← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الدّاخل، فكل ما هنا لك، فدخلت فوجدت صخرة عظيمة عليها الجوز ناحيةً، والفستق ناحيةً، والزّبيب ناحيةً، والتين ناحيةً، والتفّاح ناحيةً، والخرنوب ناحيةً، والحبّة الخضراء ناحيةً، فأكلت منها ما أردت. فلما كان عند السّحر جاء هو فأكل منها شيئاً يسيراً، ثم قام فأوتر، فما زال يدعو ثم سجد، فسمعت في سجوده يقول: اللهم من عليّ بإقبالي عليك، وإضعافي إليك، وإنصاتي لك، والفهم منك، والبصيرة في أمرك، والبقاء في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك. فلّما رفع رأسه قلت: من أين لك هذا الدّعاء؟ فقال: ألهمت، ولقد كنت في بعض اللّيالي أدعو به، سمعت هاتفاً يهتف بي ويقول: إذا دعوت ربّك بهذا، فقم، فإنه مستجاب، فلّما أن صلّينا قلت: من أين هذه الفواكه فإني لم آكل أطيب منها؟ فقال: سوى ترى؛ فلّما كان بعد ساعة دخل الكهف طير له جناحان أبيضان، وصدر أخضر وفي منقاره حبّة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزّبيب على الزّبيب، والجوزة على الجوز؛ فقال لي رأيته؟ فقلت: نعم؛ قال: هذا لي منذ ثلاثين سنة، يأتيني هذا، ويدخل عليّ في اليوم سبع مرّات. فلّما كان ذلك اليوم عددت مجيء الطّائر فجاء خمس عشرة مرّة، فقلت له ذلك، فقال: انظر أنت فقد زادك واحدة فاجعلنا في حلّ. وكان عليه قميص بلا كمين، ومئزر يشبه توز القوس، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: يأتيني كلّ سنة هذا الطّائر يوم عاشوراء بعشر قطع من هذا اللّحاء، فأسويّ منه قميصاً ومئزراً، وكان له مسلّة يخيط بها. فلّما كان بعد ليال دخل سبعة أنفس، ثيابهم شعورهم، وعيونهم مشقفةً بالطول، حمر، وليس فيها دوّارة؛ فسلّموا، فقال لي: لا تخف هؤلاء الجنّ؛ فقرأ واحد منهم عليه سورة طه، والآخر سورة الفرقان، وتلقّن منهم الآخر شيئاً من سورة

стр. 1227

الرّحمن، ثم مضوا، فسألته عنهم، فقال: هؤلاء من الرّومية؛ فقلت له: كم لك في هذا الجبل؟ فقال: أربعين سنة، كان لي عشر سنين البصر، وكنت أجمع في الصّيف من هذه المباحات إلى هذا الكهف، فلّما ذهب بصري بقيت أيّاماً لم أذق شيئاً، فجاءني هؤلاء فقالوا:: قد رحمناك فدعنا نحملك إلى حمص أو دمشق؛ فقلت: اشتغلوا بما وكلتم به؛ فلّما كان بعد ساعة جاءني هذا الطّير الذي رأيت بتفاحة فطرحها في حجري، فقلت: لا تشغلني! اطرحها إلى وقت حاجتي إليها. ثم قال لي: وقد قال هؤلاء: إن القرمطيّ دخل مكة وقتل فيها وفعل وصنع؛ فقلت: قد كان ذلك، وقد كثر الدعاء عليه، فلم منع الإجابة؟ فقال: لأن فيهم عشر خصال، فكيف يستجاب لهم؟ فقلت: وما هن؟ قال: أوّلهنّ: أقرّوا بالله وتركوا أمره؛ والثاني: قالوا: نحبّ الرّسول، ولم يتبعوا سنته؛ والثالث: قرؤوا القرآن ولم يعملوا به؛ والرابع: قالوا: نحبّ الجنّة، وتركوا طريقها؛ والخامس: قالوا: نكره النّار، وزاحموا طريقها؛ والسادس: قالوا: إن إبليس عدّونا، فوافقوه؛ والسابع: دفنوا أمواتهم فلم يعتبروا، والثّامن: اشتغلوا بعيوب إخوانهم ونسوا عيوبهم؛ والتّاسع: جمعوا المال ونسوا الحساب؛ والعاشر: نقضوا القبور وبنوا القصور. قال أبو عبد الله: فأقمت عنده أربعة وعشرين يوماً في أطيب عيشة، فلّما كان اليوم الرّابع والعشرون قال لي: كيف وصلت إلى ها هنا؟ فحدّثته بحديثي، فقال: إنّا لله! لو علمت قصتك لم أتركك عندي لأنك شغلت قلوبهم، ورجوعك إليهم أفضل لك ممّا أنت فيه؛ فقلت له: إني لا أعرف الطّريق؛ فسكت. فلّما كان عند زوال الشمس، قال: قم، قلت: إلى أين؟ قال: تمضي؛ فقلت له: فأوصني، فأوصاني، ثم قال: إذا حججت وكان يوم الزّيارة، فاطلب بين المقام وزمزم رجلاً أشقر، خفيف العارضين، مجدور، بعد صلاة العصر، فأقره منّي السّلام، وسله أن يدعو لك فإنها فائدة كبيرة لك إن شاء الله.

стр. 1228

ثم خرج معي من الكهف، فإذا بسبع قائم، فقال لي: لا تخف، وتكلّم بكلام أظنّه كان بالعبرانية فإني لم أكن أفهمه، ثم قال لي: اذهب خلفه، فإذا وقف فانظر عن يمينك تجد الطّريق إن شاء الله. فسار السّبع ساعةً ثم وقف، فنظرت فإذا أنا على عقبة دمشق، فدخلت دمشق والنّاس قد انصرفوا من صلاة العصر، فمضيت إلى ابن بزراك أبي نصر مع جماعة، فسرّ سروراً تامّاً. فحدّثته بحديثي، فقال: أمّا نحن فما رأينا إلاّ واحداً نصرانيّاً. قال أبو عبد الله: ثم خرجنا مقدار خمسين رجلاً إلى ذلك الجبل، وسرنا فيه في تلك الأودية، وحول الجبل، فلم نقف على موضعه، فقال لي: هذا شيء كشف لك ومنعنا نحن، فرجعنا. قال: فخرجت إلى الحجّ، فوجدت الرّجل بين المقام وزمزم جالساً بعد العصر، كما وصف، وعليه ثوب شرب ومئزر ذبيقي، وهو قاعد على منديل، وقدّامه كوز نحاس، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السّلام، فقلت له: إبراهيم بن نصر الكرمانيّ يقرئك السّلام؛ فقال: وأين رأيته؟ قلت: في جبل لبنان؛ فقال: ﵀، قد مات؛ قلت: فمتى مات؟ قال: السّاعة دفنّاه، وكنّا جماعة، ودفنّاه عند إخوانه في الغار الذي كان فيه في جبل لبنان، فلّما أخذنا في غسله جاء ذلك الطّير فما زال يضرب بجناحيه حتى مات، فدفناه ودفنا الطّير عند رجليه؛ ثم قال: ما تقوم إلى الطّواف؟ فقمنا فطفت معه أسبوعين، ثم غاب عنّي!. إبراهيم بن نصير أبو إسحاق البعلبكّيّ

стр. 1229

إبراهيم بن وثيمة النّصريّ أخو زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان النّصريّ عن عراك بن خالد، قال: سمعت إبراهيم بن وثيمة النّصري يقول لعثمان بن محمد القارئ: الآيات التي يدفع الله بهنّ من اللّمم الزمهنّ في كل يوم يذهب عنك ما تجد؛ قال: وأيّ آيات هنّ؟ قال: " وإلهكم إله واحد " الآية، آية الكرسي، وخاتمة البقرة " آمن الرّسول إلى آخرها، و" إن ربّكم الله الذي خلق السمّوات والأرض " إلى المحسنين وآخر الحشر؛ فإنه بلغنا أنهنّ مكتوبات في زوايا العرش. فلزمهنّ فبرأ. وكان إبراهيم بن وثيمة يقول: اكتبوهنّ لصبيانكم من الفزع واللّمم. إبراهيم بن وضّاح الجمحيّ أحد فرسان أهل الشّام وشعرائهم. شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ. قال صعصعة بن صوحان: قتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعةً مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّيّ، ومالك بن أدهم السّلاماني، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ، وإبراهيم بن الوضّاح، وهو يقول: من الرجز هل لك يا أشتر في برازي ... براز ذي غشم وذي اعتزاز مقاوم لقرنه كزاز

стр. 1230

فشدّ عليه الأشتر، وهو يقول: من الرجز نعم نعم أطلبه شديداً ... معي حسام يفصم الحديدا يترك هامات العدى حصيدا فقتله. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو إسحاق القرشيّ الأمويّ بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن الوليد النّاقص، بعهد منه في ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين ومئة. وقيل: إن أخاه لم يعهد إليه، وإنّه استولى بغير عهد. كان طويلاً جسيماً، أبيض جميلاً ذا شقرة، خفيف مقدم اللّحية والعارضين. قال معمر: سمعت إبراهيم بن الوليد رجلاً من بني أمية يسأل الزّهريّ وعرض عليه كتاباً من علم فقال: أحدّث عنك بهذا يا أبا بكر؟ قال: نعم، فمن يحدثّكموه غيري؟ عن برد بن سنان قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحقّ الله لم ولّيت أمرهم أخاك إبراهيم بن الوليد؟ فغضب وقال بيده على جبهته: أنا أولّي إبراهيم؟! ثم قال لي: يا أبا العلاء، إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: أمر نهيتك عن الدّخول في أوّله فلا أشير عليك في آخره. قال: وأصابته إغماءة حتى ظننت انه قد مات، ففعل ذلك غير مرّة. قال: فقعد قطن فافتعل كتاباً عن لسان يزيد بن الوليد، ودعا أناساً فأشهدهم عليه. قال: ولا والله ما عهد إليه يزيد شيئاً ولا إلى أحد من النّاس.

стр. 1231

وعن ابن أبي السّريّ قال: قاتل مروان الجعديّ سليمان بن هشام وأهل بيته حتى استوى له الأمر، وهرب إبراهيم بن الوليد في صفر سنة سبع وعشرين ومئة. قال: وكان إبراهيم مسمناً خفيف العارضين، صغير العينين، أبيضاً مشرباً حمرةً، مقبولاً. وقد روي: أن إبراهيم بن الوليد لمّا سلّم الأمر لمروان بن محمد وبايعه بالخلافة، تركه حيّاً، فلم يزل حيّاً إلى سنة ثنتين وثلاثين ومئة، فقتل حينئذ فيمن قتل من بني أميّة حين زالت دولتهم. وروي: أن مروان لما ملك الأمر، واستقام له قتله. وروي: أن إبراهيم خلع يوم الاثنين لأربع عشرة ليلةً خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومئة. وقال المدائني: لم يتّم لإبراهيم بن الوليد الأمر، كان قوم يسلّمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالأمارة، وأبى قوم أن يبايعوا له، وقال بعض شعرائهم: من الطويل نبايع إبراهيم في كلّ جمعة ... ألا إن أمراً أنت وإليه ضائع وعن محمد بن المبارك قال: نقش خاتم إبراهيم بن الوليد: إبراهيم يثق بالله. إبراهيم بن هانئ أبو إسحاق النيسابوريّ الأرغيانيّ نزيل بغداد. سمع بدمشق وبمصر وبغيرهما، وروي عنه الحديث. روى عن أبي العبّاس المدائني، بسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : " يوم السّبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر

стр. 1232

وطلب رزق، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس شديد، ويوم الأربعاء يوم لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم دخول على سلطان وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح ". قال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد في الرّحلة الثانية، وهو ثقة صدوق. وقال أبو بكر الخطيب: كان أحد الأبدال، ورحل في طلب العلم إلى العراق والشام ومصر ومكة، ثم استوطن بغداد، وحدّث بها. وقال أحمد بن حنبل: إن كان ببغداد رجل من الأبدال فإنه أبو إسحاق النّيسابوريّ، يريد إبراهيم بن هانئ. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: كان أحمد بن حنبل مختفياً ها هنا عندنا في الدّار، فقال لي أحمد بن حنبل: ليس أطيق ما يطيق أبوك، يعني من العبادة. وعن أبي بكر النّيسابوريّ قال: حضرت إبراهيم بن هانئ عند وفاته، فجعل يقول لابنه إسحاق: يا إسحاق ارفع السّتر، قال: يا أبه السّتر مرفوع، قال: أنا عطشان؛ فجاءه بماء، قال: غابت الشّمس؟ قال: لا؛ قال: فردّه، ثم قال: " لمثل هذا فليعمل العاملون " ثم خرجت روحه ". توفي يوم الأربعاء لأربع خلون من ربيع الآخر سنة خمس وستين ومئتين. إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم أبو إسحاق القرشيّ، الأطرابلسيّ، المرقانيّ قدم دمشق وحدّث بها. سمع بدمشق وروي عنه. روى عن أحمد بن كليب الطّرسوسيّ، بسنده عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا أنا بفتىً برّاق الثّنايا، وإذا النّاس حوله، وإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، فصدروا عنه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل.

стр. 1233

فلّما كان من الغد هجّرت فوجدته قد سبقني بالتّهجير، فوجدته يصلّي، فانتظرته حتى إذا قضى صلاته جئته من قبل وجهه، فسلّمت عليه، وقلت له: والله إني لأحبّك، قال: الله؟ قلت: الله، فقال: الله؟ فقلت: الله، فأخذ بحبوتي وردائي فجذبني، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول " قال الله : حقّت محبّتي للمتحابّين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ ". إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة القرشيّ، المخزوميّ ولي مكة والمدينة والموسم لهشام بن عبد الملك، ثم أقدمه الوليد بن يزيد بعد موت هشام وأخاه محمد بن هشام دمشق مسخوطاً عليهما، ودفعهما إلى يوسف بن عمر والي العراق، فعذّبهما حتى ماتا عنده. قال يعقوب بن سفيان: في سنة ستّ ومئة نزع عبد الواحد عن المدينة، وأمر إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: وفي سنة سبع حجّ بالنّاس عامئذ إبراهيم بن هشام وهو أمير على أهل مكة والمدينة، قال: وفي سنة ثمان ومئة حجّ عامئذ إبراهيم بن هشام، وفي سنة تسع ومئة وفي سنة عشر ومئة حجّ بالنّاس إبراهيم بن هشام، وفي سنة إحدى عشرة، وفي سنة اثنتي عشرة ومئة حجّ إبراهيم بن هشام، وفي سنة ثلاث عشرة عزل إبراهيم بن هشام عن المدينة. وعن الواقدي قال: وفيها يعني سنة سبع ومئة حجّ بالنّاس إبراهيم بن هشام فخطب بمنى الغد من يوم النّحر بعد الظّهر، فقال: سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألوا أحداً أعلم منّي، فقام إليه رجل من أهل العراق فقال: الأضحية أواجبة هي؟ فما درى أيّ شيء يقوله له، فنزل عن المنبر. وعن إبراهيم بن الفضل قال: بينا إبراهيم بن هشام يخطب على المنبر بالمدينة إذ

стр. 1234

سقطت عصاً كانت معه في يده، فاشتدّ ذلك عليه فكرهه، فتناولها الفضل بن سليمان، وكان على حرسه، وناوله إيّاها، وقال: من الطويل فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر قال محمد بن الحسن: أذن إبراهيم بن هشام إذناً عامّاً فدخل عليه النّصيب، فانشده مديحاً له، فقال إبراهيم: ما هذا بشيء، أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق: من البسيط إن تغد من منقلي نخلان مرتحلاً ... يبن من اليمن المعروف والجود قال: فغضب النّيب، فخلع عمامته وطرحها وبرك عليها بين يديه، ثم قال: فإن تأتونا برجل مثل ابن الأزرق نأتكم بمديح أجود من مديح أبي دهبل. عن رجل من قريش من أهل المدينة، قال: كنت أساير إبراهيم بن هشام بالمدينة وهو وال عليها، فلقيه رجل، فسلّم عليه، فرأيت رجه إبراهيم قد تغّير؛ فلّما مضى الرّجل سألته عن تغيّر وجهه، فقال لي: فطنت لذلك؟ قلت: نعم؛ قال: فإنّ له عليّ ديناً، وقال النّبيّ ﷺ : " إن لصاحب الحقّ مقالاً ". وقال عبد العزيز بن محمد المخزوميّ: كتب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزوميّ، وكان عامله على الحجاز: أمّا بعد: فإن أمير المؤمنين قد قلّد ما كان ولاّك من الحجاز خالد بن عبد الملك، وإن أمير المؤمنين لم يعزلك حتى كنت وإيّاه، كما قال القطامي: من الوافر أمور لو تدبّرها حليم ... إذاً لنهى وهيّب ما استطاعا ولكنّ الأديم إذا تفرّى ... بلى وتعيّناً غلب الصّناعا وإنّي والله ما عزلتك حتى لم يبق من أديمك شيء أتمسّك به.

стр. 1235

فلّما ورد كتابه على إبراهيم بن هشام تغّير وجهه، وقال: " إنا لله وإنّا إليه راجعون " أصبحت اليوم والياً، وأنا السّاعة سوقة؛ فقام رجل من بني أسد بن خزيمة، فقال: من الوافر فإن تكن الإمارة عنك زاحت ... فإنك للهشام وللوليد وقد مرّ الذي أصبحت فيه ... على مروان ثم على سعيد قال: فسرّي عنه، وأحسن جائزة الأسديّ. قتل سنة خمس وعشرين ومئة. إبراهيم بن هشام بن ملاس بن قسيم النّميريّ، وقيل الغسّانيّ إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى أبو إسحاق الغسّانيّ سمع وأسمع. ولد سنة خمسين ومئة وله شعر حسن. روى عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الله هو الدّهر ". توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين. إبراهيم بن يحيى بن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزوميّ روى عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله،

стр. 1236

قال: قال لي عبد الملك بن مروان: يا إسماعيل أدّب ولدي، فإنّي معطيك أو مثيبك؛ قال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، وكيف بذلك، وقد حدّثتني أمّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء، أن رسول الله ﷺ قال: " من اخذ على تعليم القرآن قوساً قلّده الله يوم القيامة قوساً من نار "؟ قال عبد الملك: يا إسماعيل إني لست أعطيك أو أثيبك على القرآن، إنّما أعطيك أو أثيبك على النحو. إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو إسحاق بن أبي محمد العدويّ أحد بني عديّ بن عبد شمس بن زيد مناة بن تميم، من رهط ذي الرّمة؛ وقيل: إنّهم موالي بني عديّ بن عبد شمس، ويعرف أبوه باليزيديّ لأنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة، ثم توارى حتى استتر أمره، واتّصل بيزيد بن منصور خال المهديّ فوصله بالرّشيد، فعرف باليزيديّ. وكان إبراهيم عالماً بالأدب، شاعراً مجيداً، نادم الخلفاء، وقدم دمشق صحبة المأمون والمعتصم، وذكر دير مرّان في شعره، وكان قد سمع أباه وغيره، وروي عنه. حدّث عن أبيه، قال: كنت مع أبي عمرو بن العلاء في مجلس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، فسأله عن رجل من أصحابه فقده، فقال لبعض من حضره: اذهب فسل عنه، فرجع فقال: تركته يريد يموت؛ قال: فضحك منه بعض القوم، وقال: في الدنيا إنسان يريد أن يموت! فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها! غريبة، إنّ يريد في معنى: يكاد، قال الله تعالى: " جداراً يريد أن

стр. 1237

ينقضّ " أي: يكاد، قال: فقال أبو عمرو: لا نزال بخير ما كان فينا مثلك. وحدّث قال: إنّي كنت يوماً عند المأمون، وليس معنا إلاّ المعتصم، فذكر كلاماً قال: فلم أحتمل ذلك منه يعني من المعتصم فأجبته، فأخفى ذلك المأمون، ولم يظهره ذلك الإظهار؛ فلّما صرت من غد إلى المأمون كما كنت أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك، فدعوت بداوة وقرطاس، وكتبت: من الطويل أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو سكرت فأبدت منّي الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السّكر والصّحو ولا سيّما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يليق به اللّغو ولولا حميّا الكأس كان احتمال ما ... بدهت به لا شكّ فيه هو السّرو تنصّلت من ذنبي تنصّل ضارع ... إلى من لديه يغفر العمد والسّهو فإن تعف عنّي ألف خطوي واسعاً ... وإلاّ يكن عفو فقد قصر الخطو قال: فأدخلها الحاجب، ثم خرج إليّ فأدخلني، فمّد المأمون باغيه، فأكببت على يديه فقبّلتهما، فضمّني إليه، وأجلسني. وفي رواية: أن المأمون وقّع على ظهر هذه الأبيات: من الخفيف إنّما مجلس النّدامى بساط ... للمودّات بينهم وضعوه فإن انتهوا إلى ما أرادوا ... من حديث ولذّة رفعوه وحدّث قال: كنت مع المأمون في بلد الرّوم، فبينا أنا سائر في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح، وإلى جانبي قبّة، إذ برقت برقة فإذا في القبّة عريب، فقالت: إبراهيم بن اليزيدي! فقلت: لبّيك، فقالت: قل في هذا البرق أبياتاً أغنّي فيها، فقلت: من الرجز ماذا بقلبي من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق من قبل الأردنّ أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق

стр. 1238

فارقته وهو أعزّ الخلق ... عليّ والزّور خلاف الحق ذاك الذي يملك مني رقي ... ولست أبغي ما حييت عتقي فتنفّست نفساً ظننت أنه قد قطع حيازيمها، فقلت: ويحك، على من هذا؟ فضحكت، ثم قالت: على الوطنّ فقلت: هيهات، ليس هذا كلّه للوطن؛ فقالت: ويلك، أفتراك ظننت أنك تستفزّني، والله لقد نظرت نظرة مريبةً في مجلس فادّعاها أكثر من ثلاثين رئيساً، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت! قال أبو بكر الخطيب: وهو بصريّ سكن بغداد، وكان ذا قدر وفضل وحظّ وافر من الأدب، سمع من أبي زيد الأنصاريّ وأبي سعيد الأصمعيّ، وله كتاب مصنّف يفتخر به اليزيديّون، وهو ما اتّفق لفظه واختلف معناه نحو من سبعمئة ورقة، رواه عنه ابن أخيه عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ، وذكر إبراهيم أنه بدأ بعمل ذلك وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إلى أن أتت عليه ستون سنة؛ وله كتاب مصادر القرآن وكتاب في بناء الكعبة وأخبارها وكان شاعراً مجيداً. إبراهيم بن يحيى البيروتيّ إبراهيم بن يحيى الدّمشقيّ غير ثقة. إبراهيم بن يزيد النّصريّ من أهل دمشق، كان من حرس عمر بن عبد العزيز. روى عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " تابعوا بين الحجّ والعمرة، فوالذّي نفسي بيده لمتابعتهما لتنفي الفقر والذّنوب كما ينفي الكير خبث الحديد ". وحدّث الأوزاعيّ، عنه، عن عمر بن عبد العزيز، أنه خرج على حلقة من حرسه، قال: وقد كان نهاهم قبل ذلك أن يقوموا له إذا خرج عليهم، ولكن

стр. 1239

يوسّعوا؛ قال: فقال: أيّكم يعرف الرّجل الذي أمرنا أن يركب إلى مصر؟ فقالوا: كلّنا نعرفه؛ قال: فليقم إليه أحدكم فليدعه؛ فأتاه الرّسول، فقال: لا تعجل حتى أشدّ عليّ ثيابي؛ وظنّ أن ذلك استبطاء من عمر. قال: فأتاه، فقال له عمر: إن اليوم الجمعة، فلا تبرح حتى تصلّي، وأنّا بعثناك في أمر عجلة من أمر المسلمين، فلا يحملّنك استعجالنا إيّاك أن تؤخر الصّلاة عن وقتها، فإنك لا محالة أن تصلّيها، فإن الله ذكر قوماً، فقال: " أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّاً "، ولم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا المواقيت. إبراهيم بن يزيد حكى، عن أبي سليمان الدّارانيّ، قال: قلت لراهب: يا راهب؛ فاخرج رأسه وقال: لست براهب، إنّما الرّاهب الذي يخشى الله، إنّما حبست نفسي عن الوقيعة في النّاس ومن أذى النّاس، اللّسان سبع إن تركته أكل النّاس. إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق السّعديّ الجوزجانيّ سكن دمشق، وحدّث عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن عمرو بن عاصم، بسنده عن أبي هريرة، قال: قلنا: يا رسول الله ونحن في غزوة تبوك، والخيل تمرّغ بنا في أدبار القوم: كان مسيرنا هذا في الكتاب الأوّل؟ قال: نعم. قال السّعديّ: سكن دمشق، يحدّث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوّى بكتابه، ويقرؤه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التّحامل على عليّ.

стр. 1240

وقال الدّارقطني: أقام بمكة مدّة، وبالرّملة مدّة، وبالبصرة مدّة، وكان من الحفّاظ المصنّفين، والمخرّجين الثّقات، لكن كان فيه انحراف عن عليّ بن أبي طالب، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فخرج إليهم، فأخرجت جارية له فرّوجة لتذبح، فلم تجد أحداً يذبحها؛ فقال: سبحان الله، لا يوجد من يذبحها، وقد ذبح عليّ بن أبي طالب في ضحوة نيفاً وعشرين ألفاً. قال ابن يونس: قدم مصر سنة خمس وأربعين ومئتين، وكتبت عنه، وكانت وفاته بدمشق سنة ستّ وخمسين ومئتين. وقال أبو الدّحداح: مات سنة تسع وخمسين ومئتين، يوم الجمعة مستهل ذي القعدة. إبراهيم بن يوسف بن خالد بن سويد أبو إسحاق الرّازي الهسنجانيّ سمع بدمشق، وأسمع. روى عن طالوت بن عبّاد، بسنده عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل إمامه أن يجعل الله رأسه رأس حمار ". قال ابن ماكولا: مات الهسنجانيّ في سنة إحدى وثلاثمئة. إبراهيم بن يوسف سمع من بعض أهل العلم بعد السّتّين وأربعمئة.

стр. 1241

إبراهيم بن يونس بن محمد بن يونس أبو إسحاق بن أبي نصر المقدسيّ الخطيب أصبهاني الأصل، سمع بدمشق وبيت المقدس. روى عن علي بن طاهر المقدسيّ، بسنده عن ميمونة بنت الحارث: أن النّبيّ ﷺ كان يصلّي على الخمرة. توفي يوم الجمعة، وصلّى عليه ابنه أبو الحسين أحمد، يوم السبت الثاني من ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وأربعمئة بدمشق، ودفن بمقابر باب الصّغير. وقال عن مولده: ولدت في رمضان سنة إحدى وعشرين وأربعمئة؛ وكان كثير التّلاوة للقرآن. إبراهيم أبو زرعة مولى الوليد بن عبد الملك، والد زرعة بن إبراهيم كان من مسلمة أهل الكتاب، يعدّ في الشاميّين. إبراهيم أبو إسحاق ابن النّائحة، الشّاعر من أهل دمشق. كان في زمن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون. حدّث قال: دخلت على أبي الجيش خمارويه بن أحمد، فقال لي: أخبرني بحديث حسن، فقلت: بلغني أيّد الله الأمير أن رجلاً من الممتحنين ممّن تولّت عنه الدّنيا،

стр. 1242

وزالت عنه النّعمة، ولحقته النّحوس، وساءت حاله، ورثّت ثيابه، وشعث شعره، وكثر سهره، وقلّ فرخه، فوجد درهماً، فقال: آخذ شعري، وأغسل ثوبي، وأدخل الحمّام؛ فكسر الدّرهم بأربعة وجعله في جيبه، ومضى يغسل ثوبه، فسقطت القطع من جيبه، ولم يبق منها إلاّ قطعة واحدة، فرجع واجتاز في طريقه بحمّام فدخله، وأعطى القطعة؛ فلّما دخل الحمّام نام فيه، وقصد ذلك الحمّام رجل من الأغنياء ذو حشم وغلمان، فدخل الحمّام وليس فيه إلاّ هذا النّائم، فأراد الغلمان طرده، فنهاهم عن ذلك، وقال: دعوه. فلّما انتبه الرّجل استحيا وأراد الخروج، فدعاه الرّجل إليه، وخاطبه وكلّمه، فإذا رجل أديب متكلم فهم ظريف، قد كملت فيه الأخلاق الشّريفة، إلاّ انه فقير لا شيء له؛ وإذا بالرّجل الغنيّ صاحب الحشم رجل قصير، أعور، مقطوع الأذنين، أحدب؛ فعجب من نفسه وحاله ومن الرّجل. فأمر الرّجل غلمانه، فغسلوا رأسه، ودعا بمزيّن فأخذ شعره، ودعا له بثياب جدد، فلبسها، وحمله معه إلى منزله، وقدّم له طعاماً سريّاً، فأكل معه، وأمر له بمئة دينار، وقال له: قد أجريت لك في كلّ شهر عشرة دنانير، أكسوك كسوة الشّتاء والصّيف. فقال له: يا سيّدي، أريد أن تحدّثني ما الذي كان بسببه قطع أذناك، وقلعت عينك، وما هذه الحدبة التي في ظهرك؟ فقال له الرّجل: يا هذا، وأيش سؤالك عمّا لا يعنيك، اله عن هذه؛ قال: لا بدّ أن تحدّثني؛ قال: يا هذا؛ إنّ هذا الذي تسألني عنه شيء ما حدّثت به أحداً قطّ، ولا جسر أحد يسألني عنه غيرك؛ وأنا الذي جلبت لنفسي هذه البليّة بإدخالك منزلي، فقم عافاك الله وانصرف. فقال: لا والله لا برحت أو تحدّثني؛ فقا: يا هذا، اختر منّي خصلة من اثنتين؛ إمّا أن تنصرف وقد سوّغتك ما وهبت لك، وإمّا أن أحدّثك وآخذ منك كلّ ما أعطيتك، وألبسك خلقك، وأضربك مئة عصاً تأديباً لك! فقال: يا سيدي، خذ منّي، واعمل بي ما شئت بعد ذلك؛ فقال للغلمان: اعتزلوا،

стр. 1243

ثم أنشأ يحدّثني، فقال: كانت لي ابنة عمّ غنيّة موسرة، عظيمة اليسار، فخطبتها، فلم ترغب في لدمامتي وفقري، فوجّهت إليها: يا بنت عمّي، أبي وأبوك أخوان، وأنا أولى النّاس بك، وأنا أسألك أن تحبسي نفسك عليّ سنةً، فإن رزقني الله، وفتح لي، فأنا أولى النّاس بك، وإلاّ فاعملي بنفسك ما أحببت؛ فأجابتني إلى ذلك، واحتلت بعشرين ديناراً فاشتريت فرساً وسرجاً ولجاماً وسلاحاً، وخرجت إلى رجل من الفتيان ممّن يقطع الطّريق، معروف بالشّجاعة والفروسيّة، والإحسان إلى الفتيان والصّعاليك؛ وحدّثته بخبري، وطرحت نفسي عليه، وقبّلت رأسه ويديه، فأقمت عنده شهراً، وهو محسن إليّ، ثمّ خرجنا إلى الصّحراء نطلب الطّريق، ونحن عشرة فتيان أجلاد شجعان، كلّ واحد يرى نفسه. فبينما نحن جلوس إذ وافى رجل على فرس فاره، وسرج ولجام محلّى، ومعه بغل عليه صناديق، فوق الصّناديق جارية كأنّها الشّمس الطّالعة، وعليها ثياب مرتفعة، وحلّي ظاهر؛ فقال رئيسنا: قد جاءكم رزقكم؛ ثم التفت إلى رجل من أصحابه، فقال: يا فلان، قم الحق الرّجل فاقتله، وائتنا بالجارية وما معها؛ فركب الرّجل فرسه، ومضى خلف الرّجل حتى غاب عنّا وأبطا؛ فقال رئيسنا: أظنّ صاحبنا قتل الرّجل واشتغل بالجارية يضاجعها؛ ثم قال لرجلين: قوما إلى الجارية والرّجل فاحضرا ذلك إلينا؛ فمضيا واحتبسا ولم يعودا! فقال: لأصحابنا خبر؛ ثم ركب فرسه، وركبنا خيلنا، وسرنا فوافينا صاحبنا الأوّل مقتولاً، ثم سرنا فوافينا الآخرين قتيلين، وسرنا حتى لحقنا الرّجل، وإذا معه قوس موترة، وفيه السّهم؛ فرمى رئيسنا فقتله، ثم ثنّى بآخر فقتله، فانهزم الباقون، وهربوا على وجوههم، وأقمت أنا، فطلبت منه الأمان، فأمّنني، وسألته أن يأذن لي في صحبته وخدمته، فقال: خلّ قوسك وتعال سق بالجارية، وسار، ولم يأخذ من سلب القوم شيئاً، ولا من دوابّهم؛ ولم يزل سائراً إلى العصر حتى أتى ديراً فدّق بابه، فنزل إليه صاحب الدّير ففتح الدّير، ودخل الرّجل والجارية الدّير وأنا معهما، وذبح له صاحب الدّير دجاحة، وأعدّ له طعاماً سريّاً، ثم قدّم المائدة، وجلس الرّجل والجارية وأنا وصاحب الدّير وابنه، فأكلنا حتى شبعنا، ثم احضر الشّراب فلم يزالوا يشربون إلى المغرب، ثم قام إليّ وقال: اعذرني فيما أفعله بك، فإنيّ لست آمنك، وإنّما

стр. 1244

أنت لصّ بعد كل حال، وأكره غدرك؛ ثم شدّ يدي وحبسني في بيت وأقفل عليّ، ولم يزل يشرب حتى سكر ونام، وأنا أطالع من شقّ الباب. فإذا الجارية رميت بحصاة، فأشارت إلى الذي رماها، وقالت: قف قليلاً، فلّما استثقل الفتى قامت إلى ابن صاحب الدّير، فوطئها، ثم عادت إلى مولاها؛ فغرت عليها، وقلت: مثل هذه جسرت على هذا السّيّد الشّجاع الذي ما رأت عيني مثله قطّ، فأقبلت أرمقها من خلل الباب وهي تقصد ابن صاحب الدّير يقضي حاجته منها ثم تعود، فلّما أصبح الرّجل، فتح الباب، وحلّ عني، واعتذر إليّ أيضاً. ومضت الجارية خارج الدّير لما يخرج له النّساء، فحدّثت مولاها بما كان منها، فصاح عليّ وزبرني وانتهزني فسكتّ وأنا خجل، فقلت: هذا رجل قد علم بها وراقت الجارية، فلم يظهر لها شيئاً. وأقام يومه ذلك، وأعدّ له صاحب الدّير طعاماً كما فعل بالأمس، وهو في ذلك يضاحك الجارية ويمازحها، إلى أن قدّم الطّعام، فأكلنا ثم قدّم الشّراب، فشربنا كفعلنا بالأمس سواء؛ ومع الجارية عود تغنّي به، فلّما جاء المساء، قام إليّ واعتذر إليّ وشدّ يديّ وحبسني في البيت وأقفله عليّ، وأقبل يشرب، وأنا أنظر إليه إلى أن نام، ورميت الجارية بحصاة، فأومت إليه: قف قليلاً؛ فلّما علمت أن مولاها قد استثقل قامت إليه فوطئها، ووثب مولاها إليهما مبادراً فذبحها، ثم فتح الباب عليّ، وحلّ كتافي، ودعا بصاحب الدّير وقال: خذ ابنك فواره، وحدّثه بأمره؛ وقال لي: إنّما صحت عليك لأستثبت القصّة في سكون، ولا أقدم على ما أقدم عليه إلاّ بعلم وعذر واضح. ثم أمرني فأسرجت له فرسه، فركب وحمل الصّناديق والجارية فوقها، وسار وأنا بين يديه ماش حتى انتصف اللّيل، وقال: عاونّي؛ فلم أزل أنا وهو حتى حفرنا قبراً وطرح الجارية فيه بثيابها وحليها لم ينزعه عنها وطم القبر ودفع إلى صرة، وقال: هذه مئة دينار، خذها وامض إلى أهلك، ولا تقصد هذا القبر ولا تقربه، والله لئن قربته لأنكّلنّ بك؛ فقلت: ما أقربه. وانصرفت فاختفيت ثلاثة أيام، ثم جئت إلى القبر في اللّيل، فحفرت حتى وصلت

стр. 1245

إلى الجارية، فإذا مولاها قائم على رأسي، فأخرجني من القبر، وقطع أذنيّ، وقال: والله لئن عدت لأنكلن بك. فأقمت عشرة أيام، ثم رجعت إلى القبر، فحفرته حتى وصلت إلى الجارية، وهممت بقلع الحليّ، فإذا مولاها قائم على رأسي فأخرجني، وقلع عيني اليمنى؛ وقال ألم أقل لك: إنك لصّ، ليس فيك حيلة، والله لئن عدت لأقتلنك. وانصرفت، ثم عدت إلى القبر بعد ستة أشهر، وحفرت عليها، فقلعت عنها الحليّ، ورددت القبر كما كان، وانصرفت، فوجدت في الحليّ خمسمئة دينار، وجئت بلدي، ورفقت بابنة عمّي حتى تزوّجت بها، وكانت عظيمة النّعمة، كثيرة الجواري، فأباحتني نعمتها، ووضعت يدي في التّجارة، فكثر مالي، واتسعت دنياي، وعشقت جارية من جواري زوجتي، وبليت بها، وزاد الأمر عليّ حتى كنت لا أصبر عن نظري إليها، وبذلت لها ثلاثمئة دينار على أن تمكّنني من نفسها فلم تفعل، فقنعت بالنّظر، فشكتني إلى ستّها، وأعلمتها محبتي لها، وما بذلت لها، فحجبتها عنّي، ومنعتني من النّظر إليها. فجعلت بيني وبينها رسولاً على أن أشتريها من ستّها ثم أعتقها وأتزوّج بها، وأهب لها ألف دينار، فامتنعت وكلّمتني من وراء حجاب، فقالت: يا مولاي: اصدقني حتى أصدقك، هل أحببت ستّي قطّ؟ فقلت: إي والله، حتى جاء حبّك فأزال حبّها؛ قالت: وكذا بعدي تحبّ غيري وتبغضني، أنت رجل ملول، لا تصلح لي، فلا تتعب نفسك، فليس والله تصل إليّ أبداً. ومضت إلى ستّها فحدّثتها بكل ما جرى بيني وبينها، فطردت الرّسول، وحجبتها عنّي، فاشتد قلقي، ثم قابلتني وقالت: أخذتك فقيراً وحشاً، فكسرت بختي، ولحقني منك بلاء؛ إلى أن زاد الأمر بيني وبيتها، فمددت يدي إليها فأقبلتها إلى الأرض، وجعلت أخنقها، فبادرت الجارية التي أحبهّا فأخذت منارة عظيمة فضربت بها ظهري، وخرجت من الدّار هاربة على وجهها منّي. فماتت زوجتي ممّا خنقتها، وظهرت لي حدبة في ظهري، ولم أر الجارية إلى يومي هذا ولا سمعت لها بخبر!

стр. 1246

ثم أمر بالرّجل فنزعت عنه ثيابه، وألبسه خلقانه، وأخذ المال منه، وضربه مئتي عصاً وطرده. قال أبو إسحاق: فضحك أبو الجيش، وأمر لي بمئة دينار، فأخذتها وانصرفت. إبراهيم الخيّاط كان شيخاً فاضلاً بدمشق، يسكن بمسجد باب كيسان في سنة تسع وخمسين وثلاثمئة. أسماء الرجال على حرف الألف أبرد الدّمشقي فرّق ابن مندة بينه وبين أبرد بن يزيد الشّاميّ أبرش بن الوليد بن عبد عمرو ابن جبلة بن وائل بن قيس بن بكر بن الجلاح وهو عامر بن عوف بن بكر بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن الحاف ابن قضاعة واسمه سعيد، والأبرش لقب؛ أبو مجاشع الكلبيّ أحد الفصحاء من أصحاب هشام بن عبد الملك. عن هشام بن محمد بن السّائب الكلبيّ: أتت الخلافة هشاماً، وعنده سالم كاتبه، وكان مولاه، وإليه تنسب أجمة سالم؛ والرّبيع حاجبه؛ والأبرش الكلبيّ جليسه؛ فسجد هشام وكاتبه وحاجبه، ولم يسجد الأبرش، فلّما رفع هشام رأسه قال:

стр. 1247

يا أبرش، ما منعك من السّجود وقد سجدت وسجد هذا وهذا؟ قال: أمّا أنت فأتتك الخلافة فشكرت الله على عطاء جزيل، وأما هذا فكاتبك وشريكك، وأمّا هذا فحاجبك والمؤدّي عنك وإليك، وأمّا أنا فرجل من العرب لي بك حرمة وخاصيّة، وأنا أخاف أن تغيّرك الخلافة، فعلى ماذا أسجد؟ قال: وإنّما منعك من السّجود ما ذكرت!؟ نعم؛ قال: فلك ذمّة الله وذمّة رسوله ﷺ أن لا أتغيّر عليك؛ قال: الآن طاب السّجود، الله أكبر. وحدّث الأبرش، قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، فسألته حاجة، فامتنع عليّ، فقلت: يا أمير المؤمنين لا بدّ منها، فإنّا قد ثنينا عليها رجلاً؛ قال: ذاك أضعف لك، أن تثني رجلك على ما ليس عندك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما كنت أظنّ أنّي أمدّ يدي إلى شيء ممّا قبلك إلاّ نلته؛ قال: ولم؟ قلت: لأنّي رأيتك لذلك أهلاً، ورأيتني مستحقّة منك؛ قال: يا أبرش، ما اكثر من يرى أنه مستحقّ أمراً ليس له بأهل؛ فقلت: أفّ لك! إنك والله ما علمت قليل الخير نكده، والله إن نصيب منك الشّيء إلاّ بعد مسألة، فإذا وصل إلينا مننت به، والله إن أصبنا منك الخير قطّ. قال: لا والله، ولكنّا وجدنا الأعرابيّ أقلّ شيء شكراً؛ قلت: والله إني لأكره الرّجل يحصي ما يعطي. ودخل عليه أخوه سعيد بن عبد الملك، ونحن في ذلك، فقال: مه يا أبا مجاشع، لا تقل ذلك لأمير المؤمنين. قال: فقال هشام: أترضى بأبي عثمان بيني وبينك؟ قلت: نعم؛ قال: قال سعيد: ما تقول يا أبا مجاشع؟ فقلت: لا تعجل، صحبت والله هذا، وهو أرذل بني أبيه، وأنا يومئذ سيّد قومي، وأكثرهم مالاً، وأوجههم جاهاً، ادعى إلى الأمور العظام من قبل الخلفاء، وما يطمع هذا يومئذ فيما صار إليه حتى إذا صار إلى البحر الأخضر غرف لنا منه غرفةً، ثم قال: حسبك؛ فقال هشام: يا أبرش، اغفرها لي، فوالله لا أعود بشيء تكرهه أبداً، صدق يا أبا عثمان. قال: فوالله ما زال لي مكرماً حتى مات.

стр. 1248

وعن محمد بن سلاّم الجمحيّ، قال: قال الفرزدق أبياتاً كتب بها إلى سعيد بن الوليد الأبرش الكلبيّ، فكلّم له هشاماً، وهي: من الطويل إلى الأبرش الكلبيّ أسندت حاجةً ... تواكلها حيّاً تميم ووائل على حين أن زلّت بي النّعل زلّةً ... وأخلف ظنّي كلّ حاف وناعل فدونكها يا بان الوليد فإنّها ... مفضفة أصحابها في المحافل ودونكها يا ابن الوليد فقم لها ... قيام امرئ في قومه غير حامل فكلّم فيها هشاماً، فأمر بتخليته، فقال: من الطويل لقد وثب الكلبيّ وثبة حازم ... إلى خير خلق الله نفساً وعنصراً إلى خبر أبناء الخلافة لم تجد ... لحاجته من دونها متأخراً أبى حلف كلب في تميم وعقدها ... لما سنّت الآباء أن يتغيّرا وكان حلف قديم بين كلب وتميم في الجاهلية؛ في ذلك قول جرير: من الطويل تميم إلى كلب، وكلب إليهم ... أحقّ وأولى من صداء وحميرا وعن أبي اليقظان، قال: كان بين مسلمة وهشام تباعد، وكان الأبرش الكلبيّ يدخل إليهما، وكان أحسن النّاس حديثاً وعقلاً وعلماً، فقال له هشام: كيف تكون خاصّاً بي وبمسلمة على ما بيننا؟ فقال: لأنّي كما قال الشاعر: من الطويل أعاشر قوماً لست أخبر بعضهم ... بأسرار بعض، إن صدري واسع فقال: كذلك والله أنت. وعن محمد بن سلاّم، قال: حدا الأبرش بالمنصور، فقال: من الراجز

стр. 1249

أغرّ بين حاجبيه نوره ... إذا توارى ربه ستوره فأطرب المنصور، فأمر له بدرهم! فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني حدوت بهشام بن عبد الملك، فطرب فأمر لي بعشرة آلاف درهم؛ فقال: يا ربيع، طالبه بها، وقد أعطاه ما لا يستحقّه، وأخذه من غير حلّه! ؛ فلم يزل أهل الدّولة يشفعون له حتى ردّ الدّرهم وخلّي. أبق بن محمد بن بوري ابن طغتكين أتابك أبو سعيد التّركيّ ولد ببعلبك، وقدم دمشق مع أبيه محمد، فلّما مات أبوه محمد ولي إمرة دمشق يوم الجمعة الثامن من شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمئة، وكان أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب حلب وبعض الشّام والموصل والجزيرة محاصراً لدمشق، فلم يصل منها إلى مقصود، ورحل عنها، وكان أبق صغير السّنّ، واستولى على أمره أنر بن عبد الله، الملّقب بمعين الدّين مملوك جدّ أبيه طغتكين، والرئيس أبو الفوارس المسيّب بن عليّ بن الصّوفي، فلّما مات أنر انبسطت بد أبق، والرئيس أبو الفوارس يدبّر الأمور، وبعد مدّة دبّر أبق وجماعة من بطانته على الرّئيس حتى أخرجه من دمشق إلى صرخد، واستوزر أخاه أبا البيان حيدرة بن عليّ مديدة، ثم استدعى عطاء بن حفاظ السّلميّ الخادم من بعلبكّ، وجعله مقدّماً على العسكر، وقتل أبا البيان، ثم قبض على عطاء وقتله، ولم يلبث بعد ذلك إلاّ يسيراً حتى قدم الملك العادل محمود بن زنكي بن آق سنقر، فحاصر البلد مدّةً يسيرة وسلّم إليه بالأمان يوم الأحد العاشر من صفر سنة تسع وأربعين وخمسمئة، ووفى لأبق بما جعل له وسلّم إليه مدينة حمص، فأقام بها يسيراً، ثم انتقل منها إلى بالسن مدينة بناحية الفرات فسلّمت إليه بأمر الملك العادل، فأقام بها مدّةً، ثم توجه منها إلى بغداد، فقبله أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، وأخرج له ديواناً كفاه ببغداد، وقد كان

стр. 1250

قبل أن يخرج أبق الصّوفيّ من دمشق قد رفع الأقساط وما كان يؤخذ في الكور من الباعة، وكان كريماً، ومات ببغداد. أبو نخيلة بن حرز ويقال حزن ابن زائدة بن لقيط بن هدم بن يثربيّ، وقيل: أثربيّ بن ظالم بن مخاشن بن حمّان بن عبد العزّي بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أبو الجنيد، وأبو العرماس الحمّانيّ الشّاعر من أهل البصرة، وأبو نخيلة اسمه، وله كنيتان، ويقال: اسم أبي نخيلة حبيب بن حزن. وكان عاقّاً بأبيه فنفاه عن نفسه، فخرج إلى الشّام، واتّصل بمسلمة بن عبد الملك، فأحسن إليه، وأوصله إلى خلفاء بني أميّة واحداً بعد واحد، وبقي إلى أيّام المنصور، وكان الأغلب على شعره الرّجز، وله قصيد غير كثير؛ وفد على هشام بن عبد الملك؛ وولدته أمّه في أصل نخلة فسمّته أبا نخيلة، وقيل: إنه كان مطعون النّسب. عن يحيى بن نحيم، قال: لمّا انتفى أبو أبي نخيلة منه، خرج يطلب الرّزق لنفسه، فتأدّب بالبادية حتى شعر وقال رجزاً كثيراً، وقصيداً صالحاً، وشهر بهما، وشاع شعره في البدو والحضر ورواه النّاس. ثم وفد إلى مسلمة بن عبد الملك فرفع منه، وأعطاه وشفع له، وأوصله إلى الوليد بن عبد الملك، ولم يزل به حتى أغناه. قال يحيى بن نجيم: فحدّثني أبو نخيلة، قال: وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته، وقلت له: من الطويل

стр. 1251

أمسلم إنّي يا ابن كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض شكرتك إن الشّكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أوليته نعمةً يقضي وألقيت لمّا أن أتيتك زائراً ... عليّ لحافاً سابغ الطّول والعرض وأحييت لي ذكري وما كان خامداً ... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض قال: فقال لي مسلمة: ممّن أنت؟ قلت: من بني سعد؛ فقال: ما لكم يا بني سعد وللقصيد، وإنّما حظّكم في الرّجز؛ قال: فقلت له: أنا والله أرجز العرب! ؛ قال: فأنشدني من رجزك. فكأنّي والله لمّا قال لي ذلك، لم أقل رجزاً قطّ، أنسانيه الله كلّه، فما ذكرت منه ولا من غيره شيئاً إلاّ أرجوزة لرؤبة، وقد كان قالها في تلك السّنة؛ فظننت أنها لم تبلغ مسلمة، فأنشدته إيّاها؛ فنكّس، وتتعتعت؛ فرفع رأسه إليّ، وقال: لا تتعب نفسك، فإنّي أروى لها منك!. قال: فانصرفت وأنا أكذب النّاس عنده، وأخزاهم عند نفسي؛ حتى تلطّفت بعد ذلك، ومدحته برجز كثير، فعرفني وقرّبني، وما رأيت ذلك فيه ولا قرعني به حتى افترقنا. وحدّث الأصمعي عن عبيد الله بن سالم، قال: دخل عليّ أبو نخيلة، وأنا في قبّة تركيّة مظلمة، ودخل رؤبة فقعد في ناحية منها، ولا يشعر كلّ واحد منهما بمكان صاحبه، وقد قلنا لأبي نخيلة: أنشدنا، فانشد هذه وانتحلها بنفسه: من الرجز هاجك من أروى كمنهاض الفكك ... همّ إذا لم يعده همّ فتك وقد أرتنا حسنها ذات المسك ... شادخةً الغرّة زاهراء الضّحك تبلّج الزهراء في جنح الدّلك ... يا حكم الوارث عن الملك أرديت إن لم تحب حبو المعتنك ... أنت بإذن الله إن لم تترك

стр. 1252

مفتاح حاجات أنحناهنّ بك ... الذّخر فيها عندنا والأجر لك قال: ورؤبة يئط ويزحر، فلّما فرغ قال رؤبة: كيف أنتم أبا نخيلة؟ فقال: يا سوأتاه! ألا أراك ها هنا؟ إنّ هذا كبيرنا الذي يعلّمنا؛ فقال رؤبة: إذا أتيت الشّام فخذ منه ما شئت، وما دمت بالعراق فإيّاك وإيّاه. قال يموت بن المزرّع: سمعت خالي عمرو بن بحر الجاحظ يقول: قال احمد بن إسحاق: دخل أبو نخيلة اليمن فلم ير أحداً حسناً، ورأى وجهه وكان قبيحاً فإذا هو أحسن من بها، فأنشأ يقول: من الرجز لم أر غيري حسناً ... منذ دخلت اليمنا ففي حرامّ بلدة ... أحسن من فيها أنا! حدّث الدّغل بن الخطّاب، قال: بنى أبو نخيلة داره، فمّر به خالد بن صفوان، فوقف عليه، فقال له أبو نخيلة: يا أبا صفوان، كيف ترى؟ قال: رأيتك سألت إلحافاً، وأنفقت إسرافاً، وجعلت يديك سطحاً، وملأت الأخرى سلحاً، فقلت: من وضع في سطحي وإلاّ رميته بسلحي؛ ثم مضى. فقيل له: ألا تهجوه؟ قال: إذاً يقف على المجالس سنة يصف أنفي لا يعيد حرفاً!. حدّث أبو نخيلة، قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهراً لا أوصل إليه، حتى قال لي ذات يوم عبد الله بن الرّبيع الحارثيّ: يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يرشّح ابنه للعهد بالخلافة، وهو على تقديمه بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئاً تحثّه على ذلك، وتذكر فضل المهديّ كنت بالحريّ أن تصيب خيراً منه ومن أبيه، فقلت: من الرجز.

стр. 1253

دونك عبد الله أهل ذاكا ... خلافة الله الذي أعطاكا أصفاك والله بها أصفاكا ... فقد نظرنا زمناً أباكا ثم نظرناك لها إيّاكا ... ونحن فيهم والهوى هواكا نعم ونستذري إلى ذراكا ... أسند إلى محّمد عصاكا فأنت ما استرعيته كفاكا ... وأحفظ النّاس له أذناكا وقد حملت الرّجل والأوراكا ... وحكت حتى لم أجد محاكا وزدت في هذا وذا وذاكا ... فكلّ قول قلت في سواكا زور وقد كفرّ هذا وذاكا. وقلت أيضاً كلمتي التي أقول فيها: من الرّجز إلى أمير المؤمنين فاعمدي ... سيراً إلى بحر البحور المزبد أنت الذي يا ابن سمي أحمد ... ويا ابن بنت العرب المشيد بل يا أمين الواحد الموحدّ ... إنّ الذي ولاّك ربّ المسجد أمسى وليّ عهدها بالأسعد ... عيسى فزحلقها إلى محّمد من قبل عيسى معهداً عن معهد ... حتّى تؤدّى من يد إلى يد فيكم وتغنى وهي في تردّد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد بل قد فزعنا غير أن لم نشهد ... وغير أنّ العهد لم يؤكد فلو سمعنا لّجة امدد أمدد ... كانت لنا كزعقة الورد الصّدي فبادر البيعة ورد الحسّد ... بيّن من يومك هذا أو غد فهو الذي تمّ فما من عنّد ... وردّ ما شئت فزده يزدد وردّه مثل رداء ترتدي ... فهو رداء السّابق المقلّد قد كان يروى أن ما كان قد ... عادت ولو فعلت لم تودد فهي ترامي فدفداً عن فدفد ... حيناً فلو قد حان ورد الورّد وحان تحويل القرين المفسد ... قال لها الله هلمّي فاسندي

стр. 1254

فأصبحت نازلةً بالمعهد ... والمحتد المحتد خير محتد لم ترم ثرثار النّفوس الحسّد ... بمثل ملك ثابت مؤيّد لمّا انتخوا قدحاً بزند مصلد ... يلوي بمشرون القوى مستجمد يزداد إبغاضاً على التّهدد ... فزايلوا باللّين والتعبّد صمامة تأكل أكل المزبد قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغت أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبر أنها لرجل من زيد مناة، فأعجبته فدعاني فدخلت عليه، وإنّ عيسى بن موسى لعن يمينه، والنّاس عنده ورؤوس القّواد والجند. قال: فلّما كنت بحيث يراني ناديت: يا أمير المؤمنين، أدنني منك حتى أفهمك وتسمع مقالتي. ثال: فأومى بيده فأدنيت حتى كنت قريباً منه، فلّما صرت بين يديه، قلت ورفعت صوتي أنشده من هذا الموضع من الكلمة، ثم رجعت إلى أوّل الأرجوزة، فأنشدته من أوّلها إلى هذا الموضع أيضاً، فأعدت عليه حتى أتيت على آخرها والنّاس منصتون، وهو يتسارّ بما أنشدته، مستمع له، فلّما خرجنا من عنده، إذا رجل واضع يده على منكبي، فالتفت فإذا عقال بن شبّة، فقال: لها أنت، فقد سررت أمير المؤمنين، وإن التام الأمر على ما نحبّ فلعمري لتصيبنّ منه خيراً، وإن يك غير ذاك فابتغ نفقاً في الأرض أو سلّماً في السّماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّيّ، فوجّه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح وسلخ وجهه؛ وقيل: قتل بعدما انصرف من الرّيّ، وقد أخذ الجائزة.

стр. 1255

أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجار وهو تيم الله ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج أبو المنذر الأنصاريّ الخزرجيّ، ويكنى أيضاً أبا الطّفيل سيّد القرّاء، شهد مع رسول الله ﷺ بدراً والعقبة وغيرهما من المشاهد، وروى عنه أحاديث صالحة، وشهد مع عمر بن الخطاب الجابية، وكتب كتاب الصّلح لأهل بيت المقدس. روى قال: كان رجل بالمدينة لا أعلم رجلاً كان أبعد منزلاً من المسجد منه، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الرّمضاء والظلّماء؛ فقال: ما يسرّني أن داري إلى جنب المسجد. فنمى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ما أردت بقولك: ما يسرّنّي أنّ داري إلى جنب المسجد؟ قال: أردت أن يكتب إقبالي إذا أقبلت المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي؛ قال: أنطاك الله ذلك كلّه، أنطاك الله ما احتسبت أجمع مرتين. وعن أبي الحويرث، قال: كان يهود من بيت المقدس، وكانوا عشرين رأسهم يوسف بن نون، فاخذ لهم كتاب أمان، وصالح عمر بالجابية، وكتب كتاباً، ووضع عليهم الجزية وكتب: بسم الله الرّحمن الرحيم، أنتم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائكسم ما لم تحدثوا أو تؤوا محدثاً، فمن أحدث منهم أو آوى محدثاً فقد برئت منه ذمّة الله، وإنّي بريء من معرّة الجيش؛ شهد معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وكتب أبيّ بن كعب. وعن عليّ بن رياح اللّخميّ، قال: خطب عمر بن الخطّاب بالجابية، فقال: أيّها

стр. 1256

النّاس، من كان يريد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن كان يريد أن يسال عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن كان يريد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازناً وقاسماً، أبدأ بأزواج النّبيّ ﷺ ، ثم بالمهاجرين بن الأوّلين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، أنا وأصحابي، ثم بالأنصار الذين تبوؤا الدّار والإيمان، فمن أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة فلا يلومنّ رجل منكم إلاّ مناخ راحلته. قال ابن سعد: وأمّه صهيلة بنت الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النّجار، وكان لأبيّ بن كعب من الولد: الطّفيل ومحمد، وأمهّما أمّ الطّفيل بنت الطّفيل بن عمرو بن المنذر بن سبيع بن عبد نهم من دوس، وأمّ عمرو بنت أبيّ، ولا ندري من أمّها، وقد شهد أبيّ بن كعب العقبة مع السبعين من الأنصار في روايتهم جميعاً، وكان أبيّ يكتب في الجاهليّة قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول الله ﷺ ، وأمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ على أبيّ القرآن؛ وقال رسول الله ﷺ : " أقرأ أمتي أبيّ ".

стр. 1257

وعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأبيّ بن كعب لمّا وقع النّاس في أمر عثمان: أبا المنذر، ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: كتاب الله، ما استبان فاعمل به، وما اشتبه فكله إلى عالمه. وعن زرّ، قال: قلت لأبيّ بن كعب: أبا المنذر، أخبرني عن ليلة القدر، فإن صاحبنا يعني ابن مسعود كان إذا سئل عنها قال: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، أما والله لقد علم أنها في رمضان، ولكن أحبّ أن لا تتّكلموا، وأنها ليلة سبع وعشرين لم يستثن قلت: أبا المنذر، أنّى علمت ذلك؟ قال: بالآية التي قال لنا رسول الله ﷺ : " صبيحة القدر تطلع الشّمس لا شعاع لها كأنها طست حتى ترتفع ". وعن عيسى بن طلحة، قال: كان أبيّ رجلاً دحداحاً ليس بالقصير ولا بالطويل. وقال سهل بن سعد السّاعدي: كان أبيّ لا يغّير شيبه، أبيض الرأس واللّحية. وعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قال أبيّ بن كعب: قال لي رسول الله ﷺ : " إنّي أمرت أن أقرأ عليك القرآن " قال: قلت: يا رسول الله، وسمّيت لك؟ قال: نعم. قلت لأبيّ: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني، وهو يقول: " قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ". وعن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عمرو فذكر ابن مسعود فقال: ذاك رجل لا أزال أحبّه بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: " استقرؤوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة ". وعن أنس بن مالك، قال: افتخر الحيّان من الأوس والخزرج، فقال الأوس، منّا غسيل الملائكة حنظلة بن الرّاهب، ومنّا من اهتزّ له عرش الرّحمن، ومنّا من حمته الدّبر عاصم بن ثابت بن الأقلح، ومنّا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت؛ قال: فقال الخزرجيّون: منّا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحد غيرهم؛ زيد بن ثابت، وأبو زيد وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل. وعن ابن عبّاس: أن أبيّاً قال لعمر: يا أمير المؤمنين إنّي تلّقيت القرآن ممّن تلقّاه من جبريل وهو رطب. زعم أبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ صلّى بالنّاس فترك آية، فقال: " أيّكم أخذ عليّ شيئاً من قراءتي؟ " فقال أبيّ: أنا يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا؛ فقال النّبيّ ﷺ : " قد علمت إن كان أحد أخذها عليّ فإنك أنت هو ". وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " أرحم أمتّي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم

стр. 1258

زيد، واقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وإن لكل أمّة أميناً، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح ". عن أبيذ بن كعب، قال: بينا أنا يوماً في المسجد إذ قرأت آية في سورة النّحل كان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فقرأها رجل إلى جانبي فخالف قراءتي، فقلت: من أقرأك هذه القراءة؟ فقال: رسول الله ﷺ ، ثم قرأ آخر فخالف قراءتي وقراءته، قلت: من أقرأكها؟ قال: رسول الله ﷺ ، قلت لله: لا أفارقكما حتى تأتيا رسول الله ﷺ . فأتيناه، فأخبرته الخبر، فقال: اقرأ فقرأت، فقال: أحسنت ثم قال لآخر: اقرأ فقرا، فقال: أحسنت، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ، فقال: أحسنت فدخلني شكّ يومئذ لم يدخلني مثله قطّ إلاّ في الجاهلية! فلّما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: لعلّ الشّيطان دخلك؟ ثم دفع بكفّه في صدري، فقال: اللهم احبس عنه الشّيطان ثم قال: أتاني آت من ربّي، فقال: يا محّمد اقرأ القرآن على حرف، فقلت: يا رب خفّف عن أمتي، ثم أتاني آت من ربي فقال: يا محمد إقرأ القرآن على حرف، فقلت يا رب خفف عن أمتي ثم أتاني آت من ربي فقال: يا محمد إقرأ القرآن على حرف، فقلت: يا رب خفف عن أمتي ثم أتاني آت من ربّي، فقال: يا محّمد اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكلّ ردّ مسألة، فقلت: يا رب اغفر لأمّتي، ثم قلت: يا رب اغفر لأمّتي، وأخّرت الثّالثة شفاعة إلى يوم القيامة، والذي نفس محّمد بيده إنّ إبراهيم ليرغب في شفاعتي. عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : " أبا المنذر، أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ " قال: قلت: " الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم "؛ فضرب في صدري، فقال: " ليهنك العلم، فوالذي نفسي بيده إن لهذه للساناً وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش ".

стр. 1259

وعن أبيّ بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع اللّيل قام فقال: " أيّها النّاس اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الرّاجفة تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه ". قال أبيّ: قلت: يا رسول الله، إنّي أكثر الصّلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: الرّبع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: أجعل النّصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: الثّلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: أجعل لك صلاتي كلّها؟ قال: إذا تكفى همّك، ويغفر ذنبك. وعن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ ﷺ قال: " ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلاّ كفّر الله عنه به من الذّنوب ". فقال أبيّ بن كعب: اللهم إنّي أسألك أن لا تزال الحمّى مضارعةً الجد أبيّ بن كعب حتى يلقاك، لا يمنعه من صيام ولا صلاة ولا حجّ ولا عمرة ولا جهاد في سبيلك؛ فارتكبته الحمّى فلم تفارقه حتى مات، وكان في ذلك يشهد الصّلوات ويصوم ويحجّ ويعتمر ويغزو. قال الحارث بن نوفل: وقفت أنا وأبيّ بن كعب في ظلّ أطم حسان، وسوق النّاس يومئذ في موضع سوق الفاكهة اليوم؛ فقال أبيّ: ألا ترى النّاس مختلفة أعناقهم في طلب الدّنيا؟ قلت: بلى؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع النّاس بذلك وصاروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا النّاس يأخذونه ليذهبنّ به، قال: فيقتتل النّاس فيقتل من كلّ مئة تسعة وتسعون. وعن عمرو بت العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله ﷺ في يوم عيد، فقال: " ادع لي سيّد الأنصار "

стр. 1260

فدعو أبيّ بن كعب، فقال: يا أبيّ بن كعب، آيت بقيع المصلّى، فأمر بكنسه، ثم مر النّاس فليخرجوا، فلّما بلغ عتبة الدّار رجع، فقال: يا نبيّ الله، والنّساء؟ قال: نعم، والعواتق والحيض يكنّ في آخر النّاس يشهدن الدّعوة. وعن أبيّ بن كعب، قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ : إن فلاناً يدخل على امرأة أبيه؛ فقال أبيّ: لو كنت أنا لضربته بالسّيف؛ فضحك النّبيّ ﷺ وقال: ما أغيرك يا أبيّ! إني لأغير منك، والله أغير منّي. وعن المزني قال: سمعت الشافعيّ يقول: قال رجل لأبيّ بن كعب: أوصني يا أبا المنذر؛ قال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحترس من صديقك، ولا تغبطنّ حيّاً إلاّ بما تغبطه به ميتاً، ولا تطلب حاجةً إلى من لا يبالي ألاّ يقضيها لك. ومرّ عمر بن الخطّاب بغلام، وهو يقرأ في المصحف: النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم، فقال: يا غلام حكّها؛ قال: هذا مصحف أبيّ؛ فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصّفق بالأسواق. وعن جندب، قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم، وإذا النّاس في مسجد رسول الله ﷺ حلق حلق يتحدثون؛ قال: فجعلت أمضي الحلق حتى أتيت حلقةً فيها رجل شاحب، عليه ثوبان كأنّما قدم من سفر، فسمعته يقول: هلك أصحاب العقدة وربّ الكعبة، ولا آسا عليهم، قالها ثلاث مرّات؛ قال: فجلست إليه فتحدّث بما قضي له، ثم قام، فلّما قام سألت عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبيّ بن كعب سيّد المسلمين؛ فتبعته حتى أتى منزله، فإذا هو رثّ المنزل، ورثّ الكسوة يشبه بعضه بعضاً، فسلّمت عليه، فرّد عليّ السّلام، ثم سألني: من أنت؟ قلت: من أهل العراق؛ قال: أكثر شيء سؤالاً! قال: فلّما قال ذاك

стр. 1261

غضبت، فجثوت على ركبتيّ، واستقبلت القبلة، ورفعت يديّ، فقلت: اللهم إنّا نشكوهم إليك، إنّا ننفق نفقاتنا، وننصب أبداننا، ونرحل مطايانا ابتغاء العلم، فإذا لقيناهم تجهّمونا وقالوا لنا؛ قال: فبكى أبيّ، وجعل يترضّاني، وقال: ويحك، لم أذهب هناك؛ ثم قال: إنّي أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمنّ بما سمعت من رسول الله ﷺ ولا أخاف فيه لومة لائم؛ ثم أراه قام، فلّما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة لأسمع كلامه؛ قال: فلّما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجاتي فإذا السّكك غاصّةمنالنّاس، لا آخذ في سكّة إلاّ تلقّاني النّاس، قلت: ما شأن النّاس؟ قالوا: نحسبك غريباً؛ قلت: أجل؛ قالوا: مات سيّد المسلمين أبيّ بن كعب. قال: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدّثته بالحديث، فقال: والهفاه! ألا كان بقي حتى يبلغنا مقالة رسول الله ﷺ . وعن عمران بن عبد الله قال: قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطّاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنس دينك. وعن أبي المهلب، عن أبيّ بن كعب قال: أمّا أنا فأقرأ القرآن في ثمان ليال. وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطّاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا؛ قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبيّ بن كعب في مؤخّر النّاس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنّا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله أن يصرف عنّا أذاها؛ فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم! قال معمر: عامّة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعليّ، وأبيّ بن كعب، ﵃ أجمعين. وعن مسروق، قال: سألت أبيّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ قلت: لا؛ قال: فأجمّنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وعن أبي العالية، قال: كان أبيّ بن كعب صاحب عبادة، فلّما احتاج إليه النّاس ترك العبادة، وجلس للقوم.

стр. 1262

وعن عبد الله بن أبي نصير، قال: عدنا أبيّ بن كعب في مرضه، فسمع المنادي بالأذان، فقال: الإقامة هذه أو الأذان؟ فقلنا: الإقامة؛ فقال: ما تنتظرون؟ ألا تنهضون إلى الصّلاة؟ فقلنا: ما بنا إلاّ مكانك؛ قال: فلا تفعلوا، قوموا، إن رسول الله ﷺ صلّى بنا صلاة الفجر، فلّما سلّم أقبل على القوم بوجهه، فقال: أشاهد فلان، أشاهد فلان حتى دعا بثلاثة كلّهم في منازلهم لم يحضروا الصّلاة، فقال: إن أثقل الصّلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأوهما ولو حبوا، واعلم أن صلاتك مع رجل أفضل من صلاتك وحدك، وأن صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل، وما أكثرتم فهو أحبّ إلى الله، وإن الصّفّ المقدّم على مثل صفّ الملائكة، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه، ألا وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرّجل وحده أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين. قال الهيثم ين عدّي: أبيّ بن كعب توفي سنة تسع عشرة. وقال المدائنيّ: سنة عشرين، فيها مات أبيّ بن كعب. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: مات أبيّ بن كعب في خلافة عمر سنة اثنتين وعشرين. وقال الواقدي: اختلف في موت أبيّ بن كعب، وأثبت الأقاويل عندنا أنه مات سنة ثلاثين. وقال ابن سعد: سنة ثلاثين، وهو أثبت هذه الأقاويل عندنا، وذلك أن عثمان بن عفّان أمره أن يجمع القرآن. أتسنر بن أوق بن الخوارزميّ التّركيّ ولي دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمئة، بعد حصاره إيّاها دفعات، وأقام بها الدّعوة لبني العبّاس، وتغلّب على اكثر الشّام، وقصد مصر ليأخذها، فلم يتّم له

стр. 1263

ذلك، ثم رجع إلى دمشق، ووجّه المصريّون إليه عسكراً ثقيلاً، فلّما خاف من ظفرهم به راسل تنش بن ألب أرسلان يستنجد به، فقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربعمئة، فغلب على البلد، وقتل أتسنر لإحدى عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السّنة، واستقام الأمر لتتش. وكان أتسنر لمّا دخل البلد أنزل جنده آدر الدّمشقيين، واعتقل من وجوههم جماعةً، وشمّسهم بمرج راهط، حتى افتدوا نفوسهم منه بمال أدّوه إليه، ورحل جماعة منهم عن البلد إلى أطرابلس، إلى أن أريحوا منه بعد. أجلح بن منصور الكنديّ شاعر فارس، شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ. عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن الحارث بن أدهم وصعصعة بن صوحان، وأحدهما يزيد على الآخر: قالا: فقتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعة مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّي، ومالك بن أدهم السّلامانيّ، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ وإبراهيم بن الوضاح الجمحيّ، وزامل بن عتيك الجذامي، ومحمد بن روضة الجمحيّ. قالا: وقتل الأشعث فيها خمسة. وقال جابر: خرج الأجلح بن منصور وكان من فرسانهم، فلّما رآه الأشتر كره لقاءه فحمل عليه وهو يقول: من الرجز بليت بالأشتر ذاك المذحجيّ ... بفارس في حلق مدجّج كاللّيث ليث الغابة المهيّج ... إذا دعاه القرن لم يعرّج فضربه الأشتر فقتله.

стр. 1264

أحمر بن سالم المرّيّ شاعر وفد على عبد الملك بن مروان. عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: دخل الأحمر بن سالم المرّيّ على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أحمر، كيف قلت: من الطويل مقلّ رأى الإقلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تموّلا فأنشده، فأصغى إليه مطرقاً، فلّما فرغ قال: حاجتك؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين أعلى بالجميل غنياً، فافعل ما أنت أهله، فإني لمّا أوليتني غير كافر. فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، وألحقه في الشّرف، فخرج من عبد عبد الملك وهو يقول: من الطويل بكفّ ابن مروان حييت وناشني ... إلهي من دهر كثير العجائب فلّما أنشد عبد الملك قال: أحسنت، ويحك، يا ابن سالم، هل كنت هيأت شيئاً ممّا قلت قبل اليوم؟ قال: لا، قال: ويحك، قد أمكنك القول فلا تكثر، وقليل كاف خير من كثير غير شاف؛ ثم أمر له بخلعة وأربعة آلاف درهم وحمله، وقال: الزم بابي، وإيّاك وأعراض النّاس، فإني أرى لك لساناً لا يدعك حتى يوقعك في ورطة يوماً، فاحذر أن يوردك شعرك مورد سوء يصيّرك تحت كلكل هزبر أبي أشبل يضغمك ضغماً لا بقيّة بعد ضغمه فيك. فلم يلبث الأحمر بن سالم أن قدم العراق فهجا الحجّاج بن يوسف، وقال في هجائه: من الطويل ثقيف بقايا من ثمود ومالهم ... أب ماجد من قيس عيلان ينسب

стр. 1265

إذا انتسبوا في قيس عيلان كذّبوا ... وقالوا: ثمود جدّكم والمغيّب هم ولدوكم غير شكّ فيّمموا ... بلاد ثمود حيث كانوا وعذّبوا وأنت دعيّ يا ابن يوسف فيهم ... زنيم إذا ما حصّلوا تتذبذب فطلبه الحجّاج، وأجعل فيه، وتقدّم إلى سائر عمّاله أن لا يفلتهم؛ فأخذه صاحب هيت، ووجّه به مقيّداً؛ فلّما دخل الحجّاج بن يوسف، قال: ما جزاؤك عندي إلاّ أن أعذّبك بما اختاره الله لأعدائه من أليم عقابه؛ فأحرقه بالنّار! أحنف الكلبيّ أحد من دعا إلى بيعة يزيد بن الوليد النّاقص. أحوص بن حكيم بن عمير وهو عمرو ابن الأسود العنسيّ، ويقال: الهمدانيّ قيل: إنه دمشقيّ، والصحيح أنه حمصيّ. رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن بسر، وحدّث عن جماعة. روى عن راشد بن سعد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصابه الصّداع ممّا ينزل عليه من الوحي غلّف رأسه بالحنّاء، وكان يأمر بتغيير الشّيب ومخالفة الأعاجم. وعن عبد الله بن عابر، عن عتبة بن عبد السّلمي، عن أبي أمامة الباهليّ، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يقول: " من صلّى صلاة الصّبح وهو في الجماعة، ثم ثبت حتى يسبّح فيه سبحة الضّحى، فصلّى ركعتين أو أربعاً كان له مثل أجر حاجّ ومعتمر. تام له حجّه وعمرته ".
следующие страницы →