← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال محمد بن فضالة النحوي: لقي رجل من قريش ممّن كان خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، إبراهيم بن علي بن هرمة الشعر، فقال له: ما الخبر؟ ما فعل النّاس يا أبا إسحاق؟ فقال ابن هرمة: من الطويل أرى النّاس في أمر سحيل فلا تزل ... على ثقة أو تبصر الأمر مبرما وأمسك بأطراف الكلام فإنه ... نجاتك ممّا خفت أمراً مجمجما فلست على رجع الكلام بقادر ... إذا القول عن زلاّته فارق الفما وكائن ترى من وافر العرض صامتاً ... وآخر أردى نفسه أن تكلّما وأنشد: من البسيط كأن عيني إذ ولّت حمولهم ... عنّا جناحا حمام صادفت مطراً أو لؤلؤ سلس في عقد جارية ... خرقاء نازعها الولدان فانتثرا إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد أبو إسحاق الدّيلميّ الصّوفي سمع بدمشق وبغداد وفارس وصور. ذكره ابن الفرضي الأندلسي، فقال: من أهل خراسان، من مدينة كرتم، دخل الأندلس سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، فأقام بقرطبة يسيراً، ثم خرج منصرفاً إلى المشرق، وكان أحد الخيار، المتزيّنين بالفقر، والمستورين بالصّيانة والصّبر، وكان أحد من له الإجابات الظاهرة، وقد كتب الناس عنه بمصر وغيرها.

стр. 1157

إبراهيم بن علي أبو إسحاق الرّحبيّ إبراهيم بن عمر بن إبراهيم أبو إسحاق روى عن القاسم بن عيسى العصّار، بسنده إلى قطبة بنت هرم بن قطبة. أن مدلوكاً حدّثهم، أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل فأوجس لذلك، فشكى إلى النّبيّ ﷺ فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟، قال: فيها الأحمر والأسود وغير ذلك؛ قال: فأنّى ذلك؟ فقال: عرق نزع؛ قال: وهذا عرق نزع. قال: فقدم عجائز من بني عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدّة سوداء. إبراهيم بن عمر بن حمدان أبو إسحاق الأنصاريّ الصّوفيّ حدّث قال: وقف رجل على أبي بكر الشّبليّ ﵀، ببغداد وقد لحقته ولقيته فسأله عمّا يهمّه في الصّلاة، فقال: أن ترمي بهمّك إلى الكون العلويّ، ومنه إلى الكون السّفليّ، ثم يخرق بعد ذلك في قلبك، لا يكون إلاّ الله. فقال: يا سيّدي، ما لي إلى ذلك من سبيل! إن رأيت أقرب من هذا؛ فقال: أن تكبّر تكبيرك كأن ملكوت الملكوت قراءتك على الجبّار، وسجودك على ثرى الثّرى جمع كلّ همّة، وإسقاط ما دون الله حتى لا يكون إلاّ عبد وربّ. فقال: مالي إلى ذلك سبيل؛ فقال: أن تكبّر بتعظيم، وتقرأ بترتيل، وتركع بخشوع، وتسجد بإجلال وهيبة، وتسأل بإشفاق.

стр. 1158

إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، الأمويّ حدّث قال: كان عمر بن عبد العزيز يأذن لبنيه يوم الجمعة قبل أن يدخل النّاس، فإذا قال: إيهاً، قرأ الأكبر منهم، فإذا قال: إيهاً، قرا الذي يليه، حتى يقرأ طائفة منهم. قال: فإنهم دخلوا عليه في يوم جمعة، وله طحير كطحير الدّابة، وهو مستلق على ظهره لا ينظر إليهم، ثم التفت إليهم بعد وقت طويل، فقال: إيهاً، فقرا عبد الله بن عمر وكان أكبرهم يومئذ فقال: " طسم تلك آيات الكتاب المبين " لعلّك باخع نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين إلى قوله: " ما كانوا به يستهزئون "، فقال: أعد، فأعاد؛ فقال: ها، إني خرجت إلى هؤلاء وقد رضت كلاماً سوى ما كنت أكلّمهم به رجاء أن ينفعهم الله به في دينهم، فرأيت تلعّباً وتلهيّاً وقلّة إقبال عليه واستماع له، فبلغ منّي مبلغه، فقطعته وأخذت في نحو ما كنت آخذ فيه من القول، ثم نزلت بغيظي وهمّي، حتى عزّاني الله بما قرأ ابني هذا، فما عسى أصنع؟ أأنجع نفسي؟ وسمع أباه يقول لابن شهاب: ما أعلمك تعرض عليّ شيئاً، إلاّ شيئاً قد مرّ على مسامعي، إلاّ أنك أوعى له منّي. إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز أبو إسحاق المقرئ القصّار قال أبو بكر الحداد: إنه ثقة. روى عن عبد الرحمن بن عثمان، بسنده عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يستاك بفضل وضوئه.

стр. 1159

توفي في صفر سنة خمس وأربعين وأربعمئة. إبراهيم بن عمرو الصّنعاني صنعاء دمشق روى عن الوّضين بن عطاء، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثمانيةً أبغض خليقة لله إليه يوم القيامة: السّقّارون، وهم الكذّابون؛ والخيّالون، وهم المستكبرون؛ والذين يكنزون البغضاء لإخوانهم في صدورهم، فإذا لقوهم حلفوا لهم؛ والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاءً، وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاً؛ والذين لا يشرف لهم طمع من الدنيا إلاّ استحلوه بأيمانهم، وإن لم يكن لهم بذلك حقّ؛ والمشّاؤون بالنّميمة؛ والمفّرقون بين الأحبّة؛ والباغون البراء الدّحضة، أولئك يقذرهم الرّحمن ". إبراهيم بن عون أبو إسحاق المؤّدب سمع منه سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة. إبراهيم بن العلاء بن الضّحّاك ابن مهاجر بن عبد الرحمن بن زيد أبو إسحاق الزّبيدي، المعروف بزبريق الحمصيّ حدّث بدمشق وحمص عن جماعة، وروى عنه جماعة.

стр. 1160

روى عن إسماعيل بن عيّاش، بسنده عن أبي سعيد الخّدري، قال: إنن نبيّ الله ﷺ قال: " إنّ النّاس لكم تبع، وإنّه سيأتيكم رجال من أهل الأرض يتفقّهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً ". وعنه بسنده عن عبد الله بن بشر المازني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ". وعنه بسنده عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ : " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ". مات سنة خمس وثلاثين ومئتين، وكان لا يخضب. إبراهيم بن العلاء بن محمد وأظنّه والد محمد بن إبراهيم الدّمشقي، الذي كان يسكن عبادان روى عن الزّهري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تخلّلوا بعود الآس، ولا عود الرّمّان، فإنهما يحرّكان عرق الجذام ". إبراهيم بن عيسى بن القاسم أبو إسحاق البغداديّ الكافوريّ العطّار قدم دمشق وحدّث بها. روى عن أبي سعيد الحسن بن علي العدويّ، بسنده عن مالك بن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " الصوم جنّة ".

стр. 1161

إبراهيم بن عيسى العبسيّ روى عن مروان بن محمد الدّمشقي، بسنده عن عبادة بن الصّامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من جاء بهنّ يوم القيامة لم يضّيعهنّ استخفافاً بحقّهنّ، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة؛ ومن جاء وقد استخفّ بحقّهنّ لم يكن له عند الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه ". قال: يقول: لم يضيّعهنّ؛ يحافظ على وضوئهن ومواقيتهنّ. إبراهيم بن فضالة بن محمد بن يعقوب ابن محمد بن فضالة بن عبيد، صاحب رسول الله ﷺ أبو إسحاق الأنصاريّ مات في ذي العقدة سنة ثلاثين وثلاثمئة إبراهيم بن كثير أبو إسماعيل الخولانيّ من أهل بيروت، وكان رجل صدق. حدّث عن الأوزاعي قال: بعث جعونة بن الحارث رسولاً إلى عمر، يعني ابن عبد العزيز، وكان عاملاً له على غزاة، فقال له عمر: أسلم المسلمون؟ قال: نعم؛ قال: كلّهم؟ قال: نعم، إلاّ رجلاً واحداً عدلت به دابّته فساح في الثّلج؛ قال: فصنع ماذا؟ قال: فهلك؛ قال: لقد أطلقتها غير مكترث، عليّ بفلان كاتبه فكتب إلى عامله: إيّاك وغارات الشّتاء، فوالله لرجل من المسلمين أحبّ إليّ من الرّوم وما حوت.

стр. 1162

إبراهيم بن أبي كريمة الصّيداويّ روى عن هشام الكتّاني، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل، عن ربّه ﵎ أنه قال: " من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وما تقرّب إليّ عبدي المؤمن بمثل ما افترضت عليه. وما يزال عبدي المؤمن يتنّفل إليّ حتى أحبّه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيّداً، إن سألين أعطيته، وإن دعاني أجبته، وما ردّدت أمراً أنا فاعله ما ردّدت أمر عبدي المؤمن، يكره الموت واكره مساءته، ولا بدّ له منه؛ وإن من عبادي المؤمنين لمن يشتهي الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك؛ وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الفقر ولو بسطت له لأفسده، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الصحة ولو أسقمته لأفسده؛ وإنمن عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ السقم ولو أصلحته لأفسده؛ وإني أدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم، إنّ عليم خبير ". إبراهيم بن لجاج إبراهيم بن اللّيث بن حسن أبو طاهر الطّريثيثيّ الصّوفيّ سمع بدمشق. ذكره عبد الغافر في ذيل تاريخ نيسابور وقال: هو ثقة، سافر في طلب الحديث، وطاف في البلاد، ولقي المشايخ، وله قدم في الطّريقة.

стр. 1163

إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت أبو إسحاق العبسيّ، من أنفسهم كاتب القضاة بدمشق ونائبهم، أصله من سامراء. سمع بغداد ومصر وبالس والرقة ودمشق وغيرها. روى عن الحسن بن عرفة، بسنده عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: يا غلام، هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكنّي مؤتمن؛ قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: فأتيته بها، فمسح على ضرعها، فنزل اللّبن، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضّرع: اقلص فقلص: فأتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول، قال: فمسح يده على رأسي، وقال: إنك لغليّم معلّم. قال أبو بكر الخطيب: بلغني أن ابن أبي ثابت سكن دمشق ومات بها، وكان ثقة. وقال أبو الحسين الرّازي: كان شيخاً جليلاً بدمشق يسأل عن المعدّلين، وأصله من العراق، سكن دمشق، تاجر نبيل، مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة، وزاد غيره: في شهر ربيع الآخر. إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه أبو القاسم الصّوفي الواعظ، النًصر آبادي، محلّة من محالّ نيسابور سمع بدمشق وبيروت ومصر ونيسابور وبغداد.

стр. 1164

روى عن عبد الله بن محمد الشّرقي، بسنده عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جدّه، قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح مقدّم رأسه حتى بلغ موضع القذال من مقدّم عنقه. قال أبو عبد الرحمن السلّمي: شيخ المتصوّفة بنيسابور، له لسان الإشارة، مقروناً بالكتاب والسّنّة، يرجع إلى فنون من العلم كثيرة، منها: حفظ الحديث وفهمه، وعلم التواريخ، وعلم المعاملات، والإشارة. قال أبو سعد الماليني: سمعت أبّا القاسم يقول: إذا أعطاكم حّباكم، وإذا لم يعطكم حماكم، فشتّان ما بين الحبا والحمى؛ فإذا حباك شغلك، وإذا حماك حملك. وقال في معنى قوله تعالى " إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " قال: بعلمي اشتريتهم وبحكمي أعتقتهم، فلا ينقص علمي حكمي، ولا ينقص حكمي علمي. وقال: ليس للأولياء سؤال، إّنما هو الذّبول والخمود. وقال: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء. وسئل عن القوت، فقال: للنّفس قوت إذا أحرزت اطمأنّت، وللقلب قوت، وللسّرّ قوت، ولرّوح قوت؛ فقوت القلب الطمأنينة، وقوت السرّ الفكرة، وقوت الرّوح السّماع، لأنه صادر عن الحقّ وراجع إليه، والقوت في الحقيقة هو الله لأنه منه الكفايات؛ وأنشد يقول: من الطويل إذا كنت قوت النّفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضّبّ في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامه حوتها وقيل له: إن بعض النّاس يجالس النّسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهنّ؛

стр. 1165

فقال: ما دامت الأشباح باقيةً، فإن الأمر والنّهي باق، والتّحليل والتّحريم مخاطب بهما، ولن يجترئ على الشّبهات إلاّ من هو يعرض للمحرّمات. وقال: ضعفت في البادية مرةً، فأيست من نفسي، فوقع بصري على القمر وكان ذلك بالنّهار فرأيت مكتوباً عليه: " فسيكفيكهم الله " فاستقللت، ففتح عليّ من ذلك الوقت هذا الحديث. وقيل له: ليس لك من المحبة شيء؛ قال: صدقوا، ولكن لي حسراتهم، فهوذا أحترق فيه. وقال: المحبة مجانبة السّلّو على كل حال، ثم أنشد يقول: من الطويل ومن كان في طول الهوى ذاق سلوةً ... فإني من ليلى لها غير ذائق وأكبر شيء نلته من وصالها ... أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق وقال: مراعاة الأوقات من علامات التيقظ. وقال: أنت متردّد بين صفات الفعل، وصفات الذّات، وكلاهما صفته على الحقيقة، فإذا هيّمك في مقام التفرقة قرّبك بصفات فعله، وإذا بلّغك مقام الجمع قرّبك بصفات ذاته. وقال: التّقوى مثال الحقّ، قال الله تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التّقوى منكم ". وقال: مواجيد الأرواح تظهر بركتها على الأسرار، ومواجيد القلوب تظهر بركتها على الأبدان. قال أبو عبد الرحمن السّلمي: لمّا همّ الأستاذ أبو القاسم النّصر آبادي بالحجّ، وتهيأ له، خرجت معه إلى الحجّ سنة ستّ وستين وثلاثمئة، وكنت مع الأستاذ أي منزل نزلناه

стр. 1166

أو بلدة دخلناها، يقول لي: قم حتى نسمع الحديث، وكان مع جلالته وكثرة ما عنده من العلم، يحمل المحبرة والبياض، ويحضر سماع الحديث، ويطلب أهله، وكان ﵀ شديد الحرص على كتابته والحبّ له. ولمّا دخلنا بغداد قال لي: قم بنا نذهب إلى أبي بكر بن مالك القطيعي ﵀، وكان عنده إسناد حسن، وكان له ورّاق قد أخذ من الحاجّ شيئاً ليقرأ لهم، وفي مجلسه خلق من الحاجّ وغيرهم؛ فلّما دخلنا عليه قعد الأستاذ ناحيةً من القوم، والورّاق يقرأ فأخطأ، فردّ عليه الأستاذ، فنظر إليه الورّاق شزراً، فأخطأ أيضاً في شيء، فردّ عليه أيضاً، فنظر الورّاق إليه شزراً؛ والبغداديون لا يحتملون من أهل خراسان أن يردّوا عليهم شيئاً، فلمّا كان في المرّة الثالثة ردّ عليه، قال الورّاق: يا رجل، إن كنت تحسن تقرأ فتعال فاقرأ! كالمستهزئ به فقام الأستاذ، وقال: تأخر قليلاً، فاخذ الجزء من يده، وأخذ يقرأ قراءةً تحيّر ابن مالك ومن حوله تعجّباً منه، حتى حان وقت الظهر. قال: فسألني الورّاق: من هذا الرّجل؟ قلت: الأستاذ أبو القاسم النّص آبادي، فقام الورّاق وقال: أيّها النّاس، هذا شيخ خراسان أبو القاسم النّصرآبادي، وقد كتب الحديث ها هنا، وأقام ببغداد خمس عشرة سنةً؛ فقرأ في مجلس واحد ما كان يريد الورّاق أن يقرأه في خمسة أيام. ولمّا دخلنا البادية كان كلّما نزل عن راحلته في سيره لا تفارقه المحبرة والمقلمة والبياض، فرأيته ونحن في رحل المفسر، وفي كمّه المحبرة والمقلمة والبياض والأجزاء، فقلت له: أيها الأستاذ، في هذا الموضع، والنّاس يخفّفون عن أنفسهم؟! فقال يا أبا عبد الرحمن، ربّما أسمع شيئاً من جمّال أو غيره حكمةً، أثبته كي لا أنسى. قال: وكان في سنة من السنين قحط، فخرج النّاس إلى الاستسقاء، إلى المصلّى، فلّما ارتفع النّهار جاء غبار وريح وظلمة لا يستطيع أن يرى أحد من شدّة الغبار، ونحن مع الأستاذ أبي القاسم؛ فقال لنا الأستاذ: جئنا بأبدان مظلمة، وقلوب غافلة، ودعاء مثل الرّيح، فنحن نكيل ريحاً، فيكال علينا ريح.

стр. 1167

فلّما كان الغد خرج وكان فقيراً ليس وراءه دنيا، ولكن له جاة عند النّاس، فدخل عليه أبناء الدّنيا وأخذ منهم شيئاً، وأمر بشراء بقرة، وكثير من لحم الغنم والأرزّ، وآلات الحلواء، وأمر منادياً في البلد: ألا من كان له حاجة في الخبز واللّحم والحلوى، فليمض غداً إلى المصلى. وأمر بالمراجل حتى حملت إلى المصلّى؛ فلّما كان الغد خرجنا معه، وأمر بطبخ المرق والأرزّ والحلوى، وجاؤوا بخبز كثير، وجاء الفقراء من الرّجال والنّساء والصّبيان، وأكلوا وحملوا إلى وقت العصر؛ فلّما صلّينا العصر إذا هي قطعة سحاب، فقال لنا: شمّروا حتى نرجع؛ فجاء الحّمالون فأخذوا الآلات ورجعوا، وأصحابه معهم. وبقي هو وأنا معه، وهو صائم وأنا أيضاً لأجل موافقته، فرجعنا، فلّما بلغنا إلى محلّة جودي كان قريباً من صلاة المغرب، فمطرنا مطراً لا نستطيع المضيّ بحال، فطلبنا مسجداً فدخلناه، وجاء المطر كأفواه القرب، والمسجد يكف بالمطر، وفي جداره محراب، فدخل الأستاذ المحراب وصلينا، وأنا في زاوية في المسجد، وقال: لعلك جائع تريد أن أطلب من الأبواب كسرةً حتى تأكل؟ فقلت: معاذ الله، أنا ساكن، قال: غداً لناظريه قريب؛ وكان يترنم مع نفسه: من الكامل خرجوا ليستسقوا فقلت لهم قفوا ... دمعي ينوب لكم عن الأنواء قالوا صدقت ففي دموعك مقنع ... لو لم تكن ممزوجةً بدماء وقلت في نفسي: ليتك لم تخرج إلى الاستسقاء حتى لم أبتل بما ابتليت به من الجوع والظما والبرد؛ ونمت في ناحية المسجد؛ فلّما كان الصّبح قال لي: قم يا أبا عبد الرحمن واطلب الماء وتطهّر حتى نصلّي ونخرج، فقمت وتوهّمت أنه قد تطهّر، فقلت: أين تطهّر الأستاذ؟ قال: ما تطهّرت؛ فخرجت وتطهّرت وصلّينا وخرجنا، وما نام ليلته، وصلّى على طهارة الأمس. قال: ولمّا دخلنا مكة حرسها الله تعالى نظر إلى تلك المقبرة، فقال:

стр. 1168

يا أبا عبد الرحمن، طوبى لمن كان قبره في هذه المقبرة، وليت قبري كان ها هنا؛ ثم إنه ﵀ أقام بها مهاجراً، وقال لي: عليك بالانصراف، فقد حجبت حجّة الإسلام، فاشكر الله على ذلك وارجع إلى والدتك، فغني قبلتك منها، فيجب أن أردّك عليها؛ وكنت نويت أن أجاور معه ولم أفارقه، ولكن لم يرض لي، ليرضى الرّجوع إلى الوالدة، فقال: ترجع وتعود سريعاً إن شاء الله، فمرض هناك مدة يسيرة، فقال لي بعض أصحابنا: دخلت عليه في مرضه، فقلت له: ما تشتهي؟ قال: كوز من ماء الجمد، كما يكون بخراسان؛ قال: فخرجت من عنده، وخرجت إلى العمرة، ومعي ركوة، فطلعت سحابة وأمطرت برداً كثيراً، وما أمطرت بمكة شيئاً، فسررت بذلك، وجمعت منه مسك ركوتي، وغدوت به عليه، وقلت: سهّل الله ما تريد، فنظر إليه وتبسّم، وما شرب منه قطرةً؛ وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وستين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق القرميسينيّ قدم دمشق وحدّث بها. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق الطّبري الشافعيّ سمع بدمشق. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق القيسيّ، المعلّم، الفقيه أصله من زيلوش قرية من قرى الرّملة، كان جندياً، ثم ترك ذلك، وتعلّم القرآن والفقه، وسمع الحديث، وحدّث ببعض مسموعاته، وأقام مدّة بمسجد الوزير

стр. 1169

المزدقاني، ثم اخرج فمضى إلى بعلبك فأقام بها يسيراً، ثم مضى إلى حماة، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى حماة إلى أن حدثت نوبة الزّلزلة، فرجع إلى دمشق، فأقام بها يسيراً، ثم مات ﵀ وكان ثقة مستوراً في الحادي عشر من رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، ودفن في مقبرة باب الصغير. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الهاشميّ ولي إمرة دمشق من قبل هارون الرّشيد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن عبد الواحد أبو إسحاق الأسديّ البّزار، المحتسب، المعروف بابن خريطة مات سنة تسع عشرة وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن سهل أبو إسحاق الجرجانيّ المؤدّب، المعروف بابن شرسان رحّال، سمع بدمشق والعراق والبصرة وبلاد فارس. روى عن ابن الرّواس، بسنده عن عمرو بن العاص، عن النبّبيّ ﷺ قال: " يقال لحامل القرآن: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل، فإن منزلتك عند آخر آية ". قال حمزة: مات في صفر سنة ثمان وستين وثلاثمئة.

стр. 1170

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصّبّاغ أبو إسحاق الطّرسوسيّ حدّث بدمشق. روى عن محمد بن عمر الصّيدلاني، بسنده عن علي بن أبي طالب: حدّثني رسول الله ﷺ ، حدّثني جبريل ﵇، قال: يقول الله : لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخله أمن من عذابي. مات في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وثمانين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الحسين ابن عبد الله أبو إسحاق الحنّائي سمع بدمشق ومصر، وكتب الكثير، وحدّث بشيء يسير. كان أديباً. خير أديب تراه النّفس، ثقة مأموناً. روى عن عبد الوهاب بن الحسن، بسنده عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصّلاة، ويقول: " استووا ولا تختلفوا، إنّ الله وملائكته يصلّون على الصفّ الأوّل ". توفي يوم السابع عشر من ذي الحجّة سنة عشرين وأربعمئة. إبراهيم بن محمد بن الأزهر الدّمشقيّ روى عن وريزة بن محمد الغسّاني، بسنده عن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله ﷺ : " نعم الإدام الخلّ ".

стр. 1171

إبراهيم بن محمد بن أسد ابن عبد الملك أبو محمد الحافظ سمع بدمشق. روى عن محمد بن عون الوحيدي، بسنده عن ابن عمر، أن النّبيّ ﷺ قال: " عشرة من قريش في الجنّة: أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّ، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزّبير في الجنّة، وسعد في الجنّة، وسعيد في الجنّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة ". إبراهيم بن محمد بن أميّة أبو إسحاق روى عن محمد بن كثير، بسنده عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّ من الأوّلين والآخرين، ما خلا النبيّين والمرسلين ". مات بدمشق يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وسبعين ومئتين. إبراهيم بن محمد بن أبي حصن الحارث ابن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري، أحد أئمة المسلمين وأعلام الدّين روى عن جماعة وروى عنه جماعة.

стр. 1172

حدّث عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، بسنده عن البراء: أنهم كانوا يصّلون مع رسول الله ﷺ ، فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رأسه من الرّكوع فقال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً حتى نراه قد وضع وجهه بالأرض، ثم نتبعه. وروى عن الأعمش، بسنده عن عبد الله بن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: " إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغوني عن أمتي السّلام ". قال أبو مسهر: قدم علينا إبراهيم بن محمد الفزاري، قال: فاجتمع النّاس يسمعون منه؛ قال: فقال لي: اخرج إلى النّاس فقل لهم: من كان يرى رأي القدريّة فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يرى فلان فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يأتي السّلطان فلا يحضر مجلسنا؛ قال: فخرجت فأخبرت النّاس. قال ابن سعد: وكان ثقة فاضلاً، صاحب سنّة وغزو، كثير الخطأ في حديثه؛ مات بالمصّيصة سنة ثمان وثمانين ومئة، في خلافة هارون. وقال النّسائي: ثقة مأمون، أحد أئمة الإسلام، كان يكون بالشام. قال أبو صالح: سمعت الفزاريّ غير مرة يقول: إن من النّاس من يحسن الثّناء عليه وما يساوي عند الله جناح بعوضة. وقال عطاء الخفّاف: كنت عند الأوزاعي فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب، اكتب إليه وابدأ به فإنه والله خير منّي. وقال أبو صالح: لقيت فضيل بن عياض فغزّاني بأبي إسحاق، وقال لي: والله لربّما اشتقت إلى المصيصّة ما بي فضل الرّباط، إلاّ لأرى أبا إسحاق. وقال العجلي: إبراهيم بن محمد كوفيّ ثقة، وكان رجلاً صالحاً، قائماً بالسّنّة؛ وقال في موضع آخر: نزل الثّغر بالمصّيصة، وكان ثقة رجلاً صالحاً، صاحب

стр. 1173

سنّة، وهو الذي أدّب أهل الثّغر، وعلّمهم السّنّة، وكان يأمر وينهى، وكان ذا دخل الثّغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه، وكان عربياً فزاريّاً؛ أمر سلطاناً يوماً ونهاه، فضربه مئتي سوط، فغضب الأوزاعي فتكلّم في أمره. وعن إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخذ هارون الرّشيد زنديقاً، فأمر بضرب عنقه، فقال الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين؟ قال: أريح العباد منك: قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﷺ ، كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله ﷺ ؟! فأين أنت يا عدوّ الله من أبي إسحاق الفزاريّ وعبد الله بن المبارك ينخلانها ويخرجانها حرفاً حرفاً؟!. قال عبد الرحمن بن مهدي: النّاس يتفاضلون في العلم، وكلّ إنسان يذهب إلى شيء، ولم أر أحداً أعلم بالسّنّة من حمّاد بن زيد؛ فإذا رأيت بصرياً يحب حمّاد بن زيد فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت كوفيّاً يحب زائدة ومالك بن مغول، فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت شامياً يحب الأوزاعيّ وأبا إسحاق الفزاريّ فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت حجازياً يحبّ مالك بن أنس فهو صاحب سنّة. قال هارون أمير المؤمنين لأبي إسحاق الفزاريّ: أيها الشيخ، بلغني أنك في موضع من العرب؛ قال: إن ذلك لا يغني عني من الله يوم القيامة شيئاً. قال الأصمعي: كنت جالساً بين يدي هارون الرّشيد أنشده شعراً، وأبو يوسف القاضي جالس على يساره، فدخل الفضل بن الرّبيع، فقال: بالباب أبو إسحاق الفزاريّ، فقال: أدخله: فلّما دخل قال: عليك السّلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الرّشيد: لا سلّم الله عليك، ولا قرّب دارك، ولا حيّا مزارك؛ قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت الذي تحرّم السّواد؟ فقال: يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا؟ لعلّ ذا أخبرك وأشار إلى أبي يوسف وذكر كلمةً؛ والله يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا؟ لعلّ ذا أخبرك وأشار إلى أبي يوسف وذكر كلمةً؛ والله يا أمير المؤمنين لقد خرج إبراهيم على جدّك المنصور، فخرج أخي معه، وعزمت على الغزو، فأتيت أبا حنيفة فذكرت ذلك له، فقال: مخرج أخيك أحبّ إليّ ممّا عزمت عليه من الغزو؛ والله ما حرّمت السّواد.

стр. 1174

فقال الرّشيد: فسلّم الله عليك، وقرّب دارك، وحيّا مزارك، اجلس يا أبا إسحاق؛ يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي إسحاق، فأتي بها، فوضعا في يده، وخرج فانصرف. ولقيه ابن المبارك، فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند أمير المؤمنين، وقد أعطاني هذه الدّنانير، وأنا عنها غنيّ؛ قال: فإن كان في نفسك منها شيء قتصدّق بها. فما خرج من سوق الرّافقة حتى تصدّق بها كلّها. قال ابن أبي خيثمة: مات بالمصّيصة سنة ثمان وثمانين ومئة في خلافة هارون. وقال أحمد بن حنبل: مات سنة خمس وثمانين ومئة. وقال ابن أبي السرّي: مات سنة ستّ وثمانين ومئة. وعن مخلد بن الحسين قال: غزونا مع عبد الملك بن صالح الهاشمي، فأقبلنا من غزونا، فمرّ بنا أبو إسحاق الفزاريّ فأسرع ولم يسلّم، فالتفت إليّ عبد الملك مغضباً، فقال لي: يا مخلد، مر بنا أبو إسحاق فأسرع ولم يسلّم! فقلت له: أعزّ الله الأمير، لم يرك، فزدّها ثانية وتبيّن لي فيه الغضب فقلت: أعزّ الله الأمير، أنأذن لي أن أحدّثك رؤيا رأيتها له؟ قال: حدّث. قلت: رأيت كأن القيامة قد قامت، والنّاس في ظلمة، في حيرة، يتردّدون فيها، فنادى مناد من السّماء: أيها النّاس، اقتدوا بأبي إسحاق الفزاريّ فإنه على الطّريق؛ فغدوت إليه فأعلمته، فقال لي: يا مخلد، لا تحدّث بهذا وأنا حيّ؛ ولوال غضبك أيّها الأمير ما حدّثتك.

стр. 1175

إبراهيم بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن نصر بن عثمان أبو إسحاق، المعروف بابن متّوبه إمام جامع أصبهان؟ سمع بدمشق من جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن هنّاد بن السّريّ، بسنده عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وبيعتين: أن يلبس الرّجل الثّوب الواحد فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه، أو يجتبي بالثّوب الواحد؛ وان يقول الرّجل للرّجل: انبذ إليّ ثوبك وأنبذ إليك ثوبي من غير أن يقبّبا أو يتراضيا؛ ويقول: دابّتي بدابّتك، من غير أن يتراضيا أو يقلّبا. قال أبو نعيم: توفي سنة اثنتين وثلاثمئة في جمادى الآخرة، روى عن الشّاميين والمصريّين وأهل العراقين، كان من العبّاد والفضلاء، يصوم الدّهر. إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال ابن أبي الدّرداء الأنصاريّ، صاحب رسول الله ﷺ أبو إسحاق روى عن أبيه، عن أم الدّرداء، عن أبي الدّرداء، قال: لمّا دخل عمر بن الخطاب الشّام سأل بلال أن يقرّه بالشام، ففعل ذلك، قال وأخي أبو رويحة الذي آخى بينه وبيني رسول الله ﷺ ؟ فنزل في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقال لهم: قد جئناكم خاطبين، وقد كنّا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإنتردّنا فلا حول ولا قوّة غلاّ بالله.

стр. 1176

ثم إن بلالاً رأى في منامه النّبيّ ﷺ ، وهو يقول له: " ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ " فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النّبيّ ﷺ فجعل يبكي عنده، ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنّ والحسين فجعل يضمّهما ويقبّلهما، فقالا له: يا بلال، نشتهي نسمع آذانك الذي كنت تؤذّنه لرسول الله ﷺ في السّحر، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلّما أن قال: الله اكبر الله أكبر، ارتجّت المدينة، فلّما أن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، زاد تعاجيجها، فلّما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، خرج العواتق من خدرهنّ؛ فقالوا: أبعث رسول الله ﷺ ؟ فما رؤي يوماً أكثر باكياً وباكية بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم. قال أبو الحسن محمد بن الفيض: توفي إبراهيم بن محمد بن سليمان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن أبي سهل أبو إسحاق المرورّوذي، المقرئ قدم دمشق وحدّث بها، وسمع منه بدمشق. روى عن زاهر بن أحمد السّرخسيّ، بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلّلها منه من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فطرحت عليه.

стр. 1177

إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان ابن يحيى بن الأركون أبو إسحاق القرشيّ الدّمشقي مولى خالد بن الوليد؛ وإلى جدّه سنان تنسب قنطرة سنان بنواحي باب توما؛ وكان الاركون قسّيساً أسلم على يدي خالد بن الوليد حين فتح دمشق. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدّث عن محمد بن سليمان، بسنده عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ في قوله تعالى: " عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محمودا " قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ". وعن جابر قال: أهلّ النبي ﷺ بحجّ ليس معه عمرة. توفي يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثمئة وكان ثقة دفن بباب توما، وكان قد نيّف على الثمانين سنةً. إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أبو إسحاق القرشي التّيميّ من أهل المدينة. سمع وأسمع. وقدم على عبد الملك بن مروان مع الحجّاج بن يوسف، وكان قد استخصّه واستصحبه، ووفد على هشام.

стр. 1178

روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " من أريد ماله بغير حقّ فقتل دونه فهو شهيد ". حدّث عمران بن عبد العزيز الزّهري، قال: لمّا ولي الحجّاج بن يوسف الحرمين بعد قتل عبد الله بن الزّبير، استخصّ إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقرّبه في المنزلة، فلم يزل على حالته عنده حتى خرج إلى عبد الملك زائراً، فخرج معه فعادله لا يترك في برّه وإجلاله وتعظيمه شيئاً، فلّما حضر باب عبد الملك حضر به معه، فدخل على عبد الملك، فلم يبدأ بشيء بعد السّلام، إلاّ أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل احجاز، ولم أدع له والله نظيراً في كمال المروءة والأدب، والدّيانة والسّتر، وحسن المذهب، والطّاعة والنّصيحة، مع القرابة ووجوب الحقّ، إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقد أحضرته بابك ليسهل عليك إذنك وتلقاه ببشرك، وتفعل به ما تفعل بمثله ممّن كانت مذاهبه مثل مذاهبه. فقال عبد الملك: ذكّرتنا حقاً واجباً، ورحماً قريبةً؛ يا غلام، إيذن لإبراهيم بن طلحة. فلّما دخل عليه مرّ به حتى أجلسه على فرشه، ثم قال له: يا ابن طلحة؛ إن أبا محمد ذكّرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب، وحسن المذهب، مع قرابة الرّحم، ووجوب الحقّ، فلا تدعن حاجةً من خاصّ أمرك ولا عامّ، إلاّ ذكرتها؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن يفتح بها الحوائج، ويرجى بها الزّلف، ما كان لله رضىً، ولحقّ نبيّه ﷺ ، ولك فيها ولجماعة المسلمين نصيحة، لا أجد بدّاً من ذكرها، ولا يكون البوح بها إلاّ وأنا خال، فأخلني ترد عليك نصيحتي؛ قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم؛ قال: قم يا حجّاج؛ فلّما جاوز السّتر، قال: قل يا ابن طلحة نصيحتك، قال: الله. يا أمير المؤمنين؟ قال: الله، قال: إنك عمدت إلى الحجّاج مع تغطرسه وتعترسه وتعجرفه لبعده من الحقّ وركونه إلى الباطل، فولّيته الحرمين، وفيهما من فيهما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي المنتسبة إلى الأخيار أصحاب

стр. 1179

رسول الله ﷺ ، وأبناء الصحابة، يسومهم الخسف، ويقودهم بالعنف، ويحكم فيهم بغير السّنّة، ويطؤهم بطغاة من أهل الشّام، ورعاع لا رويّة لهم في إقامة حقّ، ولا إزاحة باطل؛ ثم ظننت أنّ ذلك فيما بينك وبين الله ينجيك، وفيما بينك وبين رسول الله ﷺ يخلّصك؛ إذا جاءتاك للخصومة في أمّته، أما والله لا تنجو هناك إلاّ بحجة تضمن لك النّجاة، فأفق على نفسك أو دع؛ فقد قال رسول الله ﷺ : " كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته ". فاستوى عبد الملك جالساً وكان متكئاً فقال: كذبت لعمر الله ومقت ولؤمت فيما جئت به، قد ظنّ فيك الحجّاج ما لم يجده فيك، وربّما ظنّ الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن الحاسد؛ قال: فقمت والله ما أبصر طريقاً، فلّما خلّقت السّتر لحقني لاحق من قبله، فقال للحاجب: احبس هذا، وأدخل أبا محمد الحجّاج؛ فلبثت ملّياً لا اشكّ أنّهما في أمري، ثم خرج الآذن فقال: قم يا ابن طلحة فادخل، فلّما كشف لي السّتر لقيني الحجّاج وأنا داخل وهو خارج فاعتنقني وقبّل ما بين عينيّ، ثم قال: إذا جزى الله المتآخيين بفضل تواصلهما خيراً فجزاك الله أفضل ما جزى به أخاً، فوالله لئن سلمت لك لأرفعنّ ناظرك، ولأعلينّ كعبك، ولأتبعنّ الرّجال غبار قدميك؛ قال: فقلت: يهزأ بي. فلّما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني مجلسي الأول، ثم قال: يا ابن طلحة، لعلّ أحداً من النّاس شاركك في نصيحتك؟ قلت: لا والله، ولا أعلم أحداً كان أظهر عندي معروفاً، ولا أوضح يداً من الحجّاج، ولو كنت محابياً أحداً بديني لكان هو، ولكني آثرت الدّنيا لكان لك في الحجاج أمل، وقد أزلت الحجّاج عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغاراً لهما، وولّيته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرخصها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادةً له ليلزمه ما يؤّدي به عنّي إليك أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذامّ صحبته مع تفريطه، إيّاك ويدك عنده.

стр. 1180

قال: فخرجت على هذه الجملة. روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأمنعنّ فروج ذوات الأنساب إلاّ من الأكفّاء. قال الزبير بن بكار: ومن ولد محمد بن طلحة بن عبيد الله: إبراهيم بن محمد، استعمله عبد الله بن الزّبير على خراج الكوفة، وكان يقال له: أسد الحجاز، وبقي حتى أدرك هشاماً. قال: فأخبرني عمّي مصعب بن عبد الله: أن هشاماً قدم حاجاً، فتظلّم من عبد الملك بن مروان في دار آل علقمة التي بين الصّفا والمروة، وكان لآل طلحة شيء منها، فأخذها نافع بن علقمة الكنانيّ، وهو خال مروان بن الحكم، وكان عاملاً لعبد الملك بن مروان على مكة، فلم ينصفهم عبد الملك من نافع بن علقمة، وقال له هشام بن عبد الملك: ألم تكن ذكرت ذلك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، فترك الحقّ وهو يعرفه؛ قال: فما صنع الوليد؟ قال: اتّبع أثر أبيه، وقال ما قال القوم الظّالمون: " إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون "، قال: فما فعل فيها سليمان؟ قال: لا قفي ولا سيري؛ قال: فما فعل فيها عمر بن عبد العزيز؟ قال: ردّها، يرحمه الله؛ قال: فاستشاط هشام غضباً، وكان إذا غضب بدت حولته، ودخلت عينه في حجاجه، ثم أقبل عليه فقال: أما والله أيّها اشّيخ، لو كان فيك مضرب لأحسنت أدبك! قال إبراهيم: فهو والله في الدّين والحسب، لا يبعدنّ الحقّ وأهله، ليكوننّ لهذا نحت بعد اليوم. قال: وحدّثني مصعب بن عثمان بما جرى بين إبراهيم بن محمد وهشام بن عبد الملك في هذه القصّة، واختلفا في بعض الخبر.

стр. 1181

ثم طلب ولد إبراهيم بن محمد في حقّهم من الدّار إلى أمير المؤمنين الرّشيد، وجاؤوا ببيّنة تشهد لهم على حقّهم من هذه الدّار، فرّدها على ولد طلحة، وأمر قاضيه وهب بن وهب بن كبير بن عبد الله بن زمعة، أن يكتب لهم به سجلاً، ففعل. قال عمّي مصعب بن عبد الله: فكنت فيمن شهد على قضاء أبي البختريّ وهب بن وهب، بردّها عليهم وكان القائم لولد طلحة فيها محمد بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله؛ ثم اشتراها أمير المؤمنين هارون من عدّة ن ولد طلحة، وكتب الشّراء عليها وقبضها، فلم تزل في القبض حتى قدم أمير المؤمنين المأمون من خراسان، فقدم عليه ولد نافع بن علقمة فردّها عليهم. وقال محمد بن إسماعيل بن جعفر: دخل إبراهيم بن محمد بن طلحة على هشام بن عبد الملك، فكلّمه بشيء لحن فيه، فرّد عليه إبراهيم الجواب ملحوناً، فقال هشام: أتكلّمني وأنت تلحن! فقال له إبراهيم: ما عدوت أن رددت عليك نحو كلامك؛ فقال هشام: إن تقل ذلك، فما وجدت للعربيّة طلاوةً بعد أمير المؤمنين سليمان؛ فقال له إبراهيم: وأنا ما وجدت لها طلاوةً بعد بني تماضر من بني عبد الله بن الزّبير. وممّا هاج هشاماً على أن يقول ما قال لإبراهيم؛ أن إبراهيم طلب الإذن عليه، فأبطأ ذلك، فقال له على الباب رافعاً صوته: اللهم غلّقت دونه الأبواب، وقام بعذره الحجّاب؛ فبلغ ذلك هشاماً فأغضبه. قال محمد بن سعد: فولد محمد بن طلحة إبراهيم الأعرج، وكان شريفاً صارماً، ولاّه عبد الله بن الزّبير بن العوّام خراج العراق. وقال إبراهيم بن هرمة: أردت لابني البناء على أهله، وخروجاً إلى باديتي، ومرمّة الشتاء، ففكّرت في قريش، فلم أذكر غير إبراهيم بن طلحة، فخرجت إليه في مال له بين شرقيّ المدينة وغربيّها، وقد هيأت له شعراً، فلّما جئته قال لبنيه: قوموا إلى عمّكم فأنزلوه، فقاموا فأنزلوني عن دابّتي، فسلمت عليه وجلست معه أحدّثه، فلّما اطمأنّ بي المجلس قلت له: أردت الخروج إلى باديتي، وحضر الشتاء ومؤونته، وأردت أن أجمع على ابني أهله، وكانت الأشياء متعذّرة، فتفكرت في قومي فلم أذكر سواك، وقد هيأت لك

стр. 1182

من الشّعر ما أحبّ أن تسمعه؛ فقال: بحقّي عليك إن أنشدتني شعراً، ففي قرابتك ورحمك وواجب حقّك، ما تعوصل به رحمك وتقضّي به حوائجك، فانصرف إلى باديتك واعذرني فيما يأتيك منّي. قال: فخرجت إلى باديتي، فإنّي لجالس بعد أيام إذا بشويهات تتسايل يتبع بعضها بعضاً، فأعجبني حسنها، فما زالت تتسايل حتى افترش الوادي منها، وإذا فيها غلامان أسودان، وإذا إنسان على دابّة يحمل بين يديه رزمة، فلّما جاءني ثنى رجله، وقال: أرسلني إليك إبراهيم بنم طلحة، وهذه ثلاثمئة شاة من غنمه، وهاذان راعيان، وهذه أربعون ثوباً، ومئتا دينار، وهو يسألك أن تعذره. وعن عبيد الله بن محمد قال: سمعت أبي يقول: لمّا مات حسن بن حسن، فحمل اعترض غرماؤه لسريره، فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: عليّ دينه، فحمله وهو أربعون ألفاً، وكان رجلاً مسيكاً فإذا حزبه أمرّ جاد له. وعن ابن عائشة، عن أبيه: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابنه عمر: أن تزّوج بنت إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: فتزوّجها، وكتب بذلك إلى أبيه؛ فكتب إليه: تزوّج بنت عمّها وأنت أنت؛ قال: فخطب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر بنته فزوّجه. قال: فكان إبراهيم يدخل بين الخصوم، فقال عمر لبنته: قولي لأبيك يكفّ عن الدّخول بينهم، فكان لا يكفّ عن ذلك. قال: فدخل على ابنته فقال: كيف ترين بعلك؟ قالت: بخير؛ قال: وكيف عيشك؟ قالت: تأتيني مائدة غدوة أصيب منها أنا ومن حضرني، وأخرى عشّيةً أصيب منها أنا ومن حضرني، قال: أو مالك خزانة تعوّلين عليها إن ألّم بك ملّم بأضعاف ذلك؟ قالت: لا؛ فأرسل إليها ما يحمله الرّجال أوّلهم عندها وآخرهم في السّوق؛ فسأل عمر عن ذلك فأخبر به، فملأ خزانتها بعد. وعن عبد الله بن أبي عبيدة قال: جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزوميّ وهو عامله على المدينة، أن يحطّ فرض آل صهيب بن سنان إلى فرض الموالي، ففزعوا إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة وهو عريف بني تيم ورأسها، فقال: سأجهد في ذلك ولا أتركه، فشكروا له وجزوه خيراً.

стр. 1183

قال: وكان إبراهيم بن هشام يركب كلّ يوم سبت إلى قباء، قال: فجلس إبراهيم بن محمد بن طلحة على باب دار طلحة بن عبد الله بن عون بالبلاط، وأقبل إبراهيم بن هشام، فنهض إليه إبراهيم بن محمد فأخذ بمعرفة دابّته، فقال: اصلح الله الأمير، حلفائي، ولد صهيب، وصهيب من الإسلام بالمكان الذي هو به؛ قال: فما أصنع؟ جاء كتاب أمير المؤمنين فيهم، والله لو جاءك لم تجد بدّاً من إنفاذه؛ فقال: والله، إن أردت أن تحسن فعلت، وما يرّد أمير المؤمنين قولك، وإنك لوالد، فافعل في ذلك ما تعرف؛ فقال: مالك عندي إلاّ ما قلت لك! فقال إبراهيم بن محمد: واحدة أقولها لك، والله لا يأخذ رجل من بني تميم درهماً حتى يأخذ آل صهيب؛ قال: فأجابه والله إبراهيم بن هشام إلى ما أراد، وانصرف إبراهيم بن محمد، فأقبل إبراهيم بن هشام على أبي عبيدة بن محمد بن عمّار وهو معه فقال: لا يزال في قريش عزّ ما بقي هذا؛ فإذا مات هذا ذلّت قريش. وعن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد قال: أمر لأهل المدينة بالعطاء في خلافة هشام بن عبد الملك، فلم يتّم من الفيء، فأمر هشام أن يتّم من صدقات اليمامة، فحمل إليهم، وبلغ ذلك إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال: والله لا نأخذ عطاءنا من صدقات النّاس وأوساخهم، حتى نأخذه من الفيء؛ وقدمت الإبل تحمل ذلك المال، فخرج إليهم وأهل المدينة، فجعلوا يردّون الإبل ويضربون وجوهها بأكمتّهم ويقولون: والله لا يدخلها وفيها درهم من الصّدقة؛ فردّت الإبل، وبلغ هشام بن عبد الملك، فأمر أن تصرف عنهم الصّدقة وأن يحمل إليهم تمام عطاياهم من الفيء. قال ابن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، ومات بالمدينة سنة عشر ومئة.

стр. 1184

إبراهيم بن محمد المهديّ ابن عبد الله المنصور بن محمد عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب أبو إسحاق، المعروف بابن شكلة الهاشميّ ولاّه أخوه الرّشيد إمرة دمشق، فقدمها ثم عزله عنها، وولاها غيره، ثم أعاد إبراهيم إلى ولايتها. وولي إمرة الحجّ. قال حميد بن فروة: لمّا استقرّت للمأمون الخلافة، دعا إبراهيم بن المهدّي المعروف بابن شكلة، فوقف بين يديه، فقال: يا إبراهيم، أنت المتوثّب علينا تدّعي الخلافة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنت وليّ الثأر، والمحكم في القصاص، والعفو أقرب للتّقوى، وقد جعلك الله فوق كلّ ذي ذنب، كما جعل كلّ ذي ذنب دونك، فإن أخذت أخذت بحقّ، وإن عفزت عفوت بفضل؛ ولقد حضرت أبي، وهو جدّك، وأتي برجل، وكان جرمه اعظم من جرمي، فأمر الخليفة بقتله، وعنده المبارك بن فضالة، فقال المبارك: إن رأى أمير المؤمنين أن يتأنّى في أمر هذا الرّجل حتى أحدثّه بحديث سمعته من الحسن؛ قال: إيه يا مبارك؛ فقال: حدّثنا الحسن، عن عمران بن حصين، أنّ رسول الله ﷺ قال: " إذا كان يوم الجمعة نادى مناد من بطنان العرش: ألا ليقومنّ العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلاّ من عفا " فقال الخليفة: إيها يا مبارك، قد قبلت الحديث بقبوله وعفوت عنه. فقال المأمون: وقد قبلت الحديث بقبوله، وعفوت عنك؛ ها هنا يا عمّ، ها هنا يا عمّ. روى عن حمّاد الأبحّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " من نوقش الحساب عذّب ".

стр. 1185

قال إبراهيم بن المهدي: كان سبب ولايتي دمشق، أن الهادي زوّجني أمّ محمد بنة صالح بن المنصور، وأمّها أمّ عبد الله بنة عيسى بن علي بن عبد الله بن العبّاس، وكان لي سبع سنين، ثم إني قبل انسلاخ اثنتي عشرة سنة من مولدي أدركت، فاستحثّتني أمّ عبد الله بنة عيسى بن علي، على الابتناء بأمّ محمد بنة صالح، فاستأذنت الرّشيد في ذلك، فأعلمني أن العبّاسة أخته، قد شهدت عليك أنك حلفت يميناً بطلاقها، لحقك فيها الحنث. قال إبراهيم: وكانت البليّة في هذا الباب أن الرّشيد رغب في تزويج أمّ محمد، وأراد منّي أن أطلّقها، فامتنعت عليه من طلاقها، فتغيّر عليّ في الخاصّة، ولن يقصر بي في العامّة؛ فلم أزل في جفوة منه في الخاصّة، وسوء رأي، ويتأدّى إليّ عنه أشياء، وأشاهد بما يظهر منه إلي أن استتمت ستّ عشرة سنة، وصحّ عندي رغبة أمّ محمد في الرّشيد، وعلمت أنّها لا تصلح لي، فطلّقتها؛ فلم يكن بين تطليقي إيّاها وبين ابتناء الرّشيد بها إلاّ مقدار العدّة، ثم رجع لي الرّشيد إلى ما كنت أعهده من برّه ولطفه قبل ذلك. وحدّث إبراهيم: أن تطليقه أمّ محمد بنة صالح بن المنصور، وعقد الرّشيد نكاحها لنفسه بعده، أسكنا قلبه غمراً على الرّشيد، فكان لا يستحسن له حسناً، ولا يشكر له فعلاً جميلاً يأتيه إليه، وكان الرّشيد قد تبّين منه، فكانت تعطفه عليه الرّحم، ويصلح ذلك له جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، إلى أن دخل إبراهيم في سنة ثماني عشرة سنةً من مولده. فلّما دخل في أوّل السّنة، رأى فيما يرى النّائم في ليلة سبت قد كان يريد بالغلس الرّكوب إلى الرّشيد إلى الحلبة في صبيحتها بقصره في ظهر الرّافقة، فرأى فيما يرى النّائم، المهدّ في النّوم، فكأنه قال له: كيف حالك يا إبراهيم؟ فأجابه: وكيف يكون حال من خليفتك عليه هارون إلاّ شرّ حال! ظلمني من ميراثك، وقطع رحمي، ولم يحفظني لك، واستنزلني عن ابنة عمّي؛ فكأنه يقول لي: لقد اضطغنت عليه أشياء، أقلّ منها يضغن، وشرّ من قطيعة الرّحم الاضطغان على ذوي الأرحام، فما تحبّ الآن أن أفعل به؟

стр. 1186

فقلت: تدعو الله عليه! فكأنه تبسّم من قولي، ثم قال: اللهم أصلح ابني هارون، اللهم أصلح عبدك هارون. قال إبراهيم: فكأني حزنت من دعائه له بالصّلاح، فبكيت، وقلت: يا أمير المؤمنين، أسألك أن تدعو الله عليه، فتدعو له! قال: فكأنه يقول لي: إنّما ينبغي للعبد أن يدعو بما ينتفع به، ويرجو فيه الإجابة، وإن دعوت الله عليه، فاستجاب لي، لم ينفعك ذلك، وقد دعوت الله له بالصّلاح، وإن استجيب دعائي بصلاحه، صلح لك فانتفعت به، ثم ولّى عنّي، ثم التفت إليّ فقال لي: قد استجيبت الدّعوة، وهو قاض عنك دينك، ومولّيك جند دمشق، وموسّع في الرّزق، فاتقّ الله يا إبراهيم فيمن تتقلّد أمره. قال: فكأني أقول له وأنا أدير السّبابة من يدي اليمنى: دمشق دمشق دمشق! قال: فكأنه يقول لي: حرّكت مسبّحة يدك اليمنى، وقلت: دمشق دمشق دمشق، تكرّرها استقلالاً لها! إنها دنيا يا بنّي، وكلّما قلّ حظّك منها كان أجدى عليك في آخرتك، وانتبهت مرعوباً، فاغتسلت، ولبست ثيابي، وركبت إلى الرّشيد، إلى قصر الخشب بالراّفقة عنه إذا لم يكن عند حرمه، فسألت عند موافاتي القصر عن خبره فأخبرت أنه يتهيّأ للصّلاة، فلّما صرت إلى الرّواق الذي هو جالس فيه، قال لي مسرور الكبير: اجلس بأبي أنت، لا تدخل على أمير المؤمنين، فإنه مغموم يبكي لشيء لا أعلمه؛ فما هو إلاّ أن سمع كلامي، حتى صاح بي: يا إبراهيم، أدخل، فديتك؛ فما هو إلاّ أن رآني حتى شهق شهقة تخوّفت عليه منها، ورفع صوته بالبكاء، ثم قال: يا حبيبي ويا بقيّة أبي وكان يقول لي كثيراً: يا بقيّة أبي، لشدّة شبه إبراهيم بالمهدّي في لونه وعينيه وأنفه أسألك بحقّ الله، وحقّ رسوله، وحقّ المهديّ، هل رأيت في نومك في هذه اللّيلة أحداً تحبّه؟ فقلت: إي، والله، يا أمير المؤمنين، لقد رأيت آنفاً المهديّ، قال: فبحقّه عليك، هل شكوتني إليه؟ وسألته أن يدعو عليّ فدعا الله لي بالصلاح، فأنكرت ذلك عليه، حتى قال لك في ذلك قولاً طويلاً. فقلت له: وحقّ المهديّ لقد كان ذلك، ولقد أخبرني بعد دعائه أن الله استجاب دعاءه، وأنك قد صلحت لي وانك تقضي ديني، وتوسع عليّ في الرّزق، وتوليني دمشق.

стр. 1187

قال: فازداد الرّشيد في البكاء، وقال: قد وحقّه الواجب عليّ أمرني بقضاء دينك، والتّوسعة في الرّزق عليك، وتوليتك جند دمشق. ثم دعا بمسرور، وقال: احمل معك قناةً ولواءً إلى ميدان الخيل، حتى أعقد لبقّية أبي على جند دمشق إذا رجعت الخيل. فصّلى وركب وركبت معه، فلّما رجعت الخيل عقد لي على دمشق، وأمر لي بأربعين ألف دينار، فقضيت بها ديني، وأجرى عليّ في كلّ سنة ثلاثين ألف دينار عمالةً، فلبثت في العمل سنتين ارتزقت فيهما ستين ألف دينار، فصار مرزقي من تلك الولاية مع ما قضى عني من الدّين مئة ألف دينار. وحدّث إبراهيم، أنه ما علم أحداً ولي جند دمشق فسلم من لقب يلقّبه به أهل ذلك الجند غيره، فسئل عن السبب في ذلك، فأعلم أنه فحص عنه عقد الرّشيد له على جند دمشق، فاخبر أن كلّ ملقّب ممّن ولي إمرته لم يكن إلاّ مّمن ينحرف عنه من اليمانيّة أو المضريّة؛ فكان إن مال إلى المضريّة لقّبته اليمانيّة، وإن مال إلى اليمانيّة لقّبته المضريّة. وانه لمّا ولي وافى حمص، كتب إلى خليفته المستلم لعمله بدمشق يأمره بإعداد طعام له كما يعدّ للأمراء في العيدين، وأنه لما وافى غوطة دمشق تلقّاه الحيّان من مضر ويمن، فلقي كلّ من تلقّاه بوجه واحد، فلما دخل المدينة أمر صاحبه بإحضار وجوه الحيّين، وأمره بتسمية أشرافهم، وأن يقدّم من كلّ حيّ الأفضل فالأفضل منهم، وأن يأتيه بذلك، فلّما أتاه به، أمر بتصيير النّاس من الجانب الأيمن مضريّاً، وعن شماله يمنيّاً، ومن دون اليمانيّ مضريّ، ومن دون المضريّ يمانيّ، حتى لا يلتصق مضريّ بمضريّ، ولا يمانيّ بيمانيّ، ثم قدّم الطّعام، فلم يطعم شيئاً حتى حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه ﷺ ، ثم قال: إنّ الله جعل قريشاً موازين بين العرب، فجعل مضر عمومتها، وجعل يمن خؤولتها، وافترض عليها حبّ العمومة والخؤولة، فليس يتعصّب قرشيّ إلاّ للجهل بالمفترض عليه؛ ثم قال: يا معشر مضر، كأنّي بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن: قد قدّم أميرنا مضر على يمن، وكأني بكم يا يمن قد قالت: وكيف قدّمكم علينا وقد جعل بجنب اليمانّي مضريّاً، وبجنب المضريّ يمانيّاً، فقلتم با معشر مضر؛ إنّ الجانب الأيمن أعلى

стр. 1188

من الجانب الأيسر، وقد جعل الجانب الأيمن لمضر والأيسر لليمن، وهذا دليل على تقدمته إيّأنا عليكم؛ إلا إن مجلسك يا رئيس المضريّة في غد من الجانب الأيسر، ومجلسك يا رئيس اليمانيّة من غد في الجانب الأيمن، وهذان الجانبان نوب بينكما، يكون كلّ من كان فيه في يومه متحوّل عنه في غده إلى الجانب الآخر؛ ثم سمّيت الله، ومددت يدي إلى طعامي، فطعمت وطعموا معي، فانصرف القوم عنّي في ذلك اليوم، وكلّهم لي حامد. ثم كانت تعرض الحاجة لبعض الحيّين، فاسأل قبل أن أقضيها له: هل لأحد من الحيّ الآخر حاجة شبه حاجة السائل؟ فإذا عرفتها قضت الحاجتين في وقت واحد، فكنت عند الحيّين محموداً، لا أستحقّ عند واحد منهم ذمّاً ولا عيباً ولا نبزاً ينبز به. قال أبو بكر الخطيب: بويع له بالخلافة ببغداد في أيام المأمون، وقاتل الحسن بن سهل، وكان الحسن أميراًمنقبل المأمون، فهزمه إبراهيم، فتوجّه نحوه حميد الطّوسيّ، فهزمه حميد، واستخفى إبراهيم مدّة طويلة حتى ظفر به المأمون فعفا عنه، وكان أسود حالك اللّون، عظيم الجثّة، ولم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً، ولا أجود شعراً. قال: وكان إبراهيم وافر الفضل، غزير الأدب، واسع النّفس، سخيّ الكفّ، وكان معروفاً بصنعة الغناء، حاذقاً بها، وله يقول دعبل بن علي يتقرّب بذلك من المأمون: من الكامل نعر ابن شكلة بالعراق وأهلها ... فهفا إليه كلّ أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعاً بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق وقال ابن ماكولا: أما التّنّين، أوله تاء معجمة باثنتين من فوقها، وبعدها نون مشدّدة مكسورة، فهو إبراهيم بن المهدي بن المنصور، أمير المؤمنين، كنيته أبو إسحاق، أمّه شكله نسب إليها، وكانت سوداء، وكان شديد السّواد، عظيم الجسم، فلقّب التّنّين

стр. 1189

لذلك، ولد في سنة اثنتين وستين ومئة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومئتين وقيل: في سنة ثلاث وعشرين بسرّ من رأى، كان من أحسن النّاس غناء وأعلمهم به، وهو شاعر مطبوع مكثر. قال إسحاق بن الفضل الهاشميّ: كتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهديّ، وهو يحاربه، في ترك التّقحّم، والأخذ بالحزم، وإبراهيم في طاعة محمد بن زبيدة: بسم الله الرحمن الرحيم، حفظك الله وعافاك، أمّا بعد: فإنه كان عزيزاً عليّ أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التّأمير، لكن بلغني عنك أنك مائل بالرّأي والهوى إلى النّاكث المخلوع، فإن يك ما بلغني حقّاً، فقليل ما كتبت به إليك كثير، وإن يك باطلاً فالسّلام أيّها الأمير ورحمة الله وبركاته. وكتب في أسفل كتابه: من البسيط ركوبك الهول ما لم تلق فرصته ... جهل ورأيك في الإقحام تعزير أعظم بدنيا ينال المخطئون بها ... حظّ المصيبين والمغرور مغرور ازرع صواباً وحبل الرأي موترة ... فلن يردّ لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيباً أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور وإن ظفرت على جهل وفزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: بعث المأمون إلى عليّ ين موسى الرّضا فحمله وبايع له بولاية العهد، فغضب من ذلك بنو العبّاس، وقالوا: لا تخرج الأمر عن أيدينا؛ وبايعوا إبراهيم بن المهديّ، فخرج إلى الحسن بن سهل فهزمه، وألحقه بواسط، وأقام إبراهيم بن المهديّ بالمدائن، ثم وجّه الحسن عليّ بن هشام وحميد الطّوسيّ، فاقتتلوا فهزمه حميد، واستخفى إبراهيم، فلم يعرف خبره، حتى قدم المأمون فأخذه. وقال إسماعيل بن علي بن إسماعيل: وبايع أهل بغداد لإبراهيم بن المهديّ بالخلافة ببغداد في داره المنسوبة إليه، في ناحية سوق العطش، وسمّوه المبارك، وقيل: سمّوه

стр. 1190

المرضيّ، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرّم سنة اثنتين ومئتين، فغلب على الكوفة والسّواد، وخطب له على المنابر، وعسكر بالمدائن، ثم رجع إلى بغداد، فأقام بها، والحسن ين سهل مقيمّ في حدود واسط خليفة للمأمون، والمأمون ببلاد خراسان، فلم يزل إبراهيم مقيماً ببغداد على أمره يدعى بإمرة المؤمنين، ويخطب له على منبر بغداد وما غلب عليه من السّواد والكوفة، ثم رحل المأمون متوجهاً إلى العراق، وقد توفي عليّ بن موسى الرضا. فلّما أشرف المأمون على العراق وقرب من بغداد، ضعف أمر إبراهيم بن المهديّ، وقصرت يده، وتفرّق النّاس عنه، فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة ثلاث ومئتين، فركب إبراهيم بن المهديّ في زيّ الخلافة إلى المصلّى فصلّى بالنّاس صلاة الأضحى، وهو ينظر إلى عسكر غليّ بن هشام مقدمة للمأمون، ثم انصرف من الصّلاة، فنزل قصر الرّصافة، وغدا النّاس فيه، ومضى من يومه إلى داره المعروفة به، فلم يزل فيها إلى آخر النّهار، ثم خرج منها باللّيل فاستتر وانقضى أمره. فكانت مدّته منذ بويع له بمدينة السّلام إلى يوم استتاره سنةً واحد عشر شهراً وخمسة أيّام، وكان سنّة يوم بويع له تسعاً وثلاثين سنة وشهرين وخمسة أيام، لأن مولده غرّة ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومئة، واستتر وسنّه إحدى وأربعون سنة وأيام، وأقام في استتاره ستّ سنين وأربعة أشهر وعشرة أيّام، وظفر به المأمون لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة عشر ومئتين، فعفا عنه واستبقاه، فلم يزل حيّاً طاهراً مكرّماً إلى أن توفي في خلافة المعتصم بالله، وكان واسع الأدب كثير الشّعر. قال ابن مهرويه: لمّا بويع إبراهيم بن المهديّ ببغداد قلّ المال عنده، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السّواد وغيرهم، فاحتبس عليهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوّفهم بالمال ولا يرون لذلك حقيقة، إلى أن اجتمعوا يوماً وخرج رسول إبراهيم إليهم، فصرّح لهم أنه لا مال عنده؛ فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: فإذا لم يكن المال، فاخرجوا إلينا خليفتنا فليإنلأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات،

стр. 1191

فيكون ذلك عطاءهم، فانشد دعبل في ذلك: من السريع يا معشر الأعراب لا تغلطوا ... وارضوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعكيكم حنينيّة ... لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديّات لقوّادكم ... وما بهذا أحد يغبط فهكذا يرزق أجناده ... خليفة مصحفة البربط البربط: العود، وأصله بالفارسية، والعرب تسميه المزهر. وقال محمد بن القاسم بن خلاد: لمّا طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء وضجر، كتب إلى المأمون: وليّ الثّأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الرّجاء أمن عادية الدّهر على نفسه، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كلّ ذي عفو، كما جعل كلّ ذي ذنب دونه، فإنعفا فبفضله، وإن عاقب فبحقّه. فوقّع المأمون في قصّته أمانه، وقال فيها: القدرة تذهب الحفيظة، وكفى بالنّدم إنابة، وعفو الله أوسع من كلّ شيء. ولمّا دخل إبراهيم على المأمون، قال: من الخفيف إن أكن مذنباً فحظي أخطأ ... ت فدع عنك كثرة التّأنيب قل كما قال يوسف لبني يع ... قوب لمّا أتوه لا تثريب فقال: لا تثريب. قال ثمامة بن أشرس: قال لي المأمون: قد عزمت غداً على تقريع إبراهيم بن

стр. 1192

المهديّ فاحضر مبكّراً، وليقرب مجلسك منّي، وقام السّماط، فبينا نحن كذلك إذ سمعت صلصلة الحديد، فرفعت نظري فإذا إبراهيم بن المهديّ موقوف على البساط، ممسوك بضبعيه، مغلولة يده إلى عنقه، قد تهدّل شعره على عينيه، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم اله عليك ولا حيّاك ولا رعاك ولا كلاّك، أكفرّ يا إبراهيم بالنّعمة بغير شكر، وخروج على أمير المؤمنين بغير عهد ولا عقد! فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له في الاغترار هجمت به الأناة على التّلف، وقد رفعك الله فوق كل ذي ذنب، كما وضع كلّ ذي ذنب دونك؛ فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. فقال المأمون: إنّ هذين قد أشارا عليّ بقتلك وأومى إلى المعتصم والعبّاس ابنه! فقال: أشارا عليك يا أمير المؤمنين بما يشار به على مثلك في مثلي من حسن السّياسة والتدّبير، وإنّ الملك عقيم، ولكنّك تأبى أن تستجلب نصراً إلاً من حيث عوّدك الله ، وأنا عمّك، والعمّ صنو الأب؛ وبكى. فترغرغت عينا المأمون، ثم قال: يا ثمامة؛ فوثبت قائماً، فقال: إنّ من الكلام كلام كالدّرّ؛ حلّوا عن عمّي، وغيّروا من حالته في أسرع وقت، وجيئوني به. فأحضره مجلسه ونادمه، وسأله أن يغنّي، فأبى، وقال: نذرت يا سيدي لله عند خلاصي تركه، فعزم عليه، وأمر أن يوضع العود في حجره، فسمعته يغنّي: من مجزوء الكامل هذا مقام مشرّد ... خربت منازله ودوره نمّت عليه عداته ... كذباً فعاقبه أميره ثم ثنّى بشعر آخر: من الطويل ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّي ... لوى الدّهر بي عنها وولّى بها عنّي

стр. 1193

فإن أبك نفسي أبك نفساً عزيزة ... وإن أحتقرها أحتقرها على ضنّ وإنّي وإنكنت المسيئ بعينه ... بربّي تعالى جدّه حسن الظّنّ عدوت على نفسي فعاد بعفوه ... عليّ فعاد العفو منّا على منّ فقال له المأمون: أحسنت والله يا أمير المؤمنين حقاً! ؛ فرمى بالعود من حجره ووثب قائماً فزعاً من هذا الكلام؛ فقال له المأمون: اقعد واسكن، فوحياتك ما كان ذلك لشيء تتوهّمه، ووالله لا رأيت منّي طول أيّامي شيئاً تكرهه وتغتّم به. ثم أمر بكلّ ما قبض له من الأموال والدّور والعقار والدّواب والضّياع أن تردّ عليه، وأعاد مرتبته، وأمر له في تلك السّاعة بعشرة آلاف دينار، وانصرف مكرماً مخلوعاً عليه، على خيل ورجل أمير المؤمنين، واشتهر في الخاصّة والعامّة عفو أمير المؤمنين عن عمّه، فحسن موقع ذلك منهم، واستوسقوا على الطّاعة والموالاة، والشّكر والدّعاء. فقيل لثمامة: أي شيء كان جرمه؟ قال: بويع له بالخلافة بعد محمد بن هارون، والمأمون بخراسان، فلّما دخل المأمون اختفى، وأهدر المأمون دمه، ونادى عليه، فجاء من غير أن يجيء به أحد، فأمكن من نفسه، فحبسه ستة أشهر، وأخرجه، وعفا عنه. قال الفضل بن العبّاس الهاشميّ: بعث المأمون إلى إبراهيم عمّه بعدما حبسه، رجلاً يثق له، فقال: تعرف ما يعمل عمّي، وما يقول؛ قال: فعل، ثم رجع غليه، فقال: رأيته يبكي، وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يتغنّى: من الطويل فلو أنّ خدّاً من وكوف مدامع ... يرى معشباً لاخضرّ خدّي فأعشبا كأن ربيع الزّهر بين مدامعي ... بما انهل منها من حياً وتصبّبا ولو أنني لم أبك إلاً مودّعاً ... بقّية نفس ودّعتني لتذهبا وقد قلت لمّا لم أجد لي حيلةً ... من الموت لمّا حلّ أهلاً ومرحباً قال: فبكى المأمون، ثم أمر بالتحقيق عنه. وحدّث حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: لمّا دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب

стр. 1194

المأمون، فقلت: من البسيط هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال يوماً تريش خسيس الحال ترفعه ... إلى السّماء ويوماً تخفض العالي فأطرق، ثم قال: من البسيط عيب الأناة وإنسرت عواقبها ... أن لا خلود وأن ليس الفتى حجراً فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرّضى، ودعاه للمنادمة؛ والتقيت معه في مجلس المأمون، فقلت: ليهنك الرّضى؛ فقال: ليهنك مثله من متيّم، وكانت جارية أهواها، فحسن موقع ذلك عندي، فقلت: من الطويل ومن لي بأن ترضى وقد صحّ عندها ... ولوعي بأخرى من بنات الأعاجم وقال المبرّد: وقّع إبراهيم بن المهديّ في رقعة كاتب له ورآه يتتّبع الغريب والوحشيّ من الكلام: إيّاك والتتّبع لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإن هذا العيّ الأكبر، وعليك بما سهل من الكلام، مع التحفّظ لألفاظ السّفل. وقال حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده: استزار إبراهيم بن المهديّ الرّشيد بالرّقّة، وإن الرّشيد كان لا يأكل الطعام الحارّ قبل البارد، وإنه لما وضعت البوارد على المائدة رأى فيما قرب منه قريس السّمك، فاستصغر القطع، فقال لإبراهيم: لم يصغّر طبّاخك قطع السمك؟ فقال: لم يصغّر طبّاخي القطع، وإنّما هذه ألسنة السّمك! فقال: يشبه أن يكون في هذا الجام مئة لسان؛ فقال له مراقب خادم إبراهيم وكان يتولّى قهرمة إبراهيم: فيه يا أمير المؤمنين أثر من مئة لسان! فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك، فاخبره أنه ألف درهمّ فرفع هارون يده عن الطعام، وحلف أن لا يطعم شيئاً دون أن يحضر مراقب ألف دينار، فأمر أن يتصدّق بها، وقال لإبراهيم: أرجو أن تكون هذه كفّارة لسرفك، على جام سمك ألف درهم! ثم أخذ الجام بيده ودفعه إلى بعض

стр. 1195

خدمه، وقال: اخرج به من دار أخي، ثم انظر أوّل سائل تراه فادفعه إليه. قال إبراهيم: وكان شراء الجام عليّ مئتين وسبعين ديناراً، فغمزت خدمي أن يخرجوا مع الجام فيبتاعوه ممّن يدفع إليه، فكأن الرّشيد فهم ذلك منّي، فهتف بالخادم فقال: إذا دفعت الجام إلى السّائل فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: احذر أن تبيع الجام بأقلّ من مئتي دينار، فإنه خير منها: ففعل خادمه ما أمره به، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلص الجام إلاّ بمئتي دينار. وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما اجتمع أخ وأختّ أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته عليّة وكانت تقدّم عليه. وعن الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه، قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزّنادقة سمّوا له من أهل البصرة، فجمعوا وأبصرهم طفيليّ، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلاّ لصنيع، فانسلّ فدخل وسطهم، ومضى بهم الموكّلون حتى انتهوا إلى زورق قد أعدّ لهم، فدخلوا الزّورق، فقال الطفيليّ: هي نزهة، فدخل معهم الزّورق، فلم يك بأسرع بأن قيّد القوم وقيّد معهم الطّفيليّ، فقال الطفيليّ: بلغ تطفيلي إلى القيود! ثم سيّر بهم إلى بغداد، فدخلوا على المأمون، فجعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلاً فيأمر بضرب رقابهم، حتى وصل إلى الطّفيليّ، وقد استوفوا عدّة القوم، فقال للموكلّين بهم: ما هذا؟ فقالوا: والله ما ندري، غير أنّا وجدناه مع القوم فجئنا به؛ فقال المأمون: ما قصّتك ويلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كان يعرف ن أقوالهم شيئاً، ولا يعرف إلاّ الله، ومحمداً النبي ﷺ ، وإنّما رجل رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعاً يغدون إليه؛ فضحك المأمون وقال: يؤدّب. وكان إبراهيم بن المهديّ قائماً على رأس المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي أدبه، أحدّثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين، خرجت من عندك يوماً في سكك بغداد متطرّباً، حتى انتهيت إلى موضع سمّاه فشممت
следующие страницы →