Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
فيستخرج منها ماءٌ كثير.
وافتقر: فتح، وهو من الفقير.
والفقير: فم القناة.
وقوله: عن معان عور.
يريد أن امرأ القيس من اليمن، وليست لهم فصاحة.
قال أبو سليمان: هذا لا وجه له، ولا موضع لاستعماله فيمن لا فصاحة له، وإنما أريد بالعور ههنا: غموض المعاني ودفنها من قولك: عورت الركية إذا دفنتها، وركية عوراء، قال الشاعر: " من الزجر "
ومنهل أعور إحدى العينين ... بصيرة الأخرى أصم الأذنين
جعل العين التي تنبع بالماء بصيرة، وجعل المندفنة عوراء، فالمعاني العور على هذا: هي الباطنة الخفية.
كقولك: هذا كلام معمى: أي غامض غير واضح.
أراد عمر أنه قد غاص على معان خفية على الناس، فكشفها لهم.
وضرب العور مثلاً لغموضها وخفائها، وصحة البصر مثلاً في ظهورها وبيانها.
وذلك كما أجمعت عليه الرواة، من سبقه إلى معان كثيرة لم يحتذ فيها على مثال متقدم: كابتدائه في القصيدة بالنسيب، والبكاء في الأطلال، والتشبيهات المصيبة، والمعاني المقتضبة التي تفرد بها، فتبعه الشعراء عليها، وامتثلوا رسمه فيها.
قال يونس بن حبيب: علماء البصرة يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأله الكوفة يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيراً والنابغة.
قال ابن سلام: واحتج لامرئ القيس من يقدمه، وليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منه: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين
стр. 1507
المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيهاً؛ وأحسن الإسلام تشبيهاً ذو الرمة.
قال أبو عبيدة: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله؛ فجده امرؤ القيس، وهزله أبو نواس.
سئل الفراء يحيى بن زياد القيسي النحوي عن أشعر العرب؟ فأبى أن يقول، فقيل له: إنك لهذا موضع فقل، فقال: كان زهير بن أبي سلمى واضح الكلام، مكتفية بيوته، البيت منها بنفسه كافٍ، وكان جيد المقاطع، وكان النابغة جزل الكلام حسن الابتداء والمقطع، يعرف في شعره قدرته على الشعر، لم يخالطه ضعف الحداثة.
وكان امرؤ القيس شاعرهم الذي علم الناس الشعر والمديح والهجاء بسبقه إياهم، وإنه إن كان خارجاً من حد الشعراء ينوفهم وكان لطرفة شيء ليس بالكثير، وليس كما يذهب إليه بعض الناس لحداثته، وكان لو متع بسنٍّ حتى يكبر معه شعره، كان خليقاً أن يبلغ المبالغ.
وكان الأعشى يضع لسانه من الشعر حيث شاء، وكان الحطيئة نقي الشعر، قليل السقط، حسن الكلام مستويه، وكان لبيد وابن مقبل يجريان مجرىً واحداً في خشونة الكلام وصعوبته.
وليس ذلك بمحمودٍ عند أهل الشعر، وأهل العربية يشتهونه لكثرة غريبه، وليس يجود الشعر عند أهله حتى يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه؛ فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق، فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس، وكادا يكونان خاتمي الشعر.
وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولم يكن هجاءً ولا مداحاً، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع، أو مدح فرفع، كالحطيئة والأعشى فإنهما كانا يرفعان ويضعان، ثم قال الفراء: والله الرافع والواضع.
قال ابن الكلبي: لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد بني أسد ثائراً بأبيه، وكان مرثد بن علس بن ذي حزن ملك جهينة قد أمده بخمس مائة رجل من حمير رماة، فسار حتى مر بتبالة وبها ذو الخلصة، وكانت العرب كلها تعظمه، فدخل امرؤ القيس عليه وعنده قداح له ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، يستسقم في قتال بني أسد، فخرج
стр. 1508
الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فكسر الأقداح وضرب بها وجه ذي الخلصة، وقال: عضضت بأير أبيك، لو كان أبوك المقتول لما عوقتني، ثم أغار على بني أسد فقتلهم قتلاً ذريعاً، فلم يستسقم عند ذي الخلصة حتى جاء الله بالإسلام.
قال أبو عمرو بن العلاء: أقبل امرؤ القيس حتى لقي الحارث التوأم اليشكري وكان الحارث يكنى أبا شريح، فقال امرؤ القيس: " من الوافر "
أحار ترى بريقاً لم يغمض
فقال الحارث:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرقت له ونام أبو شريح
فقال الحارث:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
كأن حنينه والذعر فيه
فقال الحارث:
عشارٌ ولهٌ لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك ببطن الجو ظبياً
فقال الحارث:
ولم يترك بعرصتها حمارا
стр. 1509
فقال امرؤ القيس:
فلما إذ علا بقفا أضاحٍ
قال الحارث:
وعت أعجاز ريقه فحارا
فقال امرؤ القيس: لا بغيت أحداً بعدك بالشعر.
قال الشافعي: قال امرؤ القيس: " من الطويل "
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
كذبت لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
ومن شعره:
فلو أن ما سعى لأدنى معيشةٍكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
قال خالد بن يزيد الكاتب: بينا أنا مارٌ بباب الطاق إذ براكب خلفي على بغلة، فلما لحقني نخسني بسوطه، فقال: أنت القائل يا خويلد:
وليل المحب بلا آخر؟
قلت: نعم! قال: لله أبوك، وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاثة أبيات، ووصفه النابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشار بن برد في ثلاثة أبيات، وبرزت عليهم بشطر
стр. 1510
كلمة فلله أبوك.
قلت: وبم وصفه امرؤ القيس؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
وليلٍ، كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح فيك بأمثل
قلت: وبما وصفه النابغة؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
وصدرٍ أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الهم من كل جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يهدي النجوم بآيب
قلت له: وبم وصفه بشار؟ فقال: بقوله: " من الطويل "
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح؟
أظن الدجى طالت وما طالت الدجى ... ولكن أطال الليل سقم مبرح
أضل النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرح؟
قلت له: يا مولاي هل لك في شعر قلته لم أسبق إليه؟ قال: نعم.
فقلت: " من مجزوء الرمل "
كلما اشتد خضوعي ... لجوىً بين ضلوعي
ركضت في حلبتي خد ... ي خيلٌ من دموعي
قال: فثنى رجله من بغلته وقال: هاكها فاركبها فأنت أحق بها مني.
فلما مضى سألت عنه فقيل: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
стр. 1511
ومن شعر امرئ القيس: " من الطويل "
إذا قلت هذا صاحبٌ قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا
وذلك أني لم أثق بمصاحبٍ ... من الناس إلا خانني وتغيرا
ولما احتضر امرؤ القيس بأنقرة نظر إلى قبر فسأل عنه فقالوا: قبر امرأة غريبة فقال: " من الطويل "
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيمٌ ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب
وروي أن هذين البيتين وجدا على قبر أبي نواس مكتوبين والبيت الأول:
أجارتنا إن الخطوب تنوب
امرؤ القيس بن عابس بن المنذر
ابن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية ابن كندة، وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الكندي، وفد على النبي ﷺ ، فأسلم، ورجع إلى بلاد قومه، وثبت على إسلامه، فلم يرتد مع من ارتد من كندة، ثم خرج إلى الشام مجاهداً وشهد اليرموك.
وكان امرؤ القيس بن عابس نازلاً ببيسان من الشام.
وكان شاعراً.
стр. 1512
حدث رجاء بن حيوة وعرس بن عميرة أن رجلاً من حضرموت وامرأ القيس بن عابس كان بينه وبين آخر خصومة في أرض له، فأتوا رسول الله ﷺ ، فسأل رسول الله ﷺ الحضرمي البينة، فلم تكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: يا رسول الله، أمكنته من اليمين، ذهبت والله أرضي، فقال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها - يعني مال امرئٍ مسلم - لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان ".
قال: فدعا رسول الله ﷺ امرأ القيس فتلا عليه هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً " إلى آخر الآية.
قال امرؤ القيس: يا رسول الله، ماذا لمن تركها؟ قال: " الجنة ".
قال: فإني أشهدك أني قد تركتها.
وكان امرؤ القيس جاهلياً وأدرك الإسلام.
ووفد إلى النبي ﷺ ، ولم يرتد في أيام أبي بكر، وأقام على الإسلام، وكان له غناءٌ في الردة، وهو القائل: " من الوافر "
ألا أبلغ أبا بكرٍ رسولاً ... وخص بها جميع المسلمينا
فلست مجاوراً أبداً قبيلاً ... بما قال الرسول مكذبينا
دعوت عشيرتي للسلم حتى ... رأيتهم أغاروا مفسدينا
فلست مبدلاً بالله رباً ... ولا متبدلاً بالسلم دينا
أمية بن أبي الصلت عبد الله
ابن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو عثمان، ويقال أبو الحكم الثقفي.
شاعر جاهلي، قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل: إنه كان نبياً وإنه كان في أول أمره على الإيمان، ثم زاغ عنه، وأنه هو الذي أراد الله تعالى بقوله: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ".
стр. 1513
قال أبو سفيان: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجاراً إلى الشام، فكلما نزلت منزلاً أخذ أمية سفراً له يقرؤها علينا.
فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه، وذهب معهم إلى بيتهم، ثم رجع في وسط النهار، فطرح ثوبيه، وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب نسأله؟ قلت: لا أرب لي فيه، والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدثني بما أكره لأوجلن منه، قال: فذهب، وخالفه شيخ من النصارى، فدخل علي فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: ألست على دينه، قال: وإن، فإنك تسمع منه عجباً وتراه؛ ثم قال لي: أثقفي أنت؟ قلت: لا ولكني قرشي.
قال: فما يمنعك من الشيخ، فوالله إنه ليحتكم، ويوصي بكم.
قال: فخرج من عندنا، ومكث أمية حتى جاءنا، بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح كئيباً حزيناً ساقطاً غبوقه على صبوحه، ما يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: وهل بك من رحيل؟ قال: نعم، قال: فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين من همه، ثم قال لي في الليلة الثالثة: ألا تحدث يا أبا سفيان؟ قلت: وهل بك من حديث؟ قال: والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك، قال: أما إن ذلك لشيءٌ لست فيه إنما ذلك جلت به من منقلبي؟ قال: قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إني والله لأموتن ثم لأحيين، قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب، قال: فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لنبعثنّ ولنحاسبنّ وليدخلنّ فريق الجنة وفريق النار، فقلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك لا فيّ ولا في نفسه، قال: فكان في ذلك ليلتين، يعجب مني وأضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا فأقمنا بها شهرين، فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم حتى بعدما انتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام وأصبح حزيناً كئيباً لا يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: بلى إن شئت، فرحلنا كذلك من بثه وحزنه ليالي، ثم قال لي: يا أبا سفيان، هل لك في المسير نتقدم أصحابنا؟ قلت: هل لك فيه؟ قال: فسر،
стр. 1514
فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة ثم قال: هيا صخر! قلت: ما تشاء؟ قال: حدثني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي والله، قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله.
قال: وكريم الطرفين وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم.
قال: فهل تعلم قرشياً أشرف منه؟ قلت: لا والله لا أعلمه.
قال: أمحوج هو؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير.
قال: وكم أتى عليه من السن؟ قلت: قد زاد على المائة.
قال: فالشرف والسن والمال أزرين به.
قلت: ولم ذاك يزري به؟ لا والله بل يزيده خيراً.
قال: هو ذلك، هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فاضطجعنا حتى مر الثقل، قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل، وبتنا به، ثم رحلنا منه، فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان، قلت: ما تشاء؟ قال: هل لك في مثل البارحة؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فسرنا على ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال: هيا صخر هيه عن عتبة بن ربيعة، قلت: هيهاً فيه، قال: أيجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم، ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله إنه ليفعل.
فقال: وذو مال؟ قال: أتعلم قرشياً أسود منه؟ قلت: لا والله ما أعلمه.
قال: كم أتى له من السن؟ قلت: قد زاد على المائة، قال: فإن السن والشرف والمال أزرين به.
قلت: كلا والله ما أزرى به ذاك، وأنت قائل شيئاً فقله.
قال: لا تذكر حديثي حتى يأتي منه ما هو آتٍ، ثم قال: فإن الذي رأيت أصابني أني جئت هذا العالم، فسألته عن أشياء، ثم قلت: أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر قال: هو رجل من العرب.
قلت: قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو؟ قال: من أهل بيت يحجه العرب.
قلت: وفينا بيت يحجه العرب؟! قال: هو من إخوانكم من قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو أن أكون إياه.
فقلت: فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: رجل شاب حتى دخل في الكهولة، بدوّ أمره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده الملائكة.
قلت: وما آية ذلك؟ قال: قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم ﵇ ثلاثين رجفة كلها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب.
قال أبو سفيان: قلت له: هذا والله الباطل.
لئن بعث الله رسولاً لا يأخذه إلا
стр. 1515
مسناً شريفاً.
قال أمية: والذي حلفت به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، تقول إن قول النصراني حق.
هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كنا بيننا وبين مكة ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه، فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفةٌ، دمر أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة.
قال أبو سفيان: فأقبل علي أمية فقال:: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان؟ قلت: أرى والله وأظن أن ما حدثك صاحبك حق.
قال: فقدمنا مكة، فقضيت ما كان معي ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجراً، فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس، يسلمون علي، ويسألون عن بضائعهم، ثم جاءني محمد بن عبد الله، وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقامي، ولم يسلني عن بضاعته، ثم قام فقلت لهند: والله إن هذا يعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا قد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته، فقالت لي هند: وما علمت شأنه؟ قلت وفزعت: ما شأنه؟ قالت: يزعم أنه رسول الله، فوقذتني، وذكرت قول النصراني فوجمت حتى قالت هند: ما لك؟ فانتبهت فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا.
قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك، ويواتى عليه وإن له لصحابة على دينه.
قلت: هذا الباطل.
قال: وخرجت فبينا أنا أطوف بالبيت لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير فأرسل فخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي، فأبى علي وقال: إذاً لا آخذها.
فأرسلت: فأرسل فخذها وأنا آخذ منك ما آخذ من قومي.
فأرسل إلى بضاعته فأخذها، وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره ولم أنشب أن خرجت إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية بن أبي الصلت، فقلت له: يا أبا عثمان، قال: ما تشاء؟ قلت: هل تذكر حديث النصراني؟ قال: أذكره.
قلت: فقد كان.
قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله.
قال: ابن عبد المطلب؟ قلت: ابن عبد المطلب، ثم قصصت عليه خبر هند.
قال: فالله يعلم لتصبب عرقاً، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله أن صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حي لآتلين إلى الله في نصره عذراً.
قال: ومضيت إلى
стр. 1516
اليمن فلم أنشب أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبي الصلت بالطائف، فقلت: أبا عثمان، قد كان أمر الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان لعمري.
قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ قال: والله ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبداً.
قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة فوالله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون، قال أبو سفيان: فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ قال: فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة.
وعن نافع بن عاصم بن مسعود قال: إنني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ".
قال هل تدرون من هو؟ قال بعضهم: هو صيفي بن الراهب، وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بني إسرائيل.
قال: لا.
قالوا: فمن هو؟ قال: هو أمية بن أبي الصلت.
قال الكلبي: بينا أمية راقد ومعه ابنتان له؛ إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه، فقال: ما شأنك؟ قالت: رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك والآخر واقف على ظهر البيت، فناداه، فقال: أوعى؟ قال: نعم، قال: أزكا؟ قال: لا، فقال: ذاك خير أريد بأبيكما فلم يقبله.
حدث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني رسول الله ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة بيت كلما أنشدته ما فيه قال: " إنه قد كاد أن يسلم ".
стр. 1517
وحدث الشريد الهمداني قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فبينا أنا أمشي ذات يوم إذا وقع ناقة خلفي، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ ، فقال: " الشريد؟ " فقلت: نعم، قال: " ألا أحملك؟ " قلت: بلى.
وما بي من عناءٍ ولا لغوب، ولكن أردت البركة في ركوبي مع رسول الله ﷺ ، فأناخ، فحملني، فقال: " أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ " قلت: نعم.
قال: " هات ".
فأنشدته.
قال: " أظنه قال مئة بيت، فقال: عند الله علم أمية بن الصلت ".
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : " إن أصدق كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكاد ابن أبي الصلت أن يسلم ".
وعن ابن عباس قال: أنشد رسول الله ﷺ من قول أمية بن أبي الصلت: " من الكامل "
رجلٌ وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليثٌ مرصد
فقال رسول الله ﷺ : " فصدق ".
وأنشد قوله:
والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... صفراء يصبح لونها يتورد
فقال رسول الله ﷺ : " صدق ".
وأنشد قوله:
تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبةً وإلا تجلد
فقال رسول الله ﷺ : " صدق ".
وعن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مئة وستين كوة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلا ذلك اليوم من العام القابل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، فتقول: رب لا
стр. 1518
تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك، يعملون بمعاصيك.
فقال: أو لم تسمعوا إلى ما قال أمية بن الصلت: حتى تجبر وتجلد؟ قلت: يا مولاي؟ أو تجلد الشمس؟ فقال: عضضت على هن أبيك إنما اضطر الروي إلى الجلد.
وعن عكرمة قال: قلت لابن عباس: أرأيت ما جاء عن النبي ﷺ في أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، وكفر قلبه؟ فقال: هو حقٌّ فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله:
والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... صفراء يقبح لونها يتورد
ليست بطالعةٍ لهم في رسلها ... إلا معذبةً وإلا تجلد
ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملكٌ، فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها، وذلك قول رسول الله ﷺ : " ما طلعت إلا بين قرني شيطان ".
وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تحتها.
وقد قال رسول الله ﷺ : " ولا غربت إلا بين قرني شيطان ".
قال ابن أبي الدنيا: إن لله تعالى من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره.
لقد روي عن بكر السهمي عن أبيه أن قوماً كانوا في سفر، فكان فيهم رجل يمر الطائر فيقول: تدرون ما يقول هذا؟ فيقولون: لا فيقول: يقول: كذا وكذا، فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق هو أم كاذب إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا، قال: تقول للسخلة: الحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان، قال: فانتهينا إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟ قال: نعم، ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان، ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو يحنو عنقه إليها، فقال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا.
قال: فإنه يلعن
стр. 1519
راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، فهو مزنر في سنامه.
قال: فانتهينا إليهم، فقلنا: يا هؤلاء، إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ويزعم أنه رحلته على مخيط وأنه في سنامه قال: فأناخوا البعير، فحطوا عنه، فإذا هو كما قال.
قال الأصمعي: كل شعر قيل في السخاء غلب عليه حاتم، وكل شعر قيل في الشجاعة غلب عليه عنترة، وكل شعر قيل في الغزل غلب عليه ابن أبي ربيعة، وكل ما قيل في الزهد غلب عليه أمية بن أبي الصلت.
قال الحسين بن الحسن المروزي: سألت سفيان بن عينية عن تفسير قول النبي ﷺ : " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ".
فقلت له: هذا ثناء وليس بدعاء.
فقال: أما بلغك حديث منصور عن مالك بن الحارث يقول الله تعالى: " إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين؟ " قلت: نعم، قال: هذا تفسيره، ثم قال: أما بلغك ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى ابن جدعان يطلب فضله ونائله فقال: " من الوافر "
стр. 1520
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
ثم قال: يا حسين هذا مخلوق يكتفي بالثناء عليه دون مسألته فكيف بالخالق ؟.
قال أبو عاصم: اشترى أخ لشعبة من طعام السلطان، فحبس وشركاؤه، فحبس بستة آلاف دينار بحصته، فخرج شعبة إلى المهدي ليكلمه فيه، فلما دخل عليه قال له: يا أمير المؤمنين أنشدني قتادة لأمية بن أبي الصلت بقوله لعبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
كريمٌ لا يعطله صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا مساء
فأرضك أرض مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
فقال: لا يا أبا سطام لا تذكرها قد عرفناها وقضيناها لك.
ادفعوا إليه أخاه، لا تلزموه شيئاً.
ومن شعر أمية بن أبي الصلت: " من الكامل "
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان
بل يسفرون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا المقل أقام وسط رحالهم ... ردوه رب صواهل وقيان
وإذا دعوتهم لكل مهمةٍ ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان
ومن شعره: " من الطويل "
عطاؤك زينٌ لامرئٍ إن حبوته ... بخيرٍ وما كل العطاء يزين
وليس بشينٍ لامرئٍ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
قال سعيد بن المسيب: قدمت الفارعة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة، وكانت ذات عقلٍ ولبٍ وجمال، وكان رسول الله ﷺ بها معجباً، فقال لها رسول الله ﷺ ذات يوم: " يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟ "، فقالت: نعم، وأعجب منه ما قد رأيت قالت: كان أخي في سفر، فلما انصرف بدأ بي، فدخل علي، فرقد على السرير وأنا أحلق أديماً في يدي إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوة أحدهما،
стр. 1521
ودخل الآخر فوقع عليه فشق الواقع عليه ما بين قصته إلى عانته، ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه، فقال له الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى.
قال: أزكا؟ قال: أبى، ثم رد القلب إلى مكانه، فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين، ثم ذهبا، فلما رأيت ذلك دنوت منه فحركته، فقلت: هل تجد شيئاً؟ قال: لا، إلا توصيباً في جسدي وقد كنت ارتعت مما رأيت، فقال لي: ما لي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرته الخبر، فقال: خير أريد بي ثم أصرف عني، فأنشأ يقول من أبيات: " من المنسرح "
باتت همومي تسري طوارقها ... أكف عيني والدمع سابقها
مما أتاني من اليقين ولم ... أوت براةً يقص ناطقها
أمن تلظى عليه واقدة النار محيطٌ بهم سرادقها
أم أسكن الجنة التي وعد ال ... أبرار مصفوفةٌ نمارقها
لا يستوي المنزلان ثم ولا ال ... أعمال لا تستوي طرائقها
قالت: فلما انصرف إلى رحله لم يلبث إلا يسيراً حتى ظعن في جنازته، فأتاني الخبر، فانطلقت إليه، فوجدته منعوشاً قد سجي عليه، فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته: لبيكما ها أنذا لديكما لا ذو مال فيفديني ولا ذو أهل فيحميني، ثم أغمي عليه، إذ شهق شهقة، قلت: قد هلك الرجل فشق بصره نحو السقف ورفع صوته فقال: " من مجزوء الرجز "
стр. 1522
لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما
لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر، ثم أغمي عليه إذ شهق شهقةً، ونظر نحو السقف فقال:
لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما
إن تغفر اللهم تغفر جماً ... وأي عبدٍ لك إلا ألما
ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقال:
لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما
" من الخفيف "
كل عيشٍ وإن تطاول دهراً ... صائرٌ مرةً إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
ثم مات.
فقال النبي ﷺ : " يا فارغة! إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها " إلى آخر الآية.
قال يعقوب بن السكيت: كان أمية بن أبي الصلت بسرف قال: فجاء غراب، فنعب نعبة فقال له أمية: بفيك التراب، ثم نعب نعبة أخرى قال: بفيك التراب، ثم أقبل على أصحابه، فقال: تدرون ما قال الغراب؟ يزعم أني أشرب هذا الكأس ثم أتكئ فأموت، ثم نعب نعبة أخرى، فقال: وآية ذلك أني أقع على هذه المزبلة فأبتلع عظماً ثم أقع فأموت قال: فوقع الغراب على المزبلة فابتلع عظماً فمات، فقال أمية: أما هذا فقد صدقني عن نفسه ولكن لأنظرن أيصدقني عن نفسي؟ قال: فشرب الكأس ثم اتكأ فمات.
قال ابن شهاب: قال أمية ابن أبي الصلت: " من البسيط "
ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
стр. 1523
قال: ثم خرج أمية إلى البحرين ونبئ رسول الله ﷺ فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم الطائف، فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبي فهو الذي كنت تتمنى.
قال: فخرج حتى قدم عليه مكة.
قال: فلقي رسول الله ﷺ فقال: يا بن عبد المطلب ما هذا الذي تقول؟ قال: قال رسول الله ﷺ : " أقول أني رسول الله وأن الله لا إله إلا هو ".
قال: فإني أريد أن أكلمك، تعدني غداً؟ قال: " فموعدك غداً ".
قال: فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي وتأتي وحدك أو في جماعة من أصحابك؟ قال رسول الله ﷺ : " أي ذلك شئت ".
قال: فإني آتيك في جماعة فأت في جماعة، فلما كان الغد غدا أمية في جماعةمن قريش قال: وغدا رسول الله ﷺ معه نفرٌ من أصحابه حتى جلسوا في ظل البيت.
قال: فتبدأ أمية فخطب، ثم سجع ثم أنشد الشعر قال: حتى إذا فرغ قال: أجبني يا بن عبد المطلب قال: فقال رسول الله ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم يس والقرآن الحكيم ".
قال: حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه قال: فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه الحق.
قالوا: فهل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره.
قال: ثم خرج أمية إلى الشام.
قال: وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فلما قتل أهل بدر، أقبل أمية من الشام حتى نزل بدراً، قال: ثم ترحل يريد رسول الله ﷺ .
قال: فقال قائل: يا بن أبي الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمداً.
قال: وما تصنع؟ قال: أؤمن به وألقي إليه مقاليد هذا الأمر.
قال: تدري من في القليب؟ قال: لا.
قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خالك وأمه رقيقة بنت عبد الشمس.
قال: فجدع أنف ناقته وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول: " من مجزوء الكامل "
ماذا ببدرٍ فالعقن ... قل من مرازبةٍ جحاجح
قال: فرجع إلى مكة وترك الإسلام، فخرج حتى قدم الطائف، وقدم على أخته فوجدها تجلي أدماً لها، وذكر حديث الطائرين وشق بطنه وإخراج قلبه، وقول الأعلى منهما: أوعى؟ قال: وعى.
قال: أقبل؟ قال: أبى.
قال: فرده، ثم طار، فأتبعهما
стр. 1524
أمية بصره، وقال: لبيكما لبيكما وقص بقية الحديث وأنشأ يقول من أبيات: " من الخفيف "
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قنان الجبال أرعى الوعولا
فاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا
وخرج من عندها حتى إذا كان بين بيتها وبيته أدركه الموت.
قال: ففيه أنزل الله : " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ".
أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد
ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي.
أصله من مكة قدم على عبد الملك وكانت داره بدمشق.
عن أمية بن عبد الله بن خالد أنه سأل عبد الله بن عمر قال: قلت له: أرأيت قصر الصلاة في السفر إنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الحضر؟ قال أمية: قال عبد الله بن عمر: يا بن أخي إن الله أرسل إلينا محمداً ﷺ ، ولا نعلم شيئاً، وإنما نعمل ما رأينا رسول الله ﷺ يفعل.
وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله ﷺ .
قال خليفة بن خياط: وفي سنة ثلاث وسبعين بعث خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو والي البصرة أخاه أمية بن عبد الله إلى البحرين إلى أبي فديك في جمع كثير، فالتقوا فانهزم أمية وأهل البصرة.
стр. 1525
قال: سنة أربع وسبعين، فيها بعث عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي إلى أبي فديك، فقتل أبو فديك، وكتب عبد الملك إلى بكير: إن قتلت ابن خازم أو أخرجته من خراسان فأنت الأمير، فقتل بكيرٌ ابن خازم، وأقام والياً على حتى قدم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فعزله، وولى أمية - يعني خراسان - ثم عزله، وولى المهلب بن أبي صفرة في سنة تسع وسبعين سجستان ولاها عبد الملك عبد الله بن علي بن عدي ثم عزله، وضمها من خراسان إلى أمية بن عبد الله، وذلك سنة ثلاث وسبعين، فولى أمية ابنه عبد الله بن أمية نحواً من ثلاث سنين فعزله عبد الملك، وولى محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فقتله شبيب الحروري بالأهواز قبل أن يصل إليها، وذلك سنة سبع وسبعين، ثم عزل أمية فضمت إلى الحجاج.
ومات أمية بن عبد الله في ولاية عبد الملك.
وقيل: إن أمية بن خالد وخالد بن يزيد بن معاوية وروح بن زنباع ماتوا بالصنبرة في عام واحد.
وقيل: مات روح في سنة أربع وثمانين، وقال: أبو الحسن المدائني: مات أمية بن عبد الله بن خالد سنة سبع وثمانين.
أمية بن عبد الله بن عمرو
ابن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية أبو عثمان القرشي الأموي.
حدث عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة قال: خلق الله الملائكة لعبادته أصنافاً، وإن منهم لملائكة قياماً صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعاً خشوعاً من يوم خلقهم إلى يوم القيامة وملائكة سجوداً منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ﵎ ونظروا إلى وجهه الكريم قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 1526
قال أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: قدمت الصائفة غازياً، فدخلت على عمر بن عبد العزيز، فرحب بي وقال: أين يا أبا عثمان؟ قلت: غازياً إن شاء الله، قال: صنعت الذي يشبهك وما كان عليه أولوك وخيار سلفك، إن ها هنا شيئاً قد أمرنا به لمثل من كان في وجهتك، قال: فقبلت ذلك وكان خمسين ديناراً، فلما رجعت مررت عليه، فقال لي مثل مقالته الأولى، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يقع مني هذا موقعاً.
قال: ما يزيد على هذا أحد، ولو وجدت سبيلاً إلى أن أعطيك غيره من بيت مال المسلمين لفعلت، فقلت: إن لي ولداً، قال: هذا حق نكتب لك إلى عاملك من كان منهم يطيق معاملة المسلمين في مغازيهم فرض له في عيال المسلمين.
قلت: فإن علي ديناً فاقضه عني، قال: هذا حق نكتب لك إلى عاملك، فيبيع مالك فيقضي دينك، وما فضل عليك قضاه من بيت مال المسلمين، فقلت له: والله ما جئتك لتفلسني وتبيع مالي.
قال: والله ما هو غيره.
قال أمية بن عبد الله: كنا عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل لرجل: تحت إبطك، فقال عمر: ما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه، قالوا: وما ذاك؟ قال: لو قال تحت يدك كان أجمل.
وكان أمية غزا طيئاً يوم المنتهب فهزمته وفي سنة ثلاثين ومائة يوم القديد قتل أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان.
أمية بن عثمان الدمشقي
حكى عنه محمد بن عكاشة الكرماني أصول السنة على ما قيل.
قدم محمد بن عكاشة الكرماني البصرة سنة خمس وعشرين ومائتين، فقال: هذا ما اجتمع أهل السنة والجماعة ممن رأيت وسمعت من أهل العلم منهم: سفيان بن عينية، فذكر
стр. 1527
جماعة، ثم قال: وأمية بن عثمان الدمشقي وأحمد بن خالد الدمشقي، فذكر ما عليه أهل السنة من السنن.
قال محمد بن عكاشة وقد كان روى لنا عن الزهري قال: من اغتسل ليلة الجمعة وصلى ركعتين يقرأ فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة، رأى النبي ﷺ في منامه.
قال محمد بن عكاشة فدمت عليه نحواً من سنتين أغتسل كل ليلة جمعة وأصلي ركعتين أقرأ فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة طمعاً أن أرى النبي ﷺ فأعرض عليه هذه الأصول قال: فأتت علي ليلة باردة، فاغتسلت طمعاً أن أرى النبي ﷺ ، فصليت ركعتين قرأت فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة، فلما أخذت مضجعي أصابني حلم، فقمت الثانية فاغتسلت، ثم صليت ركعتين قرأت فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة فلما فرغت منهما كان قريباً من السحر فاستندت إلى الحائط ووجهي إلى القبلة، فجاءني النوم، فدخل علي النبي ﷺ على النعت والصفة وعليه بردان من هذه البرود الثمانية، قد تأزر بإزار وارتدى بآخر فجثا مستوفزاً على رجله اليسرى وأقام اليمنى.
قال محمد بن عكاشة فأردت أن أقول حياك الله يا رسول الله، فبدأني فقال: حياك الله.
قال: وكنت أحب أن أرى رباعيته المكسورة فتبسم فرأيت رباعيته المكسورة فقلت: يا رسول الله الفقهاء قد خلطوا علي في الاختلاف وعندي أصيلات من السنة أعرضها قال: نعم.
قلت: الرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكمه، والأخذ بما أمر الله، والنهي عما نهى الله، وإخلاص العمل، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع كل خليفة، والصلاة يوم الجمعة مع كل بر وفاجر والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، والإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، والقرآن كلام الله، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم من عدل أو جور، ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا، ولا ننزل أحداً من أهل القبلة جنة ولا ناراً، ولا نكفر أحداً من أهل التوحيد وإن عملوا بالتوحيد والكف عن مساوئ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان قال محمد بن عكاشة: فوقفت على علي وعثمان كأني هبت رسول الله ﷺ أن أفضل عثمان على علي، فقلت في نفسي: علي ابن عمه وختنه، فتبسم رسول الله ﷺ كأنه قد علم، فقال: " عثمان ثم علي " ثم قال: " هذه السنة فتمسك بها ".
وضم أصابعه وعقد على ثلاثةٍ وتسعين، وحول الإبهام
стр. 1528
وعطفها على أصابعه.
قال محمد بن عكاشة: فعرضت هذه الأصول عليه ثلاث ليال كل ليلة أقف على علي وعثمان فيبتسم ﷺ عند قولي كأنه قد علم، ثم يقول: " عثمان ثم علي "، فكنت أعرض عليه هذه الأصول وعيناه تهطلان.
قال: فلما قلت: والكف عن مساوئ أصحابك انتحب حتى علا صوته.
قال ابن عكاشة: ووجدت حلاوة في فمي وقلبي فمكثت ثمانية أيام لا آكل طعاماً حتى ضعفت عن صلاة الفريضة فلما أكلت ذهبت عني الحلاوة.
وقد روي عن منبه بن عثمان بدل أمية.
قال: وهو الصحيح.
أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص
ابن سعيد بن العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي والد إسماعيل بن أمية كان بالشام عند قتل أبيه وبعد ذلك، وكان عند عمر بن عبد العزيز وسكن مكة.
حدث محمد بن كعب قال: كنا بخناصرة في مجلس فيه أمية بن عمرو بن سعيد وعراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز فقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم قال الله : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " وقال أمية بن عمرو مثل قول عمر بن عبد العزيز فقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، هم خدمة داريه ورسله إلى أنبيائه، وما خدع إبليس آدم إلا أنه قال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما من الناصحين " قال: فقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيك يا أبا حمزة - يعني محمد بن كعب - فيما امترينا فيه؟ قال: قلت: قد أكرم الله آدم خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن يسجدوا له وجعل من ذريته من تزوره الملائكة، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل وأما قوله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فهذا للخلائق كلهم قال الله تعالى: " والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون
стр. 1529
بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً " الآية، فهؤلاء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ذكر الجن فقال: إنهم قالوا: " وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً وأنا منا المسلمون " فهؤلاء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم جمع الخلائق كلهم وقال: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فهؤلاء من الملائكة والإنس والجن ليس خاصة لبني آدم.
أمية بن يزيد بن أبي عثمان
ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية الأموي.
روي عن أبي مصبح الحمصي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " رأس الدين النصيحة " وفي رواية عنه " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ".
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
قافل أمية بن يزيد: سألت عمر بن عبد العزيز أن يفرض لابنٍ لي، فقال: لو كنت أفرض لابن لي مثله فرضت لهذا.
قال أمية بن يزيد: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى على كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني.
قتله صالح بن علي بن أو عبد الله بن علي يوم نهر أبي فطرس سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
стр. 1530
انتصار بن يحيى المصمودي
المعروف برزين الدولة.
غلب على دمشق في المحرم سنة ثمان وستين وأربع مائة حين هرب عنها معلى بن حيدرة بن منزو، فاجتمعت المصامدة إلى انتصار هذا، وكان زمامهم والمقدم عليهم، وقووا نفسه على الأمر فرضي أكثر الناس بذلك لسداده وحميد سيرته، فاستقر أمره يوم الأحد مستهل المحرم، وأقام والياً بها إلى أن دخلها أتسز في ذي القعدة من هذه السنة، فعوضه عن دمشق بانياس ويافا من الساحل.
أنس بن السلم بن الحسن بن السلم
أبو عقيل الخولاني الأنطرطوسي.
حدث بدمشق سنة تسع وثمانين ومائتين عن عيسى بن سليمان الشيزري بسنده إلى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر.
وحدث عن عمرو بن هشام الحراني بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ".
أنس بن سيرين وكنية سيرين
أبو عمرة أخو محمد بن سيرين أبو حمزة، ويقال: أبو موسى.
ويقال: أبو عبد الله من أهل البصرة.
قدم دمشق مع أنس بن مالك.
قال أنس بن سيرين: سألت ابن عمر عن الركعتين قبل الغداة أطيل فيهما القراءة؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي مثنى مثنى، ويوتر بركعة.
قال: قلت: ليس غير هذا أسألك، قال: إنك لضخم، ألا تدعني أستقرئ لك الحديث! كان رسول الله ﷺ يصلي
стр. 1531
من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتي الغداة، وكان الأذان بأذنه.
قال حماد: يعني بسرعته.
قال أنس بن سيرين: سمعت أنس بن مالك قال:
قال رجل من الأنصار وكان ضخماً للنبي ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع الرجل له طعاماً فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين.
قال: فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلاها غير ذلك اليوم.
قال الأوزاعي: حدثت أن أنس بن سيرين صام يوم عرفة فجهده الصوم، فسأل ابن عمر وابن عباس وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك فأمروه أن يفطر ويقضي.
قال أنس بن سيرين: تلقينا أنس بن مالك حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر وهو يصلي على دابته لغير القبلة، فقلنا له: إنك تصلي إلى غير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك ما فعلت.
وعن أنس بن سيرين قال: أقبلت مع أنس بن مالك من الشام فكان يصلي على حماره أين ما توجه به تطوعاً حتى أتينا أطط وأصبحت الأرض غدائر، فاستخار ربه واستقبل القبلة وصلى على حماره.
قال أنس بن سيرين: ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان، وولدت لسنةٍ بقيت من خلافته.
стр. 1532
وكانوا ستة، خمسة أخوة، وأختهم حفصة وكان أكبرهم معبد بن سيرين، ويحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وخالد بن سيرين، وأنس بن سيرين - وكان أصغرهم - وحفصة بنت سيرين.
قال حماد بن زيد: قلنا لأنس بن سيرين: حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به.
قال: اتقوا الله واتقوا أحاديث أحدثت لا نعرفها.
وعن أنس بن سيرين قال: ولي أنس بن مالك أعمالاً من أعمال البصيرة، فاستعملني على الأبلة، قال: فقلت: تستعملني على المكس من بين عملك؟ قال: وما عليك أن تأخذ بكتاب عمر قال: قلت: وما كتاب عمر؟ قال: كتب أن آخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً ومن أهل الذمة من كل عشرين درهماً درهماً، وممن لا ذمة له من كل عشرة.
يعني درهما، فقلت: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يجيئون بتجارات لهم إلى المدينة فيؤخذ منهم العشر.
حدث حماد بن زيد قال: أتينا أنس بن سيرين فلما رآنا قال: قد جاء اللغاطون قد جاء اللغاطون.
يعني أصحاب الحديث.
ومات أنس بن سيرين سنة ثمان عشرة وقيل سنة عشرين.
أنس بن عباس بن عامر بن حي
ابن رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي، أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ، ووفد عليه وكان في الجيش الذي أمد بهم عمر بن الخطاب أهل القادسية ممن شهد اليرموك.
стр. 1533
وفيما ذكر العلماء من وفود العرب على سيدنا رسول الله ﷺ قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بني سليم يقال له قيس بن نشبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سليم، فقال: قد سمعت ترجمة الروم، وهيمنة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمدٍ شيئاً من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه.
فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ﷺ فلقوه بقديد وهم سبع مائة رجل، ويقال كانوا ألفاً، وفيهم العباس بن مرداس، وأنس بن عباس بن رعل، وراشد بن عبد ربه، فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدماً، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنيناً.
وأعطى رسول الله ﷺ راشد بن عبد ربه رهاطاً وفيها عين يقال لها عين الرسول، وكان راشد يسدن صنماً لبني سليم، فرأى يوماً ثعلبين يبولان عليه فقال:
ربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم شد عليه فكسره، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: " ما اسمك؟ " قال: غاوي بن عبد العزى، قال: أنت راشد بن عبد ربه.
فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبي ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : " خير قرى عربية خيبر، وخير بني سليم راشدٌ ".
وعقد له على قومه.
قال عبد الله محمد بن المكرم معلق هذا المختصر: هكذا رأيت هذا البيت بتثنية الثعلب، والبيت نعرفه أن ذكر الثعلب يقال له ثعلبان، وعلى ذلك أورد علماء اللغة هذا البيت، وفي أول البيت همزة استفهام:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
стр. 1534
وما أدري هذا تصحيف أو رواية! وكان رسول الله ﷺ يدعو على رعل وفالج وذكوان وعصية، وهؤلاء كلهم من بني سليم، ولما قتل أصحاب بئر معونة دعا عليهم رسول الله ﷺ أربعين ليلة حتى نزل عليه: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " فأمسك عنهم.
أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي المدني
حدث عن هشام بن عروة عن أبيه يحدث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ".
قال أبو ضمرة: ولدت سنة أربع ومائة، وكان أبو ضمرة قدم بلخ في ولاية نصر بن سيار، ومات سنة مائتين.
كان ثقة.
وقيل مات سنة تسع وتسعين ومائة.
قال أبو خيثمه: قال لنا أنس بن عياض: أنا أسير الله في أرضه، يعني أنه بلغ تسعين سنة.
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم
ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة، ويقال: أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم سيدنا رسول الله ﷺ وصاحبه، قدم دمشق أيام الوليد بن عبد الملك.
حدث أنس بن مالك قال: كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه إذا دخل على أم سليم، فدخل يوماً فوجده حزيناً فقال: " ما لأبي عمير حزيناً؟ فقالت: يا رسول الله مات
стр. 1535
نغيره الذي كان يلعب به، فجعل يقول: " يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ".
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام ".
أو قال: " ثلاث ليال ".
وعن عروة بن رويم قال: أقبل أنس بن مالك إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بدمشق قال: فدخل عليه فقال له معاوية: حدثني بحديث سمعته من النبي ﷺ ليس بينك وبينه فيه أحد.
قال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الإيمان يمانٍ هكذا إلى لخم وجذام ".
قال الحافظ: هكذا قال معاوية، وقال: والمحفوظ على عبد الملك وعلى الوليد.
وعن إسماعيل عن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: ما سمعت من رسول الله ﷺ يذكر الساعة؟ فحدث أن رسول الله ﷺ قال: " لست من الدنيا وليست مني؟ إني بعثت والساعة نستبق ".
وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ : " أنتم والساعة كتين ".
وعن مكحول قال: رأيت أنس بن مالك يمشي في هذا المسجد فقمت إليه فقلت: كيف ترى في الوضوء من الجنازة؟ فقال: أليس إنما كنا في صلاة ورجعنا إلى صلاة؟ لا وضوء.
قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو وحده فسألته وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئاً مما أدركنا إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت.
قال أبو مسهر: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك حين استخلف في سنة ست وثمانين،
стр. 1536
وقال إسماعيل بن عبيد الله: إنه حضر أنس بن مالك عند الوليد بن عبد الملك سنة ثنتين وتسعين، ومات أنس بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة ثنتين وتسعين، وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ ، وقيل: كان يوم مات ابن تسع وتسعين سنة، وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار، وقيل: اسمها مليكة بنت ملحان، وأمها الرميصاء.
قال قتاده: لما مات أنس بن مالك ﵁ قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل: كيف ذلك يا أبا المعتمر؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعالى إلى من سمعه من النبي ﷺ .
روى الزهري عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، كون أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا دارنا فاستقينا من بئرنا وحلبنا له من شاة لنا داجن، فناولته فشرب، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: " الأيمن فالأيمن ".
وحدث سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك قال:
قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي وانطلقت بي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنه لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا قد أتحفتك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك.
فخدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، فكان أول ما أوصاني به أن قال: " يا بني اكتم سري تك مؤمناً ".
فكانت أمي وأزواج النبي ﷺ يسألنني عن سر رسول الله ﷺ فلا أخبرهم به، وما أنا مخبر بسر رسول الله ﷺ أحداً أبداً.
وقال: " يا بني عليك بإسباغ الوضوء يحبك حافظاك ويزد في عمرك، ويا بني بالغ في الاغتسال من الجنابة فإنك تخرج من مغتسلك وليس عليك ذنب ولا خطيئة ".
قال: قلت: كيف المبالغة يا رسول الله؟ قال: " تبلغ
стр. 1537
أصل الشعر وتنقي البشرة، ويا بني إن استطعت أن لا تزال أبداً على وضوء فإنه من يأته الموت وهو على الوضوء يعطى الشهادة، ويا بني إن استطعت لا تزال أن تصلي فإن الملائكة تصلي عليك مادمت مصلياً، ويا بني إذا ركعت فأمكن كفيك من ركبتيك، وافرج بين أصابعك، وارفع مرفقيك عن جنبيك، ويا بني إذا رفعت رأسك من الركوع فأمكن كل عضوٍ منك موضعه؛ فإن الله لا ينظر يوم القيامة إلى من لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده، ويا بني فإذا سجدت فأمكن جبهتك وكفيك من الأرض، ولا تنقر نقر الديك، ولا تقع إقعاء الكلب - أو قال: إقعاء الثعلب - وإياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لابد ففي النافلة لا في الفريضة، ويا بني إذا خرجت من بيتك فلا تقعن عينك على أحد من أهل القبلة إلا سلمت عليه؛ فإنك ترجع مغفوراً لك، ويا بني إذا دخلت منزلك فسلم على نفسك وعلى أهلك، ويا بني إن استطعت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك شيء لأحد؛ فإنه أهون عليك في الحساب، ويا بني إن اتبعت وصيتي فلا يكن شيء أحب إليك من الموت ".
وفي رواية: " يا بني إن قدرت أن تكون من صلاتك في بيتك مثنى فافعل ".
وفي آخر الحديث ثم قال: " يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة ".
وعن ابن همام قال: قال أنس: خدمت النبي ﷺ وأنا ابن ثمان، وقبض وأنا ابن ثمان عشرة؛ فما قال لي لشيء صنعته لما صنعته؟ ولا قال لشيء لم أصنعه لمَ لم تصنعه؟ وقال لي في مرضه: إني أوصيك بوصية فاحفظها: " أكثر الوضوء يزد في عمرك، ولا تزل طاهراً ولا تبيتن إلا على طهر؛ فإن مت متَ شهيداً، وأكثر صلاة الليل والنهار تحبك الحفظة، وصل صلاة الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين، وإذا خرجت من بيتك فسلم على من لقيت من المسلمين تزد في حسناتك، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم يزد في بركاتك، ووقر كبير المؤمنين، وارحمنّ صغيرهم تكن معي ".
وضم بين أصابعه.
قال أنس بن مالك: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله ﷺ قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه،
стр. 1538
فقالت: يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فقال: " اللهم أكثر ماله وولده ".
قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو مائة اليوم.
وفي رواية قال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة ".
قال: فلقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
وعن ثابت وعن أنس قال: دخل النبي ﷺ علينا، وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، قال: " قوموا فلأصل بكم - في غير وقت صلاة - فصلى بنا "، فقال رجل لثابت: أين جعل أنساً منه؟ قال: جعله عن يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يل رسول الله خويدمك أدع الله له، قال: فدعا لي بكل خير، فكان في آخر ما دعا به لي أن قال: " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه ".
وفي حديث آخر، فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره واغفر له ".
قال: فكثر مالي حتى صار يطعم في السنة مرتين، وكثر ولدي حتى دفنت من صلبي أكثر من مائة، وطال عمري حتى استحيت من أهلي واشتقت لقاء ربي، وأنا أرجو الرابعة.
وفي حديث أن أنساً قال: دفنت بكفي هذه أكثر من مائة ما فيهم ولد ولا سقط.
وفي حديث:
وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك.
стр. 1539
وعن أنس قال: لما كان صبيحة اليوم الذي احتلمت فيه أخبرت رسول الله ﷺ : فقال: " لا تدخل على النساء إلا بإذن ".
قال: فما أتى علي يوم كان أشد علي منه.
وعن ثابت البناني قال: دخلت على أنس بن مالك، فقلت: رأت عيناك رسول الله ﷺ ؟ أظنه قال: نعم، قال: فقبلتهما.
قال: فمشت رجلاك في حوائج رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
قال: فقبلتهما ثم قلت: فصببت الماء بيديك؟ قال: نعم.
فقبلتهما.
ثم قال أنس لي: يا ثابت، صببت الماء بيدي على رسول الله ﷺ لوضوئه، فقال لي: " يا غلام أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وأفش السلام تكثر حسناتك، وأكثر من قراءة القرآن تجيء يوم القيامة معي كهاتين ".
وقال بأصبعيه هكذا، وأرانا أبو الحسن محمد بن سنان السبابة والوسطى.
وعن ثابت عن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقال عندنا، فعرق، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلب العرق فيها فاستيقظ النبي ﷺ بها فقال: " يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب من ريح رسول الله ﷺ ، قال ثابت: قال أنس بن مالك: ما شممت عنبراً قط، ولا مسكاً أطيب ولا مسست شيئاً قط ديباجاً، ولا خزاً ولا حريراً ألين مساً من رسول الله ﷺ .
قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة ألست كأنك تنظر إلى رسول الله ﷺ ، وكأنك تسمع إلى نغمته؟ قال: بلى والله إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة فأقول: يا رسول الله خويدمك، قال: خدمته عشر سنين بالمدينة وأنا غلام، ليس كل امرئ كما يشتهي صاحبي أن يكون.
ما قال لي فيها أفٍّ، وما قال لي لما فعلت هذا؟ أو ألا فعلت هذا.
وعن جميلة مولاة أنس قالت: كان ثابت إذا جاء إلى أنس قال: يا جميلة ناوليني طيباً أمس به يدي فإن ابن
стр. 1540
أبي ثابت لا يرضى حتى يقبل يدي يقول: يدٌ مست رسول الله ﷺ .
وعن أنس بن مالك أنه سأل النبي ﷺ .
فقال: خويدمك أنس اشفع له يوم القيامة، قال: " أنا فاعل ".
قال: فأين أطلبك؟ قال: " اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط؛ فإن وجدتني وإلا فأنا عند الميزان وإلا فأنا عند حوضي لا أخطئ هذه الثلاثة المواضع ".
وعن ثمامة بن أنس قال: قيل لأنس: أشهدت بدراً؟ قال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الحافظ: لم يوافق أصحاب المغازي على هذا القول.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله ﷺ حين توجه إلى بدر وهو غلام يخدم النبي ﷺ .
وعن أبي قلابة عن أنس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الحديبية وعمرته والحج والفتح وحنيناً والطائف وخيبراً.
قال إسحاق بن عثمان: سألت موسى بن أنس كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع وعشرون غزوة، ثمان غزوات يغيب فيها الأشهر، وتسع عشرة يغيب فيها الأيام.
قال: قلت: كم غزا أنس بن مالك؟ قال: ثمان غزوات.
وعن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم أنس بن مالك.
стр. 1541
وعن أنس بن سيرين قال: كان أنس أحسن الناس صلاة في السفر والحضر.
وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دماً.
وعن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: كان لأنس ثوبان على المشجب كل يوم؛ فإذا صلى المغرب لبسهما فلم يقدر عليه ما بين المغرب والعشاء قائماً يصلي.
وعن ثابت قال: قال أنس: يا أبا محمد خذ عني فإني أحدث عن سول الله ﷺ ، وأخذ رسول الله ﷺ عن الله، ولن تأخذ عن أحد أوثق مني.
قال: ثم صلى بي العشاء، ثم صلى ست ركعات يسلم بين الركعتين ثم أوتر بثلاث يسلم في آخرهن.
وعن أنس بن مالك قال:
ما أورثتني أم سليم إلا برد رسول الله ﷺ ، وقدحه الذي كان يشرب فيه، وعمود فسطاطه وصلايةً كانت تعجن عليها أم سليم الرامك بعرق رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يكون في بيت أم سليم، فينزل عليه الوحي وهو على فراشها، فيجدل كما يجدل المحموم فيعرق؛ فكانت أم سليم تعجن الرامك بعرقه.
حدث أبو نعيم - يعني عبيد الله بن هشام - عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما بقي أحد مما صلى القبلتين غيري.
قال أبو نعيم: والقبلتان بالمدينة بطرف الحرة: قبلة إلى بيت المقدس، وقبلة إلى الكعبة.
стр. 1542
وعن ثابت قال: كنت مع أنس فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيراً.
حدث من صحب أنس بن مالك: فلما أحرم فلم أقدر أكلمه حتى حل، من شدة إتقانه على إحرامه.
وقال الجريري: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق قال: فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله حتى أحل.
قال: فقال لي: يا بن أخي هكذا الإحرام.
قال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس بن مالك يوم الجمعة والإمام يخطب، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ﷺ نتحدث، فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم مه.
كان أبو غالب يقول: لم أر أحداً كان أضنّ بكلامه من أنس بن مالك.
قال محمد بن سيرين: كان أنس بن مالك قليل الحديث عن رسول الله ﷺ ، فكان إذا حدث، أو قلما يحدث إلا قال حين يفرغ: أو كما قال رسول الله ﷺ .
وعن حميد عن أنس بن مالك يحدث بحديث عن رسول الله ﷺ فقال رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فغضب غضباً شديداً وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً ولا نتهم بعضنا.
стр. 1543
وعن محمد بن سيرين: أن أميراً من الأمراء أعطى أنس بن مالك شيئاً من الفيء، فقال أنس: أخمس؟ فقال: لا.
فلم يقبله.
حدث النضر بن شداد عن أبيه قال شداد قال: اعتل أنس بن مالك فعدناه، فقلنا له: ندعو لك الطبيب.
قال: الطبيب أمرضني.
قال يزيد بن خصيفة: تنخم أنس بن مالك في المسجد ونسي أن يدفنها، ثم خرج حتى جاء أهله، فذكرها فجاء بسعفةٍ من نار فطلبها حتى وجدها ثم حفر لها فأعمق فدفنها.
جاء زياد النميري مع القراء إلى أنس بن مالك، فقيل له: اقرأ فرفع صوته، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه الخرقة، وكان على وجهه خرقة سوداء، فقال: ما هذا ما هذا ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون.
قال: وكان إذا رأى شيئاً ينكره كشف الخرقة عن وجهه.
وعن ابن شهاب قال: دخلت على أنس بن مالك بالهاجرة، فذكرت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبا حمزة؟ فقال: ما أخرت له، فقلت: لا تبك إني لأرجو أن تكون أخرت لخير، صحبت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وما أخرت إلى الآن إلا أن تكون شهيداً على هؤلاء، فقال: والله ما أنتم على شيء مما كانوا عليه إلا الصلاة، وإنها هي المؤخرة.
وعن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس بن مالك ليوجهه إلى البحرين على السعاية قال: فدخل عليه عمر، فقال له أبو بكر: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين وهو فتى شاب قال: فقال له عمر: ابعثه فإنه لبيب كاتب.
قال: فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم على عمر، فقال له عمر: هات هات يا أنس ما جئت به، قال، قال: يا أمير المؤمنين
стр. 1544
البيعة أولاً قال: فقال: نعم.
قال: فبسط يده.
قال: قال: على السمع والطاعة، قال ابن عون: فما أدري، قال ما استطعت، أو قال أنس ما استطعت، قال: فأخبرته ما جئت به، قال: فقال: أما ما كان من كذا وكذا فاقبضوه، وما كان من المال فهو لك.
قال: فأتيت على زيد بن ثابت وهو جالس على الباب، فقال: ألق عليه ما أعطاك أمير المؤمنين قال: فألقيت عليه، فحسب.
قال ابن عون: فلا أدري أقصر على بني النجار أو قال: أنت أكثر خزرجي فيها مالاً.
وفي حديث آخر: وكان المال أربعة آلاف.
قال أنس: كان جرير بن عبد الله معي في سفر فكان يخدمني، فقال: إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً فلا أحداً منهم إلا خدمته.
وعن الأعمش قال: شكونا الحجاج بن يوسف قال: فكتب أنس إلى عبد الملك: إني خدمت النبي ﷺ تسع سنين، والله لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلاً خدم نبيهم لأكرموه.
قال علي بن زيد: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن شعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث! جوال في الفتن، مرة مع علي بن أبي طالب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث! أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما يجرد الضب.
قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج وخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي لا يستحيينني بعده أبداً.
وعن أزهر بن عبد الله: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك وكان فيمن يؤلب على الحجاج وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث فأتوا به الحجاج فوسم في يده: عتيق الحجاج.
стр. 1545
وقيل: إن أنس لما قال له الحجاج: إياك أعني أصم الله سمعك، كتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: يا بن المستفرمة بحب الزبيب، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله، أخيفش العينين، أصك الرجلين، أسود الجاعرتين.
قال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا رجلين معيقيب كان به هذا الداء الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح.
قال أبو جعفر محمد بن علي: رأيت أنس بن مالك أبرص وبه وضح شديد، ورأيته يأكل فيلقم لقماً كباراً.
قال أيوب بن أبي تميمة: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكيناً، فأطعمهم.
وحدث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أنه كان عنده عصية لرسول الله ﷺ ، فمات فدفنت معه بين جيبه وبين قميصه.
قال أنس بن سيرين: شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله فلم يزل يقولها حتى قبض.
ومات وهو ابن مائة وسبع سنين وقيل: ابن تسع وتسعين، وكان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتوفي سنة تسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل سنة اثنتين وتسعين.
следующие страницы →