← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وله يرثي أبا بكر بن حمزة: من الوافر أحين بلغت ما كنا نرجي ... وكنت على أنوف الكاشحينا أبا بكر ثويت رهين رمس ... يخب بنعيك المتعجلونا وهي طويلة. قال الزبير: ودار عدي بن نوفل بالبلاط، بين المسجد والسوق، وهي التي يعني إسماعيل بن يسار النساء حين يقول: من الخفيف إن ممشاك نحو دار عدي ... كان بالقلب شقوة وفتونا إذ تراءت على البلاط فلما ... واجهتنا كالشمس تعشي العيونا قال هارون: قف، فيا ليت أني ... كنت طاوعت ساعة هارونا وقد رواها ناس لابن أبي ربيعة. إسماعيل الأسدي من ِشعراء الدولة الأموية إن لم يكن إسماعيل بن محمد الأسدي الكوفي فهو غيره كان له انقطاع إلى مروان الحمار. عن أبي عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال: إسماعيل الأسدي ولم ينسب كان منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر يوماً إسماعيل عند حدينة وهو سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ومودته لمروان، فقال سعيد: ومن ذلك الملط؟ فهجاه إسماعيل بقوله: من الكامل

стр. 1437

زعمت خدينة أنني ملط ... ولخدنة المرآة والمشط ومجامر ومكاحل ومعازف ... وبخدها من شكلها نقط أفذاك أم زعف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط لمفرض ذكر أخي ثقة ... لم يعده التأنيث واللقط أسماء بن خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر بن عمر بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان ابن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان أبو حسان، ويقال: أبو محمد الفزاري الكوفي وكان قد وفد على عبد الملك بن مروان. عن مالك بن أسماء بن خارجة، قال: كنت مع أبي أسماء إذ جاء رجل إلى أمير من الأمراء فأثنى عليه وأطراه، ثم أتى أسماء وهو جالس في جانب الدار، فجرى حديثهما، فما برح حتى وقع فيه، فقال أسماء: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ذو اللسانين في الدنيا له لسانان من نار يوم القيامة. عن أبي الأحوص قال: فاخر أسماء بن خارجة رجلاً، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام؛ فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله . عن البختري بن هلال قال: دخل أسماء بن خارجة على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: قد بلغني عنك خصال كريمة شريفة، فأخبرني عنها؛ قال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن؛ قال: فإني أحب أن أسمعها منك فأخبرني بها، قال: يا أمير المؤمنين، ما أتاني رجل قط في حاجة صغرت أو كبرت فقضيتها، إلا رأيت أن

стр. 1438

قضاءها ليس يعوض من بذل وجهه إلي؛ ولا جلس إلي رجل قط إلا رأيت له الفضل علي حتى يقوم من عندي؛ ولا جلست مع قومٍ قط فبسطت رجلي إعظاماً لهم وإجلالاً حتى أقوم عنهم. قال له عبد الملك: حق لك أن تكون شريفاً سيداً. قال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحداً قط، ولا رددت سائلاً قط، لأنه إنما يسألني أحد رجلين: إما كريم أصابته خصاصة وحاجة، فأنا أحق من سد خلته، وأعانه على حاجته، وإما لئيم أفدي عرضي منه. وإنما يشتمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها، وأخذ بالفضل عليه فيها؛ وإما لئيم فلم أكن لأجعل عرضي له غرضاً؛ وما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط فيرى أن ذلك استطالة مني عليه؛ ولا قضيت لأحد حاجة إلا رأيت له الفضل علي حيث جعلني في موضع حاجته. وأتى الأخطل عبد الملك فسأله حمالات تحملها عن قومه، فأبى وعرض عليه نصفها؛ فقدم الكوفة فأتى بشر بن مروان فسأله، فعرض عليه مثل ما عرض عليه عبد الملك، ثم أتى أسماء بن خارجة فحملها عنه كلها، فقال فيه: من الوافر إذا ما مات خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء ولا رجع البشير بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء فيوم منك خير من رجال ... كثير حولهم غنم وشاء فبورك في بنيك وفي أبيهم ... وإن كثروا ونحن لك الفداء فبلغت القصة عبد الملك، فقال عرض بنا النصراني وقال محمد بن سلام الحجمي: وقال يعني القطامي يمدح أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري: إذا مات ابن خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء

стр. 1439

ولا رجع البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء وقال فيه أيضاً: من الكامل فستعلمين أصادر وراده ... عنه وأي فتى فتى غطفانا وعليك أسماء بن خارجة الذي ... علا الفعال ورفع البنيانا قال أسماء: ما بذل إلي رجل قط وجهه فرأيت شيئاً من الدنيا وإن عظم وجسم عوضاً لبذل وجهه إلي. وعن مروان بن معاوية الفزاري، قال: أتيت الأعمش فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: أنا مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء بن خارجة الفزاري؛ فقال لي: لقد قسم جدك أسماء قسماً فنسي جاراً له، ثم استحيا أن يعطيه وقد بدأ بآخر قبله، فبعث إليه، وصب عليه المال صباً؟ أفتفعل أنت شيئاً من ذلك؟؟؟؟!. وعن هند بنت محمد بن عتبة، عن أبيها، قال: بلغنا أن أسماء بن خارجة كان جالساً على باب داره، فمر به جوار يلتقطن البعر؛ فقال: لمن أنتن؟ فقلن: لبني سليم؛ فقال: واسوأتاه، جواري، بني سليم يلتقطن البعر على بابي! يا غلام انثر عليهن الدراهم؛ فنثر عليهن، وجعلن يلتقطن. وعن ابن الكلبي، قال: نزل أسماء بن خارجة ظهر الكوفة في روضة معشبة أعجبته، وفيها رجل من بني عبس، فلما رأى قباب أسماء قوض بيته؛ فقال له أسماء: ما شأنك؟ قال: معي كلب هو أحب إلي من ولدي، وأخاف أن يؤذيك فيقتله بعض غلمانك. فقال له: أقم وأنا ضامن لكلبك؛ فقال أسماء لغلمانه: إن رأيتم كلبه بلغ في قصاعي وقد رؤي فلا يهجه أحد منكم. فأقاموا على ذلك، ثم ارتحل أسماء، ونزل الروضة رجل من بني أسد، فجاء الكلب لعادته فنحى له الأسدي بسهم فقتله؛ فقدم العبسي على أسماء، فقال له: ما فعل الكلب؟

стр. 1440

قال: أنت قتلته؛ قال: وكيف؟ قال: عودته عادة ذهب يرومها من غيرك فقتله؛ فأمر له بمئة ناقة دية الكلب؛ قال: هل قلت في هذا شعراً؟ قال: نعم؛ فأنشده: من الطويل عوى بعد ما شال السماك بزورة ... وطالب عهداً بعده قد تنكرا وشبت له نار من الليل شبهت ... له نار أسماء بن حصن فكبرا فلاقى أبا حيان عارض قومه ... على النار لما جاءها متنورا فما رامها حتى اكتسى من روائه ... رداء كلون الأرجواني أحمرا فقال يلوم النفس: ما خفت ما أرى ... وورد المنايا مدرك من تأخرا وعن بشر أبي نصر، أن أسماء بن خارجة زوج ابنته، فلما أراد أن يهديها إلى زوجها أتاها، فقال: يا بنية، كان النساء أحق بتأديبك، ولا بد من تأديبك: كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً، ولا تدني منه فتمليه، ولا تباعدي منه فتثقلي عليه ويثقل عليك، وكوني كما قلت لأمك: من الطويل خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وعن العتبي، عن أبيه، أن أسماء بن خارجة شرب شراباً يقال له: الباذق، فسكر، فلطم أمه! فلما صحا قالوا له، فاغتم وقال لأمه: من الخفيف لعن الله شربة جعلتني ... أن أقول الخنا لكم يا صفية لم تكوني أهلاً لذاك ولكن ... أسرع الباذق المقدي فيه قال الرياشي: المقد: قرية من قرى حمص، وأصل الباذق: الباذاه

стр. 1441

بالفارسية، وإنما يعرف بالمقدية، وهو حصن من أرض البلقاء. قال عبد الملك ذات يوم لجلسائه؛ هل تعلمون بيتاً قيل لحي من العرب لا يحبون أن لهم به مثل ما ملكوا، أو قيل فيهم ودوا لو فدوه بجميع ما ملكوه؟ فقال له أسماء بن خارجة: نعم يا أمير المؤمنين، نحن، قال: وما ذاك؟ قال: قول قيس بن الخطيم الأنصاري: من الوافر هنينا بالإقامة ثم سرنا ... كسير حذيفة الخير بن بدر فوالله ما يسرنا أن لنا به مثل ما نملك؛ وقول الحارث بن ظالم: من الوافر فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا والله إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل إلي شعر قفاي قد خرج منها!. وقال أسماء بن خارجة: من الطويل إذا طارقات الهم أسهرن الفتى ... وأعمل في التفكير والليل زاخر وباكرني إذ لم يكن ملجاً له ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت له من همه في مكانه ... فزاوله الهم الدخيل المخامر وكان له من علي بظنه ... بي خيراً إني للذي ظن شاكر قال الرياشي: قال أسماء بن خارجة لامرأته: اخضبي لحيتي، فقالت: إلى كم نرقع منك ما قد خلق منك؟ فأنشأ يقول: من البسيط غيرتني خلقاً أبليت جدته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلقاً كما لبست جديدي فالبسي خلقي ... فلا جديد لمن لا يلبس الخلقا

стр. 1442

ومن بارع شعر أسماء بن خارجة: من البسيط قل للذي لست أدري من تلونه ... أنا صح أم على غش يداجيني إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني! تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل منك يأتيني هذان أمران شتى بون بينهما ... فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني لو كنت أعرف منك الود هان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني أرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء مع البغضاء يواسيني ورب امرئ لي أخفى بي ملاطفة ... محض الأخوة في البلوى يواسيني وملطف بسؤال أو مكاشرة ... مغض على وغر في الصدر مدفون ليس الصديق بمن تخشى غوائله ... وما العدو على حال بمأمون يلومني الناس فيما لو أخبرهم ... بالغدر فيه لما كانوا يلوموني وعن الأصمعي، قال: بينما أسماء بن خارجة قد عراه الأرق في ذات ليلة، إذ سمع نادبة تبكي بصوت حزين وهي تقول: من المتقارب من للمنابر والخافقا ... ت والجود بعد زمام العرب ومن للهياج غداة الطعان ... ومن يمنع البيض عند الهرب ومن للعفاة وحمل الديات ... ومن يفرج الكرب بعد الكرب فقال أسماء بن خارجة: انظروا من مات في هذه الليلة من الأشراف، فاتبعوا هذا الصوت، فانظروا من أين هو؛ فنظروا ورجعوا إليه، فقالوا: هذه امرأة فلان البقال تبكي أباها مروان الحائك!. وعن المبارك بن سعيد الثوري، قال: بينما أسماء بن خارجة الفزاري ذات ليلة جالس في منزله على سطح ومعه نساؤه إذ سمع في جوف الليل نادبة تندب، وهي تقول: من الهزج

стр. 1443

ألا فابك على السي ... د لما تعش نيرانه ولما يطل العهد ... ولما تبل أكفانه عظيم القدر والجف ... نة ما تخمد نيرانه قال: فاستوى أسماء بن خارجة جالساً، وقد اشتد جزعه، وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". يا غلام يا غلام؛ فأتاه جماعة من غلمانه فوقفوا قريباً منه حيث يسمعون كلامه، فقال لأحدهم: يا فلان، إنه قد حدث الليلة في بعض أشرافنا حدث، فانطلق إلى منزل عكرمة بن ربعي التميمي، فانظر هل طرقهم شيء؟ فذهب الغلام ثم عاد فقال: ما طرقهم إلا خير؛ قال: فاذهب إلى منزل عبد الملك بن عبيد التميمي، فانظر هل طرقهم شيء؟ فذهب ثم عاد فقال: ما طرقهم إلا خير؛ ثم لم يزل يبعث إلى منازل أشراف الكوفة رجلاً رجلاً ممن يقرب جواره فيسأل عنهم، إذ قال له بعض جيرانه: أصلحك الله، ليس الأمر كما تظن؛ قال فما هذه النادبة؟ قال: هذه ابنة فلان البقال توفي أبوها فهي تندبه!. فقال أسماء: سبحان الله، ما رأيت كالليلة قط؛ ثم أقبل على نسائه، فقال: عزمت على كل واحدة منكن إن حدث بي حدث أن تندبني نادبة بعد ليلتي هذه أبداً. قال خليفة بن خياط: وفيها يعني سنة ست وستين مات أسماء بن خارجة، وهو ابن ثمانين سنة. أسود بن أصرم المحاربي من أصحاب رسول الله ﷺ . روى عنه حديثاً، وقدم الشام، وسكن داريا. قال سليمان بن حبيب المحاربي: قدم أسود بن أصرم بإبل له سمان المدينة في زمن محل وجدب من الأرض، فلما رآها أهل المدينة عجبوا من سمانتها، فذكرت

стр. 1444

لرسول الله ﷺ ، فأرسل إليها رسول الله ﷺ فأتى بها، فخرج إليها، فنظر إليها، قال: " لمن جلبت إبلك هذه؟ " قال: أردت بها خادماً: فقال رسول الله ﷺ : " من عنده خادم؟ " فقال عثمان بن عفان: عندي يا رسول الله، قال: " فأت بها "؛ قال: فجاء بها عثمان، فلما رآها أسود قال: مثلها أريد؛ فقال: " خذها يا أسود " وقبض رسول الله ﷺ إبله، فقال أسود: يا رسول الله أوصني؛ قال: " هل تملك لسانك؟ " قال: فماذا أملك إذا لم أملكه؟ ؛ قال: " تملك يدك؟ " قال: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: " فلا تقولن بلسانك إلا معروفاً، ولا تبسط يدك إلا إلى خير ". قال عبد الجبار بن محمد بن مهنا الخولاني في تاريخ داريا: ذكر أصرم بن أسود المحاربي، والدليل على نزوله داريا قطائع له بها معروفة به إلى اليوم. أسود بن بلال المحاربي الداراني ولي الباب والأبواب عن أبي الجماهر، قال: كنت بالباب والأبواب، وعليها الأسود بن بلال المحاربي، فأصاب الناس فزع من عدو، فصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ: " أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون "، قال: فصعق فخر عن المنبر. قال أبو القاسم: قال لي ابن أبي الحواري: أحب أن تجيء معي إلى أبي الجماهر حتى أسمع منه هذا الحديث؛ قال: فجئت معه حتى سمعه منه عند باب الساعات. قال: والأسود بن بلال من ساكني داريا، ذكره عبد الرحمن بن إبراهيم في الطبقة الخامسة من التابعين.

стр. 1445

عن غير واحد، أن سبب ولاية هشام بن عبد الملك الأسود بن بلال غازية البحر أن والي دمشق ولى الأسود بن بلال مدينة بيروت من ساحل دمشق لمكان أم الأسود عند سليمان بن حبيب القاضي، فأغارت الروم على سفن من التجار مرسية بنهر بيروت، فذهبت بها ومرت بها على باب ميناء بيروت، وأهلها ممسكون بأيديهم هيبة لهم، فصاح الأسود بهم وركب قوارب فيها، حتى استنقذ تلك المراكب وقتل منهم، وكتب إلى هشام، فكتب هشام إلى الأسود بولايته على البحر، فلم يزل يحمد حزمه وعزمه وصنع الله له حتى توفي هشام، فأقره الوليد بن يزيد حتى قتل، وولي يزيد بن الوليد، فعزله وولاه الأردن، وولى غازية البحر المغيرة بن عمير. قال الليث: وفيها يعني سنة عشرين غزا الأسود بن بلال على الجماعة، وفي سنة إحدى وعشرين غزا حفص بن الوليد البحر، وكان بالساحل حتى قفل منه، والأسود بن بلال على الجماعة فلم يخرجوا، وفي سنة اثنتين وعشرين ومئة غزا حفص بن الوليد البحر على أهل مصر، وعلى الجماعة أسود بن بلال فضلوا من إسكندرية فأصابوا إقريطش فبلغوا الجمع فهزمهم الله، ووطنوا إقريطش وأصابوا منها رقيقاً. وفيها يعني سنة خمس وعشرين ومئة غزا الأسود بن بلال البحر وعلى أهل مصر عياش بن عقبة، غزوا إلى قبرس فأجلوها إلى الشام. قال ابن بكير: أمر يعني الوليد بن يزيد على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربي، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيرهم فإن أحبوا ساروا إلى الشام، وإن شاؤوا ساروا إلى الروم، فاختار طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشام، واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها. أسود بن قطبة أبو مفرز التميمي شاعر مشهور، شهد اليرموك والقادسية، وغيرهما من المشاهد، وقال في ذلك أشعاراً يعد بلاءه وبلاء قومه. قال في يوم اليرموك ثم شهد القادسية: من الطويل قد علمت عمرو وزيد بأننا ... نحل إذا خاف العشائر بالسهل نجوب بلاد الأرض غير أذلةٍ ... بها عرض ما بين الفرات إلى الرمل أقمنا على اليرموك حتى تجمعت ... جلابب روم في كتائبها العضل نرى حين نغشاهم خيولاً ومعشراً ... وأسلحة ما تستفيق من القتل شفاني الذي لاقى هرقل فرده ... على رغمه بين الكتائب والرجل قتلناهم حتى شفينا نفوسنا ... من القادة الأولى الرؤوس ومن حمل نعاورهم قتلاً بكل مهندٍ ... ونطلبهم بالذحل ذحلاً على ذحل وقال أبو مفرز التميمي أيضاً: من الطويل ألم تعلمي والعلم شاف وكافي ... وليس الذي يهدي كآخر لا يهدي بأنا على اليرموك غير أشابةٍ ... غداة هرقل في كتائبه يردي وأن بني عمرو مطاعين في الوغى ... مطاعيم في اللأواء أنصبة الجهد وكم فيهم من سيد ذي توسع ... وحمال أعباء وذي نائل قهد ومن ماجد لا يدرك الناس فضله ... إذا عدت الأحساب كالجبل الشد

стр. 1446

وقال أيضاً: من الطويل وكم قد أغرنا غارة بعد غارة ... ويوماً ويوماً قد كشفنا أهوله ولولا رجال كان حشو غنيمة ... له أما قط رجت عليهم أوائله كفيناهم اليرموك لما تضايقت ... بمن حل باليرموك منه حمائله فلا تعدمن منا هرقل كتائباً ... إذا رامها رام الذي لا يحاوله وقال أبو مفرز في بهرسير: من الوافر زعمتم أننا لكم قطين ... وقول العجز يخلطه الفجور كذبتم ليس ذلكم كذاكم ... ولكنا رحى بكم تدور ولو رامت جموعكم بلادي ... إذا كرت رحانا تستدير فللنا حدكم بلوى قديس ... ولم يسلم هنالك بهرسير فتحت البهرسير بإذن ربي ... وأعدتني على ذاك الأمور وقد عضوا الشفاه ليهلكونا ... ودون القوم مهواة جرور فطاروا قضة ولهم زفير ... إلى دار وليس بها نصير وقال أبو مفرز: من الطويل تولى بنو كسرى وغاب نصيرهم ... على بهرسيرا واستهد نصيرها غداة تولت عن ملوك بنصرها ... لدى غمرات لا يبل بصيرها مضى يزدجرد ابن الأكاسر سادماً ... وأدبر عنه بالمدائن خيرها فيا فوحة بالأخشبين لأهلها ... ويثرب إذ جاء الأمير بشيرها ويا قرحة ما تبرحن عدونا ... إذا جاءهم ما قد أسر خبيرها فأبلغ أبا حفص هديت وقل له ... فأبشر بنصر الله، أنت أميرها

стр. 1447

وقال أبو مفرز: من الطويل أبلغ أبا حفص بأني محافظ ... على الحرب والأيام فيها فتوقها أحطت بطورات الكتيبة إنها ... أعدت لفخر يوم ساحت عروقها حططت عليك القوم من رأس شاهقٍ ... وقد كان أعيا قبل ذلك نيقها وحيث دفعنا بهرسير بمنطق ... من القول لم يعبأ بضاعت حقوقها وقلدت كسرى خيل موت فلم تزل ... مرازبه عنه وفيها عقوقها حللت نظام القوم لما تحمسوا ... قطعت نفوس القوم واعتاط ريقها وأعجبني منهم هنالك أنهم ... على قنن منها وقد ضاق ضيقها قال الدارقطني: أبو مفرز الأسود بن قطبة، شهد الفتوح، فتح القادسية فما بعدها، له أشعار كثيرة، وهو رسول سعد بن أبي وقاص بسبي جلولاء إلى عمر بن الخطاب، وهو شاعر المسلمين في تلك الأيام. وقال أيضاً: قال أبو مفزر بعد فتح الحيرة: من الطويل ألا أبلغا عنا الخليفة أننا ... غلبنا على نصف السواد الأكاسرا في شعر كثير قاله، وكان مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر ﵁، في فتوحه. أسود بن قبيس بن معدي كرب ابن عبد كلال الحميري عن عبد الله بن يزيد بن غنيم، أنه سمع الأسود بن قبيس بن معدي كرب وكان على زمام خراج الأرض لعمر بن عبد العزيز قال: فسألني عني شيء فقلت: برئت من الإسلام إن كنت فعلت؛ فقال عمر: إلى أي دين ترجع؟ كدت أن تغرنا من عملنا، إلحق بأهلك.

стр. 1448

أسود بن مروان المقدي البلقاوي من أهل حصن مقدية من عمل أذرعات من دمشق. روى عن سليمان بن عبد الرحمن، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ". وكان ثقة. أسود بن المغراء بن شراحيل ابن الأرقم بن الأسود شهد اليرموك نصرانياً، وقاتل بقوم قومه، ثم أسلم بعد ذلك بمن معه. أسيد بن الحضير بن سماك ابن عتيك بن رافع بن امرئ القيس، ويقال: ابن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم ابن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النبيت، بن مالك بن الأوس بن حارثة وهو العنقاء ابن عمرو، وهو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة ابن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، واسمه عمر بن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو يحيى، ويقال: أبو عتيك ويقال: أبو الحضير ويقال: أبو عيسى ويقال: أبو عمرو، الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، النقيب حدث عن النبي ﷺ وشهد معه العقبة، وشهد مع عمر بن الخطاب الجابية، فيما ذكره الواقدي في فتوح الشام، وذكر أن عمر جعله على ربع الأنصار، وشهد معه فتح بيت

стр. 1449

المقدس، ثم خرج معه خرجته الثانية التي رجع فيها من سرغ أميراً على الأنصار. روى أن رجلاً من الأنصار تخلى برسول الله ﷺ فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ قال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ". وعن ابن شفيع وكان طبيباً قال: دعاني أسيد بن حضير فقطعت له عرق النسا، فحدثني بحديثين: قال: أتاني أهل بيتين من قومي، من أهل بيت من بني ظفر، وأهل بيت من بني معاوية، فقالوا: كلم رسول لله ﷺ يقسم لنا أو يعطينا، أو نحواً من هذا؛ فكلمته فقال: " نعم أقسم لأهل كل بين منهم شطراً، فإن عاد الله علينا عدنا عليهم " قال: فقلت: جزاك الله خيراً يا رسول الله؛ قال: " وأنتم فجزاكم الله خيراً، فإنكم ما علمتكم أعفة صبر ". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنكم ستلقون أثرة بعدي " فلما كان عمر بن الخطاب قسم حللاً بين الناس، فبعث إلي منها بحلة، فاستصغرتها فأعطيتها ابني، فبينما أنا أصلي إذ مر بي شاب من شباب قريش عليه حلة من تلك الحلل يجرها، فذكرت قول النبي ﷺ : " إنكم ستلقون أثرة بعدي " فقلت: صدق الله ورسوله، فانطلق رجل إلى عمر فأخبره، فجاء فقال: صل يا أسيد؛ فلما قضيت صلاتي قال: كيف قلت؟ فأخبرته، فقال: تلك حلة بعثت بها إلى فلان وهو بدري أحدي عقبي فأتاه هذا الفتى فابتاعها منه، فلبسها، فظننت أن ذلك يكون في زماني! قلت: قد والله يا أمير المؤمنين ظننت أن ذاك لا يكون في زمانك. عن عائشة، قالت: قدمنا من حج أو عمرة، فتلقينا بذي الحليفة، وكان غلمان الأنصار يتلقون أهليهم، فلقوا أسيد بن حضير فنعوا له امرأته، فتقنع وجعل يبكي؛ فقلت: غفر الله لك، أنت صاحب رسول الله ﷺ ولك من المسابقة والقدم مالك، وأنت تبكي على

стр. 1450

امرأة؛ قال: فكشف رأسه، وقال: صدقت لعمري، ليحق أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ، وقد قال له رسول الله ﷺ ما قال؛ قالت: قلت: وما قال له رسول الله ﷺ ؟ قال: قال: " لقد اهتز العرش لوفاة سعد بن معاذ "، قالت: وهو يسير بيني وبين رسول الله ﷺ . وعن أسيد، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ نتحدث وكان فيه مزاح يحدث القوم ويضحكهم فطعنه رسول الله ﷺ في خاصرته، فقال: أصبرني فقال: " اصطبر؟ " قال: إنك عليك قميص ولم يكن علي قميص؛ فرفع رسول الله ﷺ قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله. عن مالك، قال: كان أسيد بن الحضير أحد النقباء، وكانت الأنصار بينهم اثنا عشر نقيباً، وكانوا سبعين رجلاً؛ قال مالك: فحدثني شيخ من الأنصار أن جبريل ﵇ وعلى جميع الملائكة كان يشير له إلى أن يجعله نقيباً؛ قال مالك بن أنس: كنت أعجب كيف جاء من كل قبيلة رجلان، ومن قبيلة رجل حتى حدثني هذا الشيخ أن جبريل ﷺ كان يشير إليهم يوم البيعة يوم العقبة. قال مالك: عدة النقباء اثنا عشر رجلاً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وعن عبد الله بن أبي سفيان: ولقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدواً، ولكنني ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت؛ فقال رسول الله ﷺ : " صدقت ". قل محمد بن سعد: وكان لأسيد من الولد: يحيى، وأمه من كندة، توفي وليس له عقب؛ وكان أبو

стр. 1451

حضير الكتائب شريفاً في الجاهلية، وكان رئيس الأوس يوم بعاث، وهي آخر وقعة بين الأوس والخزرج في الحروب التي كانت بينهم، وقتل يومئذ حضير الكتائب؛ وكانت هذه الوقعة ورسول الله ﷺ بمكة قد تنبأ ودعا إلى الإسلام، ثم هاجر بعدها بست سنين إلى المدينة. ولحضير الكتائب يقول خفاف بن ندبة السلمي: من الطويل لو أن المنايا حدن عن ذي مهابةٍ ... لهبن حضيراً يوم غلق واقما يطوف به حتى إذا الليل جنه ... تبوأ منه مقعداً متناعما قال: وواقم أطم حضير الكتائب، وكان في بني الأشهل، وكان أسيد بن الحضير بعد أبيه شريفاً في قومه، في الجاهلية وفي الإسلام، يعد من عقلائهم وذوي رأيهم، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلاً، وكان يحسن العوم والرمي، وكان يسمى من كانت هذه الخصال فيه: الكامل، وكانت قد اجتمعت في أسيد، وكان أبوه حضير الكتائب يعرف بذلك أيضاً ويسمى به. عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. قال يحيى بن بكير: مات سنة عشرين، وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضعه بالبقيع وصلى عليه. وعن ابن حازم وابن معيقب، قالا: بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير مع النفر الإثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن، وكان منزله على أسعد بن زرارة، وكان إنما يسمى بالمدينة المقرئ، فخرج يوماً أسعد بن زرارة إلى دار بني عبد الأشهل، فدخل به

стр. 1452

حائطاً من حوائط بني ظفر وهي قرية لبني ظفر دون قرية بني عبد الأشهل، وكانا ابنا عم يقال لها: بئر مرق، فسمع بهما سعد بن معاذ وكان ابن خالة أسعد بن زرارة فقال لأسيد بن حضير: آئت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره، فإنه قد بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب معه يسفه سفهاءنا وضعفاءنا، فإنه لولا ما بيني وبينه من القرابة لكفيتك ذلك؛ فأخذ أسيد بن حضير الحربة، ثم خرج حتى أتاهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا والله سيد قومه قد جاءك فأبل الله فيه بلاء حسناً؛ فقال: إن يقعد أكلمه؛ فوقف عليهما متشتماً، فقال: يا أسعد ما لنا ولك تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا؟ فقال: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: قد أنصفتم. ثم ركز الحربة وجلس، فكلمه مصعب، وعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن؛ فوالله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم لتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! فكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قال: تطهر وتطهر ثيابك، وتشهد شهادة الحق، وتصلي ركعتين؛ ففعل، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً من قومي إن تابعكما لم يخالفكما أحد بعده، ثم خرج حتى أتى سعد بن معاذ؛ فلما رآه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد رجع عليكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به ممن عندكم؛ فلما وقف على النادي قال له سعد: فماذا صنعت؟ قال: قد ازدجرتهما، وقد بلغني أن بني حارثة يريدون أسعد بن زرارة ليقتلوه ليخفروك فيه لأنه ابن خالته فقام إليه سعد مغضباً، فأخذ الحربة من يده، وقال: والله ما أراك أغنيت شيئاً؛ فخرج. فلما نظر إليه أسعد بن زرارة قد طلع عليهما، قال لمصعب: هذا والله سيد من وراءه من قومه، إن هو تابعك لم يخالفك أحد من قومه، فاصدق الله فيه؛ فقال مصعب بن عمير: إن يسمع مني أكلمه. فلما وقف عليهما قال: يا أسعد ما دعاك إلى أن تغشاني بما أكره وهو متشتم أما

стр. 1453

والله إنه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما طمعت في هذا مني؛ فقالا له: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته أعفيت مما تكره؟ قال: أنصفتما بي؛ ثم ركز الحربة وجلس. فكلمه مصعب، وعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن؛ قال: فوالله لعرفنا فيه الإسلام قبل أن يتكلم لتسهل وجهه؛ ثم قال: وكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ فقالا له: تطهر وتطهر ثيابك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين؛ فقام ففعل، ثم أخذ الحربة وانصرف عنهما إلى قومه. فلما رآه رجال بني عبد الأشهل قالوا: نقسم بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، أي رجل تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: نعلمك والله خيرنا أفضلنا، أيمننا نقيبةً، وأفضلنا فينا رأياً؛ قال: فإن كلام نسائكم ورجالكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وحده، وتصدقوا بمحمد ﷺ . فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم. وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح ". وعن أنس: أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار تحدثا عند النبي ﷺ ليلة من حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﷺ ، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترق بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله.

стр. 1454

وعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: " يسألونك عن المحيض " إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله ﷺ : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه؛ فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا يجامعوهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننت أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. عن عائشة، أنها قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس، فكان يقول: لو أني أكون كما أكون في حال من أحوال ثلاثة لكنت من أهل الجنة، وما شككت في ذلك، حين أقرأ القرآن وحين أسمعه؛ وإذا سمعت خطبة رسول الله ﷺ ؛ وإذا شهدت جنازة، فما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي بسوى ما هو مفعول بها وما هي صائرة إليه. وعن أسيد بن حضير وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن قال: قرأت ليلة سورة البقرة، وفرس لي مربوط، ويحيى ابني مضطجع قريب مني وهو غلام، فجالت الفرس فوقفت وليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس فوقفت وليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس فرفعت رأسي فإذا شيء كهيئة الظلة فيها مثل المصابيح مقبل من السماء، فهالني، فسكت؛ فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: " اقرأ أبا يحيى " فقلت: قد قرأت فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني فقال: اقرأ يا ابن حضير " فقلت قد قرأت فرفعت رأسي فإذا كهيئة الظلة فيها المصابيح فهالني؛ فقال: " تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم ".

стр. 1455

عن أبي قتادة، قال: انتهينا إليهم يعني بني قريظة فلما رأونا أيقنوا بالشر، وغرز علي الراية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله ﷺ وأزواجه؛ قال أبو قتادة: وسكتنا، وقلنا: السيف بيننا وبينكم؛ وطلع رسول الله ﷺ ، فلما رآه علي رجع إلى رسول الله ﷺ وأمرني ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله ﷺ أذاهم وشتمهم، فسار رسول الله ﷺ إليهم، وتقدمه أسيد بن حضير فقال: يا أعداء الله، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعاً، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في حجر؛ قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليك دون الخزرج؛ وخاروا؛ فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إل. وعن بشر بن يسار أن أسيد بن الحضير كان يؤم قومه، واشتكى، فصلى بهم قاعداً، فصلوا وراءه قعوداً. وعن عروة أن أسيد بن حضير مات وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه؛ فقال عمر: أترك بني أخي عالة! فرد الأرض وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم. توفي سنة عشرين وصلى عليه عمر، ودفن بالبقيع. أُسيد ويقال أَسيد شيخ من بني كلاب، من أصحاب مكحول. حدث بدمشق عن العلاء بن الزبير الكلابي، عن أبيه، قال: رأيت غلبة فارس

стр. 1456

الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة. أَسيد بن عبد الرحمن الخثعمي الفلسطيني سمع وأسمع؛ واجتاز بناحية دمشق في مضيه إلى دابق روى عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم، أحدثك حديثاً جيداً؛ تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؛ قال: " نعم، قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ". وعن فروة بن مجاهد النخعي، عن عقبة بن عامر الجمحي، قال: لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: " يا عقبة، صل من قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك ". قال: ثم لقيت رسول الله ﷺ فقال: " يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك سوراً ما أنزل الله في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلهن؟ لا يأتي عليك ليلة إلا قرأتهن فيها: " قل هو الله أحد " و" قل أعوذ برب الفلق " و" قل أعوذ برب الناس ". قال عقبة: فما أتت علي ليلة منذ أمرني بهن رسول الله ﷺ إلا قرأتهن، وحق لي ألا أدعهن وقد أمرني بهن رسول الله ﷺ . وروى عن العلاء بن زياد، قال: إنكم في زمان أقلكم الذي ذهب عشر دينه، وسيأتي زمان أقلكم الذي يبقى عشر دينه. قال يعقوب بن سفيان: شامي ثقة. وعن ضمرة قال: توفي بالرملة سنة أربع وأربعين ومئة، قال: ورأيته يصفر لحيته

стр. 1457

أشجع بن عمرو أبو الوليد، وقيل: أبو عمرو، السلمي شاعر من ولد الشريد بن مطرود، مشهور، ولد باليمامة، ونشأ بالبصرة، وتأدب بها وقال الشعر، ثم قصد الرشيد بالرقة، وامتدحه، ومدح البرامكة، واختص بجعفر بن يحيى، وخرج معه إلى دمشق حين ندبه الرشيد للإصلاح بين أهلها. عن داود بن مهلهل، قال: لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام، نزل في مضربه، وأمر بإطعام الناس فقام أشجع فأنشده: من الكامل فئتان باغية وطاغية ... جلت أمورهما عن الخطب قد جاءكم بالخيل شازبة ... ينقلن نحوكم رحى الحرب لم يبق إلا أن تدور بكم ... قد قام هاديها على القطب قال: فأمر له بصلة ليست بالسنية، وقال له: دائم القليل خير من منقطع الكثير؛ فقال له: ونزر الوزير أكثر من جزيل غيره؛ فأمر له بمثلها. قال: وكان جعفر يجري عليه في كل جمعة مئة دينار مدة مقامه ببابه. حدث أشجع السلمي، قال: أذن لنا المهدي وللشعراء في الدخول عليه، فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس إلى جنبي بشار، وسكت المهدي وسكت الناس، فسمع بشار حساً، فقال لي: يا أشجع، من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية؛ قال: فقال لي: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسب سيفعل. قال: فأمره المهدي أن ينشد، فأنشد: من المتقارب

стр. 1458

ألا ما لسيدتي مالها ... أدلاً فأحمل إدلالها قال: فنخسني بمرفقه فقال: ويحك، رأيت أجسر من هذا، ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع؟ حتى بلغ إلى هذا الموضع: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزت الأرض أثقالها ولو لم تطعه بنات النفو ... س لما قبل الله أعمالها قال: فقال بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فرشه؟ قال: لا: والله ما انصرف أحد من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية. وعن أحمد بن سيار الجرجاني وكان شاعراً راوية مداحاً ليزيد بن مزيد قال: دخلت أنا وأبو محمد التيمي، وأشجع بن عمرو، وابن رزين الخزاعي، على الرشيد بالقصر الأبيض بالرقة، وكان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فتخللنا الدم حتى وصلنا إليه، فتقدم التيمي فأنشده أرجوزة يذكر فيها نقفور ووقعة الرشيد بالروم، فنثر عليه الدر من جودة شعره؛ ونشده أشجع: من الكامل قصر عليه تحية وسلام ... ألقت عليها جمالها الأيام قصر سقوف المزن دون سقوفه ... فيه لأعلام الهدى أعلام يثني على أيامك الإسلام ... والشاهدان: الحل والإحرام وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام القصيدة، قال: وأنشده: من الكامل زمن بأعلى الرقتين قصير

стр. 1459

يقول فيها لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا ... خضل وإذ غصن الشباب نضير قال: فأعجب بها، وبعث إلي الفضل بن الربيع ليلاً، فقال: أني أشتهي أن أنشد قصيدتك الجواري، فابعث بها إلي؛ فبعث بها إليه. قال أبو العباس: وركب الرشيد يوماً في قبة، وسعيد بن سالم عديله، فدعا محمداً الرواية يعرف بالبيذق لقصره وكان إنشاده أشد طرباً من الغناء، فقال له: أنشدني قصيدة الجرجاني التي مدحني بها، فأنشده؛ فقال الرشيد: الشعر في ربيعة سائر اليوم؛ فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، أستنشده قصيدة أشجع التي مدحك بها: الشعر في ربيعة سائر اليوم فهم يزل به سعيد حتى استنشده، فأنشده فلما بلغ قوله: وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام فقال له سعيد: والله لو خرس يا أمير المؤمنين بعد هذين البيتين كان أشعر الناس. قال الصولي: من أجمع ما في هذا المعنى وأحسنه، ما قاله أشجع السلمي لعثمان بن نهيك، حدثني به يحيى بن البحتري، عن أبيه، في خبر لأبيه مع الفتح: من الخفيف كم تغضبت بالجهالة مني ... بعد ملك الرضا على عثمان ملك يا عمر الخليقة تطري ... هـ بكل المديح كل لسان وإذا جئته تبين لك الإك ... رام منه في أوجه الغلمان فامتحنت الأيام جهدي حتى ... ردني صاغراً إليه امتحاني وأراني زماني الغض من جدوا ... هـ ادعاء السرور خير زمان فتلقى بالفضل سيء فعلي ... وذنوبي بالعفو والإحسان وعن مساور بن لاحق وكان أحد الكتاب الحذاق قال: اعتل يحيى بن خالد

стр. 1460

ثم صلح، فدخل إليه الناس يهنئونه بالعافية فدخل عليه أشجع السلمي فأنشده: من الوافر لقد قرعت شكاة أبي علي ... صفاة معاشر كانوا صحاحا فإن يدفع لنا الرحمن عنه ... صروف الدهر والأجل المتاحا فقد أمسى صلاح أبي علي ... لأهل الأرض كلهم صلاحا إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالي الموت حيث غدا وراحا وكتب أشجع بن عمرو السلمي إلى الرشيد في يوم عيد: من البسيط لا زلت تنشر أعياداً وتطويها ... تمضي بهالك أيام وتثنيها مستقبلاً جدة الدنيا وبهجتها ... أيامها لك نظم في لياليها والعيد والعيد والأيام بينهما ... موصولة لك لا تفني وتفنيها ولا تقضت بك الدنيا ولا برحت ... يطوي لك الدهر أياماً وتطويها وله يمدح جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي: من المتقارب أتصبر يا قلب أم تجزع ... فإن الديار غداً بلقع غدا يتفرق أهل الهوى ... ويكثر باك ومسترجع وتختلف الدار بالظاعني ... ن وجوهاً تشذ ولا تجمع وتمضي الطلول ويبقى الهوى ... ويصنع ذو الشوق ما يصنع فها أنت تبكي وهم جيرة ... فكيف يكون إذا ودعوا وراحت بهم أو غدت أينق ... تخب على الأين أو توضع أيطمع في العيش بعد الفرا ... ق محب لعمرك ما يطمع هنالك يقطع من يشتهي ال ... وصال ويوصل من يقطع لعمري لقد قلت يوم الفرا ... ق وأسمعت صوتك من يسمع فما عروا حين ناديتهم ... وقد قتلوك وما ودعوا

стр. 1461

فإن تصبح الأرض عريانة ... يهب بها الشمال الزعزع فقد كان ساكنها ناعماً ... له محضر وله مربع ومغترب ينقضي ليله ... هموماً ومقلته تهمع يؤرقه ما به من الفؤا ... د فما يستقر به مضجع ألا إن بالغور له حاجة ... تؤرق عيني فما تهجع إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلب فيه فتى موجع يجاذبه بالحجاز الهوى ... إذا اشتملت فوقه الأضلع ولا يستطيع الفتى ستره ... إذا جعلت عينه تدمع لقد زادني طرباً بالفرا ... ق بوارق غورية تلمع إذا قلت: قد هدأت عارضت ... بأبيض ذي رونق يسطع ودوية بين أقطارها ... مفاوز أرضين لا تقطع تضل القطا بين أرجائها ... إذا ما تسدي الفتى المصقع تخطيتها بين عيرانة ... من الريح في مرها أسرع إلى جعفر نزعت همتي ... فأي فتى نحوه تنزع إذا وضعت رحلها عنده ... تضمنها البلد الممرع وما لامرئ دونه مطلب ... وما لامرئ دونه مقنع رأيت الملوك تغض الجفو ... ن إذا ما بدا الملك الأتلع يفوت الرجال بحسن القوا ... م ويقصر عن شأوه المسرع إذا رفعت كفه معسراً ... أبي الفضل والعز أن يوضعوا فما يرفع الناس من حطه ... ولا يضع الناس من يرفع يريد الملوك مدى جعفر ... وهم يجمعون ولا يجمع وكيف ينالون غاياته ... وما يصنعون كما يصنع؟ وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع هو الملك المرتجى ألذي ... يضيق بأمثالها الأذرع يلوذ الملوك بأركانه ... إذا نابها الحدث المفظع بديهته مثل تفكيره ... إذا رمته فهو مستجمع

стр. 1462

إذا هم بالأمر لم يثنه ... هجوع ولا شادن أفرع فللجود في كفه مطلب ... وللسر في صدره موضع شديد العقاب على عفوه ... إذا السوء ضمنه الأخدع وكم قائل إذ رأى همتي ... وما في فضول الغنى أصنع غدا في ظلال ندى جعفر ... يجر ثياب الغنى أشجع كأن أبا الفضل بدر الدجى ... لعشر خلت بعدها أربع لفرقته التأمت بابل ... وأشرق إذ أمه المطلع فقل لخراسان تغشى الطري ... ق فقد جاءها الحكم المقنع ولا تركب الميل عند امرئٍ ... فتصرف عن عب ما تصنع فقد حبرت يا بن يحيى البلاد ... وكل إلى ملكه أنزع وله: من الخفيف أنت في غمرة المارة أعمى ... فإذا ما انجلت فأنت بصير لا تقولن ليتني كنت قدم ... ت جميلاً وقد طوتك الأمور وله: من الهزج هي الشمس التي تطل ... ع بين الثغر والعقد كأن الشمس لما ط ... لعت في ثوبها الوردي تباهي الغرة البيضا ... ء تحت الشعر الجعد أشعث بن عمر ويقال: ابن عمرو ويقال: ابن عثمان التميمي الحنظلي البصري قدم على عمر بن عبد العزيز، وروى عنه قوله. روى أنه أتى عمر بن عبد العزيز بالشام حين استخلف؛ قال: فكلمته، قلت:

стр. 1463

اسقني سقاك الله؛ قال: أين؟ قلت: بالخرنق؛ قال: وما الخرنق؟ قلت: غائط بالشجي لا يطأه طريق؛ قال: لك الويل، ما تصنع بغائط لا يطأه طريق؟ قلت: أنا رجل صاحب سائمة أريد الفلاة؛ قال: بنى بالغائط أحد قبلك أثراً؟ قلت: نعم، حفر عبد الله بن عامر بها ركية؛ قال: كم صوبها؟ قلت: خمسون ذراعاً أو خمسون قامة؛ قال: كم هي من البصرة؟ قلت: مسيرة ثلاث ليال. فكتب إلى عدي بن أرطاة: أتاني رجل من بني تميم فاستحفرني بالخرنق وزعم أنها منك مسيرة ثلاث ليال فإذا أتاك فأحفره وأحفر من جاءك من أسود وأبيض، واشترط: ابن السبيل أول ريان، وأن حريمها طول رشائها. أشعث بن قيس أبو محمد الكندي له صحبة، روى عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وشهد اليرموك، وأصيبت عينه به، وسكن الكوفة، وشهد الحكمين بدومة الجندل. عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: من حلف على يمين يستحق بها مالاً، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنزل الله تصديق ذلك: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ". فقال أشعث بن قيس: في نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة، فاختصمنا إلى

стр. 1464

رسول الله ﷺ فقال: " شاهداك أو يمينه " فقلت: إنه يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين يستحق بها مالاً، وهو فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان ". فأنزل الله تصديق ذلك؛ ثم قرأ هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً " إلى آخر الآية. قال خليفة بن خياط: الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن ثور، وهو كندة بن عفير؛ أمه كبشة بنت يزيد من ولد الحارث بن عمرو بن معاوية؛ يكنى أبا محمد؛ مات في آخر سنة أربعين بعد قتل علي ﵇ قليلاً. وقال ابن سعد: وكان اسم الأشعث معدي كرب، وكان أبداً أشعث الرأس، فسمي الأشعث؛ ووفد الأشعث بن قيس على النبي ﷺ في سبعين رجلاً من كندة، وكل اسم في كندة وفد بوفادته إلى النبي ﷺ مع الأشعث. وقال أبو بكر الخطيب: ويعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة، وله عن النبي ﷺ رواية، وقد شهد مع سعد بن أبي وقاص قتال الفرس بالعراق، وكان على راية كندة يوم صفين مع علي بن أبي طالب، وحضر قتال الخوارج بالنهروان، وورد المدائن ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات في الوقت الذي صالح فيه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليه الحسن. قال القحذمي: تزوج قيس بن معدي كرب بنت الحارث بن عمرو آكل المرار، فولدت له الأشعث بن قيس، فقال أبو هانئ الكندي: من الوافر بنات الحارث الملك بن عمرو ... تخيرها فتنكح في ذراها لها الويلات إذ أنكحتموها ... ألا طعنت بمديتها حشاها وقد نبئتها ولدت غلاماً ... فلا عاش الغلام ولا هناها فأجابه أبو قساس الكندي: من الوافر

стр. 1465

ألا أبلغ لديك أبا هني ... ألا تنهى لسانك عن رداها فقد طالبت هذا قبل قيس ... لتنحكها فلم تك من هواها فطافت في المناهل تبتغيها ... فلاقت منهلاً عذباً شفاها شديد الساعدين أخا حروب ... إذا ما سيل منقصة أباها وما أحيت مطيته إليها ... ولا من فوق ذروتها أتاها قال القحذمي: وآل الأشعث ينشدون هذا الشعر ولا ينكرونه؛ قال: والأشراف لا يبالون أن يكون أخوالهم أشرف من أعمامهم. قال القاضي المعافى بن زكريا الجريري: قوله في هذا الشعر: ألا تنهى لسانك عن رداها؛ أنث اللسان، وذكر أهل العلم بالعربية أن العرب تذكر اللسان وتؤنثه؛ وقيل: من أنثه أراد به اللغة والرسالة، كقول الشاعر: من البسيط إذا أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر وعن الزهري، قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ﷺ في بضعة عشر راكباً من كندة، فدخلوا على النبي ﷺ مسجده، وقد رجلوا جممهم واكتحلوا، وعليهم جباب الحبرة قد كفوها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فقال لهم رسول الله ﷺ : " ألم تسلموا؟ " قالوا: بلى؛ قال: " فما بال هذا عليكم؟ " فألقوه، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشر أواق عشر أواق، وأعطى الأشعث اثنتي عشرة أوقية. عن خيثمة، قال: بشر الأشعث بن قيس بغلام وهو عند النبي ﷺ فقال: أما والله لوددت أن لكم به قصعة من خبز ولحم! فقال رسول الله ﷺ : " لئن قلت ذاك إنها لمحزنة مجبنة، وإنها لثمرة القلوب وقرة العين ". عن ابن إسحاق، قال: وكان من حديث كندة حين ارتدت، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1466

كان بعث إليهم رجلاً من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد، وكان عقبيا بدرياً، أميراً على حضرموت، فكان فيهم حياة رسول الله ﷺ يطيعونه ويؤدون إليه صدقاتهم لا ينازعونه، فلما توفي رسول الله ﷺ وبلغهم انتقاض من انتقض من العرب ارتدوا وانتقضوا بزياد بن لبيد. وكان سبب انتقاضهم به أن زياداً أخذ فيما يأخذ من الصدقة قلوصاً لغلام من كندة، وكانت كوماء خيار إبله، فلما أخذها زياد فعقلها في إبل الصدقة ووسمها جزع الغلام من ذلك فخرج يصيح إلى حارثة بن سراقة بن معدي كرب، فقال: أخذت الفلانية في إبل الصدقة فأنشدك الله والرحم فإنها أكرم إبلي علي، فخرج معه حارثة حتى أتى زياداً فطلب إليه أن يردها عليه ويأخذ مكانها بعيراً، فأبى عليه زياد، وكان رجلاً صلباً مسلماً، وخشي أن يروا ذلك منه ضعفاً وخوراً للحديث الذي كان، فقال: ما كنت لأردها وقد وسمتها في إبل الصدقة، ووقع عليها حق الله ؛ فراجعه حارثة فأبى، فلما رأى ذلك حارثة قام إلى القلوص فحل عقالها ثم ضرب وجهها، فقال: دونك وقلوصك لصاحبها وهو يرتجز ويقول: من الرجز يمنعها شيخ بخديه الشيب ... قد لمع الوجه كتلميع الثوب اليوم لا أخلط بالعلم الريب ... وليس في منعي حريمي من عيب وقال حارثة بن سراقة الكندي: من الطويل أطعنا رسول الله ما دام وسطنا ... فيال عباد الله ما لأبي بكر أيأخذها قسراً ولا عهد عنده ... يملكه فينا وفيكم عرى الأمر فلم يك يهديها إليه بلا هدى ... وقد مات مولاها النبي ولا عذر فنحن بأن نختارها وفصالها ... أحق وأولى بالإمارة في الدهر إذا لم يكن من ربنا أو نبينا ... فذو الوفد أولى بالقضية في الوفر أيجري على أموالنا الناس حكمهم ... بغير رضى إلا التسنم بالقسر

стр. 1467

بغير رضى منا ونحن جماعة ... شهوداً كأنا غائبين عن الأمر فتلك إذا كانت من الله زلفة ... ومن غيره إحدى القواصم للظهر فأجابه زياد بن لبيد: من الطويل سيعلم أقوام أطاعوا نبيهم ... بأن عدي القوم ليس بذي قدر أذاعت عن القوم الأصاغر لعنةٌ ... قلوب رجال في الحلوق من الصدر ودنوا لعقباه إذا هي صرمت ... هواديه الأولى على حين لا عذر فإن عصا الإسلام قد رضيت به ... جماعته الأولى برأي أبي بكر فإن كنتم منهم فطوعاً لأمره ... وإلا فأنتم من مخافته صعر فنحن لكم حتى نقيم صعوركم ... بأسيافنا الأولى وبالذيل السمر رويدكم إن السيوف التي بها ... ضربناكم بدءاً بأيماننا تبري أبعد التي بالأمس كنتم غويتم ... لها يبغون الغي من فرط الصغر وكان لهم في غير أسود عبرة ... وناهية عن مثلها آخر الدهر تلعب فيكم بالنساء ابن عبه ... وبالقوم حتى نالهن بلا مهر فإن تسلموا فالسلم خير بقية ... وإن تكفروا تستوبلوا غبة الكفر فتفرقت الناس عند ذلك طائفتين، فصارت طائفة مع حارثة بن سراقة قد ارتدوا عن الإسلام، وطائفة مع زياد بن لبيد؛ فلما رأى ذلك زياد قال لهم: نقضتم العهد وكفرتم، فأحللتم بأنفسكم واغتنمتم أولاها بعد عقباها؟ فقال حارثة: أما عهد بيننا وبين صاحبك هذا الأحدث فقد نقضناها، وإن أبيت إلا الأخرى أصبتنا على رجل، فاقض ما أنت قاض. فتنحى زياد فيمن اتبعه من كندة وغيرهم قريباً، وكتب إلى المهاجر أن يمده، وأخبره خبر القوم؛ فخرج المهاجر إليه، وسمع الأشعث بن قيس صارخاً من أعلى حصنهم في شطر من الليل: من الرجز عشيرة تملك بالعشيرة ... في حائط يجمعها كالصيرة والمسلمون كالليوث الزيرة ... فيها أمير من بني المغيرة

стр. 1468

فلما سمع الأشعث الصارخ إلى ما قد رأى من اختلاف أصحابه بادرهم فخرج من تحت ليل حتى أتى المهاجر وزياداً فسألهما أن يؤمناه على دمه وماله حتى يبلغاه أبا بكر فيرى فيه رأيه، ويفتح لهم باب الحصن، ففعلا، ويفتح لهم باب الحصن فيدخل المسلمون على أهل الحصن فاستنزلوهم فضربوا أعناقهم، واستاقوا أموالهم، واستبوا نساءهم، وكتبوا إلى أبي بكر بذلك، واستوثقوا من الأشعث حتى بعثوا به إلى أبي بكر في الحديد موثقاً، فقال له أبو بكر: كيف ترى صنيع الله بمن نقض عهده؟ فقال الأشعث: أرى أنه قد أخطأ حظه ونفس جده؛ فقال له أبو بكر: فما تأمرني فيك؟ قال: آمرك أن تمن علي فتفكني من الحديد، وتزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة؛ ففعل أبو بكر. فقال الأشعث حين زوجه أبو بكر: من الطويل لعمري وما عمري علي بهينٍ ... لقد كنت بالإخوان جد ضنين أحاذر أن تضرب هناك رؤوسهم ... وما الدهر عندي بعدها بأمين فليت جنون الناس تحت جنونهم ... ولم ترم أنثى بعدهم بجنين وكنت كذاب البو أنحت وأقبلت ... عليه بقلب والهٍ وحنين فأجابه مسلم بن صبيح السكوني: من الطويل جزى الأشعث الكندي بالغدر ربه ... جزاء مليم في الأمور ظنين أخا فجرة لا تستقال وغدرة ... لها أخوات مثلها ستكون فلا تأمنوه بعد غدرته بكم ... على مثلها فالمرء غير أمين وليس امرؤ باع الحياة بقومه ... أخا ثقةٍ أن يرتجى ويكون هدمت الذي قد كان قيس يشيده ... ويرضى من الأفعال ما هو دون وألبستنا ثوب المسبة بعدها ... فلا زلت محبوساً بمنزل هون أرى الأشعث الكندي أصبح بعدها ... هجيناً بها من دون كل هجين سيهلك مذموماً ويورث سبةً ... يبيت بها في الناس ذات قرون

стр. 1469

وفي رواية ابن سعد: كان رسول الله ﷺ قد استعمل زياد بن لبيد على حضرموت، وقال له: " سر مع هؤلاء القوم يعني وفد كندة فقد استعملتك عليهم " فسار زياد معهم عاملاً لرسول الله ﷺ على حضرموت على صدقاتهم، الثمار والخف والماشية والكراع والعشور، وكتب له كتاباً، فكان لا يعدوه إلى غيره ولا يقبض دونه؛ فلما قبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر، كتب إلى زياد يقره على عمله ويأمره أن يبايع من قبله، ومن أبي وطئه بالسيف، ويستعين بمن أقبل على من أدبر، وبعث بكتابه إليه مع أبي هند البياضي، فلما أصبح زياد غدا بنعي رسول الله ﷺ إلى الناس وأخذهم بالبيعة لأبي بكر وبالصدقة؛ فامتنع قوم من أن يعطوا الصدقة، وقال الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس فما أنا إلا كائدهم؛ ونكص عن التقدم إلى البيعة، فقال له امرؤ القيس بن عابس الكندي: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتك على رسول الله ﷺ وإسلامك أن تنقضه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك وأبق على نفسك، فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا فأبى الأشعث وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت تعبد، ونحن أقصى العرب داراً من أبي بكر، أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ فقال امرؤ القيس: إي والله، وأخرى: لا يدعك عامل رسول الله ﷺ ترجع إلى الكفر؛ فقال الأشعث: من؟ قال: زياد بن لبيد؛ فتضاحك الأشعث وقال: أما يرضى زياد أن أجيره! فقال امرؤ القيس: سترى. ثم قام الأشعث فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر ما أظهر من الكلام القبيح من غير أن ينطق بالردة؛ ووقف يتربص وقال: تقف أموالنا بأيدينا ولا ندفعها ونكون من آخر الناس. قال: وبايع زياد لأبي بكر بعد الظهر إلى أن قامت صلاة العصر، فصلى بالناس العصر ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان يفعل قبل ذلك، وهو أقوى ما كان نفساً وأشده لساناً، فمنعه حارثة بن سراقة بن معدي كرب العبدي أن يصدق غلاماً

стр. 1470

منهم، وقام يحل عقال البكرة التي أخذت في الصدقة وجعل يقول: من الرجز يمنعها شيخ بخديه الشيب ... ملمع كما يلمع الثوب ماض على الريب إذا كان الريب فنهض زياد بن لبيد وصاح بأصحابه المسلمين، ودعاهم إلى النصرة لله ولكتابه، فانحازت طائفة من المسلمين إلى زياد، وجعل من ارتد ينحاز إلى حارثة، وكان زياد يقاتلهم النهار إلى الليل، فقاتلهم أياماً كثيرة، وضوى إلى الأشعث بن قيس بشر كثير، فتحصن بمن معه ممن هو على مثل رأيه، فحاصرهم زياد بن لبيد، وقذف الله الرعب في أيديهم، وجهدهم الحصار فقال الأشعث بن قيس: إلى متى نقيم في هذا الحصن قد غرثنا فيه وغرث عيالنا، وهذه البعوث تقدم عليكم ما لا قبل لنا به، والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، ويؤخذ من قبة الرجل كما يصنع بالذرية؛ قالوا: وهل لنا قوة بالقوم، ارتأ لنا، فأنت سيدنا؛ قال: أنزل وآخذ لكم أماناً تأمنون به، قبل أن تدخل عليكم هذه الأمداد، ما لا قبل لنا به ولا يدان. قال: فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث؛ افعل فخذ لنا الأمان، فإنه ليس أحد أحرى أن يقدر على ما قبل زياد منك؛ فأرسل الأشعث إلى زياد: أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال زياد: نعم؛ فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد، فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، ولي قرابة ورحم، وإن وكلتني إلى صاحبك قتلني يعني المهاجر بن أبي أمية وإن أبا بكر يكره قتل مثلي، وقد جاءك كتاب أبي بكر ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، وإنما أطلب منك الأمان على أهلي ومالي؛ فقال زياد بن لبيد: لا أؤمنك أبداً على دمك وأنت كنت رأس الردة والذي نقض علينا كندة؛ فقال: أيها الرجل دع عنك ما مضى، واستقبل الأمور إذا أقبلت عليك، فتؤمن على دمي وأهلي ومالي حتى أقدم على أبي بكر فيرى في رأيه؛ فقال زياد: وماذا؟ قال: وأفتح لك النجير؛ فأمنه زياد على أهله ودمه وماله، وعلى أن يقدم به على أبي بكر فيرى فيه رأيه ويفتح له النجير.

стр. 1471

قال محمد بن عمر الواقدي: وهذا أثبت عند أصحابنا من غيره. قال أبو مغيث: كنت فيمن حضر أهل النجير، فصالح الأشعث زياداً على أن يؤمن من أهل النجير سبعين رجلاً ففعل، فنزل سبعون ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحداً وسبعين؛ فقال له زياد: أقتلك، لم يبق لك أمان؛ فقال الأشعث: تؤمنني على أن أقدم على أبي بكر فيرى في رأيه، فأمنه على ذلك. وعن مصعب بن عبد الله قال: أمن زياد بن لبيد الأشعث بن قيس على أن يبعث به وبأهله وماله إلى أبي بكر فيحكم فيه بما يرى؛ وفتح له النجير، فأخرجوا المقاتلة وهم كثير، فعمد زياد إلى أشرافهم سبعمئة رجل فضرب أعناقهم على دم واحد؛ ولام القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا الأشعث وأخذ الأمان لنفسه وماله وأهله ولم يأخذه لنا جميعاً، فنزلنا ونحن آمنون فقتلنا؛ فقال زياد: ما آمنتكم؛ قالوا: صدقت، خدعنا الأشعث. وعن عبد الرحمن بن الحويرث قال: رأيت الأشعث بن قيس يوم قدم به المدينة في حديد مجموعة يداه إلى عنقه، بعث به زياد بن لبيد والمهاجرين أبي أمية إلى أبي بكر، وكتبا إليه: إنا لم نؤمنه إلا على حكمك، وقد بعثنا به في وثاق وبأهله وماله الذي خف حمله، فترى في ذلك رأيك. قال: وتولى نهيك بن أوس بالسبي في دار ملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن قيس؛ فجعل يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ ما كفرت بعد إسلامي ولكن شححت على مالي؛ فقال أبو بكر: ألست الذي تقول: قد رجعت العرب إلى ما كانت تعبد، وأبو بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب داراً، فرد عليك من هو خير منك فقال: لا يدعك عامله ترجع إلى الكفر؛ فقلت: من؟ فقال: زياد بن لبيد؛ فتضاحكت، فيكيف وجدت زياداً؟ أذكرت به أمه؟ فقال الأشعث: نعم كل الإذكار؛ ثم قال الأشعث: أيها الرجل أطلق إساري واستبقني لحربك، وزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فإني قد تبت مما صنعت، ورجعت إلى ما خرجت منه من منعي الصدقة.

стр. 1472

فزوجه أبو بكر أم فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة مقيماً حتى كانت ولاية عمر بن الخطاب وندب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث بن قيس مع سعد بن أبي وقاص فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختلط بالكوفة حين اختط المسلمون، وبنى بها داراً في بني كندة، ونزلها إلى أن مات بها، وولده بها إلى اليوم. وعن قيس بن أبي خازم قال: لما قدم بالأشعث بن قيس أسيراً على أبي بكر الصديق أطلق وثاقه وزوجه أخته، اخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلا عرقبه؛ وصاح الناس: كفر الأشعث. فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا شرواها. حدث أبو الصلت سليم الحضرمي، قال: شهدنا صفين، فإنا لعلى صفوفنا وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء، فأتانا فارس على برذون مقنعاً بالحديد، فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك؛ قال: فأين معاوية؟ قلنا: هو ذا؛ فأقبل حتى وقف ثم حسر عن رأسه فإذا هو أشعث بن قيس الكندي، رجل أصلع ليس في رأسه إلا شعرات فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ ؛ هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري؟ أم هبوا أنا قتلنا أهل الشام، فمن للبعوث والذراري؟ الله الله، فإن الله يقول: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: نريد أن تخلوا بيننا وبين الماء، فوالله لتخلن بيننا وبين الماء أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه؛ فقال معاوية لأبي الأعور وعمرو بن سفيان: يا أبا عبد الله خل بين إخواننا وبين الماء؛ فقال أبو الأعور لمعاوية: كلا والله، لا نخل بينهم وبين الماء، يا أهل الشام دونكم عقيدة الله، فإن الله قد أمكنكم منهم؛ فعزم عليه معاوية حتى خلوا بينهم وبين الماء فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلاً

стр. 1473

حتى كان الصلح بينهم، ثم انصرف معاوية إلى الشام بأهل الشام، وعلي إلى العراق بأهل العراق. عن أبي إسحاق، قال: صليت الفجر في مسجد الأشعث، أطلب غريماً لي، فلما صلى الإمام وضع رجل بين يدي حلة ونعلاً، فقلت: إني لست من أهل هذا المسجد، فقال: ابن قيس قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعل. وعن ميمون بن مهران، قال: أول من مشت معه الرجال وهو راكب الأشعث بن قيس، وكان المهاجرون إذا رأوا الدهقان راكباً والرجال يمشون، قالوا: قاتله الله جباراً. وقال الأصمعي: أول من دفن في منزله، وصلى عليه الحسن بن علي وكانت ابنة الأشعث تحته قال: وأول من مشي بين يديه وخلفه بالأعمدة، الأشعث بن قيس. عن حكيم بن جابر، قال: لما توفي الأشعث بن قيس وكانت ابنته تحت الحسن بن علي قال الحسن: إذا غسلتموه فلا تهيجوه حتى تؤذنوني، فآذنوه، فجاء فوضأه بالحنوط وضوءاً. قال خليفة بن خياط: مات في آخر سنة أربعين بعد علي قليلاً. أشعث بن محمد بن الأشعث أبو النعمان الفارسي ويعرف: بابن أبي صرة حدث بأطرابلس. روى عن موسى بن عيسى، بسنده عن عبد الله بن الصامت، قال: سألت أبا ذر: ما يقطع الصلاة؟ قال: المرأة، والحمار، والكلب الأسود؛ قلت: ما بال الأسود من الأبيض من الأصفر؟ قال: يا ابن أخ سألت رسول الله ﷺ عما سألتني عنه، فقال: " الكلب الأسود شيطان " مرتين.

стр. 1474

أشعث بن يزيد من أهل دمشق. حدث بالكوفة عن أبي سلام الأسود. /

стр. 1475

أشعب بن جبير ويعرف بابن أم حميدة أبو العلاء، ويقال: أبو إسحاق المدني مولى عثمان بن عفان، ويقال: مولى سعيد بن العاص، ويقال: مولى فاطمة بنت الحسين، ويقال مولى عبد الله بن الزبير. حدث عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه مرة أو مرتين. وحدث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المحرم لا ينكح ولا ينكح ". حدث غياب بن إبراهيم قال: حدثني أشعب بن أم حميدة الذي يقال له الطامع: قال غياث: وإنما حملنا هذا الحديث عن أشعب أنه كان عليه، قال: أتيت سالم بن عبد الله أسأله، فانصرف علي من خوخة، قال لي: ويلك يا أشعب لا تسأل، فإن أبي حدثني عن رسول الله ﷺ قال: " ليجئن أقومٌ يوم القيامة ليس في وجوههم مزعة ". وحدث أشعب الطمع عن عكرمة بن ابن عباس أن النبي ﷺ لبى حتى رمى جمرة العقبة. وأشعب الطمع اسمه شعيب، ربته بنت عثمان وكفلته، وكفلت ابن أبي الزناد معه، وكان يقول: حدثني سالم بن عبد الله وكان يبغضني في الله ، فيقال: دع هذا عنك، فيقول: ليس للحق مترك.
следующие страницы →