← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وعن أنس بن سيرين قال: كان أنس أحسن الناس صلاة في السفر والحضر. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دماً. وعن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: كان لأنس ثوبان على المشجب كل يوم؛ فإذا صلى المغرب لبسهما فلم يقدر عليه ما بين المغرب والعشاء قائماً يصلي. وعن ثابت قال: قال أنس: يا أبا محمد خذ عني فإني أحدث عن سول الله ﷺ ، وأخذ رسول الله ﷺ عن الله، ولن تأخذ عن أحد أوثق مني. قال: ثم صلى بي العشاء، ثم صلى ست ركعات يسلم بين الركعتين ثم أوتر بثلاث يسلم في آخرهن. وعن أنس بن مالك قال: ما أورثتني أم سليم إلا برد رسول الله ﷺ ، وقدحه الذي كان يشرب فيه، وعمود فسطاطه وصلايةً كانت تعجن عليها أم سليم الرامك بعرق رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يكون في بيت أم سليم، فينزل عليه الوحي وهو على فراشها، فيجدل كما يجدل المحموم فيعرق؛ فكانت أم سليم تعجن الرامك بعرقه. حدث أبو نعيم - يعني عبيد الله بن هشام - عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما بقي أحد مما صلى القبلتين غيري. قال أبو نعيم: والقبلتان بالمدينة بطرف الحرة: قبلة إلى بيت المقدس، وقبلة إلى الكعبة.

стр. 1542

وعن ثابت قال: كنت مع أنس فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيراً. حدث من صحب أنس بن مالك: فلما أحرم فلم أقدر أكلمه حتى حل، من شدة إتقانه على إحرامه. وقال الجريري: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق قال: فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله حتى أحل. قال: فقال لي: يا بن أخي هكذا الإحرام. قال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس بن مالك يوم الجمعة والإمام يخطب، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ﷺ نتحدث، فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم مه. كان أبو غالب يقول: لم أر أحداً كان أضنّ بكلامه من أنس بن مالك. قال محمد بن سيرين: كان أنس بن مالك قليل الحديث عن رسول الله ﷺ ، فكان إذا حدث، أو قلما يحدث إلا قال حين يفرغ: أو كما قال رسول الله ﷺ . وعن حميد عن أنس بن مالك يحدث بحديث عن رسول الله ﷺ فقال رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فغضب غضباً شديداً وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً ولا نتهم بعضنا.

стр. 1543

وعن محمد بن سيرين: أن أميراً من الأمراء أعطى أنس بن مالك شيئاً من الفيء، فقال أنس: أخمس؟ فقال: لا. فلم يقبله. حدث النضر بن شداد عن أبيه قال شداد قال: اعتل أنس بن مالك فعدناه، فقلنا له: ندعو لك الطبيب. قال: الطبيب أمرضني. قال يزيد بن خصيفة: تنخم أنس بن مالك في المسجد ونسي أن يدفنها، ثم خرج حتى جاء أهله، فذكرها فجاء بسعفةٍ من نار فطلبها حتى وجدها ثم حفر لها فأعمق فدفنها. جاء زياد النميري مع القراء إلى أنس بن مالك، فقيل له: اقرأ فرفع صوته، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه الخرقة، وكان على وجهه خرقة سوداء، فقال: ما هذا ما هذا ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون. قال: وكان إذا رأى شيئاً ينكره كشف الخرقة عن وجهه. وعن ابن شهاب قال: دخلت على أنس بن مالك بالهاجرة، فذكرت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبا حمزة؟ فقال: ما أخرت له، فقلت: لا تبك إني لأرجو أن تكون أخرت لخير، صحبت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وما أخرت إلى الآن إلا أن تكون شهيداً على هؤلاء، فقال: والله ما أنتم على شيء مما كانوا عليه إلا الصلاة، وإنها هي المؤخرة. وعن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس بن مالك ليوجهه إلى البحرين على السعاية قال: فدخل عليه عمر، فقال له أبو بكر: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين وهو فتى شاب قال: فقال له عمر: ابعثه فإنه لبيب كاتب. قال: فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم على عمر، فقال له عمر: هات هات يا أنس ما جئت به، قال، قال: يا أمير المؤمنين

стр. 1544

البيعة أولاً قال: فقال: نعم. قال: فبسط يده. قال: قال: على السمع والطاعة، قال ابن عون: فما أدري، قال ما استطعت، أو قال أنس ما استطعت، قال: فأخبرته ما جئت به، قال: فقال: أما ما كان من كذا وكذا فاقبضوه، وما كان من المال فهو لك. قال: فأتيت على زيد بن ثابت وهو جالس على الباب، فقال: ألق عليه ما أعطاك أمير المؤمنين قال: فألقيت عليه، فحسب. قال ابن عون: فلا أدري أقصر على بني النجار أو قال: أنت أكثر خزرجي فيها مالاً. وفي حديث آخر: وكان المال أربعة آلاف. قال أنس: كان جرير بن عبد الله معي في سفر فكان يخدمني، فقال: إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً فلا أحداً منهم إلا خدمته. وعن الأعمش قال: شكونا الحجاج بن يوسف قال: فكتب أنس إلى عبد الملك: إني خدمت النبي ﷺ تسع سنين، والله لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلاً خدم نبيهم لأكرموه. قال علي بن زيد: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن شعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث! جوال في الفتن، مرة مع علي بن أبي طالب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث! أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما يجرد الضب. قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج وخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي لا يستحيينني بعده أبداً. وعن أزهر بن عبد الله: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك وكان فيمن يؤلب على الحجاج وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث فأتوا به الحجاج فوسم في يده: عتيق الحجاج.

стр. 1545

وقيل: إن أنس لما قال له الحجاج: إياك أعني أصم الله سمعك، كتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: يا بن المستفرمة بحب الزبيب، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله، أخيفش العينين، أصك الرجلين، أسود الجاعرتين. قال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا رجلين معيقيب كان به هذا الداء الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح. قال أبو جعفر محمد بن علي: رأيت أنس بن مالك أبرص وبه وضح شديد، ورأيته يأكل فيلقم لقماً كباراً. قال أيوب بن أبي تميمة: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكيناً، فأطعمهم. وحدث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أنه كان عنده عصية لرسول الله ﷺ ، فمات فدفنت معه بين جيبه وبين قميصه. قال أنس بن سيرين: شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله فلم يزل يقولها حتى قبض. ومات وهو ابن مائة وسبع سنين وقيل: ابن تسع وتسعين، وكان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتوفي سنة تسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل سنة اثنتين وتسعين.

стр. 1546

قال محمد السنبلاني: أتيت أنس بن مالك، فقلت: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ . قال: قد بقي قوم من الأعراب فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي. قال أبو نعيم: مات جابر بن زيد وأنس سنة ثلاث وتسعين في جمعة. وقال أحمد بن حنبل: مات أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة في سنة ثلاث وتسعين، وصلى على ابن مالك قطن بن مدرك الكلابي. أنس الجهني له صحبة على ما قيل، نزل الشام، وكان بدمشق عند مرض أبي الدرداء. قال أنس: دخلت على أبي الدرداء أعوده في مرضه، فقلت: يا أبا الدرداء إنا نحب أن تصح فلا تمرض، فقال: سمعت رسول الله ﷺ : " إن المليلة والصداع يولعان بالمؤمن، وإن ذنبه مثل جبل أحد، حتى لا يدعا عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل ". وروى يونس بن محمد بسنده عن أنس، قال يونس: وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " اركبوا هذه الدواب سالمة، وايتدعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي ". وروى هذا الحديث معاذ عن رسول الله ﷺ أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم رواحل، فقال لهم: " اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله منه ".

стр. 1547

أوسط بن عمر ويقال ابن عامر ويقال: ابن إسماعيل أبو إسماعيل، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عمرو البجلي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وسكن دمشق وحمص، وكان له بدمشق دار عند الباب الشرقي. حدث أوسط بن عمرو البجلي قال: قدمنا المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بعام، فلقيت أبا بكر على منبر رسول الله ﷺ يخطب الناس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ عام الأول هذا الأول، فاغرورقت عيناه، فما استطاع أن يتكلم من العبرة، ثم قال: " يا أيها الناس سلوا الله العافية، فإنه لن يؤت أحدٌ بعد يقين خيراً من معافاة، وإياكم والكفر، فإنه لن أجد أشد من ريبةٍ بعد كفرٍ، وعليكم بالصدق، فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور وهما في النار ". وفي حديث آخر بمعناه: " ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا ". أوس بن أوس ويقال ابن أبي أوس الثقفي، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، نزل دمشق وقبره بها. وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : " من غسل يوم الجمعة واغتسل، ودان واستمع وأنصت، كان له بكل خطوةٍ يخطوها من حين يخرج من بيته إلى حين يأتي المسجد أجرها كصيام سنةٍ وقيامها ". وفي وراية: " وأنصت ولم يلغ حتى يفرغ الإمام ". وفي رواية: " مشى ولم يركب ". وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضةٌ علي ". قالوا: وكيف تعرض

стр. 1548

صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ". قال الحافظ: وقيل إنهما اثنان: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس، وأوس بن أوس هذا الذي نزل الشام، وابن أبي أوس من أهل الطائف. أوس بن حارثة بن لأم وإليه البيت في طيئ، ابن عمرو بن طريف ين ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن حرب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الطائي، شاعر. قدم دمشق في الجاهلية خاطباً لماوية بنت حجر بن النعمان الغسانية، وكان مقامها بدمشق، وكانت تخطب في سائر العرب من يمنيٍّ أو مضريٍّ، فلا يكلمها أحدٌ في التزويج مصرحاً إلا أن يكون في الشعر. قال عبد الله بن المبارك: سأل النعمان حاتم طيئ: من سيدكم؟ قال: أوس بن حارثة، قال: فأين أنت منه؟ قال: ما أصلح أن أكون مملوكاً له، فقال: النعمان: هذا السؤدد. قال عبد الله: فأين قراؤنا وعلماؤنا عن هذا؟! وأوس بن حارثة هذا هو أوس بن سعد الطائي.

стр. 1549

وقيل لأوس بن حارثة: أنت أسود أم حاتم؟ وكان أوس يحتبي في ثلاثين من ولده، فقال: لو أني وولدي لحاتم لانتهبنا في غداة. وقيل لحاتم: أنت أسود أم أوس؟ فقال: بعض بني أوس أسود مني. أويس بن عامر بن مالك بن عمرو ابن سعد بن عصوان بن قرن بن رمدان بن ناحية بن مراد وهو عامر بن مالك بن أدد من مذحج، ويقال: أويس بن عمرو بن حمدان بن عصوان، ويقال: ابن سعد بن عصوان، ويقال: أويس بن عامر بن الخليص، ويقال: أويس بن عبد الله أبو عمر المرادي القرني، من تابعي أهل اليمن، أدرك حياة النبي ﷺ ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وسكن الكوفة ويقال: إنه مات بدمشق، وإن قبره في مقابر باب الجابية. روى أويس القرني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مائةً غير واحدة، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة ". وذكر الأسماء كلها. وروى عن علي وعمر من أحصاها دخل الجنة. وروى أويس القرني عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : " من دعا بهذه الأسماء استجاب الله له: اللهم أنت حيٌ لا تموت، وخالقٌ لا تغلب، وبصيرٌ لا ترتاب، وسميعٌ لا تشك، وصادقٌ لا تكذب، وقاهر لا تغلب، وندًى لا تنفد، وقريبٌ لا تبعد، وغافرٌ لا تظلم، وصمدٌ لا تطعم، وقيوم لا تنام، ومجيبٌ لا تسأم، وجبارٌ لا تقهر، وعظيمٌ لا ترام، وعالمٌ لا تُعلّم، وقويٌ لا تضعف، وعلمٌ لا توصف، ووفيٌّ لا تخلف، وعدلٌ لا تحيف، وغنيٌّ لا تفتقر، وحليمٌ لا تجور،

стр. 1550

ومنيعٌ لا تقهر، ومعروفٌ لا تقهر، ووكلٌ لا تخفر، وغالبٌ لا تُغلب، وقديرٌ لا تستأمر، وفردٌ لا تستشير، ووهابٌ لا تمل، وسريعٌ لا تذهل، وجوادٌ لا تبخل، وعزيزٌ لا تذل، وحافظٌ لا تغفل، وقائمٌ لا تنام، ومحتجب لا ترى، ودائم لا تفنى، وباقٍ لا تبلى، وواحدٌ لا تشبه، ومقتدرٌ لا تنازع ". قال رسول الله ﷺ : " والذي بعثني بالحق لو دعا بهذه الدعوات والأسماء على صفائح من حديد لذابت، ولو دعي بها على ماءٍ جارٍ لسكن، ومن أبلغ إليه الجوع والعطش، ثم دعا ربه أطعمه الله وسقاه، ولو أن بينه وبين موضع يريد جبلاً لانشعب له الجبل حتى يسلكه إلى الموضع، ولو دعا على مجنون لأفاق، ولو دعا على امرأة قد عسر عليها ولدها لهون عليها ولدها، ولو دعا بها والمدينة تحترق وفيها منزله لنجا ولم يحترق منزله، ولو دعا بها أربعين ليلة من ليالي الجمعة غفر الله له كل ذنب بينه وبين الله ، ولو أنه دخل على سلطان جائر ثم دعا بها قبل أن ينظر السلطان إليه لخلصه الله من شره، ومن دعا بها عند منامه بعث الله بكل حرف منها سبع مائة ألف ملك من الروحانيين، وجوههم أحسن من الشمس والقمر يسبحون له، ويستغفرون له، ويدعون ويكتبون له الحسنات ويمحون عنه السيئات، ويرفعون له الدرجات ". فقال سلمان: يا رسول الله أيعطي الله بهذه الأسماء كل هذا الخير؟ فقال: " لا تخبر به الناس حتى أخبرك بأعظم منها فإني أخشى أن يدعوا العمل أو يقتصروا على هذا ". ثم قال: " من نام وقد دعا، فإن مات مات شهيداً وإن عمل الكبائر، وغفر لأهل بيته، ومن دعا بها قضى الله له ألف ألف حاجة ". قال البخاري: أويس القرني أصله من اليمن مرادي، في إسناده نظر فيما يرويه. قال ابن عدي: وليس لأويس من الرواية شيء، وإنما له حكايات ونتف وأخبار في زهده، وقد

стр. 1551

شك قوم فيه إلا أنه من شهرته في نفسه وشهرة أخباره لا يجوز أن يشك فيه، وليس له من الأحاديث إلا القليل، فلا يتهيأ أن يحكم عليه بالضعف، بل هو صدوق ثقة مقدار ما يروى عنه، ومالك ينكره يقول: لم يكن. القرني: بالقاف والراء مهملة والنون. أويس: بطن من مراد، أخبر به النبي ﷺ قبل وجوده، وشهد مع علي صفين، وكان من خيار المسلمين. قال أصبغ بن يزيد: أسلم أويس القرني على عهد النبي ﷺ ، ولكن منعه من القدوم بره لأمه. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن من خير التابعين رجل من قرن، يقال له أويس القرني. حدث أسير بن جابر قال: كان محدث بالكوفة يحدثنا، فإذا فرغ من حديثه تفرقوا، ويبقى رهطٌ فيهم رجل يتكلم بكلامٍ لم أسمع أحداً يتكلم بكلامه، فأتيته ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلاً كان يجالسنا كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: أنا أعرفه ذاك أويس القرني. قلت: أفتعرف منزله؟ قال: نعم. فانطلقت معه حتى جئت حجرته فخرج إلي، فقلت: يا أخي من حبسك عنا؟ قال: العري. قال: وكان أصحابه يسخرون منه ويؤذونه قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال: لا تفعل فإنهم إذاً يؤذوني إذا رأوه. قال: فلم أزل به حتى لبسه فخرج عليهم، فقالوا: من ترون خدع عن برده هذا؟! قال: فجاء موضعه، قال: أترى؟ قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة، قال: فأخذتهم بلساني أخذاً شديداً، قال: فقضي أن أهل الكوفة وفدوا على عمر بن الخطاب، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: ما ههنا أحد من القرنيين؟ قال: فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: " إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أمٍّ له، وقد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه، إلا مثل موضع الدينار، أو الدرهم، فمن لقيه منكم فأمروه أن يستغفر لكم. قال - يعني عمر -: فقدم علينا، قال: قلت: من أين؟ قال: من اليمن. قلت: ما اسمك؟ قال: أويس. قال: قلت: فمن تركت باليمن؟ قال: أماً لي قال:

стр. 1552

قلت: أكان بك بياض فدعوت الله فأذهبه عنك؟ قال: نعم! قال: قلت: استغفر لي قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين!؟ قال: فاستغفر لي. قال: قلت: أنت أخي لا تفارقني قال فانملس مني، فأنبئت أنه قدم عليكم بالكوفة. قال: فجعل ذلك الذي يسخر به يحقره قال: يقول: ما هذا فينا ولا نعرفه. قال عمر: بلى! إنه رجل كذا، قال: - كأنه يضع شيئاً - فينا يا أمير المؤمنين رجل يقال له أويس، قال: أدرك ولا أراك تدرك قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس ما هذه بعادتك فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا فاستغفر لي يا أويس، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك ألا تسخر بي فيما بعد ولا تذكر ما سمعته من عمر لأحد. قال: فاستغفر له، قال أسير: فما لبثنا أن فشا أمره بالكوفة، قال: فدخلت عليه فقلت له: يا أخي ألا أراك العجب ونحن لا نشعر؟ فقال: ما كان في هذا ما أتبلغ به الناس، وما يجزى كل عبدٍ إلا بعمله، قال: فانملس مني فذهب. رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن هاشم مختصراً. وعن أبي هريرة قال: بينا رسول الله ﷺ في حلقةٍ من أصحابه إذ قال: " ليصلين معكم غداً رجل من أهل الجنة ". قال أبو هريرة: فطعمت أن أكون أنا ذلك، فغدوت وصليت حلف رسول الله ﷺ ، وأقمت في المسجد حنى انصرف الناس، وبقيت أنا وهو، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل أسود متزرٌ بخرقة مرتدٍ بقباطي، حتى وضع يده في يد رسول الله ﷺ ثم قال: يا نبي الله ادع الله لي، فدعا له رسول الله ﷺ بالشهادة، وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر، فقلت: يا رسول الله أهو هو قال: " نعم وإنه لمملوك بني فلان ". فقلت: ألا تشتريه فتعتقه يا نبي الله؟ فقال: " وأرى ذلك إن كان الله يريد أن يجعله من ملوك أهل الجنة يا أبا هريرة، إن لأهل الجنة ملوكاً وسادة وإن هذا الأسود أصبح من ملوك أهل الجنة

стр. 1553

وسادتهم، يا أبا هريرة إن الله يحب من خلقه الأصفياء الأحفياء الأتقياء، الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم من كسب الحلال الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا. قالوا: يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال: " ذاك أويس القرني ". وما أويس القرني؟ قال: أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنبكين، معتدل القامة، آدم شديد الأدمة، ضاربٌ بذقنه إلى صدره، رامٍ ببصره موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزرٌ بإزار صوف ورداء، تحت منكبه لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف لتشفع، فيشفعه الله في مثل عدد ربيعة ومضر؛ يا عمر ويا علي، إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه إن يستغفر لكما يغفر الله لكما ". قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه، فلما كان في آخر سنة قبض فيها عمر في ذلك العام، صعد على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج أهل اليمن، أفيكم أويس القرني؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية فقال: إنا لا ندري ما أويس، ولكن ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكراً وأقل مالاً وأهون أمراً فينا، نرفعه إليك وإنه ليرعى إبلنا حقيراً بين أظهرنا، فعمى عليه عمر كأنه لا يريده، فقال: ابن أخيك هذا بحرمنا هو؟ قال: نعم، قال: وأين يصاب؟ قال: بأراك عرفات قال: فركب عمر وعلي سراعاً إلى عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله ترعى، فشدا حماريهما، ثم أقبلا إليه فقالا: السلام عليك ورحمة الله، فخفف أويس الصلاة ثم قال: السلام عليكما ورحمة الله وبركاته قالا: من الرجل؟ قال: راعي أبل وأجيرٌ لقوم، قالا: لسنا نسألك عن الرعاية ولا عن الإجارة، قالا: ما اسمك؟ قال: عبد الله. قالا: قد علمنا أن أهل السماوات وأهل الأرض كلهم عبيد لله. فما اسمك الذي سمتك أمك؟ قال: يا هذان ما تريدان إلى هذا؟ قال: وصف لنا محمداً ﷺ أويس القرني، فقد عرفنا فيك الصهوبة والشهولة، وأخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعةً بيضاء فأوضحها لنا فإن كانت بك فأنت هو، فأوضح منكبه فإذا اللمعة، فابتدراه يقبلانه وقالا:

стр. 1554

نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر الله لك، قال: ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، يا هذان قد شهر الله لكما حالي وعرفكما أمري فمن أنتما؟ فقال علي: أنا علي بن أبي طالب وهذا عمر أمير المؤمنين، فاستوى أويس قائماً، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، وقالا: وأنت فجزاك الله عن نفسك خير الجزاء، فقال عمر: رحبك حتى ندخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي، هذا الميعاد بيني وبينك قال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ولا أعرفك بعد اليوم، ما أصنع بالنفقة؟ ما أصنع بالكسوة؟ أما ترى علي إزاراً من صوف ورداء من صوف؟ متى تراني أخرقهما؟ أما ترى أن نعلي مخصوفتان؟ متى ترى أبليهما؟ أما تراني أني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم؟ متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يديّ ويديك عقبة كؤوداً، لا يجاوزها إلا ضامرٌ مخفف مهزول. فأخف عني رحمك الله، فلما سمع ذلك عمر من كلامه ضرب بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت أن عمر لم تلده أمه، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حمله، ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ قال أويس: من جدع الله أنفه. ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا، وآخذ أنا هاهنا، فولى عمر ناحية مكة، وساق أويس إبله فوافى القوم إبلهم، وخلى عن الرعي، وأقبل على العبادة حتى لحق بالله. فهذا ما أتانا عن أويس القرني سيد التابعين. وحدث هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة فلم يكن لي همٌّ إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه، حتى سقطت عليه نصف النهار على شاطئ الفرات يتوضأ أو يغسل ثوبه، قال: فعرفته بالنعت الذي نعت لي، فإذا رجل لحيم آدم أشعر محلوق الرأس، كث اللحية، مغبر، كريه الوجه والمنظر، وعليه إزار من صوف، فسلمت عليه، فقلت: حياك الله من رجل، كيف أنت رحمك وغفر لك يا أويس؟ فقال: وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان

стр. 1555

كيف أنت؟ قال: وخنقتني العبرة حين رأيت من حاله ما رأيت قال: فمددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني، قال: وعجبت حين عرفني وعرف اسم أبي، ما كنت رأيته قبل ذلك ولا رآني قال: قلت: رحمك الله من أين عرفتني وعرفت اسم أبي ولم أكن رأيتك قط؟ قال: نبأني العليم الخبير، وعرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد يتحابون بروح الله وإن لم يتلاقوا ولم يتعارفوا وتفرقت بهم المنازل. قال: فقلت: حدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ أحفظه عنك، فقال: إني لم أدرك رسول الله ﷺ ، بأبي رسول الله وأمي، ولم تكن لي معه صحبة، ولكن أدركت رجالاً رأوه فحدثوني عنه نحو ما حدثوك، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدثاً أو قاصاً أو مفتياً، في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيان. قال: قلت: اقرأ علي آيات من كتاب الله أسمعها منك، وادع لي بدعوات أحفظها عنك فإني أحبك حباً شديداً، فقال: " سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا " فأخذ بيدي فمشى على شاطئ الفرات، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين " إلى قوله " إنه هو العزيز الحكيم " قال: فنظرت إليه وأنا أحسب أنه قد غشي عليه. قال: ثم نظر إلي فقال: يا هرم بن حيان مات أبوك، فإما إلى الجنة وإما هو إلى النار، ويوشك أن تموت، ومات آدم ومات حواء ومات إبراهيم خليل الله ومات موسى نجي الله ومات داود خليفة الله ومات محمد ﷺ وعليهم أجمعين، ومات أبو بكر خليفة المسلمين ومات خليلي وصفيي عمر بن الخطاب، وقال: واعمراه، واعمراه! وعمر يومئذ حي، وذلك عند آخر خلافته، قال: فقلت له: إن عمر لم يمت، فقال: بلى قد نعاه إلي ربي إن كنت تفهم وعقلت ما قلت وأنا وأنت غداً في الموتى، وكأن قد، ثم صلى على النبي ﷺ ثم دعا بدعوات خفاف، ثم قال: عليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين، وإياك أن تفارق الجماعة فيفترق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، ثم قال: اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني فيك، وزارني فيك، اللهم أدخله علي زائراً في دارك دار السلام. وضم علي

стр. 1556

ضيعته، وأرضه من الدنيا باليسير، وما أعطيته من الدنيا فاجعله لما تعطيه من الشاكرين، ثم قال: لا أراك فيما بعد اليوم فإني كثير الهم شديد الغم مادمت مع هؤلاء الناس حياً وأكره الشهرة، والوحدة أحب إلي فلا تطلبني خذ هكذا. قال: فجهدت أن أمشي معه ساعة فأبى علي، فدخل في بعض أزقة الكوفة، قال: فجعلت التفت إليه وأنا أبكي ويبكي حتى توارى عني، فسألت عنه وطلبته فلم أجد أحداً يخبر عنه بشيء، قال: فما أتت علي جمعة إلا وأنا أراه في منامي مرة أو مرتين. أو كما قال. وفي وراية حديث آخر بمعناه، في آخره قال: فغزا غزوة أذربيجان فمات، قال: فتنافس أصحابه في حفر قبره، قال: فحفروا فإذا بصخرة محفورة ملحودة. قال: وتنافسوا في كفنه قال: فنظروا فإذا في عيبته ثياب ليس مما ينسج بنو آدم، قال: فكفنوه في تلك الثياب ودفنوه في ذلك القبر. قال علقمة بن مرثد الحضرمي: انتهى الزهد إلى ثمانية نفر من التابعين: عامر بن عبد الله، وأويس القرني، وهرم بن حيان العبدي والربيع بن خثيم القوري، وأبي مسلم الخولاني، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، والحسن بن أبي الحسن البصري. فأما أويس القرني فإن أهله ظنوا أنه مجنون، فبنوا له بيتاً على باب دارهم فكان يأتي عليه السنة والسنتان لا يرون له وجهاً، وكان طعامه مما يلقط من النوى، فإذا أمسى باعه لإفطاره، وإن أصاب حشفة خبأها لإفطاره. وعن سعيد بن المسيب قال: نادى عمر بن الخطاب وهو على المنبر بمنى: يا أهل قرن، فقام مشايخ، فقالوا: نحن يا أمير المؤمنين، قال: أفي قرن من اسمه أويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ليس فينا أويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال، لا يتألف ولا يؤلف، فقال: ذاك الذي أعنيه، إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي، وقولوا له: إن رسول الله ﷺ بشرني بك، وأمرني أن أقرأ عليه سلامه، قال: فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه

стр. 1557

في الرمال، فأبلغوه سلام عمر، وسلام رسول الله ﷺ فقال: عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، السلام على رسول الله ﷺ ، اللهم صل عليه وعلى آله، وهام على وجهه فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد أيام علي فقاتل بين يديه فاستشهد في صفين أمامه، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة، من طعنة وضربة ورمية. وروي عن ابن عمر قال: بينما النبي ﷺ بفناء الكعبة، إذ نزل عليه جبريل ﵇ في صورة لم ينزل عليه مثلها قط، فقال: السلام عليك يا محمد، فقال النبي ﷺ : " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ". فقال: يا محمد إنه سيخرج في أمتك رجل يشفع فيشفعه الله في عدد ربيعة ومضر فإن أدركته فسله الشفاعة لأمتك فقال: " أي حبيبي، يا جبريل، ما اسمه وما صفته؟ " فقال: أما اسمه فأويس، وأما صفته وقبيلته في اليمن من مراد، وهو رجل أصهب، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، بكفه اليسرى وضح أبيض، قال: فلم يزل النبي ﷺ يطلبه فلم يقدر عليه، فلما احتضر النبي أوصي أبا بكر وأخبره بما قال له جبريل في أويس القرني: " فإن أنت أدركته فسله الشفاعة لك ولأمتي ". فلم يزل أبو بكر يطلبه فلم يقدر عليه، فلما احتضر أبا بكر أوصى به عمر بن الخطاب وأخبره بما قال له رسول الله ﷺ ، وقال: يا عمر إن أنت أدركته فسله الشفاعة لي ولك ولأمة رسول الله ﷺ ، فلم يزل عمر يطلبه حتى كان آخر حجةٍ حجها عمر وعلي بن أبي طالب، فأتيا رفاق اليمن، فنادى عمر بأعلى صوته: يا معشر الناس، هل فيكم أويس القرني؟ أعاد مرتين، فقام شيخ من بعض الرفاق، فقال: يا أمير المؤمنين نعم. هو ابن أخ لي، هو أخمل أمراً، وأهون ذكراً من أن يسأل مثلك عن مثله. وساق الحديث بمعنى الأحاديث المتقدمة إلى آخره، فقال أويس: جزاك الله خيراً يا عمر عن هذه الأمة، وأنت يا علي فجزاك الله خيراً عن هذه الأمة، تعيشان حميدين وتموتان فقيدين، فقالا له: أوصنا بحاجتك يرحمك الله، فقال لهم أويس: أوصيكما بتقوى الله والعمل بطاعته والصبر على ما أصابكما فإن ذلك من عزم الأمور، وأوصيكما أن تلقيا هرم بن حيان فتقرئاه مني السلام، وخبراه أني أرجو أن يكون رفيقي في الجنة. قال: فودعاه ولم يزل عمر وعلي ﵄ يطلبان هرم بن

стр. 1558

حيان، فبينما هما ماران في مسجد النبي ﷺ ؛ إذا هما بهرم بن حيان قائماً يصلي، فانتظراه، فلما انصرف سلما عليه فرد ﵉، ثم قال لهما: من أين جئتما؟ قالا: جئنا من عند أويس القرني وهو يقرئك السلام، وهو يقول لك: إني أرجو أن تكون رفيقي في الجنة قال: فلم يزل هرم بن حيان في طلب أويس، فبينا هو في الكوفة مارٌّ على شاطئ الفرات؛ إذا هو برجل أصهب، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، يغسل طمرين له من الصوف، فدنا منه هرم بن حيان فقال: السلام عليك ورحمة الله يا أويس، فأجابه بمثل ذلك من السلام وقال له: يا هرم بن حيان، قال له هرم: كيف الزمان عليك؟ قال له أويس: كيف الزمان على رجل إذا أصبح يقول: لا أمسي، ويمسي يقول: لا أصبح، يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يترك للمؤمن فرحاً، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يترك للمؤمن صديقاً، فقال له هرم: يا أويس أما معرفتك أن عمر وعلياً وصفاك لي فعرفتك بصفتهما فأنت من أين عرفتني؟ قال له أويس: إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الله ائتلف، وما تناكر في الله اختلف، قال له أويس: يا هرم اتل علي آيات من كتاب الله ، فتلا عليه هذه الآية: " وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين " قال: فخرّ أويس مغشياً عليه، فلما أفاق قال له هرم: إني أريد أن أصحبك وأكون معك، فقال له أويس: لا يا هرم، ولكن إذا مت لا يكفني أحد حتى تأتي أنت، فتكفني، وتدفني، ثم إنهما افترقا، ولم يزل هرم بن حيان في طلب أويس حتى دخل مدينة من مدائن الشام يقال لها: دمشق؛ فإذا هو برجل ملفوف في عباءةٍ له، ملقى في صحن المسجد، فدنا منه فكشف العباءة عن وجهه؛ فإذا هو بأويس قد توفي، فوضع يده على أم رأسه، ثم قال: واأخاه! هذا أويس القرني مات ضائعاً، فقالوا له: من أنت يا عبد الله؟ ومن هذا؟ فقال: أما أنا فهرم بن حيان المرادي، وأما هذا فأويس القرني ولي الله، قالوا: فإنا قد جمعنا له ثوبين نكفنه فيهما، فقال لهم هرم: ما له بثمن ثوبيكم حاجة، ولكن يكفنه هرم بن حيان من ماله: قال: فضرب هرم بيده إلى مزود أويس فإذا هو بثوبين لم يكن له بهما عهد عند رأس أويس على أحدهما مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، براءة من الله الرحمن الرحيم لأويس القرني من النار، وعلى الآخر

стр. 1559

مكتوب: هذا كفن لأويس القرني من الجنة. قال عبد الحمن بن أبي ليلى: لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي: فيكم أويس القرني؟ قالوا: نعم، فضرب دابته حتى دخل معهم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خير التابعين أويس القرني. " قال سلام بن مسكين: حدثني رجل قال: قال رسول الله ﷺ : " خليلي من هذه الأمة أويس القرني. " وعن إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: قال أويس القرني: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. قال: فكان إذا استقبل الليل قال: يا نفس، الليلة القيام، فيصف قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفس الليلة الركوع فلا يزال راكعاً حتى يصبح، ويستقبل الليلة الثالثة فيقول: يا نفس الليلة السجود فلا يزال ساجداً حتى يصبح. وعن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويس القرني فوجدته جالساً قد صلى الصبح، فقلت: لا أشغله عن، فمكث مكانه ثم قام إلى الصلاة حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة فقلت: لا أشغله عن العصر فصلى العصر ثم صلى المغرب، فقلت: لابد له من أن يرجع فيفطر، فثبت مكانه حتى صلوا العشاء الآخرة، فقلت: لعله يفطر بعد العشاء الآخرة، فثبت مكانه حتى صلى الفجر ثم جلس، فغلبته عيناه فانتبه وقال: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة، ومن بطن لا يشبع، فقلت: بي ما عاينت منه فرجعت. ومن حديث آخر: كان أويس إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب، ثم يقول اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به. وكان أويس يقول إذا جنه الليل: اللهم إني أبرأ إليك من كل كبدٍ جائعة، ومن كل بدنٍ عار، اللهم لا أملك إلا ما ترى.

стр. 1560

جاء رجل إلى أويس القرني، فقال: السلام عليكم، فقال: وعليكم قال: كيف أنتم يا أويس؟ قال: فحمد الله. قال: كيف الزمان عليكم؟ قال: ما دنيا رجلٍ إذا أصبح لم تر أنه يمسي، وإذا أمسى لم تر أنه يصبح، فيبشر بجنة أو بنار، يا أخا مراد، إن الموت لم يبق فرحاً، يا أخا مراد، قيام المؤمن بحقوق الله لم يبق ذهباً ولا فضة، يا أخا مراد، قيام المؤمن بأمر الله لم يبق صديقاً، والله إنا لنأمرهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر، فيرمونا بالعظائم، ويتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك أعوناً، وايم الله لا يمنعني ذلك أن نقوم لله بحق. قال بشر بن الحارث: قال أويس: لا ينال هذا الأمر حتى تكون كأنك قتلت الناس أجمعين. قال أويس القرني: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء من الله الذي قضى " شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ". قال أبو سليمان: لما حج أويس القرني دخل المدينة، فلما وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر النبي ﷺ ، فغشي عليه، فلما أفاق قال: أخرجوني فليس ببلدي بلدةٌ محمد ﷺ فيها مدفون. مر أويس القرني على قصار في يوم شديد البرد، فرحمه أويس وجعل يبكي، فنظر إليه القصار، فقال له: يا أويس ليت تلك الشجرة لم تخلق. قال: فما سمع جواب أسرع منه. وعن عطاء قال: خرج أويس القرني غازياً راجلاً إلى ثغر أرمينية، فأصابه البطن، فالتجأ إلى أهل

стр. 1561

خيمة فمات عندهم، ومعه جراب وقعب، فقالوا لرجلين منهم: اذهب فاحفر له قبراً، قالوا: فنظرنا في جرابه فإذا فيه ثوبان ليسا من ثياب الدنيا وجاء الرجلان فقالا: قد أصبنا قبراً محفوراً في صخرة كأنما رفعت الأيدي عنه الساعة فكفنوه ودفنوه ثم التفتوا فلم يروا شيئاً. وقال سليمان بن قيس العامري: رأيت أويس القرني بصفين صريعاً بين عمار وخزيمة بن ثابت. إياس بن زيد ويقال ابن يزيد أبو زكريا الخزاعي، والد عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي من التابعين، أدرك عمر بن الخطاب وكان عمر يثني عليه. روى أبو زكريا الخزاعي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : " رباط يوم وليلةٍ في سبيل الله كصيام شهرٍ وقيامه، إن مات جرى له أجر المرابط إلى أن يبعث، وأومن من الفتان، وقطع له من الجنة رزق. وعن أبي زكريا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين، أو لذي حسبٍ، أو لذي حلم. قال سعيد بن عبد العزيز: كتب عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان أو إلى أبي الدرداء: وأقرئا مني الرجل الصالح السلام، يعني أبا زكريا والد عبد الله بن أبي زكريا.

стр. 1562

إياس بن معاوية بن قرة بن إياس ابن هلال بن رئاب بن عبد العزيز بن دريد بن أوس بن سواءة بن عمرو بن سارية بن ثعلبة ابن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وأوس هو ابن مزينة وهي أمه، وإليهما ينسب المزنيون ومزينة بنت كلب بن وبرة. وقيل: هو إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن زياد بن عبيد بن سواءة بن سارية وكنيته أبو واثلة المزني قاضي البصرة. ولجده صحبة وأمه امرأة من خراسان. قدم الشام في أيام عبد الملك، ثم قدم على عمر بن عبد العزيز في خلافته، ثم قدم مرة أخرى حين عزله عدي بن أرطاة عن القضاء. حدث إياس بن معاوية قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكر عند الحياء، فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر بن عبد العزيز: بل هو الإيمان كله. قال: قلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي عن جدي قرة المزني: قال كنا عند النبي ﷺ ، فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله ﷺ : " إن الحياء والعفاف والعي عن اللسان لا عي القلب والعمل من الإيمان؛ وإنهن يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا، وإن الشح والفحش والبذاء من النفاق وإنهن ينقصن من الآخرة ويزدن في الدنيا، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا ". قال إياس: فحدثت به عمر بن عبد العزيز، فأمرني فأمليته عليه وكتبه بخطه، ثم صلى الظهر والعصر وإنها في كفه لم يضعها إعجاباً بها. دخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام فقدم إلى قاض لعبد الملك بن مروان، وكان خصمه شيخاً صديقاً للقاضي فقال له القاضي: يا غلام أما تستحي، أتقدم شيخاً كبيراً! قال إياس: الحق أكبر منه. قال له: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي إذا سكت؟ قال: ما أحسبك تقول حقاً حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ما أظنك إلا ظالماً له! قال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي، فدخل القاضي على عبد الملك، فأخبره الخبر. فقال له: اقض حاجته واصرفه عن الشام لا يفسد الناس علينا.

стр. 1563

استعمل عمر بن عبد العزيز عدي بن أرطاة الفزاري على البصرة، فولى إياس بن معاوية القضاء، فهرب إياس من عدي إلى عمر بن عبد العزيز. قال سليمان بن زياد: خرج إياس إلى الشام إلى عمر بن عبد العزيز، فمات عمر قبل أن يصل إليه، فكان يجلس في مجلس مسجد دمشق في حلقة فيها قوم من قريش، فحدث رجل من بني أمية رجلاً بحديث، فرده إياس فأغلظ له الأموي، فقام إياس من الحلقة فقيل للأموي: إن هذا إياس بن معاوية المزني، قال: لم أعرفه، فلما عاد إياس من غدٍ، قال له الأموي: إنك جالستنا في ثياب السوقة بكلام الأشراف، فلم نحتمل ولم أكن عرفتك. كان إياس قاضياً بالبصرة مرتين، وكان عاقلاً من الرجال فطناً، كان فقيهاً عفيفاً. قيل لمعاوية بن قرة: كيف ابنك لك؟ قال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي، وفرغني لآخرتي. ذكر إياس بن معاوية عند ابن سيرين، فقال: إنه لفهمٌ إنه لفهمٌ. قال: وكان رزق إياس كل شهر مائة درهم. قال ابن شوذب: كان يقال: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل. فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم. ودخل عليه ثلاث نسوةٍ، فقال: أما واحدة فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فقيل له: بم علمت؟ قال: أما المرضع فلما قعدت مسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت لم تلتف إلى أحد، وأما الثيب فلما دخلت نظرت ورمت بعينيها. قال حماد بن سلمة: سمعت إياس بن معاوية يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمي على رأسي جفنة. قال المدائني: قال إياس بن معاوية لأمه: ما شيء سمعته وأنا صغير وله جلبةٌ شديدة؟ قالت:

стр. 1564

تلك يا بني طست سقطت من فوق الدار إلى أسفل، ففزعت، فولدتك تلك الساعة. إياس بن معاوية: كنت في مكتب بالشام، وكنت صبياً، فاجتمع النصارى يضحكون من المسلمين، وقالوا: إنهم يزعمون أنه لا يكون تفل للطعام في الجنة، قال: قلت: يا معلم أليس يزعم الناس أن أكثر الطعام يذهب في البدن؟ فقال: بلى. فقال: قلت: فما تنكر أن يكون الباقي يذهبه الله في البدن كله؟ فقال: أنت شيطان. قال إياس بن معاوية: ما يسرني أن أكذب كذبةً لا يطلع عليها إلا أبي معاوية بن قرة لا أسأل عنهم يوم القيامة وأن لي بالدنيا بحذافيرها. قال ابن شبرمة: قال إياس بن معاوية: إياك وما استشبع الناس من الكلام، وعليك بما يعرف الناس من القضاء. قال إياس بن معاوية: ما خاصمت أحداً من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية. قال: قلت: أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: أخذ ما ليس له. قال: قلت: فإن لله تعالى كل شيء. قال عدي: اجتمع إياس بن معاوية وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فقال عمر: أنتما مختلفان، وقد اجتمعتما، فتناظرا تتفقا. فقال إياس: يا أمير المؤمنين إن غيلان صاحب كلام، وأنا صاحب اختصار، فإما أن يسألني ويختصر أو أسأله وأختصر، فقال غيلان: سل. فقال إياس: أخبرني ما أفضل شيء خلقه الله ؟ قال: العقل. قال: فأخبرني عن العقل، مقسوم أو مقتسم؟ فأمسك غيلان. فقال له: أجب فقال: لا جواب عندي. فقال إياس قد تبين لك أمره يا أمير المؤمنين. إن الله ﵎ يهب العقول لمن يشاء فمن قسم له منها شيئاً، ذاده به عن المعصية، ومن تركه تهور.

стр. 1565

قال الأصمعي: إن إياساً وغيلان اجتمعا، فقال له بعد سؤاله عن العقل وسكوته عن جوابه، قال له: سل عن غير هذا. فقال له إياس: أخبرني عن العلم قبل أو العمل؟ فقال غيلان: والله لا أجبتك فيها. فقال إياس: فدعها وأخبرني عن الخلق خلقهم الله مختلفين أو مؤتلفين؟ فنهض غيلان، وهو يقول: والله لا جمعني الله وإياك مجلس أبداً. قال الأصمعي: ومن حديث عدي أن غيلان قال لعمر: أتوب إلى الله ولا أعود إلى هذه المقالة أبداً، فدعا عليه عمر إن كان كاذباً، فأجيبت دعوته. قال عمر بن علي: قال رجل لإياس بن معاوية: يا أبا واثلة حتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال لجلسائه: أجيبوه. فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل العدتان: عدة أهل النار، وعدة أهل الجنة. قال سفيان بن حسين: سمعت إياس بن معاوية يقول: لأن يكون في فعال الرجل فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله. قال سفيان بن حسين: كنت عند إياس بن معاوية وعنده رجل تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في. قال: فجلست حتى قام فلما قام ذكرته لإياس. قال: فجعل ينظر في وجهي ولا يقول لي شيئاً حتى فرغت فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: غزوت السند؟ قلت: لا، قال فغزوت الهند؟ قلت: لا، قال: غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: فسلم منك الديلم والسند والهند والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا. قال: فلم يعد سفيان إلى ذلك. قال سفيان بن حسين: قال إياس بن معاوية: لابد للناس من ثلاثة أشياء. لابد لهم من أن تأمن سبلهم، ويختار لحكمهم حتى يعتدل الحكم فيهم، وأن يقام لهم بأمر الثغور التي بينهم وبين عدوهم، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان احتمل الناس ما كان سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون.

стр. 1566

قال العتبي: مر رجلان بإياس بن معاوية، فعرج عليه أحدهما، وتجاوز الآخر، فكان المعرج عليه أراد أن يغريه به قال: فقال إياس: أما أنت فعرجت بكرمك، وأما هو فاستمر على ثقته. قال الأصمعي: قال إياس بن معاوية: امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قال إياس بن معاوية: يا ربيعة! كل ما بني على غير أساس فهو هباء، وكل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء. حدث المستنير بن لأخضر عن إياس بن معاوية قال: جاءه دهقان، فسأله عن المسكر، أرحام هو أم حلال؟ فقال: هو حرام. فقال: كيف يكون حراماً؟ أخبرني عن التمر، أحلال أم حرام؟ قال: حلال. قال: فأخبرني عن الكشوث، أحلال هو أم حرام؟ قال: حلال. قال: فأخبرني عن الماء. قال: حلال. قال: فما خالف ما بينهما، وإنما هو التمر والكشوث والماء، أن يكون هذا حلالاً وهذا حراماً؟ فقال إياس للدهقان: لو أخذت كفاً من تراب، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فأخذت كفاً من ماء، فنضحته في وجهك، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فأخذت كفاً من تبن، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فإذا أخذت هذا التراب، فعجنته بالتبن والماء، ثم جعلته كتلاً حتى يجف، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: نعم. ويقتلني! قال: فكذا هو التمر والماء والكشوت، إذا جمع ثم عتق حرم، كما يجفف هذا. أرسل عمر بن عبد العزيز رجلاً من أهل الشام، وأمره أن يجمع بين إياس وبين

стр. 1567

القاسم بن ربيعة الجوشني من بني عبد الله بن غطفان، ويولي القضاء أنفذهما، فقدم يجمع بينهما، فقال إياس للشامي: سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال للشامي: لا تسل عنه، فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياساً أفضل مني وأفقه، وأعلم بالقضاء، فإن كنت فيمن يصدق، فينبغي لك أن تصدق قولي، وإن كنت كاذباً فما يحل أن توليني وأنا كذاب، فقال إياس للشامي: إنك جئت برجل فأقمته على جهنم، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فإني أوليك، فاستقضاه، فلم يزل على القضاء سنة ثم هرب، وكان يفصل بين الناس، إذا تبين له الأمر حكم به. قيل لإياس لما ولي القضاء: إنك تعجل بالقضاء. قال إياس: كم بكفك من إصبع؟ فقال: خمسة، فقال له إياس: عجلت بالجواب، قال: لم يعجل من استيقن علماً، فقال إياس: هذا جوابي. قال حميد الطويل: لما ولي إياس بن معاوية القضاء دخل عليه الحسن وإياس يبكي. فقال له: ما يبكيك؟ فذكر إياس الحديث: " القضاة ثلاثةٌ، اثنان في النار، وواحد في الجنة ". فقال الحسن: إن فيما قص الله عليك من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء الناس، ثم قرأ: " وداود وسليمان إذا يحكمان الحرث " إلى قوله " ففهمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً " فحمد سليمان ولم يذم داود. وفي رواية أنه قال: " القضاة ثلاثة: رجل اجتهد وأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة ". قال الحسن: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا به ثمناً، ولا يخشوا فيه الناس، وأن لا يتبعوا الهوى. قال: ثم قرأ هذه الآية: " يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك " وقال: "

стр. 1568

ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ". قال إبراهيم لإياس بن معاوية: لولا خصال فيك كنت أنت الرجل. قال: وما هي؟ قال: تقضي قبل أن تفهم، ولا تبالي من جالست، ولا تبالي ما لبست. قال: أما قولك: أقضي قبل أن أفهم، فأيهم أكثر ثلاثة أو اثنان؟ قال: لا. بل ثلاثة قال: ما أسرع ما فهمت! قال: ومن لا يفهم هذا! قال: ذلك أنا، لا أقضي حتى أفهم. وأما قولك: إني لا أبالي مع من جلست، فإني أجلس مع من يرى لي، أحب إلي من أن أجلس مع من أرى له. وأما قولك: إني لا أبالي ما لبست، فلأن ألبس ثوباً يقي نفسي، أحب إلي من ألبس ثوباً أقيه بنفسي. قال أبو محمد القرشي: استودع رجل رجلاً مالاً. ثم طلبه فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية، فقال الطالب: إني دفعت المال إليه. قال: ومن حضرك؟ قال: دفعته إليه في مكان كذا وكذا، ولم يحضرنا أحد. قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة. قال: فانطلق إلى ذلك الموضع، وانظر إلى الشجرة، فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين لك حقك، لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت، فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب: اجلس حتى يرجع خصمك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه ساعة، ثم قال له: يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر؟ قال: لا. قال: يا عدو الله إنك لخائن. قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الجل، فقال له إياس: قد أقر لك بحقك فخذه به. واستودع رجل رجلاً مالاً. قال: وكان أميناً لا بأس به وخرج المستودع إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، فأتى إياس بن معاوية، فأخبره، فقال له إياس: أعلم أنك أتيتني؟ قال: لا. قال: فنازعته عنه أحد؟ قال: لا. لم يعلم أحد بهذا قال: فانصرف واكتم أمرك، ثم عد إلي بعد يومين، فمضى الرجل، فدعا إياس أمينه ذاك، قال: قد حضر مال كثير أريد أن أصيره إليك، أفحصينٌ منزلك؟ قال: نعم. قال: فأعد موضعاً للمال

стр. 1569

وقوماً يحملونه، وعاد الرجل إلى إياس، فقال له: انطلق إلى صاحبك فاطلب مالك، فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي، فأتى الرجل صاحبه، فقال له: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه أمري، فدفع إليه ماله، فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال، وجاء الأمين إلى إياس لموعده فزبره وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن. واستودع رجل رجلاً كيساً فيه دنانير وغاب الرجل، فطالت غيبته فلما طال الأمر، فتق المستودع من أسفله، وأخذ الدنانير وجعل في الكيس دراهم وخيطه والخاتم على حاله، فقدم صاحب المال بعد خمس عشرة سنة وطلب ماله، فدفع إليه الكيس بخاتمه فلم يقبله، وقال: هذه دراهم، ومالي دنانير. قال: هذا كيسك بخاتمك، فرافعه إلى عمر بن هبيرة، فقال لإياس بن معاوية: انظر في أمر هذين. فقال إياس للطالب: ما تقول؟ قال: أعطيته كيساً فيه دنانير. قال: مذ كم؟ قال: مذ خمس عشرة سنة. قال للآخر: ما تقول؟ قال: كيسه بخاتمه. قال: منذ كم؟ قال: منذ خمس عشرة سنة. قال: ففضوا الخاتم، ونثروا الدراهم، فوجدوا ضرب عشر سنين وخمس سنين، فأقر بالدنانير، فألزمه إياها. قال معتمر: رد رجل جارية اشتراها من رجل غلبه، فخاصمه إلى إياس بن معاوية، فقال له: لم تردها؟ قال: أردها بالحمق. قال إياس لها: أي رجليك أطول؟ قالت: هذه. قال: تذكرين أي ليلة ولدت؟ قالت: نعم. فقال له إياس: رد رد. قال المدائني: قيل لإياس بن معاوية: ما فيك إلا كثرة الكلام قال: أفتسمعون صواباً أو خطأ؟ قالوا: لا بل صواباً. قال: فالزيادة من الخير خير. قال: وما رمي إياس بالعي قط، وإنما عابوه بالإكثار. قال محمد بن سلام: قيل لإياس: ما فيك عيب، غير أنك معجب بقولك. فقال لهم: أو أعجبكم قولي؟

стр. 1570

قالوا: نعم، قال: فأنا أحق بأن أعجب بما أقول وما يكون مني. قال: وهذا مما استحسنه الناس من قوله. قال ابن شوذب: كان أبو إياس يقول: الناس ولدوا أبناءً وولدت أباً. توفي إياس بن معاوية سنة اثنتين وعشرين ومئة بواسط. أيمن بن خريم بن الأخرم بن شداد ابن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار أبو عطية الأسدي، له صحبة كان يسكن دمشق ثم تحول إلى الكوفة. روى عن رسول الله ﷺ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا أيمن إن قومك أسرع العرب هلاكاً ". وحدث أيمن بن خريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيباً فقال: " يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله ". ثلاثاً، ثم قرأ " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ". خريم أوله خاء معجمة مضمومة وراء مفتوحة. وأمه الظناء وأمه الصماء بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك الأسدي. قال الشعبي: أتاني عامريٌّ وأسديٌّ قال: وقد أخذ العامري بيد الأسدي فهو لا يفارقه قال: فقلت له: يا أخا بني عامر إنه قد كانت لبني أسد ست خصال لا أعلمها، كانت بحي من العرب: كانت امرأة زوجها الله بنبيه ﷺ من السماء، والسفير بينهما جبريل، أفكانت هذه لقومك؟ وكان أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش الأسدي، أفكانت هذه

стр. 1571

لقومك؟ وكان أول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش، أفكانت هذه لقومك؟ وكان منهم رجل يمشي بين الناس مقنعاً، وهو من أهل الجنة عكاشه بن محصن الأسدي أخو بن غنم بن دودان، فكانت هذه لقومك؟ وكان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب فقال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك قال: " على ماذا؟ " قال: على ما في نفسك. قال: " وما في نفسي؟ " قال: فتح أو شهادة. قال: " نعم ". فبايعه. قال: فجعل الناس يبايعونه ويقولون: على بيعة أبي سنان على بيعة أبي سنان. فكانت هذه لقومك؟ وكانوا سبع المهاجرين. روى الشعبي قال: قال مروان لأيمن بن خريم يوم المرج يوم قتل الضحاك بن قيس: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ قال: لا. إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله ﷺ ، فعهدا إلي أن لا أقاتل رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله. قال: ائتني ببراءة من النار فأنا معك، قال: اذهب فلا حاجة لنا فيك، فقال: " من الوافر " ولست بقاتلٍ رجلاً يصلي ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيش أأقتل مسلماً في غير شيءٍ ... فلست بنافعي ما عشت عيشي قال الواقدي: حديث خريم بن فاتك أنه قال: إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله ﷺ ، فقال: ما شهد أبوه ولا عمه بدراً وأنكر ذلك هو والعلماء وقالوا: أهل بدر أعرف من ذلك لا يستطاع الزيادة فيهم ولا النقصان.

стр. 1572

قال المدائني: كان أيمن بن خريم بن فاتك عند عبد العزيز بن مروان بمصر، فدخل عليه نصيب فأنشده مديحاً امتدحه به، فقال لأيمن: نصيبٌ أشعر منك، قال: لا والله، ولكنك طرفٌ ملولٌ فقال: أتقول: إني ملولٌ وأنا أواكلك مذ كذا وكذا وكان بأيمن برصٌ في يده فغضب ولحق ببشر بن مروان فقال: " من الوافر " ركبت من المقطم في جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا ولو أعطاك بشرٌ ألف ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا قال: ومر به نصيب بالكوفة فقال له: إني تركت غديراً ناضباً وأتيت بحراً زاخراً، وكان بشر لا يؤاكل أيمن، فاشتهى يوماً لبنا وقال للحاجب: اخرج فانظر لي من يأكل معي، فخرج فأدخل أيمن بن خريم، فلما رآه بشر آساه فقال: إني اشتهيت البارحة لبنا فهيئ لي، وأصبحت أنوي الصوم فأتيت باللبن فلما وضع بين يدي ذكرت أني صائم وليس أحد أحق بأكله منك فدونكه. فلم يلبث أن صفره وكان يغير بياض يده بالزعفران. أيمن بن نابل كنيته أبو عمران ويقال: أبو عمر المكي الحبشي مولى أبي بكر اجتاز بدمشق حين توجه إلى غزو الروم. روى أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله: رأيت النبي ﷺ على ناقةٍ صهباء يرمي الجمرة، لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك.

стр. 1573

قال أيمن بن نابل: سألت قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي صاحب رسول الله ﷺ فقلت: إن ريش الحمام قد كثر في المسجد فإذا سجد أحدنا دخل في عينيه، فقال: انفخوا. وحدث أيمن بن نابل عن ابن الزبير عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: " بسم الله التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصاحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نسأل الله الجنة ونعوذ بالله من النار ". قال أيمن بن نابل: كنت أسير مع مجاهد في أرض الروم فسألته عن صوم السفر فقال: صم فأنا الساعة صائم. ونابل بالباء الموحدة تحتها. قال السيناني: دلني على أيمن بن نابل سفيان الثوري فقال: هل لك في أبي عمران؟ فلقيته فإذا رجل حبشيٌّ طوال ذا مشافرٍ مكفوف. وكان أيمن بن نابل من سودان مكة المعتقين، وكان فصيحاً عابداً فاضلاً يحدث عنه بزهد وفضل، فقال يحيى: كان أيمن ثقة وكان لا يفصح وكانت فيه لكنة. وقال الدارقطني: أيمن ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد.

стр. 1574

أيمن رجل من ثقيف والد إسحاق أبي أيمن، من أهل حمص، حكى عن ابن يناق صاحب رحاب، ورحاب قرية من عمل الصويت من نواحي دمشق. وروى عنه ابنه إسحاق أبو أيمن أنه سمع ابن يناق صاحب رحاب يقول: أنزلت في هذا الأندر ملوكاً، كسرى وقيصر وأمير المؤمنين عمر، وقد هيأت هذا المنزل لعمر كما كنت أهيئه لمن كان قبله، فإني لفي تهيئة طعام الناس وما يصلحهم جعلت أتعاهد المكان الذي أعددته له لا ينزله أحد، فأتيته فإذا فسيطيط يضرب فيه، فقلت: تنحوا رحمكم الله فإن هذا المكان أعددته لأمير المؤمنين، فقالوا: أمير المؤمنين الذي يأخذ بعمود الفسطاط؟؟! فخرج علي فإذا عليه قميص كرابيس وسخ قد كاد يتقطع من الوسخ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أغسل قميصك هذا حتى يجف عليك؟ قال: بلى إن شئت. فاغتنمت ذلك فدعوت بقميص قبطي قد خيط فلبسه، فلما وجد لينه وقعقعته قال: ويحك يا بن يناق ائتني بقميصي قال: فجئته به ولما يجف بعد، فذهبت أدخله بيتاً، فرأى فيه صورة فأبى أن يدخله، ثم أتيته بعسل فشربه، فقال: إن هذا لا يسع الناس فهل من شراب يسع الناس؟ فأتيته بطلاء قد طبخ على الثلثين فنظر إليه فقال: ما أشبه هذا بطلاء الإبل، ثم سقى رجلاً منه، فشربه، فقال: أتجد دبيباً تجد شيئاً؟ قال: لا، ثم ثنى، فقال: تجد شيئاً؟. قال: لا. قال: ثم ثلث، فقال: أتجد شيئاً؟ قال: لا، قال: قم فامش، فمشى حتى رجع، فقال: أتجد دبيباً تجد شيئاً؟ قال: لا، قال: فقال: نعم ارزق الناس من هذا، وكتب به إلى سعد بالكوفة.

стр. 1575

أيوب نبي الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم بن زارح بن آموص بن ليفزر بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ ويقال: أيوب بن آموص بن رازح بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل واختلف فيه على غير ذلك. وكان أيوب ﵇ يسكن بالشام وديره معروف بناحية البثنية من نواحي دمشق بقرب نوى وموضع مغتسله وأندرته بتلك القرية معروف، وكانت له البثنية بأسرها سهلها وجبلها، وكانت له الخيل والإبل والبقر والغنم والحمير والعبيد. وأم أيوب بنت لوط النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وكان تحته رحمة بنت منشأ بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ﵈. قال وهب بن منبه: كان أيوب أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالاً، وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، وكان لا يكتسي حتى يكسو العاري، وكان إبليس قد أعياه أمر أيوب ﵇ ليغويه فلا يقدر، وكان عبداً معصوماً. قال: وكانت شريعة أيوب ﵇ بعد التوحيد إصلاح ذات البين، وإذا طلب حاجة إلى الله خر ساجداً ثم طلب. وروي عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ولما تتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، فإن قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظم من الذي عملته، وضحكك وأنت لا تدير ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك من الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب لا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك

стр. 1576

أعظم من الذنب إذا عملته. ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب فابتلاه الله بالبلاء في جسده، وذهاب ماله؟ إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم هذا المسكين، فابتلاه الله . حدث أبو إدريس الخولاني قال: أجدب الشام فكتب فرعون إلى أيوب ﵇ أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعةً، فأقبل بخيله وماشيته وبنيه، فأقطعهم وبنيهم، فدخل شعيب ﵇، وكان النبي ﷺ إذا ذكر شعيب قال: ذاك خطيب الأنبياء. قال: يا فرعون أما تخاف أن يغضب الله فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟ فسكت أيوب، فلما خرجا من عنده، أوحى الله إلى أيوب: يا أيوب، أوسكتّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء، قال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم، وآوي الغريب، وأشبع الجائع، وأكفت الأرملة؟ فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق، يقولون: من فعل ذلك يا أيوب؟ فأخذ تراباً فوضعه على رأسه، وقال: أنت يا رب. فأوحى الله إليه: استعد للبلاء، قال: فديني؟ قال: أسلمه لك قال: فما أبالي. قال الليث بن سعد: كان السبب الذي أصاب أيوب وابتلي به أنه دخل أهل قريته على ملكهم وهو جبار من الجبابرة - وذكر بعض ما كان ظلمه الناس ويقع به عليهم - فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافةً لزرعه، فقال الله: " اتقيت عبداً من عبادي من أجل زرعك أن تصدقه مخافة منك أن يغلظ عليك؟ " فأنزل الله به ما أنزل به من البلاء. قال الحسن: ضرب أيوب بالبلاء ثم البلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، ثم ابتلي في بدنه، ثم ابتلي حتى قذف به في بعض مزابل بني إسرائيل، قال الحسن: فما يُعلم أيوب دعا الله يوماً أن يكشف ما به ليس ذلك إلا صبراً واحتساباً حتى مر به رجلان، فقال أحدهما

стр. 1577

لصاحبه: لو كان لله في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله، فسمع أيوب فشق عليه، فقال: رب مسني الضر ثم رد ذلك إلى ربه فقال " وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قال: وأتيناه أهله في الدنيا ومثلهم معهم بالآخرة. وعن ابن عباس قال: قالت امرأة أيوب لأيوب: إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في النعماء سبعين سنة، فدعينا نكون في البلاء سبعين سنة، قال: فمكث في ذلك البلاء سبع سنين. قال قتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين ملقًى على كناسة بيت المقدس. وعن الحسن قال: إن كانت الدودة تقع من جسد أيوب ﵇ فيأخذها فيعيدها إلى مكانها، ويقول: كلي من رزق الله . قال الفضيل بن عياض: كان بين فراق يوسف حجر يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، قال: ومكث أيوب مطروحاً في الكناسة سبع سنين لا يسأل الله أن يكشف عنه، قال: وما على ظهر الأرض خليفة أكرم على الله يومئذ من أيوب. سئل أبو العباس بن عطاء: عن قوله : " مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " فقال: إن الله سلط الدود على جسم أيوب كله إلا على قلبه ولسانه، فكان القلب غنياً بالله قوياً، واللسان بذكر الله رطباً دائماً، يأكل الدود الجسم كله حتى بقيت أضلاعه مشبكةً والعروق ممدودةً، وحتى ما بقي للدود شيئاً يأكله، فسلط الله الدود بعضه على بعض، فأكل بعضه بعضاً حتى بقيت دودتان، فجاعتا جميعاً، فشدت إحداهما على الأخرى فأكلتها، وبقيت واحدة فجاعت ودنت إلى القلب لتنقره، فقال أيوب ﵇ عند ذلك " مسني الضر " أن

стр. 1578

فقدت حلاوة ذكرك من قلبي، لأنك لو جمعت البلاء كله علي بعد أن لا أفقدك من قلبي ما وجدت للبلاء ألماً، فأوحى الله إليه: " يا أيوب إنك لتنظر إلي غداً "، قال: يا رب بهاتين العينين، فقال له : " يا أيوب أجعل لك عينين يقال لهما: البقاء، فتنظر إلى البقاء بالبقاء ". قال وهب بن منبه: لم يكن أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد منه، كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ. قال طلحة بن مصرف: قال إبليس: ما أصبت من أيوب شيئاً أفرح به إلا أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني قد أوجعته. قال سفيان: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً فجلس في الطريق وجعل يداوي المرضى قال: فمرت به امرأة أيوب، فقالت له: هل لك أن تداوي هذا المبتلى؟ قال: نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. قال: فأتت أيوب فذكرت ذلك له. قال: ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن عافاني لأجلدنك مائة جلدة قال: فلما عوفي قال الله له: " خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث " قال: فاتخذ عذقاً في مئة شمراخ فضربها به ضربةً واحدة. قال وهب بن منبه: قال إبليس لامرأة أيوب: بم أصابكم ما أصابكم؟ قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضاً! فاتبعيني فاتبعته، فأراها جميع ما ذهب منهم في واد، فقال: اسجدي لي وأرد

стр. 1579

عليكم، فقالت: إن لي زوجاً أستأمره، فأخبرت أيوب فقال: أما آن لك أن تعلمي؟ ذلك الشيطان، لئن برئت لأضربنك مئة جلدة. وعن مجاهد في قوله تعالى: " وخذ بيدك ضغثاً " قال: هي لأيوب خاصة. وقال عطاء: هي للناس عامة، وقال الحسن: فنادى حين نادى " إني مسني الشيطان بنصبٍ وعذاب " فأوحى الله إليه " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ " قال: فركض ركضة خفيفة، فإذا عين تنبع حتى غمرته فرد الله جسده، ثم مضى قليلاً، ثم قيل له: " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " فركض ركضة أخرى، فإذا هو بعينٍ تجري فشرب منها، فطهرت جوفه، وغسلت كل قذرٍ كان فيه. قال ليث بن سليم: قيل لأيوب ﵇: يا أيوب لا يعجبك تصبرك، فإني قد علمت ما في كل شعرة من لحمك ودمك، ولولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبراً ما صبرت. ولما اشتد على أيوب البلاء أوحى الله إليه: " لو أصبحت في يدي عبد من عبيدي لأصبحت في بلاء أشد من البلاء الذي أنت فيه، ولكنك أسير في يدي وأنا أرحم الراحمين ". وهب بن منبه قال: إن إبليس طار في المردة، فأتى مشارق الأرض ومساربها لينظر هل يجد عبداً لله مخلصاً يثني على ربه فيغويه؟ قال: فأتاه نداء: يا لعين أتعلم أن أيوب ﵇ عبد صالح مخلص لله لا تستطيع أن تغويه، قال: يا رب إن أيوب قد أعطيته من المال والولد والسعة وقرة العين في الدنيا إذا نظر إليه فلا يستطيع أحد أن يغويه، ولكني سلطني على ماله وولده، وكان له ثلاثة عشر ولداً ذكوراً كلهم، وكانوا من رحمة بنت منشّا بن يوسف بن يعقوب، فقال: سلطني عليهم، فترى أيوب كيف يطيعني

стр. 1580

ويعصيك، ويؤمن بي ويكفر بك، فقال: اذهب فقد سلطتك على ماله وولده، قال: فرجع إبليس إلى مجلسه وجمع شياطينه ومردته فقالوا: سيدنا لم حشرتنا وجمعتنا ودعوتنا؟ قال: ألا ترون هذا العبد الذي أثنى عليه ربه ومدحه، وزعم أني لا أستطيع أن أغويه، وقد سلطني على ماله وولده؟ فقاموا جميعاً، فقالوا: نحن عونك عليه. قال: فما عندكم؟ فقامت طائفة منهم مثل الجيش العظيم، معهم عواصف الريح، وقام قومٌ منهم صاحوا صيحةً خرجت لأفواههم كلهب النيران، وقام قوم منهم صاحوا صيحة رجفت الأرض منها، فقال للذين جاؤوا بعواصف الريح: انطلقوا إلى دواب أيوب وغنمه ورعاته فاحتملوها حتى تقذفوها في البحر، وأنا منطلق إليه في صورة قيمه بشأنهم فأغويه. قال: فانطلقوا فجاؤوا بالرياح من أركان الأرض فعصفتهم ثم احتملتهم حتى قذفتهم في البحر فغرقتهم، فجاء إبليس في صورة قيمه إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك وغنمك برعاتها فعصفتها وقذفتها في البحر فغرقتها وأنت قائم تصلي! قال: فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيه ثم قبله مني كالقربان النقي وميزك منهم كما يميزوا الزوان من القمح. قال: فانصرف خائباً، فدعا الذين يخرج من أفواههم كلهب النيران فقال: انطلقوا إلى جنان أيوب وزرعه فأحرقوها حتى أذهب أنا إليه في صورة قيمة فأغويه، فانطلقوا فصاحوا صيحة فتوجهت ناراً من أفواههم كأنها لهب النار فأتت على جنانه ومزارعه ومعايشه فصارت كالرميم، وجاء إبليس في صورة قيمه فسلم وأيوب قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد جاء الحريق فأتى على جنانك ومزارعك ومعايشك كلها فصارت كالرميم! فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي رزقنيه ثم قبضه مني كالقربان النقي يقربه صاحبه وميزك منه كما يميز الزوان من القمح ولو كان فيك خير لقبضك معهم، ثم أقبل على صلاته، فرجع إبليس فدعا هؤلاء الذين يزيلون الأرض بصيحتهم، فقال: اذهبوا إلى منازل أيوب حتى تزلزلوا بهم وترمسوا فيها ولده وخدمه، قال: فانطلقوا فصاحوا صيحة عظيمة جعلوها دكةً واحدة، ثم جاء إبليس إلى أيوب في صورة حاضن ولده، فقال: يا أيوب إنه قد جاءت صيحة فصارت منزلك دكةً واحدة فما بقي لك ولد ولا خادم إلا رمس تحته، وأنت قائم تصلي! قال: فانصرف، فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيهم وقبضهم مني كالقربان النقي وميزك من بينهم كما يميز الزوان من القمح،
следующие страницы →