← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

العصر، ثم جاءه حين وجبت الشمس لوقت واحد، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب. قال: ثم قمنا نحو ثلث الليل، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العشاء الآخرة، ثم جاءه حين أضاء الفجر وأضاء الصبح، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، وصلى الغداة، ثم قال: ما بين صلاتين وقت. قال: فسأل رجل رسول الله ﷺ عن الصلاة؟ فصلى بهم كما صلى به جبريل، ثم قال: " أين السائل عن الصلاة؟ ما بين الصلاتين وقت ". توفي برد بن سنان سنة خمس وثلاثين ومائة. ووثقه قوم، وضعفه آخرون قليلون، وكان قدرياً. بركان بن عبد العزيز بن الحسين ابن أحمد، أبو الحسن بن أبي محمد الأنماطي، كان مستوراً حافظاً للقرآن، ولم يكن الحديث من شأنه. حدث عن أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تجوزا في الصلاة فإن خلفكم الضعيف والكبير وذا الحاجة ". ولد بركات ليلة نصف شعبان سنة خمس وأربعين وأربع مائة بدمشق. قال: وكان شيخاً مغفلاً. حكى أبو الحسين القيسي أنه قال له: إن الناس يقولون: إن صلاتي كافرة، فقال له: إنما يقولون إنها بدعة. فقال: هو هذا. وكان يديم الخروج إلى مغارة الدم، ويصلي بمن يكون فيها النوافل جماعةً، ولم يفرق بين بدعة وكافرة، وحكي أنه كان يعمم الصبيان يوم العيد. توفي يوم السبت ثامن عشر من رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة.

стр. 1647

بركات بن عبد الواحد بن محمد ابن عمرو بن حميد بن صدقة بن معترف الهمذاني الدمشقي سكن مصر. حدث عن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ". بركات بن علي بن الحسين بن مسعود أبو سعد الأردبيلي. قدم دمشق مع أخيه أبي عمرو مسعود سنة إحدى وثمانين وأربع مائة. أنشد أبو سعد بركات لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري: " من الكامل " وإذا سقيت من المحبة جرعةً ... ألقيت من فرط الخمار خماري كم تبت جهداً ثم لاح عذاره ... فخلعت من ذاك العذار عذاري بركة الأردني ويقال الأزدي قال: توضأ مكحول في منزلي، فأتيته بمنديل، فأبى أن يتمندل، وتمسح ببرقة قبائه وقال: إن فضل الوضوء بركة؛ وأنا أحب أن لا تعدو البركة ثوبي. بركة بضم الباء وتسكين الراء. بريدة بن الحصيب بن عبد الله ابن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان ابن أسلم بن أفصى، أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو الحصيب الأسلمي، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 1648

أسلم حين اجتاز به النبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة، وشهد غزوة خيبر، وأبلى يومئذ، وشهد فتح مكة، وكان معه أحد لواءي أسلم، واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه؛ وكان يحمل لواء أسامة لما بعثه النبي ﷺ إلى أرض البلقاء يطلب قتلة أبيه بمؤته. وخرج مع عمر إلى الشام لما رجع من سرغ أميراً على ربع أسلم. حدث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه؛ فإن أعجبه فرح بذلك ورئي بشر ذلك في وجهه؛ وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. روى بريدة أنه دخل على معاوية رجلٌ يتناول علياً ويقع فيه؛ قال فقال: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ قال فقال: تكلم - وهو يرى أنه سيقول مثل ما قال صاحبه - فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إني لأرجو أن أشفع عدد كل شجرةٍ ومدرة ". أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي؟ قال فقال: اسكت، فإنك شيخٌ قد ذهب عقلك. قال أحمد بن سنان: نزل بريدة بن الحصيب الأسلمي على مرو عن أمر رسول الله ﷺ حتى قال له: " كن في بعث المشرق، ثم في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو ". فقدمها، وأقام بها إلى أن توفي. وأوصى أن لا يدفن على جادة. فحفر له على جادة، فسقط، ثم تنحوا به عن الجادة، فدفنوه في زمن معاوية؛ وله عقبٌ من ولده. ودفن بمرو رجلان من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ : بريدة والحكم الغفاري. قال أحمد بن عثمان وهو ابن الطوسي: بريدة اسمه عامر بن حصيب، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة. وقيل: إن بريدة مات في زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستين. حدث بريدة

стр. 1649

قال: كانت قريش جعلت مائةً من الإبل لمن يأخذ نبي الله ﷺ فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة. فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله ﷺ ، فقال نبي الله ﷺ : " من أنت؟ " قال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر فقال: " يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح "؛ قال: ثم ممن؟ قال: من أسلم؛ قال لأبي بكر: سلمنا. قال: ثم ممن؟ قال: من بني سهم. قال: خرج سهمك. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل. وفي رواية: قال بريدة للنبي ﷺ : فمن أنت؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله، رسول الله ". فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم الذين معه جميعاً، فلما أن أصبح قال بريدة للنبي ﷺ : لا تدخل المدينة إلا معك لواء. قال: فحمل عمامته ثم شدها برمح، ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة؛ فقال بريدة: يا رسول الله تنزل علي؟ قال: " أما إن ناقتي هذه مأمورة ". قال: فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب فبركت. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهمٍ طائعين غير مكرهين. حدث محمد بن عمرو الواقدي عمن ذكره من شيوخه قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعم الرجل بريدة لقومه، عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم معه من قومه من أسلم. فقال: رسول الله ﷺ : " نعم الرجل بريدة لقومه وعز قومه، إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم، فإن الآثم لا خير فيه ". وغزا بريدة مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة. حدث بريدة قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر، فكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رأى بلائي ومكاني، وأبليت وعلي ثوب أحمر، وما علمت أني ركبت في الإسلام ذنباً أعظم منه للشهرة.

стр. 1650

حدث بريدة قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبا بكر، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغد أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، وقتل محمود بن مسلمة. فرجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : " لأدفعن لوائي غداً إلى رجلٍ يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له ". فبتنا طيبةً أنفسنا أن الفتح غداً. فصلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم دعا باللواء، وقام قائماً؛ فما منا من رجلٍ له منزلةٌ من رسول الله ﷺ إلا يرجو أن يكون ذلك الرجل؛ حتى تطاولت أنا لها، فدفعت رأسي لمنزلةٍ كانت لي منه؛ فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينه. قال: فمسحها ثم دفع إليه اللواء؛ وقال بريدة: إنه كان صاحب مرحب. وعن بريدة قال: قال لي رسول الله ﷺ وللحكم الغفاري: " أنتما عينان لأهل المشرق، وبكما يحشر أهل المشرق ". فقدما مرو وماتا بها. وعنه: أن النبي ﷺ قال له: " يا بريدة إنه لا يكل بصرك، ولا يذهب سمعك، أنت نورٌ لأهل المشرق ". وعن ابن بريدة قال: كان بريدة ربع الإسلام. قال أبو عبد الله: وإنما يعني بقوله ربع الإسلام، أن يكون الأول رسول الله ﷺ ، والثاني أبو بكر، والثالث عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، والرابع بريدة. حدث رجلٌ من بكر بن وائل قال: كنت مع بريدة الأسلمي بسجستان، قال: فجعلت أعرض بعلي وعثمان وطلحة والزبير لأستخرج رأيه؛ قال: فاستقبل القبلة، فرفع يديه فقال: اللهم اغفر لعثمان،

стр. 1651

واغفر لعلي بن أبي طالب، واغفر لطلحة بن عبيد الله، واغفر للزبير بن العوام. قال: ثم أقبل علي فقال لي: لا أبا لك، أتراك قاتلي!؟ قال فقلت: والله ما أريد قتلك، ولكن هذا أردت منك. قال: قومٌ سبقت من الله سوابق، فإن يشأ يغفر لهم بما سبق لهم، وإن يشأ يعذبهم بما أحدثوا فعل. حسابهم على الله . وكان بريدة يقول: لا عيش إلا طراد الخيل للخيل. قال عبد الله بن مولة: بينا أنا أسير بالأهواز على دابة لي، فإذا بين يدي رجلٌ على دابة وهو يقول: اللهم ذهب قرني من هذه الأمة، اللهم ألحقني بهم. فلحقته فقلت له: وأنا معك يرحمك الله. قال: اللهم وصاحبي هذا إن أراد ذلك؛ قال: يا بن أخي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خير أمتي قرن بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". قال بعض رواته: ولا أدري ذكر الثالثة أم لا. ثم يظهر فيهم السمن، ويزهقون الشهادة ولا يسألونها. قال: فإذا الرجل بريدة. قال عبد الله بن بريدة: مات والدي بمرو، وقبره بحصين؛ وهو قائد أهل المشرق يوم القيامة ونورهم. قال لي بريدة: قال النبي ﷺ : " أيما رجلٍ من أصحابي مات ببلدةٍ فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة ".

стр. 1652

بريد الكلبي ثم العليمي والد البطريق بن بريد حدث عن أبيه أو عن ابن عمه الوليد - شك - قال: كنت بالمدينة، فأصابتنا عكة أوفى الناس منها على جبل سلع، يلتمسون الروح فجلست إلى شيخ قد جلس الناس إليه، كان رأسه ولحيته ثغامة، فسلمت؛ فقال: ممن؟ فانتسبت له، فقال: ومن أي الأجناد؟ فقلت: من الشام. فقال: والله يا أخا أهل الشام، ليخرجن إليكم الروم، فليخرجنكم منها كفراً كفراً، وليقفنّ فوارس من الروم على جبلنا هذا؛ فليتشمر أهل المدينة، ثم لينزلن الله نصره. بسر بن أرطاة ويقال: ابن أبي أرطاة، عمير بن عويمر بن عمران بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، أبو عبد الرحمن العامري. له صحبة؛ ويقال: لا صحبة له. وسكن دمشق، وشهد صفين مع معاوية، وكان على رجالة أهل دمشق. وولاه معاوية اليمن، وكانت له بها آثار غير محمودة. وقيل: إنه خزف قبل موته. روى عن النبي ﷺ حديثين. روي عن بسر بن أرطاة: أنه كان يدعو كلما ارتحل: اللهم إنا نستعينك على أمرنا كله، فأحسن عونك، ونسألك خير المحيا وخير الممات. فقال له عبيدة المليكي: أمن النبي ﷺ سمعتها؟ قال

стр. 1653

بسر: نعم، كان النبي ﷺ يدعو بها. وكان بسر كلما ارتحل يقول: إنا مرتحلون وربنا محمود. قال الحافظ: هذا إسنادٌ غريب، ومتنٌ غير محفوظ، والمحفوظ عن بسر بن أرطاة، أنه سمع النبي ﷺ يدعو: " اللهم أحسن عاقبتي في الأمور كلها، وأجرني من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ". وعن جنادة بن أبي أمية: أنه قال على المنبر برودس حين جلد الرجلين اللذين سرقا غنائم الناس فقال: إنه لم يمنعني من قطعهما إلا أن بسر بن أبي أرطاة وجد رجلاً سرق في الغزو يقال له مصدر، فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا رسول الله ﷺ عن القطع في الغزو. وحدث بسر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا تقطع الأيدي في الغزو ". قال الواقدي: ولد بسر قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، وقبض النبي ﷺ وهو صغير. وأنكر أن يكون روى عن النبي ﷺ روايةً أو سماعاً. وغيره قال: أدرك النبي ﷺ ، وروى عنه، وكان يسكن الشام، وبقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان. وأمه بنت الأبرص بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي. فولد بسر الوليد لأم ولدٍ. وشهد بسر فتح مصر، واختط بها؛ وله بمصر دار بسر، وحمام بسر. وكان من شيعة معاوية، وشهد معه صفين. وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين؛ وأمره أن يتقرى من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن

стр. 1654

أفعالاً قبيحة. وقي ولي البحر لمعاوية، وكان وسوس في آخر أيامه، وكان إذا لقي إنساناً قال: أين شيخي؟ أين عثمان؟ ويسل سيفاً؛ فلما رأوا ذلك جعلوا له في جفنه سيفاً من خشب، فكان إذا ضرب به لم يضر. قال أبو الحسن الدارقطني: بسر بن أرطاة له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي ﷺ . قال العلاء بن سفيان: غزا بسر بن أرطاة الروم، فجعلت ساقته لا يزال يصاب منها طرف، فجعل يلتمس أن يصيب الذين يلتمسون عورة ساقته فيكمن لهم كمين، فيصاب الكمين، فجعلت بعوثه تلك لا تصيب ولا تظفر؛ فلما رأى ذلك تخلف في مائةٍ من جيشه، ثم جعل يتأخر حتى تخاف وحده، فبينا هو يسير في بعض أودية الروم إذ رفع إلى قرية ذات جوز كثير، وإذا براذين مربطة بالجوز ثلاثين برذوناً، والكنيسة إلى جانبهم، فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته؛ فنزل عن فرسه فربطه مع تلك البراذين، ثم مضى حتى أتى الكنيسة فدخلها، ثم أغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه وهو وحده؛ فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع ثلاثة، وفقده أصحابه، فلاموا أنفسهم وقالوا: إنكم لأهلٌ أن تجعلوا مثلاً للناس؛ إن كبيركم خرج معكم فضيعتموه حتى هلك، ولم يهلك منكم أحد! فبينا هم يسيرون في ذلك الوادي حتى أتوا مرابط تلك البراذين؛ فإذا فرسه مربوطٌ معها، فعرفوه، وسمعوا الجلبة في الكنيسة فأتوها، فإذا بابها مغلق، فبلغوا طائفةً من سقفها، فنزلوا عليهم وهو ممسكٌ طائفةً من أمعائه بيده اليسرى والسيف بيده اليمنى؛ فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشياً عليه؛ فأقبلوا على من كان بقي فأسروه وقبلوا. فأقبلت عليهم الأسارى فقالوا: ننشدكم الله، من هذا الذي دخل علينا؟ قالوا: بسر بن أرطاة. فقالوا: ما ولدت النساء مثله. فعمدوا إلى معاه فردوه في

стр. 1655

جوفه، ولم يخرق منه شيء، ثم عصبوه بعمائمهم، وحملوه على شقه الذي ليست به جراح، حتى أتوا به المعسكر فخاطوه، فسلم وعوفي. قال أيوب بن ميسرة بن حلبس: كان بسر بن أرطاة على شاتيةٍ بأرض الروم، قال: فوافق يوم الضحى؛ فالتمسوا الضحايا فلم يجدوها، فقام في الناس يوم الأضحى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنا قد التمسنا الضحايا اليوم والتمسوها، فلم نقدر على شيء - قال: وكانت معه نجيبةٌ له يشرب لبنها لقوح - ولم نجد شيئاً نضحي به إلا هذه النجيبة، فأنا مضحٍّ بها عني وعنكم، فإن الإمام أبٌ وولد. ثم قام فنحرها فقال: اللهم تقبل من بسرٍ ومن بنيه. ثم قسموا لحمها بين الأجناد، حتى صار لهم منها جزءٌ من الأجزاء مع الناس. وعن شريح بن عبيد أن بسر بن أرطاة قال: والله ما عزمت على قوم قط عزيمةً إلا استغفرت لهم حينئذٍ ثم قلت: اللهم لا حرج عليهم. روى الشعبي: أن معاوية بن أبي سفيان أرسل بسر بن أرطاة القرشي ثم العامري في جيش من الشام، فسار حتى قدم المدينة، وعليها يومئذ أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب النبي ﷺ ؛ فهرب منه أبو أيوب إلى عليٍّ بالكوفة. فصعد بسر منبر المدينة، ولم يقاتله بها أحد، فجعل ينادي: يا دينار، يا زريق، يا نجار، شيخٌ سمحٌ عهدته هاهنا بالأمس - يعني عثمان ﵁ وجعل يقول: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلي أمير المؤمنين، ما تركت بها محتلماً إلا قتلته. وبايع أهل المدينة لمعاوية. وأرسل إلى بني سلمة فقال: لا والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ ، فخرج جابر بن عبد الله حتى دخل على أم سلمة خفياً فقال لها: يا أمه!

стр. 1656

قد خشيت على ديني، وهذه بيعةٌ ضلالة. فقالت له: أرى أن تبايع، فقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فخرج جابر بن عبد الله فبايع بسر بن أرطاة لمعاوية. وهدم بسر دوراً كثيرة بالمدينة، ثم خرج حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى الأشعري وهو يومئذٍ بمكة، فتنحى عنه، فبلغ ذلك بسراً فقال: ما كنت لأوذي أبا موسى، ما أعرفني بحقه وفضله! ثم مضى إلى اليمن، وعليها يومئذٍ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عاملاً لعلي بن أبي طالب، فلما بلغ عبيد الله أن بسراً قد توجه إليه هرب إلى علي، واستخلف عبد الله بن عبد المدان المرادي. وكانت عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان قد ولدت من عبيد الله غلامين من أحسن صبيان الناس وأوضئه وأنظفه، وهما عبد الرحمن وقثم، فذبحهما ذبحاً. وكانت أمهما قد هامت بهما وكادت تخالط في عقلها. وكانت تنشدهما في الموسم في كل عام تقول: " من البسيط " ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... كالدرتين تجلى عنهما الصدف ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف حدثت بسراً وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي وصفوا أنحى على ودجي إبنيّ مرهفةً ... مشحوذةً وكذاك الإثم يقترف من ذا لوالهةٍ حرى مفجعةٍ ... على صبيين ضلاّ إذ غدا السلف قال: فلما بلغ علياً ﵁ مسير بسرٍ وما صنع، بعث في عقب بسر بعد منصرفه من الشام جارية بن قدامة السعدي؛ فجعل لا يلقى أحداً خلع علياً إلا قتله وأحرقه بالنار حتى انتهى إلى اليمن؛ فلذلك سمت العرب جارية بن قدامة محرقاً. قال أبو سعيد بن يونس: ويقال: إن أم عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن العباس جويرية بنت قارظ

стр. 1657

الكنانية. وكان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه هذين عبد الرحمن وقثم عند رجلٍ من بني كنانة، وكان صغيرين؛ فلما انتهى بسرٌ إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته، وأخذ السيف ثم خرج يشتد عليهم بسيفه حاسراً وهو يقول: " من الزجر " الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال مصلتاً دون الجار ألا فتى أروع غير غدار فقال له بشر: ثكلتك أمك، والله ما أردنا قتلك، فلم عرضت نفسك للقتل؟! فقال: أقتل دون جاري، فعسى عند الله وعند الناس. فضرب بسيفه حتى قتل. وقدم بسرٌ الغلامين فذبحهما ذبحاً؛ فخرج نسوةٌ من بني كنانة، فقالت منهن قائلة: يا هذا، هذا الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان، والله ما كانوا في جاهليةٍ ولا إسلام، والله إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الضرع الصغير، والمدره الكبير، وبرفع الرحمة، وعقوق الأرحام، لسلطان سوء. فقال لها بسر: والله لهممت أن أضع فيكن السيف. فقالت: تالله إنها لأخت التي صنعت، وما أنا لها منك بآمنة. ثم قالت للنساء واللائي حولها: ويحكن تفرقن. فقالت جويرية أم الغلامين: امرأة عبيد الله بن العباس تبكيها وذكر الأبيات بعينها. قال هشام الكلبي: من قال إن أمهما عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان بن الديان فقد أخطأ، لم تلد عائشة الحارثية إلا ابنه العباس وابنته العالية. قال واهب بن عبد الله المعافري: قدمت المدينة فأتيت منزل زينب بنت فاطمة بنت عليٍّ لأسلم عليها، فدخلت عليها الدار، فإذا عندها جماعةٌ عظيمة، وإذا هي جالسة مسفرة، وإذا امرأةٌ ليست بالجليلة، ولم تطعن في السن؛ فاحتملتني الحمية والغضب لها فقلت: سبحان الله! قدرك قدرك،

стр. 1658

وموضعك موضعك وأنت تجلسين للناس كما أرى مسفرة؟! فقالت: إن لي قصة، قال: قلت: وما تلك القصة؟ قالت: لما كان أيام الحرة، وفد أهل الشام المدينة، وفعلوا فيها ما فعلوا، وكان لي يومئذ ابنٌ قد ناهز الاحتلام. قالت: فلم أشعر به يوماً وأنا جالسةٌ في منزلي إلا وهو يسعى وبسر بن أرطاة يسعى خلفه حتى دخل علي فألقى نفسه علي وهو يبكي، يكاد البكاء أن يفلق كبده، فقال لي بسر: ادفعيه إليّ: فأنا خيرٌ له. قالت: فقلت له: اذهب مع عمك، قالت: فقال: لا والله لا أذهب معه يا أمة، هو والله قاتلي. قالت فقلت: أترى عمك يقتلك!؟ لا، اذهب معه. قالت فقال: لا والله يا أمة لا أذهب معه هو والله قاتلي. قالت: وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده، قالت: فلم أزل أرفق به وأسكته حتى سكن. قالت: ثم قال لي بسر: ادفعيه إليّ فأنا خير له؛ قال فقلت: اذهب مع عمك، قالت: فقام فذهب معه، قالت: فلما خرج من باب الدار قال للغلام: امش بين يدي، قالت: وإذا بسرٌ قد اشتمل على السيف فيما بينه وبين ثيابه؛ فلما ظهر إلى السكة، رفع بسرٌ ثيابه وشهر السيف عليه من خلفه ثم علاه به، فلم يزل يضربه حتى برد. قالت: فجاءتني الصيحة: أدركي ابنك قد قطع. قالت: فقمت أتعثر في ثيابي، ما معي عقلي. قالت: فإذا جماعةٌ قد أطافوا به، وإذا هو قتيل قد قطع، قالت: فألقيت نفسي عليه، وأمرت به يحمل. قالت: فجعلت على نفسي من يومئذ لله أن لا أستتر من أحد، لأن بسراً هو أول من هتك ستري وأخرجني للناس، فالله حسيبه. بسر بن عبيد الله الحضرمي روى عن أبي إدريس الخولاني قال: حدثني النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قلبٍ إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعز، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ".

стр. 1659

وكان رسول الله ﷺ يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ". قال: " والميزان بيد الرحمن ، يرفع أقواماً، ويضع آخرين إلى يوم القيامة ". وعن بسر قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ". بشار بن أحمد بن محمد أبو الرجاء الأصبهاني، الحاج، القصار، الصوفي. قدم دمشق طالب علم في سنة تسعٍ وسبعين وأربع مائة بعد منصرفه من الحج. حدث عن أبي عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده بسنده، عن ابن عباس قال: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسول الله ﷺ بعرفة؛ فأوقصته راحلته فمات. فقال رسول الله ﷺ : " اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً ". وقيل: ملبداً. بشرى بن عبد الله الروحي الرملي الخادم مولى المقتدر بالله. قدم دمشق. حدث عن علي بن عبد الحميد الغضائري قال: حدثنا أحمد بن علي الخواص، قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني ووبخني؛ فلحقني ما يلحق العبد بين يدي سيده؛ وقال: " يا شيخ السوء، لولا شيبتك

стр. 1660

لحرقتك بالنار ". فقلت: ما هكذا حدثنا عنك. قال: فبم حدثت عني؟ قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عنك أنك قلت: " ما من عبدٍ يشيب في الإسلام فأعذبه بالنار ". فقال: " صدق عبد الرزاق، صدق معمر، صدق الزهري، صدق أنس، صدق محمد نبيي، صدق جبريل. انطلقوا به إلى الجنة ". بشر بن إبراهيم أبو سعيد القرشي ويقال: أبو عمرو الأنصاري، المفلوج، من أهل دمشق. سكن البصرة. روى عن الأوزاعي بسنده عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: " ما أذنب عبدٌ ذنباً فساءه إلا غفر الله له وإن لم يستغفر منه ". وروى عن ثور بن يزيد بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " رب عابدٍ جاهل، ورب عالمٍ فاجر؛ فاحذروا الجهال من العباد، والفجار من العلماء، فإن أولئك فتنة الفتناء ". وحدث عن الأوزاعي بسنده عن واثلة بن الأسقع الليثي أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أوثق في خاتمه خيطاً. وروى عن ثور بن يزيد بسنده، عن معاذ بن جبلٍ عن النبي ﷺ قال: " ما أزين الحلم لأهله ". بشر بن بكر أبو عبد الله من أهل دمشق سكن تنيس حدث عن الأوزاعي بسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب. "

стр. 1661

توفي بشر في دمياط في ذي القعدة سنة خمسٍ ومائتين، وقيل: سنة مائتين. بشر بن الحارث بن عبد الرحمن ابن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، أبو نصر المروزي، الزاهد، المعروف بالحافي، أحد أولياء الله الصالحين، والعباد السائحين. قدم الشام، واجتاز بجبل لبنان. قال بشر بن الحارث: سمعت العوفي يذكر عن الزهري، عن أنسٍ قال: اتخذ النبي ﷺ خاتماً فلبسه ثم ألقاه. وحدث عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بسنده، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثٌ لا تفطر الصائم: الحجامة، والاحتلام، والقيء ". وكان بشرٌ ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد. وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس، وإسقاط الفضول. وسمع جماعة، وكان كثير الحديث إلا أنه لم ينصب نفسه للرواية؛ وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك؛ وكل ما سمع منه فإنه على طريق المذاكرة. كان أبو نصر بشر بن الحارث ابن أخت علي بن خشرم كبير الشأن؛ وكان سبب توبته أنه أصاب في الطريق كاغذةً مكتوباً عليها اسم الله وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيب بها الكاغذة وجعلها في شق حائط، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلاً قال له، يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة. قال أيوب العطار: كنت خارجاً من باب حرب فلقيني بشر بن الحارث وقال: يا أيوب انظر إلى جميل ما ينشر وقبيح ما يستر، كنت اليوم خارجاً من باب حرب فلقيني رجلان، فقال أحدهما لصاحبه: هذا بشر الذي يصلي كل ليلة ألف ركعة، ويواصل في كل ثلاثة أيام

стр. 1662

والله يا أيوب ما صليت ألف ركعة مكاناً واحداً، ولا واصلت ثلاثاً قط، إلا أني أحدثك عن بدء أمري. قلت: نعم، فقال: دعاني رجل من أهل الربض؛ فبينما أنا أمضي إليه رأيت قرطاساً على وجه الأرض، فيه اسم الله تعالى؛ فأخذته ونزلت إلى النهر، فغسلته وكنت لا أملك من الدنيا إلا درهماً فيه خمسة دوانيق، فاشتريت بأربعة دوانيق مسكاً وبدانقٍ ماء ورد؛ وجعلت أتتبع اسم الله تعالى فأطيبه. ثم رجعت إلى منزلي فنمت؛ فأتاني آتٍ في منامي فقال لي: يا بشر، كما طيبت اسمي لأطيبن ذكرك، وكما طهرته لأطهرن قلبك. قال بشر بن الحارث: أتيت باب المعافى بن عمران، فدققت الباب، فقيل لي: من؟ فقلت بشر الحافي. فقالت لي بنيةٌ من داخل الدار: لو اشتريت نعلاً بدانقين لذهب عنك اسم الحافي. قال أبو الحسن للحسن بن عمرو: سمعت بشراً وجاء إليه أصحاب الحديث يوماً وأنا حاضر، فقال لهم بشر: ما هذا الذي أرى معكم قد أظهرتموه؟ قالوا: يا أبا نصر، نطلب هذه العلوم، لعل الله ينفع بها يوماً. قال: علمتم أنه يجب عليكم فيها زكاة كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم: خمسة دراهم؛ فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث أن يعمل منها بخمسة أحاديث؛ وإلا فانظروا أيش يكون عليكم هذا غداً. قال البيهقي: لعله أراد من الأحاديث التي وردت في الترغيب في النوافل؛ وأما في الواجبات فيجب العمل بجميعها. حدث قاسم بن إسماعيل بن علي قال: كنا بباب بشر بن الحارث، فخرج إلينا فقلنا: يا أبا نصر، تحدثنا؟ فقال: أتؤدون زكاة الحديث؟ قال: قلنا: يا أبا نصر وللحديث زكاة؟ قال: نعم، إذا سمعتم عملاً أو صلاة أو تسبيحاً استعملوه.

стр. 1663

قال محمد بن المثنى البزاز: قلت لبشر بن الحارث: تذكر بكورنا إلى فلان وفلان المحدث؟ شكره الله لك؛ قال: لا بل غفره الله لي. قال بشر: لو أن رجلاً كان عندي في مثال سفيان ومعافى، ثم جلس اليوم يحدث، ونصب نفسه لانتقص عندي نقصاناً شديداً. قال بشر: إني وإن أدنيت الرجل وهو يحدث، فإنه عندي قبل أن يحدث أفضل كثيراً من كان من الناس؛ وإنما الحديث اليوم طرف من طلب الدنيا وكده؛ وما أدري كيف يسلم صاحبه، وكيف يسلم من يحفظه، لأي شيء يحفظه! قال بشر: وإني لأدعو الله أن يذهب به من قلبي، ويذهب بحفظه من قلبي، وإن لي كتباً كثيرة قد ذهبت وأراها تطوى فيرمى بها فما آخذها، وإني لأهم بدفنها كلها، وأنا حيٌ صحيح، وما أكره ترك ذلك من خيرٍ عندي، وما هو من سلاح الآخرة ولا من عدد الموت. قيل لبشر بن الحارث: يقولون إنك لا تحفظ الحديث! فقال: أنا أحفظ حديثاً واحداً إذا عملت به فقد حفظت الحديث؛ قال النبي ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". حتى أفعل هذا وأحفظ الحديث. قال أيوب العطار: سمعت بشر بن الحارث يقول: حدثنا حماد بن زيد، ثم قال: أستغفر الله أن أذكر الإسناد، في القلب خيلاء. قال محمد بن المثنى السمسار: كنا عند بشر بن الحارث وعنده العباس بن عبد العظيم العنبري - وكان من سادات المسلمين - فقال له: يا أبا نصر، أنت رجل قد قرأت القرآن، وكتبت الحديث، فلم لا تتعلم من العربية ما تعرف به اللحن حتى لا تلحن؟ قال: ومن يعلمني يا أبا الفضل؟ قال: أنا يا أبا نصر، قال: فافعل، قال: قل ضرب زيدٌ عمراً، قال فقال له بشر: يا أخي ولم ضربه؟ قال: يا أبا نصر ما ضربه وإنما هذا أصل وضع، فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه.

стр. 1664

قال عمار: رأيت الخضر ﵇ فسألته عن بشر بن الحارث؟ فقال: مات يوم مات، وليس على ظهر الأرض أتقى لله منه. قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجلٌ يماشيني، فتعجبت! ثم ألهمت أنه الخضر، فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أخوك الخضر، فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل، فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟ قال: هو من الأوتاد. فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صديق قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ فقال: لم يخلف بعده مثله. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟ فقال: ببرك بأمك. سأل إنسانٌ أبا خيثمة عن الرجل إذا دخل المسجد الجامع يوم الجمعة، كم يصلي؟ قال: هذا بشر بن الحارث، بلغني أنه إذا دخل المسجد الجامع صلى ركعتين ثم لم يزد عليهما حتى يصلي الجمعة وينصرف. قال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً ولا أحفظ للسانٍ من بشر بن الحارث، كان في كل شعرة عقل، ووطئ الناس عقبه خمسين سنةً ما عرف له عيبةٌ لمسلم؛ لو قسم عقله على أهل بغداد صاروا عقلاء، وما نقص من عقله شيء. قال بشر الحافي: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: " يا بشر، تدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ " قلت: لا يا رسول الله قال: " باتباعك لسنتي وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي، هو الذي بلغك منازل الأبرار ". قال بشر بن الحارث: ما أنا بشيءٍ من عملي أوثق مني بحب أصحاب محمد ﷺ . وكان يقول: لو أن الروم سبت من المسلمين كذا وكذا ألفاً، ثم فداهم رجلٌ كان في قلبه سوءٌ لأصحاب النبي ﷺ ؛ لم ينفعه ذلك.

стр. 1665

سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع؟ فقال: أنا، أستغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع، أنا آكل من غلة بغداد، لو كان بشر بن الحارث، صلح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد، ولا من طعام السواد، يصلح أن يتكلم في الورع. كان بشر يقول: إن الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق. وكان يقول: طوبى لمن ترك شهوةً حاضرةً لموعد غائب لم يره. قال بشر بن الحارث: ما تركت الشهوات منذ أربعين سنة إلا أنه لا يصفو لي درهمٌ حلال. قال أبو حفص ابن أخت بشر بن الحارث: اشتهى بشر سفرجلة في علته، فقالت لي أمي: يا بني اطلب لي سفرجلة. قال: فجئت بها، فأخذها، فجعل يشمها، قال: ثم وضعها بين يديه. فقالت أمي: يا أبا نصر كلها، قال: ما أطيب ريحها! قال: فما زال يشمها حتى مات، وما ذاقها. قال عبد الوهاب: ما رأيت أحداً أقدر على ترك شهوةٍ من بشر الحافي. وقال عبد الله الرضواني: ما رأيت أحداً من الزهاد إلا وهو يذم الدنيا ويأخذ منها، غير بشر بن الحارث، فإنه كان يذمها ويفر منها. قال أحمد بن المغلس: سمعت أبا نصر بشراً وقد قال له رجل: يا أبا نصر ما أشد حب الناس لك! فغلظ ذلك عليه، ثم قال: ولك عافاك الله، قال: وكيف؟ قال: دع لهم ما في أيديهم. فذكرت لأبي نصر فقلت: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثنا مالك عن

стр. 1666

نافع، عن ابن عمر قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا أنا عملته أحبني الله من السماء، وأحبني الناس من الأرض؟ قال: فقال له النبي ﷺ : " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ". فرأيت أبا نصرٍ قد فرح به، إذ وافق قوله سنة رسول الله ﷺ . كان بشر بن الحارث يقول: ينبغي لنا أن لا نحب هذه الدار، لأنها دارٌ يعصى الله فيها، ووالله لو لم يكن منا إلا أنا أحببنا شيئاً أبغضه الله لكفانا. وكان يقول: ما عرف الخلق أفضل من شيئين: الله والدنيا؛ فإنهم إذا عرفوا الله اجتهدوا في طاعته، وإذا عرفوا الدنيا اجتهدوا في تركها. قال علي بن عثام: أقام بشر بن الحارث بعبادان عشر سنين يشرب من البحر، ولا يشرب من حياض السلاطين حتى أضر بجوفه؛ فرجع إلى أخته، وأخذه وجعٌ لا يقوم به إلا أخته. وهو يتخذ المغازل فيبيعه، وذلك كسبه. قال محمد بن يوسف الجوهري: كنت أمشي مع بشر بن الحارث في يومٍ صائف، منصرفاً من الجمعة، فاجتزنا بسور دار إسحاق بن إبراهيم، وله فيءٌ، فجعلت أزحم بشراً إلى الفيء وهو يمشي في الشمس، فقلت: لأسألنه، أيش الورع أن يمشي إنسانٌ في الشمس فيضر بنفسه، فقلت: يا أبا نصر أنا أضطرك إلى الفيء وأنت تمشي في الشمس!؟ فقال مجيباً لي: هذا فيء سوء. كان بشر لا ينام الليل، تراه بالنهار كأنه مهوس. فقيل له في ذلك، فقال: أكره أن يأتيني أمر الله وأنا نائم.

стр. 1667

قال أبو علي الدقاق: مر بشرٌ ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كله، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيامٍ مرة. فبكى بشر، فقيل له في ذلك فقال: لا أذكر أني سهرت ليلةً كاملة، ولا أني صمت يوماً ثم لم أفطر من ليلته، ولكن الله سبحانه يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد، لطفاً منه سبحانه وكرماً. ثم ذكر ابتداء أمره كيف كان، كما ذكرناه. قالت زبدة أخت بشر: دخل علي بشرٌ ليلةً من الليالي، فوضع إحدى رجليه داخل الدار، والأخرى خارجها وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح، فلما أصبح وتهيأ للطهارة سألته وقلت: أقسمت عليك فبماذا تفكرت طول ليلتك؟ قال: تفكرت في بشر النصراني، وبشر اليهودي، وبشر المجوسي، ونفسي واسمي بشر؛ فقلت: ما الذي سبق منك إليه حتى خصك؟ فتفكرت في تفضله علي، ومنته علي في أن جعلني من خاصته، وألبسني لباس أحبائه. وقيل لبشر: لما لا تصلي في الصف الأول؟ فقال: أنا أعلم أيش يريد، يريد قرب القلوب لا قرب الأجسام. قال بشر بن الحارث: أشتهي منذ أربعين، أن أضع يداً على يد في الصلاة ما يمنعني من ذلك إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله. قال أيوب العطار: انصرفت مع بشر بن الحارث يوم الجمعة من مسجد الجامع، فمررنا في درب أبي الليث، وإذا صبيانٌ يلعبون بالجوز، فلما رأوا بشر بن الحارث قالوا: بشر بشر، واستلبوا الجوز ومروا يحضرون، فوقف بشرٌ ثم قال لي: أي قلبٍ يقوى على هذا!؟ إن هذا لدربٌ لا مررت فيه حتى ألقى الله .

стр. 1668

قال محمد بن قدامة: لقي بشراً الحافي رجلٌ سكران، فجعل يقبله ويقول: يا سيدي يا أبا نصر، ولا يدفعه بشرٌ عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشرٍ وقال: رجلٌ أحب رجلاً على خيرٍ توهمه، لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله. وكان بشر يقول: إذا أحب الله أن يتحف العبد، سلط عليه من يؤذيه. وكان يقول: لا خير فيمن لا يؤذى. وكان يقول: الصبر الجميل الذي لا يشكو فيه إلى الناس. وكان يقول: من لم يحتمل الغم والأذى لم يدخل فيما يحب. قال عبيد الله الوراق: خرجت يوم جمعةٍ مع بشر بن الحارث إذ دخل المسجد وعليه فروٌ مقطع فرده العون، فذهبت لأكلمه، فمنعني، فجاء فجلس عند قبة الشعراء فقلت له: يا أبا نصر لمَ لم تدعني أكلمه؟ قال: اسكت، سمعت المعافى بن عمران يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يذوق العبد حلاوة الإيمان، حتى يأتيه البلاء من كل مكان. قال محمد بن المثنى: انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من المصلى، فلقي خالد بن خداش المحدث، فسلم عليه، فقصر بشرٌ في السلام، فقال خالد: بيني وبينك مودة من أكثر من ستين سنة، ما تغيرت عليك، فما هذا التغير؟ فقال بشر: ما هاهنا تغيرٌ ولا تقصير، ولكن هذا يومٌ يستحب فيه الهدايا، وما عندي من عرض الدنيا شيءٌ أهدي لك، وقد روي في الحديث: أن المسلمين إذا التقيا كان أكثرهما ثواباً أبشهما بصاحبه. فتركتك لتكون أفضل ثواباً. كان ببغداد رجلٌ من التجار، وكان كثيراً ما يقع في الصوفية، قال: فرئي

стр. 1669

بعد ذلك وقد صحبهم وأنفق عليهم جميع ما ملك. فقيل له: أليس كنت تبغضهم؟! فقال: ليس الأمر على ما توهمت، وإني صليت الجمعة يوماً وخرجت، فرأيت بشر بن الحارث خرج من المسجد مسرعاً، فقلت في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد، ليس يستقر في المسجد! قال: فتركت حاجتي فقلت: أنظر إلى أين يذهب؟ قال: فتبعته، فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهمٍ خبز الماء. قال: فقلت: انظر إلى الرجل يشتهي خبز الماء! ثم تقدم إلى الشواء فأعطاه درهماً وأخذ الشواء. قال: فزادني عليه غيظاً! ثم تقدم إلى الحلاوي فاشترى فالوذجاً بدرهم. فقلت في نفسي: والله لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل؛ ثم خرج إلى الصحراء، وأنا أقول: يريد الخضرة والماء. قال: فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه، قالب: فدخل قرية، وفي القرية مسجد، وفيه رجلٌ مريض، قال: فجلس عند رأسه، وجعل يلقمه، قال: فقمت لأنظر إلى القرية، فبقيت ساعةً ثم رجعت فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد، قال: فقلت: وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخاً، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أيش عملت بنفسي! وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي، قال: اجلس حتى يرجع، قال: فجلست إلى الجمعة القابلة؛ قال: فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيءٌ يأكل المريض، فلما فرغ قال له: يا أبا نصر هذا رجلٌ صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة، فرده إلى موضعه. قال: فنظر إلى كالمغضب وقال: لم صحبتني؟ قال: فقلت: أخطأت. قال: قم فامش. قال: فمشيت إلى قرب المغرب. قال: فلما قربنا قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا، قال: اذهب ولا تعد. قال: فتبت إلى الله وصحبتهم وأنا على ذلك. وكان بشر يقول: من أحب العز في الدنيا والشرف في الآخرة، فليكن فيه ثلاث خصال: لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يذكر أحداً بسوء، ولا يجيب أحداً إلى طعامه. وكان بشرٌ يقول: لو لم يكن في القنوع إلا التمتع بالعز كفى صاحبه.

стр. 1670

قال رجلٌ لبشر بن الحارث: يا أبا نصر، لا أدري بأي شيء آكل خبزي؟ قال: إذا أردت أن تأكل خبزك فاذكر العافية فاجعلها أدمك. قال بشر: كلما اشتهى رجلٌ لقاء رجل ذهب إليه. هذه فتنة، ولذةٌ يتلذذون بلقاء بعضهم بعضاً. ينبغي للإنسان أن يقبل على نفسه وعلى القرآن. وقال بشر: إذا عرفت في موضعٍ فاهرب منه، وإذا رأيت الرجل إذا اجتمعوا إليه في موضعٍ لزمه، واشتهى ذلك فهو يحب الشهرة. قال محمد بن نعيم بن الهيصم: دخلت على بشر في علته فقلت: عظني، فقال: إن في هذه الدار نملةً تجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء؛ فلما كان يومٌ أخذت حبةً في فمها، فجاء عصفورٌ فأخذها والحبة؛ فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت. قلت له: زدني، قال: ما تقول في من القبر مسكنه، والصراط جوازه، والقيامة موقفه، والله مسائله، فلا يعلم إلى جنةٍ يصير فيهنى، أو إلى نارٍ فيعزى، فوا طول حزناه! وواعظم مصيبتاه! زاد البكاء فلا عزاء، واشتد الخوف فلا أمن. قال: وقال لي بشرٌ مراراً كثيرة: انظر خبزك من أين هو؟ وانظر إلى مسكنك الذي تتقلب فيه كيف هو؟ وأقل من معرفة الناس، ولا تحب أن تحمد، ولا تحب الثناء. كان بشر يقول: لا تكاد تضع يدك إلا على مراءٍ؛ إما مراءٍ بدين، وإما مراءٍ بدنيا، وهما جميعاً شر شيء، فانظر أشد الناس توقياً، وأعفهم وأطيبهم مكسباً فجالسه، ولا تجالس من لا يعينك على آخرتك. وقف بشر على أصحاب الفاكهة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: يا أبا نصر لعلك تشتهي من هذا شيئاً؟ قال: لا ولكن نظرت في هذا إذا كان يطعم هذا من يعصيه، فكيف من يطيعه!.

стр. 1671

قال بشر الحافي لرجل: احذر أن تمر في حاجتك، فيأخذك وأنت لا تدري. كان بشر الحافي يقول: أما تستحي أن تطلب الدنيا ممن يطلب الدنيا، اطلبها ممن بيديه الدنيا. قال الحسن الحناط: كنت عند بشر الحافي، فجاءه نفر فسلموا عليه فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن من الشام جئنا نسلم عليك ونريد الحج، فقال: شكر الله لكم. فقالوا: تخرج معنا؟ فقال: بثلاث شرائط: لا نحمل معنا شيئاً؛ ولا نسأل أحداً شيئاً؛ وإن أعطانا أحدٌ لا نقبل. قالوا: أما أن لا نحمل فنعم؛ وأما أن لا نسأل فنعم؛ وأما أن لا نقبل إن أعطينا؛ فهذا لا نستطيع. فقال: خرجتم متوكلين على زاد الحجيج! ثم قال: يا حسن! الفقراء ثلاثة: فقيرٌ لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذلك من جملة الروحانيين. وفقيرٌ لا يسأل، وإن أعطي قبل، فذلك ممن يوضع له موائد في حظائر القدس. وفقير يسأل، وإن أعطي قبل قدر الكفاية، فكفارته صدقه. وكان بشر يقول: الحلال لا يحتمل السرف. وكان يقول: الأخذ من الناس مذلة. وكان يقول: ليس هذا زمان اتخاذ الإخوان، إنما هو زمان خمول، ولزوم البيوت. وكان يقول: لا يجد من يحب الدنيا حلاوة العبادة. وكان يقول: يأتي على الناس زمانٌ لا تقر فيه عين حكيم. ويأتي على الناس زمانٌ تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس. وقيل لبشر: بالله يا أبا نصر، أيهما أحلى الدنانير أو الدراهم؟ قال: الطاعة والله أحلى منهما جميعاً. قال يحيى بن المختار: سمعت بشراً يقول: ما ظنكم بقومٍ وقفوا بين يدي الله مقدار خمسين ألف عام لم يأكلوا ولم

стр. 1672

يشربوا حتى قحلت أجوافهم من الجوع وانقطعت أكبادهم من العطش، واندقت أعناقهم من التطاول، ورجوا الفرج، أمر بهم إلى النار!. وقال بشر: سكون النفس إلى قبول المدح أشد عليها من المعاصي. وكان بشر يقول: العداوة في القرابة، والحسد في الجيران، والمنفعة في الإخوان. وقيل لبشر: العبادة لا تصلح إلا بالصيام، فقال: قد يصوم البر والفاجر، فإن كنت صائماً فاجتنب كثرة الكلام والغيبة، وأطب مطعمك لعله أن يسلم لك صومك، وإلا فاستخر الله وكل. نظر بشر الحافي إلى حدثٍ جميل فقال: إن الذي قدر على زينتك، قادر على صرف القلوب عنك. قال أحمد بن الفتح: قال لي بشر: يا أحمد، إن قوماً غرهم ستر الله ، وفتنهم حسن ثناء الناس عليهم، فلا يغلبنّ جهل غيرك بك على علمك بنفسك أعاذنا الله وإياك من الاغترار بالستر، والاتكال على حسن الذكر. كان بشر يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين، والنظر إلى البخيل يقسي القلب. وكان يقول: صاحب زيغ سخي أخف على قلبي من عابدٍ بخيل. وكان يقول: بقاء البخلاء كربٌ على قلوب المؤمنين. وكان يقول: البخيل لا غيبة له، قال النبي ﷺ : " إنك

стр. 1673

لبخيل ". ومدحت امرأةٌ عند النبي ﷺ فقالوا: صوامةٌ قوامة إلا أن فيها بخلاً. قال: " فما خيرها إذاً ". قال بشر: أي ليس فيها خير. قال العباس بن يوسف: أنشدني بشر بن الحارث: " من السريع " برمت بالناس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحده هذا لعمري فعل أهل التقى ... وفعل من يطلب ما عنده قد عرف الله فذاك الذي ... آنسه الله به وحده وكان بشرٌ يقول: حسبك أن أقواماً موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن أقواماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم. وكان يقول: ليس شيءٌ من أعمال البر أحب إلي من السخاء، ولا أبغض إلي من الضيق وسوء الخلق. وأنشد بشر: " من السريع " أقسم بالله لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحه أعز للإنسان من فقره ... ومن سؤال الأوجه الكالحه فاستشعر اليأس تكن ذا غنى ... وترجعن بالصفقة الرابحه فاليأس عزٌ والتقى سؤددٌ ... وشهوة النفس لها فاضحه من كانت الدنيا به برةً ... فإنها يوماً له ذابحه وأنشد بشر في القناعة: " من الوافر " أفادتني القناعة أي عزٍ ... ولا عزاً أعز من القناعه

стр. 1674

فخذ منها لنف مالٍ ... وصير بعدها التقوى بضاعه تحز حالين: تغنى عن بخيلٍ ... وتسعد في الجنان بصبر ساعه قال أبو عاصم المتطبب: سمعت بشر بن الحارث يتمثل بهذين البيتين - وهما لمحمود الوراق - فعجبنا منه كيف بلغه هذان البيتان: " من مجزوء الرمل " مكرم الدنيا مهانٌ ... مستذلٌ في القيامه والذي هانت عليه ... فله ثم كرامه قال أبو عبد الرحمن الزاهد رفيق بشر بن الحارث: رأى صاحبٌ لنا رب العزة في النوم قبل موت بشرٍ بقليل فقال: " قل لبشر بن الحارث: لو سجدت لي على الجمر ما كنت تكافئني بما نوهت اسمك في الناس ". قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مات بشر سنة سبع وعشرين ومائتين قبل المعتصم بستة أيام، وقد بلغ من السن خمساً وسبعين سنة، وحشر الناس بجنازته، ورئي أبو نصر التمار، وعلي بن المديني في جنازته، وهما يصيحان: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وذلك أن بشراً خرجت جنازته بعد صلاة الصبح، وكان نهاراً صيفاً، والنهار فيه طول، ولم يستقر في القبر إلى العتمة. وقال أبو حفص ابن أخت بشر: كنت أسمع الجن تنوح على خالي في البيت الذي كان فيه غير مرة، سمعت الجن تنوح عليه. وقال خشنام ابن أخت بشر: رأيت خالي بشراً في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وجعل يذكر ما فعل الله من الكرامة. فقلت له: قال لك شيئاً؟ فقال: نعم فقلت له:

стр. 1675

ما قال لك؟ قال: قال لي: " يا بشر ما استحييت مني، تخاف ذلك الخوف على نفسٍ هي لي!. قال الحسين بن إسماعيل المحاملي رأيت القاساني في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فأوحى إلي أنه نجا بعد مدة. قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: غفر الله له. قلت: فبشر الحافي؟ قال ذاك تحيه الكرامة من الله في كل يوم مرتين. قال عاصم: رأيت في المنام كأني قد دخلت درب هشام، فلقيني بشر بن الحارث، فقلت: من أين يا أبا نصر؟ قال: من عليين، قلت: ما فعل أحمد بن حنبل؟ قال: تركت الساعة أحمد بن حنبل وعبد الوهاب الوراق بين يدي الله ، يأكلان ويشربان ويتنعمان. قلت: فأنت؟ قال: علم الله قلت رغبتي في الطعام، فأباحني النظر إليه. قال أحمد بن الفتح: رأيت أبا نصر بشر بن الحارث في منامي وهو قاعدٌ في بستان، وبين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت له: يا أبا نصر ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأباحني الجنة بأسرها وقال لي: " كل من جميع ثمارها واشرب من أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها كما كنت تحرم نفسك الشهوات في دار الدنيا ". فقلت له: زادك يا أبا نصر، فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ فقال: هو قائمٌ على باب الجنة، يشفع لأهل السنة ممن يقول القرآن كلام الله غير مخلوق، فقلت: ما فعل معروف الكرخي؟ فحرك رأسه ثم قال لي: هيهات هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفاً لم يعبد الله شوقاً إلى جنته، ولا خوفاً من ناره، وإنما عبده شوقاً إليه، فرفعه الله إلى الرقيع الأعلى، ورفع الحجب بينه وبينه ذلك الترياق المقدسي المجرب. فمن كانت له إلى الله حاجة، فليأت وليدع، فإنه يستجاب له إن شاء الله.

стр. 1676

قال الحسين بن مروان: رأيت بشراً في النوم فقلت: يا أبا نصر، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر الله لي، وغفر لمن تبع جنازتي، قال: فقلت: ففيم العمل؟ فأخرج كسرةً ثم قال: انظر في هذه الكسرة. وقال القاسم بن منبه: رأيت بشراً في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وقال لي: " يا بشر قد غفرت لك ولكل من تبع جنازتك "، فقلت: يا رب ولكل من أحبني؟ فقال: " ولكل من أحبك إلى يوم القيامة ". قال إسحاق بن محمد: لما مات بشر بن الحارث رآه بعض العلماء واقفاً بين يدي الله ، فق الله: " يا بشر قد غفرت لك ولجميع من حضر جنازتك، ولسبعين ألفاً ممن سمعوا بموتك ". قال أبو العباس القرشي: أتيت أبا نصر التمار بعد موت بشر بن الحارث بأيامٍ نعزيه، فقال لنا أبو نصر: رأيته البارحة في النوم في أحسن هيئة، فقلت له: ما صنع بك ربك؟ قال: قد استحييت من ربي من كثرة ما أعطاني من الخير، وكان فيما أعطاني أن غفر لمن تبع جنازتي. قال أحمد بن الدورقي: مات جارٌ لي، فرأيته في الليل وعليه حلتان قد كسي، فقلت: أيش قصتك ما هذا؟ قال: دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث، فكسي أهل المقبرة حلتين حلتين. قال مؤذن بشر بن الحارث: رأيت بشراً في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: ما فعل بأحمد بن حنبل؟ فقال: غفر له، فقلت: ما فعل بأبي نصر التمار؟ قال: هيهات، ذلك في عليين، فقلت: فبماذا نال ما لم تنالاه؟ فقال: بفقرة وصبره على بنياته. قال محمد بن خزيمة: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداً، فبت في ليلتي، رأيته في المنام وهو

стр. 1677

يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله، أي مشيةٍ هذه؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وتوجني، وألبسني نعلين من ذهب، فقال: " يا أحمد، هذا بقولك: إن القرآن كلامي "، ثم قال لي: " يا أحمد، ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن الثوري، كنت تدعو بها في دار الدنيا "، فقلت: يا رب كل شيء، فقيل: هيه، فقلت: بقدرتك على كل شيء، فقال لي: " صدقت "، فقلت: لا تسألني عن شيء، واغفر لي كل شيء قال: " قد فعلت ". ثم قال: " يا أحمد هذه الجنة قم فادخل إليها ". فدخلت فإذا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة ويقول: " الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين " فقلت له: ما فعل عبد الوهاب الوراق؟ قال: تركته في بحرٍ من نور، في زلالٍ من نور يزار به إلى الملك الغفور، قال: قلت له: فما فعل بشر؟ - يعني ابن الحارث - فقال لي: بخٍ بخٍ! ومن مثل بشر! تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل مقبلٌ عليه وهو يقول: " كل يا من لم تأكل، واشرب يا من لم تشرب، وانعم يا من لم تتنعم في دار الدنيا ". قال: فأصبحت، فتصدقت بعشرة آلاف درهم. بشر بن أبي حفص ويقال: ابن أبي جعفر الكندي الدمشقي. حدث عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال لبلال: " ألا لا تغادر صيام الاثنين، فإني ولدت يوم الاثنين، وأوحي إلي يوم الاثنين، وهاجرت يوم الاثنين، وأموت يوم الاثنين ".

стр. 1678

بشر بن حميد بن أبي مريم المزني المدني قال بشر بن حميد: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول بخلافته بخناصرة: سمعت بالمدينة والناس يومئذٍ كثير، من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي ﷺ يعني السبعة التي وقف - من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت فأموالي لمحمدٍ ﷺ يضعها حيث أراه الله. وقتل يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : " مخيريق خير يهود ". ثم دعا لنا عمر بتمرٍ منها، فأتي بتمرٍ في طبق فقال: كتب إلي أبو بكر بن حزم يخبرني أن هذا التمر من العذق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يأكل منها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين فاقسمه بيننا، قال: فقسمه فأصاب كل رجلٍ منا تسع تمرات. قال عمر بن عبد العزيز: قد دخلتها إذ كنت والياً بالمدينة، وأكلت من هذه النخلة ولم أر مثلها من التمر أطيب ولا أعذب. بشر بن حيان الخشني البلاطي قال بشر: أقبل واثلة بن الأسقع يسير حتى وقف علينا ونحن نبني مسجدنا - يعني مسجد بيت البلاط - فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من بنى لله مسجداً بنى الله له في الجنة أفضل منه ".

стр. 1679

بشر بن عبد الله بن يسار السلمي الحمصي حدث بشر عن عبادة بن نسي بسنده عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم الرجل مهاجراً على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجلٍ منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول الله ﷺ رجلاً كان معي في البيت أعشيه عشاء أهل البيت، وكنت أقرئه القرآن؛ فانصرف إلى أهله، فرأى أن عليه حقاً، فأهدى إلي قوساً لم أر أجود منها عوداً، ولا أحسن منها عطفاً، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما ترى يا رسول الله؟ فقال: " جمرةٌ بين كتفيك تعلقتها "، أو قال: " تقلدتها ". حدث بشر بن عبد الله عن مكحول قال: قام فينا عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مهلّ أهل المدينة من ذا الحليفة، ومهل أهل المغرب من الجحفة، ومهل أهل نجدٍ من قرن ". قال عبد الله: وقال الناس: مهل أهل اليمن من يلملم، ولم أسمعه من رسول الله ﷺ . بشر بن عبيد الله بن صالح أبو عبد الله القرشي الزمعي الدمشقي. حدث عن داود بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال حين يصبح: اللهم إنا أصبحنا نشهدك ونشهد ملائكتك، وحملة عرشك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، غفر الله له ما أصاب في يومه ذاك من ذنب؛ وإن هو قالها حين يمسي غفر الله له ما أصاب في ليلته تلك من ذنب ".

стр. 1680

بشر ويقال بشير بن عبد الوهاب ابن بشير، أبو الحسن الأموي، مولى بشير بن مروان، من أهل دمشق، زاهد. حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف وهو حين ينتهبها مؤمن ". حدث علي بن الحسين بن إسماعيل بن صبيح البزاز قال: سمعت بشر بن عبد الوهاب، وكان صاحب خير وفضل، وكان ينزل دمشق وذكر أنه قدر الكوفة فكانت ستة عشر ميلاً وثلثي الميل، وذكر أن فيها خمسين ألف دار للعرب من ربيعة ومضر، وأربعة وعشرين ألف دارٍ لسائر العرب، وستة وثلاثين ألف دارٍ لليمن، قال: أخبرني بذلك سنة أربعٍ وستين ومئتين. مات بشر بدمشق يوم السبت لليلتين خلتا من رجب سنة أربع وخمسين ومئتين. بشر بن أبي عمرو بن العلاء ابن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تيم بنمر بن أد المازني. قدم دمشق مع أبيه حين قدمها. حدث عن أبيه عن الذيال بن حرملة قال: سمعت صعصعة بن صوحان يقول: لما عقد علي بن أبي طالب الألوية أخرج لواء رسول الله ﷺ ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله ﷺ ، فعقده ودعا قيس بن سعد بن عبادة، فدفعه إليه، فاجتمعت الأنصار وأهل بدر، فلما نظروا إلى لواء رسول الله ﷺ بكوا، فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة يقول: " من البسيط " هذا اللواء الذي كان نحف به ... دون النبي وجبريل له مدد ما ضر من كانت الأنصار عيبته ... أن لا يكون له من غيرهم عضد

стр. 1681

وبسنده عنه أيضاً قال: جاء أعرابيٌّ إلى علي بن أبي طالب فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، كيف نقرأ هذا الحرف: لا يأكله إلا الخاطون؟ كلٌّ والله يخطو؟ قال: فتبسم عليٌّ وقال: يا أعرابي " لا يأكله إلا الخاطئون " قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان الله ليسلم عبده. ثم التفت عليٌّ إلى أبي الأسود فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة، فضع للناس شيئاً يستدلون به على صلاح ألسنتهم. فرسم لها الرفع والنصب والخفض. بشر بن عون أبو عون القرشي الجوبري الدمشقي، من باب الجابية، وقيل: من قرية تدعى جوبر. حدث عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " القتال قتالان: قتال المشركين حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله؛ فإذا فاءت أعطيت العدل ". وحدث عن بكار، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع الليثي، عن رسول الله ﷺ قال: " مثل الجمعة مثل قومٍ غشوا ملكاً، فنحر لهم الجزور، ثم جاء قومٌ فذبح لهم البقر، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الغنم، ثم جاء قومٌ فذبح لهم النعام، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الوز، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الدجاج، ثم جاء قومٌ فذبح لهم العصافير ".

стр. 1682

بشر بن العلاء بن زبر أخو عبد الله وبشر هو الأكبر منهما. قال بشر: سمعت حزام بن حكيم يحدث عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، ذهب بالأجور أصحاب الدثور؛ نصلي ويصلون، ونصوم ويصومون، ولهم فضول أموالٍ يتصدقون بها وليس لنا ما نتصدق، فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا ذر! ألا أعلمك كلماتٍ تقولهن تلحق من سبقك ولا يدركك إلا من أخذ بعلمك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: " تكبر دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتسبح ثلاثاً وثلاثين - يعني - وتحمد ثلاثاً وثلاثين، وتختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ". فأخبر الآخرون بذلك، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنهم قد قالوا مثل ما قلنا! فقال رسول الله ﷺ : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وعلى كل نفسٍ في كل يومٍ صدقة، فضل بصرك للمنقوص بصره صدقة، وفضل سمعك للمنقوص سمعه صدقة، وفضل شدة ذراعيك للضعيف لك صدقة، وفضل شدة ساقيك للملهوف صدقة، وإرشادك الضال صدقة، وإرشادك سائلاً أين فلانٌ فأرشدته لك صدقة، ورفعك العظام والحجر عن طريق المسلمين لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر لك صدقة، ومباضعتك أهلك صدقة ". بشر بن قيس التغلبي والد قيس بن بشر، من أهل قنسرين، جالس أبا الدرداء بدمشق، فسمع منه ومن معاوية بن أبي سفيان وغيرهم. حدث بشر بن قيس قال: كان بدمشق رجلٌ يقال له ابن الحنظلية، متوحداً لا يكاد يكلم أحداً، إنما هو في

стр. 1683

صلاة، فإذا فرغ يسبح ويكبر ويهلل حتى يرجع إلى أهله. قال: فمر علينا ذات يوم ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة منك تنفعنا ولا تضرك؟ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فلما قدمنا جلس رجلٌ منهم في مجلسٍ فيه رسول الله ﷺ وقال: يا فلان لو رأيت فلاناً طعن ثم قال: خذها وأنا الغلام الغفاري، فما ترى؟ قال: ما أراه إلا قد حبط أجره. قال: فتكلموا في ذلك حتى سمع النبي ﷺ أصواتهم فقال: " بل يحمد ويؤجر ". قال: فسر بذلك أبو الدرداء حتى هم أن يجثو على ركبتيه، فقال: أنت سمعته مراراً؟ قال: نعم، قال: ثم مر علينا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نعم الرجل خريم الأسدي، لو قص شعره وشمر إزاره ". فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرةً فقص من جمته ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. قال: فدخلت على معاوية، فرأيت رجلاً معه على السرير، شعره فوق أذنيه، مؤتزراً إلى أنصاف ساقيه. قلت: من هذا؟ قالوا: خريم الأسدي. قال: ثم مر علينا يوماً آخر فقال أبو الدرداء: كلمة منك تنفعنا ولا تضرك؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله ﷺ فقال لنا: " إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم ولباسكم، حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ". بشر بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو مراون الأموي القرشي، أخو عبد الملك وعبد العزيز ومحمد. ولاه أخوه عبد الملك المصرين: الكوفة والبصرة. وكان كريماً ممدحاً. وداره بدمشق بعقبة الصوف، وإليه ينسب دير بشر الذي عند حجيرا. وأمه قطية بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنة أبي براء بن مالك بن جعفر بن كلاب. وقطية بضم القاف وفتح الطاء وتشديد الياء باثنتين من تحتها.

стр. 1684

قال الأصمعي: أنشدت يونس بن حبيب يوماً: " من البسيط " إن الرياح لتمسي وهي فاترةٌ ... وجود كفك قد يمسي وما فترا فقال لي يونس: من يقول هذا؟ قلت: الفرزدق، قال: ويك! فيمن؟ قلت: في بشر بن مروان، فقال: قد كان - والله - الفرزدق من مداحي العرب. كان بشر بن مروان بن الحكم إذا ضرب البعث على أحدٍ من جنده، ثم وجده قد أخل بمركزه، أقامه على كرسي، ثم سمر يديه في الحائط، ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه، فلا يزال يتشحط حتى يموت. وإنه ضرب البعث على رجلٍ حديث عهدٍ بعرس ابنة عمه، فلما صار في مركزه كتب إلى ابنة عمه كتاباً ثم كتب في أسفله: " من البسيط " لولا مخافة بشرٍ أو عقوبته ... وأن يرى حاسدٌ كفي بمسمار إذاً لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوار فورد الكتاب على ابنة عمه، فأجابته وكتبت في أسفله: ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في فجوة النار بل المحب الذي لا شيء يفزعه ... أو يستقر ومن يهواه في الدار فلما قرأ كتابها قال: لا خير في الحياة بعدها، فأقبل حتى دخل المدينة، فأتى بشر بن مروان في وقت غذائه، فلما فرغ من غذائه أدخل عليه، فقال: ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك، أما سمعت نداءنا وإيعادنا!؟ فقال له: اسمع عذري، فإما عفوت وإما عاقبت، قال: ويلك وهل لمثلك من عذر! فقص عليه قصته وقصة ابنة عمه، فقال: أولى لك، ثم قال: يا غلام حط اسمه من البعث، وأعطه عشرة آلاف درهم. الحق بابنة عمك.

стр. 1685

وعن حصين قال: كنت مع عمارة صاحب رسول الله ﷺ في يوم عيد مع بشر بن مروان، قال: فرفع يديه بالدعاء، قال: فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين، لقد رأيت رسول الله ﷺ وما يزيد أن يشير بإصبعه. قال حصين: أول من أذن له في العيد بشر بن مروان. ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير، ودخل الكوفة، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني قد استعملت عليكم رجلاً من أهل بيتٍ لم يزل الله يحسن إليهم في ولايتهم، أمرته بالشدة والغلظة على أهل المعصية، وباللين على أهل الطاعة، فاسمعوا وأطيعوا، وهو بشر بن مروان، وخلفت معه أربعة آلاف من أهل الشام، منهم روح بن زنباع الجذامي، ورجاء بن حيوة الكندي. وكان بشر يشرب باليل وينادم قوماً من أهل الكوفة، فقال لندمائه ليلةً: إن هذا الجذامي يمنعني من أشياء أريد أن أعطيكموها. فقال له رجل مولىً لبني تميم: أنا أكفيكه. فكتب على باب القصر ليلاً: " من البسيط " إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع إن الدنانير لا تغني مكانكم ... إذا نعاك لأهل الرملة الناعي فلما أصبحوا قرأ ذلك الناس، فبلغ ذلك روحاً؛ فجاء إلى بشر فقال: ائذن لي فإن أهل العراق أصحاب توثب، فجعل بشر يتمنع عليه وهو يشتهي أن يخرج، فأذن له. فلما قدم على عبد الملك جعل يخبره عن أهل العراق فيقول له عبد الملك: هذا من جبنك يا أبا زرعة، فاستخلف عبد الملك على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن العيص بن أمية، ثم عزله وولى بشر بن مروان البصرة مع الكوفة؛ فأتاه الكتاب بولاية البصرة وهو يشرب الدواء الكبير، فقال له الأطباء: إن هذا دواء نريد أن تودع نفسك بعده،
следующие страницы →