← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قال هشام بن عروة: ضرب الزبير أسماء بنت أبي بكر، فصاحت بعبد الله بن الزبير فأقبل، فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلت. فقال له عبد الله: أتجعل أمي عرضة ليمينك؟ فاقتحم عليه فخلصها منه، فبانت منه. قالت أسماء بنت أبي بكر: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أحصي شيئاً وأكيله، فقال: " يا أسماء لا تحصي فيحصي الله عليك ". قالت: فما أحصيت شيئاً بعد قول رسول الله ﷺ خرج من عندي ولا دخل علي، وما نفد عندي من رزق إلا أخلفه الله. كانت أسماء تقول لبناتها: يا بناتنا تصدقن ولا تنتظرن الفضل فإنكن إن انتظرتن الفضل لم تجدنه، وإن تصدقتن لا تجدن فضله. كان ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما يختلف. أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه. وأما أسماء فإنها كانت لا تدخر شيئاً لغد. ولما فرض عمر الأعطية، فرض لأسماء بنت أبي بكر ألف درهم. قال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله. قال: قلت: فإن ناساً هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشياً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان. حدث عثمان بن حمزة قال: أرسلتني أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى السوق، وافتتحت بسورة الطور، فخرجت وقد انتهت إلى " ووقانا عذاب السموم " فذهبت إلى السوق ثم رجعت، وهي تكررها "

стр. 1612

ووقانا عذاب السموم " وهي تصلي. كانت أسماء بنت أبي بكر تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها. كانت أسماء اتخذت خنجراً زمن سعيد بن العاص للصوص، وكان استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها. قالت فاطمة بنت المنذر: ما رأيت أسماء لبست إلا معصفرة، حتى لقيت الله ، وإن كانت تلبس الدرع يقوم قياماً من العصفر. وكان عروة بن الزبير تعصفر له الملحفة بالدينار، قال: وإن كان لآخر ثوب لبسه لثوب عصفر له بالدينار. وعن أسماء قالت لعبد الله بن الزبير حين قاتل الحجاج: يا بني عش كريماً، ومت كريماً، لا يأخذك القوم أسيراً. وكانت أسماء تقول وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم؟ فيقال: للحجاج. فتقول: ربما أمر باطل، فإذا قيل لها: هي لعبد الله وأصحابه، تقول: اللهم انصر أهل طاعتك ومن غضب لك. اشتكت أسماء وعبد الله بن الزبير يقاتل الحجاج، وكانت قد كبرت ورقت فنظر إليها، فقال: ما أحسن الموت، فسمعت ذلك العجوز. فقالت: يا بني والله ما أحب أن أموت يومي هذا حتى أعلم إلى ما تصير إليه، إما ظفرت فذلك الذي نرجو ونسر به، وإما الأخرى فأحتسبك وتمضي لسبيلك. وفي حديث بمعناه، فقالت له: وإياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت، وإنما عنى ابن الزبير أن يقتل فيحزنها ذلك، وكانت ابنة مائة سنة. لما قتل الحجاج يوسف بن عبد الله بن الزبير، دخل على أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم؛ ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، ومالي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما

стр. 1613

سمعت من رسول الله ﷺ ، إني سمعته يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها الحجاج: مبير النافقين. حدث يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعدما قتل ابن الزبير بثلاثة أيام، وهو حينئذ مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة مكفوفة البصر فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل. فقال الحجاج: المنافق، فقالت: والله ما كان منافقاً، إن كان لصواماً قواماً براً، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرقت. قالت: لا والله ما خرقت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت. لما قلت الحجاج ابن الزبير صلبه على عتبة المدينة، فمر به ابن عمر فوثب عليه، فقال له: السلام عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا ثلاثاً، أما والله ما علمت إن كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، وإن أمة أنت شرهم لأمة صدق، فلما بلغ ذلك الحجاج أمر به فطرح في مقابر اليهود، ثم أرسل إلى أمه أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فلما رأى ذلك لبس سبتيه ثم خرج يتوذف إليها حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وقد والله كنت ذات نطاقين أما أحدهما، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه وأما الآخر، فإني كنت أرفع فيه طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي، فأي ذلك - ويل أمك - عيرته بك؟ أما إن رسول الله ﷺ كان يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير فأما الكذاب فابن أبي عبيد، وأما المبير فأنت. قال: فانصرف عنها ولم يراجعها. قال: وفي رواية يخرج من ثقيف ثلاثة: كذاب ومبير وذيال. قالت: وأما الذيال فلم نره وسوف يرى.

стр. 1614

لما صلب ابن الزبير، دخل ابن عمر المسجد، وذلك حين قتل ابن الزبير وهو مصلوب ومطروح، فقيل له: إن أسماء في ناحية المسجد، فمال إليها فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وأما الأرواح عند الله، فاتقي الله، وعليك بالصبر. فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. قال ابن أبي ملكية: دخلت على أسماء بعدما أصيب ابن الزبير فقالت: بلغني أن الرجل صلب عبد الله اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه، فأتيت به بعد ذلك قبل موتها، فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها. وفي حديث بمعناه: وصلت عليه فما أتت عليها إلا جمعة حتى ماتت وقيل ثلاثة أيام. وعن أسماء: أنه لما قتل عبد الله بن الزبير، كان عندها شيء أعطاها إياه النبي ﷺ ، فأمرت طارقاً فطلبه، فلما جاءها به سجدت. قال الركين بن الربيع: دخلت على أسماء وقد كبرت وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي. من الكبر. قال هشام: أتى على أسماء مئة عام وما سقط لها سن. وزاد غيره: ولم ينكر من عقلها شيء. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: إذا أنا مت فاغسلوني وحنطوني وكفنوني ولا تذروا علي كفني حنوطاً، ولا تدفنوني ليلاً. وفي رواية: ولا تتبعوني بنار.

стр. 1615

أسماء بنت واثلة بن الأسقع الليثية حدثت عن أبيها قالت: كان أبي يصوم الاثنين والخميس فقلت: ما هذا الصوم الذي لا تدعه؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصومهما ويقول: " تعرض فيهما الأعمال على الله ". وعن أسماء بنت واثلة قالت: كان أبي إذا صلى صلاة الصبح جلس مستقبل القبلة، لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فربما كلمته في الحاجة فلا يكلمني، فقلت له: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى صلاة الصبح، ثم قرأ: " قل هو الله أحد " مائة مرة قلب أن يتكلم فكلما قال: " قل هو الله أحد " غفر له ذنب سنة ". أسماء ويقال فكيهة بنت يزيد ابن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن عامر. أم عامر، ويقال أم سلمة الأنصارية الأشهلية لها صحبة، وهي من اللاتي بايعن سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهدت اليرموك، وقتلت من الروم تسعة بعمود فسطاطها، وشهدت خيبر مع سيدنا رسول الله ﷺ . روت أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ خرج والنساء في جانب المسجد، وأنا فيهن، فسمع ضوضاءهن، فقال: " يا معشر النساء، أنتن أكثر حطب جهنم ". قالت: فناديت رسول الله ﷺ ، وكنت جريئة على كلامه، فقلت: يا رسول الله، بماذا؟ قال: " إنكن إذا أعطيتن لم تشكرن، وإذا ابتلين لم تصبرن، وإذا أمسك عنكن شكوتن، وإياكن وكفر المنعمين ". فقلت: يا رسول الله، وما المنعمون؟ قال: " المرأة تكون تحت الرجل وقد ولدت الولدين والثلاثة، فتقول: ما رأيت منك خيراً قط ".

стр. 1616

وعن أسماء قالت: لما أمر النبي ﷺ ببيعة النساء أتيته أنا وبنات عمٍ لي نبايعه، فعرض علينا الإسلام فأقررنا، وأخرجت ابنة عمٍ لي يدها لتبايعه فكف رسول الله ﷺ يده وقال: " إني لست أصافح النساء " ورأى رسول الله ﷺ على المرأة سوارين وخواتم في أصابعها من ذهب، فأخذ رسول الله ﷺ حصاة فرمى بها، ثم قال: " أيتها المرأة أيسرك أن يحليك الله مكان هذا سوارين وخواتم من نار؟ " قالت: لا يا رسول الله قال: " فاطرحيه إذاً " فانتزعت الخواتم فوضعتهن بين يديها، وعالجت السوارين فلم ينزع أحدهما، وعسر الآخر عليها، فاستعانت امرأة فلم تزالا تعالجاه حتى نزعتاه، فوضعتاه بين أيدينا، فوالله ما أدري من أخذه من العالمين. ثم قال رسول الله ﷺ : " من حلى أو تحلى أو ترك مثل عين جرادة أو مثل خربصيصة كوي بها يوم القيامة معذباً أو مغفوراً له ". فقال رجل: ما الخربصيصة؟ قال: " أصغر من عين الجرادة ". وفي رواية، أن أسماء كان عليها سواران وأنه قال: " ألق السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بسوارين من نار ". قالت: فألقيتهما فما أدري من أخذهما. وعن أسماء قالت قالت امرأة من النسوة: يا رسول الله ما هذا المعروف الذي ليس لنا أن نعصيك فيه؟ فقال: " لا تنحن ". فقلت: يا رسول الله إن بني فلان قد أسعدوني على عمي فلابد من قضائهن، فأبى علي، فعاتبته مراراً فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد في قضائهن ولا في غيره حتى الساعة، ولم يبق امرأة من النسوة إلا قد ناحت. وعن أم عامر بنت يزيد بن السكن، وكانت من المبايعات، أنها أتت النبي ﷺ بعرقٍ فتعرقه، وهو في مسجد بني عبد الأشهل، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ. وعن أم عامر أسماء بنت يزيد قالت: رأيت رسول الله ﷺ في مسجدنا المغرب، فجئت منزلي، فجئته بعرق وأرغفة

стр. 1617

فقلت: بأبي وأمي تعش، فقال لأصحابه: " كلوا بسم الله ". فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضراً من أهل الدار. والذي نفسي بيده لرأيت بعض العرق لم يتعرقه وعامة الخبز، وإن القوم أربعون رجلاً، ثم شرب ما عندي في شجب، ثم انصرف، فأخذت ذلك الشجب فذهبت فطويته نسقي فيه المريض ونشرب منه في الحين رجاء البركة. الشجب: القربة تخرز من أسفلها ويقطع رأسها إذا خلقت، شبه الدلو العظيم. أسماء امرأة كانت في عصر أم الدرداء حكى أبو عبد رب الزاهد قال: أمرتني أم الدرداء أن أبيع لها جارية، فبعتها من امرأة يقال لها أسماء، فلم تلبث أن أصابها طاعون، فقلت لأم الدرداء: إن الجارية أصابها طاعون فهلكت، فقالت: لا تأخذ من ثمنها شيئاً، فلقيتها فأخبرتها، فقالت: الله! إن كانت أم الدرداء غنية تريد أن تكون أولى بالأجر مني لا أفعل، فما زلت أمشي بينهما حتى أصلحت بينهما على النصف من الثمن. آمنة ويقال أمة بنت سعيد بن العاص ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، كانت زوج خالد بن يزيد بن معاوية، فطلقها، فتزوجها الوليد بن عبد الملك، وفيها يقول خالد: " من الطويل " كعابٌ أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما اكفاؤها بكثير فإن تفتلتها والخلافة تنقلب ... بأكرم علقى منبرٍ وسرير قال الهيثم بن عدي: كانت ابنة سعيد بن العاص تحت الوليد بن عبد الملك. فمات عبد الملك فلم تبك عليه. فقال لها الوليد: ما يمنعك من البكاء على أمير المؤمنين؟ قالت: وما أقول له إلا أن

стр. 1618

أدعو الله أن يحييه حتى يقتل لي أخاً آخر، قال: إي والله لقد كسرنا ثناياه فقالت: علمت من شقت استه السيوف، قال: الحقي بأهلك، قالت: ألذ من الدنيا وأيسر. آمنة بنت الشريد زوج عمر بن الحمق كانت بدمشق ذكر أبو الحسن علي بن محمد الكاتب الشابشتي: أن عمرو بن الحمق، لما قتل حمل رأسه إلى معاوية، وهو أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد، وكانت آمنة بنت الشريد زوجته بدمشق، فلما حمل رأس عمرو إليه أمر أن يلقى في حجرها وأن يسمع منها تقول، فلما رأته ارتاعت له. وأكبت عليه تقبله، وقالت: واضيعتا في دار هون! بقيتموه طويلاً، وأهديتموه إلي قتيلاً، فأهلاً وسهلاً، كنت له غير قالية، وأنا له غير ناسية، قل لمعاوية: أيتم الله ولدك، وأوحش منك أهلك، ولا غفر الله ذنبك، فعاد الرسول إليه بما قالت، فأمر بها فأحضرت، وعنده جماعة وفيهم إياس بن شرحبيل وكان في شدقيه نبوٌّ لعظم لسانه. فقال لها معاوية: يا عدوة الله أنت صاحبة الكلام. قالت: نعم، غير فازعةٍ ولا معتذرة، قد لعمري اجتهدت في الدعاء، وأنا أجتهد إن شاء الله إن نفع الاجتهاد والله من وراء العباد. فأمسك معاوية. فقال إياس: اقتل هذه، فما كان زوجها بأحق بالقتل منها. فقالت له: تبا لك ويلك! بين شدقيك جثمان الضفدع وأنت تأمره بقتلي كما قال تعالى: " إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " فضحك معاوية والجماعة، وبان الخجل من إياس، ثم قال معاوية: اخرجي عني فلا أسمع بك في شيءٍ من الشام. قالت: سأخرج عنك، فما الشام لي بموطن، ولا أعرج فيه على حميم ولا سكن، ولقد أعظمت في مصيبتي، وما قرت به عيني، وما أنا إليك بعائدة ولا لك حيث كنت بحامدة، فأشار إليها بيده أن اخرجي، فقالت: عجباً لمعاوية يبسط علي غرب لسانه ويشير إلي ببنانه، فلما خرجت قال معاوية: يحمل إليها ما يقطع بها غرب لسانها ويخفف به إلى بلدها فقبضت ما أمر لها به وخرجت تريد الكوفة، فلما وصلت إلى حمص توفيت.

стр. 1619

آمنة ويقال أمينة بنت عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. حدثت عن ميمونة أنها قالت: يا رسول الله أفتنا عن الصدقة. قال: " إنها حجابٌ من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله ". قالت: أفتنا في ثمن الكلب. قال: " طعمة جاهلية وقد أغنى الله عنها ". قالت: أفتنا عن عذاب القبر. قال: " أثر البول فمن أصابه بولٌ فليغسله، فمن لم يجد ماءً مسحه بتراب طيب. حدث شيخ من ساكني العقيق قال: إني لواقف بالعقيق وقد جاء الحاج، إذ طلعت امرأة على رحالةٍ حولها صففٌ فنظرنا إليها فأعجبنا حالها فلما أن كانت حذو قصور سفيان بن عاصم يعني ابن عبد العزيز بن مروان عدلت إليها ونحن ننظر، فاضطجعت في موضعٍ ساعة ثم قامت، فدخلت قصراً من تلك القصور فأقامت فيه ساعة، ثم خرجت، فركبت ومضت. قلنا: لننظرنّ إلى ما صنعت هذه المرأة، فجئنا مضجعها الذي اضطجعت فيه، ثم دخلنا القصر الذي دخلته؛ فإذا بكتاب يواجهنا في الجدار فإذا هو: " من الطويل " كفى حزناً بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا بلى إن ذا الشوق الموكل بالهوى ... يزيد اشتياقاً كلما حول الصبرا مقيماً بها يوماً إلى الليل لا يرى ... أوانس قد كانت تكون بها عصرا وتحته مكتوب: وكتبت آمنة بنت عمر بن عبد العزيز: كان سفيان بن عاصم زوجها.

стр. 1620

آمنة أو أمية بنت أبي الشعثاء الفزارية . حدثت عن مدلوك أبي سفيان قال: أتيت النبي ﷺ مع موالي فأسلمت، فمسح النبي ﷺ يده على رأسي، قالت آمنة: فرأيت ما مسح النبي ﷺ من رأسه أسود، وقد شاب ما سوى ذلك. آمنة بنت محمد بن أحمد العجلية والدة الحسن بن الحنائي. حدثت عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرزاق الأزدي بسنده عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بثلاثة أيام يقول: " لا يموت أحدكم إلا وهو بالله حسن الظن ". آمنة ذات الذنب كان لها ذنب مخلوق في عجزها فنخسها مروان المرتعش فضرطت فخاصمته إلى نمير بن أوس فقضى لها بأربعين درهماً وعباءة.؟ أميمة بنت أبي بشر بن زيد الأطول الأزدية زوج عبد الله بن قرط الثمالي الأزدي. شهدت اليرموك مع بعلها. قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر: وأقبلوا - يعني الروم - حتى نزلوا بمكانٍ من اليرموك يدعى دير الخل مقابل المسلمين، والمسلمون قد تحرزوا وأصعدوا النساء.

стр. 1621

قالوا: فمر قيس بن هبيرة على نسوةٍ من نساء المسلمين مجتمعاتٍ، فلما رأينه قامت إليه أميمة بنت أبي بشر، وكانت تحب عبد الله بن قرط الثمالي، وكان فرس قيس أشبه شيء بفرس عبد الله بن قرط، وكان باده على الفرس شبيهاً بباده، فظنته زوجها، فقامت إليه فقالت: استمتع، بنفسي أنت. فظن قيس أنها شبهته بزوجها، قال: أظنك شبهتني بعبد الله. قالت: واسوأتاه! فانصرفت. فقال: أيتها المرأة، وإياكن أعني أيضاً، قبح الله امرأة تضطجع لزوجها، وهذا عدوه قد حل بساحته يقاتله إذا أراد منها ذلك، فلتحث التراب في وجهه، ثم لتقل: اخرج فقاتل عني فإني لست بامرأتك حتى تمنعني، فلعمري ما يقرب النساء على مثل هذه الحال إلا فسلٌ من الرجال، ثم مضى، قال: تقول المرأة: واسوأتاه! هذا يظن أني ظننت أنه زوجي، فقمت إليه أتعرض له، إنما ظننت أنه ابن قرط، ولم يكن تعشى البارحة إلا عشاء خفيفاً، كان تعشى عنده رجلان من إخوانه، فكنت قد هيأت له غداءه، فأردت أن ينزل فيتغدى. أميمة بنت رقيقة وهي أميمة بنت عبد ويقال: عبد الله بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمها رقيقة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، لها صحبة، وهي من المبايعات. شهدت مؤته، وقدمت على معاوية دمشق، وروت عن سيدنا رسول الله ﷺ أحاديث. قالت أميمة بنت رقيقة: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه، فقلنا: نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : " فيما استطعتن وأطقتن ".

стр. 1622

فقالت: فقلت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة، كقولي لامرأة واحدة، أو مثل كقولي لامرأة واحدة ". وفي حديث آخر: جاءت أميمة بنت رقيقة لرسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام. فقال: " أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى ". وعن رقيقة قالت: كان للنبي ﷺ قدحٌ من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت السرير، فجاءت امرأة يقال لها بركة قدمت مع أم حبيبة من الحبشة فشربته، فطلبه النبي ﷺ فلم يجده، فقيل: شربته بركة. فقال: " احتظرت من النار بحظار ". كان معاوية قد حول أميمة إليه إلى الشام، وبنيت لها دار، ودخلت على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: اندبيني يا بنت رقيقة؟ فتسجت بثوبها ثم قالت: " من الهزج " ألا ابكيه ألا ابكيه ... ألا كل الفتى فيه ثم قال: لابنتيه: اقلبنني، فقلبته هندٌ ورملة، فقالت: إنكما لتقلبان حولاً قلباً، إن وقي كبده النار غداً. ثم قال: " من الكامل " لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب

стр. 1623

قال هشام بن عروة سمعت عبد الله بن الزبير يقول: كان والله - يعني معاوية - كما قالت بنت رقيقة: " من الهزج " ألا ابكيه ألا ابكيه ... ألا كل الفتى فيه وقيل رقيقة هي أم مخرمة بن نوفل صاحبة الرؤيا في استسقاء عبد المطلب بالنبي ﷺ . أنيسة بنت معبد المغني ومعبد مولى ابن قطن. يقال لها: عروس القيان. خرجت مع أبيها معبد وأخيها كردم إلى يزيد بن عبد الملك فأقاموا بالشام حياة يزيد كلها، ثم رجعوا إلى المدينة طول أيام هشام، فلما ولي الوليد بن يزيد استحضرهم فخرجوا إليه، ولم يزالوا مقيمين في عسكره حتى مات معبد، فخرج الوليد بن يزيد وأخوه الغمر متبذلين يحملان مقدم جنازته. اصطبح الوليد بن يزيد يوماً وعنده أنيسه بنت معبد وأخوها كردم وشهدة جاريته. فقال لأنيسة: أتعرفين صوتاً كان أبي يقترحه على أبيك فيه ذكر لبابة؟ فقالت: نعم. وغنته: " من الكامل " ودع لبابة قبل أن تترحلا ... واسأل فإن قلاله أن تسألا إلبث لعمرك ساعةً وتأنها ... فلعل ما بخلت به أن يبذلا حتى إذا ما الليل جن ظلامة ... ورجوت غفلة حارسٍ أن يغفلا خرجت تأطر في الثياب كأنها ... أيم يسيب على كثيبٍ أهيلا فطرب الوليد وقال: هو هو واصطبح عليه يومه، ووالى الشرب سبعة أيام فأمر فيها في كل يوم لأنيسة بألف دينار، ثم أمر أن تجهز بذلك وتزوج رجلاً شريفاً موسراً، فزوجها رجلاً من وجوه أصحابه من تنوخ. أسماء الرجال على

стр. 1624

حرف الباء بحيري الراهب الذي حذر على النبي ﷺ من الروم، ورده من أرض بصرى، وكان على دين المسيح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. توفي قبل البعث، كان يسكن قرية يقال لها: الكفر، بينها وبين بصرى ستة أميال تعرف اليوم بدير بحيرى؛ وقيل: كان يسكن البلقاء بقريةٍ يقال لها: ميفعة وراء زيزاء. عن ابن عباس: أنا أبا بكر الصديق صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، والنبي ﷺ ابن عشرين، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزلوا منزلاً فيه سدرة قعد رسول الله ﷺ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له: ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى بن مريم إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فلما نبئ النبي ﷺ اتبعه. حدث أبو داود سليمان بن موسى: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ خرج به إلى الشام، فلما مروا بقرية يقال لها: ميفعة من أرض البلقاء، وفيهم راهب يقال له: بحيرى، فخرج إليهم بحيرى، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، فجعل يتخللهم حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ .

стр. 1625

فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فقال شيوخ من قدم معه من قريش: وما علمك؟ قال: أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجد إلا لنبي، وأعرفه بالصفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام، والنبي ﷺ في رعية إبل أصحابه، فقال: أرسلوا إليه، فأرسلوا إليه، فقال بحيرى: انظروا عليه غمامة تظله! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة فيء الشجرة، فجلس رسول الله ﷺ ومال إليه فيء الشجرة، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه! فبينا هم يأكلون وهو قائم عليهم؛ إذ هو بفوارس من الروم مقبلين، فلما رآهم بحيرى استقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق من طرق الروم إلا وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق. فقال: ما وراءكم أفضل لكم، قال: أرأيتم أمراً أراد الله أن يمضيه يستطيع أحد رده؟ فتبعوه وأقاموا وأتاهم بحيرى فقال: أيكم ولي هذا الغلام؟ فأشاروا إلى أبي طالب. فقال: إنهم إن رأوه عرفوه، فقتلوه، فرده أبو طالب. وذكر حديث بحيرى لما عمل الطعام ودعاهم إليه، وقد ذكرناه في ترجمة سيدنا رسول الله ﷺ ، وقال في آخره: وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله ﷺ ؛ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرى فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم. فما لكم إليه سبيل، فصدقوه، وتركوه، ورجع أبو طالب فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه. بختري بن عبيد بن سليمان الطابخي الكلبي من أهل القلمون من قرية الأفاعي حدث البختري بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رجل من الناس: يا رسول الله ما العاديات ضبحاً؟ فأعرض عنه، ثم رجع إليه من الغد. فقال:

стр. 1626

ما الموريات قدحاً؟ فأعرض عنه، ثم رجع الثالثة، فقال: ما المغيرات صبحاً؟ فرفع العمامة أو القلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مفرعاً رأسه. فقال: " لو وجدته طاماً رأسه لوضعت الذي فيه عيناه ففزع الملأ من قوله ". فقالوا: يا نبي الله ولم؟ قال: " إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ببعض ليبطلوه ويتبعون ما تشابه منه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً ولكل دين مجوس وهم مجوس أمتي وكلاب النار. فكان يقول: هم القدرية. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " سموا أولادكم فإنهم من أطفالكم " والمحفوظ: أفراطكم. وقال رسول الله ﷺ : " أشربوا أعينكم الماء ولا تنفضوا أيديكم من الماء فإنها مراوح الشيطان ". وقال رسول الله ﷺ لعلي: " إنك لأول من يقاتل الخوارج، فلا تتبعن مدبراً، ولا تجهز على جريح ". وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً ". بختري باء معجمة بواحدة وخاء معجمة، وتاء معجمةٌ باثنتين من فوقها. كان فيه ضعف، وروى عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قدر عشرين حديثاً عامتها مناكير، منها: أشربوا أعينكم الماء، ومنها: الأذنان من الرأس. بخت نصر بن بيت بن جوذرز الملك البابلي. دخل دمشق ومضى منها إلى بيت المقدس فخربها وسبى أهلها وحملها إلى بابل وقيل إنه آمن بعد ذلك.

стр. 1627

حدث مجاهد قال: كان من قصة بخت نصر أنه كان يتيماً بأرض لا يؤبه له، وكان فيما ذكروا من جيش نمرود صاحب إبراهيم، وكان لزنية، بغت أمه فكان من شأنه أن دانيال الأكبر وكان قد قرأ التوراة ذات يوم فأتى على هذه الآية " فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً " قال: فطوى التوراة فقال: يا رب من هذا المكان الذي يكون خراب بيت المقدس على يديه وهلاك بني إسرائيل؟ قال: فأري في المنام أن يتيماً بأرض بابل يقال له بخت نصر عليلاً فقيراً فقضيت ذلك على يديه فلما أصبح تجهز بمال عظيم، ثم خرج نحو أرض بابل حتى وردها، وملكها يومئذ سنحاريب. فدخل عليه، فقال: من أنت ومن أين أقبلت؟ قال: أقبلت من أرض بني إسرائيل وحملت معي أموالاً أقسمها في فقراء أهل أرضك ويتاماهم. قال: فأنزله وأكرمه، وأجعل يلطف اليتامى والفقراء فيعطيهم ويسأل عن أسمائهم حتى قسم مالاً كثيراً فكان لا يظفر ببخت نصر حتى أعياه ذلك فبعث من يطلبه في قرى بابل ومدائنها فلا يظفر به حتى أيس منه فأقام ببابل رجاء أن يظفر به. قال: فخرج غلامه ذات يوم إلى بعض قرى بابل للميرة، قال: فمر بغلام مريض على طريق الناس قد اتخذ له عريش، وقد فرش له الرماد، به الذرب يسيل الماء الأصفر منه، فلما نظر إليه غلام دانيال رأى منظراً فظيعاً فقال له: ما حالك يا غلام؟ قال: أنا غلام يتيم قد كنت أكد على أم لي عجوز حتى أصابني ما ترى فعجزت عني فوضعتني هاهنا يعطف الناس علي والمارة فأصيب الشيء والكسرة. فقال له: وما اسمك؟ قال: ما تسأل عن اسمي؟ قال: إن مولاي قسم مالاً كثيراً في اليتامى والمساكين فكيف غبت عنه؟ قال بخت نصر: هي أرزاق، قال: فأخبرني عن اسمك حتى أخبره بحالك فيعطيك كما يعطي غيرك، قال: اسمي بخت نصر. قال: فلما انصرف الغلام إلى سيده فأخبره بما رأى. قال دانيال: هذا بغيتي وأسر في نفسي، وانطلق معه غلامه إليه. فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي بخت نصر، وأنا غلام يتيم من أهل بيت شرف، ولكن انقلب علينا الزمان وأصابتنا الشدة فعجزت أمي عني فألقتني هذا الموضع.

стр. 1628

قال: فأمر غلامه فغسله وطيبه وكساه، ثم حمله حتى جاء به إلى أمه، وأجرى عليها حتى برأ وصح، وكان قبل أن ينزل به المرض يخرج مع أتراب له إلى البراري فيحتطب فكانوا يؤمرونه على أنفسهم فيحتطبون له ويحملونه فيما بينهم حتى ينتهوا إلى القرية فيحتزمون له حزمة فكان يدخلها السوق فيبيعها، فكان منها معيشته ومعيشة أمه، فلما صح قال له دانيال: يا بخت نصر هل تعلم أني قد أحسنت إليك؟ قال: نعم. قال: فما رأيك إن وصلت إلي مكافأتي هل أنت مكافيّ؟ قال: يا سيدي هل صنع أحد بأحد إلا دون ما صنعت بي، ومن أين أقدر على مكافأتك! قال: أخبرني إن ملكت يوماً من الدهر بابل وغزوت بلاد بني إسرائيل فلي الأمان منك ولأهل بيتي؟ قال: نعم. غير أني أظن أن هذا منك استهزاء! قال دانيال: لا بل هو الجد مني. قالت أمه: يا سيدي، إن كان الذي تقول حقاً فأنت الملك وهو تبع لك، فقال دانيال: أتكتب لي أماناً ولأهل بيتي يكون كتابك علامة بيني وبينك وبين أهل بيتي وأعطيك عشرين ألف درهم؟ قال: نعم. قال: فكتب له بخت نصر كتاباً أماناً بخط يده ولأهل بيته، وجهز بالذهب، وأعطاه دانيال عشرين ألف درهم، ثم ودع الملك ولحق ببلاده، فعمد بخت نصر ففرق تلك الدراهم في الغلمة الذين كان يترأس عليهم، فكساهم واشترى لهم الدواب، وكان ظريفاً كاتباً أديباً، فانطلق إلى سنحاريب الملك، فانتسب له ولزم بابه في أصحابه، فكان يوجهه في أموره وكان مظفراً حتى بدا لسنحاريب أن يغزو بيت المقدس، فبعث جواسيسه يأتونه بخبر الأرض، فانطلق بخت نصر فركب حماراً ثم جاء حتى دخل على الملك، فقال: أيها الملك إنك تبعث عيوناً إلى أرض بني إسرائيل فأحب أن أنطلق أنا بنفسي، فإني أنا أعلم منهم بالأمر الذي تدرك به حاجتك. قال له الملك: ألا أعلمتني فكنت أستعملك عليهم، ولكن امضه. فمضى حتى وردها، فكان أصحابه يسألون عن الحصون وعن العدة والرجال والمدخل والمخرج وكان بخت نصر يسأل بقوله: هل فيكم اليوم أنبياء وكتب تقرؤونها؟ قالوا: نعم. قال: أفتطيعون أنبياءكم؟ قالوا: لا. قال: أفتقيمون كتبكم؟ قالوا: لا. قال: فانصرف، وانصرف أصحابه، فأعلموا الملك ما عاينوا. وقال بخت نصر: أيها الملك إن فيهم أنبياء لا يطيعونهم وكتباً لا يقيمونها فإن نصرت فبهذا. قال سنحاريب: إنه ليس للقوم بنا يدان، وسأغزوهم بجنود لا قبل لهم بها، وكان من قصته ما كان. يروى أن بخت نصر دخل الشام ومصر في ست مائة ألف راكب وهو راكب على أسد أحمر

стр. 1629

متعمم بثعبان، متقلداً سيفاً طوله عشرة أشبار في عرض شبر، أخضر النصل، يقطر منه الماء شبه الشرر، غمده من ذهب مرصع بصنوف الجوهر والياقوت الأحمر، منقوش عليه هذه الأبيات: " من السريع " وأنت إن لم ترج أو تتقي ... كالميت محمولاً على نعشه لا تنجش الشر فتصلى به ... فقل من يسلم من نجشه وأخمد الشر فإن هجته ... فاحرص لأعدائك في جشه للبحر أقراشٌ لها صولةٌ ... فاحذر على نفسك من قرشه إذا طغى الكبش بشحم الكلى ... أدخل رأس الكبش في كرشه وناطح الكبش له ساعةٌ ... تأخذه أنطح من كبشه فكم نجا من يد أعدائه ... وميتٌ مات على فرشه من يفتح القفل بمفتاحه ... نجا من التهمة في فشه ونابش الموتى له ساعةٌ ... تأخذه أنبش من نبشه والبغي صراعٌ له صولةٌ ... تستنزل الجبار عن عرشه قال ابن المبارك: رئي لقمان يعدو خلف بخت نصر فراسخ، فقيل له: يا ولي الله تعدو خلف هذا الكافر؟ قال: لعلي أسأله في مؤمن فيجيبني فيه. قال وهب: لما فعل بخت نصر ما فعل - يعني ما ذكر في ترجمة أرميا - قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرق كنائسهم، فكذبوه، واتهموه، فضربوه، وقيدوه، وحبسوه، فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟

стр. 1630

قال: نعم. قال: فأنى علمت ذلك؟ قال: أرسلني الله تعالى إليهم فكذبوني. قال: كذبوك وضربوك وسجنوك! قال: نعم. قال: فبئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك، وأواسيك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك. قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك لو لم يكن لك عليهم سلطان. فلما سمع بخت نصر قوله تركه. فأقام أرميا بأرض إيلياء، وأخرج أهل بيت دانيال الأكبر كتاب آمان بخت نصر فأمضاه لهم، وأخرج بهم معه فكانوا خمسة أنفس: دانيال بن حزقيل وميشائيل وميخائيل وعيصو، وحرسوس، ويقال: كان عزير معهم وعزرائيل. والله أعلم. وكانوا شباباً لم يبلغوا الحلم، دانيال بن حزقيل كان أعطاه الله الحكمة، وكان عبداً صالحاً كريماً على الله . وقال ابن عباس: إنه مزق كتاب دانيال فنشأ هؤلاء الغلمة فكانوا وصفاء وكان أكبرهم دانيال، وهو دانيال الحكيم الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من أرض بابل فعمد بخت نصر - حين سمع كلام دانيال وحكمته ونظر إليه - إلى جب في فلاةٍ من الأرض، فألقى فيه دانيال مع شبلين، وأطبق عليه الجب وهو مغلول، وقتل على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وذلك أن ما بعث الله تعالى بخت نصر عليهم عقوبة لهم بما قتلوا يحيى وزكريا؛ وذلك أنه أمر بالموضع الذي قتل فيه يحيى وزكريا، فرأى دماءهما تغلي، فسأل عن ذلك؟ فقالوا: هي دماء نبيين، ولا تسكن حتى يقتل بكل واحد منهما سبعون ألفاً، فلما قتل بخت نصر على دمائهما هذه العدة سكنت تلك الدماء. قال ابن عباس: لم يقتل كهلاً ولا وليداً ولا امرأة، إنما قتل أبناء الحرب وقادة الجيوش حتى استكمل هذه العدة، ودانيال في الجب مع الشبلين سبعة أيام فأوحى الله إلى نبي من بني إسرائيل كان بالشام، فقال: " انطلق فاستخرج دانيال من الجب "، فقال: يا رب! ومن يدلني عليه؟ فقال: " هو في موضع كذا وكذا يدلك عليه مركبك "، فركب أتاناً له وخرج

стр. 1631

حتى انتهى إلى ذلك الموضع، فدارت به حمارته ثلاث مرات في أرض ملساء، فعرف أن بغيته فيها، فقال: يا صاحب الجب، فأجابه دانيال، فقال: قد أسمعت فما تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك لأستخرجك من هذا الموضع، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالإساءة غفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا، ثم استخرجه، وإن الشبلين لعن يمينه وعن شماله يمشيان معه، وإن ذلك النبي لفي ناحية يفرق منهما، حتى عزم عليهما دانيال أن يرجعا إلى الغيضة. قال ابن عباس: من قال عند كل سبع: اللهم رب دانيال ورب الجب، ورب كل أسد مستأسد، احفظني واحفظ علي، لم يضره السبع. وحدث قتادة عن كعب: أن بخت نصر انطلق بدانيال معه إلى أرض بابل يصدر عن رأيه، حتى قيل له: إنه مخالفٌ لك ولا يأكل لحم الخنزير. قال: فدعاه إلى طعامه فأبى أن يأكله، فسجنه في السجن حتى رأى رؤياه التي قطع بها على ما سنذكره. وحدث عن وهب أن بخت نصر سار ببني إسرائيل وكنوز بيت المقدس إلى أرض بابل، فأقام أرميا بأرض إيلياء وهي خراب، فكان يبكي وينوح على بيت المقدس، وكان يساعده عليه الخطاف فيطوف حوله، فمن ثم نهي عن قتله، وكانت بقايا من بني إسرائيل متفرقين بلغهم أمر أرميا ومقامه بإيلياء، فاجتمعوا إليه، فقالوا: قد عرفنا الآن أنك نصحتنا، ولو أطعناك لم يصبنا ما أصابنا فمرنا بأمرك. فقال لهم: أقيموا في أرضنا فنستغفر الله ونتوب إليه لعله يتوب علينا، فقالوا: إنا نخاف أن يسمع بنا بخت نصر، فيبعث إلينا من يتخطفنا، ونحن شرذمة قليلون، ولكن ننطلق إلى ملك مصر، فنستجيره، وندخل في

стр. 1632

ذمته. فقال أرميا: ذمة الله أولى الذمم لكم، وإنكم لا يسعكم أمان أحد في الأرض إن أخافكم الله، وإن أمان الله هو أوسع لكم. قالوا: إن الأمر كما تقول، لو كان الله راضياً عنا، ولكن الله ساخط علينا، ولسنا نأمن سطوته أن يسلمنا إلى عدونا، فانطلقوا إلى ملك مصر. فأوحى الله إلى أرميا أنهم لو أطاعوا أمرك ثم كنت أطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجاً، وما كنت لأخفرك لو أطاعوك، وإني لأقسم بعزتي لأعلمنهم أنه ليس لهم ملجأ ولا محيض إلا طاعتي، واتباع أمري، فلما وردوا على ملك مصر شكوا إليه شأنهم. فقال: أنتم في ذمتي وجواري، فسمع بذلك بخت نصر، فأرسل إلى ملك مصر أن لي قبلك عبيداً أبقوا معي، فابعث بهم إلي مصفدين، وإلا فأذن بحرب، فكتب إليه ملك مصر: إنك كاذب ما هم بعبيد. إنهم أبناء الأحرار، وأهل النبوة والكتاب، ولكنك ظلمتهم واعتديت، فلما سمع بذلك أرميا رحمهم، فبادر إليهم ليشهدهم. فأوحى الله إليه: " إني مظهر بخت نصر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزاً ". فقال لهم ذلك أرميا، فإن لم تطيعوني أسركم بخت نصر وقتلكم، فإن آية ذلك أن الله قد أراني موضع سرير بخت نصر الذي يضعه فيه بعدما يظفر بمصر وملكها، ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع بخت نصر فيه سريره، ثم قال: تقع كل قائمة من سريره على حجر منها. قال: فلجوا في رأيهم، فسار بخت نصر، فأسر الملك وبني إسرائيل، وقتل جنوده، وقسم الفيء، وأراد قتل الأساري وقد وضع سريره في ذلك الموضع، فوقعت كل قائمة منه على حجر من تلك الأحجار التي دفن أرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك؟! قال له أرميا: إنما جئتهم محذراً أخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة من تحت سريرك، وأريتهم هذا المكان الذي يوضع فيه سريرك، فإن تحت كل قائمة حجراً دفنته، فلما رفع سريره وجد مصداق ما قال، فقال لأرميا: لو أعلم أن فيهم خيراً لوهبتهم لك، وما بي إلى قتلهم من حاجة، ولكن أقتلهم غضباً لك إذ كذبوك، واتهموا نصيحتك، فقتلهم ثم لحق بأرض بابل، فأقام أرميا بمصر، واتخذ بها جنينة وزرعاً يعيش منه. فأوحى الله تعالى إليه: " إن لك عن الزرع والمقام بأرض مصر شغلاً، فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطي على قومك ولا يحزنك هذا البلاء الذي يصب على إيلياء وأهلها، فالحق بهم حتى يبلغ كتابي أجله، فإني راد بني إسرائيل تارة أخرى إلى الأرض المقدسة، ومستنقذهم من عدوهم، وناظر كيف يعملون ". فخرج أرميا مذعوراً حتى أتى بيت المقدس، فأوحى الله

стр. 1633

إليه: " سأعمره وأرفعه، وإني باعث ملكاً يقال له كورش من أرض فارس، حتى ينزل بقومه ورجاله حتى يعمرها، ويبني قصورها ومساجدها، ويكشف عن أنهارها، ويغرس أعنابها ونخلها وزيتونها "، فتوجه كورش إليها في جمع ومعه ثلاثون ألف قيم يستعملون الناس، كل قيم على ألف عامل ومعهم ما يحتاجون إليه، ولما أرميا عمارتها سأل ربه أن يقبضه إليه، فمات أرميا، وأنقذ الله بني إسرائيل بعد مائة سنة من أرض بابل على يدي دانيال. وقال كعب: كان سبب إنقاذ بني إسرائيل من بابل أن بخت نصر لما صدر من بيت المقدس بالأسارى، وفيهم دانيال وعزير وأربعة وصفاء غلمان لم يبلغوا الحلم غير دانيال، واتخذ بني إسرائيل خولا زماناً طويلاً، وإنه رأى رؤيا فزع منها، فدعا كهنته وسحرته، فأخبرهم بما أصابه من الكرب بما في رؤياه، وسألهم أن يعبروها له، فقالوا له: قصها علينا. قال: قد أنسيتها فأخبروني بتأويلها. فقالوا: إنا لا نقدر على أن نخبرك بتأويلها حتى تقصها علينا، فغضب، وقال لهم: اخترتكم واصطفيتكم لمثل هذا، اذهبوا فقد أجلتكم ثلاثة أيام، فإن أتيتموني بتأويلها وإلا قتلتكم، وشاع ذلك في الناس، فبلغ دانيال وهو مسجون. فقال لصاحب السجن وهو إليه محسن: هل لك أن تذكرني للملك فإن عندي علم رؤياه، وإني لأرجو أن تنال بذلك عنده منزلة تكون سبب عاقبتي. قال له صاحب السجن: إني أخاف عليك سطوة الملك، لعل غم السجن حملك على أن تتروح بما ليس عندك فيه علم، مع أني أظن إن كان أحد عنده من هذه الرؤيا علم فأنت هو. قال دانيال: لا تخف علي، فإن لي رباً يخبرني بما شئت من حاجتي، فانطلق صاحب السجن، فأخبر بخت نصر بذلك، فدعا دانيال، فأدخل عليه، ولا يدخل عليه أحد إلا سجد له، فوقف دانيال فلم يسجد له، فقال الملك لمن في البيت: اخرجوا، فخرجوا، فقال بخت نصر لدانيال: أخبرني عما يمنعك أن تسجد لي، قال دانيال: إن لي رباً آتاني هذا العلم الذي

стр. 1634

سمعت به على أن لا أسجد لغيره، فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عني العلم، ثم أصير في يدك أمياً لا ينتفع بي، فتقتلني، فرأيت بترك سجدة أهون من القتل، وخطر سجدة أهون من الكرب والبلاء الذي أنت فيه، فتركت السجود نظراً لي ولك، فقال بخت نصر: لم يكن قط أوثق في نفسي منك حين وفيت لإلهك، وأعجب الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم بالعهود، فهل عدنك علم الرؤيا التي رأيت؟ قال: نعم. عندي علمها وتفسيرها. رأيت صنماً عظيماً رجلاه في الأرض ورأسه في السماء. أعلاه من ذهب، ووسطه من فضة، وسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا كنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه، وإحكام صنعته، قذفه الله حتى طحنه، فاختلط ذهبه، وفضته، ونحاسه، وحديده، وفخاره، حتى يخيل لك أنه لو اجتمع جميع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك، ولو هبت ريح لأذرته، ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم، ويكبر حتى ملأ الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السما والحجر، قال له بخت نصر: صدقت الرؤيا فما تأويلها؟ فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره، وأما الذهب فهذا الزمان وهذه الأمة التي أنت فيها، وأنت ملكها، وأما الفضة، ابنك من بعدها تملكها، وأما النحاس فأمة الروم، وأما الحديد ففارس، وأما الفخار فأمتان تملكها امرأتان، إحداهما في مشرق اليمن، والأخرى في غربي الشام، وأما الحجر الذي قذف به الصنم، فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، يبعث الله نبياً أمياً من العرب، فيدوخ الله به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهره على الأديان والأمم، كما رأيت الحجر ظهر على الأرض وانتشر فيها حتى ملأها، فيحق الله به الحق، ويزهق به الباطل، ويهدي به أهل الضلال، ويعلم به الأميين، ويقوي به الضعفة، ويعز به الأذلة، وينصر به المستضعفين. قال له بخت نصر: ما أعلم أحداً استعنت به منذ وليت الملك على شيء غلبني غيرك، ولا لأحد عندي يدٌ أعظم من يدك، وأنا جازيك بإحسانك، فاختر من ثلاث أعرضهن عليك: واحدة أن أردك إلى بلادك وأعمر لك كل شيء خربته، وإن أحببت كتبت لك أماناً تأمن به حيث ما سلكت، وإن أحببت أن تقيم معي، فأواسيك. قال: أما قولك: تردني إلى بلادي وتعمر لي ما خربت؛ فإنها أرض كتب الله عليها الخراب وعلى أهلها الفناء إلى أجل معلوم، وليس تقدر أن تعمر ما خرب الله ، ولا ترد

стр. 1635

أجلاً أجله الله حتى يبلغ الكتاب أجله، وينقضي هذا البلاء الذي كتبه الله على إيلياء وأهلها، وأما قولك: إنك تكتب لي أماناً آمن به حيث ما توجهت؛ فإنه لا ينبغي أن أطلب مع أمان الله أمان مخلوق، وأما ما ذكرت من مواساتك؛ فإن ذلك أوفق لي يومي هذا حتى الله فينا قضاءه، فجمع بخت نصر ولده وحشمه وأهل العلم والرأي، فقال لهم: هذا رجل حكيم قد فرج الله عني الكرب الذي عجزت عنه به، وإني قد رأيت أن أوليه أمركم، فخذوا من أدبه وحكمته، وأعظموا حقه، فإن جاءكم رسولان أحدهما مني والآخر من دانيال، فآثروا حاجته على حاجتي، ونزل منه دانيال بأفضل المنازل، وجعل تدبير ملكه إليه، فلما رأى ذلك عظماء أهل بابل حسدوا دانيال، واجتمعوا إلى بخت نصر، فقالوا له: لم يكن على الأرض ملك أعز من ملكنا ولا أعظم، ولا قوم أهيب في صدور أهل الأرض منا حتى دانت لنا الأرض، واعترفت لنا الأمم، فليس يطمع فينا أحد، وإنا نخبرك أن الأمم قد طمعوا فينا منذ قلدت أمر ملكك هذا العبد الإسرائيلي، وإنك لم تفعل هذا حتى أنكرت عقلك ورأيك، وعجزت عن السياسية، وقد نصحناك، فقال لهم بخت نصر: ما أنكرت عقلي ولا رأيي، ولا تزيدني الأيام إلا تجربة وعلماً، ولكنه كان نزل بي ما رأيتم، فعجز عنه رأيي، وعجزتم أنتم، ففرج عني، فماذا تنقمون أن عمدت إلى أحكم أهل الأرض فاستعنت به مع رأيي، وكل ذلك أريد به صلاح أمركم وقوام ملككم؟ قالوا: فإن كان كما تقول، أفليس يخبرك أن له رباً عظيماً هو الذي يدبر له أمره ويطلعه على الغيب؟ قال بخت نصر: بلى، يزعم أن له رباً لولاه لم يك شيئاً، ولا يعلم شيئاً. قالوا له: هذا العبد الضعيف قدر على أن يتخذ إلهاً يخبره بما شاء، فكيف لا تقدر أنت في مثل خطرك وعظم ما أوتيت من الملك على أن تتخذ إلهاً، فيخبرك بحاجتك ويكفيك ما أهمك، وتستغني به عن الناس، ونحن لك على ذلك مؤازرون؟ قال بخت نصر: فأنتم وذاك. قالوا: فأعطنا الطاعة والسلطان حتى نفرغ مما تريد، ففعل بهم ذلك، فعملوا طوله في السماء سبعون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً من الألواح ثم دسروه بالحديد والمسامير، وألبسوه الذهب، وكللوه بالياقوت وألوان الجوهر، ثم صنعوا له عيداً عظيماً، وذبحوا له الذبائح، وواعدوا الناس لذلك اليوم يجتمعون فيه، فيعبدون ذلك الصنم ويسجدون له، واتخذوا أخدوداً في الأرض، فأوقدوا فيها ناراً عظيمة، وهم أصحاب الأخدود، وكانت الأخدود باليمن وبابل، فأما الذي كان باليمن فاتخذه يوسف ذوا وناس الحميري، وهو الذي

стр. 1636

ملك حمير، وكان صاحب عنفصير، وهو الذي قتل الناس وأحرقهم بالنار ليدعوا إلى الإسلام، وكان الأخدود الأخرى بابل اتخذها بخت نصر، فلما اجتمع الناس يوم عيدهم، أمروهم بالسجود لذلك الصنم فسجدوا، فمن أبى حرقوه في تلك الأخدود، وكان بخت نصر سبى من إيلياء سبعين ألف غلام، فقسمهم في ملوك بابل، ماخلا دانيال وميشائيل وعيصو ومرسوس فأقاموا بذلك زماناً يستخدمونهم حتى أدرك الوصفاء، فأنكر أهل بابل شأنهم، فقالوا لبخت نصر: إنا أنكرنا شأننا منذ أدرك عبيدنا، فإنا نحب أن تنفيهم منا فتخرجهم عنا، أو تأذن لنا فنقتلهم. فقال لهم: أنتم وذاك. قال: فقتلوهم جميعاً، وبقي هؤلاء العدة في يدي الملك، فكانوا يدعون الله ويقولون: يا رب قد عذبت آباءنا بذنوبهم فما بالنا؟! فأوحى الله إلى دانيال: " إني مخلصهم "، فعطف عليهم بخت نصر فلم يقتلهم، فلما أخرجوا صنمهم ليوم عيدهم، دعوا هؤلاء العدة من بني إسرائيل، فقالوا لهم: اسجدوا لآلهتنا، فقالوا: إن هذا ليس بإله نسجد له، إنما هو خشب عملته الرجال، فإن شئتم سجدنا للذي خلقه فاغتنموا خلافهم ليحرقوهم وليغيظوا بهم دانيال، فكتفوهم ثم رموا بهم في تلك النار فباتوا فيها حتى أصبحوا، فاطلع بخت نصر عليهم من قصره، فرأى فيها خمسة نفر في النار، ورأى خامسهم خلقاً عظيماً له ريش، فرأى النار قد عادت جليداً، وإذا صاحب الريش يكنفهم ويلحفهم بريشه من برد الجليد، فلما نظر بخت نصر إلى ذلك امتلأ رعباً، فدعا قومه فقال: كم كنتم ألقيتم في النار؟ قالوا: أربعة. قال: فإن معهم خامساً له ريش وهيبة وجسم لا يقدر قدرها. قالوا: ليس لنا به علم، فدعا دانيال، فسأله. فقال: هؤلاء الأربعة أعرفهم فمن الخامس صاحب الريش؟ قال: دانيال: الخامس الذي وكله الله بالظل والبرد والثلج والجليد، وهذه خزائن بيده، فأرسله إلى هؤلاء الفتية حتى صير النار جليداً حتى لا يضرهم برد الجليد. وقيل: إن دانيال قال لبخت نصر لما سأله عن الخامس، قال: ذاك جبريل بعثه الله يروح عنهم ويؤنسهم، وقيل: إن بخت نصر قال لدانيال: ألا أعلمتني حين عرض لهم فأحول بينهم وبين ما صنعوا بهم! قال دانيال: حملني على ذلك الرفق بك لما أدخل عليك أهل مملكتك ووثقت لهم

стр. 1637

بنصر الله، وأن الله لم يخذلهم، وأردت أن يرى قومك عزة الله وسلطانه وكيف يعز أولياءه، فأمر بهم فأخرجوا من النار. قال وهب: لما وقفوا بين يدي بخت نصر قال: كيف بتم البارحة؟ قالوا: بأفضل ليلة مرت علينا منذ خلقنا، قال بخت نصر: وهي أفضل من لياليكم في بلادكم؟ قالوا له: سبحان الله ومتى كنا نطمع في بلادنا ملائكة الرحمن أن يلحفونا بالريش، ويردون عنا أذى البرد، ويستغفرون لنا، ويصافحونا! فأمرهم أن يلحقوا بدانيال فأكرمهم، فلم يزالوا حتى على ذلك ثلاث سنين، ثم إن بخت نصر رأى رؤيا أهول وأعظم مما كان رأى، فأرسل إلى عظماء قومه، فقال لهم: إني قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحول عنه رؤيا فيما يخيل إلي أشد من الأولى، وخشيت أن يكون فيها هلاكي وهلاككم، وذهاب ملككم وقد نسيتها فما ترون؟ فجعلوا علة عجزهم دانيال فقالوا: إنك عمدت إلى أسحر العالمين فوضعته عند رأسك، فهو يفزعك بسحره، ويريك الأحلام لينال منك المنزلة والكرامة، فشأنك وشأنه، وقد عمرت قبله زماناً لا ترى شيئاً تكرهه. وأنت مستغنٍ برأيك، فأدخلت على نفسك هذا البلاء، فقال لهم بخت نصر: أما عندكم غير هذا؟ قالوا: لا. قال: اخرجوا عني، ثم دعا دانيال، فقال: إني قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحول عنه رؤيا قد نسيتها هي عندي أعظم من الأولى فهل عندك علمها؟ قال: نعم. قال: إذاً فاقصصها علي، قال دانيال: رأيت شجرة عظيمة أصلها ثابت وفرعها ذاهب في السماء، في فرعها طير السماء كله، وفي ظلها وحوش الأرض وسباعها كلها، فبينا أنت تنظر إليها، وقد أعجبك حسنها وعظمها وخضرتها، والذي جمع الله في فرعها من الطير، وفي ظلها من الوحوش؛ إذ أقبل ملك يحمل حديداً كأنه الفأس على عاتقه، وهو يؤم الشجرة؛ إذ ناداه ملك من فوقه من باب من أبواب السماء فقال له: ما أمرك ربك في هذه الشجرة؟ قال: أمرني أن لا أدع منها شيئاً، فناداه الملك من فوقه: إن الله يأمرك أن لا تستأصلها من أصلها خذ بعضها وأبق بعضها، فنظرت إلى الملك قد ضرب رأسها بالفأس فانقطع منها بعض أغصانها، وتفرق ما كان فيها من الطير، وما كان في ظلها من السباع، وبقي الجذع متغيراً قد تغير حسنه وخضرته لا هيئة له. قال بخت نصر: هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ قال دانيال: أنت الشجرة، وما رأيت فوقها من الطير فولدك وأهلك وحشمك، وما رأيت في ظلها من السباع والوحوش فخولك وعبيدك ورعيتك،

стр. 1638

كانوا في ظلك وملكك، وقد أغضبت الله فيما بايعت هؤلاء عليه من عمل هذا الصنم، فإنهم لن يأتوا بمثل الله أبداً، فذكر الله بك عندما أراد من هلاكك فصفح عنك، ثم رأيت الملك وقد أهم أن يستأصل الشجرة من أصلها، فناداه الآخر من فوقه أن يأخذ منها ويبقي منها، وكذلك يصنع الله بك يأخذ منك ويبقي. قال بخت نصر: وكيف يفعل بي؟ قال: يبتليك ببدنك، يعرفك به قدرته، فلا يدع صورة مما خلق وأخرى فيها الروح إلا مسخك فيها، فلبثت في ذلك البلاء سبع سنين، ولو شاء أن يجعل ذلك في أوشك من طرفة عين لفعل، ولكن ليطول عليك البلاء ويعرفك أنه ليس لك من دونه وال، ولا يملك لك أحد معه شيئاً، ثم لا يحولك في صورة من تلك الصور إلا كنت ملك ذلك الجنس وتعلوه وتقهره، فإذا انقضت السبع سنين رجعت إنساناً كما كنت أول مرة، فقال بخت نصر: فهل يقبل ربك مني توبة أو فدية أو رجعة؟ فقال: لا، حتى يعرفك قدرته وينفذ قضاءه فيك. قال: فلما قال هذا اعتزل ملكه وأهله ووكل ابنه، وأمره أن يكون السائس دانيال، وأغلق عليه أبوابه وقعد يبكي على نفسه، فمكث في البكاء سبعة أيام، فلما غمه البكاء ظهر فوق بيته يتروح من غم ما هو فيه، فساعة ظهر أنبت الله له ريشاً وزغباً، وجعل له مخاليب ومنقاراً، فصار عقاباً، ثم ذهب يطير فلا يقوم له طير في السماء إلا قهره، وتحدث به أصحاب النسور الذين يصيدون الطير فقالوا: إنه حدث في السماء طير عظيم على صورة عقاب لا يقوم له شيء ولا يطيقه إنسان، ثم حوله فرساً، فتحدث به أصحاب الأرمال، وقالوا إنه حدث في المروج حصان من الخيل ما رأينا مثله عظماً وجسماً، لا يقوم له شيء، ولا يرومه إنسان، فجعل لا يمسخ في شيء إلا ذكر عظمه وقوته وتحدث بذلك، فلم يزل في ذلك سبع سنين وولده وملكه على حاله لم يتغيروا، ولم يحدثوا فيه شيئاً، وكان يأمرهم دانيال أن لا يغيروا من أمره شيئاً حتى يرجع إليهم. وفي رواية، وكان إذا مسخ في جنس ذكراً فاشتهى الإناث واغتلم حوله أنثى، فأحرم واشتهى الذكور حوله الله ذكراً، فكان لا يصل إلى شهوته من الجماع، ولا يوصل إليه.

стр. 1639

قالوا: وكان آخر خلق مسخ فيه بخت نصر البعوضة، فأقبل في صورتها يطير حتى دخل بيته، فحوله الله إنساناً، فاغتسل بالماء ولبس المسوح، وألقى جفن سيفه، ثم خرج به صلتاً يتوكأ عليه حتى برز إلى جناته، فأمر بجمع قومه فاجتمعوا كأجمع ما كانوا قط، ثم قال: يا أيها الناس إني وإياكم كنا نعبد من دون الله ما لا يضرنا ولا ينفعنا، ولا يخلقنا ولا يرزقنا، ولا يميتنا ولا يحيينا، ولا يملك لنا من الله شيئاً، وإنه قد تبين لي من قدرة الله في نفسي أن لا إله إلا إله بني إسرائيل، فمن بايعني على هذا أو أجابني عليه، فأنا منه وهو مني، وأنا وهو في الحق سواء، ومن أبى وخالف ضربته بسيفي هذا، وأشار به إليهم - وكان فيهم مهيباً - حتى يحكم الله بيني وبينه، ألا وإني قد أجلتكم يومي هذا، فإذا أصبحت فأجيبوني، ثم انصرف عنهم، فساعة دخل بيته وقعد على فراشه قبض الله روحه. فقال وهب بن منبه: سألني ابن عباس عن قصة بخت نصر فقصصتها عليه، فقال ابن عباس: ما شبهت إيمانه إلا بإيمان سحرة فرعون حين قالوا: آمنا برب موسى وهارون. وكان وهب بن منبه يقول: لما مسخ بخت نصر كان في ذلك يعقل عقل الإنسان، ثم رد الله روحه فدعا إلى توحيد الله، وقال: كل إله باطل إلا إله السماء. قال بكار: فقيل لوهب: أمؤمناً مات؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: قد آمن قبل أن يموت، وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وحرق الكتب، وخرب بيت المقدس، فلن تقبل توبته. وقيل: إن بخت نصر لما قتل بني إسرائيل وخرب بيت المقدس، وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامهم سوء العذاب، فأراد أن يتناول السماء، فجمع بني إسرائيل وعظماء أهل بابل ممن عنده علم، فقال لهم: إني قد قهرت أهل الأرض، فأريد أن أتناول ملك السماء، فهل عندكم علم أو حيلةٌ أصعد إلى السماء؟ فقالوا: لا. فقال لهم: انطلقوا فاطلبوا لي حيلة أصعد بها إلى السماء. فسلط الله عليه بعوضة، فدخلت منخره، فوقعت في دماغه، فلم تزل

стр. 1640

البعوضة تعذبه وتأكل دماغه، فلم يزل ينطح رأسه على الحجر حتى مات، ثم أوصى أن شقوا هامته فينظروا ما كان فيه. قال: ففعلوا، فرأوا قدرة الله، فإذا هم ببعوضة قد تعلقت بدماغه. والله أعلم أي ذلك كان. قالوا: وملك بخت نصر خمسٌ وأربعون سنة، منها تسع عشرة سنة قبل خراب أورشلم - وهي بيت المقدس - وسباء بابل، وست وعشرون بعد الخراب. قالوا: كان أمره بعدما رفع عيسى بن مريم، وقيل: كان قبل عيسى بن مريم، وقيل: كان قبل الاسكندر والمسيح بأكثر من ثلاث مائة سنة. قالوا: ومن زمن آدم إلى سبي بابل أربعة آلاف وتسع مائة وثمان عشرة سنة. بخيت بن محمد بن حسان البسري بخيت أوله باء مضمومة خاء معجمة مفتوحة وآخره تاء معجمة باثنتين من فوقها هو بخيت بن أبي عبيد البسري. من أهل بسر. كان أبوه من كبار الزهاد. قال أبو بكر الهلالي: اجتمع أصحاب الحديث بطبرية إلى بخيت بن أبي عبيد البسري، فسألوا أن يملي عليهم حديثاً، فقال: ما أحب أن ألقى الله وأنا صاحب حديث. قالوا: فاحك لنا عن أبيك شيئاً، فقال: سمعت أبي يقول: " من الرجز " البيت خالٍ والكباش تنتطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح

стр. 1641

بدر بن الهيثم بن خالد بن عبد الرحمن وقيل: بدر بن الهيثم بن نصر مولى بني هاشم الدمشقي. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " طاعة الإمام حقٌ على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له ". بدر بن عبد الله أبو النجم مولى المعتضد بالله المعروف بالحمامي وبالكبير. قدم دمشق من مصر ممداً لأميرها طغج بن جف الفرغاني في خلافة المكتفي من قبل الطولونية لما حاصر القرمطي دمشق، فلقيه بكناكر، فقتل القرمطي، وانصرف إلى طبرية راجعاً إلى مصر، ثم رجع من الطريق والياً على دمشق من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فقدمها في شعبان سنة تسعين ومائتين. حدث أبو النجم بدر الكبير عن عبيد الله بن محمد بن رماحس بسنده عن أبي جرول زهير بن صرد الجشمي قال: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين يوم هوازن، وذهب يفرق السبي، أتيته فأنشأت أقول: " من البسيط " امنن علينا رسول الله في كرمٍ ... فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضةٍ قد عاقها قدرٌ ... مشتتٌ شملها في دهرها غير أبقت لنا الحرب هتافاً على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلماً حين يختبر امنن على نسوةٍ قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي ومت تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعماء إذا كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

стр. 1642

فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت جياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنا نؤمل عفواً منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فلما سمع هذا الشعر، قال ﷺ : " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ". وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. قال أبو نعيم الحافظ: بدر الأمير أبو النجم، قدم أصبهان سنة ثلاث وثمانين ومائتين لإخراج عمر بن عبد العزيز أخي أحمد بن عبد العزيز إلى مدينة السلام وقدمها أيضاً واليها عليها سنة خمس وتسعين ومائتين في رمضان، فتولاها إلى صفر من سنة ثلاث مائة، وكان عاد لأحسن السيرة، منع من نزول الجند في الدور إلا بالكراء الوافي، وكان يقرب أهل العلم، ويرفع منهم. وقال أبو نعيم أيضاً: كان عبداً صالحاً مجاب الدعوة. قال أبو بكر الخطيب: ولي بدر الإمارة في بلدان جليلة، وكان له من السلطان منزلة كبيرة، وتولى الأعمال بمصر مع ابن طولون، إلى أن فسد أمر ابن طولون وقتل، فقدم بدر بغداد، فأقام بها مدة، ثم ولاه السلطان بلاد فارس، فخرج إلى عمله وأقام هناك إلى أن توفي. حدث جحظة قال: كنت بحضرة المعتضد ذات يوم، فأمرني أن أغني صوتاً فغنيت، ثم استعاده دفعة أخرى، وطرب له طرباً شديداً، فأمر لي بمائة درهم، وقال: عرجوا به على بدر - يريد

стр. 1643

صاحب جيشه - فقلت لعله أن يوجد مما أطلق لي حق الجراية، فلما وثب أمير المؤمنين حملني الخادم إلى قصر بدر، فرأيت مجلساً أحسن من مجلس الخليفة، وفيه من الغناء طرائقه، فلما رآني وثب وأجلسني في دسته وقال له الخادم: هذه تحفة أمير المؤمنين، فأكرمني، فغنيته ثلاثة أصوات، فلما سمعهن أمر بمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، وشهريٍ لين الركوب، وغلام أسود. وانصرفت وعدت إلى مجلس أمير المؤمنين في الغد، فغنيته صوتاً فأطربه، فأمر لي بالجائزة فقلت: يا أمير المؤمنين ويعرج بي على بدر، فقال: ذلك لا يعاود. قال إسماعيل بن علي الخطبي: ورد الخبر في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثلاث مائة بموت بدر غلام ابن طولون المعروف ببدر الحمامي، وكان أميراً على بلاد فارس كلها وكورها، وقد طالت أيامه بها، وصلحت بمكانه، والسلطان حامد لأمره فيها، وشاكر إلى مكانه بها، فورد الخبر بوفاته، وأن ابنه محمداً قام بالأمر هناك، وسكن الناس، وضبط ما تهيأ له ضبطه، فأمر السلطان أن يكتب إليه بالولاية مكان أبيه، وتأمر على بلاد فارس، وأطاعه الناس. وقيل: مات بدر بشيراز وهو أمير على فارس. بدر بن عبد الله أبو النجم الأرمني التاجر المعروف بالشيحي، عتيق عبد المحسن بن محمد، قدم دمشق دفعات. حدث عن أبي محمد الصريفيني بسنده عن شعبة عن ثابت قال: كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ ، ثم يقوم فيصلي فإذا قال: سمع الله لمن حمده، يقوم حتى نقول قد نسي.

стр. 1644

توفي بدر ببغداد في ليلة السبت التاسع من رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. بديح مولى عبد الله بن جعفر من أهل المدينة. حدث بديح قال: كان عبد الله بن جعفر يحدثنا قال: فأقبل علي بن أبي طالب من سفر، فلقيناه غلمة من بني عبد المطلب، فينا الحسن والحسين، فلما دفعنا إليه تناولني فضمني إليه، فقال: يا بن أخي إني معلمك كلمات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، من قالهن عند وفاته دخل الجنة: لا إله إلا الله الحكيم الكريم - ثلاث مرات - الحمد لله رب العالمين - ثلاث مرات - تبارك الذي بيده الملك يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وعن بديح قال: أن عبد الله بن جعفر قدم على عبد الملك بن مروان، فأهدى له رقيقاً من رقيق المدينة، فقال له يحيى بن الحكم وهو عنده: إنما أهديت لأمير المؤمنين وحشاً من وحوش رقيق الحجاز، وقال له يحيى بن الحكم: ما فعلت خبثة؛ يعني المدينة؟ قال له عبد الله بن جعفر: سماها رسول الله ﷺ طيبة وسميتها خبثة! وفي رواية: خالفت رسول الله ﷺ ، ما أرى الله سيخالف بينك وبينه. قال أبو الحسن المدائني: دخل عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه بديح، فقال لبديح: هات بعض هناتك، فغنى، فحرك معاوية رجليه، فقال ابن جعفر: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إن الكريم طروب. قال الأصمعي: قال الوليد بن عبد الملك لبديح: خذ بنا في المنى، فوالله لأغلبنك قال: لا تغلبني. قال: بلى لأفعلن، قال: فستعلم، قال الوليد: فإني أبداً أتمنى ضعف ما تتمنى أنت فهات،

стр. 1645

قال: فإني أتمنى سبعين كفلاً من العذاب، ويلعني الله لعناً كبيراً، فعليك ضعف ذلك. قال: غلبتني قبحك الله. بديع بن عبد الله أبو الحسن مولى الميانجي حدث عن مولاه القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن ابن عباس قال؟ قال رسول الله ﷺ : " أحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي ". برد بن سنان أبو العلاء القرشي مولاهم من أهل دمشق سكن البصرة. حدث عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يؤاجر أرضه حتى ذكر رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرضين، فترك ذلك. وحدث برد بن سنان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي ﷺ يعلمه الصلاة، فجاء جبريل حين زالت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر، ثم جاءه حين صار الظل كأنه مثل شخص الرجل، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العصر، ثم جاءه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى المغرب، ثم جاءه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العشاء، ثم أتاه اليوم الثاني جبريل حين صار الظل كأنه مثل شخص الرجل، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر، ثم جاءه حين صار الظل مثل الرجل، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى

стр. 1646

العصر، ثم جاءه حين وجبت الشمس لوقت واحد، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب. قال: ثم قمنا نحو ثلث الليل، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العشاء الآخرة، ثم جاءه حين أضاء الفجر وأضاء الصبح، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، وصلى الغداة، ثم قال: ما بين صلاتين وقت. قال: فسأل رجل رسول الله ﷺ عن الصلاة؟ فصلى بهم كما صلى به جبريل، ثم قال: " أين السائل عن الصلاة؟ ما بين الصلاتين وقت ". توفي برد بن سنان سنة خمس وثلاثين ومائة. ووثقه قوم، وضعفه آخرون قليلون، وكان قدرياً. بركان بن عبد العزيز بن الحسين ابن أحمد، أبو الحسن بن أبي محمد الأنماطي، كان مستوراً حافظاً للقرآن، ولم يكن الحديث من شأنه. حدث عن أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تجوزا في الصلاة فإن خلفكم الضعيف والكبير وذا الحاجة ". ولد بركات ليلة نصف شعبان سنة خمس وأربعين وأربع مائة بدمشق. قال: وكان شيخاً مغفلاً. حكى أبو الحسين القيسي أنه قال له: إن الناس يقولون: إن صلاتي كافرة، فقال له: إنما يقولون إنها بدعة. فقال: هو هذا. وكان يديم الخروج إلى مغارة الدم، ويصلي بمن يكون فيها النوافل جماعةً، ولم يفرق بين بدعة وكافرة، وحكي أنه كان يعمم الصبيان يوم العيد. توفي يوم السبت ثامن عشر من رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة.

стр. 1647

بركات بن عبد الواحد بن محمد ابن عمرو بن حميد بن صدقة بن معترف الهمذاني الدمشقي سكن مصر. حدث عن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ". بركات بن علي بن الحسين بن مسعود أبو سعد الأردبيلي. قدم دمشق مع أخيه أبي عمرو مسعود سنة إحدى وثمانين وأربع مائة. أنشد أبو سعد بركات لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري: " من الكامل " وإذا سقيت من المحبة جرعةً ... ألقيت من فرط الخمار خماري كم تبت جهداً ثم لاح عذاره ... فخلعت من ذاك العذار عذاري بركة الأردني ويقال الأزدي قال: توضأ مكحول في منزلي، فأتيته بمنديل، فأبى أن يتمندل، وتمسح ببرقة قبائه وقال: إن فضل الوضوء بركة؛ وأنا أحب أن لا تعدو البركة ثوبي. بركة بضم الباء وتسكين الراء. بريدة بن الحصيب بن عبد الله ابن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان ابن أسلم بن أفصى، أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو الحصيب الأسلمي، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 1648

أسلم حين اجتاز به النبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة، وشهد غزوة خيبر، وأبلى يومئذ، وشهد فتح مكة، وكان معه أحد لواءي أسلم، واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه؛ وكان يحمل لواء أسامة لما بعثه النبي ﷺ إلى أرض البلقاء يطلب قتلة أبيه بمؤته. وخرج مع عمر إلى الشام لما رجع من سرغ أميراً على ربع أسلم. حدث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه؛ فإن أعجبه فرح بذلك ورئي بشر ذلك في وجهه؛ وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. روى بريدة أنه دخل على معاوية رجلٌ يتناول علياً ويقع فيه؛ قال فقال: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ قال فقال: تكلم - وهو يرى أنه سيقول مثل ما قال صاحبه - فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إني لأرجو أن أشفع عدد كل شجرةٍ ومدرة ". أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي؟ قال فقال: اسكت، فإنك شيخٌ قد ذهب عقلك. قال أحمد بن سنان: نزل بريدة بن الحصيب الأسلمي على مرو عن أمر رسول الله ﷺ حتى قال له: " كن في بعث المشرق، ثم في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو ". فقدمها، وأقام بها إلى أن توفي. وأوصى أن لا يدفن على جادة. فحفر له على جادة، فسقط، ثم تنحوا به عن الجادة، فدفنوه في زمن معاوية؛ وله عقبٌ من ولده. ودفن بمرو رجلان من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ : بريدة والحكم الغفاري. قال أحمد بن عثمان وهو ابن الطوسي: بريدة اسمه عامر بن حصيب، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة. وقيل: إن بريدة مات في زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستين. حدث بريدة

стр. 1649

قال: كانت قريش جعلت مائةً من الإبل لمن يأخذ نبي الله ﷺ فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة. فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله ﷺ ، فقال نبي الله ﷺ : " من أنت؟ " قال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر فقال: " يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح "؛ قال: ثم ممن؟ قال: من أسلم؛ قال لأبي بكر: سلمنا. قال: ثم ممن؟ قال: من بني سهم. قال: خرج سهمك. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل. وفي رواية: قال بريدة للنبي ﷺ : فمن أنت؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله، رسول الله ". فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم الذين معه جميعاً، فلما أن أصبح قال بريدة للنبي ﷺ : لا تدخل المدينة إلا معك لواء. قال: فحمل عمامته ثم شدها برمح، ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة؛ فقال بريدة: يا رسول الله تنزل علي؟ قال: " أما إن ناقتي هذه مأمورة ". قال: فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب فبركت. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهمٍ طائعين غير مكرهين. حدث محمد بن عمرو الواقدي عمن ذكره من شيوخه قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعم الرجل بريدة لقومه، عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم معه من قومه من أسلم. فقال: رسول الله ﷺ : " نعم الرجل بريدة لقومه وعز قومه، إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم، فإن الآثم لا خير فيه ". وغزا بريدة مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة. حدث بريدة قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر، فكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رأى بلائي ومكاني، وأبليت وعلي ثوب أحمر، وما علمت أني ركبت في الإسلام ذنباً أعظم منه للشهرة.

стр. 1650

حدث بريدة قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبا بكر، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغد أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، وقتل محمود بن مسلمة. فرجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : " لأدفعن لوائي غداً إلى رجلٍ يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له ". فبتنا طيبةً أنفسنا أن الفتح غداً. فصلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم دعا باللواء، وقام قائماً؛ فما منا من رجلٍ له منزلةٌ من رسول الله ﷺ إلا يرجو أن يكون ذلك الرجل؛ حتى تطاولت أنا لها، فدفعت رأسي لمنزلةٍ كانت لي منه؛ فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينه. قال: فمسحها ثم دفع إليه اللواء؛ وقال بريدة: إنه كان صاحب مرحب. وعن بريدة قال: قال لي رسول الله ﷺ وللحكم الغفاري: " أنتما عينان لأهل المشرق، وبكما يحشر أهل المشرق ". فقدما مرو وماتا بها. وعنه: أن النبي ﷺ قال له: " يا بريدة إنه لا يكل بصرك، ولا يذهب سمعك، أنت نورٌ لأهل المشرق ". وعن ابن بريدة قال: كان بريدة ربع الإسلام. قال أبو عبد الله: وإنما يعني بقوله ربع الإسلام، أن يكون الأول رسول الله ﷺ ، والثاني أبو بكر، والثالث عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، والرابع بريدة. حدث رجلٌ من بكر بن وائل قال: كنت مع بريدة الأسلمي بسجستان، قال: فجعلت أعرض بعلي وعثمان وطلحة والزبير لأستخرج رأيه؛ قال: فاستقبل القبلة، فرفع يديه فقال: اللهم اغفر لعثمان،
следующие страницы →