Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فيكون ذلك عطاءهم، فانشد دعبل في ذلك: من السريع
يا معشر الأعراب لا تغلطوا ... وارضوا عطاياكم ولا تسخطوا
فسوف يعكيكم حنينيّة ... لا تدخل الكيس ولا تربط
والمعبديّات لقوّادكم ... وما بهذا أحد يغبط
فهكذا يرزق أجناده ... خليفة مصحفة البربط
البربط: العود، وأصله بالفارسية، والعرب تسميه المزهر.
وقال محمد بن القاسم بن خلاد: لمّا طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء وضجر، كتب إلى المأمون: وليّ الثّأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الرّجاء أمن عادية الدّهر على نفسه، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كلّ ذي عفو، كما جعل كلّ ذي ذنب دونه، فإنعفا فبفضله، وإن عاقب فبحقّه.
فوقّع المأمون في قصّته أمانه، وقال فيها: القدرة تذهب الحفيظة، وكفى بالنّدم إنابة، وعفو الله أوسع من كلّ شيء.
ولمّا دخل إبراهيم على المأمون، قال: من الخفيف
إن أكن مذنباً فحظي أخطأ ... ت فدع عنك كثرة التّأنيب
قل كما قال يوسف لبني يع ... قوب لمّا أتوه لا تثريب
فقال: لا تثريب.
قال ثمامة بن أشرس: قال لي المأمون: قد عزمت غداً على تقريع إبراهيم بن
стр. 1192
المهديّ فاحضر مبكّراً، وليقرب مجلسك منّي، وقام السّماط، فبينا نحن كذلك إذ سمعت صلصلة الحديد، فرفعت نظري فإذا إبراهيم بن المهديّ موقوف على البساط، ممسوك بضبعيه، مغلولة يده إلى عنقه، قد تهدّل شعره على عينيه، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم اله عليك ولا حيّاك ولا رعاك ولا كلاّك، أكفرّ يا إبراهيم بالنّعمة بغير شكر، وخروج على أمير المؤمنين بغير عهد ولا عقد! فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له في الاغترار هجمت به الأناة على التّلف، وقد رفعك الله فوق كل ذي ذنب، كما وضع كلّ ذي ذنب دونك؛ فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك.
فقال المأمون: إنّ هذين قد أشارا عليّ بقتلك وأومى إلى المعتصم والعبّاس ابنه! فقال: أشارا عليك يا أمير المؤمنين بما يشار به على مثلك في مثلي من حسن السّياسة والتدّبير، وإنّ الملك عقيم، ولكنّك تأبى أن تستجلب نصراً إلاً من حيث عوّدك الله ، وأنا عمّك، والعمّ صنو الأب؛ وبكى.
فترغرغت عينا المأمون، ثم قال: يا ثمامة؛ فوثبت قائماً، فقال: إنّ من الكلام كلام كالدّرّ؛ حلّوا عن عمّي، وغيّروا من حالته في أسرع وقت، وجيئوني به.
فأحضره مجلسه ونادمه، وسأله أن يغنّي، فأبى، وقال: نذرت يا سيدي لله عند خلاصي تركه، فعزم عليه، وأمر أن يوضع العود في حجره، فسمعته يغنّي: من مجزوء الكامل
هذا مقام مشرّد ... خربت منازله ودوره
نمّت عليه عداته ... كذباً فعاقبه أميره
ثم ثنّى بشعر آخر: من الطويل
ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّي ... لوى الدّهر بي عنها وولّى بها عنّي
стр. 1193
فإن أبك نفسي أبك نفساً عزيزة ... وإن أحتقرها أحتقرها على ضنّ
وإنّي وإنكنت المسيئ بعينه ... بربّي تعالى جدّه حسن الظّنّ
عدوت على نفسي فعاد بعفوه ... عليّ فعاد العفو منّا على منّ
فقال له المأمون: أحسنت والله يا أمير المؤمنين حقاً! ؛ فرمى بالعود من حجره ووثب قائماً فزعاً من هذا الكلام؛ فقال له المأمون: اقعد واسكن، فوحياتك ما كان ذلك لشيء تتوهّمه، ووالله لا رأيت منّي طول أيّامي شيئاً تكرهه وتغتّم به.
ثم أمر بكلّ ما قبض له من الأموال والدّور والعقار والدّواب والضّياع أن تردّ عليه، وأعاد مرتبته، وأمر له في تلك السّاعة بعشرة آلاف دينار، وانصرف مكرماً مخلوعاً عليه، على خيل ورجل أمير المؤمنين، واشتهر في الخاصّة والعامّة عفو أمير المؤمنين عن عمّه، فحسن موقع ذلك منهم، واستوسقوا على الطّاعة والموالاة، والشّكر والدّعاء.
فقيل لثمامة: أي شيء كان جرمه؟ قال: بويع له بالخلافة بعد محمد بن هارون، والمأمون بخراسان، فلّما دخل المأمون اختفى، وأهدر المأمون دمه، ونادى عليه، فجاء من غير أن يجيء به أحد، فأمكن من نفسه، فحبسه ستة أشهر، وأخرجه، وعفا عنه.
قال الفضل بن العبّاس الهاشميّ: بعث المأمون إلى إبراهيم عمّه بعدما حبسه، رجلاً يثق له، فقال: تعرف ما يعمل عمّي، وما يقول؛ قال: فعل، ثم رجع غليه، فقال: رأيته يبكي، وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يتغنّى: من الطويل
فلو أنّ خدّاً من وكوف مدامع ... يرى معشباً لاخضرّ خدّي فأعشبا
كأن ربيع الزّهر بين مدامعي ... بما انهل منها من حياً وتصبّبا
ولو أنني لم أبك إلاً مودّعاً ... بقّية نفس ودّعتني لتذهبا
وقد قلت لمّا لم أجد لي حيلةً ... من الموت لمّا حلّ أهلاً ومرحباً
قال: فبكى المأمون، ثم أمر بالتحقيق عنه.
وحدّث حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: لمّا دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب
стр. 1194
المأمون، فقلت: من البسيط
هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال
يوماً تريش خسيس الحال ترفعه ... إلى السّماء ويوماً تخفض العالي
فأطرق، ثم قال: من البسيط
عيب الأناة وإنسرت عواقبها ... أن لا خلود وأن ليس الفتى حجراً
فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرّضى، ودعاه للمنادمة؛ والتقيت معه في مجلس المأمون، فقلت: ليهنك الرّضى؛ فقال: ليهنك مثله من متيّم، وكانت جارية أهواها، فحسن موقع ذلك عندي، فقلت: من الطويل
ومن لي بأن ترضى وقد صحّ عندها ... ولوعي بأخرى من بنات الأعاجم
وقال المبرّد: وقّع إبراهيم بن المهديّ في رقعة كاتب له ورآه يتتّبع الغريب والوحشيّ من الكلام: إيّاك والتتّبع لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإن هذا العيّ الأكبر، وعليك بما سهل من الكلام، مع التحفّظ لألفاظ السّفل.
وقال حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده: استزار إبراهيم بن المهديّ الرّشيد بالرّقّة، وإن الرّشيد كان لا يأكل الطعام الحارّ قبل البارد، وإنه لما وضعت البوارد على المائدة رأى فيما قرب منه قريس السّمك، فاستصغر القطع، فقال لإبراهيم: لم يصغّر طبّاخك قطع السمك؟ فقال: لم يصغّر طبّاخي القطع، وإنّما هذه ألسنة السّمك! فقال: يشبه أن يكون في هذا الجام مئة لسان؛ فقال له مراقب خادم إبراهيم وكان يتولّى قهرمة إبراهيم: فيه يا أمير المؤمنين أثر من مئة لسان! فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك، فاخبره أنه ألف درهمّ فرفع هارون يده عن الطعام، وحلف أن لا يطعم شيئاً دون أن يحضر مراقب ألف دينار، فأمر أن يتصدّق بها، وقال لإبراهيم: أرجو أن تكون هذه كفّارة لسرفك، على جام سمك ألف درهم! ثم أخذ الجام بيده ودفعه إلى بعض
стр. 1195
خدمه، وقال: اخرج به من دار أخي، ثم انظر أوّل سائل تراه فادفعه إليه.
قال إبراهيم: وكان شراء الجام عليّ مئتين وسبعين ديناراً، فغمزت خدمي أن يخرجوا مع الجام فيبتاعوه ممّن يدفع إليه، فكأن الرّشيد فهم ذلك منّي، فهتف بالخادم فقال: إذا دفعت الجام إلى السّائل فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: احذر أن تبيع الجام بأقلّ من مئتي دينار، فإنه خير منها: ففعل خادمه ما أمره به، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلص الجام إلاّ بمئتي دينار.
وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما اجتمع أخ وأختّ أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته عليّة وكانت تقدّم عليه.
وعن الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه، قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزّنادقة سمّوا له من أهل البصرة، فجمعوا وأبصرهم طفيليّ، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلاّ لصنيع، فانسلّ فدخل وسطهم، ومضى بهم الموكّلون حتى انتهوا إلى زورق قد أعدّ لهم، فدخلوا الزّورق، فقال الطفيليّ: هي نزهة، فدخل معهم الزّورق، فلم يك بأسرع بأن قيّد القوم وقيّد معهم الطّفيليّ، فقال الطفيليّ: بلغ تطفيلي إلى القيود! ثم سيّر بهم إلى بغداد، فدخلوا على المأمون، فجعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلاً فيأمر بضرب رقابهم، حتى وصل إلى الطّفيليّ، وقد استوفوا عدّة القوم، فقال للموكلّين بهم: ما هذا؟ فقالوا: والله ما ندري، غير أنّا وجدناه مع القوم فجئنا به؛ فقال المأمون: ما قصّتك ويلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كان يعرف ن أقوالهم شيئاً، ولا يعرف إلاّ الله، ومحمداً النبي ﷺ ، وإنّما رجل رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعاً يغدون إليه؛ فضحك المأمون وقال: يؤدّب.
وكان إبراهيم بن المهديّ قائماً على رأس المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي أدبه، أحدّثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين، خرجت من عندك يوماً في سكك بغداد متطرّباً، حتى انتهيت إلى موضع سمّاه فشممت
стр. 1196
يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدور فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها، وإلى طيب ريحها، فوقفت على خيّاط، وقلت له: لمن هذه الدّار؟ فقال: لرجل من التّجّار، من البزّازين؛ فقلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرميت بطرّفي إلى الجناح فإذا في بعضه شبّاك، فأنظر إلى كفّ قد خرج من الشّباك قابضاً على بعضه، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور، فبقيت ها هنا ساعةً، ثم أدركني ذهني، فقلت للخيّاط: هل هو ممّن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب عنده اليوم دعوة، وليس ينادم إلاّ تجّاراً مثله مستورين.
فإني كذلك إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدّرب، فقال الخيّاط: هؤلاء منادموه؛ فقلت: ما أسماؤهما وماكناهما؟ فقال: فلان وفلان، وأخبرني بكناهما، فحرّكت دابّتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، استبطأكما أبو فلان أعزّه الله، وسايرتهما، حتى أتينا إلى الباب، فأجلاني وقدّماني، فدخلت ودخلا، فلّما رآني معهما صاحب المنزل، لم يشكّ أني منهما بسبيل، أو قادم قدمت من موضع، فرحّب وأجلسني في أفضل المواضع، فجيئ يا أمير المؤمنين بالمائدة، وعليها خبز نظؤف، وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من ريحها؛ فقلت في نفسي، هذه الألوان قد أكلتها، بقيت الكفّ أصل إلى صاحبتها؛ ثم رفع الطّعام وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة، فإذا أشكل منزل أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلطفني، ويقبل عليّ بالحديث، وجعلوا لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة، وإنّما ذلك الفعل كان منه لما ظنّ أني منهما بسبيل؛ حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان تتثنّى، فأقبلت تمشي، فسلّمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست، وأتي بعود فوضع في حجرها، فجسّته، فاستنبأت في جسّها حذقها، ثم اندفعت تغنّي وتقول: من الطويل
توهّمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها قلبي فآلم كفّها ... فمن مسّ قلبي في أناملها عقر
стр. 1197
فهيّجت يا أمير المؤمنين لا بلي، وطربت بحسن شعرها، وحذقها؛ ثم اندفعت تغنّي: من الطويل
أشرت إليها هل عرفت مودّتي ... فردّت بطرف العين إني على العهد
فحدت عن الإظهار عمداً لسرّها ... وحاذت عن الإظهار أيضاً على عمد
فصحت: السّلامة، يا أمير المؤمنين، وجاءني من الطّرب ما لم أملك نفسي، ثم اندفعت تغنّي الصّوت الثالث: من الطويل
أليس عجيباً أن بيتاً يضمّني ... وإيّاك لا نخلو ولا نتكلّم
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النّار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكفّ تسلّم
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها وإصابتها معنى الشعر، وأنها تخرج من الفنّ الذي ابتدأت فيه؛ فقلت: بقي عليك يا جارية؛ فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان منّي، ورأيت القوم كأنّهم قد تغيّروا بي، فقلت: ليس ثمّ عود؟ فقالوا: بلى والله يا سيّدنا، فأتينا بعود، فأصلحت من شأنه ما أردت، ثم اندفعت أغنّي: من الكامل
ما للمنازل لا يجبن حزيناً ... أصممن أن قدم المدى فبلينا
روحوا العشيّة روحة مذكورةً ... إن متن وإن حيين حيينا
فما استتممته يا أمير المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبّت على رجلي فقبّلتها، وتقول: معذرةً يا سيّدي والله ما سمعت من يغنّي هذا الصّوت مثلك أحد، وقام مولاها وجميع من كان حاضراً فصنعوا كصنيعها، وطرب القوم، واستحثّوا الشراب فشربوا بالكاسات والطّاسات، ثم اندفعت أغنّي: من الطويل
أفي الله أن تمشين لا تذكرينني ... وقد سمحت عيناي من ذكرك الدّما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل منّي وتبذل علقما
стр. 1198
فردّي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهب العقل مضرما
إلى الله أشكو أنها أجنبيّة ... وأني بها ما عشت بالوّد مغرما
فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شيء خشيت أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة حتى هدأوا ممّا كانوا فيه من الطّرب، ثم اندفعت أتغنّى بالصّوت الثالث: من البسيط
هذا محبّك مطوّي على كمده ... حرّى مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرّحمن راحته ... ممّا به ويد أخرى على كمده
يا من رأى أسفاً مستهتراً دنفاً ... كانت منيّته في عينه ويده
فجعلت الجارية تصبح: هذا والله الغناء يا سيّدي.
وذكر الحكاية إلى أن قال: وخلوت معه،
стр. 1199
ثم قال لي: يا سيّدي ذهب ما كان من أيّامي ضياعاً إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلحّ عليّ حتى أخبرته، فقام فقّبل رأسي، وقال: يا سيدي، وأنا أعجب يكون هذا الأدب إلاّ من مثلك! وإذا أني مع الخلافة وأنا لا أشعر! ثم سألني عن قصّتي، وكيف حملت نفسي على ما فعلت؛ فأخبرته خبر الطعام، وخبر الكفّ والمعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي؛ فقال: والكفّ والمعصم؟ ثم قال: يا فلانة لجارية له فجعل ينزل لي واحدةً واحدةً، فأنظر إلى كفّها ومعصمها، فأقول: ليس هي؛ قال: والله ما بقي غير أختي وأمّي، والله لأنزلنّهما إليك! فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك، ابدأ بأختك قبل الأم، فعسى أن تكون هي؛ فقال: صدقت، فنزلت، فلّما رأيت كفّها ومعصمها، قلت: هي ذه! فأمر غلمانه فصاروا إلى عشرة من جلّة جيرانه في ذلك الوقت، فأحضروا، ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وقال للمشايخ: هذه أختي فلانة، أشهدكم أني قد زوّجتها من سيّدي إبراهيم بن المهديّ، وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم؛ فرضيت وقبلت النّكاح، ودفع إليها البدرة، وفرّق الأخرى على المشايخ؛ ثم قال لهم: اعذروا وهذا ما حضر على الحال، فقبضوها ونهضوا.
ثم قال لي: يا سيّدي، أمهّد لك بعض البيوت تنام مع أهلك، فأحشمني والله ما رأيت من سعة صدره، وكرم خيمه؛ فقلت: بل أحضر عماريّة وأحملها إلى منزلي؛ قال: ما شئت.
فأحضرت عماريّة فحملتها وصرت بها إلى منزلي.
فوحقّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ من الجهاز ما ضاقت به بعض بيوتنا، فأولدتها هذا القائم على رأس سيّدي أمير المؤمنين.
فعجب المأمون من كرم ذلك الرّجل، وسعة صدره، وقال: لله أبوهّ ما سمعت مثله قط؛ ثم أطلق الرّجل الطّفيليّ وأجازه بجائزة سنيّة، وأمر إبراهيم بإحضار الرّجل، فكان من خواصّ المأمون وأهل محبّته.
وقال محمد بن الحارث بن بسخنّر: وجّه إليّ إبراهيم بن المهدي يوماً يدعوني، وذلك في أوّل خلافة المعتصم، فصرت إليه، وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف السّتارة؛ فقال لي: إني قلت شعراً وغنّيت فيه فطرحته على شارية، فأخذته وزعمت أنها أحذق به منّي، وأنا أقول: إني أحذق به منها، وقد رضيناك حكماً بيننا لموضعك من هذه الصّناعة، فاسمعه منّي ومنها، واحكم ولا تعجل، حتى تسمعه ثلاث مرّات، فاندفع يغنّي: من الطويل
أضن بليلى وهي غير سخيّة ... وتبخل ليلى بالهوى فأجود
وأنهى فلا ألوي على زجر زاجر ... وأعلم أني مخطئ فأعود
فأحسن فيه وأجاد، ثم قال لها: تغنّي، فغنّت، فبرّزت فيه، حتى كأنه كان معها في أبي جاد، ونظر إليّ فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رسلك؛ ثم اندفع فغنّاه ثانية فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغنّي، فبرعت وازدادت أضعاف زيادته، وكدت أشقّ ثيابي طرباً، فقال: تثبّت ولا تعجل؛ ثم غنّاه ثالثة، فلم يبق غاية في الإحكام، ثم أمرها فغنّت، فكأنما كان يلعب، ثم قال: قل: فقضيت لها، قال:
стр. 1200
أصبت، بكم تساوي عندك الآن، فحملني الحسد له عليها والنّفاسة بمثلها، أن قلت: تساوي مئة ألف درهمّ فقال: وما تساوي على هذا الإحسان والتفّفضيل إلاّ مئة ألف درهم؟ قبّح الله رأيك، والله ما أجد شيئاً أبلغ في عقوبتك من أن أصرفك مذموماً مدحوراً، فقلت: ما لقولك: اخرج عن منزلي، جواب؛ وقمت أنصرف وقد أحفظني فعله وكلامه وأرمضني، فلّما خطوت خطوات التفتّ إليه، فقلت: يا إبراهيم، تطردني من منزلكّ فوالله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئاً.
وضرب الدّهر ضربانه، ثم دعانا المعتصم وهو بالوزيريّة في قصر اللّيل، فدخلت ومخارق وعلّوية، والمعتصم بين يديه ثلاث جامات؛ جام فضّة مملوء ودنانير جدداً، وجام ذهب مملوءة دراهم، وجام قوارير مملوءة عنبراً، فظننّا أنها لنا، بل لم نشك في ذلك، فغنّينا وأجهدنا أنفسنا، فلم يطرب، ولم يتحرّك لشيء من غنائنا، ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهديّ، فأذن له، فدخل، فلّما أخذ مجلسه غنّاه أصواتاً أحسن فيها، ثم غنّاه بصوت من صنعته بشعره، فقال: من البسيط
ما بال شمس أبي الخطّاب قد حجبت ... يا صاحبيّ لعلّ السّاعة اقتربت
أشكو إليك أبا الخطّاب جاريةً ... غريرةً بفؤادي اليوم قد لعبت
فاستحسنه المعتصم وطرب له، وقال: أحسنت والله يا عمّ، فقال إبراهيم: فإن كنت أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات؛ فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدّنانير؛ ونظر بعضنا إلى بعض ساعةً لأنّا رجونا أن نأخذهنّ، وغنّاه بشعر له بعد ساعة: من المتقارب
فما قهوة مزة قرقف ... شمول تروق براووقها
بكفّ أإنخصيب البنا ... ن يخطر بين أباريقها
بأطيب من فمها نكهة ... إذا امتصت الشّهد من ريقها
فقال المعتصم: أحسنت والله يا عمّ وسررت؛ قال: يا أمير المؤمنين، فإن كنت أحسنت فهب لي جاماً أخرى، فقال: خذ أيّهما شئت، فأخذ الذهب التي فيها الدّراهم؛ فأيسنا نحن، وغنّى بعد ساعة: من الطويل
стр. 1201
ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى ... عشير الذي ألقى فيلتئم الحبّ
إذا رضيت لم يهنني ذلك الرّضى ... لعلمي به أن سوف يدركه العتب
فارتجّ المجلس، وطرب المعتصم، واستخفّه الطّرب، وقام على رجليه ثم جلس، وقال: أحسنت والله يا عمّ ما شئت؛ قال إبراهيم: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها.
ونام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل، فثناه عطفين، ووضع الجامات فيه وشدّه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه.
ونهضنا لانصراف، فلّما ركب التفت إليّ فقال: يا محمد، زعمت أني وجاريتي لا نحسن شيئاً! فكيف رأيت ثمرة الإحسان ونموّه؟ وقال إبراهيم الموصلي: أرسلت أسماء بنت المهديّ إلى أخيها إبراهيم بن المهديّ، فقالت: أشتهي والله أن أسمع من غنائك، قال: إذاً والله لا تسمعي مثله، وعليه وعليه، وغلّظ في اليمين، إن لم يكن إبليس ظهر لي وعلّمني النقّر والنّغم، وصافحني، وقال: اذهب فأنت منّي وأنا منك! قال المبرّد: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: انصرفت ليلةً من عند المأمون مع إبراهيم بن المهديّ، فأنشأ يقول: من الطويل
وما زلت مذ أيفعت أسعى مراهقاً ... إلى الغرض الأقصى أزور المعاليا
إذا قنعت نفسي بكأس ومطعم ... فلا بلغت فيما تروم الأمانيا
لحا الله من يرضى ببلغة يومه ... ولم يك ذا همّ إلى المجد ساعيا
على المرء أن يسعى ويسمو بنفسه ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
حدّث يحيى بن عليّ قال: قال أحمد بن أبي فنن: أنا ابن قولي: من الكامل
صبّ بحبّ متيّم صبّ ... حبّيه فوق نهاية الحبّ
стр. 1202
أشكو إليه صنيع جفونه ... فيقول مت فأيسر الخطب
وإذا نظرت إلى محاسنه ... أخرجته عطلاً من الذّنب
أدميت باللّحظات وجنته ... فاقتصّ ناظره من القلب
قال عليّ بن هارون: وهذا البيت الأخير من هذه الأبيات هو عينها، وأخذه ابن أبي فنن ممّا أنشدنيه أبي لإبراهيم بن المهديّ: من السريع
يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خدّيه بلحظي فما ... برحت حتى اقتصّ من قلبي
أنشد يعقوب بن عباد الزّبيري لإبراهيم بن المهديّ، وقد أخدمته بعض العبّاسيّات في حال استخفائه عندها جاريةً، وقالت لها: أنت له، فإن مدّ يده إليك فلا تمتنعي؛ ولم يعلم بهبتها له، وكانت مليحةً، فجمّشها يوماً بأن قبّل يدها، وقال: من مجزوء الرمل
يا غزالاً لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أكرمت خد ... ديه فقبّلت يديه
بأبي وجهك ما أك ... ثر حسّادي عليه
أنا ضيف وجزاء الض ... يف إحسان إليه
وفي رواية:
بأبي من أنا مأسو ... ر بلا أسر لديه
والذي أجللت خدّي ... هـ فقبّلت يديه
والذي يقتلني ظل ... ماً ولا يعدي عليه
أنا ضيف وجزاء الض ... يف إحسان إليه
وله: من البسيط
стр. 1203
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص على الدّنيا لفي تعب
مالي أراني إذا طالبت مرتبة ... فنلتها طمحت عيني إلى رتب
لو كان يصدقني ذهني بفكرته ... ما اشتدّ غمّي على الدّنيا ولا نصبي
أسعى وأجهد فيما لست أدركه ... والموت يكدح في زندي وفي عصبي
بالله ربّك كم بيت مررت به ... قد كان يعمر باللّذات والطّرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه ... فصار من بعدها للويل والخرب
فامسك عنانك لا تجمح به طلع ... فلا وعيشك ما الأرزاق بالطلّب
قد يرزق العبد لم تتعب رواحله ... ويحرم الرّزق من لم يموت من طلب
مع أنني واجد للنّاس واحدة ... الرّزق والنّوك مقرونان في سبب
وخصلة ليس فيها من ينازعني ... الرّزق أروع شيء عن ذوي الأدب
يا ثاقب الفهم كم أبصرت ذا حمق ... الرّزق أغرى به من لازم الجرب
قال أحمد بن كامل: سمعت ناشب المتوكلّية تغنّي لإبراهيم بن المهدي: من المجتث
أنت امرؤ متجنّ ... ولست بالغضبان
هبني أسات فهلاّ ... مننت بالغفران
وله أو لغيره: من الطويل
لحا الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مدّ غير متين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على عهده خوان كلّ أمين
وقال في ابن له يقال له: أحمد، مات بالبصرة: من الويل
نأى آخر الأيّام عنك حبيب ... فللعين سحّ دائم وغروب
دعته نوى لا يرتجى أوبة لها ... فقلبك مسلوب وأنت كئيب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائب ... وأحمد في الغيّاب ليس يؤوب
стр. 1204
تبدّل داراً غير داري وجيرةً ... سواي وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطناً غير أنّه ... على طول أيّام المقام غريب
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره ... كما في ضياء الشّمس حين تغيب
سوى أن ذا يفنى ويبلى وذكره ... بقلبي على طول الزّمان قشيب
وكان نصيب العين من كلّ لذّة ... فأضحى وما للعين منه نصيب
وكان وقد زان الرّجال بفعله ... فإن قال قولاً قال وهو مصيب
وكان به ينهى الرّكاب لحسنه ... وهجم عنه الكهل وهو لبيب
وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت ... بعدل إلهي وهي منه سليب
فأصبحت محنيّاً كئيباً كأنّني ... عليّ لمن ألقى الغداة ذنوب
يخال الذي يحتاجه استدّ مرةً ... فيقذفه الأدنيّ وهو حريب
يقلّب كفّيه هواء وقلبه ... هناك وحيداً ما لديه غريب
ينادي بأسماء الأحبّة هاتفاً ... وما فيهم للهاتفين مجيب
كأن لم يكن كالدّر يلمع نوره ... بأصدافه لمّا يشنه ثقوب
كأن لم يكن كالغصن في ساعة الضّحى ... بماه النّدى فاهتّز وهو رطيب
كأن لم يكن كالطّرف يمسح سابقاً ... سليم الشّظا لم تختبله عيوب
كأن لم يكن كالصقّر أوفى بشامخ الذ ... رى وهو يقظان الفؤاد طلوب
وريحان صدري كان حين أشمه ... ومؤنس قصري كان حين أغيب
يسيراً من الأيّام لم يرو ناظري ... بها منه حتى أعلقته شعوب
كظلّ سحاب لم يقم غير ساعة ... إلى أن أطاحته فطاح جنوب
أو الشّمس لمّا من غمام تحسّرت ... مساء وقد ولّت وآن غروب
كأني به قد كنت في النّوم حالماً ... نفى لذّة الأحلام منه هبوب
جمعت أطبّاء إليك فلم يصب ... دواءك منهم في البلاد طبيب
стр. 1205
ولم يملك الآسون دفعاً لمهجة ... عليها لأشراك المنون رقيب
سأبكيك ما أبقت دموعي من البكا ... لعينيّ مساءً إن نأى ونحيب
وما غاب نجم أو تغّنت حمامة ... وما اخضرّ في فرع الأراك قضيب
وأضمر إن أنفذت دمعي لوعة ... عليك لها تحت الضّلوع لهيب
حياتي ما كانت حياتي فإن أمت ... ثويت وفي قلبي عليك ندوب
يعزّ عليّ أن تنالك حدّة ... يمسّك منها في الفؤاد دبيب
وما زاد إشفاقي عليك عشيّةً ... وسادك فيها جندل وجنوب
ألا ليت كفاً بان منها بنانها ... يهال بها عنّي عليك كثيب
فما لي إلاّ الموت بعدك راحة ... وليس لنا في العيش بعدك طيب
قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي ... أخوك ورأسي قد علاه مشيب
وأصبحت في الهلاك إلاّ حشاشة ... تذاب بنار الحزن فهي تذوب
تولّيتما في حجّة وتركتما ... صدىً يتولّى ناره وينوب
فلا ميت إلاّ دون زرئك رزؤه ... ولو فنيت حزناً عليك قلوب
وإني وإن قدّمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة حبيب
وله يرثي ابنه أحمد: من المنسرح
عصتك عين دموعها شنن ... فليس يغشى جفونها الوسن
وكلّها بالنجوم يرقبها ... نجم فثنى في ليله الحزن
لمّا ثوى أحمد الضّريح وكا ... ن الزّاد منه الحنوط والكفن
والموت يغشى بياض سنته ... كالشمس يغشى ضياءها الدّجن
يطلب روحاً عندي لكربته ... والرّوح في كفّ من له المنن
هيهات قد حان وقت فرقتنا ... وانبتّ بيني وبينه القرن
وخانني الصّبر إذ فجعت به ... وليس عندي لواعظ أذن
تركتني ساهراً إذ رقد النّا ... س أخا لوعة إذا سكنوا
لله ما أهدت الرّجال إلى ال ... قبر وما شدّوا وما دفنوا
стр. 1206
من يسل شيئاً فإن لوعته ... ليس يعفي آثارها الزّمن
يا ليت شخصي قد زارها منّه ... فإن عيشي من بعده غبن
ولّى حبيباً يتلو أخاه كما ... يوماً تدنّى للمنحر البدن
كأنّما الدّهر في تحامله ... عليّ لي عند صرفه الزّمن
قال أبو حسان الزّيادي: سنة أربع وعشرين ومئتين، فيها مات إبراهيم بن المهديّ، يوم الجمعة لسبع خلون من شهر رمضان، وصلّى عليه المعتصم بالله أمير المؤمنين.
إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن بكّار
والد أبي عبد الملك روى عن عبد الله بن العلاء، عن الزّهري، قال: العلماء أربعة: سعيد بن المسّيب بالمدينة، وعامر الشّعبيّ بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.
إبراهيم بن محمد بن عبد الله
أبو إسحاق البغدادي الحنبليّ سمع بدمشق وبغداد وحمص والرّملة، وحدّ بسمرقند والشّاش.
روى عن عثمان بن سعيد الدّمشقي، بسنده عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : " من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بأسرها، يا بن جعشم يكفيك منها ما سدّ جوعتك، ووارى عورتك، وما فوق الإزار حساب عليك. "
стр. 1207
وعن محمد بن جعفر الحمصي، بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان يحبّ أن يعلم كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه ".
إبراهيم بن محمد بن عبد الله
ابن أحمد بن سليمان بن أيوب بن حذلم أبو إسحاق الأسديّ سمع الحديث، وحدّث بشيء يسير.
روى عن عبد الوهاب بن الحسن الكلابي، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إنّ وليّ الأمر بعدك أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ".
إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن علي
أبو عبد الله العقيليّ الجزريّ المقرئ سكن نيسابور، وحدّث بها، وكان قد سمع بدمشق، شيخ نيسابوريّ من أهل السّتر والدّيانة.
روى عن أبي الحسن السّمسار، بسنده عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، قال:
رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه، مرةً أو مرّتين.
وعنه، بسنده عن صهيب الخير، أن رسول الله ﷺ : " عليكم بالسّواد، فإنه من خير خضابكم، إلا وإنه أرغب لنسائكم فيكم، ألا إنه أرهب في صدور عدوّكم ".
إبراهيم بن محمد بن عبد الأعلى
ابن محمد بن عبد الأعلى بن عبد الرّحمن بن يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء أبو القاسم الأنصاري، المعروف بابن عليل، مولى سهل بن الحنظليّة.
стр. 1208
إبراهيم بن محمد بن عبد الرّزّاق
أبو طاهر العابد الحيفيّ من أهل قصر حيفة.
سمع بأطرابلس، وحدّث سنة ست وسبعين وأربعمئة.
إبراهيم بن محمد بن عبيد بن جهينة
أبو إسحاق الشّهرزوريّ سمع بدمشق وحمص ومصر والرّيّ، وروى عنه جماعة.
روى عن الحسين بن بيان، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بالإهليلج الأسود فاشربوه، فإنه شجرة من شجر الجنّة، طعمها مرّ، وهو شفاء من كلّ داء.
إبراهيم بن محمد بن عبيد
أبو مسعود الدّمشقي الحافظ أحد الجوّالين المكثرين، خرج عن دمشق قديماً، وطوّف البلاد.
سمع وأسمع.
روى عن عبد الله بن محمد المدني، بسنده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لمّا أتى وادي محسر راحلته، وقال: " عليكم بحصى الخذف ".
قال الخطيب: سافر الكثير، وسمع وكتب ببغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز
стр. 1209
وأصبهان وبلاد خراسان، ثم استوطن بغداد بأخرة، وكان له عناية بصحيحي البخاري ومسلم، وعمل تعليقة أطراف الكتابين، ولم يرو من الحديث إلا شيئاً يسيراً على سبيل التّذكرة، وكان صدوقاً ديّناً ورعاً فهماً.
مات في سنة إحدى وأربعمئة ببغداد، وصلى عليه أبو حامد الإسفراييني، وكان وصيّة، ودفن في مقبرة المنصور، قريباً من السّكك.
إبراهيم بن محمد بن عقيل بن زيد
ابن الحسن بن الحسين أبو إسحاق بن أبي بكر الشّهرزوريّ، الفقيه الفرضيّ الواعظ سمع بدمشق وصور، وحدّث.
روى عن محمد بن علي بن سلوان، بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: كان النبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر، يمشون أمام الجنازة.
توفي سنة أربع وتسعين وأربعمئة، في يوم الاثنين السابع من محرم بدمشق، وكان مولده سنة خمس وعشرين.
إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله
ابن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم أبو إسحاق المعروف بالإمام كان يكون بالحميمة من أعمال السّراة، من أعمال دمشق، وهو الذي عهدّ إليه أبوه محمد بن علي بالإمامةمنبعده، فرفع أمره إلى مروان بن محمد، فأخذه وسجنه وقتله في السّجن بحرّان.
روى عن جدّه، عن العبّاس بن عبد المطلب، قال: كان في مسجد رسول الله ﷺ جذع إذا خطب النّاس أسند إليه ظهره، قال: فلّما
стр. 1210
كثر النّاس وانجفلوا عليه من كلّ ناحية، اتخذ له منبراً، فلّما صعده حنّ الجذع، دعاه، فأقبل يخدّ الأرض والنّاس حوله، والنّاس ينظرون فالتزمه وكلّمه، ثم قال له والنّاس يسمعون: عد إلى مكانك، فمّر حتى عاد إلى مكانه، وبحضرته المؤمنون، وجماعة من المنافقين، فازداد المؤمنون إيماناً وبصيرة، وشكّ المنافقون وارتابوا، وقالوا: أخذ محمد بأبصارنا، وهلكوا.
وروى عن عبد الله بن عبّاس، قال: أرسل العبّاس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث ابنيهما: الفضل بن العبّاس، وعبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث إلى النّبيّ ﷺ ، فأتياه فقالا له: يا رسول الله، إنّا نراك تستعمل رجالاً من غيرنا، فاستعملنا نودّ إليك كما يؤدّون، ونصيب ما نتزوّج ونستعين به على صنيعتنا؛ فأرسل رسول الله ﷺ إلى بني هاشم خاصةً، فلّما اجتمعوا عنده، قال: يا بني عبد المطلب إن الصّدقة لا تحلّ لي ولا لكم، إنّما هي أوساخ النّاس، وغسول خطاياهم، ثم دعا بمحميّة بن جزيّ الكلبيّ، فقال لمحميّة: أنكح الفضل ابنتك ونظر إلى ربيعة فقال: أنكح ابن أخيك ابنتك أم حكيم.
فقال: يا رسول الله، ما كنت أخبؤها إلاّ لك؛ فقال رسول الله ﷺ : " أنكحها ابن أخيك " ثم انصرف رسول الله ﷺ عنهم، وعوّضهم من الخمس.
وكان رسول الله ﷺ كتب إلى عمّاله يأمرهم أخذ الصّدقة، ويقول في كتبه: إن الصّقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمد ﷺ .
ذكر إبراهيم بن عيسى بن المنصور: أن إبراهيم بن محمد الإمام ولد سنة ثمان وسبعين، وذكر غيره أنه ولد سنة اثنتين وثمانين، وأمّه أمّ ولد بربرية اسمها سلمى.
قال إسماعيل الخطبي: وأوصى محمد بن علي إلى ابنه إبراهيم بن محمد، فسميّ الغمام بعد أبيه، وشهر بهذا الاسم، وانتشرت دعوته بخراسان كلّها، ووجّه بأبي مسلم إلى خراسان والياً على دعاته وشيعته، فتجرّد أبو مسلم لمحاربة عمّال بني أميّة، وقوي أمره، واستفحل، وأظهر لبس السّواد، وغلب على البلاد، يدعو هو ومن معه إلى طاعة الإمام، ويعمل بما يرد عليه من مكاتبة أبي إسحاق بن محمد الغمام له سامعاً منه مطيعاً له، غير مظهر
стр. 1211
للنّاس اسمه إلاّ ممن كان من الدّعاة والشّيعة، فإنهم يعرفونه دون غيرهم من النّاس، إلى أين ظهر أمره وانكشف، ووقف مروان بن محمد على خبره، فوجّه إليه فأخذه وحبسه وقتله.
وعن صالح بن سليمان قال: كان أبو مسلم يكاتب إبراهيم بن محمد، فقدم على إبراهيم رسوله فساءله، فإذا رجل من عرب خراسان فصيح، فغمّه ذلك، فكتب إلى أبي مسلم: ألم أنهك عن أين يكون رسولك عربياً؟ يطلّع مثل هذا على أمرك؟ فإذا أتاك فاقتله.
وحبس الرسول، فلّما خرج من عنده قرأ الكتاب فأتى به مروان بن محمد، فأرسل فأخذ إبراهيم وحبسه، وهو بحرّان، وأمر به فغمّ، وقتل في الحبس.
قال صالح بن سليمان: جعلوا على وجهه مرفقةً وقعدوا عليها؛ ويقال: إن قتله كان بحرّان في صفر سنة ثنتين وثلاثين ومئة، وله يومئذ من السّنّ إحدى وخمسون سنة، وصلّى عليه رجل يقال له: المهلهل بن صفوان.
وقد ذكر أن إبراهيم الإمام كان حضر الموسم في سنة إحدى وثلاثين ومئة في جماعة من أهليه ومواليه ومعه نحو من ثلاثين نجيباً، فشهر نفسه في الموسم، ورآه أهل الشّام وغيرهم، فاشتهر عندهم، وبلغ مروان خبره في الموسم، وما كان معه من الربيء والآلة.
وقيل له: إن أبا مسلم ومن لبس السّواد يأتّمون به، ويسّمونه الإمام، ويدعون إليه، فوجّه إليه في المحرم بعد منصرفه من الحجّ، فأخذه وقتله في صفر.
قال إبراهيم بن هرمة يمدحه: من الطويل
جزى الله إبراهيم عن جلّ قومه ... رشاداً يكفّيه ومن شاء أرشدا
أغرّ كضوء الشمس يستمطر الذّرى ... ويهتاش مرتاحاً إذا هو أنفذا
ومهما يكن منّي إليك فإنّه ... بلا خطأ منّي ولكن تعمّدا
وقلت امرؤ غمر العطيّات ماجد ... متى ألقه ألق الجواري أسعدا
غرائب شعر قلته لك صادقاً ... وأعلمته رسماً فغار وأنجدا
стр. 1212
وأنت امرؤ حلو المؤاخاة باذل ... إذا ما بخيل القوم لم يصطنع يدا
لك الفضل من هنّا وهنّا وراثة ... أباً عن أب لم يختلس تلك قعددا
بناه لك العبّاس للمجد غاية ... إلى عزّ قدموس من المجد أصيدا
وشيّد عبد الله إذ كان مثلها ... وشدّ بأطناب العلى فتشّيدا
وشد عليّ في يديه بعروة ... وحبلين من مجد أغيرا وأحصدا
وكم من غلاء أو علاً قد ورثتها ... بأحسن ميراث أباك محمّدا
وأنت ارمؤ أوفى قريش حمالةً ... وأكرمها فيها مقاماً ومقعدا
كريم إذا ما أوجب اليوم نائلاً ... عليه جزيلاً بثّ أضعافها غدا
سعى ناشئاً للمكرمات فنالها ... وأفرع في وادي العلى ثم أصعدا
على مأثرات من أبيه وجدّه ... فأكرم بذا فرعاً وبالأصل محتدا
وأجرى جواداً يحسر الخيل خلفه ... إلى قصبات السّبق مثنى وموحدا
إذا ساد يوماً عدّ من ولد هاشم ... أباً ذكره لا يقلب الوجه أسودا
أغرّ مناقيباً بنى المجد بيته ... مكان الثّريّا ثم علاّ فكبّدا
ومورد أمر لم يجد مصدراً له ... أتاك فأصدرت الذي كان أوردا
وموقد نار لم يجد مطفئاً لها ... أتاك فأطفأت الذي كان أوقدا
فلم أر في الأقوام مثلك سيّداً ... أهشّ بمعروف وأصدق موعدا
وأنهض بالعزم الثقيل احتماله ... وأعظم إذ لا يرفد الناس مرفدا
ولو لم يجد للواقفين ببابه ... سوى الثّوب ألقى ثوبه وتجرّدا
ذكر هشام بن محمد بن يوسف: أن أبا مسلم كان عبداً سرّاجاً من أهل خراسان، وأنه صنع خرقاً سوداً، فجعلها في قناة؛ قال: فكانوا يسمعون في الحديث، أنها تخرج رايات سود من قبل المشرق، فكانت أنفسهم تتوق إلى ذلك، فلّما فعل أبو مسلم ذلك، تبعه عبيد وغير ذلك، وقال: من تبعني فهو حرّ، ثم خرج هو ومن اتّبعه فوقعوا بعامل كان في بعض تلك الكور، فقتلوه، واخذوا ما كان معه، وازداد من كان معه كثرةً، وسار في خراسان وأخذ كبراها، ثم كتب إلى إبراهيم بن محمد.
стр. 1213
وكان إبراهيم فيما ذكروا مختفياً عند رجل من أهل الكوفة، قد حفر له نفقاً في الأرض، فكتب إليه أبو مسلم، فأرسل إليه رجلاً من أصحابه قد سمّى له موضعه، والرّجل الذي هو عنده فخرج رسوله حتى بلغ الرّجل، فادخله عليه، فدفع إليه كتابه، وجعل إبراهيم يسائله ما بلغوا من البلاد، وأجابه بما أجابه، فلّما ودّعه وهو يريد المسير قال له إبراهيم: أقر صاحبك السّلام، وقل له لا يمرّ بشجرة عظيمة في طريقه إلاّ نحّاها من طريقه.
قال: فلّما خرج الرّجل، قال في نفسه، هذا الذي نحن نقاتل له على الدّين زعم وهو يأمرني بما أمر.
قال: فجعل وجهه إلى مروان بن محمد؛ وإنما أراد بقوله: لا يمرّ بشجرة عظيمة إلاّ نحّاها من طريقه، يريد: ألاّ يمرّ برجل كبير القدر إلاّ قتله.
قال: فلّما بلغ الرّجل دمشق، أتى إلى حاجب مروان، فقال: عندي لأمير المؤمنين نصيحة؛ قال: فدخل حاجبه فأعلمه، فأمره أن يدخله عليه؛ فلّما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، أتريد إبراهيم بن محمد؟ قال: نعم، وكيف لي بذلك؟ قال: وجّه معي من أدفعه إليه.
قال: فوّجه فرساناً إلى الكوفة، فسار الرّجل حتى إذا بلغ الكوفة، قال للفرسان الذين معه: أنظروني حتى أصل إلى الموضع الذي أريد، فإذا دخلت فاقتحموا أثري.
قال: ففعل وفعلوا: فدخل إلى إبراهيم، فبينا هو يكلّمه إذ دخل القوم فأخذوه؛ فذكروا أنه قال لصاحب منزله: أمّا أنا فلا أحسب إلاّ أني قد ذهبت، فإن كان أمر قولوا لأبي مسلم فليبايع لابن الحارثيّة، وهو أبو العبّاس، وهو أخوه.
قال: فلّما ظفر أبو مسلم وجّه إلى الكوفة نفراً من شيعتهم، وأمرهم أن يستخرجوا أبا العبّاس.
قال: فاستخرجوه من الموضع الذي كان فيه مختفياً، قال: فمضوا به إلى مسجد الكوفة، فأصعد المنبر، قال: وهو حينئذ فتىً شاب حين اخضرّ وجهه، قال: فذهب يتكلم فأرتج عليه.
стр. 1214
قال: فصعد عمّه داود بن عليّ على المنبر حتى كان دونه بدرجة، قال: فحمد الله أثنى عليه، وقال فيما قال: إنّ الله رحم أوّلكم بأوّلنا، آخركم بآخرنا، أمّا وربّ هذه القبلة ما صعد على هذه الأعواد خليفةً بعد عليّ بن أبي طالب إلاّ هو؛ قال: ثم أمره أبو العبّاس أن يحجّ بالنّاس، فخرج حتى حجّ بالنّاس، ثم فرش له في مسجد الحرام فكان ينظر في المظالم، إذ جاءه حاجبه فقال له: عبد الله بن طاووس، قال: قدّمه؛ فلّما تقدّم إليه وسلّم عليه، ردّ ﵇، وقال: مرحباً بابن راوية ابن عبّاس.
قال: فبينا هو على ذلك إذ تقدّم إليه رجل، فقال: أبقى الله الأمير، وأتمّ عليه نعمته، إني رجل من أهل الطّائف، من ثقيف، وإن رجلاً من هذه المسوّدة عدا على غلام لي فأخذه، وقد أتيت إلى الأمير أرجو عدله ونصفته؛ فقال له داود: فبئس الرّجل أنت، وبئس الحيّ حيّك، وسينالهم وبال ذلك، وستخلص إليك حصّتك من ذلك، قم؛ فأخذه الجند فأقاموه وأبعدوه.
قال إبراهيم بن علي بن هرمة يرثيه: من البسيط
قد كنت أحسبني جلداً فضعضعني ... قبر بحرّان فيه عصمة الدّين
قبر الإمام الذي عزّت مصيبته ... وعيّلت كلّ ذي مال ومسكين
إن الإمام الذي ولّى وغادرني ... كأنّي بعده في ثوب مجنون
حال الزّمان بنا إذ مات يعركنا ... عرك الضّباع أديماً غير مدهون
وأعقب الدّهر ريشاً في مناكبه ... فما يزال مع الأعداء يرميني
فرحمة الله أنواعاً مضاعفةً ... عليك من مقعص ظلماً ومسجون
ولا عفا الله عن مروان مظلمةً ... لكن عفا الله عمن قال آمين
وقال إبراهيم بن علي بن هرمة يرثيه، ويمدح أمير المؤمنين أبا العبّاس، حيث يقول: من الطويل
стр. 1215
أتاني وأهلي باللّوى فوق مثعر ... وقد زجر اللّيل النجوم فولت
زفاة ابن عبّاس وصيّ محّمد ... فأبت فراشي حسرة ما تجلّت
فإن تك أحداث المنايا اخترمنه ... فقد أعظمت رزءاً به وأجلّت
وإن يك غدر ناله من منافق ... فإنّ له العقبى إذا النّعل زلّت
فصال بنو الشّيخ الوليّ على التي ... أصابت جروماً منهم فاستملّت
فقالوا بإبراهيم ثأراً ولم يكن ... دماً سال يجري في دماء فطلّت
أمروان أولى بالخلافة منكما ... أصيبت إذاً يمنى يديّ فشلّت
وأنتم بنو عمّ النّبيّ ورهطه ... فقد سمّت نفسي الحياة وملّت
فشأن المنايا بعدكم ثم شأنها ... وشأني إذا طافت بكم وأظلّت
وقد كان إبراهيم مولى خلافة ... بها خضعت صعر الرّقاب وذلّت
وأوصى لعبد الله بالعهد بعده ... خلافة حقّ لا أماني ضلّت
فشّمر عبد الله لمّا تجرّدت ... لواقح من حرب وحول تجلّت
فقاد إليها الحالبين فأنهلوا ... ظماءً إذا صارت إلى الريّ علّت
خلايا تخلّتها الحروب ولم يكن ... خلايا لقاح خلّيت فتخلّت
فقام ابن عبّاس مقام ابن حرّة ... حصان إذا البيض الصّوارم سلّت
أتته الصّواحي من معدّ وغيرها ... فطّنّب ظلاًّ فوقها فاستظلّت
وشام إليه الراغبون غمامةً ... عريضاً يناها أنشئت فاستهلّت
جزى الله إبراهيم خير جزائه ... وجادت عليه البارقات وظلّت
وكنّا به حتى مضى لسبيله ... كذات العطول حلّيت فتحلّت
يعين على الجلى قريشاً بماله ... ويحمل عن هلاّكها ما أكلّت
وكم من كسير السّاق لاءم ساقه ... بمعروفه حتى استوت واستمرّت
تولّيتكم لمّا خشيت ضلالةً ... ألا كلّ نعش أهلها من تولّت
стр. 1216
إبراهيم بن محمدّ بن محمد بن أحمد
ابن عليّ بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أبو علي العلويّ الزّيديّ الكوفيّ قدم دمشق هو وأولاده عمر، وعمّار، ومعد، وعدنان، وسكن بها مدةً، وما أظنه حدّث بها بشيء، ثم رجع إلى الكوفة، وحدّث بها.
روى عن عمّ والده زيد بن جعفر العلويّ، بسنده عن سفينة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنه ليس لنبيّ أن يدخل بيتاً مزوّقاً ".
أنشد له ابنه عمر: من الرجز
أرخ لها زمامها والأنسعا ... ورم بها من العلى ما شسعا
وارحل بها مغترباً عن العدا ... توطئك من أرض العدا متسعا
يا رائد الظعن بأكناف الحمى ... بلّغ سلامي إن وصلت لعلعا
وحيّ خدراً بأثيلات الغضا ... عهدت فيه قمراً مبرقعا
كان وقوعي في يديه ولعا ... وأوّل العشق يكون ولعا
ماذا عليها لو رثت لساهر ... لولا انتظار طيفها ما هجعا
تمنّعت من وصله فكلّما ... زاد غراماً زاده تمنّعا
أنا ابن سادات قريش وابن من ... لم يبق في قوس الفخار منزعا
وابن عليّ والحسين وهما ... أبرّمنحجّ ولبّى وسعى
نحن بنو زيد وما زاحمنا ... في المجد إلاّ من غدا مدفّعا
الأكثرون في المساعي عدداً ... والأطولون بالضّراب أذرعا
стр. 1217
من كل بسّام المحيّا لم يكن ... عند المعالي والعوالي ورعا
طاب أصول مجدكم في هاشم ... وطال فيها عودنا وفرعا
وأنشد له ابنه عمر: من مجزوء الكامل
لمّا أرقت بجلّق ... وأقضّ فيها مضجعي
نادمت بدر سمائها ... بنواظر لم تهجع
وسألته بتوجّع ... وتخضّع وتفجّع
صف للأحبّة ما ترى ... من فعل بينهم معي
واقر السّلام على الحبي ... ب ومن بتلك الأربع
قال ابنه عمر: توفي في شوال سنة ستّ وستين وأربعمئة بالكوفة.
إبراهيم بن محمد بن أبي ملك
أظنّه من أهل ساحل دمشق.
إبراهيم بن محمد بن يعقوب التّيميّ الهمذانيّ
سمع بدمشق.
روى عن سليمان بن أيّوب بن حذلم الدّمشقي، بسنده عن عائشة: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صلّى تطوّعاً عليه طول القيام ركع ثم سجد سجدتين، وقرأ قاعداً بما بدا له، فإذا أراد أن يركع قام فقراً ثم سجد.
إبراهيم بن محمد البغدادي
سمع بدمشق.
روى عن محمد بن عبد الله، عن عمران الطّرسوسيّ، عن النّباجيّ أبي عبد الله،
стр. 1218
قال: أصل العلم خمس خصال: أوّلها الإيمان بالله، والثّانية معرفة الحقّ، والثّالثة إخلاص العمل، والرّابعة أن يكون مطعم الرّجل من حلال، والخامسة أن يكون على السّنّة والجماعة؛ فلو أن عبداً آمن بالله ، وأخلص نيّته لله، وعرف بالحقّ على نفسه، وكان مطعمه ن حلال، ولم يكن على السّنّة والجماعة، لم ينتفع من ذلك بشيء.
إبراهيم بن محمد أبو إسحاق البجليّ
من أهل بوشنج.
سكن دمشق، وكان يصلّي في مسجد دار البطّيخ، ويكتب المصاحف، ثم تولّى الصّلاة في المسجد الجامع مدّة سنين، إلى أن توفي.
سمع وأسمع.
روى عن أبي عليّ بن أبي نصر، بسنده عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ :: إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ممّا أسمع، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئاً بغير حقّ، فإنّما أقطع له قطعة من النّار ".
ولد في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمئة، وتوفي في محرّم سنة ستّ وثمانين وأربعمئة، وكان شيخاً ديّناً زاهداً ثقة؛ ودفن من يومه بعد الظّهيرة في مقابر باب الصّغير.
إبراهيم بن محمود بن حمزة أبو إسحاق
النيّسابوريّ، الفقيه المالكي تفقّه بمصر على ابن عبد الحكم، وسمع بدمشق ومصر والحجاز والعراق وخراسان، وحدّث.
стр. 1219
روى عن محمد بن الوليد الدّمشقي، بسنده عن أنس بن مالك، أن النبيّ ﷺ قال: " إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
قال ابن عبد الحكم: ما قدم علينا من خراسان أعرف بطريقة مالك منك، فإذا انصرفت إلى خراسان فادع النّاس إلى رأي مالك.
وقال محمود بن محمد: كان عمّي يصوم النّهار ويقوم اللّيل، ولا يدع الجهاد في كلّ ثلاث سنين.
وقال ابن ماكولا: يعرف بالقطّان، لم يكن بعده للمالكيّة، مدّرس بنيسابور، توفي سنة تسع ومئتين.
إبراهيم بن مخلد الجبيلي
حكى عن أبيه، قال: خرج عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، بصيدا، إلى الرّحى، وأخرج معه حمارةً، وعليها غرارة قمح إلى الطّاحون، فلّما صار في الطّاحون ألقى الغرارة، وخلّى الحمارة ترتع في المرج، فجاء السّبع فافترس الحمارة، فلّما طحن طحينه خرج يطلب الحمارة، فأصاب السّبع قد افترسها، فجاء إلى السّب فقال: يا كلب الله، أكلت حمارتنا فتعال احمل دقيقنا، فحمّل الغرارة على السّبع، فلّما صار إلى باب صيدا ألقى الغرارة عن السّبع، وقال له: اذهب، لا تفزع الصّبيان!
إبراهيم بن مروان بن محمد الطّاطريّ
روى عنه جماعة.
روى عن أبيه، بسنده عن معاوية بن أبي سفيان، أنه كان بحدّث عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا حضر رمضان قال: " إنّا رأينا هلال شعبان يوم كذا وكذا، والصّيام يوم كذا وكذا ". قال: وكان إذا
стр. 1220
كان يوم عاشوراء، قال: " اليوم عاشوراء وإنّا صائمون، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر ".
وروى عن أبيه، بسنده عن عروة بن الزّبير، أن عائشة أخبرته: أن رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يقبّلها وهو صائم.
قال أبو حاتم: كتبنا عنه، وكان صدوقاً.
إبراهيم بن مرّة
حدّث عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
" سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون بعدي خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ، ومن أمسك يده سلم، ولكن من رضي وبايع ".
وعن الزهريّ، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود الكنديّ، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت كافراً فقاتلته، فقطع بي، ثم أهويت لأضربه فلاذ بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي أأقتله؟ قال: لا قلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي أأقتله؟ قال: لا، لأنك إن قتلته كان بمنزلتك قبل أن تقتله، وكنت بمنزلته قبل أن يقولها.
إبراهيم بن مسكين
حكى عن أبي جعفر المنصور، قال: عدل أبو جعفر أمير المؤمنين أرض الغوطة بدمشق ثلاثين مدياً بدينار، بالقاسميّ؛ وكان أداء النّاس على ذلك، ثم قال بعض الولاة: نجعل على الدّينار نصف دانق للكتب والرّسل، ثم قال غيره بعد: نجعل على الدّينار دانقاً؛ قال: فكان ذلك كذلك إلى أن تعدّى من تعدّى.
стр. 1221
إبراهيم بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص، الأموي قتل يوم نهر أبي فطرس.
إبراهيم بن المطهّر
أبو طاهر الجرجانيّ السبّاك، الفقيه قدم دمشق في صحبة أبي حامد الغزالي.
قال عبد الغافر: كان يتلّقف الدّرس عن إمام الحرمين، ويشتغل بكتبة الحديث، والسّماع والقراءة، سعد بصحبة الإمام الغزاليّ، وخرج معه إلى العراق، وحصّل المذهب والخلاف، وصحبه إلى الحجاز والشّام، وطاف معه مدّة ما كان الغزاليّ في تلك الدّيار، ثم عاد إلى وطنه بجرجان، وأخذ في التّدريس والوعظ، وظهر له القبول لفضله، وصار من جملة الأئمة، قتل شهيداً، وجاءنا نعيه في رجب سنة ثلاث عشرة وخمسمئة.
إبراهيم بن معقل
أبو إسحاق النّسفيّ سمع بدمشق وبغيرها، وحدّث عن البخاريّ بكتاب الصّحيح.
روى عن أبي كريب، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلّى الضّحى بنى الله له قصراً في الجنّة من ذهب ".
وروى عن هشام بن عمّار، بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " بني الإسلام على خمسة أسهم: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محّمداً عبده ورسوله، وأقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان ".
стр. 1222
إبراهيم بن معمر بن شريس
أبو إسحاق الأصبهاني الجوزدانيّ سمع بدمشق وأسمع.
روى عن أبي أيّوب ابن أخي زريق الحمصيّ، بسنده عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " دعاء الوالد لولده مثل دعاء النّبيّ لأمته ".
قال أبو نعيم: توفي سنة أربع وستين، يعني ومئتين؛ كانوا إخوة ثلاثة لم يحدّث منهم إلاّ إبراهيم.
إبراهيم بن منصور
إبراهيم بن موسى
من أهل دمشق.
روى عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال رسول الله ﷺ : " رأس العمل بعد الإيمان بالله مداراة النّاس، وأهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة، ولن يهلك أمرؤ بعد مشورة ".
إبراهيم بن موهوب بن عليّ بن حمزة
أبو إسحاق السّلميّ، المعروف بابن المفصّص سمع وهو صغير، وسمعت منه شيئاً يسيراً، ولم يكن الحديث من صنعته.
روى عن علي بن الحسن الأزديّ، بسنده عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " الرؤيا الحسنة عن الرّجل الصّالح جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة ".
стр. 1223
مات ودفن يوم الأحد التاسع العشرين من ذي العقدة سنة تسع وخمسين وخمسمئة، بباب الصّغير.
إبراهيم بن ميّاس بن مهري بن كامل بن الصّقيل
ابن أحمد بن ورد بن زياد بن عبيد بن شبيب بن نفيع بن الأعور ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أبو إسحاق بن أبي رافع القشيريّ سمع وأسمع.
سئل عن مولده، فقال: في جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين وأربعمئة، بالمؤنسة من أرض الشطّ.
وتوفي في يوم الإثنين الثالث من شعبان سنة إحدى وخمسمئة، ودفن عند مسجد شعبان.
إبراهيم بن ميسرة الطّائفيّ
سكن مكة وحدّث عن جماعة، وحدّث عنه جماعة.
روى عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال:
كنت مع أبي فرأيت رسول الله ﷺ وهو يقول بيده هكذا عرضاً: " يرحم الله المحلّقين " قالوا: يا رسول الله والمقصّرين، فقال في الثّالثة: والمقصّرين.
وسمع أنس بن مالك يقول: صلّى رسول الله ﷺ بالمدينة الظّهر أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، يعني العصر.
وقال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب رجلاً في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط.
стр. 1224
مات قريباً من سنة ثنتين وثلاثين ومئة.
وقال ابن عيينة: وكان ثقة مأموناً من أوثق من رأيت.
قال سفيان: كان عمرو بن دينار يحدّث بالحديث على المعنى، وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدّثه إلاّ على ما سمع. وكان من أصدق النّاس وأوثقهم.
وقال ابن سعد: في الطبقة الرابعة من أهل مكة، مولى لبعض أهل مكة، توفي في خلافة مروان بن محمد.
إبراهيم بن نصر بن منصور
أبو إسحاق السّوريني، ويقال: السّورانيّ، الفقيه المطّوعيّ الشّهيد وسورين: محلّة بأعلى نيسابور، له رحلة إلى الشّام.
سمع من جماعة، وروى الحديث.
روى عن عبد الرحمن بن مغراء، بسنده عن ابن عباس، قال: قال أبو إسرائيل بن قشير: إنه كان نذر أن يصوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، فآتي به النّبيّ ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : " اقعد واستظل وتكلّم وكفّر قال سليمان بن مطر: لمّا جمع إبراهيم المسند أراد أن ينظر في كتب ابن المبارك، فعزم رأينا ورأيه على أن يذهب إلى الحسن بن عيسى، قال: فدخلنا عليه الخان، فقلنا: إن أبا إسحاق جمع المسند فأحبّ أن ينظر في كتب أبي عبد الرحمن، قال: فسكت ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: لا يجوز أن أحدّث ويحيى بن يحيى حيّ.
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: سمعت أبا زرعة يثني على إبراهيم بن نصر، فقال: هو رجل مشهور صدوق، أعرفه، رأيته بالبصرة، وأثنى عليه خيراً.
стр. 1225
قال أبو محمد: نظرت في علمه فلم أر فيه منكراً، وهو قليل الخطأ.
وجد مقتولاً سنة عشر ومئتين.
إبراهيم بن نصر الكرماني
أحد الأبدال كان يكون بجبل لبنان من أعمال دمشق.
حكى أبو عبد الله محمد بن مالك السّجستانيّ، قال: دخلت جبل لبنان مع جماعة، ومعنا أبو نصر بن بزراك الدّمشقيّ، نلتمس من به من العبّاد، فسرنا فيه ثلاثة أيّام، فما رأينا أحداً، فلّما كان اليوم الرّابع ضرّت عليّ رجلي، فإني كنت حافياً، وضعفت عن المشي، فصعدنا جبلاً شامخاً، كان عليه شجرة، وقعدنا، فقالوا لي: اجلس أنت ها هنا حتى نذهب لعلّنا نلقى واحداًمن سكّان هذا الجبل، فمضوا جميعاً وبقيت أنا وحدي، فلّما جنّ الليل صعدت إلى الشجرة، فلّما كان وجه الصّبح نزلت ألتمس الماء للوضوء، فانحدرت في الوادي لطلب الماء، فوجدت عيناً صغيرة، وتوضأت وقمت أصلي فسمعت صوت قراءة؛ فلّما أن سلّمت الأثر فرأيت كهفاً، وقدّامه صخرة، فصعدت الصّخرة، ورميت حجراً إلى الكهف خشية أن يكون فيه وحش، فلم أر شيئاً، فدخلت الكهف فإذا شيخ ضرير، فسلّمت عليه فقال: أجنّيّ أنت أم إنسيّ؟ فقلت: بل إنسيّ، فقال: لا إله إلاّ الله، ما رأيت إنسياً منذ ثلاثين سنة غيرك، ثم قال: ادخل، فدخلت، فقال: لعلّك تعبت، فاطرح نفسك، فدفعت إلى داخل الكهف فإذا فيه ثلاثة أقبر فلما كان وقت الزوال ناداني فقال: الصّلاة رحمك الله؛ فخرجت إلى العين وتمسّحت، فصلّينا جماعةً، ثم قام فلم يزل يصلّي حتى كان آخر وقت الظّهر، ثم أذّن وصلّينا العصر، ثم قام قائماً يدعو رافعاً يديه، فسمعت من دعائه: اللهم اصلح أمّة أحمد، اللهم فرّج عن أمّة أحمد، اللهم ارحم أمّة أحمد؛ إلى أن سقط القرص، ثم أذّن للمغرب ولم أر أحداً أعرف بأوقات الصّلاة منه فلّما أن صلّى المغرب قلت له: لم أسمع منك من الدّعاء إلاّ هذه الكلمات الثلاث!، فقال: من قال هذا كلّ يوم ثلاث مرّات كتبه الله من الأبدال.
فلّما أن صلّينا العشاء الآخرة، قال لي: تأكل؟ فقلت: نعم؛ فقال لي: ادخل إلى
стр. 1226
الدّاخل، فكل ما هنا لك، فدخلت فوجدت صخرة عظيمة عليها الجوز ناحيةً، والفستق ناحيةً، والزّبيب ناحيةً، والتين ناحيةً، والتفّاح ناحيةً، والخرنوب ناحيةً، والحبّة الخضراء ناحيةً، فأكلت منها ما أردت.
فلما كان عند السّحر جاء هو فأكل منها شيئاً يسيراً، ثم قام فأوتر، فما زال يدعو ثم سجد، فسمعت في سجوده يقول: اللهم من عليّ بإقبالي عليك، وإضعافي إليك، وإنصاتي لك، والفهم منك، والبصيرة في أمرك، والبقاء في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك.
فلّما رفع رأسه قلت: من أين لك هذا الدّعاء؟ فقال: ألهمت، ولقد كنت في بعض اللّيالي أدعو به، سمعت هاتفاً يهتف بي ويقول: إذا دعوت ربّك بهذا، فقم، فإنه مستجاب، فلّما أن صلّينا قلت: من أين هذه الفواكه فإني لم آكل أطيب منها؟ فقال: سوى ترى؛ فلّما كان بعد ساعة دخل الكهف طير له جناحان أبيضان، وصدر أخضر وفي منقاره حبّة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزّبيب على الزّبيب، والجوزة على الجوز؛ فقال لي رأيته؟ فقلت: نعم؛ قال: هذا لي منذ ثلاثين سنة، يأتيني هذا، ويدخل عليّ في اليوم سبع مرّات.
فلّما كان ذلك اليوم عددت مجيء الطّائر فجاء خمس عشرة مرّة، فقلت له ذلك، فقال: انظر أنت فقد زادك واحدة فاجعلنا في حلّ.
وكان عليه قميص بلا كمين، ومئزر يشبه توز القوس، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: يأتيني كلّ سنة هذا الطّائر يوم عاشوراء بعشر قطع من هذا اللّحاء، فأسويّ منه قميصاً ومئزراً، وكان له مسلّة يخيط بها.
فلّما كان بعد ليال دخل سبعة أنفس، ثيابهم شعورهم، وعيونهم مشقفةً بالطول، حمر، وليس فيها دوّارة؛ فسلّموا، فقال لي: لا تخف هؤلاء الجنّ؛ فقرأ واحد منهم عليه سورة طه، والآخر سورة الفرقان، وتلقّن منهم الآخر شيئاً من سورة
стр. 1227
الرّحمن، ثم مضوا، فسألته عنهم، فقال: هؤلاء من الرّومية؛ فقلت له: كم لك في هذا الجبل؟ فقال: أربعين سنة، كان لي عشر سنين البصر، وكنت أجمع في الصّيف من هذه المباحات إلى هذا الكهف، فلّما ذهب بصري بقيت أيّاماً لم أذق شيئاً، فجاءني هؤلاء فقالوا:: قد رحمناك فدعنا نحملك إلى حمص أو دمشق؛ فقلت: اشتغلوا بما وكلتم به؛ فلّما كان بعد ساعة جاءني هذا الطّير الذي رأيت بتفاحة فطرحها في حجري، فقلت: لا تشغلني! اطرحها إلى وقت حاجتي إليها.
ثم قال لي: وقد قال هؤلاء: إن القرمطيّ دخل مكة وقتل فيها وفعل وصنع؛ فقلت: قد كان ذلك، وقد كثر الدعاء عليه، فلم منع الإجابة؟ فقال: لأن فيهم عشر خصال، فكيف يستجاب لهم؟ فقلت: وما هن؟ قال: أوّلهنّ: أقرّوا بالله وتركوا أمره؛ والثاني: قالوا: نحبّ الرّسول، ولم يتبعوا سنته؛ والثالث: قرؤوا القرآن ولم يعملوا به؛ والرابع: قالوا: نحبّ الجنّة، وتركوا طريقها؛ والخامس: قالوا: نكره النّار، وزاحموا طريقها؛ والسادس: قالوا: إن إبليس عدّونا، فوافقوه؛ والسابع: دفنوا أمواتهم فلم يعتبروا، والثّامن: اشتغلوا بعيوب إخوانهم ونسوا عيوبهم؛ والتّاسع: جمعوا المال ونسوا الحساب؛ والعاشر: نقضوا القبور وبنوا القصور.
قال أبو عبد الله: فأقمت عنده أربعة وعشرين يوماً في أطيب عيشة، فلّما كان اليوم الرّابع والعشرون قال لي: كيف وصلت إلى ها هنا؟ فحدّثته بحديثي، فقال: إنّا لله! لو علمت قصتك لم أتركك عندي لأنك شغلت قلوبهم، ورجوعك إليهم أفضل لك ممّا أنت فيه؛ فقلت له: إني لا أعرف الطّريق؛ فسكت.
فلّما كان عند زوال الشمس، قال: قم، قلت: إلى أين؟ قال: تمضي؛ فقلت له: فأوصني، فأوصاني، ثم قال: إذا حججت وكان يوم الزّيارة، فاطلب بين المقام وزمزم رجلاً أشقر، خفيف العارضين، مجدور، بعد صلاة العصر، فأقره منّي السّلام، وسله أن يدعو لك فإنها فائدة كبيرة لك إن شاء الله.
стр. 1228
ثم خرج معي من الكهف، فإذا بسبع قائم، فقال لي: لا تخف، وتكلّم بكلام أظنّه كان بالعبرانية فإني لم أكن أفهمه، ثم قال لي: اذهب خلفه، فإذا وقف فانظر عن يمينك تجد الطّريق إن شاء الله.
فسار السّبع ساعةً ثم وقف، فنظرت فإذا أنا على عقبة دمشق، فدخلت دمشق والنّاس قد انصرفوا من صلاة العصر، فمضيت إلى ابن بزراك أبي نصر مع جماعة، فسرّ سروراً تامّاً.
فحدّثته بحديثي، فقال: أمّا نحن فما رأينا إلاّ واحداً نصرانيّاً.
قال أبو عبد الله: ثم خرجنا مقدار خمسين رجلاً إلى ذلك الجبل، وسرنا فيه في تلك الأودية، وحول الجبل، فلم نقف على موضعه، فقال لي: هذا شيء كشف لك ومنعنا نحن، فرجعنا.
قال: فخرجت إلى الحجّ، فوجدت الرّجل بين المقام وزمزم جالساً بعد العصر، كما وصف، وعليه ثوب شرب ومئزر ذبيقي، وهو قاعد على منديل، وقدّامه كوز نحاس، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السّلام، فقلت له: إبراهيم بن نصر الكرمانيّ يقرئك السّلام؛ فقال: وأين رأيته؟ قلت: في جبل لبنان؛ فقال: ﵀، قد مات؛ قلت: فمتى مات؟ قال: السّاعة دفنّاه، وكنّا جماعة، ودفنّاه عند إخوانه في الغار الذي كان فيه في جبل لبنان، فلّما أخذنا في غسله جاء ذلك الطّير فما زال يضرب بجناحيه حتى مات، فدفناه ودفنا الطّير عند رجليه؛ ثم قال: ما تقوم إلى الطّواف؟ فقمنا فطفت معه أسبوعين، ثم غاب عنّي!.
إبراهيم بن نصير
أبو إسحاق البعلبكّيّ
стр. 1229
إبراهيم بن وثيمة النّصريّ
أخو زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان النّصريّ عن عراك بن خالد، قال: سمعت إبراهيم بن وثيمة النّصري يقول لعثمان بن محمد القارئ: الآيات التي يدفع الله بهنّ من اللّمم الزمهنّ في كل يوم يذهب عنك ما تجد؛ قال: وأيّ آيات هنّ؟ قال: " وإلهكم إله واحد " الآية، آية الكرسي، وخاتمة البقرة " آمن الرّسول إلى آخرها، و" إن ربّكم الله الذي خلق السمّوات والأرض " إلى المحسنين وآخر الحشر؛ فإنه بلغنا أنهنّ مكتوبات في زوايا العرش. فلزمهنّ فبرأ.
وكان إبراهيم بن وثيمة يقول: اكتبوهنّ لصبيانكم من الفزع واللّمم.
إبراهيم بن وضّاح الجمحيّ
أحد فرسان أهل الشّام وشعرائهم.
شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ.
قال صعصعة بن صوحان: قتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعةً مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّيّ، ومالك بن أدهم السّلاماني، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ، وإبراهيم بن الوضّاح، وهو يقول: من الرجز
هل لك يا أشتر في برازي ... براز ذي غشم وذي اعتزاز
مقاوم لقرنه كزاز
стр. 1230
فشدّ عليه الأشتر، وهو يقول: من الرجز
نعم نعم أطلبه شديداً ... معي حسام يفصم الحديدا
يترك هامات العدى حصيدا فقتله.
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو إسحاق القرشيّ الأمويّ بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن الوليد النّاقص، بعهد منه في ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين ومئة. وقيل: إن أخاه لم يعهد إليه، وإنّه استولى بغير عهد.
كان طويلاً جسيماً، أبيض جميلاً ذا شقرة، خفيف مقدم اللّحية والعارضين.
قال معمر: سمعت إبراهيم بن الوليد رجلاً من بني أمية يسأل الزّهريّ وعرض عليه كتاباً من علم فقال: أحدّث عنك بهذا يا أبا بكر؟ قال: نعم، فمن يحدثّكموه غيري؟ عن برد بن سنان قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحقّ الله لم ولّيت أمرهم أخاك إبراهيم بن الوليد؟ فغضب وقال بيده على جبهته: أنا أولّي إبراهيم؟! ثم قال لي: يا أبا العلاء، إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: أمر نهيتك عن الدّخول في أوّله فلا أشير عليك في آخره.
قال: وأصابته إغماءة حتى ظننت انه قد مات، ففعل ذلك غير مرّة. قال: فقعد قطن فافتعل كتاباً عن لسان يزيد بن الوليد، ودعا أناساً فأشهدهم عليه.
قال: ولا والله ما عهد إليه يزيد شيئاً ولا إلى أحد من النّاس.
следующие страницы →