه وفد على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: من الرجل؟ قال: من الطويل
أنا ابن الذي سالت على أحد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول عهدها ... فيا حسن ما عيني ويا طيب ما يد
стр. 10515
قال عمر بن عبد العزيز: من البسيط
تلك المكارم لا قعبان من لبن البيت
شاب من الكوفة
كان لفاطمة ابنة عبد الملك، زوجة عمر بن عبد العزيز جارية ذات جمال فائق، وكان عمر معجباً بها قبل أن تفضي إليه الخلافة، فطلبها منها، وحرص، فأبت عليه، وغارت من ذلك، وبقيت في نفس عمر. فلما استخلف أمرت فاطمة فأصلحت الجارية وحليت، وكانت حديثاً في حسنها وجمالها، ثم قالت فاطمة: يا أمير المؤمنين، كنت معجباً بجاريتي فلانة وكنت سألتنيها ومنعتكها، وقد طابت نفسي لك بها، فدونكها. فاستبانت الفرح في وجهه وقال: ابعثي بها إلي. ففعلت، فأعجب بها وقال لها: ألقي ثوبك، فلما همت أن تفعل قال لها: على رسلك، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين أبت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج أغرم عاملاً من أهل الكوفة مالاً، وكنت في رقيق ذلك العامل، فاستصفاني عنه مع رقيق له وأموال، فبعث بي إلى عبد الملك وأنا يومئذٍ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة. قال: وما فعل العامل؟ قالت: هلك. قال: فترك ولداً؟ قالت: بلى. قال: وما حالهم؟ قالت: سيئة. قال: شدي عليك ثوبك. ثم كتب إلى عبد الحميد، عامله، أن سرح إلي فلان بن فلان على البريد. فلما قدم، قال: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك. فلم يرفع إليه شيئاً إلا دفعه إليه، ثم دفع الجارية إليه، فلما أخذ بيدها، قال: إياك وإياها، فإنك حديث السن، ولعل أباك أن يكون قد وطأها. فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، هي لك. قال: لا حاجة لي فيها. قال: فابتعها مني. قال: لست إذن ممن ينهى النفس عن الهوى. فمضى بها الفتى، فقالت الجارية: أين موجدتك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها لعلى حالها، ولقد ازدادت. فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات، ﵀.
стр. 10516
رجل من مزينة
كانت عند قطيفة للنبي ﷺ ، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إليه فأتى بها في أديم أحمر، فجعل يمسح بها وجهه.
شاب من أهل العراق
وفد وفد على عمر بن عبد العزيز وفيهم شاب، فتكلم الشاب، فنظر إليه عمر فحدد النظر، ثم قال: الكبر، الكبر. قال الشاب: يا أمير المؤمنين، ليس بالكبر ولا بالصغر، ولو كان بالكبر لقد كان في الناس من هو أكبر منك. قال: صدقت، فتكلم. قال: ما جئناك لرغبة ولا لرهبة. فنظر إليه عمر أيضاً فقال: أما الرغبة فقد أتتنا في منازلنا، وأما الرهبة فقد أمنا جورك، ولكنا وفد الشكر. فسري عن عمر وقال: يا فتى، أرى لك عقلاً، فعظني. قال: إن قوماً اغتروا بالله فيك فأثنوا عليك مما ليس فيك، فلا يغررك اغترارهم بالله فيك مع ما تعرفه من نفسك. فبكى عمر حتى سقط. وفي آخر بمعناه: فقال له: عظني فقال: إن من الناس ناساً غرهم الأمل، وأفسدهم ثناء الناس عليهم، فلا يغرنك من اغتر بالله فيك، فمدحك بما علم الله خلافه؛ وما قال رجل في رجل شيئاً إذا رضي إلا وهو يقول فيه على حسب ذلك إذا سخط. فتهلل وجه عمر وقال: من الطويل
تعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
стр. 10517
رجل أنصاري
قال إسماعيل بن أبي حكيم: لما مات سليمان بن عبد الملك انطلقت أنا ومزاحم إلى نفقة كانت لعمر بن عبد العزيز في رحله فغيبناها، ثم أقبلت أريد المسجد، فلقيني رجل فقال: هذا صاحبك يخطب الناس. فقلت: خليفة؟ قال: خليفة. فانتهيت إليه وهو على المنبر، فكان أول ما سمعته يقول: يا أيها الناس، إني والله ما سألتها الله في سر ولا علانية قط، فمن كره منكم فأمره إليه. فقال رجل من الأنصار: يا أمير المؤمنين، ذلك والله أسرع فيما تكره، ابسط يدك فلنبايعك. فكان أول من بايعه الأنصاري هذا. ومشى عمر في جنازة سليمان، فلما فرغ من دفنه أتى بمراكب الخلفاء فلم يركب شيئاً منها، وقال: بغلتي؟ فركض إنسان إلى العسكر، وقعد عمر حتى جيء ببغلته، فركبها ورجع. وقد كان سليمان أمر أهل مملكته أن يقودوا الخيل بسبق بينهم، فمات قبل أن يجري الحلبة، فأبى عمر أن يجريها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، تكلف الناس مؤونات كبيرة، وقادوها من بلاد بعيدة، وفي ذلك غيظ للعدو، ولم يزالوا حتى أجرى الحلبة، وأعطى السابقين ولم يخيب المسبوقين، بل أعطاهم دون ذلك، وكان الناس لقوا جهداً من القسطنطينية من الجوع فأقفل الناس، وبعث إليهم بالطعام.
رجل من البصرة
وفد لأهل البصرة على عمر بن عبد العزيز، فلما أتاه قال له: ما بك؟ قال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستجيراً. قال: لماذا؟ قال: كبير بالعذبة، قال: وأين العذبة؟ قال: على منزلتين من البصرة. قال: فقد أخفرتك، على أن أول وارد ابن سبيل قال: ثم دنت الجمعة، فقربت من المنبر فلما صعده، حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 10518
يا أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلئن كنتم صدقتم لقد قصرتم، ولئن كنتم كذبتم لقد هلكتم. يا أيها الناس، إن من يكون له رزق بحضيض الأرض أو بنبوة جبل يأتيه، فأجملوا في الطلب. ثم نزل.
رجل من عمال الحجاج
استعمله عمر بن عبد العزيز، وبلغه أنه كان عاملاً للحجاج فعزله، فجاءه يعتذر إليه، ويقلل ما عمل، فقال له عمر: حسبك من صحبة شر وشؤم يوماً أو بعض يوم.
أعرابي من كلب
قال الأصمعي: أراد عمر بن عبد العزيز أن يمنع الحلبة، فقيل له: سوق من أسواق العرب. قال: فتركها أربأ بها. فلما أرسلت الخيل أقبل أعرابي على فرس وهو يقول: من الرجز
غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن احتويناها وكنا أهلها
لو تسفل الطير لجئنا قبلها فعثرت فرسه، فسقط، وتقدمه رجل من ولد أبي بكر الصديق ﵁ بفرسه. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما جرى. قال: قد رأيت، سبقني وإياك رجل كان أبوه سباقاً إلى الخير، رحمة الله عليه.
стр. 10519
رجل
قال في أثناء حديثه: إن أهل حمص رفعوا قصة إلى عمر بن عبد العزيز: إن مدينتنا قد خرب حصنها. فوقع في قصتهم إلى الأمير: ابنها بالعدل، ونق طرقاتها من الأذى.
رجل
وفد على عمر بن عبد العزيز. صلى عمر ذات يوم، فلما ذهب ليدخل، هتف به هاتف: يا أمير المؤمنين. فأقبل عليه مذعوراً فقال: ما شأنك؟ أتعذر عليك حجابي أو قال: آذني؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكني قدمت الساعة، وجئتك مبادراً قال: مبادراً ماذا؟ قال: أن تسبقني بنفسك. قال: ولم؟ قال: لأني رأيت الخير سريع الذهاب. فجلس عمر وقال: حاجتك؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، اذكر لمقامي هذا مقاماً لا يشغل الله عنك فيه كثرة من تخاصم إليه من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، ولا براءة من الذنب. قال: فاستبكى أو قال: بكى ثم قال: حاجتك؟ فأخبره بحاجته.
رجل من أهل المدينة
حدث عن أبيه أنه قدم مع محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز. فكان فيما ذاكرنا به أن قال لمحمد: يا أبا حمزة، ما ضر أخاك بسر بن سعيد التقلل والانقطاع الذي كان فيه. ثم بكى بكاءً شديداً حتى قلت: الآن يسقط. ثم قال: أما والله، لئن كان بسر صبر على القلة والعبادة، لقد صبر على معرفة وعلم بما صبر عليه.
стр. 10520
أعرابي
جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، جاءت بي الحاجة، وانتهت الغاية، والله سائلك عما أقول. فقال له عمر: أعد علي ما قلت. فأعاد عليه، فنكس عمر رأسه، وأرسل عينيه حتى ابتلت الأرض بدموعه، ثم قال له: ما عيالك؟ قال: أنا وثلاث بنات لي. ففرض له في ثلاث مئة، وفرض لبناته لكل واحدة مئة درهم، وأعطاه مئة درهم. قال: هذه لك، وإذا خرج عطاء المسلمين أخذت معهم.
أعرابي شاعر
سرق سرقة في خلافة عمر بن عبد العزيز، فأمر عمر بقطع يده، فقال: يا أمير المؤمنين، اسمع مقالي، ثم افعل ما ترى. فقال له: قل، فأنشأ يقول: من الطويل
يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالاً يشينها
ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها
ولو أن أهلي يعلمون لسيرت ... إليك المطايا عينها وقطينها
فقال: يا أعرابي، هذا حد من حدود الله، وتركه ذنب. فقال: يا أمير المؤمنين، اجعل هذا من الذنوب التي تستغفر الله منها. فأمر بتخليته.
رجل من أهل اليمامة
أتى عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد بلغت غايتي، والله سائلك عن مقامي هذا. قال: قل. قال: عاملك باليمامة غصبني حقي، واعتدى علي في إبلي. قال: فإن الله قد عزل عنك العامل، ورد عليك ظلامتك. يا غلام، اكتب إليه. فخرج الأعرابي وهو يقول: من الرجز
يا أيها المظلوم في بلاده ... ائت الأمير عمراً فناده
стр. 10521
خليفة الله على عباده ... لم يؤثر الدنيا على معاده
قد أشبه الفاروق من أجداده
شاعر
رثى عمر بن عبد العزيز. لما شكى عمر شكواه الذي هلك فيه قال: اشتروا من الراهب موضع قبري. فاشتري منه موضع قبره بستة دنانير، فقام الشاعر يرثيه: من البسيط
قد غادر القوم في اللحد الذي لحدوا ... بدير سمعان جريان الموازين
أقول لما نعى لي ناعياً عمراً ... لا يبعدن قضاء العدل والدين
بعض آل المهلب
قال يزيد بن عبد الملك لبعض ولد المهلب حين أتى بهم أسرى: كيف رأيتم الله صنع بكم؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، قوم زرعتهم الطاعة وحصدتهم المعصية.
شاعر
مات خليفة ليزيد بن عبد الملك فقال: هل ترك من خلف؟ قالوا: ترك ابناً له. فأدخل عليه فقال: يا بني، إلى من أوصى بك أبوك؟ فأطرق ساعة حتى ظن يزيد أنه قد أفحم، ثم رفع رأسه وقال: من الخفيف
إن مثلي يوصي الرجال إليه ... ليس مثلي يوصي به الآباء
إنني والذي يحج له النا ... س ومن دون بيته البيداء
стр. 10522
لملي بما يؤمل في المر ... ء وإن كان في أخيك فتاء
فأمر له يزيد بأرزاق أبيه.
شيخ من ثقيف
من أهل الحجاز، وفد على الوليد بن يزيد وهو ولي عهد في خلافة هشام. قال طريح بن إسماعيل الثقفي: كنت عند الوليد، فدعا بالشطرنج فأخذت معه فيها، فدخل الآذن فقال: بالباب
رجل من أخوالك له نبل وهيئة يستأذن، فقال: أما هذا الوقت فلا، فإني مقبل على ما ترى. فقلت له: سبحان الله! يأتيك رجل من أخوالك مسلماً فتحجبه؟ قال: كيف بنا ونحن على هذه الحال؟ فقلت: ترفع الشطرنج، وتأذن له. فقال: ذاك لما اتجهت عليك! فقلت: يغطى بمنديل وتنحرف، ويدخل لحظة وينصرف. ففعل، وأذن له. فدخل رجل جسيم معتم على قلنسوة مشرفة، مشمراً ثيابه في زي الفقهاء، بين عينيه سجادة فسلم، وجلس، وقال: أيها الأمير، خرجت من المدينة أريد عسقلان للرباط بها، فأحببت أن أؤدي حق القرابة والرحم. فقال له الوليد: يا خال، كيف حفظك لمغازي أهل بلدك، لعلك تفيدنا منها أحرفاً. قال: ما أحفظ منها شيئاً. قال: فكيف علمك بالسنة ونظرك في الفرائض؟ قال: ما نظرت في شيء من ذلك. قال: فكيف روايتك لشعر قومك، وغيرهم من الشعراء؟ قال: ما أروي منه شيئاً. قال: فكيف علمك بأيام العرب، وأخبارها؟ قال: قد أغفل خالك ذلك. قال: فعسى أن يكون همك مصروفاً إلى معنى آخر من مفاكهات أهل المدينة ومزاحاتهم؟ قال: خالك يربأ بنفسه عن ذلك. قال الوليد: يا غلام، ارفع المنديل. العب يا طريح، فليس معنا أحد.
رجل
أتى هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الملك أقطع جدي قطيعةً، فأقرها الوليد وسليمان، حتى إذا استخلف عمر رحم الله عمر نزعها. قال: إن فيك
стр. 10523
لعجباً، إنك تذكر من أقطع جدك، ومن أقرها في يده، فلا ترحم عليه، وتذكر من نزعها فترحم عليه؟ قم، فإنا قد أمضينا ما صنع عمر، رحم الله عمر.
أعرابي
وفد على هشام بن عبد الملك يتظلم من بعض عماله فقال: إن فلاناً ممن رفعت خسيسته، وأثبت ركنه، وأعليت ذكره، وأمرته بنشر محاسنك، فطواها، وإظهار مكارمك، فأخفاها، وعمد إلى أمورك في رعيتك فتعداها، استخفافاً بالحرمة، وقلة شكر النعمة، قد أخرب البلاد، وأضاع الأجناد، وأظهر الفساد، وأخرج الناس من سعة العدل إلى ضيق الجور، حتى باعوا الطارف والتلاد، وهموا ببيع النسل والأولاد. فقال هشام: يا أعرابي، أحقاً ما تقول؟ قال: نعم، والذي بلغك أعلى مراتب الشرف، والله لو كان على سويقة من أسواق البحرين ما أجزأها، مع أنه يخلط ذلك بلؤم الحسب وذفر النسب وسوء الأدب.
رجل من جلساء هشام
ابن عبد الملك. قال العتبي: كان عند خالد بن عبد الله ذات ليلة فقهاء من أهل الكوفة، فيهم أبو حمزة الثمالي. قال خالد: حدثني حديثاً كحديث عشيق ليس فيه فحش. فقال أبو حمزة: زعموا أنه ذكر عند هشام بن عبد الملك غدر النساء وسرعة تزويجهن فقال هشام: يبلغني من ذلك العجب. فقال بعض جلسائه: أنا أحدثك عما بلغني. كان رجل يقال له غسان بن جهضم بن العذافر، كانت تحته ابنة عم له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر، وكان لها محباً، وهي له كذلك، فلما حضره الموت، وظن أنه مفارق الدنيا قال ثلاثة أبيات، ثم قال: يا أم عقبة، اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحق، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك بعد ما تواريني التراب. فقالت: قل، فوالله لا أجيبك بكذب، ولأجعلنه آخر حظك مني. فقال وهو يبكي بكاء يمنعه من الكلام: من الخفيف
стр. 10524
أخبريني ماذا تريدين بعدي ... والذي تضمرين يا أم عقبه
تحفظيني من بعد موتي لما قد ... كان مني من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال ... وأنا في التراب في سجن غربه
فأجابته ببكاء وانتحاب: من الخفيف
قد سمعنا الذي تقول وما قد ... خفته يا غسان من أم عقبه
أنا من أحفظ النساء وأرعاه ... لما قد أوليت من حسن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجو ... ومراث أقولها وبندبه
فلما قالت ذلك طابت نفسه، وفي النفس ما فيها فقال: من الخفيف
أنا والله واثق بك لكن ... ربما خفت منك غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عو ... شر فارعي حقي بحسن الوفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العه ... د فكوني إن مت عند الرجاء
ثم مات، فلم تلبث بعده إلا قليلاً، وخطبت من كل جانب، ورغب فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاصلة فيها، من العقل والجمال والعفاف والحسب، فأجابتهم: من الطويل
سأحفظ غساناً على بعد داره ... وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفي شغل عن الناس كلهم ... فكفوا، فما مثلي بمن مات يغدر
سأبكي عليه ما حييت بعبرة ... تجول على الخدين مني فتكثر
فأيس الناس من إجابتها، ومرت بها الأيام فنسيت عهده وقالت: من مات فات. فأجابت بعض خطابها، فتزوجها، فلما دخلت عليه جاءها غسان في النوم فقال: من الطويل
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة ... ولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظا لصاحب ... حلفت له يوماً ولم تنجزي وعدا
стр. 10525
غدرت به لما ثوى في ضريحه ... كذلك ينسى كل من يسكن اللحدا
فانتبهت مرتاعة، مستحيية منه، كأنه بات معها في البيت، وأنكر ذلك من حضرها من نسائها، فقلن: ما دهاك؟ فقالت: ما ترك غسان لي في الحياة إرباً، ولا بعده رغبة في سرور، أتاني في منامي الساعة فأنشدني كذا وكذا. وهي تبكي بدمع غزير، فلما سمعن منها، أخذن في حديث آخر لتنسى ما هي فيه، فتغافلتهن، ثم قامت فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياء مما كادت تركب بعده من الغدر به. فقالت امرأة منهن: بلغنا أن امرأة أتاها زوجها في المنام فلامها وأنبها في مثل هذا، فأما القتل فما سمعنا به، وكانت قائلة هذا صاحبة شعر ورجز فقالت: من المجتث
ماذا صنعت وماذا ... لقيت من غسان
قتلت نفسك حزناً ... يا خيرة النسوان
وفيت من بعد ما قد ... هممت بالعصيان
إن الوفاء من الل ... هـ لم يزل بمكان
فلما بلغ زوجها، ويقال له المقدام بن حبيش وكان أعجب بها فقال: ما كان لي مستمتع بعد غسان، وقال: هكذا فليكن النساء في الوفاء، وقل من يحفظ ميتاً، وإنما هي أيام قلائل حتى ينسى وعنه يسلى فقال هشام: صدق وبر، لجاد ما أدركه عقله، وحسن عزاؤه حين فاتته طلبته، وأحسنت المرأة ووفت، وأحسن الرجل وصبر.
شيخ من الشام
كان في صحابة هشام بن عبد الملك. سأله أبو جعفر المنصور عن تدبير هشام في بعض حروبه للخوارج، فوصف الشيخ له فقال: فعل ﵀ كذا، وصنع ﵀ كذا، قال له المنصور: قم، عليك لعنة الله، تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟ فقام وهو يقول: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي. فقال له المنصور: ارجع يا شيخ. فرجع فقال: أشهد أنك نهيض
стр. 10526
حر، وغراس شريف، عد إلى حديثك. فعاد الشيخ في حديثه. فلما فرغ دعا له بمال فأخذه وقال: يا أمير المؤمنين، ما بي حاجة إليه، ولقد مات من كنت في ذكره، فما أحوجني إلى وقوف في باب أحد بعده، ولولا جلالة أمير المؤمنين وإيثار طاعته ما لبست لأحد بعده ثوباً. فقال له المنصور: مت إذا شئت، لله أنت، فلو لم يكن لقومك غيرك كنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً، وذكراً باقياً. وقيل: إن الربيع هو الذي قال له: كم تترحم على عدو أمير المؤمنين!! فقال له الرجل: مجلس أمير المؤمنين أحق المجالس بشكر المحسن، ومجازاة المجمل. فقال له المنصور: أحسنت بارك الله عليك، وبحسن المكافأة تستحق الصنائع وتزكو العوارف. ثم أدخله في خاصته.
رجل من أصحاب هشام
قال الزهري: لقد تكلم اليوم رجل عند أمير المؤمنين، ما سمعت كلاماً أحسن منه. قال له: يا أمير المؤمنين، اسمع مني أربع كلمات فيهن صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك. قال: ما هن؟ قال: لا تعدن أحداً عدة وأنت لا تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتقى سهل إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن للأعمال آخراً فاحذر العواقب، وأن الدهر تارات فكن على حذر.
رجل علوي
كان فصيح اللسان، بليغاً، استأذن على هشام بن عبد الملك فأذن له، وهو في موضع مشرف، وأمر أن يعجل به ليقطعه ذلك عن بلاغته، فلما دخل على هشام سلم. فقال: إيها تكلم. قال: حتى يذهب عني بهر الدرجة، وبهجة الخلافة.
стр. 10527
أعرابي من بني أسد
دخل على هشام بن عبد الملك فسلم ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتت علينا سنون ثلاث ذهبت بالأموال، ونحتت القلوب، وأما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فنخصت اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي يديك فضول أموال، فإن تك لله فبثها في عباد الله، وإن تك لهم، ففيم تحبسها عنهم؟ وإن تك لك فتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين، فأمر له بعشرة آلاف درهم. فقال: والله لا أقبلها، لبئس وافد القوم أنا إذاً إن ذهبت إلى قومي غنياً وهم فقراء. فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله القسري يحمل إلى البادية ما يكتفون به. وقيل: إن الأعرابي قال وقد أمر له هشام بمال، وقسم بين الناس مالاً فقال: أكل المسلمين له مثل هذا؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: فلا حاجة لي فيما آخذ من بيت مال المسلمين، ولا يأخذه غيري. فمضى وتركه.
رجل
بلغ هشام بن عبد الملك عنه كلام فأتى به فتكلم بحجته فقال هشام: أو تتكلم أيضاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: " يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها " أفنجادل الله جدالاً ولا تكلم أنت كلاماً؟! قال: تكلم بما أحببت.
شيخ راجز
من بني والبة من بني أسد. قال محمد بن حرب الهلالي: خرجت أريد مكة، فنزلت بحي من بني أسد، ثم من بني
стр. 10528
والبة، فإذا أنا بشيخ كبير السن، حسن اللباس، فسألته عن سنه، فقال: خلفت مئة وعشرين سنة. فسألته عن طعمه. فقال: ما أزيد على الصبوح والغبوق شيئاً. فسألته عن الباه فقال: أيهات، وفدت على هشام وهو في رصافته، فسألني عن طعمي، فقلت: الصبوح والغبوق، وسألني عن الباه، فقلت: إن لي لثلاث نسوة، بت عند إحداهن ليلة، وأصبحت غادياً إلى الأخرى وفي رأسي أثر الغسل، فقالت: امط عني، أفرغت ما في صلبك. فقلت: لأوفينك ما وفيتها. فلاعبتها وتوركتها، فلما أردت الإنزال أخرجته وأمسكته، فنزا الماء حتى حاذى رأسها، فقلت: أيكون هذا ممن أفرغ ما في صلبه؟ ثم تناولت عشر حصيات، فكلما صرت إلى الفراغ ناولتها حصاة، حتى أتيت على العشر، فسألتها: كم في يدك؟ فقالت تسع. فقلت: لا، بل عشر. فقالت: لا أحسب لك ما لم تصل إلي. فضحك هشام حتى استلقى على فراشه. ثم إني سألته: كيف أنت اليوم؟ فقال: إني لأظل اليومين والثلاثة، وما في الثاني طائل ثم ضرب بيده فخذه. وقال: من الرجز
قد كبرت بعد شبابٍ سني ... وأضعف الأزلم مني ركني
والدهر يبلي جده ويغني ... وأعرضت أم عيالي عني
إذ عز عندي ما تريد مني ... وقالت الحسناء يوماً ذرني
ولم ترد ذرني ولكن نكني ... لكنها عن ذاك كانت تكني
رجل من ولد خباب
وفد على هشام بن عبد الملك. خرج رجل من ولد سعيد بن العاص، ورجل من ولد أبي معيط
стр. 10529
يريدان هشام بن عبد الملك، فلحقهم رجل من ولد خباب بن الأرت، فقيل للسعيدي: أين تنزل؟ قال: على آل أبي أحيحة. وقيل للمعيطي: أين تنزل؟ قال: على آل أبي معيط. وقيل للخبابي: أين تنزل؟ قال: لا أدري، لكني أنزل على ربي. فقعد على باب هشام، وجاءت هدايا من عند ابن الحبحاب؛ عامل مصر، فأدخلت على هشام، فأخذ الخبابي رزمة ودخل، فلما صار بين يدي هشام، انتسب له، فما أمسى حتى كتب ثلاث صحائف إلى عامل المدينة؛ صحيفة بجائزته، وصحيفة بقطيعته، وصحيفة بأرزاقه. وبقي السعيدي والمعيطي يغدوان ويروحان.
مولى لمسلمة بن عبد الملك
قال: حدثني مسلمة قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر، فجاءته جارية بطبق فيه تمر صيحاني وكان يعجبه التمر فرفع بكفيه منه فقال: يا مسلمة، أترى لو أن رجلاً أكل هذا، ثم شرب عليه ماء، والماء على التمر طيب، أكان مجزئه إلى الليل؟ قلت: لا أدري. قال: فرفع أكثر منه، فقال: فهذا؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا حتى ما يبالي ألا يذوق طعاماً غيره. قال: فعلام يدخل النار؟! قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة وما وقعت مني هذه.
شاعر
من قريش. كانت للوليد بن يزيد جارية، يقال لها: صدوف، فغاضبها، ثم لم يطعه قلبه، فجعل يتسبب بصلحها، فدخل عليه رجل قرشي من أهل المدينة، فكلمه في حاجة وقد عرف خبره، فبرم به، فأنشده: من الكامل
стр. 10530
أعتبت أن عتبت عليك صدوف ... وعتاب مثلك مثلها تشريف
لا تقعدن تلوم نفسك دائباً ... فيها وأنت بحبها مشغوف
إن القطيعة لا يقوم بمثلها ... إلا القوي ومن يحب ضعيف
الحب أملك بالفتى من نفسه ... والذل فيه مسلك مألوف
قال: فضحك، وجعل ذلك سبباً لصلحها، وقضى حوائج القرشي كلها.
شاعر
قال الفضل بن الوضاح، صاحب قصر الوضاح: خرجت مع المنصور إلى مروان بن محمد، فصحبنا في الطريق رجل ضرير كان عنده أدب ومعرفة فاستجلاه المنصور وقال له: من تقصد؟ قال: أمير المؤمنين مروان. قال: في أي شيء؟ قال: في شعر أمتدحه به. قال: أنشدنيه. فأنشده: من الخفيف
ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخفيف أنسي
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
قال المنصور: فما أتمها حتى ظننت أن العمى قد أخذني من حسدي بني أمية عليها.
ثم حج المنصور سنة ثلاث وأربعين ومئة وهو خليفة، وكان قد نوى أن يمشي حتكاً وروداً، فإنه ليمشي إذ بصر بالضرير فأتي به فقال: ما صنع بك مروان؟ قال: أغناني فلا أسأل بعده أحداً شيئاً. قال: ما أعطاك؟ قال: أعطاني أربعة آلاف دينار، وعشرة
стр. 10531
غلمان، وعشر جوار، وحملني على عشر من الدواب، وأوقر لي خمسة أبغل خرثياً ثم تنفس الصعداء، وأنشأ يقول: من الكامل
آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعةٍ أيتام
نامت خدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والخدود تنام
خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
فقال له أبو جعفر المنصور: أما تعرفني؟ قال: ما أنكرك من سوء، من أنت؟ قال: أنا أمير المؤمنين المنصور. فأخذ الضرير أفكل يعني الرعدة وقال: يا أمير المؤمنين، إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها. قال: صدقت، خلوا عنه، ثم تتبعته نفسه بعد فطلبه، فكأن البيداء بادت به.
رجل من ولد أبي سفيان
به وضح ومرض. ذكر لعبد الله بن علي بن العباس أنه قال: أنا السفياني الذي يذهب ملك بني العباس على يده. فطلبه عبد الله فتوارى، فأمر عبد الله بإخراج نساء أبي سفيان والتماسه فيهن، فلما هتك الحرم، وافى باب عبد الله بن علي على بغل ومعه ابناه على فرسين. فقال للحاجب: عبد الله هذا جالس؟ ولم يقل الأمير. قال: لا. قال: أفتأذن في الجلوس إليك؟ قال: نعم. فنزل ونزل ولداه، فجلسوا مع الحاجب. فرأى الحاجب أحسن خلق الله حديثاً، وأحلامهم كلاماً، فغلب على قلبه، ثم عرف الحاجب جلوس عبد الله، فدخل إليه، فذكره له، ثم خرج إليه. قال: يقول: ما اسمك؟ قال: قل له رجل يأتيك بما تحب. فخرج فقال: فتشه وأدخله. فدخل، فقال له: ما لمن دلك على فلان وذكر اسمه من الجائزة؟ قال: حكمه. قال: فأنا فلان، وهذان ابناي، فما دعاك إلى أن برزت أسوق بنات عمك يراهن أنباط الشام في طلبي؟ قال عبد الله: أتدري ما قال شاعرنا؟ قال: لا. قال: فإنه يقول: من الخفيف
стр. 10532
جرد السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
قال: شاعركم قال لكم ما تحبون، أفتدري ما قال شاعرنا؟ قال: لا. قال: إنه يقول: من البسيط
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وأنا أعلم إن حكمت بما لا تهواه أنك لا تجيز حكمي، فتركتك. قال: اقتلوه. قال: فإن كنت فاعلاً فابني قبلي، فقتلا ثم قتل من بعدهما، ﵏.
شيخ من كتاب بني أمية
قال عبد الله بن سوار: كنت غلاماً أكتب بين يدي يحيى بن خالد، فدخل عليه شيخ ضخم، جميل الهيئة فأعظمه يحيى وحادثه، وقال له: ما بالكم كنتم تكتبون الكتب إلى عمالكم في أموركم فلا تطيلون، وإنما الكتاب بقدر الفضل من كتبنا، ونحن نطيل إطالة لا يمكننا غير ذلك؟ فقال: اعفني. فأبى إلا أن يجيبه. فقال: وأنت غير ساخط؟ قال: نعم. قال: إن بني أمية كانت لا تكتب في الباطل أنه حق، ولا في الحق أنه باطل، ولا تعقب أمراً قد نفذ بخلافة أمر فلا يحتاجون إلى الإطالة والتلبيس وطلب المعاذير، وإنكم تكتبون في الحق أنه باطل، والباطل أنه حق. ثم تعقبون ذلك بخلافه، فلا بد لكم من الإطالة. فسئل عن الشيخ فقال: كاتب من كتاب بني أمية القدماء، من أهل الشام.
رجل من دمشق
جلس كعب الأحبار يوماً يقص بدمشق، فلما فرغ قال: إنا نريد أن ندعو، فمن كان منكم يؤمن بالله وكان قاطعاً إلا قام عنا، فقام فتى من القوم، فولى إلى عمةٍ له كان بينه
стр. 10533
وبينها محرم فصالحها. فقالت: ما بدا لك؟ قال: سمعت كعباً يقول كذا وكذا، وقال كعب: إن الأعمال تعرض كل يوم خميس واثنين إلا عمل قاطع يتجلجل بين السماء والأرض.
رجل من محارب
سمع من كعب يقول: يلتقون بعمق عكا فيقتتلون، ثم يتهايبون وينحازون، ثم يقتتلون ثم يتهايبون حتى ينتهوا إلى عمق إنطاكية فيقيمون به لا ينهزم هؤلاء ولا هؤلاء، ويبعث المسلمون فيستمدون إلى عدن أبين، ويبعث الروم إلى من يمدهم من رومية.
رجل حكى عن كعب الأحبار
قال الشعبي: لما قدمت الشام نزلت بعبد العزيز بن مروان، فبينا أنا في المسجد دخل شيخ قصير أحمر أصلع فأشربوا له فقالوا: هذا علام العلماء. فجعل يجلس في الحلق، ويتنقل فيها، فقلت: اللهم جئ به. فجاء فجلس في الحلقة التي أنا فيها، فقال: حدثنا ذو الكتابين أن السماء على منكب ملك. قلت: أكذبك كتاب الله. فكادوا أن يثوروا إلي أو ثاروا إلي وقالوا: ما تريد إلى ضيف أمير المؤمنين؟ قال: فترادوا ثم قال: حدثنا ذو الكتابين أن صوراً بالمشرق وصوراً بالمغرب، فينفخ في أحدهما فيموت الناس، وينفخ في الآخر فيحيون. فقلت: أكذبك كتاب الله. فكادوا أن يثوروا أو ثاروا ثم ترادوا وقالوا: ما تريد إلى ضيف أمير المؤمنين؟ فقال: فترادؤا ثم قال: حدثنا ذو الكتابين أن صوراً بالمشرق وصوراً بالمغرب، فينفخ في أحدهما فيموت الناس، وينفخ في الآخر فيحيون. فقلت: أكذبك كتاب الله، فكادوا أن يثوروا - أثوثاروا - ما تعجبون من أن أكذب من أكذبه الله؟ زعم هذا أن السماء على منكب ملك، والله تعالى يقول: " ورفع السموات بغير عمدٍ ترونها " وزعم أن صوراً بالمشرق وصوراً بالمغرب ينفخ في أحدهما فيموت الناس، وينفخ
стр. 10534
في الآخر فيحيون، والله تعالى يقول: " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى " إنما هو واحد. فقال لي: ممن أنت؟ فأخبرته. فقال: إما إن ذا الكتابين حدثنا أن نساءكم سيسبين فيؤتى بهن حتى يوقفن على الدرج، ويكشف عن سوقهن. فقلت: إني أرجو أن تكون الآخرة مثل الأوليين.
رجل
قال ربيعة بن يزيد: قعدت إلى الشعبي في خلافة عبد الملك، فحدث رجل من الصحابة أو من التابعين حدث عن رسول الله ﷺ قال: اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطيعوا الأمراء، فإن كان خيراً فلكم، وإن كان شراً فهو عليهم، وأنتم منه براء. فقال الشعبي: كذبت.
مولى لبني نمران
قال: رأيت مقعداً بتبوك فسألته عن إقعاده فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فمررت بين يديه فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره. قال: فأقعدت. قال: وكان على أتان أو على حمار.
شيخ من السكاسك
حدث عن عمرو بن قيس قال: ولاني عمر الصائفة وأوصاني بتقوى الله، وبالمسلمين خيراً، وقال: إن رابطت حصناً فلا تقم عليه إلا يوماً وليلة، فإن طمعت فيه وإلا فارتحل، فإن أرادوك على ما في يديك
стр. 10535
من أساراهم رجلاً برجل فافده، فإن أبوا فرجل برجلين، فإن أبوا فرجل بثلاثة، فإن أبوا فأعطهم جميع ما في يدك برجل من المسلمين.
رجل من دمشق
حدث عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحداً من الخلق أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يجد فيمن يجد، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن.
شيخ من دمشق
حدث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : العلم فريضة على كل مسلم.
شيخ من دمشق
قال: طلقت امرأة لي كان وجهها ذرباً وجسدها رحباً، فدخل علي سارق بالليل، وثيابي عند رأسي، فذهب إلى المشجب فلم يجد شيئاً، فلما رأى ذلك بسط كساءه، ثم دخل إلى خابية الدقيق، فجذبت الكساء فجعلته تحت رأسي، ثم خرج بالدقيق، فصبه في الأرض، وطلب طرفي الكساء، ثم جعل يجمعه، فلم يجد الكساء، فخرج. فقلت له:
стр. 10536
أغلق الباب، لا يخرج القط. قال: من حسن صنيعك بي. قلت: ليس هذا وقت عتاب. قال: فبعت الكساء بخمسة دراهم.
شيخ من دمشق
كان فيمن غزا مع مروان بن محمد الخزر. قال: فسحنا في بلادهم نسبي من أدركناه، ولم نلحق لهم جمعاً، فشكوت إلى بيطار العسكر سعالاً بفرسي، فأمر لي بورق القصباء الأخضر، فذهبت أنظر، فإذا بغيضة من قصب بيننا وبينها أربعة أميال، فخرجت إلى الغيضة، فبينا أنا آخذ من الورق إذا أنا بين رؤوس القصب ببريق الأسنة خلف القصب، فقمت على سرجي لأتمكن من النظر فإذا بحرة سوداء من القنا، فعدوت على فرسي وأخبرت مروان، فدعا بعض هضائلة أرمينية فأخبرهم. فقالوا: هذا فلان الطرخان، عامل هذه البلاد، وأساورته عشرة آلاف، نحن نرى أن ضعف رأيه، ونظره لنفسه دعاه إلى أن كمن في هذه الغيضة، ليشد على ساقة العسكر. فأمر مروان قائداً من قواده ليخرج في أصحابه، فنودي في العسكر: من أراد الأجر والغنيمة فليلحق بفلان. فسار إليهم، فوقف على باب مدخل الغيضة، وأتوا بالنيران والنفط، فألقي في الغيضة، وهاجت الريح بالنار، ودخل المسلمون بالسيوف، وأهلكهم الله جميعاً حريقاً وقتلاً وأسراً، وأسرنا طرخانهم أسيراً، فضربت عنقه، ونفذ برأسه ورؤوس من أصحابه إلى هشام.
стр. 10537
شيخ من دمشق
حدث عن موسى بن وردان وخرج إلى نفير إلى الإسكندرية فقال له أصحابه: هذا يوم الإسكندرية. قال: لا، إنما يوم الإسكندرية إذا رأيت أهل مصر قد خافوا من مسير النوبة إليهم، ورأيت أهل الفسطاط قد ضربوا عليهم الخندق، وجعلوا حرساً فيما بينهم وبين أرض النوبة. قال موسى بن وردان: وذلك أن صاحب الروم يكتب إلى صاحب النوبة وهو على النصرانية يستفزه، فيعده ذلك ويواعده وقتاً، فيعجل الروم بالخروج إلى الإسكندرية، ويبطئ النوبة عن الخروج، فإذا كان ذلك سار المسلمون إلى الإسكندرية، فيقاتلون بها، فينصرهم الله، ثم يرجعون، ويخرج عليهم النوبة.
شيخ من البلقاء
قال: لما التقوا بين مؤتة وعمقة تقدم زيد يسوي الصفوف فجاءه سهم غرب فقتله، وأخذ الراية جعفر.
شيخ
كان في عسكر الجراح بن عبد الله الحاكمي حين قاتل الترك. قال: لما قتل الجراح استعصينا، وجردنا سيوفنا، فأوجعنا في القوم، فقال لهم الطاغية: إنكم لن تصلوا إلى قتلهم حتى يقتلوا أضعافكم، فأفرجوا لهم، ثم اتبعوهم في الشجر. قال: فلحقت بالجبل، فإذا بقربه انجلى أهلها، فلقيت بيتاً فدخلته، فإذا فيه أثر نار وحطب، فأوقدت وجلست وبي جهد شديد، فلم ألبث حتى سمعت صهيل الخيل،
стр. 10538
وإذا بخيل الترك، فدخلت وأطفأت النار، وأقبل رجل فتتبع النار حتى وجدها، وظن أن في البيت أقواماً، فجعل يأخذ في زاوية، وآخذ في أخرى، ثم سل سيفه فقلت: لئن خرجت لأقطعن. فاستأسرت له، فأخذ بناصيتي وأجلسني عند النار، وأشار إلي أن أوقد، فأوقدت، ونظرني فعرفت الرقة قال: وبي جهد. فأتاني بكسر فأكلت، ثم ضربوا طبولهم، فأسرج وركب وأردفني خلفه، وتركهم حتى ساروا، وسار بي قدر أربعة أميال، ثم وقف وأشار إلي، فنزلت، وأشار إلي؛ اذهب كيف شئت. قال: فبينا نحن عند الحرسي وهو يقتل الأسارى إذ نظرت إليه فعرفته، فقلت له: أتعرفني؟ قال: نعم. فتقدمت إلى الحرسي فقصصت عليه أمري، فدعاه وكلمه الترجمان، فأخبره بمثل خبري. فقال: قد حقنا لك دمه، وبعثني وبعث به إلى هشام، فأخبره الخبر، ففرض له في قبيلي، فكان في عدادي.
شيخ من موالي بني فزارة
ثم لعمر بن هبيرة. حدث عن عمر بن هبيرة. قال: كنا قد بلغنا من حصارهم ما بلغنا، وكان بنا من الأزل والمرض نحواً مما بهم وأشد، وكنت نازلاً بجماعة سفن على ساحلهم مما يلي عسكر المسلمين، في مركبي، فيه مبيتي الآن، أركب إلى مسلمة فأشهد أموره، فإذا لم أركب خرجت في برد النهار إلى مجلس على تل مشرف على مراكبي وعلى عسكر المسلمين ويخرج إلي أمراء أجنادي، وأهل الهيئة منهم، فكان ذلك التل تلك الساعات لنا مجلساً، فبينا أنا ذات غداة عليه في جماعة، إذا بقارب خرج من ميناء القسطنطينية، وفيه رجال من الروم عليهم الديباج يقصد إلينا فقلت: يا رسول الطاغية إلي في أمر يكلمني به، فإن أتى في مجلسنا أشرف على رثاثة سفننا وسوء حالنا، سره ذلك وازداد قوة علينا، فقمت إلى مركبي فجلست وجلس معي أمراء أجنادي وأهل الهيئة، وأمرت أهل السفن أن يواروا ما قدروا عليه من سوء حالهم. فلما دنوا
стр. 10539
نادونا بالأمان، وأقبل رسول الطاغية في أصحابه وهيئته، وصعد إلي فسلم، وأذنت له فجلس وجلسوا ثم قال: إنا بعثنا لأمر فنذكره لكم، ورأيت منكم شيئاً عرفت به سوء حالكم، وإنك أردت بقيامك عن التل ومجلسك الذي كنت فيه ألا آتيك فيه، فأشرف على رثاثة سفنكم وسوء حالكم، ثم تهيأت لي بما أرى مما ليس خلفه قوة، ولقد صرتم من حالكم إلى أسوأ مما نحن فيه، إن الملك يقرأ عليكم السلام ويقول: إنه كان من نزولكم علينا، وإقامتكم إلى هذا اليوم ما قد علمتم، وبلغ منا ومنكم، وما أنتم فيه أشد، وقد عرضت على مسلمة فدية صلح على كل إنسان بالقسطنطينية من رجل وامرأة وصبي ديناراً ديناراً على أن ترحلوا إلى بلادكم، فإن شئتم اقتسمتم هذه الدنانير بينكم مغنماً وإن شئتم ذهبتم بها إلى خليفتكم، فأدخله بيت ماله فصنع ما أراد. فأبى ذلك مسلمة علينا وسخطه، وزعم ألا يبرح دون أن نؤدي الجزية عن صغار، أو يدخله عنوة، والصغار الجزية ما لا تطيب به أنفسنا أبداً، وأنت من خليفتك ومن مسلمة، ومن علية العرب بالمنزلة التي أنت بها في الشرف والأمانة، فانظر فيما عرضته على مسلمة، فإن رأيته رأياً أشرت به عليه ورددته إليه. قال عمر بن هبيرة: أصاب مسلمة، وذلك ما أمرنا الله به ولا أخالفه فيه، وأنا عونه عليه حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فصلب على وجهه، وانصرف مغضباً.
شيخ من دمشق
حدث عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : هذا الأمر في قريش يليه برهم ببرهم، وفاجرهم بفاجرهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم.
стр. 10540
شيخ من أهل دمشق
سمع عطاء الخراساني يرويه عن رسول الله ﷺ قال: يأتونكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية إثنا عشر ألفاً، الروم فيهم كالمخيلة غير أنهم الرؤوس والقادة.
شيخ
من قدماء الجند ممن كان يلزم الجهاد. حدث أن أهل الشام كانوا إذا غزوا الصوائف ينزلون أجناداً كما كان أصحاب النبي ﷺ إذا ساروا إلى الشام ينزلون أرباعاً، وكما كان بنو إسرائيل تنزل مع موسى ﵊ وبعده أسباطاً. قال: وبين كل جند فرجة وطريق ومجال للخيل.
شيخ من الجند
أخبر عن أميرهم في غزاتهم أرض الروم أنه كان إذا وقف على الدرب قافلاً قال: الحمد لله الذي لم يجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجانا برحمته من القوم الكافرين.
شيخ من أهل دومة الجندل
حدث أن رسول الله ﷺ كتب لأكيدر هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى
следующие страницы →