← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أعظم من الذنب إذا عملته. ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب فابتلاه الله بالبلاء في جسده، وذهاب ماله؟ إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم هذا المسكين، فابتلاه الله . حدث أبو إدريس الخولاني قال: أجدب الشام فكتب فرعون إلى أيوب ﵇ أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعةً، فأقبل بخيله وماشيته وبنيه، فأقطعهم وبنيهم، فدخل شعيب ﵇، وكان النبي ﷺ إذا ذكر شعيب قال: ذاك خطيب الأنبياء. قال: يا فرعون أما تخاف أن يغضب الله فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟ فسكت أيوب، فلما خرجا من عنده، أوحى الله إلى أيوب: يا أيوب، أوسكتّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء، قال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم، وآوي الغريب، وأشبع الجائع، وأكفت الأرملة؟ فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق، يقولون: من فعل ذلك يا أيوب؟ فأخذ تراباً فوضعه على رأسه، وقال: أنت يا رب. فأوحى الله إليه: استعد للبلاء، قال: فديني؟ قال: أسلمه لك قال: فما أبالي. قال الليث بن سعد: كان السبب الذي أصاب أيوب وابتلي به أنه دخل أهل قريته على ملكهم وهو جبار من الجبابرة - وذكر بعض ما كان ظلمه الناس ويقع به عليهم - فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافةً لزرعه، فقال الله: " اتقيت عبداً من عبادي من أجل زرعك أن تصدقه مخافة منك أن يغلظ عليك؟ " فأنزل الله به ما أنزل به من البلاء. قال الحسن: ضرب أيوب بالبلاء ثم البلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، ثم ابتلي في بدنه، ثم ابتلي حتى قذف به في بعض مزابل بني إسرائيل، قال الحسن: فما يُعلم أيوب دعا الله يوماً أن يكشف ما به ليس ذلك إلا صبراً واحتساباً حتى مر به رجلان، فقال أحدهما

стр. 1577

لصاحبه: لو كان لله في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله، فسمع أيوب فشق عليه، فقال: رب مسني الضر ثم رد ذلك إلى ربه فقال " وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قال: وأتيناه أهله في الدنيا ومثلهم معهم بالآخرة. وعن ابن عباس قال: قالت امرأة أيوب لأيوب: إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في النعماء سبعين سنة، فدعينا نكون في البلاء سبعين سنة، قال: فمكث في ذلك البلاء سبع سنين. قال قتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين ملقًى على كناسة بيت المقدس. وعن الحسن قال: إن كانت الدودة تقع من جسد أيوب ﵇ فيأخذها فيعيدها إلى مكانها، ويقول: كلي من رزق الله . قال الفضيل بن عياض: كان بين فراق يوسف حجر يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، قال: ومكث أيوب مطروحاً في الكناسة سبع سنين لا يسأل الله أن يكشف عنه، قال: وما على ظهر الأرض خليفة أكرم على الله يومئذ من أيوب. سئل أبو العباس بن عطاء: عن قوله : " مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " فقال: إن الله سلط الدود على جسم أيوب كله إلا على قلبه ولسانه، فكان القلب غنياً بالله قوياً، واللسان بذكر الله رطباً دائماً، يأكل الدود الجسم كله حتى بقيت أضلاعه مشبكةً والعروق ممدودةً، وحتى ما بقي للدود شيئاً يأكله، فسلط الله الدود بعضه على بعض، فأكل بعضه بعضاً حتى بقيت دودتان، فجاعتا جميعاً، فشدت إحداهما على الأخرى فأكلتها، وبقيت واحدة فجاعت ودنت إلى القلب لتنقره، فقال أيوب ﵇ عند ذلك " مسني الضر " أن

стр. 1578

فقدت حلاوة ذكرك من قلبي، لأنك لو جمعت البلاء كله علي بعد أن لا أفقدك من قلبي ما وجدت للبلاء ألماً، فأوحى الله إليه: " يا أيوب إنك لتنظر إلي غداً "، قال: يا رب بهاتين العينين، فقال له : " يا أيوب أجعل لك عينين يقال لهما: البقاء، فتنظر إلى البقاء بالبقاء ". قال وهب بن منبه: لم يكن أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد منه، كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ. قال طلحة بن مصرف: قال إبليس: ما أصبت من أيوب شيئاً أفرح به إلا أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني قد أوجعته. قال سفيان: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً فجلس في الطريق وجعل يداوي المرضى قال: فمرت به امرأة أيوب، فقالت له: هل لك أن تداوي هذا المبتلى؟ قال: نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. قال: فأتت أيوب فذكرت ذلك له. قال: ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن عافاني لأجلدنك مائة جلدة قال: فلما عوفي قال الله له: " خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث " قال: فاتخذ عذقاً في مئة شمراخ فضربها به ضربةً واحدة. قال وهب بن منبه: قال إبليس لامرأة أيوب: بم أصابكم ما أصابكم؟ قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضاً! فاتبعيني فاتبعته، فأراها جميع ما ذهب منهم في واد، فقال: اسجدي لي وأرد

стр. 1579

عليكم، فقالت: إن لي زوجاً أستأمره، فأخبرت أيوب فقال: أما آن لك أن تعلمي؟ ذلك الشيطان، لئن برئت لأضربنك مئة جلدة. وعن مجاهد في قوله تعالى: " وخذ بيدك ضغثاً " قال: هي لأيوب خاصة. وقال عطاء: هي للناس عامة، وقال الحسن: فنادى حين نادى " إني مسني الشيطان بنصبٍ وعذاب " فأوحى الله إليه " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ " قال: فركض ركضة خفيفة، فإذا عين تنبع حتى غمرته فرد الله جسده، ثم مضى قليلاً، ثم قيل له: " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " فركض ركضة أخرى، فإذا هو بعينٍ تجري فشرب منها، فطهرت جوفه، وغسلت كل قذرٍ كان فيه. قال ليث بن سليم: قيل لأيوب ﵇: يا أيوب لا يعجبك تصبرك، فإني قد علمت ما في كل شعرة من لحمك ودمك، ولولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبراً ما صبرت. ولما اشتد على أيوب البلاء أوحى الله إليه: " لو أصبحت في يدي عبد من عبيدي لأصبحت في بلاء أشد من البلاء الذي أنت فيه، ولكنك أسير في يدي وأنا أرحم الراحمين ". وهب بن منبه قال: إن إبليس طار في المردة، فأتى مشارق الأرض ومساربها لينظر هل يجد عبداً لله مخلصاً يثني على ربه فيغويه؟ قال: فأتاه نداء: يا لعين أتعلم أن أيوب ﵇ عبد صالح مخلص لله لا تستطيع أن تغويه، قال: يا رب إن أيوب قد أعطيته من المال والولد والسعة وقرة العين في الدنيا إذا نظر إليه فلا يستطيع أحد أن يغويه، ولكني سلطني على ماله وولده، وكان له ثلاثة عشر ولداً ذكوراً كلهم، وكانوا من رحمة بنت منشّا بن يوسف بن يعقوب، فقال: سلطني عليهم، فترى أيوب كيف يطيعني

стр. 1580

ويعصيك، ويؤمن بي ويكفر بك، فقال: اذهب فقد سلطتك على ماله وولده، قال: فرجع إبليس إلى مجلسه وجمع شياطينه ومردته فقالوا: سيدنا لم حشرتنا وجمعتنا ودعوتنا؟ قال: ألا ترون هذا العبد الذي أثنى عليه ربه ومدحه، وزعم أني لا أستطيع أن أغويه، وقد سلطني على ماله وولده؟ فقاموا جميعاً، فقالوا: نحن عونك عليه. قال: فما عندكم؟ فقامت طائفة منهم مثل الجيش العظيم، معهم عواصف الريح، وقام قومٌ منهم صاحوا صيحةً خرجت لأفواههم كلهب النيران، وقام قوم منهم صاحوا صيحة رجفت الأرض منها، فقال للذين جاؤوا بعواصف الريح: انطلقوا إلى دواب أيوب وغنمه ورعاته فاحتملوها حتى تقذفوها في البحر، وأنا منطلق إليه في صورة قيمه بشأنهم فأغويه. قال: فانطلقوا فجاؤوا بالرياح من أركان الأرض فعصفتهم ثم احتملتهم حتى قذفتهم في البحر فغرقتهم، فجاء إبليس في صورة قيمه إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك وغنمك برعاتها فعصفتها وقذفتها في البحر فغرقتها وأنت قائم تصلي! قال: فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيه ثم قبله مني كالقربان النقي وميزك منهم كما يميزوا الزوان من القمح. قال: فانصرف خائباً، فدعا الذين يخرج من أفواههم كلهب النيران فقال: انطلقوا إلى جنان أيوب وزرعه فأحرقوها حتى أذهب أنا إليه في صورة قيمة فأغويه، فانطلقوا فصاحوا صيحة فتوجهت ناراً من أفواههم كأنها لهب النار فأتت على جنانه ومزارعه ومعايشه فصارت كالرميم، وجاء إبليس في صورة قيمه فسلم وأيوب قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد جاء الحريق فأتى على جنانك ومزارعك ومعايشك كلها فصارت كالرميم! فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي رزقنيه ثم قبضه مني كالقربان النقي يقربه صاحبه وميزك منه كما يميز الزوان من القمح ولو كان فيك خير لقبضك معهم، ثم أقبل على صلاته، فرجع إبليس فدعا هؤلاء الذين يزيلون الأرض بصيحتهم، فقال: اذهبوا إلى منازل أيوب حتى تزلزلوا بهم وترمسوا فيها ولده وخدمه، قال: فانطلقوا فصاحوا صيحة عظيمة جعلوها دكةً واحدة، ثم جاء إبليس إلى أيوب في صورة حاضن ولده، فقال: يا أيوب إنه قد جاءت صيحة فصارت منزلك دكةً واحدة فما بقي لك ولد ولا خادم إلا رمس تحته، وأنت قائم تصلي! قال: فانصرف، فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيهم وقبضهم مني كالقربان النقي وميزك من بينهم كما يميز الزوان من القمح،

стр. 1581

ولو كان فيك خيراً لقبضك معهم، فانصرف إبليس عدو الله خائباً منكسراً، فأتاه نداء " كيف رأيت عبدي أيوب؟ " قال: يا رب! إن أيوب قد علم أنك ستعوضه بكل واحدٍ اثنين، ولكن سلطني على جسده فسوف ترى كيف يطيعني ويعصيك، ويؤمن بي ويكفر بك؛ قال: اذهب فقد سلطتك على جسده من غير أن أسلطك على روحه، فجاء فنفخ في إبهام قدميه. قال: فاشتعل فيه مثل النار. وروي عن مجاهد أن أول من أصابه الجدري أيوب ﵇. وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " إن أيوب نبي الله لبث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: مذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: لا أدري ما يقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي إلى أيوب " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " فاستبطأته فبلغته ينتظر فاستقبلته فتلقته، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ ووالله على ذلك ما رأيت أحداً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال: فإني أنا هو، وكان له أندران أندر القمح وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين فكانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بينما أيوب يغتسل عرياناً

стр. 1582

خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يخبئ في ثوبه، فناداه ربه : " يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ " قال: بلى يا رب، ولكن لا غناء بي عن بركتك. وفي حديث آخر بمعناه، قال: يا رب من يشبع من رحمتك أو من فضلك؟ وعن ابن عباس قال: سألت نبي الله ﷺ عن قوله: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم " قال: " يا بن عباس رد الله امرأته إليه، وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرون ذكراً، وأهبط الله إليه ملكاً، فقال: يا أيوب إن الله يقرئك السلام بصبرك على البلاء، فاخرج إلى أندرك، فبعث الله سحابة حمراء فهبطت عليه بجراد الذهب، والملك قائم معه، فكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره، قال الملك: يا أيوب أما تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال: إن هذه بركة من بركات ربي وليس أشبع منها ". وروي عن ابن عباس: أن أيوب عاش بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية وعلى ذلك مات، وتغيروا بعد ذلك وغيروا دين إبراهيم كما غيره من كان قبلهم. حدث وهب بن منبه أن ابن عباس طاف بالبيت حين أصبح سبوعاً، وأنا وطاوس معه وعكرمة مولاه، وكان قد رق بصره فكان يتوكأ على العصا، فلما فرغ من طوافه انصرف إلى الحطيم فصلى ركعتين ثم نهض فنهضنا معه فدفع عصاه إلى عكرمة مولاه، وتوكأ علي وعلى طاوس، ثم انطلق بنا إلى غربي الكعبة بين باب بني سهم وباب بني جمح فوقعنا على قوم بلغ ابن عباس أنهم يخوضون في حديث القدر وغيره مما يختلف الناس فيه، فلما وقف عليهم سلم عليهم، أجابوه ورحبوا وأوسعوا له، فكره أن يجلس إليهم ثم قال: يا معشر المتكلمين فيما لا يعنيهم ولا يرد عليهم، ألم تعلموا أن لله عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عيٍّ ولا بكم

стр. 1583

وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء النبلاء الألباء العالمون بالله وبآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم وكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاماً لله وإعزازاً وإجلالاً، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه برآء، ومع المقصرين والمفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ولكنهم لا يرضون منه بالقليل ولا يستكثرون له الكثير ولا يدلون عليه بالأعمال، متى ما لقيتهم فهم مهتمون محزونون مروعون خائفون مشفقون وجلون فأين أنتم منهم؟ يا معشر المبتدعين اعلموا أن أعلم الناس بالقدر أسكتهم عنه، وأن أجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه. قال وهب: ثم انصرف عنهم وتركهم، فبلغ ابن عباس أنهم قد تفرقوا عن مجلسهم ذلك، ثم لم يعودوا إليه حتى هلك ابن عباس. وفي حديث آخر عن وهب قال: بلغ ابن عباس عن مجلس كان في ناحية بني سهم يجلس فيه ناس من قريش فيختصمون فترتفع أصواتهم، فقال لي ابن عباس: انطلق بنا إليهم، فانطلقنا حتى وقفنا عليهم، قال ابن عباس: أخبرهم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب وهو في حاله، قال وهب: فقلت: قال الفتى: يا أيوب أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكل لسانك ويقطع قلبك ويكسر حجتك؟ يا أيوب أما علمت أن لله عباداً أسكتتهم خشية الله من غير عيٍّ ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تقطعت قلوبهم وكلت ألسنتهم وطاشت عقولهم وأحلامهم فرقاً من الله وهيبة له، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون له بالقليل، يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه أبرار أخيار، ومع المضيعين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء ناحلون دائبون، يراهم الجاهل فيقول مرضى، وليسوا مرضى وقد خولطوا وقد خالط القوم أمرٌ عظيم. قال مجاهد: يؤتى بثلاثة يوم القيامة: بالغني والمريض والعبد المملوك فيقال للغني: " ما منعك من عبادتي؟ " فيقول: يا رب أكثرت لي من المال فطغيت، فيؤتى بسليمان في ملكه فيقول: " أنت كنت أشد شغلاً من هذا؟ " قال: يقول: لا بل هذا، قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن

стр. 1584

عبدني ". قال: ثم يؤتى بالمريض قال: فيقول: " ما منعك من عبادتي؟ " قال: فيقول: شغلت على جسدي. قال: فيؤتى بأيوب في ضره، فيقول: " أنت كنت أشد ضراً من هذا؟ " قال: لا بل هذا. قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني ". قال: ثم يؤتى بمملوك فيقول: " ما منعك من عبادتي؟ " فيقول: يا رب جعلت علي أرباباً يملكونني. قال: فيؤتى بيوسف في عبوديته فيقول: " أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟ " قال: لا بل هذا. قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني ". وعن أبي عبد الله الجدلي قال: كان أيوب نبي الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة أطفأها وإن رأى سيئة أذاعها. قال: ذكر أبو جعفر الطبري أن عمر أيوب كان ثلاثاً وتسعين سنة. أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري أبو سليمان البغدادي الإخباري، قدم دمشق وحدث بها وبمصر. روى عن محمد بن عبد الله الرقاشي بسنده عن أبي سعيد قال: رأى رسول الله ﷺ ناساً في مؤخر المسجد فقال: " لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، ادنوا مني فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ". توفي بدمشق سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومئتين.

стр. 1585

أيوب بن بشير بن كعب العدوي البصري قال أيوب بن بشير: لما سير أبو ذر إلى الشام قلت له: إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث النبي ﷺ ، قال: إذاً أحدثك به إلا أن يكون سراً. قال: ليس بسرٍّ. قلت: كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني. قال: هكذا روي، وأيوب لم يلق أبا ذر وإنما رواه عن رجل عنه كما رواه في حديث آخر عن فلان العنزي أنه أقبل مع أبي ذر فلما رجع تقطع الناس عنه. قلت: يا أبا ذر إني سائلك عن بعض أمر رسول الله ﷺ . قال: إن كان سراً من سر رسول الله ﷺ لم أخبرك به. قلت: ليس بسرٍّ، ولكن كان إذا لقي الرجل فأخذ بيده يصافحه؟ قال: على الخبير سقطت، لم يلقني قط إلا أخذ بيدي غير مرةٍ واحدة وكانت تلك آخرهن، أرسل إلي فأتيته في مرضه الذي توفي فيه فوجدته مضطجعاً فأكببت عليه فرفع يده فالتزمني. وفي حديث آخر بمعناه: فلقيني فاعتنقني وكان ذلك أجود وأجود. وعزى أيوب بن بشير سليمان بن عبد الملك على ابنه فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في الفاني وبارك لك في الباقي. أيوب بن تميم أبو سليمان التميمي المقرئ روى عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة إلى رسول الله ﷺ قال: " من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها ". حدث أيوب بن تميم قارئ أهل دمشق عن عثمان بن أبي العاتكة قال: سمع كعب الأحبار رجلاً ينشد:

стр. 1586

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يهلك العرف بين الله والناس فقال كعب: والذي نفسي بيده إنه لمكتوب في التوراة. قال عبيد بن أبي السائب: إذا حدثك أيوب بن تميم عن الأوزاعي فشد يدك به. قيل: إن أيوب بن تميم توفي سنة بضع وتسعين ومئة. أيوب بن حسان أبو حسان الجرشي من أهل دمشق. روى عن ثور بن يزيد بسنده عن عمرو بن الأسود العنسي قال: أتينا عبادة بن الصامت أيام أرواد فإذا هو قائم يركع فقالت له أم حرام: يا أبا الوليد هؤلاء إخوانك جاؤوك تحدثهم فقال لها: إن كنت صحبت فقد صحبت وإن أكن سمعت فقد سمعت فحدثيهم أنت، فقالت: أتانا النبي ﷺ فقال: " أين أبا الوليد؟ " فقلت: الساعة يأتيك. فألقيت له وسادةً فجلس عليها، فضحك، فقلت: ما أضحكك؟ قال: " أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا ". قلت: أدع لي أن أكون معهم. قال: " اللهم اجعلها معهم ". قالت: ثم ضحك فقلت: ما الذي أضحكك؟ قال: " أول جيشٍ من أمتي يرابطون مدينة قيصر مغفور لهم ".

стр. 1587

أيوب بن حمران ويقال حمران مولى عبيد الله بن زياد، قدم دمشق على بني أمية. حدث يونس بن حبيب الجرمي قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي ﵇ وبني أبيه ﵈، بعث برؤوسهم إلى يزيد بن معاوية، فسر بقتلهم أولاً، وحسنت بذلك منزلة عبيد الله عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين ﵇، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد؛ وإن كان في ذلك وكفٌ ووهنٌ في سلطاني، حفظاً لرسول الله ﷺ ورعاية لحقه وقرابته! لعن الله ابن مرجانة فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأل أن يخلي سبيله ويرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فأبى ذلك ورده عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، وأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسيناً، مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه! ثم إن عبيد الله بن زياد بعث مولى له يقال له أيوب بن حمران إلى الشام ليأتيه بخبر يزيد، فركب عبيد الله ذات يوم حتى إذا كان في رحبة القصابين، إذا هم بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه بموت يزيد بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك وأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: إن الصلاة جامعة. وفي حديث آخر غيره: فلما تجمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد، وعرض بثلبه لقصد يزيد إياه قبل موته خافه عبيد الله فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال: أعرض عن ذي قبر. فأعرض عنه.

стр. 1588

أيوب بن خالد أبو عثمان الجهني الحراني دخل دمشق. حدث عن الأوزاعي بسنده إلى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس " وروى أحاديث أخر. قال ابن عدي: أيوب بن خالد حدث عن الأوزاعي بالمناكير، وكان ولي بريد بيروت فسمع من الأوزاعي هناك فجاء بأحاديث مناكير: قال أيوب بن خالد: خرجت إلى الأوزاعي فوافيته بدمشق، فقال لي: من أين جئت؟ فقلت: من حران. فقال لي: ومن كم فارقت في حران؟ فقلت: من ثمانية أيام. فقال لي: من حران إلى دمشق في ثمانية أيام؟ قال: على أي شيء جئت؟ فقلت: على البريد: فقال: على البريد! والله لا حدثتك بحرف، أو ترجع إلى حران وتجيء على راحلتك، أو على كريٍّ حتى أحدثك. قال: فرجعت إلى حران واكتريت منها، وجئت إليه إلى بيروت ومعي المكاري حتى شهد لي ثم حدثني. أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو سلمة القرشي المخزومي. ولد بدمشق، وأتى به أبوه إلى معاوية فسماه أيوب، ثم سكن المدينة، وقدم على هشام بن عبد الملك

стр. 1589

وكان عمر بن مصعب وأيوب بن سلمة يتواصلان، ويذكر أن أميهما أختان من ولادة العجم، وأنهما بنتا خال حيلان الملك. قال: وكانت الشهقة تعتري أيوب بن سلمة كثيراً وكان يرقى منها. حدث عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ بالمعرس فقال: " لقد أتيت ". فقيل لي: إنك لبالوادي المبارك يعني العقيق. وعاش أيوب بن سلمة بالدولتين دولة بني أمية لمكان بنت أخيه أم سلمة عند مسلمة بن هشام ودولة بني العباس لمكانها عند أبي العباس أمير المؤمنين. أيوب بن سليمان بن داود ابن عبد الله بن حذلم الأسدي. روى عن سويد بن عبد العزيز بسنده عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السبع. أيوب بن سليمان بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم الأموي، ولي غزو الصائفة، وكان أبوه قد رشحه لولاية العهد من بعده، فمات في حياة أبيه، ومدحه جرير بن الخطفى الشاعر. لم تعلم له رواية. وأم أيوب بن سليمان أم أبان بنت أبان بن الحكم بن أبي العاص. بايع سليمان لابنه أيوب يوم الفطر من سنة ست وتسعين، وتوفي أيوب يوم السبت

стр. 1590

لثمان ليال خلون من المحرم، وتوفي سليمان بدابق في صفر لعشر ليال بقين من سنة تسع وتسعين، وكان بينه وبين ابنه اثنان وأربعون يوماً، وكان جرير قال فيه لما عهد إليه سليمان: " من البسيط " إن الإمام الذي ترجى نوافله ... بعد الإمام ولي العهد أيوب كونوا كيوسف لما جاء إخوته ... فاستسلموا قال ما في اليوم تثريب وقيل توفي سنة ثمان وتسعين. قال رجاء بن حيوة: لما كان الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثياباً خضراً من وخز ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة، فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقل كتب كتاب عهده إلى ابنه أيوب وهو غلام لم يبلغ. فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال سليمان: كتاب أستخير الله فيه وأنظر، ولم أعزم عليه، فمكث يوماً أو يومين ثم خرقه. حدث بريد ليزيد بن المهلب قال: حملت حملين مسكاً من خراسان إلى سليمان بن عبد الملك، فانتهيت إلى باب ابنه أيوب وهو ولي العهد، فدخلت عليه، فإذا بدار مجصصة حيطانها وسقوفها، وإذا بها وصفاء ووصائف عليهم ثياب صفر وحلي الذهب، ثم دخلت داراً أخرى، فإذا حيطانها وسقوفها خضراء وإذا وصفاء ووصائف عليهم ثياب خضر وحلي الزمرد، قال: فوضعت الحملين بين يدي أيوب وهو قاعد على سرير معه امرأته، لم أعرف أحدهما من صاحبه، فانتهبت المسك من بين يديه فقلت له: أيها الأمير اكتب لي براءة، فنهرني فخرجت فأتيت سليمان فأخبرته بما كان، فقال: قد عرفنا قصتك، فكتب براءة، ثم عدت بعد أحد عشر يوماً، فإذا أيوب وجميع من كان معه في داره قد ماتوا أصابهم الطاعون.

стр. 1591

دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه وهو يومئذ ولي عهده قد عقد له من بعده، فجاء إنسان يطلب ميراثاً من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يرثن في العقار شيئاً، فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله! فأين كتاب الله؟ قال: يا غلام اذهب فائتني بسجل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف! قال أيوب: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين ثم لا يشعر حتى يفارقه رأسه. قال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك فما يدخل على أولئك أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين ما حلمنا عنه. قال الأصمعي: اشتد جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب حتى جاءه المعزون من الآفاق. فقال رجل منهم: إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا ثم ظن أن المصائب لا تصيبه فيها لغبين الرأي ولما حضر أيوب الوفاة وهو ولي العهد، دخل سليمان وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وسعد بن عقبة فجعل ينظر في وجهه، فخنقته العبرة، ثم نظر فقال: إنه ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة، والناس في ذلك أضراب: فمنهم من يغلب صبره على جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه على صبره، فذلك المغلوب الضعيف العقدة، وليست منكم خشية، فإني أجد في قلبي لوعة، إن أنا لم أبردها بعبرة خفت أن يتصدع كبدي. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا تحبطن. قال ابن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستعتب يرجو أن يساعده على ما أراد من البكاء، فأما أنا فكرهت آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين فافعل فإني لا أرى بذلك بأساً ما لم تأت من

стр. 1592

ذلك المفرط، وقد بلغني أن رسول الله ﷺ ، لما مات ابنه إبراهيم واشتد عليه وجده وجعلت عيناه تدمعان قال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ". قال: فأرسل عينيه، فبكى حتى ظننا أن نياط قلبه قد انقطع، قال: فقال عمر بن عبد العزيز لرجاء: يا رجاء ما صنعت بأمير المؤمنين؟ قال: دعه يقضي من بكائه وطراً، فإنه إن لم يخرج من صدره ما ترى خفت أن يأتي على نفسه. قال: ثم رقأت عبرته، فدعا بماء فغسل وجهه، وأقبل علينا حتى قضى أيوب، وأمر بجهازه، وخرج يمشي أمام الجنازة، فلما دفناه، وحثا التراب عليه وقف ملياً ينظر إليه، وقال: " من الطويل " وقوف على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب، وأنشد: " من السريع " كنت لنا أنساً ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مر المذاق ثم قال: أدن مني دابتي يا غلام، فركب، ثم عطف رأس دابته إلى القبر وقال: لئن صبرت فلم أقبلأ ألفظك من شبعٍ ... وإن جزعت فعلقٌ منفسٌ ذهبا فقال له عمر بن عبد العزيز: الصبر يا أمير المؤمنين، فأنه أقرب إلى الله وسيلة، وليس الجزع بمحيي من مات ولا راد ما فات. قال: صدقت وبالله التوفيق. وقال الأصمعي: وعزى رجل سليمان بن عبد الملك عن ابنه أيوب فقال: إن من أحب البقاء، وأمن الحدثان لعازب الرأي.

стр. 1593

أيوب بن أبي عائشة حدث عن أبي هبيرة: أن رجلاً ضاف بأعمى فعشاه، فلما كان من الليل قام فتوضأ فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم دعا فقال: اللهم رب الأرواح الفانية ورب الأجساد البالية، أسألك بطاعة الأرواح إلى أجسادها، وبطاعة الأجساد البالية إلى عروقها، وأسألك بدعوتك الصادقة فيهم، وكلمة الحق بينهم، وبشدة سلطانك، ينتظرون قضاءك، ويرجون رحمتك، ويخافون عذابك، أسألك أن تجعل النور في بصري والإخلاص في عملي، والشكر في قلبي أبداً ما أبقيتني، فحفظ الأعمى هذا الدعاء، فلما كان من القابلة، فتوضأ وصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم رفع يديه، فدعا بهذا الدعاء، فلما بلغ: أن تجعل النور في بصري أبصر الأعمى، ورد الله إليه بصره. حدث أيوب بن أبي عائشة، وكان من الصالحين، وكان يتبرك بدعائه، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. قال: قيل لموسى ﵇: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد ﷺ في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن كلما مخضته أخرجت زبدته. أيوب بن عبد الله بن مكرز ابن الأخيف العامري القرشي. حدث عن وابصة بن معبد الأسدي قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أد ع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه، فأتيته وحوله عصابة من الناس يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ قلت لهم: دعوني أدن منه، فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه، فقال: دعوا وابصة. ادن يا وابصة ادن يا وابصة. فدنوت حتى قعدت بين يديه، فقال لي: " يا وابصة أتسألني أو أخبرك؟ " قلت: بل أخبرني يا رسول الله. قال: " أتسألني عن البر والإثم؟ " فقلت: نعم. فجمع أنامله، ثم جعل ينكت بهن في صدري ويقول: " يا وابصة استفت

стр. 1594

قلبك، واستفت نفسك. البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدور، وإن أفتاك الناس وأفتوك ". ثلاث مرات. وعن ابن مكرز - رجل من أهل الشام من بني عامر بن لؤي - عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : " لا أجر له ". فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عد إلى رسول الله ﷺ فلعلك لم تفهمه، فقال الرجل: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا، فقال: " لا أجر له ". فأعظم ذلك الناس، فقالوا للرجل عد إلى رسول الله ﷺ ، فقال له الثالثة: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال: " لا أجر له ". أيوب بن عثمان الدمشقي حدث عن عثمان بن أبي عاتكة عن كعب الحبر أنه سمع رجلاً ينشد بيت الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة. أيوب بن محمد بن زياد بن فروخ أبو سليمان الرقي الوزان مولى ابن عباس، قدم دمشق. قيل: إن أيوب يلقب بالقلب، وقيل: إن القلب هو أيوب بن محمد الصالحي البصري. حدث عن مروان بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله ﷺ بغلام يسلخ شاةً، فقال له: " تنح حتى أريك فإني لا أراك تحسن

стр. 1595

تسلخ ". قال: فأدخل رسول الله ﷺ يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط وقال: " هكذا يا غلام فاسلخ ". ثم انطلق فصلى بالناس ولم يتوضأ يعني لم يمس ماءً. وحدث أيوب عن ضمرة بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم أفضلها وأكرمها على الله ". كان أيوب يزن القطن في الوادي، لا يخضب. مات في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وقيل: في سنة ست وأربعين. أيوب بن محمد بن محمد ابن أيوب أبي سليمان بن سليمان أبو الميمون الصوري، حدث بدمشق وصور. روى عن علي بن معبد بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " إن الذي يجر ثوبه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة ". وحدث عن كثير بن عبيد الله الحذاء بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم على صورته، طوله سبعون ذراعاً ". ذكر أيوب مع الضعفاء. أيوب بن مدرك بن العلاء أبو عمرو الحنفي من أهل دمشق، قرأ القرآن وأقرأه. وحدث عن مكحول عن واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك قالا: قال النبي ﷺ : " لا تذهب الدنيا حتى يستغني النساء بالنساء، والرجال بالرجال ". والسحاق زنى النساء فيما بينهن.

стр. 1596

وحدث عن مكحول عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يكشفون رؤوسهم في أول قطرةٍ تكون من السماء في ذلك، ويقول رسول الله ﷺ : " هو أحدث عهداً بربنا وأعظمه بركةً ". وحدث عن مكحول عن أبي أمامة قال: لما آخى رسول الله ﷺ بين الناس، آخى بينه وبين علي. وأيوب بن مدرك ضعيف. أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي. حدث أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ولا يثرب - قال سفيان: لا يعير - وإن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت في الثالثة أو في الرابعة فليبعها ولو بضفيرٍ ". حدث أيوب عن موسى عن نافع قال: خرج ابن عمر يريد العمرة فأخبر أن بمكة أمراً يخاف أن يحبس. فقال: أهل بالعمرة فإن حبست صنعت كما صنع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأهلّ بالعمرة، فلما سار قليلاً وهو بالبيداء أوجب حجاً، وقال: ما سبيل العمرة إلا سبيل الحج، وقال: أشهدكم أني قد أوجبت حجاً. وقدم مكة فطاف بالبيت سبعاً، وطاف بين الصفة والمروة سبعاً طاف لهما طوافاً واحداً، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، فلما أتى قديداً اشترى هدياً وساق معه. كان أيوب والياً على الطائف لبعض بني أمية وكان ثقة ممن يحمل عنه الحديث. حمل عنه مالك بن أنس، وأمه أم ولد.

стр. 1597

وفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة قتل داود بن علي أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد. أيوب بن موسى ويقال ابن محمد ويقال ابن سليمان أبو كعب السعدي، من أهل البلقاء من نواحي دمشق. حدث عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ". أيوب بن ميسرة بن حلبس أخو يونس بن ميسرة الجبلاني. قال أيوب بن ميسرة: سمعت بسر بن أبي أرطاة يقول: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. فقلت: إني أسمعك تردد هذا الدعاء. قال: إني سمعت رسول اللهصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به. حلبس بالحاء غير معجمة مفتوحة وباء معجمة بواحدة. أيوب بن نافع بن كيسان ولكيسان صحبة، ويقال: لنافع أيضاً صحبة. روى عن أبيه نافع - وقيل: كيسان - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ستشرب أمتي من بعدي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يكون عونهم على شربها أمراؤهم ".

стр. 1598

أيوب بن هلال وهلال أبو عقال ابن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي. حدث أبو زيد يحيى بن أيوب بن أبي عقال هلال أن أباه حدثه وكان صغيراً فلم يع عنه، قال: فحدثني عمي زيد بن أبي عقال عن أبيه أن أباه حدثه أن حارثة تزوج إلى طيئ بامرأة من بني نبهان فأولدها جبلة وأسماء، وقيل: وأسامة وزيداً، وتوفيت أمهم وبقوا في حجر جدهم لأمهم وأراد حارثة حملهم فأبى جدهم لأمهم فقال: ما عندنا خير لهم، فتراضوا إلى أن حمل جبلة وأسماء، وقيل: وأسامة وخلف زيداً، فجاءت خيل من تهامة من فزارة فأغارت على طيئ فسبت زيداً فصاروا به إلى عكاظ، فرآه النبي ﷺ من قبل أن يبعث فقال: " يا خديجة رأيت في السوق غلاماً من صفته كيت وكيت، يصف عقلاً وأدباً وجمالاً ولو أن لي مالاً لاشتريته ". فأمرت خديجة ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النبي ﷺ : " يا خديجة هبي لي هذا الغلام بطيبةٍ من نفسك "، فقالت: يا محمد إني أرى غلاماً وضيئاً وأحب أن أتبناه وأخاف أن تبيعه أو تهبه، فقال: " يا موفقة ما أردت إلا أن أتبناه "، فقالت: به فديت يا محمد، فرباه وتبناه، إلى أن جاء رجل من الحي فنظر إلى زيد فعرفه فقال له: أنت زيد بن حارثة؟ قال: لا أنا زيد بن محمد، فقال: بل أنت زيد بن حارثة، إن أباك وعمومتك وإخوتك قد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا الأموال في سببك فقال: " من الطويل " ألكني إلى قومي وإن كنت نائياً ... فإني قطين البيت عند المشاعر وكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرة ... خيار معدٍّ كابراً بعد كابر فمضى الرجل فخبر حارثة، ولحارثة فيه أشعار منها: " من الطويل " بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيٌّ يرجى أم أتى دونه الأجل ووالله ما أدري وإني لسائل ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل

стр. 1599

فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرينه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا عسعس الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول أحزاني عليه ويا وجل سأعمل نص العيش في الأرض جاهداً ... ولا أسأم التطوف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فانٍ وإن غره الأمل ثم إن حارثة أقبل إلى مكة في إخوته وولده وبعض عشيرته، فأصاب النبي ﷺ بفناء الكعبة في نفر من أصحابه وزيداً فيهم، فلما نظروا إلى زيد عرفوه وعرفهم، فقالوا له: يا زيد، فلم يجبهم إجلالاً منه لسيدنا رسول الله ﷺ ، وانتظاراً منه لرأيه. فقال له النبي ﷺ : " من هؤلاء؟ " قال: يا رسول الله، هذا أبي وهذان عماي، وهذا أخي، وهؤلاء عشيرتي. فقال له النبي ﷺ : " قم فسلم عليهم يا زيد ". فقام فسلم عليهم، وسلموا عليه، وقالوا: امض معنا يا زيد. قال: ما أريد برسول الله ﷺ بدلاً، فقالوا له: يا محمد إنا معطوك بهذا الغلام ديات، فسم ما شئت فإنا حاملوها إليك. قال: أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني خاتم أنبيائه ورسله. فأبوا وتلكؤوا وتلجلجوا، وقالوا: تقبل ما عرضنا عليك يا محمد؟ فقال: " هاهنا خصلة غير هذه، قد جعلت أمره إليه، إن شاء فليقم وإن شاء فليرحل ". قالوا: قضيت ما عليك يا محمد، وظنوا أنهم قد صاروا من زيد إلى حاجتهم، قالوا: يا زيد قم قد أذن لك محمد فانطلق معنا. قال: هيهات هيهات، ما أريد برسول الله ﷺ بدلاً، ولا أوثر عليه والداً ولا ولداً، فأداروه وألاصوه واستعطفوه وذكروا وجد من وراءهم به، فأبى وحلف أن لا يصحبهم، فقال حارثة: يا بني أما أنا فإني مؤنسك بنفسي، فآمن حارثة وأبى الباقون، فرجعوا إلى البرية، ثم إن أخاه جبلة رجع فآمن بالنبي ﷺ . وأول لواء عقده النبي ﷺ إلى الشام لزيد، وأول شهيد كان بمؤتة زيد وثانيه جعفر الطيار، وآخر لواء عقده بيده لأسامة على اثني عشر ألفاً من الناس فيهم أبو بكر وعمر ﵄، فقال: إلى أين يا رسول الله؟ قال: " عليك

стр. 1600

بأبنى فصبحها صباحاً فقطع وحرق وخذ بثأر أبيك ". واعتل النبي ﷺ ، فقال: " جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة ". فجهز إلى أن صار إلى الجرف واشتدت علة النبي ﷺ فبعث إلى أسامة أن النبي ﷺ يريدك، فرجع، فدخل على النبي ﷺ وقد أغمي عليه، ثم أفاق ﷺ فنظر إلى أسامة فأقبل فرفع يديه إلى السماء ويفرغها عليه. قالوا: فعرفنا أنه إنما يدعو له، ثم قبض ﷺ فكان فيمن غسله الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، وأسامة يصب عليه الماء، فلما دفن ﵇. قال عمر لأبي بكر: ما ترى في لواء أسامة؟ قال: ما أحل عقداً عقده النبي ﷺ ، ولا يحل من عسكره رجل إلا أن تكون أنت يا عمر، ولولا حاجتي إلى مشورتك لما حللتك من عسكره. يا أسامة عليك بالمياه يعني بالبوادي وكان يمر بالبوادي ينظرون إلى جيش رسول الله ﷺ فيثبتوا على أديانهم، إلى أن صاروا إلى عشيرته كلب فكانت تحت لوائه إلى أن قدم الشام على معاوية، فقال له معاوية: اختر لك منزلاً فاختار المزة واقتطع فيها هو وعشيرته. وقال الشاعر أعور كلب: " من الطويل " إذا ذكرت أرض لقوم بنعمةٍ ... فبلدة قومي تزدهي وتطيب بها الدين والإفضال والخير والندى ... فمن ينتجعها للرشاد يصيب ومن ينتجع أرضاً سواها فإنه ... سيندم يوماً بعدها ويخيب تأتى لها خالي أسامة منزلاً ... وكان لخير العالمين حبيب حبيب رسول الله وابن رديفه ... له ألفةٌ معروفة ونصيب فأسكنها كلباً وأضحت ببلدة ... لها منزل رحب الجناب خصيب فنصف على بر فسيح ونزهة ... ونصف على بحر أغر رطيب ثم أن أسامة خرج إلى وادي القرى إلى ضيعة فتوفي بها، وخلف في المزة ابنة له يقال

стр. 1601

لها: فاطمة، فلم تزل مقيمة إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز، فجاءت، فدخلت عليه، فقام من مجلسه وأقعدها فيه، وقال لها: حوائجك يا فاطمة؟ قالت: تحملني إلى أخي، فجهزها وحملها. أيوب بن يزيد بن قيس ابن زرارة بن سلمة بن حنتم بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد بن مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ويعرف بابن القرية النمري. والقرية التي نسب إليها هي: خماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة. تزوجها مالك بن عمرو، فولدت له حنتم بن مالك. وفد على عبد الملك بن مروان. وصحب أيوب بن قرية بن مروان والحجاج بن يوسف. يضرب به المثل في الفصاحة. وكان أيوب خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج بن يوسف. وبعض الناس ينفيه ويقول لم يكن. قال الأصمعي: وأربعة لم يلحنوا في جدٍّ ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية. والحجاج أفصحهم. وسأل الحجاج ابن القرية عن الصبر؟ فقال: كظم ما يغيظك واحتمال ما ينوبك. وقال الحجاج لابن القرية: ما الإرب؟ قال: الصبر على كظم الغيظ حتى تمكنك الفرصة.

стр. 1602

قال أيوب بن القرية: الرجال ثلاثة: عاقل وأحمق وفاجر، فالعاقل إن تكلم أجاد، وإن سمع وعى، وإن نطق نطق بالصواب، والأحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذهل، وإن حمل على القبيح فعل. والفاجر إن ائتمنته خانك وإن حادثته شانك. وفي حديث آخر: وإن استكتمته سراً لم يكتمه عليك. قال الجاحظ: سأل الحجاج ابن القرية عن أضيع الأشياء؟ فقال: سراج في شمس، ومطر في سبخة، وبكر تزف إلى عنين، وطعام متأنق فيه عند سكران ومعروف عند غير أهله. وفي رواية: وامرأة حسناء تزف إلى أعمى، وطعام طيب يهيأ لشبعان، وصنيعةٌ عند من لا يشكرها. قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: وجه الحجاج بن يوسف أيوب بن القرية إلى عبد الرحمن بن الأشعث عيناً عليه بسجستان، فلم يلبث أن غمز به، فأدخل على عبد الرحمن. فقال له: مرحباً بالموصوف عندنا بتزين البلاغة. أأنت ابن القرية؟ قال: نعم. أصلح الله الأمير، فقال له عبد الرحمن: أخبرني عن أمر. قال: يسأل الأمير عما أحب. قال: أخبرني عن الحجاج ما أمره لديك؟ أعلى محجة القصد أم في مجانبة الرشد؟ قال: أسألك الأمان قبل البيان، قال: لك الأمان. قال: إن الحجاج على احتجاج في قصد المنهاج يمنح الظفر ويجتنب الكدر، لا تفظعه الأمور، وليس فيها بعثور، في النعماء شكور، وفي الضراء صبور فإنهاك أن تقاوله، وأعيذك بالله أن تطاوله، وهو على تربة

стр. 1603

العدل لا تزل به النعل، ولا يعرنك الجبن ولك الحق، فإنكم خير داعية وأوثق، قال له عبد الرحمن: كذبت يا عدو الله، والله لأقتلنك، قال: فأين اللعان قال: وكيف الاقان لمن كذب وفجر والله لاقتلنك أو لتظاهرني عليه. قال له: أصلح الله الأمير. إنما أنا رسول. قال: هو ما أقول لك، فلما رأى أنه غير منتهٍ عنه تابعه وأقام معه يصدر له كتبه إلى الحجاج. فجمع له عبد الرحمن الناس فأصعده على المنبر، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الأمر الذي يدعوكم الحجاج إليه لم ينزل من السماء، ولم تقم به الخطباء ولم تسنه الأنبياء، ولم تصدر به إلينا من قبله كتب. ثم نزل، فلم يلبث أن قتل عبد الرحمن وهزم الحجاج الناس، فبعث في طلب الفار، فأتي بابن القرية أسيراً، فلقيه عنبسة بن سعيد، فقال له: أيوب! قال: أيوب، فما وراءك؟ قال: ورائي أنك مقتول، قال: كلا. إني قد أعددت للأمير كلمات صغاراً صلاباً كركب وقف قد قضين من حاجة وطراً، وقد استقبلن سفراً، قال: هو ما أقول لك. فلما أدخل على الحجاج تجاهل عليه. فقال: من أنت؟ قال: أنا أيوب. قال: يا أيوب ألم تكن في خمول من الدعة، وعدمٍ من المال، وكدرٍ من العيش، وتضعضعٍ من الهيئة، ويأسٍ من بلوغ ما بلغت، فوليتك ولاية الوالد ولم أكن لك والداً، ووليتك ولاية الراجي عندك الخير ولم أرج عندك خيراً، ووليتك ولاية الجاري باليد ولم يكن عندي يد، وأجرتك بها ثم قمت عند عبد الرحمن فقلت: إن الأمر الذي يدعوكم إليه الحجاج لم ينزل من السماء ولم ولم، والله لتعلمنّ يا بن القرية أن قتلك قد نزل من السماء. قال له: أصلح الله الأمير. إني قد أتيت إنساناً في مسك شيطان يتهددني بتخونه ويقهرني بسلطانه، فنطق اللسان بغير ما في القلب، والنصيحة لك ثابتة، والمودة لك باقية. قال: صدقت يا عدو الله، فلم كنت كاذباً وكان قلبك منافقاً وأردت كتمان ما كان الله معلنه منك، وإخفاء ما كان الله يعلمه من سريرتك، وكيف علمك بالأرض؟ قال: علمي بها كعلمي ببيتي، قال: فأخبرني عن الهند. قال: بحرها درٌ، وترابها مسك، وحطبها عود، وورقها عطر. قال: فأخبرني عن مكة. قال: تمرها دقل، ولصها بطل، إن كثر الجند بها جاعوا: وإن قلوا

стр. 1604

بها ضاعوا. قال: فأخبرني عن عمان. قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، يشدون الجلوف وينزلون الطفوف، وكأنهم بهائم ليس لهم راع، قال فأخبرني عن اليمامة. قال: أهل جفاء وطيرة ونكد قال: فأخبرني عن البصرة. قال: ماؤها مالح، وشربها سانح، مأوى كل تاجر، وطريق كل عابر. قال: فأخبرني عن واسط. قال: جنة بين حماةٍ وكنة. قال: وما حماتها وما كنتها؟ قال: البصرة والكوفة، ودجلة والفرات يحقران شأنها وينقصان الخير عنها. قال: فأخبرني عن الكوفة. قال: ارتفعت عن البحر، وسفلت عن الشام، فطاب ليلها، وكثر خيرها. قال: فأخبرني عن المدينة. قال: رسخ العلم فيها ووضح، وسناؤها قد طفح. قال: فأخبرني عن مكة. قال: رجالها علماء وفيهم جفاء، ونساؤها كساةٌ كعراة. قال: فأخبرني عن اليمن. قال: أصل العرب. وأهل بيوتات الحسب. قال: فأخبرني عن مصر. قال: عروس نسوة، كلهن يزفها. قال: وما ذاك بها؟ قال: فيها الثياب وإليها الأموال. قال: فأمر به فحبس عشراً، ثم أخرجه يوم العيد، فأقعده إلى جانب المنبر، ثم صعد الحجاج فخطب الناس ونزل، ثم دعا به والناس مجتمعون على الموائد، فكفوا عن الطعام، وأقبلوا يستمعون ما يكون من محاورتهما. فقال له الحجاج: يا بن القرية. كيف رأيت خطبتي؟ قال: أصلح الله الأمير، أنت أخطب العرب. قال: عزمت عليك إلا صدقتني. قال: تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد. قال له: ويلك! أو ما تستعين أنت بيدك في كلامك؟ قال: لا أصل كلامي بيدي حتى يضيق علي لحدي يوم أقضي نحبي. قال: علمت أني قاتلك؟ قال: ليستبقني الأمير أكن له كما كنت عليه قبل أنا في طاعته أشد مبالغة وفي مناصحته أشد نصرة، قال له: هيهات، هيهات، كذبت نفسك، وساء ظنك، وطال أملك، وكان أملك مع سوء عملك الموت قبل ذلك ثم دعا بحربة فجمع بها يده ثم هزها، فجزع أيوب من ذلك جزعاً شديداً. فقال: أصلح الله الأمير، دعني أتكلم بكلمات صعاب صلاب كركب وقف قد قضين من حاجة وطراً، وقد استقبلن سفراً، يكن مثلاً بعدي. قال: هاتهن إنهن لن ينجيك مني. قال: أصلح الله الأمير. إن

стр. 1605

لكل جواد عثرة، ولكل شجاع سهوة ولكل صارم نبوة، ولكل حليم زلة، ولكل مذنب توبة قال: لا نقيلك عثرتك، ولا تقبل توبتك، ولا يغفر ذنبك. قال: أصغني سمعك. قال: قد أصغيتك سمعي. وأقبلت عليك وأنا ممضٍ فيك أمري. قال: أصلح الله الأمير، أنت منهج السالكين، غليظ على الكافرين، رؤوف بالمؤمنين، تام السلاح، كامل الحلم، راسخ العلم، فكن كما قال الأخطل. قال: وما قال؟ قال: قال: " من البسيط " شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا قال: ليس هذا حين المزاح، اليوم أروي من دمك السلاح. قال له: قد قال الله : " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " قال: فأطرق طويلاً ثم قال له: أخبرني بأصدق بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول: " من الطويل " وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمةً من محمد ولا فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد قال: صدقت. فرجا أيوب أن يكون له عنده فرج. قال: أخبرني بأشكل بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول: حبذا رجعها يديها إليها ... في يدي درعها تحل الإزارا ثم قال: أخبرني بأسير بيت قاله الشاعر. قال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال: فأخبرني بأكرم بيت قاله الشاعر. قال: " من الوافر "

стр. 1606

وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولةً فيمن يليهم ... وصلنا صولةً فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا فقال له: كذبت يا بن اللخناء، بل كنتم ألأم وأوضع، ثم رفع القناة فوضعها بين ثندوتة، ثم غمزها حتى طلع الدم، ثم قال: هكذا يقتل اللئيم يا بن اللخناء، ثم قال: ارفعوه فرفعوه، فجعل يقول: ثكلتك أمك يا بن القرية لقد فات منك كلام كثير، ومنطق بليغ، لله درك ودرايتك. قيل: قتل الحجاج ابن القرية سنة أربع وثمانين.

стр. 1607

أسماء النساء على حرف الألف أسماء بنت عبد الله أبي بكر الصديق ذات النطاقين التيمية، زوج الزبير بن العوام، وأم عبد الله بن الزبير، وأخت عائشة الصديقة، وأمها قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. ويقال: قتلة. لها صحبة، شهدت أسماء اليرموك مع زوجها الزبير. حدث هشام عن فاطمة: أن أسماء كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها، أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نبردها بالماء. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً ". قال: وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال رسول الله ﷺ : " إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، " فيقول: " ما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم ". فكان ابن أبي ملكية يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. وعن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله ﷺ رخص فيها، فادخلوا عليها فسلوها. قال: فدخلنا فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ .

стр. 1608

وعن أبي واقد صاحب رسول الله ﷺ أنه شهد اليرموك، قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر مع الزبير في خبائها فسمعها تقول للزبير: إن كان الرجل من العدو ليمر يسعى، فتصيب قدميه عروة أطناب خبائي، فيسقط على وجهه ميتاً ما أصابه السلاح. وسميت أسماء ذات النطاقين لأن رسول الله ﷺ لما تجهز مهاجراً ومعه أبو بكر الصديق أتاهما عبد الله بن أبي بكر في الغار ليلاً بسفرتهما، ولم يكن لها أشناق، فشقت لها أسماء نطاقها فشنقتها به. فقال لها رسول الله ﷺ : قد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة فقيل لها ذات النطاقين. وقتلة أمها نزلت فيها: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ". كانت قتلة قدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، وقتلة راغبة عن الإسلام على دين قومها، ومعها ابنها الحارث بن مدرك بن عمر بن مخزوم، فأبت أسماء أن تقبل هديتها حتى تسأل رسول الله ﷺ ، فسألته، فأنزل الله : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " الآيات. فأدخلتها أسماء وقبلت هديتها. قال محمد بن مسلمة: تصلون ذوي أرحامكم. قال ثم نسخ هذا بقوله: " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه، ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون ". وكانت أسماء مع ابنها عبد الله حين قتل، وبقيت مائة سنة حتى عميت، وماتت بعد قتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعد ابنها بليال، وكانت أخت عائشة لأبيها. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله ﷺ ، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على

стр. 1609

باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدي لطمة خر منها قرطي. قالت: ثم انصرفوا، فمضى ثلاث ليال ما ندري أين توجه رسول الله ﷺ ؛ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات شعر غنى بها العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج بأعلى مكة: " من الطويل " جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واغتدوا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت: فلما سمعنا قوله، عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أريقط دليلهما. وعن أسماء قالت: لما توجه رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة معه أبو بكر، حمل أبو بكر معه جميع ماله خمسة آلاف أو ستة آلاف، فأتاني جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره. فقال: إن هذا والله فجعكم بماله مع نفسه فقلت: كلا يا أبه! قد ترك لنا خيراً كثيراً، فعمدت إلى حجارة فجعلتهن في كوةٍ في البيت، كان أبو بكر يجعل ماله فيها، وغطيت على الأحجار بثوب ثم جئت به، فأخذت يده فوضعتها على الثوب، فقلت: ترك لنا هذا، فجعل يجد مس الحجارة من وراء الثوب، فقال: أما إذ ترك لكم هذا فنعم. ولا والله ما ترك لنا قليلاً ولا كثيراً. قال كثير أبو الفضل: حدثني رجل من قريش من آل الزبير، أن أسماء بنت أبي بكر أصابها ورم في رأسها ووجهها، وأنها بعثت إلى عائشة بنت أبي بكر: اذكري وجعي لرسول الله ﷺ ، لعل الله

стр. 1610

يشفيني، فذكرت عائشة لرسول الله ﷺ وجع أسماء، فانطلق رسول الله ﷺ حتى دخل على أسماء، فوضع يده على وجهها ورأسها من فوق الثياب. فقال: " بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله ". صنع ذلك ثلاث مرات. فأمرها أن تقول ذلك، فقالت ثلاثة أيام، فذهب الورم. قال كثير: تصنع ذكر عند حضور الصلوات المكتوبات بقولها وتراً ثلاثاً. وعن ابن أبي ملكية: أن أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت تصدع، فتضع يدها على رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر. وعن أسماء قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير الذي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ. قالت: فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، فقال: " إخ إخ " ليحملني خلفه. قالت: واستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته. قالت: وكان أغير الناس فعرفه رسول الله ﷺ يعني أني استحيت - فمضى. فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قال: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني. وعن عكرمة: أن أسماء كانت تحت الزبير بن العوام وكان شديداً عليها، فشكت ذلك إليه. فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة.

стр. 1611

قال هشام بن عروة: ضرب الزبير أسماء بنت أبي بكر، فصاحت بعبد الله بن الزبير فأقبل، فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلت. فقال له عبد الله: أتجعل أمي عرضة ليمينك؟ فاقتحم عليه فخلصها منه، فبانت منه. قالت أسماء بنت أبي بكر: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أحصي شيئاً وأكيله، فقال: " يا أسماء لا تحصي فيحصي الله عليك ". قالت: فما أحصيت شيئاً بعد قول رسول الله ﷺ خرج من عندي ولا دخل علي، وما نفد عندي من رزق إلا أخلفه الله. كانت أسماء تقول لبناتها: يا بناتنا تصدقن ولا تنتظرن الفضل فإنكن إن انتظرتن الفضل لم تجدنه، وإن تصدقتن لا تجدن فضله. كان ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما يختلف. أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه. وأما أسماء فإنها كانت لا تدخر شيئاً لغد. ولما فرض عمر الأعطية، فرض لأسماء بنت أبي بكر ألف درهم. قال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله. قال: قلت: فإن ناساً هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشياً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان. حدث عثمان بن حمزة قال: أرسلتني أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى السوق، وافتتحت بسورة الطور، فخرجت وقد انتهت إلى " ووقانا عذاب السموم " فذهبت إلى السوق ثم رجعت، وهي تكررها "

стр. 1612

ووقانا عذاب السموم " وهي تصلي. كانت أسماء بنت أبي بكر تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها. كانت أسماء اتخذت خنجراً زمن سعيد بن العاص للصوص، وكان استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها. قالت فاطمة بنت المنذر: ما رأيت أسماء لبست إلا معصفرة، حتى لقيت الله ، وإن كانت تلبس الدرع يقوم قياماً من العصفر. وكان عروة بن الزبير تعصفر له الملحفة بالدينار، قال: وإن كان لآخر ثوب لبسه لثوب عصفر له بالدينار. وعن أسماء قالت لعبد الله بن الزبير حين قاتل الحجاج: يا بني عش كريماً، ومت كريماً، لا يأخذك القوم أسيراً. وكانت أسماء تقول وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم؟ فيقال: للحجاج. فتقول: ربما أمر باطل، فإذا قيل لها: هي لعبد الله وأصحابه، تقول: اللهم انصر أهل طاعتك ومن غضب لك. اشتكت أسماء وعبد الله بن الزبير يقاتل الحجاج، وكانت قد كبرت ورقت فنظر إليها، فقال: ما أحسن الموت، فسمعت ذلك العجوز. فقالت: يا بني والله ما أحب أن أموت يومي هذا حتى أعلم إلى ما تصير إليه، إما ظفرت فذلك الذي نرجو ونسر به، وإما الأخرى فأحتسبك وتمضي لسبيلك. وفي حديث بمعناه، فقالت له: وإياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت، وإنما عنى ابن الزبير أن يقتل فيحزنها ذلك، وكانت ابنة مائة سنة. لما قتل الحجاج يوسف بن عبد الله بن الزبير، دخل على أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم؛ ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، ومالي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما

стр. 1613

سمعت من رسول الله ﷺ ، إني سمعته يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها الحجاج: مبير النافقين. حدث يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعدما قتل ابن الزبير بثلاثة أيام، وهو حينئذ مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة مكفوفة البصر فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل. فقال الحجاج: المنافق، فقالت: والله ما كان منافقاً، إن كان لصواماً قواماً براً، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرقت. قالت: لا والله ما خرقت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت. لما قلت الحجاج ابن الزبير صلبه على عتبة المدينة، فمر به ابن عمر فوثب عليه، فقال له: السلام عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا ثلاثاً، أما والله ما علمت إن كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، وإن أمة أنت شرهم لأمة صدق، فلما بلغ ذلك الحجاج أمر به فطرح في مقابر اليهود، ثم أرسل إلى أمه أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فلما رأى ذلك لبس سبتيه ثم خرج يتوذف إليها حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وقد والله كنت ذات نطاقين أما أحدهما، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه وأما الآخر، فإني كنت أرفع فيه طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي، فأي ذلك - ويل أمك - عيرته بك؟ أما إن رسول الله ﷺ كان يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير فأما الكذاب فابن أبي عبيد، وأما المبير فأنت. قال: فانصرف عنها ولم يراجعها. قال: وفي رواية يخرج من ثقيف ثلاثة: كذاب ومبير وذيال. قالت: وأما الذيال فلم نره وسوف يرى.

стр. 1614

لما صلب ابن الزبير، دخل ابن عمر المسجد، وذلك حين قتل ابن الزبير وهو مصلوب ومطروح، فقيل له: إن أسماء في ناحية المسجد، فمال إليها فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وأما الأرواح عند الله، فاتقي الله، وعليك بالصبر. فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. قال ابن أبي ملكية: دخلت على أسماء بعدما أصيب ابن الزبير فقالت: بلغني أن الرجل صلب عبد الله اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه، فأتيت به بعد ذلك قبل موتها، فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها. وفي حديث بمعناه: وصلت عليه فما أتت عليها إلا جمعة حتى ماتت وقيل ثلاثة أيام. وعن أسماء: أنه لما قتل عبد الله بن الزبير، كان عندها شيء أعطاها إياه النبي ﷺ ، فأمرت طارقاً فطلبه، فلما جاءها به سجدت. قال الركين بن الربيع: دخلت على أسماء وقد كبرت وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي. من الكبر. قال هشام: أتى على أسماء مئة عام وما سقط لها سن. وزاد غيره: ولم ينكر من عقلها شيء. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: إذا أنا مت فاغسلوني وحنطوني وكفنوني ولا تذروا علي كفني حنوطاً، ولا تدفنوني ليلاً. وفي رواية: ولا تتبعوني بنار.

стр. 1615

أسماء بنت واثلة بن الأسقع الليثية حدثت عن أبيها قالت: كان أبي يصوم الاثنين والخميس فقلت: ما هذا الصوم الذي لا تدعه؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصومهما ويقول: " تعرض فيهما الأعمال على الله ". وعن أسماء بنت واثلة قالت: كان أبي إذا صلى صلاة الصبح جلس مستقبل القبلة، لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فربما كلمته في الحاجة فلا يكلمني، فقلت له: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى صلاة الصبح، ثم قرأ: " قل هو الله أحد " مائة مرة قلب أن يتكلم فكلما قال: " قل هو الله أحد " غفر له ذنب سنة ". أسماء ويقال فكيهة بنت يزيد ابن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن عامر. أم عامر، ويقال أم سلمة الأنصارية الأشهلية لها صحبة، وهي من اللاتي بايعن سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهدت اليرموك، وقتلت من الروم تسعة بعمود فسطاطها، وشهدت خيبر مع سيدنا رسول الله ﷺ . روت أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ خرج والنساء في جانب المسجد، وأنا فيهن، فسمع ضوضاءهن، فقال: " يا معشر النساء، أنتن أكثر حطب جهنم ". قالت: فناديت رسول الله ﷺ ، وكنت جريئة على كلامه، فقلت: يا رسول الله، بماذا؟ قال: " إنكن إذا أعطيتن لم تشكرن، وإذا ابتلين لم تصبرن، وإذا أمسك عنكن شكوتن، وإياكن وكفر المنعمين ". فقلت: يا رسول الله، وما المنعمون؟ قال: " المرأة تكون تحت الرجل وقد ولدت الولدين والثلاثة، فتقول: ما رأيت منك خيراً قط ".
следующие страницы →