Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
قال محمد بن عمر الواقدي: وهذا أثبت عند أصحابنا من غيره.
قال أبو مغيث:
كنت فيمن حضر أهل النجير، فصالح الأشعث زياداً على أن يؤمن من أهل النجير سبعين رجلاً ففعل، فنزل سبعون ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحداً وسبعين؛ فقال له زياد: أقتلك، لم يبق لك أمان؛ فقال الأشعث: تؤمنني على أن أقدم على أبي بكر فيرى في رأيه، فأمنه على ذلك.
وعن مصعب بن عبد الله قال: أمن زياد بن لبيد الأشعث بن قيس على أن يبعث به وبأهله وماله إلى أبي بكر فيحكم فيه بما يرى؛ وفتح له النجير، فأخرجوا المقاتلة وهم كثير، فعمد زياد إلى أشرافهم سبعمئة رجل فضرب أعناقهم على دم واحد؛ ولام القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا الأشعث وأخذ الأمان لنفسه وماله وأهله ولم يأخذه لنا جميعاً، فنزلنا ونحن آمنون فقتلنا؛ فقال زياد: ما آمنتكم؛ قالوا: صدقت، خدعنا الأشعث.
وعن عبد الرحمن بن الحويرث قال: رأيت الأشعث بن قيس يوم قدم به المدينة في حديد مجموعة يداه إلى عنقه، بعث به زياد بن لبيد والمهاجرين أبي أمية إلى أبي بكر، وكتبا إليه: إنا لم نؤمنه إلا على حكمك، وقد بعثنا به في وثاق وبأهله وماله الذي خف حمله، فترى في ذلك رأيك.
قال: وتولى نهيك بن أوس بالسبي في دار ملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن قيس؛ فجعل يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ ما كفرت بعد إسلامي ولكن شححت على مالي؛ فقال أبو بكر: ألست الذي تقول: قد رجعت العرب إلى ما كانت تعبد، وأبو بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب داراً، فرد عليك من هو خير منك فقال: لا يدعك عامله ترجع إلى الكفر؛ فقلت: من؟ فقال: زياد بن لبيد؛ فتضاحكت، فيكيف وجدت زياداً؟ أذكرت به أمه؟ فقال الأشعث: نعم كل الإذكار؛ ثم قال الأشعث: أيها الرجل أطلق إساري واستبقني لحربك، وزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فإني قد تبت مما صنعت، ورجعت إلى ما خرجت منه من منعي الصدقة.
стр. 1472
فزوجه أبو بكر أم فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة مقيماً حتى كانت ولاية عمر بن الخطاب وندب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث بن قيس مع سعد بن أبي وقاص فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختلط بالكوفة حين اختط المسلمون، وبنى بها داراً في بني كندة، ونزلها إلى أن مات بها، وولده بها إلى اليوم.
وعن قيس بن أبي خازم قال: لما قدم بالأشعث بن قيس أسيراً على أبي بكر الصديق أطلق وثاقه وزوجه أخته، اخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلا عرقبه؛ وصاح الناس: كفر الأشعث. فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا شرواها.
حدث أبو الصلت سليم الحضرمي، قال: شهدنا صفين، فإنا لعلى صفوفنا وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء، فأتانا فارس على برذون مقنعاً بالحديد، فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك؛ قال: فأين معاوية؟ قلنا: هو ذا؛ فأقبل حتى وقف ثم حسر عن رأسه فإذا هو أشعث بن قيس الكندي، رجل أصلع ليس في رأسه إلا شعرات فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ ؛ هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري؟ أم هبوا أنا قتلنا أهل الشام، فمن للبعوث والذراري؟ الله الله، فإن الله يقول: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: نريد أن تخلوا بيننا وبين الماء، فوالله لتخلن بيننا وبين الماء أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه؛ فقال معاوية لأبي الأعور وعمرو بن سفيان: يا أبا عبد الله خل بين إخواننا وبين الماء؛ فقال أبو الأعور لمعاوية: كلا والله، لا نخل بينهم وبين الماء، يا أهل الشام دونكم عقيدة الله، فإن الله قد أمكنكم منهم؛ فعزم عليه معاوية حتى خلوا بينهم وبين الماء فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلاً
стр. 1473
حتى كان الصلح بينهم، ثم انصرف معاوية إلى الشام بأهل الشام، وعلي إلى العراق بأهل العراق.
عن أبي إسحاق، قال: صليت الفجر في مسجد الأشعث، أطلب غريماً لي، فلما صلى الإمام وضع رجل بين يدي حلة ونعلاً، فقلت: إني لست من أهل هذا المسجد، فقال: ابن قيس قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعل.
وعن ميمون بن مهران، قال: أول من مشت معه الرجال وهو راكب الأشعث بن قيس، وكان المهاجرون إذا رأوا الدهقان راكباً والرجال يمشون، قالوا: قاتله الله جباراً.
وقال الأصمعي: أول من دفن في منزله، وصلى عليه الحسن بن علي وكانت ابنة الأشعث تحته قال: وأول من مشي بين يديه وخلفه بالأعمدة، الأشعث بن قيس.
عن حكيم بن جابر، قال: لما توفي الأشعث بن قيس وكانت ابنته تحت الحسن بن علي قال الحسن: إذا غسلتموه فلا تهيجوه حتى تؤذنوني، فآذنوه، فجاء فوضأه بالحنوط وضوءاً.
قال خليفة بن خياط: مات في آخر سنة أربعين بعد علي قليلاً.
أشعث بن محمد بن الأشعث
أبو النعمان الفارسي ويعرف: بابن أبي صرة حدث بأطرابلس.
روى عن موسى بن عيسى، بسنده عن عبد الله بن الصامت، قال: سألت أبا ذر: ما يقطع الصلاة؟ قال: المرأة، والحمار، والكلب الأسود؛ قلت: ما بال الأسود من الأبيض من الأصفر؟ قال: يا ابن أخ سألت رسول الله ﷺ عما سألتني عنه، فقال: " الكلب الأسود شيطان " مرتين.
стр. 1474
أشعث بن يزيد
من أهل دمشق.
حدث بالكوفة عن أبي سلام الأسود.
/
стр. 1475
أشعب بن جبير ويعرف بابن أم حميدة أبو العلاء، ويقال: أبو إسحاق المدني مولى عثمان بن عفان، ويقال: مولى سعيد بن العاص، ويقال: مولى فاطمة بنت الحسين، ويقال مولى عبد الله بن الزبير.
حدث عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه مرة أو مرتين.
وحدث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المحرم لا ينكح ولا ينكح ".
حدث غياب بن إبراهيم قال: حدثني أشعب بن أم حميدة الذي يقال له الطامع: قال غياث: وإنما حملنا هذا الحديث عن أشعب أنه كان عليه، قال: أتيت سالم بن عبد الله أسأله، فانصرف علي من خوخة، قال لي: ويلك يا أشعب لا تسأل، فإن أبي حدثني عن رسول الله ﷺ قال: " ليجئن أقومٌ يوم القيامة ليس في وجوههم مزعة ".
وحدث أشعب الطمع عن عكرمة بن ابن عباس أن النبي ﷺ لبى حتى رمى جمرة العقبة.
وأشعب الطمع اسمه شعيب، ربته بنت عثمان وكفلته، وكفلت ابن أبي الزناد معه، وكان يقول: حدثني سالم بن عبد الله وكان يبغضني في الله ، فيقال: دع هذا عنك، فيقول: ليس للحق مترك.
стр. 1476
وقولهم هو أطمع من أشعب: هو أشعب بن جبير من أهل المدينة، يضرب بملحه المثل.
قال الخطيب هذا وهو أشعب الطامع ليس بغيرة.
هو أشعب بن أم حميدة، يقال: حميدة، بضم الحاء وفتح الميم، ويقال بفتح الحاء وكسر الميم، ويقال: أن أمه جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق.
قال أبو الحسن: أشعب رجلان: أحدهما أشعب الطامع مولى عثمان وهو ابن أم حميدة، وأشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير.
وقال: يضرب بملحه المثل.
قال أبو بكر الخطيب: أشعب الطامع يقال: إن اسمه شعيب، وكنيته أبو العلاء، وهو أشعب بن أم حميدة، عمّر دهراً طويلاً، وأدرك زمن عثمان بن عفان، وله نوادر مأثورة، وأخبار مستطرفة، وكان من أهل مدينة سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو خال محمد بن عمر الواقدي.
حدث جعفر بن سليمان قال: وقدم أشعب بغداد أيام أبي جعفر فطاف به فتيان بني هاشم فغناهم، فإذا ألحانه طرية، وحلقه على حاله، وقال: أخذت الغناء عن معبد.
وقيل: اسم أبيه جبير، ويقال: أشعب بن جبير آخر ليس هو أشعب الطامع.
قال: والذي عندي أنه واحد، وقال ابن ماكولا أيضاً: هما واحد.
وقال الملحي بضم الميم وفتح اللام هو أشعب بن جبير الطامع.
قيل لأشعب: طلبت العلم، وجالست الناس، ثم تركت وأفضيت إلى المسألة! فلو
стр. 1477
جلست لنا وجلسنا إليك، فسمعنا منك.
فقال لهم: نعم، فوعدهم، فجلس لهم.
فقالوا له: حدثنا، فقال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خلتان لا يجتمعان في مؤمن ".
ثم سكت، فقالوا له: ما الخلتان؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة، ونسيت أنا الأخرى.
قال الأصمعي: قال أشعب: أنا أشأم الناس: ولدت يوم قتل عثمان، وختنت يوم قتل الحسين.
قال: وقال الشعبي: لقيت طويس الشؤم، فقلت: ما بلغ من شؤمك؟ قال: بلغ من شؤمي أني ولدت يوم قبض النبي ﷺ ، فلما فطمت مات أبو بكر، فلما راهقت قتل عمر، فلما دخلت الكتاب قتل عثمان، فلما تعلمت القرآن قتل علي، فلما أن تعلمت الشعر قتل الحسين.
فقلت: ما أظن بقي من شؤمك شيء، قال: بلى، بقي من شؤمي حتى أدفنك.
قال الشعبي: وأنا دفنته بحمد الله ومنه.
وقيل: إن أشعب كان خال الأصمعي.
قال مصعب الزبيري: خرج سالم بن عبد الله متنزهاً إلى ناحيةٍ من نواحي المدينة، هو وحرمه وجواريه، فبلغ أشعب الخبر فوافى الموضع الذي هم فيه، يريد التطفيل، فصادف الباب مغلقاً، فتسور الحائط، فقال له سالم: ويلك يا أشعب معي بناتي وحرمي، فقال: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد، فوجه إليه سالمٌ من الطعام ما أكل، وجمل إلى منزله.
حدث الأصمعي عن أشعب الطامع قال: دخلت على سالم بن عبد الله فقال لي: يا أشعب، حمل إلينا جفنةٌ من هريسة، وأنا صائم فاقعد فكل.
قال: فحملت على نفسي، فقال: لا تحمل على نفسك، ما يبقى يحمل معك.
قال: فلما رجعت إلى منزلي، قالت امرأتي: يا مشؤوم، بعث عبد الله بن عمر بن عثمان يطلبك، ولو ذهبت إليه لحباك، قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له: إنك مريض، قال: أحسنت، فآخذ قارورة دهن، وشيئاً من صفرة، فدخلت الحمام، ثم
стр. 1478
تمرخت به، ثم خرجت، فعصبت رأسي بعصابة، وأخذت قصبة، واتكأت عليها، فأتيته وهو في بيتٍ مظلم، فقال لي: أشعب؟ فقلت: نعم، جعلني الله فداك، ما رفعت جنبي من الأرض منذ شهرين.
قال: وسالم في البيت، وأنا لا أعلم، فقال لي سالم: ويحك يا أشعب.
قال: فقلت لسالم: نعم جعلني الله فداك، منذ شهرين ما رفعت ظهري من الأرض.
قال: فقال سالم: ويحك يا أشعب، قال: فقلت: نعم جعلني الله فداك، مريض منذ شهرين ما خرجت، قال: فغضب سالم وخرج، فقال لي عبد الله بن عمرو: ويحك يا أشعب، ما غضب خالي إلا من شيء؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك، غضب من أني أكلت عنده اليوم جفنةً من هريسة.
قال: فضحك عبد الله وجلساؤه، وأعطاني ووهب لي.
قال: فخرجت فإذا سالمٌ بالباب، فلما رآني، قال: ويحك يا أشعب، ألم تأكل عندي؟ قال: قلت: بلى، جعلت فداك.
قال: فقال سالم: والله لقد شككتني.
قال الشافعي: مر أشعب، فولع به الصبيان، فأراد أن يفرقهم عنه.
فقال: بمنزل فلانٍ الساعة يقسم الجوز، فأسرع الصبيان إلى المنزل الذي قال لهم، فلما رآهم مسرعين أسرع معهم.
قال أبو عاصم: أخذ بيدي أبن جريج، فأوقفني على أشعب الطامع، فقال له: حدثه على ما بلغ من طمعك.
قال: بلغ من طمعي أنه ما زفت امرأة بالمدينة إلا كنست بيتي رجاء أن تهدى إلي.
قال الهيثم بن عدي: مر أشعب الطماع برجلٍ وهو يتخذ طبقاً، فقال: اجعله واسعاً لعلهم يهدون إلينا فيه.
قال الضحاك بن مخلد: كنت يوماً أريد منزلي، فالتفت فإذا أشعب قدامي فقلت له: ما لك يا أشعب، قال: يا أبا عاصم، رأيت قلنسوتك قد مالت، فتبعتك، قلت: لعلها تسقط فآخذها، قال: فأخذتها عن رأسي فدعتها إليه، وقلت له: انصرف.
стр. 1479
قال أشعب الطامع: ما خرجت في جنازةٍ قط فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت أن الميت قد أوصى لي بشيء.
توفي أشعب الطامع سنة أربعٍ وخمسين ومائة.
أصبغ بن عمر
ويقال ابن عمرو ويقال ابن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن هبل الكلبي من أهل دومة الجندل، من أطراف أعمال دمشق.
أسلم على عهد النبي ﷺ ، على يد عبد الرحمن بن عوف.
حدث ابن عمر قال: دعا رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف فقال: " تجهز، فإني باعثك في سريةٍ من يومك هذا، لا أو من الغد. إن شاء الله. " قال ابن عمر: فسمعت ذلك، فقلت لأدخلنّ ولأصلينّ مع رسول الله ﷺ الغداة ولأسمعن وصية عبد الرحمن.
قال: فقعدت فصليت، فإذا أبو بكر وعمر وناسٌ من المهاجرين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله ﷺ قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن: " ما خلفك عن أصحابك؟ " قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه من سحر، وهم مغتدون بالجرف، وكانوا سبع مائة رجل قال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري.
قال: وعلى عبد الرحمن عمامةٌ قد لفها على رأسه.
فقال ابن عمر: فدعاه نبي الله ﷺ ، فأقعده بين يديه، فنقض، عمامته بيده، ثم عممه بعمامةٍ سوداء، فأرخى بين كتفيه منها ثم قال: " هكذا يا بن عوف ".
يعني: فاعتم، وعلى ابن عوف السيف متوشحه.
ثم قال
стр. 1480
رسول الله ﷺ : " اغز باسم الله وفي سبيل الله، قاتل من كفر بالله، لا تغلل ولا تغدر، ولا تقتل وليداً ".
قال: فخرج عبد الرحمن بن عوف حتى لحق أصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل.
فلما دخلها دعاهم إلى الإسلام، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم أن يعطوه إلا السيف.
فلما كان اليوم الثالث، أسلم أصبغٌ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسهم، وكتب عبد الرحمن إلى النبي ﷺ يخبره بذلك، وبعث رجلاً من جهينة يقال له رافع بن مكيث.
فكتب إلى رسول الله ﷺ أنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي ﷺ أن يتزوج ابنة الأصبغ تماضر.
فتزوجها عبد الرحمن.
وبنى بها، ثم أقبل بها، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
أصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي
حدث أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مر برجلٍ ممن يعمل في المسجد، فرآه الوليد وهو يبكي، فقال له: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلاً جمالاً، فلقيني يوماً رجلٌ فقال لي: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ فذكر موضعاً في البرية، قلت نعم، فلما حملته وسرنا بعض الطريق التفت إلي فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حيٌ أغنيتك، وإن مت قبل بلوغي إليه فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك، فإنّ ثم قصراً خراباً، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار، ثم عد سبع شرافات من القصر، واحفر تحت ظل السابع منها على قدر قامة، فإنه سيظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة فادخلها فإنك ترى في المغارة سريرين، على أحدهما رجلٌ ميت، فاجعلني على أحد السريرين ومدني عليه، وحمل جمالك هذه وحمارتك مالاً من المغارة وارجع إلى بلدك.
قال: فمات على الطريق، ففعلت ما أمرني به، وكان معي أربعة أجمال وحمارة، فأوسقتها كلها مالاً من المغارة، وسرت بعض الطريق، وكان معي مخلاة، فنسيت أملؤها من ذلك المال، وداخلني الشره، فقلت: لو رجعت فملأت هذه المخلاة أيضاً من المال، فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق، فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال، فدرت فلم أعرف.
فلما أيست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها، وجعلت أدور
стр. 1481
في البرية أياماً فلم أجد لها أثراً.
فلما يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة، ولم أحصل على شيء، واضطرني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين.
هو ذا أعمل كل يوم في التراب بدرهم.
فكالما ذكرت تلك الأموال والجمال والحمارة التي فرت مني لم أملك نفسي أن أبكي هذا البكاء الذي ترى.
فقال له الوليد بن عبد الملك: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئاً، وإلي صارت فبنيت بها هذا المسجد.
أغيبر مولى هشام بن عبد الملك
حدث قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول: ثلاثةٌ ليس من أمة محمد ﷺ : الجعدي، والمناني، والقدري.
قيل: هم أصحاب ماني الزنديق.
أفلح أبو كثير ويقال أبو عبد الرحمن
مولى أبي أيوب الأنصاري أدرك زمان عمر، ورأى عثمان وعبد الله بن سلام.
حدث عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ نزل عليه، فنزل رسول الله ﷺ أسفل، وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ذات ليلة، فقال: تمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ، فتحول، فباتوا في جانب، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " أسفل أرفق بي ".
فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفةً أنت تحتها، فتحول أبو أيوب في السفل والنبي ﷺ في العلو.
فكان يصنع طعام النبي ﷺ ، فيبعث إليه، فإذا رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ ، فيتبع أثر أصابع النبي ﷺ ، فيأكل من حيث أثر أصابعه.
فصنع ذات يومٍ طعاماً فيه ثوم، فأرسل به إليه، فسأل عن موضع أثر أصابع النبي ﷺ فقيل: لم يأكل، فصعد إليه
стр. 1482
فقال: أحرام؟ فقال النبي ﷺ : " أكرهه ".
قال: فإني أكره ما تكره أو قال: ما كرهته.
وكان النبي ﷺ يؤتى.
روى صالح بن كيسان أن خالد بن الوليد سار حتى نزل على عين التمر.
فقتل، وسبى، فكان في تلك السبايا أبو عمرة مولى بني شيبان، وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وعبيد مولى بلقين من الأنصار.
ثم من بني زريق، وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، ثم أحد بني مالك بن النجار، ويسار مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو جد محمد بن إسحاق.
وكان في خلافة أبي بكر الصديق، وقد قيل: إن أفلح كنيته أبو عبد الرحمن، وسمع من عمر.
وله دار بالمدينة.
وقتل يوم الحرة، في ذي الحجة سنة ثلاث وستين في خلافة يزيد بن معاوية.
وكان ثقة قليل الحديث.
حدث محمد بن سيرين أن أبا أيوب كاتب أفلح على أربعين ألفاً، فجعل الناس يهنئونه ويقولون: ليهنك العتق أبا كثير.
فلما رجع أبو أيوب أهله ندم على مكاتبته، فأرسل إليه فقال: إني أحب أن ترد الكتاب إلي وأن ترجع كما كنت، فقال له ولده وأهله: لم ترجع رقيقاً وقد أعتقك الله؟! فقال أفلح: والله لا يسألني شيئاً إلا أعطيته إياه، فجاءه بمكاتبته، فكسرها ثم مكث ما شاء الله، ثم أرسل إليه أبو أيوب فقال: أنت حرٌ.
وما كان لك من مالٍ فهو لك.
قال محمد بن سيرين: بينا أنا ذات ليلة نائمٌ، إذ رأيت أفلح أو قال: كثير بن أفلح وكان قتل يوم الحرة، فعرفت أنه ميت، وأني نائمٌ، وإنما هي رؤيا رأيتها، فقلت: أليس قد قتلت؟
стр. 1483
قال: بلى.
قلت: فما صنعت؟ قال: خيراً.
قلت: أشهداء أنتم؟ قال: لا إن المسلمين إذا اقتتلوا فقتل بينهم قتلى فليسوا بشهداء.
قال سعيد أحد رواته: قال هشام كلمة خفيت علي، فقلت لبعض جلسائه: ماذا قال؟ قال: قال: ولكنا ندباء.
أقرع بن حابس بن عقال بن محمد
ابن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، التميمي ثم المجاشعي.
له صحبة.
وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان سيد قومه.
واسم الأقرع فراس، ولقب الأقرع لقرعٍ كان برأسه.
وقدم دومة الجندل من أطراف أعمال دمشق في خلافة أبي بكر الصديق.
حدث الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فقال: يا محمد، إن حمدي زين، وإن ذمي لشين.
فقال: ذاكم الله .
وكان في وفد تميم الذين قدموا على رسول الله ﷺ ، وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين مائة من الإبل.
وهو الذي قال فيه عباس بن مرداس يومئذٍ حين قصر به في العطية: " من المتقارب "
أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
وما كان بدرٌ ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئٍ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: جاءت بنو تميمٍ إلى رسول الله ﷺ بشاعرهم وخطيبهم، فنادوا على الباب: اخرج إلينا فإن مدحنا زين، وإن ذمنا شين.
قال: فسمعهما رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم وهو
стр. 1484
يقول: " إنما ذاكم الله الذي مدحه زين وشتمه شين. فماذا تريدون؟ " فقالوا: نحن ناسٌ من بني تميم جئناك بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك، فقال النبي ﷺ : " ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت.
ولكن هاتوا ".
فقال الزبرقان بن بدر لشابٍ من شبانهم: يا فلان قم فاذكر فضلك وفضل قومك فقال: إن الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء.
فنحن خير أهل الأرض: أكثرهم أموالاً، وأكثرهم عدداً، وأكثرهم سلاحاً؛ فمن أبى علينا فليأتنا بقولٍ هو أفضل من قولنا، وبفعلٍ أفضل من فعلنا.
فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: قم يا ثابت بن قيس فأجبهم.
فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوهاً، وأعظم الناس أحلاماً، فأجابوه.
الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزاً لدينه؛ فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قاله منع منا ماله ونفسه، ومن أبى قاتلناه.
وكان رغمه علينا في الله هيناً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات.
فقال الأقرع بن حابس لشاب من شبابهم: قم يا فلان فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك وفضل قومك فقال: " من البسيط "
نحن الكرام فلاحيٌ يعادلنا ... نحن الرؤوس وفينا يقسم الربع
ونطعم الناس عند القحط كلهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع
إذا أبينا فلا يأبى لنا أحدٌ ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
فقال رسول الله ﷺ : " عليّ بحسان بن ثابت.
فأتاه الرسول فقال له: وما يريد مني رسول الله ﷺ وإنما كنت عنده آنفاً؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم فتكلم فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فأجابه.
وتكلم شاعرهم فبعث إليك
стр. 1485
رسول الله ﷺ لتجيبه.
فقال حسان: قد آن لكم أن تبعثوا إلى هذا العود.
فجاء حسان فقال رسول الله ﷺ : " يا حسان، أجبه ".
فقال: يا رسول الله مره فليسمعني ما قال.
قال: أسمعه ما قلت.
فأسمعه.
فقال حسان: " من الطويل "
نصرنا رسول الله والدين عنوةً ... على رغم عاتٍ من معدٍّ وحاضر
بضربٍ كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعنٍ كأفواه اللقاح الصوادر
وسل أحداً يوم استقلت شعابه ... بضربٍ لنا مثل الليوث الحوادر
ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسبٍ في جذم غسان قاهر
فلولا حياء الله قلنا تكرماً ... على الناس بالخفين هل من منافر؟
فأحياؤنا من خير من طئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقام الأقرع بن حابس فقال: يا محمد، لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وقد قلت شيئاً فاسمعه.
فقال رسول الله ﷺ : " هات ".
فقال:
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأّنا رؤوس الناس من كل معشرٍ ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم
وأن لنا المرباع في كل غارةٍ ... تكون بنجدٍ أو بأرض التهائم
فقال رسول الله ﷺ لحسان: " قم فأجبه ".
فقال: " من الطويل "
بني دارمٍ لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالاً عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خولٌ من بين ظئرٍ وخادم؟!
стр. 1486
فقال رسول الله ﷺ : " يا أخا بني دارم، لقد كنت غنياً أن يذكر منك ما كنت ظننت أن الناس قد نسوه ".
فكان قول رسول الله ﷺ أشد عليهم من قول حسان إذ يقول:
هبلتم، علينا تفخرون وأنتم ... لنا خولٌ من بين ظئرٍ وخادم
ثم رجع حسان فقال:
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبي بدارم
وإلا ورب البيت مالت أكفنا ... على روسكم بالمرهفات الصوارم
فقام الأقرع بن حابس فقال لأصحابه: يا هؤلاء، ما أدري ما هذا؟! قد تكلم خطيبهم فكان خطيبهم أحسن قولاً وأعلى صوتاً، وتكلم شاعرهم فكان شاعرهم أحسن قولاً وأعلى صوتاً.
ثم دنا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وآمن هو وأصحابه.
فقال رسول الله ﷺ : " لا يضرك ما كان قبل هذا اليوم ".
ولما قدم وفد بني تميم على سيدنا رسول الله ﷺ قال أبو بكر: يا رسول الله استعمل عليهم القعقاع بن زرارة فإنه سيد القوم وأفضلهم.
فقال عمر: يا رسول الله استعمل عليهم الأقرع بن حابس فإنه سيد القوم وأفضلهم.
فقال أبو بكر: والله ما أردت بهذا إلا خلافي! قال: ما أردت خلافك ولكني رأيت ذلك.
قال: فتماريا في ذلك حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى: هاتين الآيتين: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " إلى قوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية كلها.
قال: فكانا لا يحدثانه حديثاً إلا استفهمه مراراً.
стр. 1487
وفي رواية: " كاد الخيران يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم ... " الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليٌّ إلى النبي ﷺ من اليمن ذهبة وفيها تربتها، فقسمها بين يدي أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن حصن الفزاري وبين علقمة بن علاثة العامري وبين زيد الخيل الطائي.
فقالت قريش والأنصار: أيقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي ﷺ : " إنما أتألفهم ".
إذ أقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق، فقال: يا محمد، اتق الله.
فقال النبي ﷺ : " من يطيع الله إذا عصيته؟ " قال: فسأله رجل من القوم قتله - قال: حسبته خالد بن الوليد - فولى الرجل.
فقال رسول الله ﷺ : " إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ".
وعن ابن عباس قال: كانت المؤلفة قلوبهم خمسة عشر رجلاً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس المجاشعي، وعيينة بن حصن الفزاري، وسهيل بن عمرو من بني عمرو بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وحويطب بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي، وسهيل بن عمرو الجهني، وأبو السنابل بن بعكك، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النصري، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع من بني مالك، وجد بن قيس السهمي، وعمر بن مرداس السلمي، والعلاء بن الحارث الثقفي، أعطى كل رجلٍ منهم سهماً مائةً من الإبل، وأعطى ابن يربوع وحويطب خمسين من الإبل.
في حديث طويل.
стр. 1488
وهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم.
وكان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ حنيناً والفتح والطائف.
وخرج الأقرع والزبرقان إلى أبي بكر فقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك أن لا يرجع من قومنا أحد، ففعل.
وكتب الكتاب.
وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهوداً منهم عمر، فلما أتي عمر بالكتاب نظر فيه فلم يشهد، ثم قال: لا ولا كرامة، ثم مزق الكتاب ومحاه، فغضب طلحة وأتى أبا بكر، فقال: أنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر غير أن الطاعة لي، فسكت.
وشهدا مع خالد المشاهد حتى اليمامة.
ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل بن حسنة إلى دومة.
وفي رواية أن عيينة بن بدر والأقرع بن حابس استقطعا أبا بكر أرضاً، فقال عمر: إنما كان النبي ﷺ يتألفكما على الإسلام فأما الآن فاجهدا جهدكما.
قال عبيدة: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵁، فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها نخلٌ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله ينفع بها بعد اليوم.
قال: فأقطعهما إياها، وكتب لهما كتاباً وأشهد، وعمر ليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه فوجداه فإنهما قائماً بغير اله، فقالا: إن أبا بكر قد أشهدك على ما في هذا الكتاب أفنقرأ عليك أو تقرأ؟ قال: أنا على الحال التي ترياني، فإن شئتما فاقرآ وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ فأقرأ، قالا: بل نقرؤه، فقرآ، فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فيه فمحاه، فتذمراه وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يتألّفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما.
قال: فأقبلا إلى أبي بكر
стр. 1489
وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل هو لو كان شاء.
قال: فجاء عمر مغضباً حتى وقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أرض لك خاصة أم هي بين المسلمين عامة؟ قال: فما حملك على أن تخص هذين بها دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك.
قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك أكل المسلمين أوسعت مشورة ورضىً؟ قال: فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا الأمر مني ولكنك غلبتني.
وفي رواية أن عثمان قال للأقرع بن حابس وللزبرقان لما أقطعهما أبو بكر قطيعة وكتب لهما كتاباً قال لهما عثمان: أشهد عمر فهو أحرز لأمركما، وهو الخليفة بعده.
قال: فأتيا عمر فقال لهما: من كتب لكما هذا الكتاب؟ قالا: أبو بكر.
قال: لا والله ولا كرامة، والله ليفلقنّ وجوه المسلمين بالسيوف والحجارة ثم يكون لكما هذا.
قال: فتفل فيه ومحاه، فأتيا أبا بكر فقالا: ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! قال: ثم أخبراه فقال: فإنا لا نجيز إلا ما أجازه عمر.
وقيل: إن ابن عامر استعمل الأقرع بن حابس على جيش، فأصيب هو والجيش بالجوزجان.
أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن
ابن أعنى بن الحارث بن معاوية بن حلاوة بن أمامة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة بن عطية بن عدي بن الحارث الكندي صاحب دومة الجندل.
أتي به إلى النبي ﷺ فأسلم.
ويقال: بقي على نصرانيته.
وكتب له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1490
كتاباً.
ويقال: أسلم، ثم ارتد إلى النصرانية، فقتل على نصرانيته.
قال قيس بن النعمان: كان صار إلى ضم القرآن على عهد عمر بن الخطاب ﵁، قال: خرجت خيلٌ لرسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بلغني أن خيلك انطلقت وإني خفت على أرضي ومالي، فاكتب لي كتاباً لا تعرض لشيء هو لي، فإني مقرٌ بالذي علي من الحق.
فكتب له رسول الله ﷺ .
ثم إن أكيدراً أخرج قباء منسوجاً بالذهب مما كان كسرى يكسوهم فقال النبي ﷺ : " ارجع بقبائك فإنه ليس أحدٌ يلبس هذا في الدنيا إلا حرمه في الآخرة ".
فرجع به الرجل حتى إذا أتى منزله وجد في نفسه أن يرد عليه هديته، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيتٍ يشق علينا أن ترد هديتنا فاقبل مني هديتي.
فقال له: " انطلق فادفعه إلى عمر ".
وقد كان عمر سمع ما قال رسول الله ﷺ فيه فبكى ودمعت عيناه وظن أنه قد لحقه شقاء، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: أحدث فيّ أمرٌ؟ قلت في هذا القباء ما سمعت ثم بعثت به إليّ، فضحك رسول الله ﷺ حتى وضع يده على فيه، ثم قال: " ما بعثت به إليك لتلبسه ولكن تبيعه فتستعين بثمنه ".
قال عروة: ولما توجه رسول الله ﷺ قافلاً إلى المدينة بعث خالد بن الوليد في أربع مائةٍ وعشرين فارساً إلى أكيدر دومة الجندل، فلما عهد إليه عهده قال خالد: يا رسول الله كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابةٍ من المسلمين؟ فقال رسول الله ﷺ : " لعل الله يكفيك أكيدراً ".
أحسب قال: يقتنص فتقبض المفتاح فتأخذه، فيفتح الله لك دومة.
فسار خالد بن الوليد حتى إذا دنا منها نزل في أدبارها، لذكر رسول الله ﷺ : " لعلك تلقاه يصطاد ".
قال: فبينما خالد وأصحابه في منزلهم ليلاً إذ أقبلت البقر حتى جعلت تحتك بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه، بين امرأتيه، فاطلعت إحدى امرأتيه فرأت البقر تحتك بالباب وبالحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم، قال: وما ذاك؟ قالت: هذه البقر تحتك بالباب وبالحائط، فلما رأى ذلك أكيدر ثار، فركب على فرسٍ معدةٍ له، وركب غلمانه وأهله فطلبها حتى مر بخالدٍ وأصحابه، فأخذوه ومن
стр. 1491
كان معه، فأوثقهم، وذكر خالد قول النبي ﷺ وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي باب دومة؟ قال: نعم، فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلها وأرادوا أن يفتحوا له فأبى عليهم أخوه، فلما رأى ذلك قال لخالد: أيها الرجل خلني فلك الله أن أفتحها لك، إن أخي لا يفتحها ما علم أني في وثاقك، فأرسله خالد وأصحابه، فذكر خالد قول رسول الله ﷺ والذي أمره.
فقال أكيدر: والله ما رأيتها قطٌّ جاءتنا إلا البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمر لها إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القدر ثم قال: يا خالد، إن شئت حكمتك وإن شئت حكمتني، فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت، فأعطاهم ثمان مائةٍ من السبي وألف بعير، وأربع مائة درع، وأربع مائة رمح.
وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه يحنّه بن رؤيا عظيم أيلة، فقدم على رسول الله ﷺ وأشفق أن يبعث إليه كما بعث إلى أكيدر، فاجتمعا عند رسول الله ﷺ فقاضاهما على قضيته على دومة، وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء وكتب لهما كتاباً.
وعن بلال بن يحيى قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد على الأعراب معه، وقال: " انطلقوا فإنكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش فخذوه أخذاً، فابعثوا به إلي، ولا تقتلوه وحاصروا أهلها ".
قال: فانطلقوا، فوجدوا أكيدر دومة كما قال رسول الله ﷺ ، فأخذوه فبعثوا به إلى رسول الله ﷺ ، وحاصروهم، فقال لهم أبو بكر: تجدون ذكر رسول الله ﷺ في الإنجيل؟ قالوا: ما نجد له ذكراً، قال: بلى، والذي نفسي بيده إنه لفي الإنجيل مكتوب كهيئة قرست وليست بقرست، فانظروا.
فنظروا، فقالوا: نجد الشيطان خطر خطرة بقلم لا ندري ما هي.
فقال له، رجل من الأنصار أو المهاجرين: أكفر هؤلاء يا أبا بكر؟ فقال: نعم، وإنكم ستكفرون.
فلما كان يوم مسيلمة قال ذلك الرجل لأبي بكر: هذا الذي قلت لنا يوم دومة الجندل إنا سنكفر؟ فقال: لا، ولكن آخر أمامكم.
стр. 1492
وقيل إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، أسلم وكتب له كتاباً فلما قبض النبي ﷺ منع الصدقة ونقض العهد وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء سماه دومة بدومة الجندل.
وروى عوانة بن الحكم، أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد وهو بعين التمر يأمره أن يسير إلى أكيدر فسار إليه فقتله، وفتح دومة، وقد كان خرج منها بعد وفاة رسول الله ﷺ ثم عاد إليها، فلما قتله خالد مضى خالد إلى الشام.
قال: ولعله أن يكون قتله بدومة الجندل عند الحيرة فهي تقرب من عين التمر.
ألب رسلان بن رضوان بن تتش
ابن ألب رسلان التركي ولي إمرة حلب بعد موت أبيه رضوان في جمادى الآخرة سنة سبع وخمس مائة وهو صبي عمره ست عشرة سنة، وتولى تدبير أمره خادم لأبيه اسمه لؤلؤ البابا، ورفع عن أهل حلب بعض ما كان جدد عليهم من الكلف وقتل أخويه ملك شاه، وأميركا، وقتل جماعة من الباطنية وكانت دعوتهم ظهرت في حلب أيام أبيه، ثم كاتب طغتكين أمير دمشق، ورغب في استعطافه، فأجابه طغتكين إلى ذلك، ودعا له على منبر دمشق في رمضان من هذه السنة.
ثم قدم ألب رسلان في هذا الشهر دمشق وتلقاه طغتكين وأهل دمشق في أحسن زي، وأنزله في القلعة بدمشق، وبالغ في إكرامه، فأقام فيها أياماً، ثم عاد إلى حلب في أول شوال، وصحبه طغتكين، فلما وصل إلى حلب لم ير منه طغتكين ما يحب، ففارقه، وعاد إلى دمشق، وساءت سيرة ألب رسلان بحلب، وانهمك في المعاصي، وخافه لؤلؤ البابا فقتله بقلعة حلب في ثاني ربيع الآخر سنة ثمان وخمس مائة.
стр. 1493
ونصب أخاً له طفلاً عمره ست سنين.
وبقي لؤلؤ بحلب إلى أن قتل في آخر سنة عشر وخمس مائة ببالس.
إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون
ويقال إلياس بن شبى ويقال إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون ويقال إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
أرسله الله تعالى إلى أهل بعلبك، وقيل: إنه اختفى من الكفار في المغارة التي بجبل قاسيون بدمشق عشر سنين.
وروي عن كعب أنه قال: إن إلياس اختبأ من ملوك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتى أهلك الله الملك، ووليهم غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام، فأسلم وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم.
وقيل: إنه أقام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، أو قال: أربعين، تأتيه الغربان برزقه.
وروي عن الكلبي أنه قال: أول نبيٍّ بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
وعن وهب أن حزقيل قام في بني إسرائيل بأمر الله وطاعته، وكان فيما أعطاه الله عز
стр. 1494
وجل عزة لبني إسرائيل حتى قبضه الله إليه.
فعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وخالطوا عبدة الأوثان، فنصب الأوثان طوائف منهم، وطائفة منهم متمسكون بالعهد، فكانوا يقتلون الأنبياء وأبناء الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، وأحبوا الملك، حتى بعث الله إليهم إلياس بن العازر بن العيزار نبياً، وإنما كانت الأنبياء تبعث في بني إسرائيل بعد موسى، لتجديد ما نسوا من التوراة، وكانت لا تنزل عليهم الكتب.
إنما كانوا يعملون بما في التوراة، ويجددون لهم ما نسوا من التوراة، وكان إلياس ﵇ مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقوم بأمره، وينتهي الملك إلى رأيه؛ وكان سائر ملوك بني إسرائيل اتخذوا الأصنام.
وكان له صنم يقال له: بعل قال ابن عباس: البعل: الرب سموا الصنم رباً، وهو بلغة اليمن البعل: الرب.
وعن كعب قال: أربعة أنبياء اليوم، اثنان في الدنيا، واثنان في السماء.
فأما اللذان في الدنيا: فإلياس والخضر، وأما اللذان في السماء: فعيسى وإدريس ﵉.
قال عبد الله بن مسعود: إسرائيل هو يعقوب ﵇، وإلياس هو إدريس.
قال أحمد بن حنبل: سمعنا أن ستة من الأنبياء لهم في القرآن اسمان اسمان: محمد وأحمد، وإبراهيم وأبراهام، ويعقوب وإسرائيل، ويونس وذو النون، وإلياس إلياسين، وعيسى المسيح ﵈.
وقيل: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل فيلتقيان كل عام بالموسم.
وعن ابن عباس في قول الله : " إن إلياس لمن المرسلين؛ إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين "! قال: وإنما سمي
стр. 1495
بعلبك، لعبادتهم البعل، وكان موضعهم يقال له: بك.
فسمي بعل بك.
يقول الله : " وتذرون الله أحسن الخالقين ".
وقال الحسن: إن الله بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قوماً يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة.
كل ملكٍ على ناحيةٍ يأكلها؛ وكان الملك الذي كان معه إلياس يقوم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدىً من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلياس إلا إلى الضلالة والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأوثان التي يعبد الملوك، ودع ما أنت عليه، فقال الملك لإلياس: يا إلياس والله ما تدعو إلا إلى الباطل، وإني أرى ملوك بني إسرائيل كلهم قد عبدوا الأوثان التي يعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه يأكلون ويشربون، وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من أمرهم الذي تزعم أنه باطل، ومالنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، وقام شعر رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس.
وقال الحسن:
إن الذي زين لذلك الملك امرأته، وكانت قبله تحت ملكٍ جبار، وكان من الكنعانيين في طولٍ وجسم وحسن؛ فمات زوجها الأول، فاتخذت تمثالاً على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوت، فتوجته بتاجٍ مكللٍ بالدر والجواهر، ثم أقعدته على سرير تدخل عليه، فتدخنه وتطيبه، وتسجد له، ثم تخرج عنه؛ فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه.
وكانت فاجرة قد قهرت زوجها، فكانت هي التي جمعت هؤلاء السبعين الذين زعموا أنهم أنبياء، وبنت بيت الأصنام ووضعت البعل.
فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعداً.
فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك فغير ما بهم من نعمتك.
قال الحسن: إن الله أوحى إلى إلياس أني قد جعلت أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم.
فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلياس إلى الملك فتاه، وكان تلميذه، فقال
стр. 1496
لهم اليسع بن خطوب، وليس باليسع الذي يقال له الخضر، وذلك ابن عاميا، وكان هذا غلاماً يتيماً من بني إسرائيل، آوت أمه إلياس وأخفت أمره، وكان اليسع به ضرٌّ، فدعا الله له فعافاه من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه، فذهب حيثما ذهب، فلما أمسك الله عنهم القطر، أرسل إلياس اليسع إلى الملك فقال: قل له إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل على عبادة الله، واتبعت عتاة قومك هؤلاء الكذبة الذين يزعمون أنهم أنبياء، واتبعت هوى امرأتك الخبيثة التي خانتك وأهلكتك، فاستعد للعذاب والبلاء.
قال: وأمسك الله عنهم القطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام، وجهد الناس جهداً شديداً، وخرج إلياس شفقاً على نفسه حين دعا عليهم.
فانطلق اليسع، فبلغ رسالته الملك، فعصمه الله من شر الملك، ولحق بإلياس.
فانطلق إلياس حتى أتى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزقه، وفجر له عيناً معيناً لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأكلوا الكلاب والجيف والعظام، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعل أن يفرج ما بنا.
قال: فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، وعكفوا عليها، وجعلوا يدعون حتى طال ذلك عليهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابةً من هؤلاء.
فبعثوا في طلب إلياس ليدعو لهم، فلم يجبهم، فغار ماؤه، فقال: يا رب، غار مائي، فأوحى الله إليه أني قد أهلكت خلقاً كثيراً، لم أرد هلاكهم بخطايا بني إسرائيل.
فقال إلياس: أي ربٍّ، دعني أنا أكون الذي أدعو لهم لعلهم يرجعون، فقيل له: نعم فأتى بني إسرائيل فقال لهم: أتحبون أن تعلموا أن الله عليكم ساخط، وإنما حبس عنكم المطر للذي أنتم عليه، فأخرجوا أوثانكم التي تعبدونها، وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فادعوها هل تستجيب لكم؟ وإلا دعوت ربي يفرج عنكم، فقالوا: نفعل، فأخرجوا أوثانهم، فجعلت الكذبة تدعو وتتضرع، ويدعو إلياس معهم، فلا يستجاب لهم، فقالوا: يا إلياس ادع لنا ربك، قال: فدعا إلياس ربه أن يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس وهم ينظرون، حتى ركزت عليهم، ثم أدحيت، ثم أرسل الله عليهم المطر فأغاثهم.
فقال الحسن: فتابوا وراجعوا.
وقيل تمادوا بعد ذلك، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها، فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه،
стр. 1497
فوثب عليه، فانطلق به، وناداه اليسع: يا إلياس، بماذا تأمرني؟ فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار في الملائكة فقال: كان إنسياً ملكياً سمائياً.
وقال الحسن: هو موكل بالفيافي، والخضر بالبحار وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى.
وإنهما يجتمعان في كل عام بالموسم.
وفي حديث مرفوع عن النبي ﷺ أنه قال: " يلتقي الخضر وإلياس ﵉ في كل عام بالموسم بمنى فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: سبحان الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصلح السوء إلا الله، ما شاء الله لا قوة إلا بالله ".
قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح ويمسي ثلاث مرات أمنه الله من الغرق والسرق: قال: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب.
وعن قتادة: في قوله ﵎: " وتركنا عليه في الآخرين " قال: ترك الله ﵎ عليه ثناء حسناً في الآخرة.
قال واثلة بن الأسقع: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، حتى إذا كنا في بلاد جذام في أرض لهم يقال لها الحوزة وقد كان أصابنا عطش شديد فإذا بين أيدينا آثار غيث، فسرنا ملياً، فإذا بغديرٍ وإذا فيه جيفتان، وإذا السباع قد وردت الماء، فأكلت من الجيفتين، وشربت من الماء، قال: فقلنا: يا رسول الله، هذه جيفتان وآثار السباع قد أكلت منها، فقال النبي ﷺ : نعم. هما طهوران اجتمعا من السماء والأرض لا ينجسهما شيء، وللسباع ما شربت في بطونها، ولنا ما بقي ".
حتى إذا ذهب ثلث الليل، إذا نحن بمنادٍ ينادي بصوت حزين: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المبارك عليها، فقال رسول الله ﷺ : " يا حذيفة ويا أنس، ادخلا إلى هذا الشعب، فانظرا ما هذا الصوت ".
стр. 1498
قال: فدخلنا فإذا نحن برجل عليه ثياب بياض أشد بياضاً من الثلج، وإذا وجهه ولحيته كذلك، ما أدري أيهما أشد ضوءاً ثيابه أو وجهه! فإذا هو أعلى جسماً منا بذراعين أو ثلاثة.
قال: فسلمنا عليه فرد علينا السلام، ثم قال: مرحباً، أنتما رسل رسول الله ﷺ ؟ قالا: فقلنا: نعم، قالا: فقلنا من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا إلياس النبي، خرجت أريد مكة فرأيت عسكركم، فقال لي جندٌ من الملائكة على مقدمتهم جبريل وعلى ساقتهم ميكائيل: هذا أخوك رسول الله ﷺ فسلم عليه والقه، ارجعا فأقرئاه السلام، وقولا له: لم يمنعني من الدخول إلى عسكركم إلا أني أتخوف أن تذعر الإبل ويفزع المسلمون من طولي، فإن خلقي ليس كخلقكم، قولا له ﷺ يأتيني.
قال حذيفة وأنس: فصافحناه، فقال لأنس خادم رسول الله ﷺ : من هذا؟ قال: حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ ، قال: فرحب به ثم قال: والله إنه لفي السماء أشهر منه في الأرض يسميه أهل السماء صاحب سر رسول الله ﷺ .
قال حذيفة: هل تلقى الملائكة؟ قال: ما من يوم إلا وأنا ألقاهم، ويسلمون علي وأسلم عليهم.
قال: فأتينا النبي ﷺ ، فخرج النبي ﷺ معنا حتى أتينا الشعب وهو يتلألأ وجهه نوراً.
وإذا ضوء وجه إلياس وثيابه كالشمس.
قال رسول الله ﷺ : " على رسلكم ".
قال: فتقدمنا النبي ﷺ قدر خمسين ذراعاً، وعانقه ملياً، ثم قعدا.
قالا: فرأينا شيئاً كهيئة الطير العظام بمنزلة الإبل قد أحدقت به وهي بيض، وقد نشرت أجنحتها فحالت بيننا وبينهم، ثم صرخ بنا النبي ﷺ فقال: " يا حذيفة ويا أنس تقدما ".
فتقدمنا، فإذا بين أيديهم مائدة خضراء لم أر شيئاً قط أحسن منها، قد غلب خضرتها لبياضها، فصارت وجوهنا خضراء وثيابنا خضراء، وإذا عليها خبز ورمان وموز وعنب، ورطب وبقل، ما خلا الكراث.
قال: ثم قال النبي ﷺ : " كلوا بسم الله ".
قالا: فقلنا: يا رسول الله أمن طعام الدنيا هذا؟ قال: " لا ".
قال لنا: هذا رزقي، ولي في كل أربعين يوماً وأربعين ليلة أكلة يأتيني بها الملائكة، وهذا تمام الأربعين يوماً والليالي، وهو شيء يقول الله له: كن فيكون قال: فقلنا: من أين وجهك؟ قال: وجهي من خلف رومية، كنت في جيش من الملائكة مع جيش من المسلمين غزوا أمةً من الكفار.
قال: فقلنا: فكم يسار من ذلك الموضع الذي كنت فيه؟ قال: أربعة أشهر، وفارقته أنا منذ عشرة أيام، وأنا أريد إلى مكة أشرب بها في كل سنة شربة، وهي ريي وعصمتي إلى تمام الموسم من قابل.
قال: فقلنا: فأي المواطن أكبر معارك؟ قال: الشام وبيت المقدس
стр. 1499
والمغرب واليمن، وليس من مسجد من مساجد محمد ﷺ إلا وأنا أدخله صغيراً كان أو كبيراً.
قال: الخضر متى عهدك به؟ قال: منذ سنة كنت قد التقيت أنا وهو بالموسم، وقد كان قال: إنك ستلقى محمد ﷺ قبلي، فأقرئه مني السلام، وعانقه وبكى قال: ثم صافحناه وعانقناه وبكى وبكينا، فنظرنا إليه حتى هوى في السماء كأنه يحمل حملاً، فقلنا: يا رسول الله لقد رأينا عجباُ إذ هوى إلى السماء.
فقال: " إنه يكون بين جناحي ملك حتى ينتهي به حيث أراد ".
قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وإسناده ليس بالقوي.
وعن الخليل بن مرة قال: بينا رجل يبيع سلعة له وهو يكثر الكلام فيها، إذ أتى عليه آتٍ فقال: يا عبد الله، إن كثرة الكلام لا تزيد في رزقك شيئاً، وإن قلة الكلام لا تنقص من رزقك شيئاً، قال: عليك شأنك يا عبد الله قال: هذا شأني، ثم ولى الرجل، فلحقه، فقال: يا عبد الله، قلت لي قولاً فأحب أن تفسره لي، قال: إن من الإيمان أن تؤثر الصدق على الكذب وإن ضرك، وأن تدع الكذب وإن نفعك، وألا يكون لقولك فضل على عملك.
قال: يا عبد الله، إني أحب أن تكتب لي هذا فإني أخاف أن أنساه، قال: فبينا أنا أكلمه إذ غاب عني فلم أره، فلقيت رجلاً من آل عمر ﵁، فأخبرته.
فقال: هذا من قول إلياس ﵇.
وفي حديث آخر بمعناه قال: كانوا يرونه الخضر أو إلياس ﵉.
وعن ثابت قال: كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت " حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول " فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنة.
فقال لي: إذا
стр. 1500
قلت: " غافر الذنب " فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: " قابل التوب " فقل: يا قابل التوب، تقبل توبتي، وإذا قلت: " شديد العقاب " فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، وإذا قلت: " ذي الطول " فقل: يا ذا الطول طل علي منك برحمة.
فالتفت فإذا لا أحد، خرجت فقلت: مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنةٍ؟ فقال: ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس.
أماجور
ولي إمرة دمشق في أيام المعتمد على الله سنة ست وخمسين ومائتين.
ومات سنة أربع وستين ومائتين، وكان أميراً مهاباً ضابطاً لعمله، خشناً، شجاعاً، لا يقطع في جميع أعماله الطريق، فوجه مرة فارساً إلى أذرعات في رسالة، فلما رجع الفارس من أذرعات نزل اليرموك، فصادف في القرية رجلاً من الأعراب، فلما رأى الأعرابي الجندي مد يده فنتف من سبال الجندي خصلتين من شعر.
فلما أن رجع الفارس إلى دمشق اتصل الخبر بأماجور ما فعل الأعرابي بالفارس، فدعاه أماجور فسأله عن القصة؟ فأخبره، فأمر بالفارس فحبس، ثم قال لكاتبه: اطلبوا معلماً يعلم الصبيان فجاؤوا بمعلم، فقال أماجور للمعلم: هو ذا أعطيك نفقة واسعة وتخرج إلى اليرموك، وأعطيك طيوراً تكون معك، فإذا دخلت القرية، تقول لهم: إني معلم جئت أطلب المعاش، وأعلم صبيانكم، فإذا تمكنت من القرية، فارصد لي الأعرابي الذي نتف سبال الفارس، وخذ خبره واسمه، ولا تبرح من القرية وإن بقيت بها مدة طويلة، حتى يوافي هذا الأعرابي القرية، فإذا رأيته قد وافى، فخذ هذا الكتاب الذي أعطيك، وادفعه إلى أهل القرية حتى يقرؤوه، ثم أرسل الطيور إلي بخبرك طيراً خلف طير، ففعل المعلم ذلك، ووافى اليرموك، وأقام بها ستة أشهر، حتى وافى الأعرابي القرية، فلما أن رآه المعلم أخرج كتاب أماجور إلى القرية: الله الله في
стр. 1501
أنفسكم، اشغلوا الأعرابي إلى ما أوافيكم، فإن جئت ولم أوافه خربت القرية، وقتلت الرجال.
وخلى المعلم الطيور إلى دمشق بخبر الأعرابي، وموافاته القرية، فلما أن وصل الخبر إلى أماجور ضرب بالبوق، وخرج من وقته حتى وافى اليرموك في أسرع وقت وأحدقوا بالقرية، فأصاب الأعرابي في وسط القرية، فأخذه وأردفه خلف بعض غلمانه، ووافى به دمشق، فلما أصبح أماجور دعا بالأعرابي فقال له: ما حملك على أن رأيت رجلاً من أولياء السلطان في قرية لم يؤذك ولم يعارضك، نتفت خصلتين من سباله، فقال الأعرابي: كنت سكران أيها الأمير لم أعقل ما فعلت، فقال أماجور: ادعوا لي بحجام، فأتي بحجام، فقال: لا تدع في وجه الأعرابي ولا في رأسه، ولا على بدنه شعرة إلا نتفتها، فبدأ بأشفار عينيه ثم بحاجبيه ثم بلحيته ثم بشاربه، ثم برأسه، ثم بيديه، فما ترك عليه شعرة إلا نتفها، ثم قال: هاتوا الجلادين، فأتي بالجلادين، فضربه أربع مئة سوط، ثم أمر بحبسه، فلما كان من الغد، دعا به فضربه أربع مئة سوط آخر، ثم قطع يديه، فلما أن كان اليوم الثالث قطع رجليه فلما أن كان في اليوم الرابع ضرب رقبته وصلبه، ثم دعا بذلك الجندي من الحبس، فضربه مائة عصا وأسقط اسمه، وقال: أنت ليس فيك خير لنفسك حيث رأيت أعرابياً واحداً ليس معه أحد ولا غلمان ولا أصحاب استخذيت له وخضعت له حتى فعل بسبالك ما فعل.
كيف يكون لي فيك خير إذا احتجت إليك؛ وطرده.
قال أبو يعقوب الأذرعي: لما بنى أماجور الفندق الذي في الخواصين كتب على بابه: مائة سنة وسنة.
قال: فما عاش بعد أن كتب ذلك إلا مائة يوم ويوم، وتوفي أماجور أمير دمشق في سنة أربع وستين ومائتين.
قال أبو علي الحسن بن قريش المحاملي: رأيت أماجور الأمير في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي.
قلت: بماذا؟ قال: بضبطي لطرق المسلمين، وطريق الحاج.
أمد بن أبد الحضرمي اليماني
أحد المعمرين، استقدمه معاوية بن أبي سفيان.
قالوا: إن معاوية قال: إني لأحب أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سنٌّ، وقد رأى
стр. 1502
الناس يخبرنا عما رأى.
فقال بعض جلسائه: ذلك رجل بحضرموت.
فأرسل إليه، فأتي به، فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد.
قال: ابن من؟ قال: ابن أبد.
قال: ما أتى عليك من السن؟ قال: ستون وثلاث مائة.
قال: كذبت.
قال: ثم إن معاوية تشاغل عنه، ثم أقبل عليه، فقال: ما اسمك؟ قال: أمد.
قال: ابن من؟ قال: أبد.
قال: كم أتى عليك من السن؟ قال: ثلاث مئة وستون سنة.
قال: فأخبرنا عما رأيت من الأزمان، أين زماننا هذا من ذلك؟ قال: وكيف تسأل من تكذب؟ قال: إني ما كذبتك، ولكني أحببت أن أعلم كيف عقلك.
قال: قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيه بليلة، يموت ميت، ويولد مولود، فلولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض.
قال: فأخبرني هل رأيت هاشماً؟ قال: نعم رأيته رجلاً طوالاً، حسن الوجه، يقال، إن بين عينيه بركةً أو غرة بركةٍ.
قال: فهل رأيت فهل رأيت أمية؟ قال: نعم، رأيته رجلاً قصيراً أعمى، يقال: إن في وجهه شراً أو شؤماً: قال: فهل رأيت محمداً؟ قال: من محمد؟ قال: رسول الله ﷺ .
قال: ويحك، ألا فخمته كما فخمه الله؟ فقلت: رسول الله.
قال: فأخبرني، ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلاً تاجراً.
قال: فما بلغت تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري عيباً ولا أرد ربحاً.
قال له معاوية: سلني.
قال: أسألك أن تدخلني الجنة.
قال: ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه، قال: أسألك أن ترد علي شبابي، قال: ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه، قال: لا أرى بيديك شيئاً من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة.
قال: فردني من حيث جئت، قال: أما هذا فنعم.
ثم أقبل معاوية على أصحابه، فقال: لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون.
قالوا: كذا جاء اسمه، فالله أعلم، هل هو اسمه الذي سمي به، أو هو اسم سمى به نفسه عند طول عمره؟
стр. 1503
امرؤ القيس بن حجر
ابن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة، أبو يزيد ويقال أبو وهب ويقال أبو الحارث.
كان بأعمال دمشق.
وقد ذكر مواضع من أعمالها في شعره، فمن ذلك قوله: " من الطويل "
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوبٍ وشمأل
وكل هذه مواضع معروفة بحوران ونواحيها.
ومن ذلك قوله في قصيدة: " من الطويل "
ولما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
ثم قال بعدها أبيات منها:
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريجٍ كان في حمص أنكرا
ففي كتاب طبقات الشعراء للجاهليين: في الطبقة الأولى: امرؤ القيس بن حجر.
قال ابن كلبي: إنما سمي حجر بن عمرو بن معاوية الأكرمين آكل المرار لأن امرأته هند بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الأكرمين لما أغار عليه ابن الهيولة السليحي فأخذها، فقال:
стр. 1504
كيف ترين الآن حجراً؟ فقالت: أراه والله خبيث الطلب، شديد الكلب، كأنه بعير أكل مراراً.
والمرار نبتٌ حارٌ يأكله البعير، فيتقلص منه مشفره.
وكان حجر أفوه خارج الأسنان فشبهته به، فسمي آكل المرار بذلك.
حدث ابن الكلبي أن قوماً أتوا رسول الله ﷺ ، فسألوه عن أشعر الناس.
فقال: ائتوا ابن الفريعة، يعني حسان.
فأتوه.
فقال: ذو القروح، يعني: امرؤ القيس، فرجعوا فأخبروا رسول الله ﷺ فقال: صدق، رفيع في الدنيا خامل في الآخرة، شريف في الدنيا، وضيع في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار.
أو كما قال.
قال محمد بن الحسن المخزومي: قيل لحسان بن ثابت: من أشعر الناس؟ قال: أبو أمامة يعني النابغة الذبياني.
قال: ثم من؟ قال: حسبك بي مناضلاً أو منافحاً.
قيل: فأين أنت من امرؤ القيس؟ قال: إنما كنت في ذكر الإنس.
قدم قوم من اليمن على سيدنا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس بن حجر.
قال: " وكيف ذلك "؟ قالوا: أقبلنا نريدك فضللنا فبقينا ثلاثاً بغير ماء، فاستظللنا بالطلح والسمر وفي رواية فانطلق كل رجل منا إلى أصل شجرةٍ ليموت في ظلها فبينا نحن في آخر رمق إذ أقبل فأقبل راكب متلثم بعمامة، وتمثل رجل منا ببيتين: " من الطويل "
ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارجٍ ... يفيء عليها الطلح عرمضها طامي
فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس بن حجر.
قال: فلا والله
стр. 1505
ما كذب.
هذا ضارج عندكم، فحبونا على الركب إلى ماء كما ذكر، عليه العرمض، يفيء عليه الطلح، فشربنا رينا، وحملنا ما بلغنا من الطريق.
فقال النبي ﷺ : " ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسيٌ في الآخرة، خاملٌ فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار ".
ويقال: إن لبيداً قدم المدينة قبل إسلامه فقال رجل من قريش لرجل منهم: انهض إلى لبيد، فاسأله أن يسأل رسول الله ﷺ من أشعر الناس؟ فنهض إليه فسأله.
قال: " إن شئت أخبرتك من أعلمهم ".
قال: بل أشعرهم.
قال: " يا حسان! أعلمه "، فقال حسان: الذي يقول: " من الطويل "
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
قال: هذا امرؤ القيس، فمن الثاني؟ قال: " يا حسان أعلمه ".
قال: الذي يقول: " من المتقارب "
كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب
إذا سل عنه جلالٌ له ... يقال سليبٌ ولم يسلب
قال لبيد: وهذا له أيضاً.
فقال رسول الله ﷺ : " لو أدركته لنفعته ".
ثم قال: " معه لواء الشعراء يوم القيامة حتى يتدهدى بهم في النار ".
فقال لبيد: ليت هذه المقالة قيلت لي، وأني أدهدى في النار، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه.
قال أبو سليمان الخطابي في حديث عمر، أنه ذكر امرأ القيس، فقال: خسف لهم عين الشعر، وافتقر عن معانٍ عورٍ أصح بصراً.
فسره ابن قتيبة في كتابه، فقال: خسف من الخسيف، وهو البئر يحفر في حجارة،
стр. 1506
فيستخرج منها ماءٌ كثير.
وافتقر: فتح، وهو من الفقير.
والفقير: فم القناة.
وقوله: عن معان عور.
يريد أن امرأ القيس من اليمن، وليست لهم فصاحة.
قال أبو سليمان: هذا لا وجه له، ولا موضع لاستعماله فيمن لا فصاحة له، وإنما أريد بالعور ههنا: غموض المعاني ودفنها من قولك: عورت الركية إذا دفنتها، وركية عوراء، قال الشاعر: " من الزجر "
ومنهل أعور إحدى العينين ... بصيرة الأخرى أصم الأذنين
جعل العين التي تنبع بالماء بصيرة، وجعل المندفنة عوراء، فالمعاني العور على هذا: هي الباطنة الخفية.
كقولك: هذا كلام معمى: أي غامض غير واضح.
أراد عمر أنه قد غاص على معان خفية على الناس، فكشفها لهم.
وضرب العور مثلاً لغموضها وخفائها، وصحة البصر مثلاً في ظهورها وبيانها.
وذلك كما أجمعت عليه الرواة، من سبقه إلى معان كثيرة لم يحتذ فيها على مثال متقدم: كابتدائه في القصيدة بالنسيب، والبكاء في الأطلال، والتشبيهات المصيبة، والمعاني المقتضبة التي تفرد بها، فتبعه الشعراء عليها، وامتثلوا رسمه فيها.
قال يونس بن حبيب: علماء البصرة يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأله الكوفة يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيراً والنابغة.
قال ابن سلام: واحتج لامرئ القيس من يقدمه، وليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منه: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين
стр. 1507
المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيهاً؛ وأحسن الإسلام تشبيهاً ذو الرمة.
قال أبو عبيدة: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله؛ فجده امرؤ القيس، وهزله أبو نواس.
سئل الفراء يحيى بن زياد القيسي النحوي عن أشعر العرب؟ فأبى أن يقول، فقيل له: إنك لهذا موضع فقل، فقال: كان زهير بن أبي سلمى واضح الكلام، مكتفية بيوته، البيت منها بنفسه كافٍ، وكان جيد المقاطع، وكان النابغة جزل الكلام حسن الابتداء والمقطع، يعرف في شعره قدرته على الشعر، لم يخالطه ضعف الحداثة.
وكان امرؤ القيس شاعرهم الذي علم الناس الشعر والمديح والهجاء بسبقه إياهم، وإنه إن كان خارجاً من حد الشعراء ينوفهم وكان لطرفة شيء ليس بالكثير، وليس كما يذهب إليه بعض الناس لحداثته، وكان لو متع بسنٍّ حتى يكبر معه شعره، كان خليقاً أن يبلغ المبالغ.
وكان الأعشى يضع لسانه من الشعر حيث شاء، وكان الحطيئة نقي الشعر، قليل السقط، حسن الكلام مستويه، وكان لبيد وابن مقبل يجريان مجرىً واحداً في خشونة الكلام وصعوبته.
وليس ذلك بمحمودٍ عند أهل الشعر، وأهل العربية يشتهونه لكثرة غريبه، وليس يجود الشعر عند أهله حتى يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه؛ فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق، فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس، وكادا يكونان خاتمي الشعر.
وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولم يكن هجاءً ولا مداحاً، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع، أو مدح فرفع، كالحطيئة والأعشى فإنهما كانا يرفعان ويضعان، ثم قال الفراء: والله الرافع والواضع.
قال ابن الكلبي: لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد بني أسد ثائراً بأبيه، وكان مرثد بن علس بن ذي حزن ملك جهينة قد أمده بخمس مائة رجل من حمير رماة، فسار حتى مر بتبالة وبها ذو الخلصة، وكانت العرب كلها تعظمه، فدخل امرؤ القيس عليه وعنده قداح له ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، يستسقم في قتال بني أسد، فخرج
стр. 1508
الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فكسر الأقداح وضرب بها وجه ذي الخلصة، وقال: عضضت بأير أبيك، لو كان أبوك المقتول لما عوقتني، ثم أغار على بني أسد فقتلهم قتلاً ذريعاً، فلم يستسقم عند ذي الخلصة حتى جاء الله بالإسلام.
قال أبو عمرو بن العلاء: أقبل امرؤ القيس حتى لقي الحارث التوأم اليشكري وكان الحارث يكنى أبا شريح، فقال امرؤ القيس: " من الوافر "
أحار ترى بريقاً لم يغمض
فقال الحارث:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرقت له ونام أبو شريح
فقال الحارث:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
كأن حنينه والذعر فيه
فقال الحارث:
عشارٌ ولهٌ لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك ببطن الجو ظبياً
فقال الحارث:
ولم يترك بعرصتها حمارا
стр. 1509
فقال امرؤ القيس:
فلما إذ علا بقفا أضاحٍ
قال الحارث:
وعت أعجاز ريقه فحارا
فقال امرؤ القيس: لا بغيت أحداً بعدك بالشعر.
قال الشافعي: قال امرؤ القيس: " من الطويل "
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
كذبت لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
ومن شعره:
فلو أن ما سعى لأدنى معيشةٍكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
قال خالد بن يزيد الكاتب: بينا أنا مارٌ بباب الطاق إذ براكب خلفي على بغلة، فلما لحقني نخسني بسوطه، فقال: أنت القائل يا خويلد:
وليل المحب بلا آخر؟
قلت: نعم! قال: لله أبوك، وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاثة أبيات، ووصفه النابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشار بن برد في ثلاثة أبيات، وبرزت عليهم بشطر
стр. 1510
كلمة فلله أبوك.
قلت: وبم وصفه امرؤ القيس؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
وليلٍ، كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح فيك بأمثل
قلت: وبما وصفه النابغة؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
وصدرٍ أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الهم من كل جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يهدي النجوم بآيب
قلت له: وبم وصفه بشار؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح؟
أظن الدجى طالت وما طالت الدجى ... ولكن أطال الليل سقم مبرح
أضل النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرح؟
قلت له: يا مولاي هل لك في شعر قلته لم أسبق إليه؟ قال: نعم.
فقلت: " من مجزوء الرمل "
كلما اشتد خضوعي ... لجوىً بين ضلوعي
ركضت في حلبتي خد ... ي خيلٌ من دموعي
قال: فثنى رجله من بغلته وقال: هاكها فاركبها فأنت أحق بها مني.
فلما مضى سألت عنه فقيل: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
следующие страницы →