← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله ". توفي بكير بن معروف سنة ثلاثٍ وستين ومائة. بلعم ويقال بلعام بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن أوبر، ويقال: ابن باعر بن شتوم بن قرشيم بن ماب بن لوط بن حران بن آزر. كان يسكن قرية من قرى البلقاء، وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه. له ذكر في القرآن. قال قتادة في قوله تعالى: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " قيل: بلعم، وقيل أمية بن أبي الصلت. وقال الكلبي: " ولكنه أخلد إلى الأرض " قال: مال إلى الدنيا وركن إليها، فمثله " كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " فذلك الكافر هو ضالٌّ وعظته أو لم تعظه. وقال كعب الأحبار: هو بلعم، وكان رجلاً من أهل البلقاء، وكان بلغه اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وكان من الجبابرة الذين كانوا ببيت المقدس. وقال ابن عباس: في قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " قال:

стр. 1717

هو رجلٌ كان في بني إسرائيل أعطي ثلاث دعواتٍ يستجاب له فيهن ما يدعو به، وكانت له امرأة، له منها ولد، وكانت سمجةً دميمة، قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأةٍ من بني إسرائيل؛ فدعا الله لها، فلما علمت أن ليس في بني إسرائيل مثلها رغبت عن زوجها وأرادت غيره؛ فلما رغبت عنه دعا الله أن يجعلها كلبةً نباحة؛ فذهبت منه فيها دعوتان؛ فجاء بنوها وقالوا: ليس بنا على هذا صبر! أن صارت أمنا كلبةً نباحة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها أولاً؛ فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث، فسميت البسوس. فقيل: أشأم من البسوس. قال أبو الفرج: المشهور عند أهل السير والأخبار أن البسوس التي يقال من أجلها: أشأم من البسوس: الناقة التي جرى فيما جرى من أمرها حرب داحس والغبراء. والمعروف من قول أهل التأويل أن قوله : " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " عنى به بلعم بن باعوراء الذي دعا للجبارين على موسى وبني إسرائيل. وقال بعضهم نزلت في أمية بن أبي الصلت. قال مقاتل بن سليمان: سمعت من حدثني عن كعب الحبر، وعن جماعة من الرواة، كلهم عن بلعم بن باعوراء. وزاد بعضهم على بعض قالوا: إن بلعم بن باعوراء كان ينزل قريةً من قرى البلقاء - وفي رواية يقال لها بالعة - وكان يحسن اسم الله الأعظم، وكان متمسكاً بالدين، وإن موسى لما نزل أرض كنعان من الشام بين أريحا وبين الأردن، وجبل البلقاء والتيه، فيما بين هذه المواضع، قال: فأرسل إليه بالق الملك فقال: إنا قد رهبنا من هؤلاء القوم - يعني موسى بن عمران - وإنه قد جاز البحر ليخرجنا من بلادنا وينزلها بني إسرائيل، ونحن قومك وليس لك بقاءٌ بعدنا، ولا خير لك في الحياة بعدنا، وأنت رجلٌ مجاب الدعوة فاخرج فادع عليهم، فقال بلعم: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو الله عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم! وإني لا أدخل في شيء من أموركم فاعذروني. فقالوا له: ما لنا من متركٍ في هذه الحال. فلم يزالوا يترفقون به ويتضرعون إليه، قال بعضهم وكانت له امرأةٌ يحبها ويطيعها

стр. 1718

وينقاد لها فدسوا لها هدايا فقبلتها، ثم أتوها فقالوا لها: قد نزل بنا ما ترين، فيجب أن تكلمي بلعام فإنه مجاب الدعوة فيدعو الله فإنه لا خير فيه بعدنا. فقالت له: إن لهؤلاء القوم حقاً وجواراً وحرمة، وليس مثلك أسلم جيرانه عند الشدائد، وقد كانوا مجملين في أمرك وأنت جديرٌ أن تكافئهم وتهتم بأمرهم! فقال لها: لولا أني أعلم أن هذا الأمر من الله لأجبتهم. فقالت: انظر في أمورهم ولينفعهم جوارك. فلم تزل به حتى ضل وغوى، وكان الله عزم له في أول أمره على الرشد ففتنته فافتتن، فركب حمارة فوجهها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، فلما سار غير بعيد ربضت به حمارته فنزل عنها فضربها حتى أذلقها، فقامت فلم تسر إلا قليلاً حتى ربضت، ففعل بها بمثل ذلك، فقامت فلم تسر إلا قليلاً حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فقامت فأذن لها فكلمته فقالت: يا بلعم أني مأمورة فلا تظلمني، فقال لها: ومن أمرك؟ قالت: الله أمرني، انظر إلى ما بين يديك، ألا ترى إلى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا يقولون: أتذهبين إلى نبي الله والمؤمنين يدعو عليهم بلعم؟! فقال بعضهم: إن الحمارة قالت: ألا ترى الوادي أمامي قد اضطرم ناراً؟ قال: فخلى سبيلها ثم انطلق حتى أشرف على رأس جبلٍ مطلٍّ على بني إسرائيل، فجعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشيءٍ من سوء إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله لسانه إلى بني إسرائيل، وجعل يترحم على بني إسرائيل ويصلي على موسى، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، فقال: هذا ما لا أملك وهذا شيءٌ قد غلب الله عليه. وأدلع لسانه. فقيل: إنه جاءته لمعةٌ فذهبت ببصره فعمي، فقال لهم: قد ذهبت الدنيا والآخرة مني، ولم يبق إلا المكر والحيلة، وليس إليهم سبيل، وسأمكر لكم وأحتال لهم: اعلموا أنهم قومٌ إذا أذنب مذنبهم ولم تغير عامتهم عمهم البلاء. فقالوا له: كيف لنا بشيء يدخل عليهم منه ذنب يعمهم من أجله العذاب؟ قال: تدسون في عسكرهم النساء، فإني لا أعلم أوشك صرعةً للرجل من المرأة؛ فانظروا نساءً لهن جمال، فأعطوهن

стр. 1719

السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر تبيعها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأةٌ نفسها من رجلٍ إذا أرادها، فإنهم إن زنى منهم رجلٌ كفيتموهم؛ ففعلوا ذلك، فلما دخل النساء العسكر مرت امرأةٌ من الكنعانيين إسمها كبسى بنة صوريا برأس سبط بن شمعون بن يعقوب وهو زمري بن شولوا فقام إليها فأخذ بيدها حتى أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى فقال: إني لأظنك يا موسى ستقول هذا حرامٌ عليك! فقال موسى: أجل إنها حرام فلا تقربها، فقال: والله لا أطيعك في هذا؛ ثم دخل بها قبته فوقع عليها. فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، وهو صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أوتي بسطةً في الخلق وقوةً في البطش، وكان غائباً حين صنع زمري بن شولوا ما صنع؛ فجاء والطاعون قد وقع في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت حربته من حديد كلها، فدخل عيلهما القبة وهما مضطجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما وقد رفعهما إلى السماء بحربته قد أخذها بذراعيه واعتمد بمرفقيه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته فجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن عصاك. فرفع الله الطاعون بينهم. فحسب من هلك في الطاعون سبعون ألفاً من بني إسرائيل. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحةٍ يذبحونها القبة والذراع واللحي لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعيه وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من أموالهم وأنفسهم لأنك كان البكر من ولد هارون. وقال بعض الرواة: إن بلعم أخذ أسيراً فأتي به موسى - على نبينا وعليه الصلاة السلام - فقتله. وهكذا كانت سنتهم، وفيه نزلت " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " إلى قوله " لعلهم

стр. 1720

يتفكرون " فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر السماء. وروي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال، إن كان قاله: كان مثل بلعم بن باعوراء في بني إسرائيل كمثل أمية بن أبي الصلت في هذه الأمة. بنان بن حازم أبو عبد السلام حدث ببعلبك عن ثور بن يزيد عن مدرك بم عبد الله الكلاعي عن كعب قال: إن خيار هذه الأمة خيار الأولين والآخرين، إن من هذه الأمة رجالاً إن أحدهم ليخر ساجداً لا يرفع رأسه حتى يغفر الله لمن خلفه فضلاً عنه. وكان كعب يتحرى الصفوف المؤخرة رجاء أن يكون من أولئك. بندار بن عبد الله الهمذاني الصوفي حدث بدمشق عن أبي الحسن عبد العزيز بن داود بسنده، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا ينز ع العلم من الناس بعد أن يعطيهم إياه، ولكن يذهب بالعلماء، كلما ذهب بعالم أذهب ما معه من العلم، حتى يبقى من لا يعلم فيضلوا ". وفي رواية " فيضلوا ويضلوا ". بندار بن عمر بن محمد بن أحمد أبو سعيد التميمي الروياني. قدم دمشق وحدث بها وبغيرها. حدث عن أبي محمد عبد الله بن جعفر الخبازي بسنده، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : " خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة: أول ليلةٍ من رجب؛ وليلة النصف من شعبان؛ وليلة الجمعة؛ وليلة الفطر؛ وليلة النحر ".

стр. 1721

بلال بن جرير بن عطية ابن الخطفى، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة التميمي اليربوعي الكلبي، من البصرة، شاعر بن شاعر. وفد على بعض خلفاء بني أمية. ولي بلال السعاية على تيم والرباب، فمر بمنازل بني تيم بن عبد مناة بن أد، فلبس النساء بتوتهن، ورفعن سجوفهن، وتزين جهدهن وقلن: مرحباً بابن جرير، انزل فلك ما شئت من شواءٍ وأقطٍ وتمرٍ وسمن، فأما الطحين فطار فلا طحين، يردن بذلك ما قال فيهن جرير: إذا أخذت تيميةٌ هادي الرحا ... تنفس قنباها فطار طحينها قال: فاستحيا بلال فعدل عنهن وبه حاجةٌ إلى النزول عندهن. بلال بن الحارث بن عكم ابن سعد بن قرة بن مازن بن خلاوة بن ثعلبة بن ثور، ويقال: بلال ابن الحارث بن عصم بن سعيد، أبو عبد الرحمن المزني. صاحب رسول الله ﷺ ، من أهل بادية المدينة. شهد الفتح، وكان يحمل أحد ألوية مزينة، وكان فيمن غزا دومة الجندل مع خالد بن الوليد. حدث بلال بن الحارث المزني عن النبي ﷺ قال: " إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة؛ وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها من سخطه إلى يوم يلقاه ".

стр. 1722

وحدث علقمة بن وقاص الليثي أن بلال بن الحارث المزني قال له: إني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء وتغشاهم، فانظر ماذا تحاضرهم به، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير، ما يعلم مبلغها، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، فيكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه ". فكان علقمة يقول: رب حديثٍ قد حال بيني وبينه ما سمعت من بلال. وحدث علقمة أيضاً قال: أقبلت راكباً وناداني بلال بن الحارث المزني، فوقفت له حتى جاءني فقال: يا علقمة إنك أصبحت اليوم وجهاً من وجه المهاجرين، وإنك تدخل على هذا الإنسان - يعني مروان - وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يكون بعدي أمراء، من دخل عليهم فليقل حقاً، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة يرضي بها السلطان فيهوي بها أبعد من السماء ". توفي بلال سنة ستين في أواخر أيام معاوية وهو ابن ثمانين سنة. ويقال: إن بلال بن الحارث أول من قدم من مزينة على النبي ﷺ في رجالٍ من مزينة في رجب سنة خمسٍ من الهجرة. وقدم بلال بن الحارث مصر لغزو إفريقية سنة سبعٍ وعشرين. وكانت مزينة في غزو إفريقية أربع مائة، كان لواؤهم على حدة يحمله بلال بن الحارث. قال الواقدي: سمعنا أن بلال بن الحارث أول من قدم من وفد مزينة في رجب سنة خمس، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً لا يصلحه غيري، فإنا كان الإسلام لا يكون إلا لمن هاجر بعنا أموالنا ثم هاجرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : " حيث ما كنتم اتقيتم الله لم يلتكم من أعمالكم شيئاً ". وكان رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث معادن القبيلة جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم. وكتب له النبي ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبيلة جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ".

стр. 1723

الغوري: ما كان من بلاد تهامة، والجلسي: ما كان من أرض نجد. قال عبد الله بن أبي بكر: جاء بلال بن الحارث المزني رسول الله ﷺ فاستقطعه أرضاً، فقطعها له طويلةً عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال إنك استقطعت رسول الله ﷺ أرضاً عريضةً طويلةً فقطعها لك، وإن رسول الله ﷺ لم يكن يمنع شيئاً يسأله، وإنك لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل، قال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله، شيءٌ أقطعنيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لتفعلنّ. فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين. بلال بن رباح أبو عبد الكريم ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو الحبشي. مولى أبي بكر الصديق، وهو ابن حمامة وهي أمه، مؤذن رسول الله ﷺ ، من المهاجرين الأولين الذين عذبوا في الله . سكن دمشق ومات بها سنة عشرين ابن بضعٍ وتسعين. حدث بلال قال: رأيت النبي ﷺ توضأ ومسح على الخفين والخمار. وروى أبو بكر الصديق عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ : " أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر ".

стр. 1724

شهد بلالٌ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ولم يعقب. وكان مولدا من مولدي بني جمح، اشتراه أبو بكر الصديق ﵁، فأعتقه. قال الوضين بن عطاء: إن رسول الله ﷺ وأبا بكر اعتزلا في الغار، فبينما هما كذلك إذ مر بهما بلال وهو في غنم عبد الله بن جدعان، وبلال مولد من مولدي مكة، قال: وكان لعبد الله بمكة مائة مملوكٍ مولد؛ فلما بعث الله نبيه ﷺ أمر بهم فأخرجوا من مكة إلا بلالاً يرعى عليه غنمه تلك؛ فأطلع رسول الله ﷺ رأسه من ذلك الغار فقال: " يا راعي، هل من لبن؟ " فقال بلال: ما لي إلا شاةٌ منها قوتي، فإن شئتما آثرتكما بلبنها اليوم، فقال رسول الله ﷺ : إيت بها. فجاء بها، فدعا رسول الله ﷺ بقعبه، فاعتقلها رسول الله ﷺ فحلب في القعب حتى ملأه، فشرب حتى روي، ثم حلب حتى ملأه، فسقى أبا بكر، ثم احتلب حتى ملأه فسقى بلالاً حتى روي، ثم أرسلها وهي أحفل ما كانت، ثم قال: " يا غلام، هل لك في الإسلام؟ فإني رسول الله ﷺ ". فأسلم، وقال: " أكتم إسلامك ". ففعل وانصرف بغنمه، وبات بها وقد أضعف لبنها، فقال له أهله: لقد رعيت مرعىً طيباً فعليك به، فعاد إليه ثلاثة أيام يستقيهما ويتعلم الإسلام، حتى إذا كان اليوم الرابع، فمر أبو جهل بأهل عبد الله بن جدعان فقال: إني أرى غنمكم قد نمت وكثر لبنها! فقالوا: قد كثر لبنها منذ ثلاثة أيام وما نعرف ذلك منها! فقال: عبدكم ورب الكعبة يعرف مكان ابن أبي كبشة، فامنعوه أن يرعى ذلك المرعى؛ فمنعوه من ذلك المرعى. ودخل رسول الله ﷺ مكة فاختفى في دارٍ عند المروة، وأقام بلالٌ على إسلامه، فدخل يوماً الكعبة وقريشٌ في ظهرها لا يعلم، فالتفت فلم ير أحداً، أتى الأصنام وجعل يبصق عليها ويقول: خاب وخسر من عبدكن فطلبته قريشٌ فهرب حتى دخل دار سيده عبد الله بن جدعان فاختفى فيها، ونادوا عبد الله بن جدعان فخرج فقالوا: أصبوت؟ قال: ومثلي يقال له هذا! فعلي نحر مائة ناقةٍ للات والعزى، قالوا: فإن أسودك صنع كذا وكذا، فدعا

стр. 1725

به، فالتمسوه فوجدوه، فأتوه به فلم يعرفه، فدعا خوليه فقال: من هذا؟ ألم آمرك أن لا يبقى بها أحداً من مولديها إلا أخرجته؟ فقال: كان يرعى غنمك، ولم يكن أحدٌ يعرفها غيره؛ فقال لأبي جهل وأمية بن خلف: شأنكما به فهو لكما، اصنعا به ما أحببتما. فخرجا به إلى البطحاء يبسطانه على رمضائها، ويجعلان رحاً على كتفيه ويقولان: اكفر بمحمد، فيقول: لا، ويوحد الله، فبينما هما كذلك إذ مر بهما أبو بكر، فقال: ما تريدان بهذا الأسود؟ والله ما تبلغان به ثأراً، فقال أمية بن خلف لأصحابه: ألا ألعبنكم بأبي بكر لعبةً ما لعبها أحدٌ بأحد، ثم تضاحك وقال: هو على دينك يا أبا بكر فاشتره منا، فقال: نعم، فقال: أعطني عبدك نسطاساً - ونسطاس عبد لأبي بكر، حداد يؤدي خراجه نصف دينار - فقال أبو بكر: إن فعلت تفعل؟ قال: نعم، قال: فذلك لك، قال: فتضاحك وقال: لا والله حتى تعطين ابنته مع امرأته، قال: إن فعلت تفعل؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، قال: فتضاحك وقال: لا والله حتى تزيدني معه مائتي دينار، قال أبو بكر أنت رجلٌ لا تستحي من الكذب، قال: لا واللات والعزى، لئن أعطيتني لأفعلن، فقال: هي لك، فأخذه. قال زر: قال عبد الله: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب؛ وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد وصفدوهم في الشمس؛ وما منهم أحدٌ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد.

стр. 1726

قال عمرو بن عبسة: أتيت النبي ﷺ فقلت: من تابعك على أمرك؟ قال: " حرٌّ وعبد ". يعني أبا بكر وبلالاً، فكان عمر يقول بعد ذلك: ولقد رأيتني وإني لربع الإسلام. وحدث هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الإسلام وهو يقول: أحدٌ أحد، فيقول ورقة: أحدٌ أحد والله يا بلال! ثم يقبل على من يفعل ذلك به من بني جمح وعلى أمية فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً، يقول: لأتمسحن به. قال عامر: كان موالي بلال يأخذونه فيضجعونه في الشمس ثم يأخذون الحجر فيضعونه على بطنه ويعصرونه ويقولون: دينك اللات والعزى، فيقول: ربي الله، ويقول: أحدٌ أحد، فقال: وايم الله لو أعلم كلمةً هي أغلظ لكم منها لقلتها، قال: فمر أبو بكر الصديق بهم، فقالوا: يا أبا بكر أل تشتري أخاك في دينك؟ قال: بلى، فاشتراه بأربعين أوقية فأعتقه. وفي حديث آخر: أن أبا بكرٍ قال لعباس: اشتر أنت بلالاً، فاشتراه وبعث به إلى أبي بكر فأعتقه؛ فكان يؤذن لرسول الله ﷺ ، فلما مات رسول الله ﷺ أراد أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: بل عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله. قال: فخرج إلى الشام فأقام بها حتى مات. وقيل: إن أبا بكر ﵁ اشتراه بسبع أواقي ثم أعتقه، ثم انطلق إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله اشتريت بلالاً، فقال رسول الله ﷺ : " الشركة يا أبا بكر ". فقال: قد أعتقته

стр. 1727

يا رسول الله، فبلغ أبا بكر أنهم قالوا: اشتراه منا بسبع أواقي، لو أبى إلا أوقية لبعناه إياه. فقال أبو بكر: لو أبوا إلا مائة أوقية لاشتريته بها. قال مسلم بن صبيح: قال أصحاب رسول الله ﷺ لرسول الله ﷺ : إنا قد كثرنا فلوا أمرت كل عشرةٍ منا فبيتوا رجلاً من صناديد قريش ليلاً فأخذوه فقتلوه، فتصبح البلاد لنا؟ فسر النبي ﷺ بذلك حتى رئي في وجهه، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله، أبناؤنا، آباؤنا، إخواننا، فما زال عثمان يردد ذلك حتى ساء رسول الله ﷺ قولهم الأول، ورئي في وجهه حتى رفض ذلك، وأخذنا المشركون حين أمسينا، فما من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ إلا قد أعطى الفتنة غير بلال قال: الأحد الأحد. حدث الأصمعي عن العمري قال: أول من أذن بلال، وأول من ابتنى مسجداً يصلى فيه عمار بن ياسر، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص وأول من تغنى بالحجاز المصطلق أبو خزاعة، وإنما سمي المصطلق لحسن صوته. وفي حديث آخر: وأول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود، وأول من أفشى بمكة القرآن عبد الله بن مسعود، وأول من استشهد من المسلمين يوم بدر مهجع مولى عمر، وأول حيٍّ آلفوا مع رسول الله ﷺ جهينة، وأول حيٍّ أدوا الزكاة طائعين من أنفسهم بنو عذرة بن سعد. وعن خباب بن الأرت في قوله " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " إلى " الظالمين " قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا

стр. 1728

النبي ﷺ قاعداً مع بلال وصهيب وخباب وناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً يعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب ترد عليك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. قال: " نعم ". قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل ﵇ " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيءٍ فتطردهم فتكون من الظالمين " ثم قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: " سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " فدنونا منه يومئذٍ حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد يقوم قام وتركنا، فأنزل الله : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا " قال: تجالس الأشراف " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " قال: عيينة والأقرع " واتبع هواه وكان أمره فرطا " قال: هلاكاً. ثم ضرب لهم مثلاً رجلين كمثل الحياة الدنيا، قال: فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه، وإلا صبر أبداً حتى نقوم. قالت عائشة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: " من الرجز " كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قال: وكان بلال إذا أقلع عنه رفع عقيرته يقول: " من الطويل "

стр. 1729

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها ومدها، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة ". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: إلى علي، وعمار، وبلال ". وعن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا قد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وعليٌ وحسن وحسين وأبو بكر وعمر والمقداد وحذيفة وسلمان وعمار وبلال "، سقط ذكر ابن مسعود وأبي ذر، وهما تمام الأربعة عشر. وعن أبي هريرة قال: قال نبي الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: " يا بلال أخبرني بأرجى عملٍ عملته منفعةً في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة؟ " قال: ما عملت يا رسول الله في الإسلام عملاً أرجى عندي منفعةً من أني لم أتطهر طهوراً تاماً قط في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار إلا صليت بذلك الطهور لربي ما كتب لي أن أصلي. قال بريدة: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالاً فقال: " يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصرٍ من ذهب مربعٍ مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ " قالوا: لرجل من العرب، قلت: " أنا عربي، لمن هذا القصر؟ " قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: " فأنا محمد لمن هذا القصر؟ " قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : " لولا غيرتك يا عمر

стр. 1730

لدخلت القصر ". فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: " بم سبقتني إلى الجنة؟ " قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : " بهذا ". وفي رواية: ولا أذنت قط إلا صليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : " بها ". وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " دخلت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفةً أمامي فقلت: ما هذا يا جبريل؟ " قال: بلال. خشفة: أي صوت. وعن سويد بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ : " حوضي أشرب منه يوم القيامة ومن اتبعني من الأنبياء، ويبعث الله ناقة ثمود لصالح فيحتلبها فيشربها والذين آمنوا معه حتى يوافوا بها الموقف معه ولها رغاء ". قال: فقال له رجلٌ من القوم وأظنه معاذ بن جبل: يا رسول الله وأنت يومئذ على العضباء؟ قال: " لا ابنتي فاطمة على العضباء، وأحشر أنا على البراق فأختص به دون الأنبياء ". قال: ثم نظر إلى بلال فقال: " يحشر هذا على ناقةٍ من نوق الجنة، فيقدمنا بالأذان محضاً، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قالت الأنبياء مثلها: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فمن مقبولٍ منه ومردودٍ عليه "، قال: " فيتلقى بحلة من حلل الجنة، وأول من يكسى يوم القيامة من حلل الجنة بعد الأنبياء الشهداء وصالح المؤذنين ". وفي رواية: " وأول من يكتسي من حلل الجنة بعد النبيين والشهداء بلال وصالح المؤذنين ". وعن ابن عمر أنه قال: أبشر يا بلال، فقال: بم تبشرني يا عبد الله بن عمر؟ فقلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يجيء بلالٌ يوم القيامة معه لواءٌ يتبعه المؤذنون حتى يدخلهم الجنة ".

стр. 1731

وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : " نعم المرء بلال، ولا يتبعه إلا مؤمن، وهو سيد المؤذنين، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة ". وعن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " يحشر المؤذنون يوم القيامة على نوقٍ من نوق الجنة، يقدمهم بلال رافعي أصواتهم بالأذان، ينظر إليهم الجمع، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: مؤذنو أمة محمدٍ ﷺ ، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون ". وعن سليمان بن بريدة قال: دخل بلالٌ على رسول الله ﷺ وهو يتغدى، فقال رسول الله ﷺ : " الغداء يا بلال ". قال: إني صائم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : " نأكل رزقنا، وفضل رزق بلال في الجنة، أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " اتخذوا السودان فإن ثلاثةً منهم من سادات الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي؛ وبلال المؤذن ". قال الطبراني: أراد الحبش. وفي روايةٍ في حديثٍ آخر: " سادة السودان أربعة: لقمان الحبشي؛ والنجاشي؛ وبلال؛ ومهجع ". وعن عائذ بن عمرو، قال: مر أبو سفيان ببلال وسلمان وصهيب فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق هذا بعد مأخذها، فقال أبو بكر الصديق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! فذهب أبو بكرٍ إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ : " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ". قال: فرجع أبو بكر فقال: يا إخوة! لعلكم غضبتم؟ قالوا: يغفر الله لك يا أبا بكر.

стр. 1732

وعن امرأة بلالٍ: أن النبي ﷺ أتاها فسلم فقال: " أثمّ بلال؟ " فقالت: لا، قال: " فلعلك غضبى على بلال؟ " قالت: إنه يجيئني كثيراً فيقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ؛ فقال له رسول الله ﷺ : " ما حدثك عني بلالٌ فقد صدقك بلال، بلال لا يكذب، لا تغضبي بلالاً، فلا يقبل منك عملٌ ما أغضبت بلالاً ". حدث زيد بن أسلم أن بني أبي البكير جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: زوج أختنا فلاناً، فقال لهم: " أين أنتم عن بلال؟ " ثم جاؤوا مرةً أخرى فقالوا: يا رسول الله أنكح أختنا فلاناً، فقال: " أين أنتم عن بلال؟ " ثم جاؤوا الثالثة فقالوا: أنكح أختنا فلاناً، فقال: " أين أنتم عن بلال، أين أنتم عن رجل من أهل الجنة! " قال: فأنكحوه. وعن أبي أمامة قال: عير أبو ذرٍ بلالاً بأنه فقال: يا بن السوداء! وأن بلالاً أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فغضب؛ فجاء أبو ذرٍ ولم يشغر، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فقال: ما أعرضك عني إلا شيءٌ بلغك يا رسول الله، قال: " أنت الذي تعير بلالاً بأمه!؟ " قال النبي ﷺ : " والذي أنزل الكتاب على محمد - أو ما شاء الله أن يحلف - ما لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إلا بعمل، إن أنتم إلا كطف الصاع ". وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " مثل بلال كمثل نحلةٍ عدت، تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله ". وعن بلال قال: مررت على فاطمة - عليها سلام الله - وهي تعالج الرحا، قال: وابنها الحسين يبكي، قال: وحانت الصلاة، قال بلال: فقلت لفاطمة: أيما أعجب إليك؟ أكفيك الرحا أو الصبي؟ فقالت فاطمة: أنا ألطف بصبيي، قال: فأخذت بقية الطحن فطحنته عنها؛

стр. 1733

فأتيت رسول الله ﷺ فقال: " يا بلال ما حبسك؟ " فقلت: يا رسول الله، مررت على فاطمة وهي تعالج الرحا فأعنتها على طحنها، فقال رسول الله ﷺ : " رحمتها رحمك الله ". وعن بلالٍ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا بلال الق الله فقيراً ولا تلقه غنياً ". قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا رزقت فلا تخبأ، وإذا سئلت فلا تمنع ". قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: " هو ذاك وإلا النار ". وعن مجاهد: في وقله : " ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار " قال: يقول أبو جهل: أين بلال أين فلان أين فلان؟ كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار، فلا نراهم في النار! أم هم في مكان لا نراهم فيه؟ أم هم في النار لا يرى مكانهم؟!. وفي رواية: أين عمار، أين بلال؟. وفي رواية عن ابن عباس: " كنا نعدهم من الأشرار " خباباً وبلالاً. قال ابن أبي مليكة: لما كان يوم الفتح رقي بلالٌ فأذن على ظهر الكعبة فقال بعض الناس: يا عبد الله، لهذا العبد الأسود أن يؤذن على ظهر الكعبة! فقال بعضهم: إن يسخط الله يغيره، فأنزل الله جل ذكره: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبيرٌ ".

стр. 1734

وعن أنس قال: أذن بلالٌ بليل، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الأذان، فرقي بلال وهو يقول: " من الرجز " ليت بلالاً ثكلته أمه ... وابتل من نضح دمٍ حبينه يرددها حتى صعد، فلما صعد نادى: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فلما انشق الفجر أعاد الأذان. أذن بلالٌ حياة رسول الله ﷺ ، ثم أذن لأبي بكر حياته، ثم لم يؤذن زمن عمر، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ فقال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا بلال، ليس شيءٌ أفضل من عملك إلا الجهاد في سبيل الله ". فخرج مجاهداً. وعن سعد القرظ قال: خرجت مع النبي ﷺ فرأيت الزنج يتراطنون حين رأوه ليس معه أحد، ولم يدر به الناس، قال: فارتقيت على نخلةٍ فأذنت، قال: فقال رسول الله ﷺ : " ما هذا يا سعد، من أمرك بهذا؟ " قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، إني رأيت الزنج يتراطنون ولم يكن معك أحد، فخفتهم عليك، فأردت أن يعلم أنك قد جئت حتى يجتمع الناس؛ فقال: " أصبت، إذا لم يكن معي بلالٌ فأذن ". قال: وكان النجاشي قد أهدى له عنزتين فأعطى بلالاً واحدة فكان يمشي بها بين يدي رسول الله ﷺ حتى توفي. قال: فجاء بلالٌ إلى أبي بكر الصديق فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أفضل أعمالكم الجهاد في سبيل الله ". وقد أردت الجهاد، فقال له أبو بكر: أسألك بحقي إلا ما صبرت، إنما هو اليوم أو غد حتى أموت؛ فأقامٌ بلالٌ معه يمشي بالعنزة بين يديه حتى توفي أبو بكر، فجاء إلى عمر فقال له كما قال لأبي بكر، فسأله عمر بما سأله أبو بكر، فأبى، فقال: فمن

стр. 1735

يؤذن؟ قال: سعد القرظ، فإنه قد كان أذن بين يدي رسول الله ﷺ ، فأعطاه العنزة، فمشى بين يدي حتى قتل، ثم بين يدي عثمان. وقيل: إن رسول الله ﷺ لما توفي أذن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله انتحب الناس في المسجد، قال: فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر: أذن، فقال: إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له، فقال: ما أعتقتك إلا لله، قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ، قال: فذلك إليك. قال: فأقام حتى خرجت بعوث الشام، فسار معهم حتى انتهى إليها. وعن أبي الدرداء قال: لما دخل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية، سأل بلالٌ أن يقره بالشام، ففعل ذلك، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى بيني وبينه رسول الله؛ فنزل داريا في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم: قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله. فزوجوهما، ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال!. فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله ﷺ في السحر؛ ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر، الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله طح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر، الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازداد رجتها فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله خرج العواتق من خدورهن وقالوا: أبعث رسول الله ﷺ !؟ فما رئي يوم أكثر باكياً ولا باكيةً بالمدينة بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم.

стр. 1736

وعن جابر قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ذكر عمر بن الخطاب ذات يوم أبا بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنةٌ من حسنات أبي بكر. وعن سالم: أن شاعراً امتدح بلال بن عبد الله بن عمر فقال في شعره: " من الطويل " بلال بن عبد الله خير بلال فقال له ابن عمر: كذبت، بل بلال رسول الله ﷺ خير بلال. وعن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه يقال له سفينة بكتابٍ إلى معاذ، إلى اليمن؛ فلما صار في الطريق إذا هو بالسبع رابضٌ في وسط الطريق، فخاف أن يجوز فيقوم إليه فقال: أيها السبع إني رسول رسول الله ﷺ إلى معاذ، وهذا كتاب رسول الله ﷺ إلى معاذ. قال: فقام السبع فهرول قدامه غلوةٌ ثم همهم، ثم صرخ ثم تنحى عن الطريق؛ فمضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى معاذ، ثم رجع بالجواب، فإذا هو بالسبع، فخاف أن يجوز فقال: أيها السبع إني رسول رسول الله ﷺ إلى معاذ، وهذا جواب كتاب رسول الله ﷺ إلى معاذ، فقام السبع فصرخ ثم همهم ثم تنحى عن الطريق؛ فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " وتدرون ما قال أول مرة؟ قال: كيف رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ وأما الثانية فقال: أقرئ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وسلمان وصهيباً وبلالاً مني السلام ". روى الأوزاعي: أن بلالاً أتى عمر بن الخطاب فقال: الصلاة، فرددها عليه، فقال له

стр. 1737

عمر: نحن أعلم بالوقت منك، قال له بلال: لأنا أعلم بالوقت منك، إذ أنت أضل من حمار أهلك. وحدث ابن مراهن قال: كان أناس يأتون بلالاً فيذكرون فضله وما قسم الله له من الخير، فكان يقول: إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبداً. وعن قيس قال: بلغ بلالاً أن ناساً يفضلونه على أبي بكر فقال: كيف تفضلوني عليه وإنما أنا حسنة من حسناته. حدث من رأى بلالاً قال: كان بلال رجلاً آدم، شديد الأدمة، نحيفاً طوالاً، أجنأ له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمطٌ كثير، وكان لا يغير. حدث سعيد بن عبد العزيز قال: قال بلال حين حضرته الوفاة: " من الهزج " غداً نلقى الأحبه ... محمداً وحزبه قال: تقول امرأته: واويلاه! قال: يقول هو: وافرحاه!. وكان سعيد بن طلحة من ولد أبي بكر يقول: كان بلال ترب أبي بكر، فكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين أو أقل.

стр. 1738

بلال بن سعد بن تميم أبو عمرو ويقال أبو زرعة السكوني. إمام الجامع بدمشق، كان أحد الزهاد، له كلامٌ كثير في المواعظ، وليس له عقب. قال أبو مسهر: كان بلال بن سعدٍ بالشام مثل الحسن البصري بالعراق، فكان قارئ الشام، وكان جهير الصوت. حدث بلال بن سعد عن أبيه قال: قلنا يا رسول الله ما للخليفة بعدك؟ قال: " مثل الذي لي ما رحم وأقسط في القسط، وعدل في القسم ". قال الأصمعي: كان بلال بن سعد يصلي الليل أجمع، فكان إذا غلبه النوم في الشتاء - وكان في داره بركة ماء - فيجيء فيطرح نفسه مع ثيابه في الماء حتى ينفر عنه النوم. فعوتب في ذلك، قال: ماء البركة في الدنيا خيرٌ من صديد جهنم. قال الأوزاعي: كان بلال بن سعد من العبادة على شيء لم يسمع بأحدٍ من الأمة قوي عليه؛ كان له في كل يوم وليلة ألف ركعة. قال أبو عمرو: سمعت بلال بن سعد يقول في مواعظه: والله لكفى به ذنباً أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، زاهدكم راغب، وعالمكم جاهل، ومجتهدكم مقصر. قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله، خيرٌ لك من أخٍ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.

стр. 1739

وكان يقول: لا تكن ولياً لله في العلانية وعدوه في السر. وكان يقول: لا تكن ذا وجهين وذا لسانين، فتظهر للناس أنك تخشى الله فيحمدوك وقلبك فاجر. وكان يقول: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة. وكان يقول: أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دارٍ إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى جنةٍ أو نار. وكان يقول في موعظته: عباد الرحمن، اعلموا أنكم تعملون في أيامٍ قصار لأيام طوال، في دار زوال لدار مقام، ودار حزنٍ ونصب، لدار نعيمٍ وخلد، ومن لم يعمل في اليقين فلا يتعبنّ. وكان يقول: عباد الرحمن، أشفقوا من الله واحذروا، ولا تأمنوا مكر الله ولا تقنطوا من رحمة الله، واعلموا أن لنعم الله عندكم ثمناً، فلا تشبهوا على أنفسكم تعملون عملاً لله لثواب الدنيا، ومن كان كذلك فوالله لقد رضي بقليل حيث استغنيتم باليسير من عرض الدنيا، ولم ترضوا ربكم فيها، ورفضتم ما يبقى لكم، وكفاكم منه يسير. وكان يقول: عباد الرحمن، أما ما وكلكم الله به فتطيعون، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبون! ما هكذا نعت الله عباده الموقنين؛ ذوو عقولٍ في طلب الدنيا وبلهٌ عما خلقتم له! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عذاب الله بما تنتهكون من معاصي الله.

стр. 1740

وكان يقول: من سبقك إلى الود فقد استرقك بالشكر. وكان يقول: من سبق إحسانه إليك فقد استرقك شكره. قال بلال بن سعد: لما حضرت أبي الوفاة قال: اجمع لي بنيك، فألبستهم ثياباً بيضاً ثم جئت بهم، فقال: اللهم إني أعيذهم بك من الكفر، ومن ضلالة العمل، ومن السباء والفقر إلى بني آدم. وكان بلال يقول: لا تنظر إلى صغر خطيئتك، ولكن انظر إلى من عصيته. قال سعيد بن عبد العزيز: رمي بلال بن سعد بالقدر، فأصبح فتكلم في قصصه فقال: رب مسرور مغبون، والويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ويشرب وقد حق عليه في علم الله أنه من أهل النار. بلال بن أبي بردة عامر بن عبد الله أبي موسى بن قيس، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله الأشعري البصري. ولي إمرة البصرة. حدث عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من مسلمين تواجها بسيفهما فقتل أحدهما الآخر إلا دخلا النار جميعاً ". فقيل له: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه أراد قتل صاحبه ". وحدث أيضاً عن أبيه عن جده أبي موسى الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ما من وصبٍ يصيب العبد في دار الدنيا، ولا نكبة، ولا ما يصيبه في دار الدنيا إلا كان كفارةً لذنبٍ قد سلف منه، ولم يكن الله ليعود في ذنبٍ قد عاقب منه ". جاء رجلٌ إلى بلال بن أبي بردة، فسعى برجل؛ فقال لصاحب شرطته: سل عنه،

стр. 1741

فسأل عنه فقال: أصلح الله الأمير، إنه ليقال فيه، فقال: الله أكبر، حدثني أبي عن جدي أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يسعى بالناس إلا ولد زنى ". قال جويرة بن أسماء: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وفد عليه بلال بن أبي بردة فهنأه، فقال: من كانت الخلافة - يا أمير المؤمنين - شرفته فقد شرفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، وأنت - والله - كما قال مالك بن أسماء: " من الخفيف " وتزيدين طيب الطيب طيباً ... إن تمسيه أين مثلك أينا وإذا الدر زان حسن وجوهٍ ... كان للدر حسن وجهك زينا فجزاه عمر خيراً؛ ولزم بلالٌ المسجد يصلي، ويقرأ ليله ونهاره؛ فهم عمر أن يوليه العراق، ثم قال: هذا رجل له فضل، فدس إليه ثقةً له فقال له: إن عملت لك في ولاية العراق ما تعطيني؟ فضمن له مالاً جليلاً؛ فأخبر بذلك عمر، فنفاه وأخرجه وقال: يا أهل العراق إن صاحبكم أعطى مقولاً ولم يعط معقولاً، وزادت بلاغته ونقصت رادته. وكان بلال بن أبي بردة يقول: يا معشر الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون. وقال بلال بن أبي بردة: رأيت عيش الدنيا في ثلاثة: امرأة تسرك إذا نظرت إليها، وتحفظ غيبك إذا غبت عنها؛ ومملوكٌ لا تهتم بشيءٍ معه وقد كفاك جميع ما ينوبك، فهو يعمل على ما تهوى، كان قد علم ما في نفسك؛ وصديقٌ قد وضع مؤنة الحفظ عنك فيما بينك وبينه، فهو لا يتحفظ في صداقتك ما يرصد به عداوتك، يخبرك بما في نفسه، وتخبره بما في نفسك. دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة فقال له: يا أبا يحيى ادع الله لي، فقال له: ما ينفعك دعائي لك وعلى بابك أكثر من مائتين يدعون عليك!.

стр. 1742

قال محمد بن واسع: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له: يا بلال إن أباك حدثني عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حقاً على الله أن يسكنه كل جبار ". وإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه. قال المدائني: أرسل بلال إلى قصابٍ في جواره في السحر، قال: فدخلت عليه وبين يديه كانون، وفي صحن الدار تيسٌ ضخم، فقال: أخرج الكانون واذبح التيس واسلخه وكبب لحمه، ففعلت، ودعا بخوانٍ فوضع بين يديه، وجعلت أكبب اللحم، فإذا استوى منه شيء وضعته بين يديه يأكله حتى تعرقت له لحم التيس، فلم يبق إلا بطنه وعظامه، وبقيت بضعةٌ على الكانون فقال لي: كلها، فأكلتها، وجاءت جارية بقدر فيها دجاجتان وناهضتان، ومعه صحفةٌ مغطاة لا أدري ما فيها، فقال: ويحك ما في بطني موضع، فضعيها على رأسي، فضحك إلى الجارية وضحكت إليه ورجعت، ثم دعا بشرابٍ فشرب منه خمسة أقداح، وأمر لي منها بقدح فشربته، ثم قال: الحق بأهلك. وكان بلال يخاف الجذام، فوصف السمن يستنقع به، فكان يقعد فيه ثم يبيعه؛ فترك أهل البصرة أكل السمن وشراءه إلا ممن كان يسليه في منزله. وكان بلال موصوفاً بالبخل على الطعام. قال ابن سلام: أمر بلال بن أبي بردة بالتفريق بين رجلٍ وامرأته، فقالت: يا آل أبي موسى، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين، أرادت ما صنع أبو موسى بعليٍّ ومعاوية. قال أبو زيد الأنصاري: دعا ابن أبي بردة أبا علقمة، فلما دخل عليه قال: تدري لم أرسلت إليك؟ قال: لا، قال: لأسخر بك، فقال أبو علقمة: لئن فعلت ذلك لقد سخر أحد الحكمين بصاحبه، فلعنه ابن أبي بردة وأمر بحبسه، فمكث أياماً ثم أخرجه يوم السبت، فلما وقف بين يديه

стр. 1743

قال له: يا أبا علقمة ما هذا الذي في كمك؟ قال: طرف من طرف السجن، قال: أفلا تهب لنا منه؟ قال: هذا يوم لا نأخذ فيه ولا نعطي، فقال له، ما أبردك وأثقلك يا أبا علقمة! قال: أبرد مني وأثقل مني من كانت جدته يهوديةٌ من أهل السواد. وروي: أن بلالاً إنما قتله دهاؤه؛ وذلك أنه قال للسجان: خذ مني مائة ألف درهم وتعلم يوسف أني قد مت، وكان يوسف إذا أخبر عن محبوسٍ أنه قد مات أمر بدفعه إلى أهله، فطمع بلال أن يأمر يوسف بدفعه إلى أهله، قال السجان: كيف تصنع إذا دفعت إلى أهلك؟ قال: لا يسمع لي يوسف بخبرٍ ما دام والياً؛ فأتى السجان يوسف بن عمر فقال له: إن بلالاً قد مات، فقال: أرنيه ميتاً فإني أحب أن أراه ميتاً، فجاء السجان فألقى عليه شيئاً غمه حتى مات، ثم أراه يوسف. بلال بن أبي هريرة الدوسي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، شهد مع معاوية صفين، وجعله على بعض رجالته، وبقي إلى أيام سليمان بن عبد الملك. حدث عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " يخرج الدجال من هاهنا، وأشار نحو المشرق ". وروي عنه أن رسول الله ﷺ أتي بصحفةٍ تفور، فرفع يده منها ثم قال: " إن الله لم يطعمنا ناراً ". بلال بن عويمر أبي الدرداء أبو محمد الأنصاري القاضي ويقال: كان أميراً ببعض الشام، وهو في عداد أهل دمشق. حدث عن أبيه أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " حبك الشيء يعمي ويصم ".

стр. 1744

وحدث أيضاً عن أبيه أبي الدرداء قال: " ما أمكنهم من دمائكم فبما غيرتم من أعمالكم، فإن يك خيراً فواهاً واهاً، وإن يك شراً فآهاً آهاً ". هكذا سمعت من نبيكم ﷺ . قال أبو سليمان الخطابي: قوله: واهاً. إنما يقال ذلك على التمني للخير، قال الشاعر: " من الرجز " واهاً لريا ثم واهاً واها وقوله لآهاً: إنما يقال ذلك في التوجع، قال نابغة بني شيبان: " من الخفيف " أقطع الليل آهةً وحنيناً ... وابتهالاً لله أي ابتهال توفي بلال بن أبي الدرداء في آخر سنة ثلاثٍ وتسعين.

стр. 1745

أسماء النساء على حرف الباء بثينة بنت حبا بن ثعلبة بن الهوذ ابن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة؛ أم عمرو، ويقال: أم الوليد، ويقال: أم عبد الملك، ويقال: أم المسور العذرية، صاحبة جميل بن معمر، وفدت على عبد الملك، ويقال: إن لأبيها حبا صحبة؛ وكان زوجها بنبيه بن الأسود العذري والد سعيد بن الأسود، ويقال: هي بنت خالة جميل. قال محمد بن يزيد المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك، فأحد النظر إليها ثم قال: يا بثينة ما رأى فيك جميل حين قال ما قال؟ قالت: ما رأى الناس فيك حين ولوك الخلافة يا أمير المؤمنين؟ قال: فضحك عبد الملك حتى بدت سنٌ له كان يخفيها، فما ترك لها من حاجةٍ إلا قضاها. قال أبو عثمان المازني: حج عبد الملك بن مروان فنزل بوادي القرى، فدخلت عليه بثينة عليها ثيابٌ من ثياب البادية، وعلى وجهها برقع، فقال: أقسمت عليك إلا نحيت البرقع عن وجهك،

стр. 1746

ففعلت، فإذا وجهٌ ليس ببارع الجمال، وعليه أثر كلفة، قال: ما أراك كما قال جميل: " من الكامل " بيضاء آنسة كأن حديثها ... درٌ تهلّل سلكه منثور ولقد طربت إليك حتى إنني ... لأكاد من طربٍ إليك أطير ما أنت يا بثينة بهذه الصفة! قالت: يا أمير المؤمنين لكنني كنت عنده كذلك، أما سمعت قول ابن أبي ربيعة: " من الرمل " ولقد قالت لأترابٍ لها ... وتعرت ذات يومٍ تبترد أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لا يقتصد فتضاحكن وقد قلن لها ... حسنٌ في كل عينٍ من تود فبرها وقضى حوائجها. كانت عزة كثير وبثينة تتحدثان، فأقبل كثيرٌ نحوهما، فقالت بثينة لعزة: استخفي حتى أولع بكثير، فتوارت، فأتى فسلم، فردت بثينة ﵇ وقالت له: أما آن لك أن تشبب بنا فأنشأ يقول: " من الطويل " رمتني على قربٍ بثنية بعدما ... تولى شبابي وارجحنّ شبابها بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريا لاستهل سحابها قال: فأطلعت عزة رأسها فقال: ولكنما ترمين نفساً مريضةً ... لعزة منها ودها ولبابها قال أدهم التميمي: لقيت كثير عزة في البادية فقال: لقيني جميل بن معمر في هذا الموضع وأنا جاءٍ من عند أبي بثينة صاحبته، فقال: من أين يا كثير؟ فقلت: من عند أبي الحبيبة - يعني

стр. 1747

صاحبته - قال: وأين تريد؟ فقلت: أريد الحبيبة - يعني عزة - فقال: ارجع من حيث جئت. وواعد بثينة، فقلت: لا أقدر، من عندهم جئت وإذا رجعت من ساعتي اتهمني أبوها؛ فقال: لابد، فقلت: متى كان آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون أثواباً لهم، قال: فرجعت، فلما رآني أبو بثينة قال: يا كثير أليس كنت عندنا الآن؟ قلت: بلى ولكن ذكرت أبياتاً قلتها في عزة فأحببت أن أنشدك إياها، قال: وما هي؟ قال: وبثينة في خيمةٍ من وراء خيمته فأنشدته: " من الطويل " فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليّ رسولاً والموكل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة بيدها على الخباء وقالت: اخسأ، اخسأ، فقال أبوها: ما هذا يا بثينة؟ قالت: كلبٌ يأتينا من وراء الرابية إذا نام الناس يؤذينا، قال: فرجعت إلى جميل فقلت: قد وعدتك من وراء الرابية إذا نام الناس. روى بعض أهل العلم لبثينة: " من الطويل " تواعدني قومي بقتلي وقتله ... فقلت اقتلوني واخرجوه من الذنب ولا تتبعوه بعد قتلي أذيةً ... كفى بالذي يلقاه من شدة الحب لما مات جميل بن معمر رثته بثينة بهذين البيتين، وقيل: إنهما لم تقل غيرهما: " من الطويل " وإن سلوي عن جميلٍ لساعةٌ ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ ... إذا مت بأساء الحياة ولينها

стр. 1748

بحرية بنت هانئ بن قبيضة ابن مسعود الشيبانية، امرأة عبيد الله بن عمر، كانت حازمة عاقلة، ووردت معه الشام، وكانت معه بصفين حين قتل. حدثت بحرية بنت هانئ: أنها زوجت نفسها من القعقاع بن شور، وبات عندها ليلةً وجاء أبوها فاستعدى علياً فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم، فأجاز النكاح. حدث يزيد بن يزيد بن جابر أن معاوية دعا عبيد الله بن عمر فقال: إن علياً كما ترى في بكر بن وائل، قد حامت عليه، فهل لك أن تسير في الشهباء قال: نعم، فرجع عبيد الله إلى خبائه فلبس سلاحه ثم إنه فكر وخاف أن يقتل مع معاوية على حاله، فقال له مولى له: فداك أبي إن معاوية إنما يقدمك للموت، إن كان لك الظفر فهو يلي، وإن قتلت استراح منك ومن ذكرك، يقال: ابن عمر بن الخطاب، فأطعني واعتل؛ قال: ويحك قد عرفت ما قلت، فقالت له امرأته بحرية بنت هانئ: ما لي أراك مشمراً؟ قال: أمرني أمير المؤمنين أن أسير في الشهباء، قالت: هو والله مثل التابوت لم يحمله أحدٌ قطٌّ إلا قتل، أنت تقتل وهو الذي يريد معاوية، قال: اسكتي والله لأكثرن من القتل في قومك اليوم، فقالت: لا تقل هذا، خدعك معاوية، وغرك من نفسك، وثقل عليه مكانك، قد أبرم هذا الأمر هو وعمرو بن العاص قبلاليوم فيك، لو كنت مع عليٍّ أو جلست في بيتك كان خيراً لك؛ قد فعل ذلك أخوك وهو خير منك، قال: اسكتي - وهو يبتسم ضاحكاً - لترينّ الأسارى من قومك حول خبائك هذا، قالت: والله لكأني راكبةٌ دابتي إلى قومي أطلب جسدك لأن أورايه؛ إنك مخدوع، إنما تمارس قوماً غلب الرقاب، فيهم الحرون، ينظرونه نظر القوم إلى الهلال، لو أمرهم ترك الطعام والشراب ما ذاقوه؛ قال: أقصري من العذل، فليس لك عندنا طاعة. فرجع عبيد الله إلى معاوية فضم إليه الشهباء، وهم اثنا عشر ألفاً، وضم

стр. 1749

إليه ثمانية آلاف من أهل الشام فيهم ذو الكلاع في حمير؛ فقصدوا يؤمون علياً فلما رأتهم ربيعة جثوا على الركب وشرعوا الرماح، حتى إذا غشوهم ثاروا إليهم واقتتلوا أشد القتال، ليس فيهم إلا الأسل والسيوف؛ وقتل عبيد الله، وقتل ذو الكلاع؛ والذي قتل عبيد الله زياد بن خصفة التيمي، فقال معاوية لامرأة عبيد الله: لو أتيت قومك فكلمتهم في جسد عبيد الله بن عمر؟ فركبت إليهم ومعها من يجيرها، فأتتهم فانتسبت، فقالوا: قد عرفناك، مرحباً بك فما حاجتك؟ قالت: هذا الذي قتلتموه، فأذنوا لي في حمله، فوثب شبابٌ من بكر بن وائل فوضعوه على بغل، وشدوه، وأقبلت امرأته إلى عسكر معاوية، فتلقاها معاوية بسريرٍ فحمله عليه وحفر له وصلى عليه ودفنه ثم جعل يبكي ويقول: قتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم حياً وميتاً، وإن كان الله قد رحمه ووفقه للخير، قال: تقول بحرية وهي تبكي عليه، وبلغها ما يقول معاوية فقالت: أما أنت فقد عجلت له يتم ولده وذهاب نفسه، ثم الخوف عليه لما بعد أعظم الأمر. فبلغ معاوية كلامها فقال لعمرو بن العاص: ألا ترى ما تقول هذه المرأة؟ فأخبره فقال: والله لعجبٌ لك ما تريد أن يقول الناس شيئاً! فوالله لقد قالوا في خير منك ومنا، فلا يقولون فيك أيها الرجل، إن لم تغض عما ترى كنت في نفسك في غم. قال معاوية: هذا والله رأيي الذي ورثت من أبي. برق الأفق المدنية قال دحمان الأشقر: كتب عامل الحجاز إلى عبد الملك بن مروان: إن بالحجاز رجلاً يقال له ابن مسجح، أسود يغني، وقد أفسد رهبان قريش، وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه في نفيه عن الحجاز وأخذ ماله، فنفي، فخرج إلى الشام في صحبة رجلٍ له جوارٍ مغنيات، فكان معه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا من حضر عن أخص الناس بالخليفة؟ فقالوا:

стр. 1750

هؤلاء النفر من قريش وأخصهم بنو عمه؛ فعمد ابن مسجح إلى القرشيين فسلم عليهم وقال لهم: يا فتيان هل فيكم من يضيف رجلاً غريباً من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وكانوا قد تواعدوا أن يذهبوا إلى قينةٍ يقال لها برق الأفق، فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمم فقال: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، فقالوا له: لا، بل تجيء أنت وضيفك، فذهبوا جميعاً إلى بيت القينة؛ فلما أتوا بالغداء قال لهم ابن مسجح: إني رجلٌ أسود، فلعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس ناحية، وقام، فاستحوا منه وبعثوا إليه بما أكل، فلما صاروا إلى الشراب، قال لهم مثل ذلك، ففعلوا به، وأخرجت لهم القينة جاريتين، فجلستا على سريرٍ قد وضع لهما، فغنتا إلى العشاء، ثم دخلتا وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة، وهما معها، فجلست على السرير وجلستا أسفل منها عن يمين السرير وشماله؛ قال ابن مسجح: فتمثلت بهذا البيت: فقلت أشمسٌ أم مصابيح بيعةٍ ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقالت: أيضرب لنا هذا الأسود الأمثال؟! فنظروا إلي نظراً منكراً، ولم يزالوا يسكتونها، ثم غنت صوتاً فقلت: أحسنت والله، فغضب مولاها وقال: هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال لي الرجل الذي أنزلني عليه: قم فانصرف إلى منزلي فقد ثقلت على القوم، فذهبت أقوم، فتذمم القوم مني وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك، فأقمت، وغنت لحناً لي فقلت: أخطأت والله - أي زانية - وأسأت، ثم اندفعت فغنيت الصوت، فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا والله أبو عثمان سعيد بن مسجح، فقلت: إني والله أنا هو، ولا أقيم عندكم، فوثب القرشيون فقال لي: هذا يكون عندي وقال هذا: لا بل يكون عندي، فقلت: لا والله لا أقيم إلا عند سيدكم - يعني الرجل الذي أنزله - وسألوه عما أقدمه؟ فأخبرهم، فقال له صاحب منزله: أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟ قال: لا والله، ولكني أصوغ لحناً على الحداء، قال: فافعل، فصنع لحناً على ألحان الحداء في هذا الشعر: " من مشطور الرجز " إنك يا معاوي المفضل ... إن زلزل الأقوام لم تزلزل

стр. 1751

عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ القرون الميل للحق حتى ينتحوا للأعدل وسمعه الفتى فقال: أحسنت والله، وأجدت، رح معي، فراح معه وجلس على الباب، فلما طابت نفس عبد الملك بعث القرشي بغلامه إليه أن يعلو السور ويرفع صوته بالأبيات، وكان من أحسن الناس صوتاً، ففعل، فلما سمع عبد الملك صوته طرب وقال: من هذا؟ قال الفتى: هذا رجلٌ من أهل الحجاز قدم علينا فأحببت أن تسمع حداءه؛ قال: هاتوه فجاؤوا به، فسمعه من قريب، ثم قال: أتغني غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: فغن، فغناه فازداد طربه واستزاده، ثم قال له: هل تغني الغناء المتقن؟ قال: نعم، قال: عن، فغناه فاهتز عبد الملك طرباً، واستزاده فقال له: إن لك في القوم اسماً كبيراً فمن أنت منهم؟ قال: أنا المظلوم المنفي، المقبوض ماله ابن مسجح، فأمر بالكتاب إلى عامله برد ماله، وألا يعرض له بسوءٍ إذا عاد إلى وطنه. وأمر له بمائة، وسأل القرشي عن خبره؟ فأخبره به، فضحك حتى استغرب، فقال عن الصوت الذي أخطأت فيه الجارية فغناه وهو للحادرة: " من الكامل " بكرت سمية غدوةً فتمتع ... وغدت غدوة مفارقٍ لم يرجع وتعرضت لك فاستبتك بواضحٍ ... صلتٍ كمنتص الغزال الأتلع أسمي ما يدريك كم من فتيةٍ ... باكرت لذتهم بأدكن مترع بكروا علي بسحرةٍ فصحبتهم ... من عاتقٍ كدم الذبيح مشعشع فطرب عبد الملك ورمى إليه بمطرفٍ كان عليه وقال له: كن مع الحرس مادمت مقيماً حتى نأنس بصوتك، ففعل، وتوسل مولى برق الأفق إليه بصاحب منزله حتى وصل إليه فوصله صلةً سنية، وأخذت جاريته عنه فأكثرت وانصرفت.

стр. 1752

بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل وفي نسبها اختلاف، ملكة سبأ. قيل: إنها ملكت اليمن تسع سنين، ثم كانت خليفةً عليها من قبل سليمان بن داود أربع سنين. قال مسلمة بن عبد الله بن ربعي: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان بن داود ومهرها باعلبك. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أحد أبوي بلقيس كان جنياً ". سئل الحسن عن ملكة سبأ، وقالوا: إن أحد أبويها جني؟ فقال الحسن: لا يتوالدون؛ أي إن المرأة من الإنس لا تلد من الجن. قال مجاهد: كان تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف. وعن مجاهد: إن ذا القرنين ملك الأرض إلا بلقيس صاحبة مأرب، وإن ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقاتل أهلها؛ فأخبرت بلقيس بذلك، فبعثت رسولاً يصور لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين، ثم جعلت كل يومٍ تطعم المساكين فتجمعهم، فجاءها رسولها بصورته، فجعلت

стр. 1753

إحدى صورتيه على باب بيتها، والأخرى على باب الأصطوان، فكانت تطعم المساكين كل يوم، فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين، فدخل مدينتها، ثم جلس المساكين إلى طعامها، فلما خرجوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنين فنظرت إلى صورته فعرفته فقالت: احبسوا هذا، فقال لها: لمَ حبستني فإنما أنا مسكين من المساكين؟ قالت: أنت ذو القرنين وهذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني أو تكتب أماناً بملكي أو أضرب عنقك؛ فلما رأى ذلك كتب لها أماناً بملكها. فلم ينج منه أحدٌ غيرها. وعن قتادة: " إني وجدت امرأةً تملكهم " قال: بلغني أنها امرأة تسمى بلقيس - أظنه قال: بنت شراحبيل - أحد أبويها من الجن، مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة؛ وكانت بأرضٍ يقال لها مأرب، على ثلاثة أيام من صنعاء. خرج ذو رعين ملك اليمن يتصيد ومعه العساكر، فطاب له الصيد وانقطع عسكره؛ فعطش واشتد عطشه، فسار في تلك الصحراء يطلب ماءً إذ رفع له خباء فقصده، فإذا شيخٌ محتبٍ بفناء الخيمة فقال: أنعم صباحاً أيها الشيخ، قال: وأنت، قال: اسقني ماءً، فقال الشيخ: يا حسنه اسقي عمك ماء، فخرجت جاريةٌ كأنها الشمس الطالعة، أصاب الصحراء من نور وجهها، وبيدها كأسٌ من ياقوتٍ أحمر، فتعجب الملك من جمالها وقال: في قصري ألف جارية ما فيهن جاريةٌ في جمالها ولا في مملكتي مثل هذا الكأس؛ فأخذ الكأس من يدها فشرب حتى روي، وانصرفت، فقال الملك: أيها الشيخ ما هذه الجارية منك؟ قال: ابنتي، قال: ألها زوج؟ قال: لا ولا تزوجت قط، قال: أفتزوجني إياها؟ قال: لا، قال: ولمَ؟ قال: لا تصلح لك، قال: لأي شيء؟ قال: لأني من الجن وأنت من الإنس، قال الملك: قد رضيت وأنا كفؤٌ كريم، أنا ذو رعين ملك اليمن بيدي والحجاز والسند والهند، وقد هويت ابنتك فلا تحرمني إياها، فقال

стр. 1754

لها الشيخ: ما تقولين؟ قالت: إن أجابني إلى خصلةٍ واحدة تزوجت به! قال الملك: وما هي؟ قالت: لا تسألني عن شيءٍ أعمله لمَ عملته، فإني لا آلوه نصحاً؛ فمتى سألني عن شيءٍ فعلته لمَ فعلته فهو طلاقي، ولا يراني أبداً، فأجابه الملك إلى ذلك وأحضر الملك إخوانه من الجن وأقاربه، وعقد نكاح ابنته، وسار الملك إلى قصره وحملت إليه ودخل بها وجليت عليه، فكانت كل يوم تتصور له في صورةٍ جديدة، وثيابٍ جدد، وحلي جديد، ثم حملت منه؛ وكان للملك ذي رعين سبعون بنتاً وما رزق ابناً قط، وهو يشتهيه ويتمناه، فلما تم حملها ولدت ابناً من أحسن البنين، فبشر الملك بذلك فسر سروراً عظيماً وفتح بيوت الأموال للصدقات والجوائز، وقطعت ثياب الخلع للأمراء والقواد، وصنعت السروج، وأعد الطعام كل أسبوع؛ فوثبت إلى الابن فذبحته، وإلى الطعام فأراقته، وإلى الخلع والسروج فضرمت فيها النار؛ ولما بلغ ذلك الملك غضب غضباً شديداً وهم بقتلها وقام ليسألها لمَ صنعت ذلك؛ فقال له وزيره: كيف حبك لها؟ قال: ما أحببت شيئاً قط كحبي لها، ولو غابت عن بصري حسبت التلف على نفسي، فقال: أيها الملك، لا تلم إلا نفسك إذا تزوجت جنيةً ليست من جنسك ولا تحبك ولا تشفق عليك، ولعلها تبغضك وتريد فراقك ففعلت هذا! لتسلها فتخرج من قصرك فيكون ابن الملك قد مات ويزول عن الملك من يحبه ويهواه فلا يطيق فراقه ويعطيها مناها، فقال الملك: أما بغض فما تبغضني لأني أتتني محبتها لي وشفقتها علي. وتوقف الملك عن مسألتها، وهي مع ذلك متحننة على الملك غير مقصرة عن خدمته والتذلل له، فلما طهرت من نفاسها واقعها الملك فحملت، فلما تم حملها ولدت بنتاً، ولا شيء أبغض إليه من البنات إذ له سبعون بنتاً، فلما ولدتها أرسلت إليه: أيها الملك افتح بيوت الأموال وصدق وهب وأعط، وادع الأمراء والقواد؛ فلما وصلت إليه الرسالة لم يملك نفسه من الغضب أن صار إليها فقال: ما هذه؟ أنا لم يجئني ابنٌ قط، فلما جاءني سررت به ذبحته وحرمتني إياه، فلما جاءتني ابنةٌ وأنا لها كاره أمرتني بالفرح والسرور وهو عندي حزن؛ فما الذي دعاك إلى ذبح ابني ومهجة قلبي؟! فلما قال لها ذلك أسبلت عينها بالدموع والبكاء، ولطمت وجهها وهتكت ثيابها وحلقت شعرها وقالت: أيها الملك طلقتني بعد صحبة خمس سنين، وما أحببت شيئاً قط حبي إياك، فكان هذا جزائي منك أو أملي فيك! ثم قالت: أيها الملك، اعلم أني ذبحت ابني ومهجة قلبي في هواك ومحبتك، وذلك أن والدي الذي رأيته ممن

стр. 1755

يسترق السمع من السماء، فلما ولدت الابن عرج أبي إلى السماء فسمع الملائكة يقولون: إن الله قد قضى على ابنك أنه إن عاش حتى يبلغ الحلم يذبحك على فراشك، فمن شدة حبي لك آثرتك على ابني ورأيت أن أذبحه صغيراً ولا يكبر، فيدخل قلبي من محبته ما أعاونه عليك، ولقد وجدت عليه مثلما تجد الوالدة على ولدها، إلا أني رأيت نار أطفئت، كل ذلك محبة للمك، وأما الثياب والسروج التي حرقتها والطعام الذي أهرقته فإن لي ابن عمٍّ كان مسمى علي، فلما صرت إليك حسدني وعاداني، فلما ولدت الابن جاء ابن عمي فسمّ الطعام والثياب والسروج ليهلك الملك ورجاله؛ فلذلك فعلت الذي فعلت، فلما ولدت هذه الابنة صعد والدي إلى السماء فاسترق السمع فسمع الملائكة يتحدثون أن هذه البنت أبرك بنتٍ ولدت على وجه الأرض، وأشرفه وأجله، وإنها وارثة ملكك بعد أن يغصبه غاصبٌ ليس من أهله، فهي التي ترتج منها البلاد، وتملك اليمن وحضرموت والحجاز ويجل سلطانها ويعظم شأنها حتى يكون تحت يدها ألف أمير، وتحت يد كل أميرٍ ألف قائد، تحت يد كل قائدٍ ألف جندي، وإنه يتزوج بها نبيٌ يكون في زمانها يقال له سليمان، تسمع له الجن والإنس والشياطين والسحاب والرياح ويسخر ذلك كله له ويسمعون ويطيعون أمره، ويفهم كلام الوحش والطير، فيكون بيده نصف الأرض فاستوص أيها الملك بها خيراً إذ حرمتني قربها، وانظر كيف تكون لها بعدي، فلن تراني أبداً ولن أراك بعد يومي هذا. ثم غابت عن بصره. وعن ابن عباس قال: كان سليمان إذا سار في ملكه فالإنس عن يمينه، والجن عن يساره، والشياطين بين يديه، والوحوش خلفه، والطير تظله والريح تحمله؛ وكان دليله على الماء في المفاوز الهدهد، فإذا احتاجوا إلى الماء جاء الهدهد فشم الأرض ثم نقر بمنقاره، فيحفر الماء على وجه الأرض، فبينما سليمان يسير بين المشرق والمغرب في مفازة احتاج الجنود إلى الماء، وكان الهدهد غائباً، فشكت الجنود العطش إلى آصف - وكان صاحب أمر سليمان - فقال: أيها الملك إن الجنود قد عطشوا ولا ماء، فرفع سليمان رأسه فنظر إلى الطير ففقد الهدهد فقال: " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقالت الطير: هو من الغائبين، فغضب سليمان فقال: بعد عني وأنا في المفازة معي الجنود " لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو
следующие страницы →