Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ القرون الميل
للحق حتى ينتحوا للأعدل
وسمعه الفتى فقال: أحسنت والله، وأجدت، رح معي، فراح معه وجلس على الباب، فلما طابت نفس عبد الملك بعث القرشي بغلامه إليه أن يعلو السور ويرفع صوته بالأبيات، وكان من أحسن الناس صوتاً، ففعل، فلما سمع عبد الملك صوته طرب وقال: من هذا؟ قال الفتى: هذا رجلٌ من أهل الحجاز قدم علينا فأحببت أن تسمع حداءه؛ قال: هاتوه فجاؤوا به، فسمعه من قريب، ثم قال: أتغني غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: فغن، فغناه فازداد طربه واستزاده، ثم قال له: هل تغني الغناء المتقن؟ قال: نعم، قال: عن، فغناه فاهتز عبد الملك طرباً، واستزاده فقال له: إن لك في القوم اسماً كبيراً فمن أنت منهم؟ قال: أنا المظلوم المنفي، المقبوض ماله ابن مسجح، فأمر بالكتاب إلى عامله برد ماله، وألا يعرض له بسوءٍ إذا عاد إلى وطنه.
وأمر له بمائة، وسأل القرشي عن خبره؟ فأخبره به، فضحك حتى استغرب، فقال عن الصوت الذي أخطأت فيه الجارية فغناه وهو للحادرة: " من الكامل "
بكرت سمية غدوةً فتمتع ... وغدت غدوة مفارقٍ لم يرجع
وتعرضت لك فاستبتك بواضحٍ ... صلتٍ كمنتص الغزال الأتلع
أسمي ما يدريك كم من فتيةٍ ... باكرت لذتهم بأدكن مترع
بكروا علي بسحرةٍ فصحبتهم ... من عاتقٍ كدم الذبيح مشعشع
فطرب عبد الملك ورمى إليه بمطرفٍ كان عليه وقال له: كن مع الحرس مادمت مقيماً حتى نأنس بصوتك، ففعل، وتوسل مولى برق الأفق إليه بصاحب منزله حتى وصل إليه فوصله صلةً سنية، وأخذت جاريته عنه فأكثرت وانصرفت.
стр. 1752
بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل
وفي نسبها اختلاف، ملكة سبأ.
قيل: إنها ملكت اليمن تسع سنين، ثم كانت خليفةً عليها من قبل سليمان بن داود أربع سنين.
قال مسلمة بن عبد الله بن ربعي: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان بن داود ومهرها باعلبك.
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أحد أبوي بلقيس كان جنياً ".
سئل الحسن عن ملكة سبأ، وقالوا: إن أحد أبويها جني؟ فقال الحسن: لا يتوالدون؛ أي إن المرأة من الإنس لا تلد من الجن.
قال مجاهد: كان تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف.
وعن مجاهد: إن ذا القرنين ملك الأرض إلا بلقيس صاحبة مأرب، وإن ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقاتل أهلها؛ فأخبرت بلقيس بذلك، فبعثت رسولاً يصور لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين، ثم جعلت كل يومٍ تطعم المساكين فتجمعهم، فجاءها رسولها بصورته، فجعلت
стр. 1753
إحدى صورتيه على باب بيتها، والأخرى على باب الأصطوان، فكانت تطعم المساكين كل يوم، فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين، فدخل مدينتها، ثم جلس المساكين إلى طعامها، فلما خرجوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنين فنظرت إلى صورته فعرفته فقالت: احبسوا هذا، فقال لها: لمَ حبستني فإنما أنا مسكين من المساكين؟ قالت: أنت ذو القرنين وهذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني أو تكتب أماناً بملكي أو أضرب عنقك؛ فلما رأى ذلك كتب لها أماناً بملكها.
فلم ينج منه أحدٌ غيرها.
وعن قتادة: " إني وجدت امرأةً تملكهم " قال: بلغني أنها امرأة تسمى بلقيس - أظنه قال: بنت شراحبيل - أحد أبويها من الجن، مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة؛ وكانت بأرضٍ يقال لها مأرب، على ثلاثة أيام من صنعاء.
خرج ذو رعين ملك اليمن يتصيد ومعه العساكر، فطاب له الصيد وانقطع عسكره؛ فعطش واشتد عطشه، فسار في تلك الصحراء يطلب ماءً إذ رفع له خباء فقصده، فإذا شيخٌ محتبٍ بفناء الخيمة فقال: أنعم صباحاً أيها الشيخ، قال: وأنت، قال: اسقني ماءً، فقال الشيخ: يا حسنه اسقي عمك ماء، فخرجت جاريةٌ كأنها الشمس الطالعة، أصاب الصحراء من نور وجهها، وبيدها كأسٌ من ياقوتٍ أحمر، فتعجب الملك من جمالها وقال: في قصري ألف جارية ما فيهن جاريةٌ في جمالها ولا في مملكتي مثل هذا الكأس؛ فأخذ الكأس من يدها فشرب حتى روي، وانصرفت، فقال الملك: أيها الشيخ ما هذه الجارية منك؟ قال: ابنتي، قال: ألها زوج؟ قال: لا ولا تزوجت قط، قال: أفتزوجني إياها؟ قال: لا، قال: ولمَ؟ قال: لا تصلح لك، قال: لأي شيء؟ قال: لأني من الجن وأنت من الإنس، قال الملك: قد رضيت وأنا كفؤٌ كريم، أنا ذو رعين ملك اليمن بيدي والحجاز والسند والهند، وقد هويت ابنتك فلا تحرمني إياها، فقال
стр. 1754
لها الشيخ: ما تقولين؟ قالت: إن أجابني إلى خصلةٍ واحدة تزوجت به! قال الملك: وما هي؟ قالت: لا تسألني عن شيءٍ أعمله لمَ عملته، فإني لا آلوه نصحاً؛ فمتى سألني عن شيءٍ فعلته لمَ فعلته فهو طلاقي، ولا يراني أبداً، فأجابه الملك إلى ذلك وأحضر الملك إخوانه من الجن وأقاربه، وعقد نكاح ابنته، وسار الملك إلى قصره وحملت إليه ودخل بها وجليت عليه، فكانت كل يوم تتصور له في صورةٍ جديدة، وثيابٍ جدد، وحلي جديد، ثم حملت منه؛ وكان للملك ذي رعين سبعون بنتاً وما رزق ابناً قط، وهو يشتهيه ويتمناه، فلما تم حملها ولدت ابناً من أحسن البنين، فبشر الملك بذلك فسر سروراً عظيماً وفتح بيوت الأموال للصدقات والجوائز، وقطعت ثياب الخلع للأمراء والقواد، وصنعت السروج، وأعد الطعام كل أسبوع؛ فوثبت إلى الابن فذبحته، وإلى الطعام فأراقته، وإلى الخلع والسروج فضرمت فيها النار؛ ولما بلغ ذلك الملك غضب غضباً شديداً وهم بقتلها وقام ليسألها لمَ صنعت ذلك؛ فقال له وزيره: كيف حبك لها؟ قال: ما أحببت شيئاً قط كحبي لها، ولو غابت عن بصري حسبت التلف على نفسي، فقال: أيها الملك، لا تلم إلا نفسك إذا تزوجت جنيةً ليست من جنسك ولا تحبك ولا تشفق عليك، ولعلها تبغضك وتريد فراقك ففعلت هذا! لتسلها فتخرج من قصرك فيكون ابن الملك قد مات ويزول عن الملك من يحبه ويهواه فلا يطيق فراقه ويعطيها مناها، فقال الملك: أما بغض فما تبغضني لأني أتتني محبتها لي وشفقتها علي.
وتوقف الملك عن مسألتها، وهي مع ذلك متحننة على الملك غير مقصرة عن خدمته والتذلل له، فلما طهرت من نفاسها واقعها الملك فحملت، فلما تم حملها ولدت بنتاً، ولا شيء أبغض إليه من البنات إذ له سبعون بنتاً، فلما ولدتها أرسلت إليه: أيها الملك افتح بيوت الأموال وصدق وهب وأعط، وادع الأمراء والقواد؛ فلما وصلت إليه الرسالة لم يملك نفسه من الغضب أن صار إليها فقال: ما هذه؟ أنا لم يجئني ابنٌ قط، فلما جاءني سررت به ذبحته وحرمتني إياه، فلما جاءتني ابنةٌ وأنا لها كاره أمرتني بالفرح والسرور وهو عندي حزن؛ فما الذي دعاك إلى ذبح ابني ومهجة قلبي؟! فلما قال لها ذلك أسبلت عينها بالدموع والبكاء، ولطمت وجهها وهتكت ثيابها وحلقت شعرها وقالت: أيها الملك طلقتني بعد صحبة خمس سنين، وما أحببت شيئاً قط حبي إياك، فكان هذا جزائي منك أو أملي فيك! ثم قالت: أيها الملك، اعلم أني ذبحت ابني ومهجة قلبي في هواك ومحبتك، وذلك أن والدي الذي رأيته ممن
стр. 1755
يسترق السمع من السماء، فلما ولدت الابن عرج أبي إلى السماء فسمع الملائكة يقولون: إن الله قد قضى على ابنك أنه إن عاش حتى يبلغ الحلم يذبحك على فراشك، فمن شدة حبي لك آثرتك على ابني ورأيت أن أذبحه صغيراً ولا يكبر، فيدخل قلبي من محبته ما أعاونه عليك، ولقد وجدت عليه مثلما تجد الوالدة على ولدها، إلا أني رأيت نار أطفئت، كل ذلك محبة للمك، وأما الثياب والسروج التي حرقتها والطعام الذي أهرقته فإن لي ابن عمٍّ كان مسمى علي، فلما صرت إليك حسدني وعاداني، فلما ولدت الابن جاء ابن عمي فسمّ الطعام والثياب والسروج ليهلك الملك ورجاله؛ فلذلك فعلت الذي فعلت، فلما ولدت هذه الابنة صعد والدي إلى السماء فاسترق السمع فسمع الملائكة يتحدثون أن هذه البنت أبرك بنتٍ ولدت على وجه الأرض، وأشرفه وأجله، وإنها وارثة ملكك بعد أن يغصبه غاصبٌ ليس من أهله، فهي التي ترتج منها البلاد، وتملك اليمن وحضرموت والحجاز ويجل سلطانها ويعظم شأنها حتى يكون تحت يدها ألف أمير، وتحت يد كل أميرٍ ألف قائد، تحت يد كل قائدٍ ألف جندي، وإنه يتزوج بها نبيٌ يكون في زمانها يقال له سليمان، تسمع له الجن والإنس والشياطين والسحاب والرياح ويسخر ذلك كله له ويسمعون ويطيعون أمره، ويفهم كلام الوحش والطير، فيكون بيده نصف الأرض فاستوص أيها الملك بها خيراً إذ حرمتني قربها، وانظر كيف تكون لها بعدي، فلن تراني أبداً ولن أراك بعد يومي هذا.
ثم غابت عن بصره.
وعن ابن عباس قال:
كان سليمان إذا سار في ملكه فالإنس عن يمينه، والجن عن يساره، والشياطين بين يديه، والوحوش خلفه، والطير تظله والريح تحمله؛ وكان دليله على الماء في المفاوز الهدهد، فإذا احتاجوا إلى الماء جاء الهدهد فشم الأرض ثم نقر بمنقاره، فيحفر الماء على وجه الأرض، فبينما سليمان يسير بين المشرق والمغرب في مفازة احتاج الجنود إلى الماء، وكان الهدهد غائباً، فشكت الجنود العطش إلى آصف - وكان صاحب أمر سليمان - فقال: أيها الملك إن الجنود قد عطشوا ولا ماء، فرفع سليمان رأسه فنظر إلى الطير ففقد الهدهد فقال: " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقالت الطير: هو من الغائبين، فغضب سليمان فقال: بعد عني وأنا في المفازة معي الجنود " لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو
стр. 1756
ليأتيني بسلطان مبين " قال: عذرٌ مبين، فلما سمع الطير ذلك استقبلوا الهدهد فقالوا: ويلك أين كنت؟ قد غضب عليك وحلف ليعذبنك أو ليذبحنك أو لتأتينه بعذرٍ مبين يخرجك من ذنبك، فلما سمع الهدهد ذلك أدبر راجعاً، فارتفع حتى أشرف على الجبال والبحور، فبينا هو كذلك إذ أشرف على جبل سبأ ونظر إلى بلقيس ملكتهم وهي جالسةٌ على عرشها وبين يديها ألف رجل متقلدون السيوف، قيام، كل رجلٍ منهم ملك على قومه؛ فلما رأى الهدهد ذلك قال: هذا حجتي التي أرجع بها إلى سليمان، فرجع فوقع بين يدي سليمان فسجد فقال سليمان: ما لك؟ وأين غبت؟ فقال: " أحط بما لم تحط به، وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين " قال: وما نبؤك؟ قال: " إني وجدت امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيء، ولها عرشٌ عظيم " إلى " فهم لا يهتدون " فدعا سليمان برقٍّ فكتب فيه بيده وطواه وختمه بخاتمه، ولم يكتب فيه عنواناً ثم قال: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين " إلى " فانظر ماذا يرجعون " فانطلق الهدهد بالكتاب حتى ألقاه في حجر بلقيس.
وفي رواية: فجاء الهدهد وقد غلقت الأبواب، وكانت تغلق أبوابها وتضع مفاتحها تحت رأسها، فجاء الهدهد فدخل من الكوة فألقى الصحيفة عليها ففرحت وظنت أنه ألقي إليها من السماء فقالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتابٌ كريم " وظنت أنه من عند الله، فمن هناك سمته كريماً، فلو أنها علمت أنه من سليمان ما سمته كريماً، كانت هي أعز في نفسها من أن تسمي كتاب سليمان كريماً، فلما فتحته قالت: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين، قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعةً أمراً حتى تشهدون " قالوا: أيها الملكة ما أحدٌ في الأرض أعز منا منعةً، ولا أقوى منا بمال، ولا أشد منا بطشاً ولا أبعد منا صوتاً، ولا أقهر منا عزاً، فنرى أن نسير إليهم " والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين " فقالت: إن سليمان قد ادعى أنه نبي فإن كان
стр. 1757
صادقاً فإن الله معه، ومن يكن الله معه يغلب، وإن كان نبياً ثم سرنا إليه أهلكنا بجنود الله، وإن سار إلينا فوطئنا بمن معه من الجنود كان فساد بلادكم وأهل ملتكم، ولكني باعثةٌ إليه بهدية، فإن كان سليمان ملكاً يرضى بالدنيا ويريدها، فإنه سيرضى منا بالهدايا واللطف، وإن كان نبياً فإنه لا يرضى دون أنى نأتيه مسلمين أو مقهورين، فإن كان نبياً أتيناه مسلمين أحب إلينا من أن يطأ بلادنا، فقال القوم: فأمرك عندنا طاعة؛ فبعثت إليه بثلاث لبناتٍ من ذهب في كل لبنةٍ مائة رطل من ذهب، وياقوتةٍ حمراء طولها شبر، مثقوبة، وثلاثين وصيفاً قد حلقت رؤوسهم، وثلاثين وصيفةً قد حلقت رؤوسهن، وكتبت إليه: إني قد بعثت إليك بهديةٍ فاقبلها؛ وبعثت إليك بياقوتةٍ طولها شبر مثقوبة فأدخل فيها خيطاً ثم اختم على طرفي الخيط بخاتمك؛ وبعثت إليك بثلاثين وصيفاً وثلاثين وصيفةً تميز الغلمان من الجواري ولا تجرد منهم أحداً.
فلما فصلت الرسل من عندها جاء دمرياط - وكان أميراً على الشياطين - فقال لسليمان: إن بلقيس قد بعثت إليك بثلاث لبناتٍ من ذهب، وياقوتةٍ حمراء، وثلاثين وصيفاً وثلاثين وصيفةٍ؛ فقال سليمان لدمرياط: افرشوا لي من باب مجلسي إلى طريق القوم ثمانية أميالٍ في ميل عرضاً لبن ذهب، فبعث دمرياط الشياطين فقطعوا من الجبال الملس، فموهوه بالذهب، ففرشوا من باب سليمان الطريق للرسل ثمانية أميالٍ في ميلٍ عرضاً، ونصبوا على جنبتي الطريق أساطين من ياقوتٍ أحمر، فلما جاءت الرسل فنظروا إلى الذهب والياقوت! فقال بعضهم لبعض: أن ننطلق إلى هذا الرجل بثلاث لبناتٍ من ذهب وعنده من الذهب ما قد فرش به الطريق!؟ فقال رئيسهم إنما نحن رسل نبلغ ما أرسل به معنا؛ فمضوا حتى دخلوا على سليمان، فقرأ كتاب بلقيس، ووضعوا اللبنات بين يديه فقال: " أتمدوننّ بمال " إلى " تفرحون " قال: تفرحون بثلاث لبنات ذهب؟! انطلقوا فخذوا ما رأيتم ثلاثمائة أو ثلاثة آلاف أو ثلاثين ألفاً أو ثلاث مائة ألف أو ثلاثة آلاف ألف، فقالوا: أيها الملك إنما نحن رسل، فأمر بقبض اللبنات، ثم دعا بالياقوتة فأخذ ذرةً فربط فيها خيطاً ثم أدخلها في ثقب الياقوت حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم جمع طرفي الخيط ثم ختم عليه، ثم دعا بتورٍ من ماء، فوضعوه، ثم أمر أولئك الوصفاء أن يتوضؤوا واحداً واحداً فميزهم
стр. 1758
بالوضوء، الغلمان من الجواري ثم قال: هؤلاء غلمان وهؤلاء جوارٍ.
قالت الرسل: أيها الملك اكتب إليها بجواب كتابها، فقال: لا، ارجعوا إليهم " فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها " الآية، فرجعت إليها الرسل فقالت: ما جئتم به من عند سليمان؟ فقالوا: ما كنت صانعةً حتى يأتيك الجنود فالآن.
فاستقلت ومن معها وحملت الخزائن والسلاح على سبعين فيلاً، ثم توجهت ومعها أولئك الألف الذين بين يديها، وخلفت عرشها، فلما فصلت جاء دمرياط فقال: أيها الملك إن بلقيساً قد خرجت إليك ومعها ألف ملك قد حملت خزائنها وسلاحها على سبعين فيلاً، فقال سليمان: ما فعل عرشها أمعها أم خلفته؟ فقال: بل خلفته، قال سليمان: " فأيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين "؟ قال دمرياط: " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنه عليه لقويٍّ أمين " وكان سليمان يصلي الصبح ثم يجلس للناس إلى طلوع الشمس، فقال: آتيك به من حين تجلس إلى حين تقوم، فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك، فقال آصف: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال: يرتد إليك طرفك: هو أن تنظر إلى الشيء فتتبين أنه حمار أو دابة حتى ينتهي إليك أو تنتهي إليه؛ وكان آصف يقوم على رأس سليمان بالسيف.
قال: أنت؟! قال: نعم، قال: فافعل، فنزل آصف قائم السيف من يده ثم رفع يده فإذا العرش موضوعٌ بين يدي سليمان، فكاد سليمان أن يفتتن، فقال: ربي سألتك ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي، ربي فجعلت في ملك يمني وفي خولي ومن يجري عليه رزقي من قدر على هذا ولم أقدر عليه، هذا نقصانٌ في ملكي، فدخلت سليمان فتنةٌ، ثم عصم فراجع فقال: أليس " هذا فضل ربي، ليبلوني أأشكر أم أكفر " الآية.
" قال: نكروا لها عرشها "، وكان عرشها عليه صفائح من ذهبٍ وفضة، قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر واللؤلؤ، وكان للعرش قائمتان من زبرجد وقائمتان من ياقوتٍ أحمر، فكان تنكيرهم إياه، أن نزعوا صفيحة الذهب، فجعلوها مكان الفضة، وصفيحة الفضة مكان الذهب، والياقوت مكان الزبرجد والدر مكان اللؤلؤ والقائمتين للزبرجد مكان القائمتين للياقوت، فجاءت بلقيس فدخلت على سليمان وقد وضع لها بين
стр. 1759
يدي سليمان كرسي، فجلست عليه، فقال سليمان: أنت امرأةٌ من العرب يا بلقيس في بيت ملكٍ ومملكة، تعبدين الشياطين وتشركين بالله، وتكفرين النعم؟! فقالت: يا سليمان إنك نبيٌ مصطفى وقد انتخبك الله لنفسه، واختارك لخلقه، ورضي بك لعباده، ولا ينبغي لك أن تعيرني، لأن الله تعالى يغير ولا يغيَر؛ فكف سليمان عنها، فأنشأت تذكر منزلتها ومجلسها، فقال سليمان لآصف: خذ بيدها فأدخلها صرحي، وكان صرح سليمان ميلاً في ميل، طول سقفه ثمانون ذراعاً قارورةٌ خضراء، أرضه وجدره وسقفه، فلما قامت بلقيس على باب الصرح حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها وكانت بيضاء، كثيرة الشعر، فنظر سليمان إلى ساقيها ثم صرف بصره فقال آصف: أرسلي ثيابك إنه صرحٌ ممردٌ من قوارير، فلما مشت في الصرح ورفعت رأسها ونظرت قالت في نفسها: لا والله ما هذا عمل الإنس، قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "، فقال سليمان لدمرياط: اصنعوا شيئاً يذهب شعر بلقيس، فقال: الحلقة، فقال سليمان: هذا يحلق ما ظهر فكيف بما بطن؟ فصنعوا النورة، فكانت النورة أول ما صنعت.
فأمر سليمان ببلقيس فانطلق بها إلى النساء فهيئت، فتزوجها سليمان فأحبها ونزلت منه بمنزلةٍ لم ينزلها أحدٌ من نسائه.
وكان سليمان قبل أن يتزوج بلقيس لا يدفع خاتمه إلى أحدٍ ولا يأمن عليه أحداً، فلما تزوج بلقيس أمنها على خاتمه، وكان إذا دخل لحاجته جاءت بلقيس فدفع الخاتم إليها، فإذا قضى حاجته خرج فقال لها: هاتي ماءً فتوضئه، ثم يأخذ الخاتم منها فيخرج إلى الناس، فبينما هو ذات يوم قد دخل لحاجته، وقد دفع الخاتم لبلقيس؛ إذ جاء دمرياط فدخل في صورة سليمان ثم تسور الحائط فخرج من باب المخرج فقال لبلقيس: هاتي ماءً، فجاءته بماء فوضأته، قال: هاتي الخاتم فأخذ الخاتم فلبسه فأفرغ على الخبيث بهجة الملك؛ وكان سلطان سليمان في خاتمه، فخرج الخبيث فجلس على عرش سليمان وبنو إسرائيل حوله جلوسٌ لا ينكرونه، وآصف قائمٌ على رأسه لا يعرفه، فخرج سليمان من الحاجة، فثارت بلقيس، فقالت في نفسها: ما لسليمان أن دخل معه الخاتم؟! فقال لها سليمان: هاتي ماءً، فجاءته
стр. 1760
بماء، فتوضأ ثم قال: هاتي الخاتم قالت: قد دفعت إليك الخاتم قال سليمان: يا بلقيس اتقي الله فإن الله قد هداك على يدي للإسلام، وأخرجك من الشرك وأهله، وإني قد ائتمنتك على سلطان ربي الذي وهبه لي فلا ينبغي لك أن تخونيني، قالت بلقيس: وأنت يا سليمان فاتق الله، فإن الله قد اصطفاك وأكرمك برسالاته، ولا ينبغي لك أن تخونني، فإني لم أخنك، فقال سليمان: من أخذ الخاتم؟ قالت: أنت أخته ولا أنكرك، فعرف سليمان أن البلية قد نزلت، فاطلع إلى مجلسه فإذا دمرياط جالسٌ على عرشه، فطرح سليمان ثيابه ولبس ثياباً دونها ثم خرج يسيح في الأرض، فإذا جاع دخل بعض القرى فيأتي العجوز جالسةً بباب بيتها فيستطعمها فترده فيقول: أطعميني فإني سليمان، فتقول: سليمان ملك الدنيا وتأخذ التراب والحجارة وترميه به وتقول: لمَ تكذب على سليمان؟ فلم يزل يطوف حتى انتهى إلى بحر القلزم، فإذا صيادون في سفينة يصيدون الحيتان، فقال لهم سليمان: أؤاجركم على نفسي على أن تطعموني.
قالوا: نعم، فاستأجروه كل يومٍ بأربعة أرغفة وحوتين، فكان معهم فإذا جاءت السفينة فيها حيتان أخذ سليمان مكيلاً فنقل الحيتان من السفينة إلى البر، فلم يزل مع الصيادين.
وأنكرت بنو إسرائيل أحكامهم وأمورهم وقضاياهم؛ ففزع بعضهم إلى بعض ولقي بعضهم بعضاً، وفزعت الأشراف إلى الفقهاء فقالوا: ما أنكرتم ما أنكرنا من أمر سليمان؟ فقال الفقهاء: بلى، فقالوا: لئن كان هذا سليمان لقد خولط فهلكت الأرض ومن عليها، فلقي الفقهاء آصف، فقالوا: هل أنكرت من أمر سليمان؟ فقال: لئن كان هذا سليمان لقد هلكنا، وكان آصف غلاماً من أولاد الأنبياء، كان في حجر سليمان قد تبناه، وكان يدخل على نسائه، فقال الفقهاء: لآصف: ادخل على النساء فسلهن؛ فدخل آصف على النساء فسألهن، فقلن: ما هذا سليمان وبكين، وقلن: لئن كان هذا سليمان لقد هلكنا وهلكتم وهلكت الأرض، لا والله ما هو سليمان.
وكان ذلك لتسعٍ وثلاثين ليلةً من بلية سليمان، فخرج آصف فقال: يا معشر بني إسرائيل افعلوا ما أنتم فاعلون، فإن هذا ليس بسليمان، واجتمعت بنو إسرائيل وأجمعوا على أن ينهضوا بالفاسق دمرياط؛ فبلغه ذلك فهرب وذهب معه بالخاتم صبيحة أربعين ليلة من بلية سليمان حتى أتى بحر القلزم، وكان القلزم من أبعد البحور قعراً، فرمى بالخاتم في البحر وقال: لا يرجع إلى سليمان ملكه أبداً، ثم أتى جزيرةً من القلزم فكان فيها، وبعث الله حوتاً تدعى الملكة فالتقمت الخاتم
стр. 1761
حين طرحه الفاسق، فانطلق الصيادون الذين معهم سليمان فألقوا شبكتهم، فجروا الشبكة وألقوا ما فيها في السفينة، فأخذ سليمان مكيلاً ينقل الحيتان على عنقه إلى الشاطئ حتى حان غداؤه، فقال لأصحابه: هاتوا غدائي فأعطوه رغيفين ثم تناول بعضهم حوتاً وطرحه إليه وهي الملكة، فأخذها وشق بطنها، فبدر الخاتم فأخذه سليمان فقبله ووضعه في يده فجاءته الطير فأظلته وجاءت الريح فحفت به وجاءت الجن فطارت بجنبيه، فنظر إليه الملاحون فكبروا وخروا سجداً له، فقالوا: أيها الملك إنا لم نعرفك، فقال سليمان: لست ألومكم على ما كان ولا أحمدكم على ما صنعتم إنما هو سلطان ربي أعطانيه قهر به خلقه، وسخرهم لي.
وأمر الريح فحملته ومن معه من الجنود تزيف بهم على وجه الأرض وعلى البحور حتى أتى منزله؛ ثم قال للشياطين علي بالفاسق دمرياط؛ فطافت الشياطين حتى وجدوه في جزيرة القلزم، فصرخوا به فخرج، فقالوا: يا دمرياط أجب سليمان، قال: وأين سليمان؟ أليس قد هلك، ألقيت خاتمه حيث لا يرجع ملكه إليه أبداً!؟ فقالوا: ويلك، إن سليمان قد رد الله إليه خاتمه ورجع إليه ملكه، فقال الفاسق: لا والله لا آتيه أبداً، فرجعوا إلى سليمان فقالوا: إنه قد أبى، فدعا سليمان بطينة فختمها بخاتمه ثم قال: انطلقوا بهذه الطينة واصرخوا به، فإذا خرج فاطرحوا الطينة إليه فإنه سيأتي صاغراً، فانطلقوا فصرخوا به، فلما خرج إليهم، قالوا: انطلق إلى سليمان، قال: لا والله، قالوا: فانظر في هذه الطينة، فطرحوا إليه الطينة، فنظر فيها، فبكى وقال: قهرني سليمان بسلطان ربي، فجاء حتى عبر إليهم فأخذوه وأوثقوه، وأتوا به سليمان، فلما كلمه سليمان قال له دمرياط: لا عذر لي فاصنع ما أنت صانع.
فأمر سليمان الشياطين، فأتوه بحجر طوله أربعون ذراعاً فقال: خذوا الخبيث فأدخلوه في جوفه، ثم أمر بالقطر - وهو النحاس الأحمر - فصب عليه، ثم قال: خذوا هذه الصخرة فانطلقوا بها إلى القلزم فاطرحوه في قعرها ففعلت الشياطين.
قال ابن عباس: لم يجر عرش صاحبة سبأٍ بين السماء والأرض ولكنه انشقت له الأرض، فجرى تحت
стр. 1762
الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.
وكان عرشها ثلاثة أبيات بعضها على بعض من ياقوتةٍ حمراء، على أربع دعائم.
قال أبو المليح: أردت سفراً فأتيت ميمون بن مهران أودعه فقال لي: لا تيأس أن تصيب في سفرك هذا أفضل ما طلبت، فإن موسى خرج يقتبس لأهله ناراً فكلمه الله، وإن صاحبة سبأ خرجت ليس شيءٌ أحب إليها من ملكها فرزقها الله الإسلام.
قال همام بن منبه: قدمت مكة فجلست إلى ابن الزبير ومعه جماعةٌ من قريش.
فقال رجل من قريش: ممن أنت؟ قلت: من اليمن قال: ما فعلت عجوزكم؟ قلت: أي عجوز؟ قال: بلقيس.
قلت له: عجوزنا أسلمت مع سليمان ﷺ .
وعجوزكم حمالة الحطب في جيدها حبلٌ من مسد.
روى الأوزاعي قال: كسر برجٌ من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأةً حسناء، دعجاء، مدرجةً مدمجة، كأن أعطافها طي الطوامير المدرجة، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً مكتوبٌ على طرف العمامة بالذهب:
بسم الله الرحمن الرحيم، أنا بلقيس ملكة سبأ، زوجة سليمان بن داود ملكت الدنيا كافرةً ومؤمنة، ملكت ما لم يملكه أحدٌ قبلي، ولا يملكه أحدٌ بعدي، صار مصيري إلى الموت، فأقصروا يا طلاب الدنيا.
ولما تزوج سليمان بلقيس قالت: ما مستني حديدةٌ قط، فقال للشياطين: انظروا أي شيءٍ يذهب بالشعر غير الحديد، فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها له شياطين سليمان.
أسماء الرجال على
стр. 1763
حرف التاء المثناة فوقها
تُبع بن حسان بن ملكيكرب بن تبع
ابن الأقرن ويقال: إن اسم تبع هذا حسان بن تبع بن أسعد بن كرب الحميري، وتبع لقبٌ للملك الأكبر بلغة أهل اليمن، ككسرى بالفارسية، وقيصر بالرومية، والنجاشي بالحبشة، ملك تبع دمشق.
قال أبو نصر بن ماكولا: أما تبان، أوله تاء معجمة باثنتين من فوق، وبعدها باء معجمة بواحدة، فهو تبع الحميري واسمه أسعد تبان أبو كرب بن ملكي كرب بن قيس بن زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرايش بن قيس بن صيفي بن سبأ، ويقال: هو أول من كسا البيت.
قال سعيد بن عبد العزيز: كان تبع إذا عرض الخيل قاموا صفاً من دمشق إلى صنعاء اليمن.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " ما أدري الحدود كفارةٌ لأهلها أم لا، ولا أدري تبع لعيناً كان أم لا، ولا أدري، ذو القرنين نبياً كان أم ملكاً؟ ".
وفي رواية: " أعزير كان نبياً أم لا؟ ".
стр. 1764
وعن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث وثلاث وثلاث، فثلاث لا يمين فيهن، وثلاث الملعون فيهن، وثلاث أشك فيهن؛ فأما الثلاث التي لا يمين فيهن: فلا يمين مع والد؛ ولا المرأة مع زوجها؛ ولا المملوك مع سيده. وأما الملعون فيهن؛ فملعونٌ من لعن والديه؛ وملعونٌ من ذبح لغير الله، وملعون من غير تخوم الأرض. وأما الذي أشك فيهن: فعزير لا أدري أكان نبياً أم لا؛ ولا أدري ألعن تبع أما لا؟ قال: ونسيت ".
- يعني الثالثة - وهذا الشك من النبي ﷺ كان قبل أن يتبين له أمره ثم أخبر أنه كان مسلماً.
كما روي عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم ".
قال أبو مجلز: جاء ابن عباس إلى عبد الله بن سلام.
فقال: إني أسألك عن ثلاث؟ قال: تسألني وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم.
قال: تسألني وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم، أسألك عن تبع ما كان؟ وأسألك عن عزير ما كان؟ وأسألك عن الهدهد لمَ تفقده سليمان صلى الله على نبينا وعليه، من بين الطير؟ قال: أما تبع فإنه كان رجلاً من الهرب ظهر على الناس وسبى فتيةً من الأحبار فأفسد عليهم أوقات دعائهم فأنكر الناس تبعاً، قال: قد ترك دينكم وآلهتكم فما تقولون، أو فما تأمرون؟ فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب وينجو منها الصادق، فعرض ذلك تبع على أصحابه، فرضوا بذلك، فعمد بهم تبع إلى النار فأمر الفتية أن يدخلوا فيها، فألقوا مصاحفهم في أعناقهم فلما أرادوا أن يدخلوها سفعت النار وجوههم فوجدوا حرها فنكصوا، فقال تبع: لتدخلنها، فدخلوها فانفرجت عنهم حتى مضوا، ثم أمر قومه أن يدخلوها فلما أرادوا أن يدخلوها سفعت وجوههم فوجدوا حرها فنكصوا، فأمر بهم تبع أن يدخلوها فدخلوها فانفرجت لهم حتى توسطوها، فأحاطت بهم فأحرقتهم.
فأسلم تبع.
وكان رجلاً صالحاً.
وأما عزير فإنه لما ظهر بخت نصر على بني إسرائيل خرب بيت المقدس، وشقوا المصاحف.
ودرست السنة، وكان عزير توحش في الجبال، وكانت له عينٌ يشرب منها.
стр. 1765
فمثلت له عند العين امرأة، فلما جاء ليشرب فبصر بالمرأة فانصاع.
فلما جهده العطش أتاها وهي تبكي.
قال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على ابني، قال: أكان يخلق؟ قالت: لا.
قال: فكان يرزق؟ قالت: لا، وذكر الحديث، قالت: ما بالك هاهنا تركت قومك؟ قال: وأين قومي؟ قالت: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك.
قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه فانتهى إلى قومه فأحيا لهم التوراة والسنة.
وأما الهدهد فإن سليمان - صلوات الله على نبينا وعليه - نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، فسأل عن بعد الماء، فقالوا: الهدهد فعند ذلك تفقده.
حدث محمد بن إسحاق قال: سار تبع الأول إلى الكعبة.
فأراد هدمها وكان من الخمسة الذين لهم الدنيا بأسرها.
وكان له وزراء.
فاختار منهم واحداً وأخرجه معه وكان يسمى عميارسنا لينظر إلى مملكته، وخرج في مائة ألف وثلاثين ألفاً من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفاً من الرجالة.
وكان يدخل كل بلدة وكانوا يعظمونه وكان يختار من كل بلدةٍ عشرة أنفس من حكمائهم حتى جاء إلى مكة ومعه أربعة آلاف رجل من الحكماء الذين اختارهم من بلدانٍ مختلفة، فلم يتحرك له أحد ولم يعظموه، فغضب عليهم، ودعا عميارسنا وقال: كيف شأن أهل هذه البلد الذين لم يهابوني ولم يهابوا عسكري كيف شأنهم وأمرهم؟ قال الوزير: إنهم قوم عربيون جاهلون لا يعرفون شيئاً، وإن لهم بيتاً يقال له الكعبة، وإنهم معجبون بها، ويسجدون للطاغوت والأصنام من دون .
قال الملك: إنهم معجبون بهذا البيت؟ قال: نعم.
فنزل ببطحاء مكة معه عسكره، وتفكر في نفسه دون الوزير ودون الناس وعزم أن يأمر بهدم هذا البيت وأن التي سميت كعبة تسمى خربة، وأن يقتل رجالهم ويسبي نساءهم وذراريهم.
فأخذه الله بالصداع، وفتح من عينيه وأذنه وأنفه وفمه ماءً منتناً، فلم يكن يستقر أحدٌ عنده طرفة عين من نتن الريح، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره اجمع العلماء والأطباء وشاورهم في أمري؛ فاجتمع العلماء والأطباء عنده فلم يصبر أحد منهم ولم تمكنهم مداواته؛ قال: قد جمعت حكماء بلدانٍ مختلفة ووقعت في هذه العلة،
стр. 1766
فلم يقم أحدٌ في مداواتي، فقالوا: بأجمعهم: يا قوم أمرنا أمر الدنيا، وهذا أمرٌ سماويٌ لا نستطيع مرد أمر السماء، واشتد الأمر على الملك، فتفرق الناس وأمره كل ساعةٍ أشد، حتى أقبل الليل وجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال: إن بيني وبينك سراً وهو أنه إن كان الملك يصدق لي في كلامه وما نواه عالجته فاستبشر بذلك الوزير وأخذ بيده وحمله إلى الملك وقال للملك إن رجلاً من العلماء ذكر: إن صدق الملك وما نواه في قلبه ولم يكتم شيئاً منه عالجه؛ فاستبشر الملك وأذن له بالدخول عليه فدخل فقال: إن بيني وبينك سراً أريد الخلوة فيه، فخلا به وقال: هل نويت في هذا البيت أمراً؟ قال: نعم، نويت أن أخرب هذا البيت وأقتل رجالهم وأسبي نساءهم، فقال: إن وجعك وبلاءك من هذا، اعلم أن صاحب هذا البيت قويٌ يعلم الأسرار، فيجب أن تخرج من قلبك جميع ما نويت من أذى هذا البيت وذلك خير الدنيا والآخرة، قال الملك: فقد أخرجت جميع المكروهات من قلبي ونويت جميع الخيرات والمعروفات، فلم يخرج العالم الناصح من عنده حتى برأ من العلة وعافاه الله بأمر الله جل وعلا من ساعته، وخرج من منزله صحيحاً على دين إبراهيم - صلى الله على نبينا وعليه - وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من كسا البيت ودعا أهل مكة فأمرهم بحفظ الكعبة، وخرج هو إلى يثرب.
ويثرب هي بقعةٌ فيها عين ماء ليس فيها نبت ولا بيت ولا أحد فنزل على رأس العين مع عسكره بجمع العلماء والحكماء الذين كانوا معه واختارهم من بلدانٍ مختلفة ورئيس العلماء العالم الناصح الشفيق لدين الله الذي أعلم الملك شأن الكعبة، ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا فاعتزل من بين أربعة آلاف رجلٍ عالم أربع مائة رجل، كل من كان أعلم وأفهم وبايع كل واحدٍ منهم صاحبه أنهم لا يخرجون من ذلك المقام وإن ضربهم الملك وقتلهم وقرضهم وأحرقهم وجاؤوا بجملتهم ووقفوا بباب الملك وقالوا: إن خرجنا من بلداننا فطفنا مع الملك زماناً وحيناً ونريد أن نقيم في هذا المقام إلى أن نموت فيه، وإنا قد عقدنا أن لا نخرج من هذا المقام إلى أن نموت، وإن قتلتنا وحرقتنا، فقال الملك للوزير: انظر ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا أحتاج إليهم ولا أستغني عنهم، وأي حكمةٍ في نزولهم في هذا المقام واختيارهم؟ فخرج الوزير وجمعهم وذكر لهم قول الملك، فقالوا للوزير مثل ما قالوا للملك، قال الوزير: فما الحكمة في ذلك؟ قالوا: أيها الوزير اعلم أن شرف هذا البيت وشرف هذه البلدة بسبب هذا الرجل الذي يخرج، يقال له محمد ﷺ -
стр. 1767
إمام الحق، صاحب القضيب والناقة والتاج والهراوة، وصاحب القرآن والقبلة، وصاحب اللواء والمنبر، صاحب قول لا إله إلا الله، ومولده بمكة، وهجرته إلى ههنا فطوبى لمن أدركه وآمن به، وكنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الوزير مقالتهم هم أن يقيم معهم؛ فلما جاء وقت الرحيل أمر الملك أن يرحلوا، فقالوا بأجمعهم: لا نرحل، وقد أخبرنا الوزير بحكمة مقامنا ههنا؛ فدعا الملك الوزير فقال له: لم تخبرنا بمقالة القوم، قال: لأني عزمت على المقام معهم وخفت أن لا تدعني، وأعلم أنهم لا يخرجون، فلما سمع الملك منه تفكر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمداً ﷺ ، وأمر الملك أن يبنوا أربع مائة دار، لكل رجلٍ من العلماء دار، واشترى لكل منهم جاريةً وأعتقها وزوجها منه، وأعطى لكل واحد منهم عطاءً جزيلاً، وأمرهم أن يقيموا في ذلك الموضع إلى وقت محمد ﷺ ، وكتب كتاباً وختمه بالذهب ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصحه في شأن الكعبة، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد ﷺ إن أدركه، وإن لم يدركه إلى أولاده، وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا إلى حين رسول الله ﷺ .
وكان في الكتاب: أما بعد، يا محمد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزله الله عليك، وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك ورب كل شيء، وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان والإسلام، وإني قبلت ذلك، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني، وإني من أمتك الأوابين وبايعتك قبل مجيئك، وقبل إرسال الله تعالى إياك، وأنا على ملتك وملت أبيك إبراهيم ﷺ .
وختم الكتاب بالذهب ونقش عليه " لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله " وكتب عنوان الكتاب إلى محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلوات الله عليه، من تبع الأول حمير بن وردع، أمانة الله في يد من وقع، إلى أن يوصل إلى صاحبه.
ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصح له في شأن الكعبة وأمره بحفظها.
وخرج تبع من يثرب، ويثرب هو الموضع الذي نزل به العلماء، وهو مدينة الرسول ﷺ .
وسار تبع حتى مر بغلسان بلدةٍ من بلاد الهند فمات بها.
стр. 1768
ومن اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي ولد فيه النبي ﷺ ألف سنةٍ لا زيادة فيه ولا نقصان، ثم إن أهل المدينة الذين نصروا رسول الله ﷺ من أولاد أولئك العلماء الأربع مائة الذين سكنوا دور تبع إلى أن بعث الله محمداً ﷺ ، فلما هاجر رسول الله ﷺ وسمعوا بخروجه استشاروا في إيصال الكتاب إليه فأشار عليهم عبد الرحمن بن عوف وكان قد هاجر قبل النبي ﷺ أن اختاروا رجلاً ثقةً وابعثوا بالكتاب معه إليه فاختاروا رجلاً يقال له: أبو ليلى وكان من الأنصار، ودفعوا إليه الكتاب وأوصوه محافظة الكتاب والتبليغ؛ وخرج على طريق مكة، فوجد محمداً رسول الله ﷺ في قبيلة سليم، فعرف النبي ﷺ ودعاه وقال: " أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع الأول ".
فبقي الرجل متفكراً وذكر في نفسه أن هذا من العجب ولم يعرفه، فقال: من أنت فإني لست أعرف في وجهك أثر السجود، وتوهم أنه ساحر فقال: " لا بل أنا محمد، هات الكتاب ".
ففتح الرجل رحله وكان يخفي الكتاب فدفعه إليه، فقرأه أبو بكر على النبي ﷺ ، فقال: " مرحباً بالأخ الصالح ".
ثلاث مرات، وأمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة، فرجع وبشر القوم، فأعطاه كل واحدٍ منهم عطاءً على تلك البشارة.
وجاء رسول الله ﷺ ، فسأله أهل القبائل أن ينزل عليهم وتعلقوا بناقته، فقال: " دعوها فإنها مأمورة ".
حتى جاءت إلى دار أبي أيوب فبركت، ونزل رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب، وأبو أيوب كان من أولاد العالم الناصح لتبع في شأن الكعبة، وكانوا ينتظرونه، فهم من أولاد العلماء الذين سكنوا يثرب في دور تبع الذي بنى لهم، والدار التي نزل رسول الله ﷺ فيها هي الدار التي بنى تبع لرسول الله ﷺ .
وأنشد أبو زيد لتبع الأول: " من الكامل "
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافيةً ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس
قال محمد بن إسحاق: ولما فعل تبع ما فعل غضبت ملوك حمير وقالوا: أما كان يرضى أن يطيل غزونا ويبعدنا في المسير من أهلنا حتى طعن علينا أيضاً في ديننا وعاب آباءنا فاجتمعوا على أن
стр. 1769
يقتلوه ويستخلفوا أخاه من بعده.
فاجتمع رأي الملوك كلهمعلى ذلك إلا ذا همدان فإنه أبى أن يمالئهم على ذلك، فثاروا به فأخذوه ليقتلوه، فقال لهم: أتراكم قاتلي؟ قالوا: نعم، قال: أما لا، فإذا قتلتموني فادفنوني قائماً فإنه لن يزال لكم ملك قائم مادمت قائماً فلما قتلوه قالوا والله لا يهلكنا حياً وميتاً فنكسوه على رأسه فقال في ذلك ذو همدان في الذي كان من أمره: " من الوافر "
إن تك حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ألا من يشتري سهراً بنومٍ ... سعيدٌ من يبيت قرير عين
ثم استخلفوا أخاً له يقال له عبد كلال فزعموا أنه كان لا يأتيه النوم بالليل فأرسل إلى من كان ثم من يهود فقال: ويحكم ما ترون شأني؟ فقالوا: إنك غير نائمٍ حتى تقتل جميع من مالأك على قتل أخيك.
فتتبعهم فقتل رؤوس حمير وخونتهم، ثم خرج ابنٌ لتبع يقال له: دوس، حتى أتى قيصر فهو مثلٌ في اليمن يضرب به بعد لا كدوس ولا كعملق رحله.
فلما انتهى إلى قيصر دخل عليه، فقال له: إني ابن ملك العرب، وإن قومي عدوا على أبي فقتلوه، فجئتك لتبعث معي من يملك لي بلادي وذلك لأن ملكهم الذي ملكهم بعد أبي قد قتل أشرافهم ورؤوسهم، فدعا قيصر بطارقته فقال: ما ترون في شأن هذا؟ فقالوا: لا نرى أن تبعث معه أحداً إلى بلاد العرب وذلك أن لا نأمن هذا عليهم ليكون إنما جاء ليهلكهم؟ فقال قيصر: كيف أصنع به وقد جاءني مستغيثاً؟ فقالوا: اكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة - وملك الحبشة يدين لملك الروم - فكتب له إليه وأمره أن يبعث معه رجالاً إلى بلده، فخرج دوسٌ بكتاب قيصر حتى أتى به النجاشي، فلما قرأه نخر وسجد له، وبعث معه ستين ألفاً واستعمل عليهم روزبه، فخرج في البحر حتى أرسى إلى ساحل اليمن فخرج عليهم هو وقومه، فخرجت عليهم حمير، وحمير
стр. 1770
يومئذٍ فرسان أهل اليمن، فقاتل أهل اليمن قتالاً شديداً على الخيل، فجعلوا يكردسونهم كراديس، ثم يحملون عليهم فكلما مضى منهم كردوس تبعه آخر فلما رأى ذلك روزبه، قال لدوس: ما جئت بي هاهنا إلا لتحرر بي قومك فلأبدأن بك ولأقتلنك قبل أن أقتل، فقال: لا تفعل أيها الملك ولكن أشير عليك فتقبل مني؟ قال: نعم فأشر عليّ، قال له دوس: أيها الملك إن حمير قوم لا يقاتلون إلا على الخيل، فلو أنك أمرت أصحابك فألقوا بين أيديهم درقهم وأترستهم، ففعلوا ذلك، فجعلت حمير تحمل عليهم فتزلق الخيل عن الترسة والدرق فتطرح فرسانها فيقتل الآخرون، فلم يزالوا كذلك حتى رقوا وكثرهم الآخرون، وإنهم ساروا حتى دخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن.
تبوك بن أحمد بن تبوك بن خالد
ابن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن غنم بن حجر، أبو محمد مولى نصر بن الحجاج بن علاط السلمي.
حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حق وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء ".
توفي تبوك بن أحمد في ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاث مائة.
تبوك بن الحسن بن الوليد بن موسى
ابن سعيد بن راشد بن يزيد بن فندش بن عبد الله أبو بكر الكلابي المعدل، أخو عبد الوهاب.
حدث عن محمد بن أحمد الخلال بسنده عن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له أبي: أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الندم توبة؟ " قال: نعم أنا سمعته يقول الندم توبة.
стр. 1771
وحدث عن سعيد عن عبد العزيز بسنده عن الزهري: أن مروان بن الحكم قال: سألت زيد بن ثابت عن الخلسة؟ فقال: ليس في الخلسة قطع.
توفي تبوك بدمشق في رمضان سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مائة.
تبيع بن عامر أبو عبيدة
ويقال: أبو عتبة، ويقال: أبو عبيد، ويقال: أبو حمير، ويقال: أبو غطيف، ويقال: أبو عامر الحميري.
ابن امرأة كعب الأحبار.
يقال إنه أدرك النبي ﷺ ، وأسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقرأ القرآن على مجاهد بأرواد جزيرة في البحر قريبة من القسطنطينية، وكانا غازيين بها.
حدث تبيع عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا آتاك الله هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فكله وتموله ".
وحدث تبيع عن كعب قال: من أحسن الوضوء، ثم صلى العشاء الآخرة، ثم صلى بعدها أربع ركعاتٍ يتم الركوع والسجود، يعلم ما يقرأ فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر.
وعن خليد بن عجلان قال: قال ابن امرأة كعب لعمرو بن سعيد حين خلع: إني قد قرأت في الكتب أن رجلاً من قريش يسافر مع ملك، ثم يغدر به ويدخل مدينةً من مدائن الشام يتحرز فيها ثم يقتل، وأنا خائفٌ عليك فاتق لا تكونه.
قال معاذ بن عبد الله بن حبيب: رأيت ابن عباس يسأل تبيعاً: هل سمعت كعباً يذكر السحاب بشيء؟ قال: سمعت كعباً يقول: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه.
قال: صدقت، وأنا قد سمعته.
قال: وسمعت كعباً يذكر أن الأرض نبتت العام نبتاً وقابل
стр. 1772
غيره؟ قال: نعم، قال: وسمعت كعباً يقول: إن البذر ينزل مع المطر فيخرج في الأرض قال: صدقت، وأنا قد سمعته.
كان تبيع بن عامر رجلاً مرحلاً كان دليلاً للنبي ﷺ ، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم حتى توفي النبي ﷺ وأسلم مع أبي بكر ﵁، وقد كان يقص عند أصحاب رسول الله ﷺ .
قال حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو بن العاص إذ أقبل تبيع فقال عبد الله: أتاكم أعلم من عليها، فلما جلس قال عبد الله بن عمرو: يا أبا عبيدة أخبرنا عن الخيرات الثلاث والشرات الثلاث، قال: نعم، الخيرات الثلاث: لسانٌ صادق، وقلبٌ نقي، وامرأة صالحة، والشرات الثلاث: لسانٌ كذوب، وقلبٌ فاجر، وامرأة سوء.
فقال عبد الله قد قلت لكم.
حدث رشيد بن كيسان الفهمي قال: كنا برودس وأميرنا جنادة بن أبي أمية الأزدي، فكتب إلينا معاوية بن أبي سفيان: إنه الشتاء ثم الشتاء، فتأهبوا له.
فقال له تبيع ابن امرأة كعب الأحبار: تقفلون إلى كذا وكذا، فقال الناس: وكيف نقفل وهذا كتاب معاوية إن الشتاء ثم الشتاء؟ فأتاه بعض أهل خاصته من الجيش فقال: ما يسميك الناس إلا الكذاب لما تذكر لهم من الفعل الذي لا يرجونه، فقال تبيع: فإنهم يأتيهم إذنهم في يوم كذا وكذا وشهر كذا وكذا، وآية ذلك أن تأتي ريحٌ فتقلع هذه الثنية التي في مسجدهم هذا، فانتشر قوله فيهم، فأصبحوا ذلك اليوم في مسجدهم ينتظرون ذلك وكان يوماً لا ريح فيه، فانتظروا حتى احتاجوا إلى المقيل والغداء، وملوا فانصرفوا إلى مساكنهم أو إلى مراكبهم، حتى إذا انتصف النهار، وقد بقي في المسجد بقايا من الناس، فأقبلت ريحٌ عصار فأحاطت بالثنية فقلعتها وتصايح الناس في منازلهم خرت الثنية، خرت الثنية، فأقبلوا
стр. 1773
من كل مكان حتى اجتمعوا على الساحل، فرأوا شيئاً لاصقاً يتحول في الماء، حتى تبين لهم أنه قاربٌ، فأتاهم بموت معاوية، وبيعة يزيد ابنه، وآذنهم بالقفل.
فزكوا تبيعاً وأثنوا عليه خيراً ثم قالوا: وأخرى بقيت قد دخل الشتاء ونحن نخاف أن تنكسر مراكبنا، فقال لهم تبيع: لا ينكس لكم عود نصركم، ولا ينقطع لكم حبل نصركم حتى تردوا بلادكم.
فساروا فسلمهم الله .
كان تبيع يقول: إني لأجد نعت أقوامٍ يتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العبادة، ويلتمسون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، فبي يغترون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيها حيران.
حدث ربيع بن سيف عن تبيع قال: إذا فاض الظلم فيضاً، وكان الولد لوالده غيظاً، والشتاء قيظاً، والحكم حيفاً والشرطة سيفاً أتاكم الدجال يزيف زيفاً.
قال تبيع: من أعرقت فيه الفارسيات لم يخطئه دينٌ أو حلم، ومن أعرقت فيه الروميات لم يخطئه شدةٌ أو ثقابة، ومن أعرقت فيه البربريات لم يخطئه حدةٌ أو تكلف، ومن أعرقت فيه الحبشيات لم يخطئه سكر أو تأنيث.
توفي تبيع سنة إحدى ومائة.
تليد الخصي مولى عمر بن عبد العزيز
ويقال: مولى زبان بن عبد العزيز.
قال تليد: كان عمر بن عبد العزيز إذا صلى الصبح في خلافته جلس في مجلسه الذي ينظر فيه
стр. 1774
في أمر الناس، فلا يكلم أحداً حتى يقرأ: قاف والقرآن المجيد؛ كان يفعل ذلك حتى مرض مرضه الذي مات فيه.
تمام بن عبد الله بن المظفر
أبو القاسم الظني السراج.
حدث عن أبي الحسن علي بن الحسن بن طاوس المغربي بسنده عن عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ قام في اثنتين من الصلاة ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم بعد ذلك.
توفي تمام في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة.
تمام بن عبد السلام بن محمد
ابن أحمد، أبو الحسن اللخمي.
حدث عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بلغوا عني - يعني ولو آية - وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ".
تمام بن كثير أبو قدامة الجبيلي
من أهل جبيل، من ساحل دمشق.
حدث عن عقبة بن علقمة قال: سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم، حتى يكون مثل الجبال.
قال قلت: ينتقص؟ قال: نعم حتى لا يبق منه شيء.
стр. 1775
وسئل العباس بن الوليد البيروتي وقيل له: أليس تقول: بقول الأوزاعي؟ فقال: نعم.
وحدث عن محمد بن شعيب بن شابور، عن الوليد القاص قال: أتيت أنطاكية فإذا أسود قد نبش قبراً فأصاب فيه صحيفة نحاس، فيها مكتوبٌ بالعبرانية، فأتوا بها إلى إمام أنطاكية، فبعث إلى رجل من اليهود فقرأه فإذا فيه: أنا عون بن إرميا بعثني ربي إلى أنطاكية أدعوهم إلى الإيمان بالله فأدركني فيها أجلي، وسينبشني أسود في زمان أمة أحمد ﷺ .
تمام بن محمد بن عبد الله
ابن جعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو القاسم بن أبي الحسن البجلي الرازي الحافظ، ولد بدمشق وسمع بها.
حدث عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشةٌ في قبورهم، كأني أنظر إليهم إذا انفلقت الأرض عنهم يقولون: لا إله إلا الله. والناس بهمّ ".
وحدث عن أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي بسندهإلى سفيان الثوري قال: ما أعرف شيئاً أفضل من طلب الحديث إذا أريد به الله .
توفي تمام بن محمد في المحرم سنة أربع عشرة وأربع مائة، وكان مولده سنة ثلاثين وثلاث مائة.
وكان ثقة مأموناً؛ قال أبو بكر بن الحداد: ما لقينا مثله في الحفظ والخبرة.
стр. 1776
تمام بن نجيح الأسدي
دمشقي، وقيل إنه حلبي.
حدث عن الحسن البصري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من حافظين رفعا إلى الله ما حفظا، فيرى الله في أول الصحيفة خيراً أو في آخرها خيراً إلا قال الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ".
وفي رواية: " يرفعان إلى الله ما حفظا من الليل والنهار ".
قال تمام بن نجيح: كنت عند ابن سيرين فأتاه رجلٌ فقال: إني رأيت كأني أقطف الزيتونة فأعصره في أصلها؛ فقال: إن كنت صادقاً فأنت على نكاح أمك.
قال: فلقيت عون بن عتبة - وكان شاهداً معنا عند ابن سيرين - فقال: ألم تسمع الرجل الذي سأل ابن سيرين عن الرؤيا؟ قال: قلت بلى، قال: فإني لقيته فقال لي: إني رجعت إلى امرأتي فناشدتها، فإذا هي أمي.
قال تمام بن نجيح: كنت قاعداً عند محمد بن سيرين إذ أتاه رجل فقال: إني رأيت الليلة أن طائراً نزل من السماء فوقع على ياسمينة، فنتف منها ثم إنه طار حتى دخل في السماء.
قال: فقال ابن سيرين: هذا قبض علماء.
قال تمام: فلم تمض تلك السنة حتى مات الحسن وابن سيرين ومكحول، وستةٌ من العلماء سواهم، فكانوا تسعة من علماء أهل الأرض ماتوا في تلك السنة.
стр. 1777
تميم بن أوس بن خارجة
ابن سود بن جذيمة بن دراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب، أبو رقية الداري، له صحبة.
حدث عن النبي ﷺ .
وروى عنه النبي ﷺ حديث الجساسة.
وكان يسكن فلسطين وقيل: إنه سكن دمشق.
حدث عامر قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس نسألها عن قضاء رسول الله ﷺ فيها، فلما ذهبنا لنخرج قالت: كما أنتم، أحدثكم بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: وأراها أمرت بطعامٍ يصنع فصنع، فأرادت أن تحبسنا عليه، قالت: بينما أنا في المسجد وفيه أناس - كأنها تقللهم - إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ يضحك حتى كادت تبدو نواجذه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إني حدثت حديثاً فرحت به فخرجت لأحدثكم به لتفرحوا لفرح رسول الله ﷺ ؛ إن تميم الدري حدثني أنه ركب البحر في نفرٍ من أهل فلسطين فرمت بهم الريح إلى جزيرةٍ فخرجوا، فإذا هم بشيء طويل الشعر، كبير، لا يدرون ما تحت الشعر أذكر أم أنثى؟! فقلنا لها: ألا تخبرينا وتستخبرينا؟ فقال: ما أنا بمخبركم شيئاً ولا مستخبركم، ولكن ائتوا هذا الدير فإن فيه من هو فقير إلى أن يخبركم ويستخبركم، قالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
فأتينا الدير فإذا فيه إنسانٌ نضرٌ وجهه، به زمانة، قال - وأحسبه موثق -: من أنتم؟ قلنا: نفرٌ من العرب، قال: هل خرج نبيكم؟ قالوا: نعم، قال: فما صنعتم؟ قلنا: اتبعوه، قال: أما إن ذلك خير لهم، قال: فما فعلت فارس والروم؟ قلنا: العرب تغزوهم، قال: فما فعلت البحيرة؟ قلنا ملأى تدفق، قال: فما فعل نخلٌ بين الأردن وفلسطين؟ قلنا: قد أطعم، قال: فما فعلت عين
стр. 1778
زغر؟ قال: تسقي ويسقى منها؛ قال: أنا الدجال، أما إني سأطأ الأرض كلها ليس طيبة ".
قال رسول الله ﷺ : " طيبة المدينة لا يدخلها ".
وعن تميم الداري: أن النبي ﷺ قال: " إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة ".
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
وعن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: " يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به فإني قد ضربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب.
ائتني به فلأريحه.
قال: فينطلق ملك الموت إليه ومعه خمس مائةٍ من الملائكة، معهم أكفانٌ وحنوطٌ من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرين لوناً، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر؛ قال: فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحفه الملائكة، ويضع كل ملكٍ منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر من تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة؛ مرة بأرواحها ومرة بكسوتها، ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى.
قال: وإن أزواجه ليبتهشنّ عند ذلك ابتهاشاً قال: وتنزو الروح، قال: تريد أن تخرج من العجلة إلى ما تحب، قال: ويقول ملك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى " سدرٍ مخضودٍ، وطلحٍ منضودٍ، وظلٍّ ممدودٍ، وماءٍ مسكوب " قال: ولملك الموت أشد لطفاً به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيبٌ لربه، فهو يلتمس بلطفه تحبباً لربه، رضىً للرب عنه، فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، قال: وقال الله ﵎: " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين " وقال: " فإما إن كان من المقربين فروحٌ
стр. 1779
وريحان وجنة نعيم " قال: روحٌ من جهد الموت، قال: وريحانٌ يتلقى به، قال: وجنة نعيم مقابلة.
قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني خيراً فقد كنت سريعاً بي إلى طاعة الله، بطيئاً بي عن معصية الله، وقد نجوت وأنجيت.
قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل بابٍ من السماء يصعد منه عمله، أو ينزل منه رزقه أربعين سنة، قال: فإذا قبض ملك الموت روحه أقامت الخمس مائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه بنو آدم لشقه إلا قلبته الملائكة قبلهم وعلته بأكفانٍ قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من بين باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، قال فيصيح عند ذلك إبليس صيحةً يتصدع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويل لكم كيف تخلص هذا العبد منكم؟ قال: فيقولون: إن هذا كان عبداً معصوماً، قال: فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة كلٌ يأتيه ببشارةٍ من ربه سوى بشارة صاحبه؛ قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش خر الروح ساجداً؛ قال: يقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي هذا فضعه في " سدرٍ مخضودٍ، وطلحٍ منضودٍ وظلٍّ ممدودٍ وماءٍ مسكوب " قال: فإذا وضع في قبره قال: جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان في ناحية القبر، قال: فيبعث الله عنقاً من العذاب قال: فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءك، والله مازال دائباً عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك، قال: ثم يأتيه عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك، قال: فلا يأتيه العذاب من ناحيةٍ يلتمس هل يجد إليه مساغاً إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته؛ فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج.
قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخرٌ
стр. 1780
عند الصراط والميزان، قال: وبعث الله ملكين، أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكب كل واحدٍ منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما منكرٌ ونكير، في يد كل واحدٍ منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها؛ قال: فيقولان له: اجلس، قال: فيجلس فيستوي جالساً، قال: وتقع أكفانه في حقويه، قال: فيقولان له: من ربك؟ وما دينك ومن نبيك؟ " قالوا: يا رسول الله، ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من الملكين ما تصف، قال: فقال رسول الله ﷺ : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء " قال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمدٌ ﷺ خاتم النبيين؛ قال: فيقولان: صدقت، قال فيدفعان القبر فيوسعانه من بين يديه أربعين ذراعاً، ومن خلفه أربعين ذراعاً، وعن يمينه أربعين ذراعاً، وعن شماله أربعين ذراعاً، ومن عند رأسه أربعين ذراعاً، ومن عند رجليه أربعين ذراعاً، قال: فيوسعان مائتي ذراع، قال: فأحسبه قال: أربعون ذراع يحاط به، قال: ثم يقولان: انظر فوقك، قال: فينظر فوقه فإذا بابٌ مفتوح إلى الجنة؛ قال: فيقولان له: ولي الله هذا منزلك إذ أطعت الله ".
قال: فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده، إنه تصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً، قال: ثم يقال له: انظر تحتك، فينظر تحته، فإذا بابٌ مفتوحٌ إلى النار، قال: فيقولان: يا ولي الله نجوت آخر ما عليك ".
قال: فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً "، قال: قالت عائشة: يفتح له سبعةٌ وسبعون باباً إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله، قال: فيقول الله لملك الموت: " انطلق إلى عدوي فائتني به، فإني قد بسطت له في رزقي، وسربلته نعمتي فأبى إلا معصيتي، فائتني به لأنتقم منه، قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورةٍ رآها أحدٌ من الناس قط، له اثنتا عشرة عيناً،
стр. 1781
ومعه سفود من النار، كثير الشوك، ومعه خمس مائةٍ من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعه سياطٌ من نار، لينها لين السياط وهي نار تأجج، قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربةً يغيب أصل كل شوكةٍ من ذلك السفود في أصل كلّ شعرةٍ وعرقٍ وظفر، ثم يلويه لياً شديداً قال: فينزع روحه من أظفار قدميه، قال: فيلقيها في عقبيه؛ قال: فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: ثم ينتره ملك الموت نترةً فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله سكرةً عند ذلك، فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكةوجهه ودبره بتلك السياط، فينتره ملك الموت نترة، قال: فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه، فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفه ملك الموت عنه، قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، قال: ثم تبسط الملائكة النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلى " سمومٍ وحميم، وظلٍّ من يحموم، لا باردٍ ولا كريم " قال: فإذا قبض ملك الموت روحه قال الروح للجسد: جزاك الله عني شراً فقد كنت سريعاً بي إلى معصية الله، بطيئاً بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت، قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، فتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها؛ وينطلق جنود إبليس يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من ولد آدم النار، قال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى، قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهماء كأعناق الإبل، يأخذون بأرنبته وإبهامي قدميه، فتقرضه حتى يلتقين في وسطه؛ قال: ويبعث الله ملكين، أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحدٍ منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما منكرٌ ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها، قال: فيقولان له اجلس، قال: فيجلس، فيستوي جالساً، قال وتقع أكفانه في حقوه، قال: فيقولون له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري،
стр. 1782
قال: فيقولان له: لا دريت ولا تليت، قال: فيضربانه ضربةً يتطاير سراره في قبره، ثم يعودان فيقولان له: انظر فوقك، فنظر، فإذا بابٌ مفتوحٌ من الجنة، قال: فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو كنت أطعت الله.
قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتد أبداً "، قال: فيقولان له: انظر تحتك، قال: فينظر تحته، فإذا بابٌ مفتوحٌ إلى النار، قال: فيقولان: عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله.
فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمدٍ بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتد أبداً ".
قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعةٌ وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها ".
حدث عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه قال:
قدم وفد الداريين على رسول الله ﷺ منصرفه إلى تبوك، وهم عشرة نفر، فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفار بن ربيعة بن دراع بن عدي بن الدار، وجبلة بن مالك بن صفارة وأبو هند والطيب ابنا ذر، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة فأسلموا، وسما رسول الله ﷺ الطيب عبد الله، وسمى عزيزاً عبد الرحمن؛ وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله ﷺ راوية خمر وأفراساً وقباء مخوصاً بالذهب فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: " تنزع الذهب فتحليه نساءك أو تستنفقه، ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه ".
فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف
стр. 1783
درهم؛ وقال تميم: لنا جيرةٌ من الروم لهم قريتان، يقال لإحداهما حبرى وللأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: " فهما لك "، فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك، وكتب له به كتاباً، وأقام وفد الداريين حتى توفي رسول الله ﷺ ، وأوصى لهم بجاد مائة وسق.
قال أبو هند الداري: قدمنا على رسول الله ﷺ مكة ونحن ستة نفر: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الله - وهو صاحب الحديث - وأخوه الطيب بن عبد الله، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان فأسلمنا، وسألنا رسول الله ﷺ أن يقطعنا من أرض الشام فقال رسول الله ﷺ : " سلوا حيث شئتم ".
فقال تميم: أرى أن نسأله بيت المقدس وكورها، فقال أبو هند: وكذلك يكون فيها ملك العرب، وأخاف إن لا يتم لنا هذا، فقال تميم: فنسأله بيت جبرين وكورتها فقال أبو هند: هذا أكبر وأكبر، فقال: فأين ترى أن نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يقع فيها حصن تل مع آبار إبراهيم؛ فقال تميم: أصبت ووفقت قال: فقال رسول الله ﷺ : " تميم أتحب تخبرني بما كنتم فيه، أو أخبرك؟ " فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله، نزداد إيماناً، فقال رسول الله ﷺ : " أردتم أمراً وأراد هذا غيره، ونعم الرأي رأى ".
قال: فدعا رسول الله ﷺ بقطعة جلدٍ من أدم، فكتب لنا فيها كتاباً نسخته: "
стр. 1784
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ذكر ما وهب محمدٌ رسول الله الداريين إذ أعطاه الله الأرض، وهب لهم بين عين وحبرون وبيت إبراهيم، بمن فيهن، لهم أبداً، شهد عباس بن عبد المطلب وجهم بن قيس وشرحبيل بن حسنة، وكتب ".
قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة، وعساه شيءٌ لا يعرف، وعقده من خارج الرقعة بسير عقدين، وخرج إلينا به مطوياً وهو يقول: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين " ثم قال: " انصرفوا حتى تسمعوا بي قد هاجرت ".
قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه فسألناه أن يجدد لنا كتاباً فكتب لنا كتاباً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما أنطى محمدٌ رسول الله ﷺ ، لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم عين وحبرون والبرطوم وبيت إبراهيم بدمنهم وجميع ما فيهم نطيةً بتة، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد، فمن آذاهم فيها أذله الله.
شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وكتب ".
فلما قبض رسول الله ﷺ وولي أبو بكر، وجه الجنود إلى الشام فكتب لنا كتاباً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: امنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها، وأراد الداريون أن يزرعوها فليزرعوها، فإذا رجع أهلها إليها فهي لهم وأحق بهم، والسلام عليك ".
стр. 1785
قال عكرمة: لما أسلم تميم الداري قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: " هي لك ".
قال: وكتب له بها، فلما استخلف عمر فظهر على الشام جاء تميم بكتاب النبي ﷺ فقال عمر: أنا شاهد ذلك، فأعطاها إياه.
قال: وبيت لحم هي القرية التي ولد عيسى ابن مريم فيها.
قال أبو عبيد: تميم الداري فخذٌ من لخم أو جذام.
وعن سماعة أن تميم الداري سأل رسول الله ﷺ أن يقطعه قرياتٍ بالشام عينون وقلاية والموضع الذي فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله على نبينا وعليهم، قال: وكان بها ركحه ووطيئه قال: فأعجب ذلك رسول الله ﷺ فقال: " إذا صليت فسلني ذلك ".
ففعل، فأقطعه إياهن بما فيهن.
فلما كان زمن عمر، وفتح الله الشام أمضى ذلك لهم.
قال أبو عبيد: أهل المدينة إذا شبروا الدار قالوا: بجميع أركاحها، يريدون جميع نواحيها.
وعن راشد بن سعد قال: قال تميم الداري، وهو تميم بن أوس، رجلٌ من لخم، فقال: يا رسول الله إن لي جبرةً من الروم بفلسطين لهم قرية يقال لها حبرى، وأخرى يقال لها بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: " هما لك ".
قال: فاكتب لي بذلك كتاباً، فكتب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمدٍ رسول الله ﷺ لتميم بن أوس الداري، أن له قرية حبرى وبيت عينون، قريتها كلها سهلها وجبلها وماؤها وحرثها، وأنباطها وبقرها، ولعقبه من بعده، لا يحاقه فيها أحد، ولا يلجه عليهم أحدٌ بظلم، فمن ظلمهم أو
стр. 1786
أخذ من أحدٍ منهم شيئاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وكتب علي ".
فلما ولي أبو بكر كتب لهم كتاباً نسخته: هذا كتابٌ من أبي بكر أمين رسول الله ﷺ الذي استخلف في الأرض بعده، كتبه للداريين، أن لا يفسد عليهم مأثرتهم قرية حبرى وبيت عينون، لمن كان يسمع ويطيع، فلا يفسد منها شيئاً، وليقم عمرو بن العاص عليهما فليمنعهما من المفسدين.
وعن محمد بن سيرين، عن تميم الداري قال: استقطعت رسول الله ﷺ أرضاً بالشام قبل أن تفتح، فأعطانيها، ففتحها عمر بن الخطاب في زمانه، فأتيته فقلت: إن رسول الله ﷺ أعطاني أرضاً من كذا إلى كذا، فجعل عمر ثلثها لابن السبيل، وثلثها لعمارتها، وترك لنا ثلثاً.
وعن مقاتل بن سليمان في قوله : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " نزلت في بديل بن أبي ما رية مولى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميم بن أوس الداري، وكان من لخم، وعدي بن بداء، فمات بديل وهم في السفينة في البحر؛ قال: " حين الوصية "، وذلك أنه كتب وصيةً، ثم جعله في متاعه، ثم دفعه إلى تميمٍ وصاحبه، وقال لهما: بلغا هذا المتاع أهلي.
فخلا ببعض المتاع، وحبسا جاماً من فضة مموهاً بالذهب، فنزلت " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية " يقول: عند الوصية يشهد وصيته " اثنان ذوا عدلٍ " من المسلمين في دينهما " أو آخران من غيركم " يعني من غير أهل دينكم النصرانيين تميم الداري وعدي بن بداء " إن أنتم " يا معشر المسلمين " ضربتم في
стр. 1787
الأرض " للتجارة " فأصابتكم مصيبة الموت " يعني بديل بن أبي مارية حين انطلق تاجراً في البحر، فانطلق معه تميمٌ وعديٌ صاحباه، فحضره الموت فكتب وصيته ثم جعله في المتاع وقال: أبلغا هذا المتاع أهلي، فلما مات بديل قبضا المال فأخذا منه ما أعجبهما؛ وكان فيما أخذا إناءً من فضة فيه ثلاث مائة مثقال منقوشاً مموهاً بالذهب، فلما رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تاماً لم يبع منه ولم يهب؛ فكلموا تميماً وصاحبه فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئاً أو اشترى فخسر فيه؟ أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنا قد افتقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا، قالا: ما لنا علم بما أبدى ولا بما كان في وصيته، ولكنه دفع إلينا هذا المال فبلغناكم إياه.
فرفعوا أمرهما إلى النبي ﷺ ونزلت " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " يعني بديل بن أبي مارية - " اثنان ذوا عدلٍ منكم " من المسلمين: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان " أو آخران من غيركم " من غير أهل دينكم - يعني النصرانيين " إن أنتم " يا معشر المسلمين " ضربتم في الأرض " تجاراً " فأصابتكم مصيبة الموت " يعني بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي " تحبسونهما " يعني النصرانيين تقيمونهما " من بعد الصلاة " يعني صلاة العصر " فيقسمان بالله " يقول: فيحلفان بالله " إن ارتبتم " يعني إن شككتم - نظيرها في النساء الصغرى - أن المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به " لا نشتري به ثمناً " يقول: لا نشتري بأيماننا عرضاً من الدنيا " ولو كان ذا قربى " يقول: ولو كان الميت ذا قرابة منا " ولا نكتم شهادة الله " إنا إذا كتمنا شيئاً من المال " إنا إذاً لمن الآثمين " بالله؛ فحلفهما النبي ﷺ عند المنبر بعض صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئاً من المتاع، فخلى سبيلهما.
فلما كان بعد ذلك، وجد الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا كان من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبع ولم يشتر ولم ينفق على نفسه؛ فقالا: قد كنا اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به.
فرفعوهما إلى النبي ﷺ الثانية، فقالوا: يا نبي الله إنا وجدنا مع هذين إناءً من فضة من متاع صاحبنا؛ فأنزل الله "
стр. 1788
فإن عثر على أنهما " يقول: فإن اطلع على أنهما يعني النصرانيين كتما شيئاً من المال أو خانا " فآخران " من أولياء الميت وهما عبد بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان " يقومان مقامهما " يعني مقام النصرانيين " من الذين استحق " الإثم " عليهم الأولين فيقسمان بالله " يعني فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر: أن الذي قالا في وصية صاحبنا حق، وأن المال كان أكثر من الذي أتيتمانا به وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما، فذلك قوله تعالى " لشهادتنا " يعني عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة " أحق من شهادتهما " يعني النصرانيين " وما اعتدينا " في الشهادة عليكما - يعني النصرانيين بشهادة المسلمين من أولياء الميت " إنا إذاً لمن الظالمين، ذلك أدنى " يعني أجر نظيرها في النساء " أن يأتوا " يعني النصرانيين " بالشهادة على وجهها " كما كانت، ولا يكتما شيئاً " أو يخافوا أن ترد أيمانٌ بعد أيمانهم " يقول: أو يخافوا أن يطلع على خيانتهما فرد شهادتهما بشهادة الرجلين المسلمين من أولياء الميت، فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أن الذي في وصية الميت حق وأن هذه الآنية من متاع صاحبنا فأخذوا تميم بن أوس الداري وعدي بن بداء النصرانيين بتمام ما وجدا في وصية الميت حين اطلع الله ﵎ على خيانتهما في الإناء، ثم وعظ الله المؤمنين أن يفعلوا مثل هذا أو يشهدوا بما لم يروا ولم يعاينوا؛ فقال يحذرهم نقمته: " واتقوا الله " واسمعوا مواعظه " والله لا يهدي القوم الفاسقين " ثم إن تميم بن أوس الداري اعترف بالخيانة فقال له النبي ﷺ : " ويحك يا تميم أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك ".
فأسلم تميم الداري وحسن إسلامه، ومات عدي بن بداء نصرانياً.
قال تميم الداري: كنت بالشام حين بعث رسول الله ﷺ فخرجت إلى بعض حاجتي فأدركني الليل
стр. 1789
فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، قال: فلما أخذت مضجعي إذا منادٍ ينادي لا أراه: عذ بالله فإن الجن لا تجير أحداً من الله.
فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميين رسول الله ﷺ ، وصلينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتبعناه؛ وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد وأسلم.
فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهباً به، وأخبرته الخبر، فقال: قد صدقوك نجده يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء، فلا تسبق إليه.
قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله ﷺ فأسلمت.
قال محمد بن سيرين: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وتميم الداري.
وقيل:
جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد، وأبو زيد؛ واختلفوا في رجلين من ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري.
وعن أبي كعب أنه كان يختم القرآن في ثمان ليال، وكان تميم الداري يختمه في سبع.
وعن ابن سيرين أن تميم الداري كان يقرأ القرآن في ركعة.
قال: وقالت امرأة عثمان حين دخلوا عليه ليقتلوه فقالت: إن تقتلوه فقد كان يحيي الليل كله بالقرآن في ركعة.
وعن محمد بن أبي بكر عن أبيه قال: زارتنا عمرة، فباتت عندنا، فقمت من الليل فلم أرفع صوتي بالقراءة، فقالت: يا بن أخي ما منعك أن ترفع صوتك بالقراءة؟ فما كان يوقظنا إلا صوت معاذ القارئ وتميم الداري.
стр. 1790
قال خارجة بن مصعب: ختم القرآن في الكعبة أربعةٌ من الأئمة: عثمان بن عفان؛ وتميم الداري؛ وسعيد بن جبير؛ وأبو حنيفة.
قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري صلى ليلةً حتى أصبح أو كرب أن يصبح يقرأ آيةً يرددها ويبكي: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون " وعن مسروق: أن تميم الداري ردد هذه الآية حتى أبح: " إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ".
وعن منكدر بن محمد، عن أبيه: أن تميم الداري نام ليلةً لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح، فقام سنةً لم ينم فيها عقوبةً للذي صنع.
حدث أبو العلاء عن رجل قال: أتيت تميم الداري، فتحدثنا حتى استأنست إليه، فقلت: كم جزءاً تقرأ القرآن في ليلة؟ فغضب وقال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة؟ فوالذي نفس تميمٍ بيده لأن أصلي ثلاث ركعاتٍ نافلةٍ أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلةٍ ثم أصبح فأقول: قرأت القرآن الليلة.
قال: فلما أغضبني قلت: والله إنكم معاشر صحابة رسول الله ﷺ من بقي منكم - لجديرون أن تسكتوا فلا تعلموا وأن تعنفوا من سألكم! فلما رآني قد غضبت لان وقال: ألا أحدثك يا بن أخي؟ قلت: بلى، والله ما جئت إلا لتحدثني؛ قال: أرأيت إن كنت أنا مؤمناً قوياً، وأنت مؤمن
следующие страницы →