← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قال محمد بن راشد: خرجنا مع مكحول إلى مكة فكان ثور بن يزيد يؤذن له، قال: فكان يأمره أن لا ينادي بالعشاء حتى تذهب الحمرة، ويقول: هو الشفق. مات أبو خالد ببيت المقدس سنة ثلاثٍ وخمسين ومائة وهو ابن بضعٍ وستين سنة، وقيل: مات سنة خمسٍ وخمسين ومائة. وكان ثقةً في الحديث، ويقال: إنه كان قدرياً، وذ (ان جد ثور بن يزيد قد شهد صفين مع معاوية، وقتل يومئذ، وكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا أحب رجلاً قتل جدي. لقي ثور الأوزاعي، فمد ثورٌ يده، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه، وقال: يا ثور إنه لو كانت الدنيا كانت المقاربة ولكن الدين، يقول: لأنه كان قدرياً. قال أبو مسلم الفزاري: ما سمعت الأوزاعي يقول في أحدٍ من الناس إلا في ثور بن يزيد ومحمد بن إسحاق، قال: ذلت له: يا أبا عمرو حدثنا ثور بن يزيد، قال: فغضب علي غضبةً ما رأيت مثلها، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : " ستةٌ لعنتهم فلعنهم الله وكل نبيٍ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله ". ثور بن يزيد أحدهم، تأخذ دينك عنه! وأما محمد بن إسحاق فكان يرى الاعتزال، قال: فجئت إلى كتابي الذي سمعته من ثور ومحمد بن إسحاق، فألقيته في التنور. وقد روي عنه أنه تبرأ من القول بالقدر.

стр. 1822

أسماء النساء على حرف الثاء المثلثة الثريا بنت عبد الله بن الحارث ويقال بنت علي بن عبد الله بن الحارث، ويقال: بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية المكية. وفدت على الوليد بن عبد الملك - بعد موت سهيل بن عبد الرحمن زوجها - في دينٍ عليها، وهي التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة في شعره. تزوج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الثريا بنت عبد الله بن الحارث، فحملت إليه من مكة إلى الشام، فقال عمر بن أبي ربيعة: " من الخفيف " أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يجتمعان هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني فلما وفدت على الوليد دخل عليها وهي عند أم البنين بنت عبد العزيز، فقال: من هذه يا بنت عبد العزيز؟ قالت: هذه الثريا بنت عبد الله، جاءتك في دينٍ ركبها، فأقبل الوليد على الثريا فقال: هل تروين من شعر عمر شيئاً؟ فقالت: نعم، أما إنه ﵀ كان عفيف الشعر أروي قوله: " من الخفيف " ما على الرسم المرس لو ب ... ين رجع التسليم أو لو أجابا فإلى قصر ذي العشيرة فال ((مأ ... لف أمسى من الأنيس جوابا ربما قد أرى به حي صدقٍ ... طاهر العيش نعمةً وشبابا وحساناً مثل المها خفراتٍ ... حافظاتٍ عند الهوى الأحبابا لا يكثرن في الحديث فلا يت ... بعن ينعقن بالبهام الضرابا

стр. 1823

فلما خلا الوليد مع أم البنين قال لها: لله در ثريا! أما تدرين ما أرادت بإنشادها الذي أنشدتني من قول ابن أبي ربيعة؟ قالت: لا، قال: لما عرضت لها به عرضت لي بأن أأعرابية. قال إسحاق الموصلي: بلغني أن الثريا كانت من أكمل النساء، وأحسنهم خلقاً، فكانت تأخذ جرةً من ماء فتفرغها على رأسها فلا تصيب باطن فخذها قطرةٌ من عظم كفلها. قال أبو سفيان بن العلاء: بصرت الثريا بعمر بن أبي ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق فرجمته، فأثر الخلوق في ثوبه، فجعل الناس يقولون: يا أبا الخطاب، ما هذا زي المحرم. فأنشأ يقول: " من الخفيف " أدخل الله رب موسى وعيسى ... جنة الخلق من ملاني خلوقا مسحت كفها بجيب قميصي ... حين طفنا بالبيت مسحاً رفيقا فقال له عبد الله بن عمر: مثل هذا القول تقول في مثل هذا الموضع!؟ فقال له: يا أبا عبد الرحمن قد سمعت مني ما سمعت، فورب هذه البنية ما حللت إزاري على حرامٍ قط. قال الزبير بن بكار: لما صرمت الثريا عمر بن أبي ربيعة اشتد وجده بها، دعا غلاماً له، ثم كتب معه في قرطاس: " من الخفيف " من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها واجتنابي وهي مكفوفة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب ذكرتني من بهجة الشمس لما ... طلعت بين دجنةٍ وسحاب دميةٌ عند راهبٍ قسيسٍ ... صوروها في مذبح المحراب فارجحنت في حسن خلقٍ عميمٍ ... تتهادى في مشيها كالحباب

стр. 1824

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً ... عدد الرمل والحصى والتراب سلبتني محاجر الماء عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي ثم قال للغلام: انطلق بهذا الكتاب إلى ابن أبي العتيق بالمدينة؛ فلما قرأ ابن أبي عتيق الكتاب قال: أنا والله رسوله إليها، فسار من فوره لا يعلم به أهله حتى قدم مكة، فأتى منزل عمر، فوجده غائباً، فنزل عن دابته وركب دابة لعمر، وقال لغلامه: دلني على منزل الثريا؛ فمضى معه، فلما انتهى إلى منزلها وجدها قد خرجت إلى البادية على رأس أميالٍ من مكة، فخرج نحوها، فلما دنا من الحي صهل البرذون، فعرفت الثريا صوته، فقالت لجواريها: هذا برذون الحبيب، ثم دعت براحلة، فرحلتها وركبتها وخرجت تلقاه، فإذا هي بابن أبي عتيق، فقالت: مرحباً، قد آن لك أن نراك يا عم ما جاء بك؟ قال: أنت والعاشق جئتما بي، فقالت: أما والله لو بغيرك تحمل ما أجبناه وليس لك مدفع امرر بنا نحوه. قال فأقبل نحو منزل عمر وقد كان بعض غلمانه صار إليه فأعلمه أن رجلاً قد صار إليهم من صفته كذا وكذا، قال: ويحك هو ابن أبي عتيق اسبقني إليه فقل له: هذا مولاي يأتيك الساعة. ثم انصرف مسرعاً فصار إلى منزله فسأل عن ابن أبي عتيق فأخبر أنه قد توجه إلى الثريا، فلم يلبث إلا يسيراً حتى وافاه ابن أبي عتيق، فخرج إليه فقبل يديه ورجليه، ثم قال: انزل جعلني الله فداك، فقال ابن أبي عتيق: مكة علي حرام إن أقمت بها ساعتي هذه، ثم دعا بدابته فتحول عنها، وشخص إلى المدينة راجعاً. أسماء الرجال على

стр. 1825

حرف الجيم جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب أبو خالد، ويقال أبو عبد الله السوائي. صاحب سيدنا رسول الله ﷺ . قال جابر: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر فجعل يهوي بيده بين يديه وهو في الصلاة، فسأله القوم حين انصرف، فقال: " إن الشيطان جاءني يلقي علي شرر النار ليفتنني فتناولته، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط بساريةٍ من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة ". وحدث جابر أيضاً قال: مات رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، مات فلان، فقال النبي ﷺ : " لم يمت ". فأتاه الثانية، فقال مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة، فقال النبي ﷺ : " كيف مات؟ " قال: نحر نفسه بمشقصٍ عنده، فلم يصل عليه النبي ﷺ . وحدث أيضاً قال: كان النبي ﷺ يصلي نحواً من صلاتكم، ولكنه كان يخفف الصلاة، كان يقرأ في صلاة الفجر بالواقعة ونحوها من السور. وحدث أيضاً أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح بقاف والقرآن المجيد، ورأيت صلاته بعد تخفيفاً.

стр. 1826

وحدث جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: " أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد وحتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ألا فمن سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن ". قال محمد بن سعد: وممن نزل الكوفة سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير، صحب النبي ﷺ هو وابنه جابر بن سمرة وهم حلفاء في بني زهرة، وابتنى بها داراً في بني سواءة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وأم جابر بن سمرة خالدة أخت سعد بن أبي وقاص. قال أبو بكر بن أبي خيثمة: جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. قال جابر بن سمرة: جالسته أكثر من مائة مرة - يعني النبي ﷺ كان يخطب خطبته الأولى ثم يقعد قعدةً ثم يقوم فيخطب خطبته الأخرى. قال جابر بن سمرة: كان النبي ﷺ يمر بنا فيمسح خدودنا، فمر ذات يومٍ فمسح بخدي، فكان الذي مسحه أحسن من الآخر.

стр. 1827

توفي جابر سنة ثلاثٍ وسبعين. قال: والمحفوظ سنة ست وسبعين في ولاية بشر بن مروان. جابر بن عبد الله بن عمرو ابن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الله ويقال: أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد الأنصاري الخزرجي السلمي الحرامي المدني. صحب النبي ﷺ . حدث جابرٌ قال: ولد لرجلٍ منا غلام، فسماه القاسم فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا تنعم عيناً. فأتينا النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: " سم ابنك عبد الرحمن ". وحدث جابرٌ قال: دخلت المسجد ضحىً، فإذا رسول الله ﷺ قاعد، فقال: " قم فصل ركعتين ". وعن جابرٍ قال: كنت في الجيش الذين مع خالد بن الوليد الذين أمد بهم أبو عبيدة بن الجراح وهو محاصرٌ دمشق، فلما قدمنا عليهم، قال لخالد: تقدم فصل فأنت أحق بالإمامة، لأنك جئت تمدني، فقال خالد: ما كنت لأتقدم رجلاً سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لكل أمةٍ أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". جابر بن عبد الله شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أصغرهم يومئذ. وشهد المشاهد كلها إلا بدراً وأحداً، وأراد شهود بدر فخلفه أبوه على أخواته، وكنّ تسعاً، وخلفه أيضاً حين خرج إلى أحدٍ، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد. واستشهد أبوه يوم أحد.

стр. 1828

وقال جابر: كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر. وأنكر محمد بن عمر أن يكون جابرٌ شهد بدراً. قال جابر: غزا النبي ﷺ إحدى وعشرين غزوةً بنفسه، شهدت منها تسع عشرة غزوةً. وذهب بصر جابرٍ أخيراً. قال جابر: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة. قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، قال: فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوةٍ قط. قال جابر بن عبد الله: كنا مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، وأخرجني خالي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجر. قال جابر: حملني خالي جد بن قيس وما أقدر أن أرمي بحجر في سبعين راكباً من الأنصار الذين وفدوا على النبي ﷺ . قال: فخرج إلينا رسول الله ﷺ ومعه العباس بن عبد المطلب، فقال: " يا عم خذ لي على أخوالك ". قالوا: يا محمد سل لربك ولنفسك ما شئت، قال: " أما الذي أسأل لربي، فتعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأما الذي أسأل لنفسي، فتمنعوني مما تمنعون منه أموالكم وأنفسكم ". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: " الجنة ". سئل جابر بن عبد الله: كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: سبعاً وعشرين غزوةً، غزا بنفسه وغزوت معه منها ست عشرة غزوةً، لم أقدر أن أغزو حتى قتل أبي ﵀ بأحد. وكان يخلفني على أخواتي، وكنّ تسعاً، فكانت أول عزوةٍ غزوتها معه حمراء الأسد إلى آخر مغازيه.

стр. 1829

قال موسى بن عقبة: وأمر النبي ﷺ أصحابه وبهم أشد القرح بطلب العدو وليسمعوا بذلك، وقال: " لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال ". يعني: بأحد، فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك، فقال: " لا "، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء، فانطلقوا، فقال الله في كتابه: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم ". قال: وأقبل جابر بن عبد الله السلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي رجعني وقد خرجت معك لأشهد القتال، فقال: ارجع. وناشدني أن لا أترك نساءنا، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل، فاستشهده الله فأرادني للبقاء لتركته، ولا أحب أن تتوجه وجهاً إلا كنت معك، وقد كرهت أن تطلب معك إلا من شهد القتال، فأذن لي، فأذن له رسول الله ﷺ ، فطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد، ونزل القرآن في طاعة من أطاع، ونفاق من نافق، وتعزية المسلمين، وشأن مواطنهم كلها، ومخرج رسول الله ﷺ إذ غدا، فقال جل ثناؤه: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، والله سميعٌ عليم " ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم. وعن جابرٍ قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، فقال لنا رسول الله ﷺ : " أنتم خير أهل الأرض. ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة ". قال جابر: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة فبايعنا وعمر آخذ بيده، تحت شجرةٍ وهي سمرة، قال: بايعنا على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. وعن جابرٍ في قوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " قال: بايعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1830

على الموت. وعن جابرٍ: أن النبي ﷺ قال له: " يا جابر هل تزوجت؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: " بكرٌ أو ثيب؟ " قلت: بل ثيب. قال: " فهلا بكراً تضاحكها وتضاحكك ". فقلت: يا نبي الله، إنها وإنها، وإنما أردتها لتقوم عليهن، ويأخذوا من آدابها، قال: " أصبت أرشدك الله ". قال جابر بن عبد الله: لما انصرفنا راجعين - يعني في غزوة ذات الرقاع - فكنا بالشقرة قال لي رسول الله ﷺ : " يا جابر ما فعل دين أبيك؟ " فقلت: عليه، انتظرت يا رسول الله أن يجذ نخله، قال رسول الله ﷺ : " إذا جذذت فأحضرني ". قال: قلت: نعم. قال: " من صاحب دين أبيك؟ " قلت: أبو الشحم اليهودي، له على أبي سقة من تمر. فقال لي رسول الله ﷺ : " فمتى تجذها؟ " قال: قلت: غداً. قال: " يا جابر فإذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها ". قال: ففعلت، فجعلت الصيحاني على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة على حدة، ثم عمدت إلى جماعٍ من التمر، مثل نخبة وقرن وشقمة، وغيرها من الأنواع، وهو أقل التمر، فجعلته حبلاً واحداً، ثم جئت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فانطلق رسول الله ﷺ ومعه علية أصحابه فدخلوا الحائط، وحضر أبو الشحم. قال: فلما نظر رسول الله ﷺ إلى التمر مصنفاً قال: " اللهم بارك له ". ثم انتهى إلى

стр. 1831

العجوة فمسها بيده وأصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: " ادع غريمك "، فجاء أبو الشحم، فقال: " اكتل ". فاكتال حقه كله من حبلٍ واحد وهو العجوة، وبقية التمر كما هو، فقال: " يا جابر هل بقي على أبيك شيء؟ " قال: لا، وبقي سائر التمر، فأكلنا منه دهراً، وبعنا منه حتى أدركت الثمر من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما على أبي من الدين، فقضى الله ما على أبي من الدين؛ فلقد رأيتني والنبي ﷺ يقول لي: " ما فعل دين أبيك؟ " فقلت: قد قضاه الله. قال: " اللهم اغفر لجابر "، فاستغفر لي في ليلة خمساً وعشرين مرة. قال جابر: أتيت النبي ﷺ أستعينه في دينٍ كان على أبي. قال: فقال: " آتيكم ". قال: فرجعت، فقلت للمرأة: لا تكلمي رسول الله ﷺ ولا تسأليه. قال: فأتانا، فذبحنا له داجناً كان لنا، فقال: " يا جابر كأنكم عرفتم حبنا اللحم! " قال: فلما خرج قالت له المرأة: صل علي وعلى زوجي، أو صل علينا. قال: فقال: " اللهم صل عليهم ". قال: قلت لها: أليس قد نهيتك؟ قالت: ترى رسول الله ﷺ يدخل علينا ولا يدعو لنا!. وعن جابرٍ قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه، فجعلت فمي على خاتم النبوة فجعل ينفح علي مسكاً، وقد حفظت منه تلك الليلة سبعين حديثاً ما سمعها معي أحد. قال جابر بن عبد الله: دخلت على رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: " مرحباً بك يا جابر، جزاكم الله معشر الأنصار خيراً، آويتموني إذ طردني الناس، ونصرتموني إذ خذلني الناس، فجزاكم الله خيراً ". قال: قلت: بل جزاك الله عنا خيراً، هدانا الله إلى الإسلام، وأنقذنا من شفا حفرة النار، فبك نرجو الدرجات العلا من الجنة. ثم قال: " يا جابر! هؤلاء الأعنز أحد عشر عنزاً في الدار أحب إليك أم كلمات علمنيهنّ جبريل ﵇ آنفاً تجمع لك خير الدنيا والآخرة؟ " قال: فقلت: والله يا رسول الله إني لمحتاج وهؤلاء الكلمات أحب إلي، قال: " قل اللهم أنت الخلاق العظيم، اللهم إنك سميع عليم، اللهم إنك غفور رحيم، اللهم إنك رب العرش العظيم، اللهم إنك أنت الجواد الكريم، فاغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واسترني واجبرني

стр. 1832

وارفعني واهدني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين ". قال: فطفق يرددهن علي حتى حفظتهن، ثم قال لي: " تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك ". ثم قال: " استقهن معك ". قال: فسقتهن معي. وعن جابر قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ ثم رش علي منه، فأفقت فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ قال: فأنزلت " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ". وفي حديثٍ آخر: فقلت يا رسول الله إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. وفي رواية: فلم يقل رسول الله ﷺ شيئاً حتى نزلت آية الميراث يرونها " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " يقول: فهذه نزلت فيه. روى عبد الرحمن بن سعيد قال: جئت جابر بن عبد الله الأنصاري في فتيانٍ من قريش، فدخلنا عليه بعد أن كف بصره، فوجدنا حبلاً معلقاً في السقف وأقراصاً مطروحةً بين يديه أو خبزاً فكلما استطعم مسكين قام جابر إلى قرصٍ منها وأخذ الحبل حتى يأتي المسكين فيعطيه ثم يرجع بالحبل حتى يقعد، فقلت له عافاك الله نحن إذا جاء المسكين أعطيناه، فقال: إني أحتسب المشي في هذا، ثم قال: ألا أخبركم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: سمعته يقول: " إن قريشاً أهل أمانة لا يبغيهم العثرات أحد إلا أكبه الله لمنخريه ". وعن جابر بن عبد الله قال: هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليه وهلاكٌ بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم.

стр. 1833

وعن جابر بن عبد الله قال: تعلموا العلم، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل بالعلم، ثم أبشروا. حدث عباس بن سهل الساعدي عن أبيه قال: كنا بمنى فجعلنا نخبر جابر بن عبد الله ما نرى من إظهار قطف الخز والوشي - يعني السلطان وما يصنعون - فقال: ليت سمعي قد ذهب كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره. وعن جابر بن عبد الله قال: لما قدم بسر بن أرطاة المدينة أخذ الناس بالبيعة، قال: فجاءت بنو سلمة وتغيب جابر فقال: لا أبايعكم حتى يجيء جابر، قال: فانطلق جابر إلى أم سلمة فسألها، فقالت: هذه بيعة لا أرضاها، إذهب فبايع تحقن بها دمك. قال أبو الحويرث: هلك جابر بن عبد الله فحضرنا بابه في بني سلمة، فلما خرج بسريره من حجرته إذا حسن بن حسن بين عمودي السرير، فأمر به الحجاج بن يوسف أن يخرج من بين العمودين فيأبى عليهم حتى تعاطوه، فسأله بنو جابر إلا خرج، فخرج، وجاء الحجاج حتى وقف بين العمودين حتى وضع فصلى عليه ثم جاء إلى القبر، فإذا حسن بن حسن قد نزل في قبره، فأمر به الحجاج أن يخرج، فأبى، فسأله بنو جابر بالله فخرج، فاقتحم الحجاج الحفرة حتى فرغ منه. وكان جابرٌ آخر من مات بالمدينة من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ . ومات سنة ثمانٍ وسبعين، وقيل غير ذلك، وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة.

стр. 1834

جابر بن عبد الله بن عصمة المحاربي حدث الأوزاعي قال: قال جابر بن عبد الله بن عصمة لثابت بن معبد، وهو ومن قومه: يا ثابت هل راعك ما راعني؟ قال: وما هو؟ قال: لقد أتى علي زمانٌ لو قيل لي: هل تعرف في قومك امرأ سوء؟ لوقفت أتذكر، فهذا أنا الآن لو قيل لي: هل تعرف في قومك رجلاً صالحاً لوقفت أتذكر. جارية بن قدامة بن مالك بن زهير ويقال ابن قدامة بن زهير بن الحصين بن رزاح بن أبي سعد واسمه أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، أبو أيوب، ويقال: أبو قدامة، ويقال: أبو يزيد التميمي ثم السعدي، وقيل اسمه جويرية. له صحبة، وقيل لا صحبة له، وروى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً، وشهد صفين مع علي أميراً، وقدم دمشق على معاوية. حدث الأحنف بن قيس عن عم له وهو جارية بن قدامة قال: قلت: يا رسول الله، قل لي قولاً وأقلل لعلي أعقله قال: " لا تغضب ". فرددت على رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يرد علي رسول الله ﷺ : " لا تغضب ". صحب جارية أمير المؤمنين علياً، وكان يقال له محرق لأنه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة، وكان ابن الحضرمي وجه به معاوية إلى البصرة ينعى قتل عثمان ويستنفر أهل البصرة على قتال علي، فوجه عليٌ جارية بن قدامة إليه، فتحصن منه ابن الحضرمي بدار تعرف بدار سنبل، فأضرم جارية الدار عليه، فاحترقت بمن فيها، وكان جارية شجاعاً مقداماً فاتكاً. وكان عم الأحنف بن قيس.

стр. 1835

وكان معاوية في سنة أربعين بعث بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس، فتنحى عبيد الله وأقام بسرٌ عليها، فبعث عليٌ جارية بن قدامة السعدي فهرب بسر، ورجع عبيد الله بن عباس إليها، فلم يزل عليها حتى قتل عليٌ ﵁. قال عبد الملك بن عمير: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية، ومع معاوية على سريره الأحنف بن قيس والحتات المجاشعي، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة - قال: وكان قليلاً - قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقد شبهتني بها حامية اللسعة، حلوة البساق، والله ما معاوية إلا كلبةٌ تعاوي الكلاب، وما أمية إلا تصغير أمة، قال معاوية: لا تفعل، قال: إنك فعلت، قال: إذاً فاجلس معي على السرير، قال: لا، قال: لمَ؟ قال: رأيت هذين قد أماطاني عن مجلسك فلم أكن لأشركهما، قال: إذاً أسارك، فدنا، قال: إني اشتريت من هذين دينهما. قال: ومني فاشتر يا أمير المؤمنين، قال: لا تجهر. قال الفضل بن سويد: وفد الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، والحتات بن يزيد المجاشعي على معاوية، فقال لجارية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب والموقد النار في شعلك، تجوس قرى عربية بسفك دمائهم. قال جارية: يا معاوية دع عنك علياً، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية. قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية، قال: لا أم لك، قال: أم ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا، قال: إنك لتهددني! قال: إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً، وأذرعاً شداداً وأسنةً حدداً، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر، دلفنا إليك بباعٍ

стр. 1836

من ختر. قال معاوية: لا كثر الله في الناس أمثالك. قال: قل معروفاً يا أمير المؤمنين فقد بلونا قريشاً فوجدناك أوراها زنداً وأكثرها رفداً، فارعنا رويداً، فإن شر الرعاء الحطمة. ولما خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية جعل يقاتل ويرتجز: أنا ابن سيف الله ذاكم خالد ... أضرب كل قدمٍ وساعد بصارمٍ مثل الشهاب الواقد ... أنصر عمي إن عمي والدي بالجهد لا بل فوق جهد الجاهد فخرج إليه جارية بن قدامة وهو يقول: " من مشطور الرجز " اثبت لصدر الرمح يا بن خالد ... اثبت لليث ذي فلولٍ حارد من أسد خفان شديد الساعد ... ينصر خير راكعٍ وساجد من أسد خفان كحق الوالد ثم اطعنا فلم يصنعا شيئاً، وانصرف كل واحد منهما عن صاحبه. حدث أحمد بن عبيد قال: بين الأحنف في الجامع بالبصرة، إذا رجل قد لطمه، فأمسك الأحنف يده على عينه وقال: ما شأنك؟ فقال: اجتعلت جعلاً على أن ألطم سيد بني تميم، فقال: لست سيدهم، إنما سيدهم جارية بن قدامة - وكان جارية في المسجد - فذهب الرجل فلطمه، قال: فأخرج جارية من حقه سكيناً وقطع يده وناوله، فقال الرجل: ما أنت قطعت يدي، إنما قطعها الأحنف بن قيس.

стр. 1837

جامع بن بكار بن بلال أبو عبد الرحمن العاملي حدث عن يحيى بن أيوب بسنده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو قائم على المنبر: " من جاء منكم الجمعة فليغتسل ". وحدث عن محمد بن راشد بسنده عن بلال مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " امسحوا على الموقين والخمار ". قال جامع بن بكار: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: لما قتل علي بن أبي طالب ﵇ حملوه ليدفنوه مع رسول الله ﷺ ، فبينا هم في مسيرهم إذ ند الجمل الذي حملوا عليه علياً فلم يدروا أين ذهب، ولم يقدر عليه. قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب. جانوش بن بك أبو الحسن الفرغاني حدث بدمشق عن أبي يحيى الفضل بن يحيى الوراق بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " ستكون فتن ". قيل: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام ". سمع بدمشق سنة ست عشرة وثلاث مائة. جبرون بن عبد الجبار بن واقد الليثي الدمشقي. حدث عن سفيان عن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان آخر الزمان حرم فيه دخول الحمام على ذكور أمتي بمئازرها ". قالوا: يا رسول الله لمَ ذاك؟ قال: " لأنهم يدخلون على قومٍ عراة، ويدخل عليهم أقوام عراة، ألا وقد لعن الله الناظر والمنظور إليه ".

стр. 1838

جبريل بن يحيى بن قرة ابن عبيد الله بن عتبة بن سلمة بن خويلد بن عامر بن عائذ بن كلب بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم أحمس بن الغوث أبو غالب البجلي الجرجاني. شهد حصار دمشق مع عبد الله بن علي، وولي بعض مغازي الروم في أيام المنصور، وولاه المهدي سمرقند. وفي سنة أربعين ومائة كتب أمير المؤمنين أبو جعفر إلى صالح بن علي يأمره ببناء مدينة المصيصة، فوجه جبريل بن يحيى فرابط بها حتى بناها، وفرغ منها سنة إحدى وأربعين ومائة. وقيل: إن صالح بن علي وجه جبريل بن يحيى الخراساني في سنة اثنتين وأربعين ومائة في جماعة من أهل خراسان إلى المصيصة، فبنى مدينتها القديمة وعمرها وأنزلها الناس. جبلة بن الأيهم بن جبلة ابن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب بن عامر بن جارية بن امرئ القيس، ومارية هي بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، أبو المنذر الغساني الجفني. أدرك النبي ﷺ ، وقيل: إنه أرسل إليه شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام وكان منزله الجولان وغيره من أعامل دمشق، ودخل دمشق غير مرة، وأسلم ثم تنصر ولحق ببلاد الروم، وكان آخر ملوك غسان، وقيل: إنه لم يسلم قط.

стр. 1839

روي في أحاديث دخل بعضها في بعض قالوا: وكتب رسول الله ﷺ إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﷺ ، وأهدى له هدية، ثم لم يزل مسلماً حتى كان في زمن عمر بن الخطاب، فبينا هو في سوق دمشق إذا وطئ رجلاً من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ فانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال: هذا لطم جبلة. قال: فيلطمه. قالوا: أوما يقتل؟ قال: لا، فقالوا: أفما تقطع يده؟ قال: لا، إنما أمر الله بالقود، قال جبلة: أترون أني جاعل وجهي نداً لوجه جديٍّ جاء من عمق؟! بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانياً، وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، وقال لحسان بن ثابت: أبا الوليد أما علمت أن صديقك جبلة بن الأيهم ارتد نصرانياً؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ولمَ؟ قال: لطمه رجل من مزينة. قال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها. وقيل إن جبلة أقام على نصرانيته إلى أن شهد اليرموك مع الروم في خلافة عمر، ثم أسلم بعد ذلك. وقيل: إن جبلة لم يسلم البتة، وإنما سأل عمر أن لا يأخذ منه الجزية، ويقبل منه الصدقة، فامتنع عليه، فلحق بالروم، والأظهر أنه أسلم ثم تنصر. وقال سعيد بن عبد العزيز: قال عمر بن الخطاب لجبلة: يا جبيلة! فلم يجبه، ثم قال: يا جبلة! فلم يجبه مرتين، ثم قال: يا جبلة! فأجابه. قال: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تسلم فيكون لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإما أن تؤدي الخراج، وإما أن تلحق بالروم. قال: فلحق بالروم. قال الكلبي: ذكروا أنه لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني من ملوك جفنة في خلافة عمر بن الخطاب، كتب إلى عمر يعلمه بإسلامه ويستأذنه في القدوم عليه، فلما وصل كتابه إلى عمر سره ذلك، وكتب إليه يأذن له في القدوم عليه، فخرج جبلة في خمسين ومائة رجل من أهل

стр. 1840

بيته حتى إذا كانوا من المدينة على ميلين عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل وقلدهم قلائد الفضة وألبسهم الديباج وسرق الحرير، ولبس تاجه فيه قرطا مارية وهي جدته. قال: وبلغ عمر بن الخطاب، فبعث إليه بالنزل هناك، ثم دخل المدينة في هيئته. قال: فلم تبق بكر ولا عانس إلا خرجت تنظر إلى جبلة وموكبه، فأقبل حتى دخل على عمر بن الخطاب، فسلم عليه ورحب به عمر، وسر بإيلامه وقومه، ثم أقام أياماً، وأراد عمر الحج من عامة ذلك، فخرج جبلة معه مشهوراً بالموسم ينظر إليه الناس ويتعجبون من هيئته وكماله. قال: فبينا جبلة يطوف بالبيت إذ وطئ رجل من بني فزارة إزاره من خلفه فانحل، فما ورع جبلة أن رفع يده فهشم أنف الفزاري، فولى الفزاري والدماء تشخب من أنفه حتى استعدى عليه عمر بن الخطاب، فبعث إلى جبلة فأتاه، فقال له: يا جبلة هشمت أنف الرجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اعتمد حل إزاري، ولولا حرمة الكعبة لضربت بالسيف بين عينيه، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل، وإلا أقدته منك، قال: تصنع ماذا؟ قال عمر: إما أن يهشم أنفك كما هشمت أنفه، وإما أن ترضيه. قال جبلة: أو خطير هو لي؟ قال: تعم. قال: وكيف وأنا ملك وهو سوقة؟ قال عمر: الإسلام قد جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالعافية. قال جبلة: والله لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن سأكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. قال عمر: هو ما ترى إما أن تقيده أو ترضيه. قال جبلة: إذاً أتنصر. قال عمر: إن فعلت قتلتك. قال: لمَ؟ قال: لأنك قد دخلت في الإسلام فإن ارتددت قتلتك. قال: فلما رأى جبلة أن عمر لا تأخذه في الله لومة لائم وليست له حيلة، واجتمع من حي الفزاري وحي جبلة على باب عمر جمعٌ كثير حتى كادت تكون فتنة عظيمة، فقال: أنا أنظر في هذا الأمر ليلتي هذه، وانصرف إلى منزله، وتفرق الناس فلما ادلهم الليل عليهم تحمل جبلة في أصحابه من ليلته إلى الشام، وأصبحت المدينة منه ومن قومه بلاقع، ثم أتى الشام فتحمل في خمس مائة أهل بيت من عكٍّ وجفنة حتى دخل القسطنطينية في زمن هرقل فتنصر هو وقومه فلما رأى ذلك هرقل أقطعه حيث شاء وأجرى عليه من النزل ما شاء، وجعله من سماره ومحدثيه، وظن أنه فتحٌ من الفتوح عليه عظيم، فمكث دهراً، ثم إن عمر بدا له أن

стр. 1841

يكتب إلى هرقل كتاباً يدعوه إلى الله وإلى الإسلام، فكتب إليه ووجه به مع رجلٍ من أصحابه، فأتى هرقل، فأعطاه كتاب عمر، فسر به وأجاب إلى كل خير من غير أن يجيب إلى الإسلام، ولما أراد صاحب عمر الخروج من عنده، قال هرقل يا عربي قال: قل ما تشاء؟ قال: هل لقيت ابن عمك؟ قال: من ابن عمي؟ قال: جبلة بن أيهم الغساني. قال: لا، قال: فالقه وانظر إلى حاله، قال صاحب عمر: فأتيت جبلة بن أيهم، فما إخالني رأيت بباب هرقل من السرور والبهجة ما رأيت بباب جبلة، فلما استأذنت عليه أذن لي، فدخلت، فقام إلي ورحب بي وألطفني وعانقني وعاتبني في ترك النزول عليه. قال: وإذا هو في بهوٍ عظيم فيه من التماثيل والهول ما لا أحسن أصفه، وإذا هو في جماعة على سريرٍ من ذهب وأربع قوائمه أسد من ذهب، وإذا هو رجلٌ أصهب ذو سبال، وإذا هو قد أمر بالذهب الأحمر فسحك فذر في لحيته، واستقبل مجلسه ذلك عين الشمس، فما أحسبني رأيت شيئاً قط أحسن منه، ثم أجلسني على شيءٍ لم أتبينه فلما تبينته إذا هو كرسيٌ من ذهب، فانحدرت عنه، فقال: ما لك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا وشبهه، قال: وسألني عن الناس، وألحف في السؤال عن عمر، ثم جعل يتنهد حتى عرف الحزن فيه، فقلت: ما يمنعك من الرجوع إلى قومك وإلى الإسلام؟ قال: بعد الذي كان! قلت: نعم، وكان الأشعث بن قيس الكندي ارتد عن الإسلام فضربهم بالسيف ومنعهم الزكاة ثم دخل في الإسلام وزوجه أبو بكر الصديق، فقال: دع هذا عنك، ثم أومأ إلى وصيفٍ قائمٍ على رأسه فولى يحضر فما شعرنا إلا بالصناديق يحملها الرجال، فوضعت أمامنا مائدةٌ من ذهب فاستعفيت منها، فأمر بمائدة خلنجٍ فوضعت أمامي، وسعى علينا من كل حارٍ وبارد في صحاف ذهبٍ وفضة، قال: وأداروا علينا الخمر فاستعفيت منها، فأمر برفعها، فلما فرغنا من الطعام، أتي بطشتٍ من ذهب وإبريق من ذهب فتوضأ، ثم أومأ إلى وصيفٍ له فولى يحضر، فما كان إلا هنيهة حتى أقبل عشرة جوارٍ فقعد خمسٌ على يمينه وخمسٌ عن يساره على كراسي العاج، قال: ثم سمعت وشوشةً خلفي، فإذا عشرٌ أخر لم أر مثلهنّ حسناً وجمالاً أفضل من الأول، فقعد خمسٌ عن يمينه وخمسٌ عن يساره على كراسي الخز والوشي، ثم أقبلت جارية من أحسن ما تكون من الجواري بطائرٍ

стр. 1842

أبيض مؤدب، في يدها اليمنى جام ذهبٍ فيه مسكٌ وعنبر سحينان وفي يدها اليسرى جام من فضة فيه ماء ورد وزنبق لم أشم مثله فنفرت بالطائر فانحدر في جام الماورد والزنبق، فأعقب بين ظهره وبطنه وجناحيه فلم يدع منه شيئاً إلا احتمله، ثم نفرت به حتى سقط على صليبٍ في تاج جبلة، ثم رفرف بجناحيه فلم يبق عليه شيء إلا كان على جبلة على رأسه ولحيته. قال: ثم دعا بمكوكٍ طويل من ذهب شرب فيه خمسة خمراً أعدها عداً، ثم استهل واستبشر ثم قال للجواري: أطربنني قال: فخفقنا بعيدانهن، واندفعن يغنين: " من الكامل " لله در عصابةٍ نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون من ورد البريص عليهم ... صهبا تصفق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل قال: فطرب ثم قال: هل تعرف هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: قاله ابن الفريعة حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ فينا وفي ملكنا، قال: قلت: نعم أما إنه ضرير كبير، قال: ثم سكت هنية ثم قال: أطربنني، فخفقن بعيدانهن واندفعن يغنين: " من الخفيف " لمن الدار أقفرت بمعان ... بين فرع اليرموك فالصمان فالقريات من بلاس فداري ... افسكاء فالقصور الدواني فحمى جاسم إلى مرج ذي الصف ... ر مغنى قبائلٍ وهجان

стр. 1843

تلك دار العزيز بعد ألوفٍ ... وحليلٍ عظيمة الأركان صلوات المسيح في ذلك الدي ... ر دعاء القسيس والرهبان ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر محاه تعاقب الأزمان قال: هل تعرف هذه المنازل ومن قائلها؟ قلت: لا، قال: يقولها ابن الفريعة فينا وفي ملكنا ومنازلنا بأكناف غوطة دمشق حسان بن ثابت. قال: ثم سكت طويلاً، ثم قال: بكينني. قال: فوضعن عيدانهن، ونكسن رؤوسهن، واندفعن يقلن: " من الطويل " تنصرت الأشراف من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها لجاجٌ ونخوةٌ ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة ... وقد يصبر العود الكبير على الدبر قال: وانصرف الجواري وجعل يده على وجهه يبكي حتى نظرت إلى دموعه تحول لحيته كأنها فصيص اللؤلؤ. قال: وبكيت معه، ثم نشف دموعه بكمه ومسح وجهه، ثم قال: يا جارية هاتي، فأتته بخمس مائة دينار هرقلية، قال: ادفع به إلى حسان بن ثابت وأقرئه مني السلام، ثم قال: يا جارية هاتي، فأتته بخمس مائة دينار هرقلية قال: خذها صلة لك، فأبيت عليه، قلت: لا أقبل صلة رجلٍ ارتد عن الإسلام وأمير المؤمنين عليه ساخط، فحرص بي، فأبيت عليه، ثم ودع وقال: أقرئ عمر بن الخطاب مني والمسلمين السلام، ثم خرجت من عنده فأتيت عمر، فقال: هيه ما يصنع هرقل؟ فخبرته، ثم قال: هل لقيت جبلة بن أيهم الغساني؟ قلت: نعم قال: وتنصر؟ قلت: نعم. ال: أو رأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم، قال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته، فما الذي سرح به معك؟ قلت: وجه إلى حسان بن ثابت خمس مائة دينار،

стр. 1844

واقتصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها قال: هاتها، فدفعتها إليه، فقال: يا غلام ادع لي حسان بن ثابت، فدعي، فلما دخل عليه وكان ضريراً ومعه قائده، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين إني لأجد روائح آل جفنة عندك. قال: نعم، قد أتاك الله من جبلة بمعونة، ونزع لك منه على رغم أنفه، قال: فأخذها وولى وهو يقول: " من الكامل " إن ابن جفنة من بقية معشرٍ ... لم يغذهم أباؤهم باللوم لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... لا لا ولا متنصراً بالروم يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم وأتيته يوماً فقرب مجلسي ... وسقى فرواني من الخرطوم وقيل إن جبلة توفي في أول خلافة معاوية بأرض الروم سنة أربعين من الهجرة. جبلة بن سحيم أبو سويرة ويقال: أبو سريرة - براءين - التيمي، ويقال الشيباني الكوفي. قال جبلة: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " الشهر هكذا وهكذا وهكذا "، وقبض إبهامه في الثالثة. قال جبلة بن سحيم: دخلت على معاوية بن أبي سفيان وهو في خلافته وفي عنقه حبل وصبيٌ يقوده فقلت: يا أمير المؤمنين أتفعل هذا وأنت على أربع؟! فقال: يا لكع اسكت، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان له صبي فليتصاب له ". توفي جبلة بن سحيم في فتنة الوليد بن يزيد. وقال: وتوفي سنة خمسٍ وعشرين ومائة.

стр. 1845

جبلة بن مطر قال جبلة بن مطر: سمعت فضالة بن عبيد يقول: كل ما رد عليك سيفك وصويلجانك. قال عبد الله بن يوسف: الصويلجان: المقراض. جبير بن الحويرث بن نقيذ ابن بجير بن عبد بن قصي بن كلاب، ويقال: الحويرث بن نقيذ بن عبد بن قصي القرشي. له رؤية وإدراك للنبي ﷺ ، وليست له رواية عنه. حدث جبير بن الحويرث قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة ". قال جبير بن الحويرث: رأيت أبا بكر ﵁ واقفاً على قزح وهو يقول: أيها الناس أصبحوا، أيها الناس أصبحوا، ثم دفع وإني لأنظر إلى فخذه قد انكشفت مما يخرش بعيره بمحجنه. وفي حديث آخر: يعني من جمع. وقزح جبل المزدلفة. ويخرش أو يجرش بالجيم. قالوا: الخرش: الكد والاستحثاث، والمحجن: العصا المعوجة للرأس. وقد يكون المحجن الصولجان، والخرش أن يضربه بالمحجن ثم يجتذبه إليه يريد بذلك تحريكه للإسراع والسير. قال جبير بن الحويرث: حضرت يوم اليرموك المعركة، فلا أسمع للناس كلمة ولا صوتاً إلا نقف الحديد بعضه

стр. 1846

بعضاً، إلا أني قد سمعت صائحاً يصيح يقول: يا معشر المسلمين يوم من أيام الله أبلوا فيه بلاء حسناً، وإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان. قال الزبير بن بكار: والحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصي، كان ممن أهدر رسول الله ﷺ دمه يوم فتح مكة، وكان مؤذياً لله ورسوله.

стр. 1847

نجز الجزء الخامس ويتلوه في السادس إن شاء الله تعالى جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل. /

стр. 1848

جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب. أبو محمد - ويقال أبو عدي القرشي المكي له صحبة ورواية عن النبي ﷺ . حدث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة قاطع ". وحدث جبير قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، قال: فلما سمعته يقرأ: " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ". إلى قوله: " فليأت مستمعهم بسلطان مبين "، كاد قلبي يطير. وعن جبير قال: قدمت على النبي ﷺ المدينة في فداء الأسرى، فاضطجعت في المسجد بعد العصر وقد أصابني الكرى فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعا بقراءة النبي ﷺ في المغرب: " والطور وكتاب مسطور ". فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي. قال جبير بن مطعم: لما بعث الله نبيه ﷺ ، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت

стр. 1849

ببصرى أتتني جماعة من النصارى، قالوا: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي، فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، وإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله ﷺ . فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، فقلت: لا أخبرهم حتى أعرف ما يقولون، قالوا: أهو هذا قلت؟ وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ ، فقلت: اللهم اشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده وحدث جبير أيضاً قال: كنت أكره أذى قريش لرسول الله ﷺ . لما ظننت أنهم سيقتلونه خرجت حتى لحقت بدير من الديارات، فذهب أهل الدير لرأسهم، فأخبروه فقال: أقيموا له حقه الذي ينبغي له ثلاثاً. فلما مرت ثلاث رأوه لم يذهب، فانطلقوا إلى صاحبهم فأخبروه فقال: قولوا له: قد أقمنا لك حقك الذي ينبغي لك، فإن كنت وصباً فقد ذهب وصبك، وإن كنت واصلاً فقد نأل لك أن تذهب إلى من تصل، وإن كنت تاجراً فقد نأل لك أن تخرج إلى تجارتك، قال: ما كنت واصلاً ولا تاجراً وما أنا بنصب، فذهبوا إليه فأخبروه فقال: إن له لشأناً فسلوه ما شأنه؟ قال: فأتوه فسألوه فقال: لا والله إلا أني في قرية إبراهيم، وابن عم يزعم أنه نبي فآذاه قومه وتخوفت أن يقتلوه، فخرجت لئلا أشهد ذلك. قال: فذهبوا إلى صاحبهم فأخبروه بقولي، قال: هلموا، فأتيته فقصصت عليه قصتي، فقال: تخاف أن يقتلوه؟ قلت: نعم، قال: وتعرف شبهه لو تراه مصوراً؟ قلت: نعم، عهدي به قريب، فأراه صوراً مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة ثم يقول:

стр. 1850

أتعرف؟ فأقول: لا، حتى كشفت صورة مغطاة، فقلت: ما رأيت شيئاً أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله وجسمه وبعد ما بين منكبيه، فقال: فتخاف أن يقتلوه؟ قال: أظنهم قد فرغوا منه. قال: والله لا يقتلوه ولنقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله، ولكن قد وجب حقك علينا، فامكث ما بدا لك وادع بما شئت، قال: فمكثت عندهم حيناً ثم قلت: لو اطلعتهم فقدمت مكة فوجدتهم قد أخرجوا رسول الله ﷺ إلى المدينة. فلما قدمت قامت إلي قريش فقالوا: قد تبين لنا أمرك وعرفنا شأنك، فهلم أموال الصبية التي عندك استودعكها أبوك، فقلت: ما كنت لأفعل حتى تفرقوا بين رأسي وجسدي، ولكن دعوني أذهب فأدفعها إليهم، فقالوا: إن عليك عهد الله وميثاقه ألا تأكل من طعامه. قال: فقدمت المدينة وقد بلغ رسول الله ﷺ الخبر فدخلت عليه، فقال لي فيما يقول: إني لأراك جائعاً، هلموا طعاماً. قلت: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت، قال: فحدثته بما أخذوا علي، قال: فأوف بعهدك ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره: كان من إعطاء رسول الله ﷺ من المؤلفة قلوبهم من أصحاب المئين من بني نوفل بن عبد مناف: جبير بن مطعم مئة من الإبل. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ليلة قريب مكة في غزوة فتح: إن بمكة أربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشرك وأرغب لهم في الإسلام، فقيل: وما هم يا رسول الله؟ قال: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو. وعن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: أدخلوا علي ولا تدخلوا علي إلا بني عبد المطلب، فدخل جبير من تحت القبة فأخذوا برجله، فقال النبي ﷺ : أرسلوه فإن ابن أخت القوم منهم. وعن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال له: يا جبير، أتحب إذا خرجت سفراً أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟

стр. 1851

فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فاقرأ هذه السورة: قل يا أيها الكافرون، وإذا جاء نصر الله والفتح، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وافتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. قال جبير: وكنت غير كثير المال، فكنت أخرج مع من شاء الله في السفر، فكنت أبذهم هيئة أقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن وقرأتهن أكون أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى في سفري ذلك وفي إقامتي، وما كان من أصحابي أحد أقل ديناً مني. كان جبير ابن مطعم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق ﵁ من أنسب العرب. ولما أتي عمر بن الخطاب بسيف النعمان بن المنذر، دعا جبير بن مطعم فسلحه إياه ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: كان رجلاً من أشلاء قنص بن معد، وكان جبير أنسب العرب للعرب. كان مطعم بن عدي - أبو جبير - من أشراف قريش، وكان كافاً عن أذى سيدنا رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ في أسارى بدر: " لو كان مطعم بن عدي حياً لوهبت له هؤلاء النتنى "، وذلك ليد كانت لمطعم عند سيدنا رسول الله ﷺ ، كان أجاره حين رجع من الطائف، وقام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم حين حصروا في الشعب، وكان مبقياً على نفسه، لم يكن يشرف لعداوة رسول الله ﷺ ولإيذائه ولا يؤذي أحداً من المسلمين كما كان يفعل غيره، ومدحه أبو طالب في قصيدة له. وتوفي مطعم بن عدي بمكة بعد هجرة رسول الله ﷺ بسنة واحدة، ودفن بالحجون، مقبرة أهل مكة، وكان يوم توفي ابن بضع وتسعين سنة. وكان يكنى أبا وهب. ورثاه حسان بن ثابت بقصيدته التي يقول فيها:

стр. 1852

فلو كان مجد يخلد اليوم واحداً ... من الناس أنجى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى ملب وأحرما تزوج جبير بن مطعم امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فقرأ: " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ". قال: أنا أحق بالعفو منها، فسلم لها المهر كاملاً فأعطاها إياه. توفي جبير بن مطعم سنة ثمان وخمسين. وقيل سنة تسع وخمسين. جبير بن نفير بن مالك بن عامر أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله الحضرمي من أهل حمص. أدرك النبي ﷺ وقدم دمشق وسمع بها. حدث جبير بن نفير عن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله ﵎ ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً على كنفي الصراط، سوران لهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور، وداع يدعو على رأس الصراط وداع من فوقه، والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فالأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، لا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف ستر الله، والذي يدعو من فوقه واعظ الله ﵎ ". حدث جبير بن نفير عن المقداد بن الأسود قال: جاءنا المقداد بن الأسود لحاجة له فقلنا: اجلس عافاك الله حتى نطلب لك حاجتك، فجلس فقال: العجب من قوم مررت بهم آنفاً يتمنون الفتنة، يزعمون ليبتليهم الله فيها بما ابتلى رسوله ﷺ وأصحابه، وأيم الله، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن

стр. 1853

السعيد لمن جنب الفتن، يوردها ثلاث مرات وإن ابتلي وصبر، وايم الله، لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم ما يقول عليه "، بعد حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " لقلب ابن آدم أسرع انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياً ". قال جبير بن نفير: دخلت على أبي الدرداء بدمشق وبين يديه جفنة من لحم، فقال لي: ياجبير، اجلس فأصب من هذا اللحم، فإن كنيسة في ناحيتنا أهدى لنا أهلها مما ذبحوا لها، فجلست فأكلت معه. وقيل إن جبير بن نفير لم يلق النبي ﷺ ، ولكنه صحب الصحابة بعد النبي ﷺ . وقيل إنه أسلم في خلافة أبي بكر، وكان ثقة قيما يروي من الحديث. وحدث جبير بن نفير قال: أدركت الجاهلية وأتانا رسول الله ﷺ باليمن فأسلمنا. في حديث طويل. وحدث جبير بن نفير قال: قد استقبلت الإسلام من أوله، فلم أزل أرى في الناس صالحا وطالحا. حدث جبير بن نفير: أن يزيد بن معاوية كتب إلى معاوية فذكر أن جبير بن نفير قد نشر في أهل مصري حديثا، فقد تركوا القرآن، قال: فبعث إلى جبير، فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف بعضه، وأنكر بعضه، فقال معاوية: لأضربنك ضربا أدعك لمن بعدك نكالا، قال جبير: يامعاوية لاتطغ في، يامعاوية، إن الدنيا قد انكسرت عمادها، وانخسفت أوتادها، وأحبها أصحابها، قال: فجاء أبو الدرداء فأخذ بيد جبير فقال: والذي نفس أبي الدرداء بيده لئن كان تكلم به جبير لقد تكلم به أبو الدرداء، ولو شاء جبير أن يخبر أنه إنما

стр. 1854

سمعه من أبي الدرداء لفعل، ولو ضريتموه يامعاوية لضربكم الله بقارعة تحل بدياركم فتتركها منكم بلاقع. وعن جبير بن نفير قال: خمس خصال قبيحة في أصناف من الناس: الحدة في السلطان، والحرص في القراء، والفتوة في الشيوخ، والشح في الأغنياء، وقلة الحياء في ذوي الأحساب توفي جبير بن نفير سنة خمس وسبعين. وقيل سنة ثمانين. جحاف بن حكيم بن عاصم بن قيس ابن سباع بن خزاعي بن محارب بن هلال بن فالج بن ذكوان ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي. قال الجحاف بن حكيم: دخلت على عبد الملك بن مروان وهو خليفة فقال لي: ما قلت في حرب قيس وتغلب؟ قال: قلت: صبرت سليم للطعان وعامر ... وإذا جزعنا لم نجد من يصبر قال: كذبت من يصبر كثير. قال: ثم قلت: نحن الذين إذا غلوا لم يضجروا ... يوم الطعان وإن علوا لم يفخروا قال: صدقت، كذلك حدثني أبي عن أبي سفيان قال: لما انهزم الناس ورجعوا أشرف رسول الله ﷺ على وادي حنين فبصر ببني سليم في أيديهم الجحف والرماح والسيوف ولم ينهزموا، فلما نظر إليهم على تلك الحال قال: أنا ابن العواتك من سليم ولا فخر.

стр. 1855

قال الجحاف: وقد قال شاعرنا لبني هاشم: اذكروا حرمة العواتك منا ... يابني هاشم بن عبد مناف قد ولدنا كم ثلاث ولادا ... ت خلطنا الأشراف بالأشراف قال الحسن بن علان: الجحاف بن حكيم السلمي الذكواني الذي وقع ببني تغلب الوقعة المشهورة بالبشر فبقر بطون النساء، ثم خرج هاربا لعظم ما أتى إليهم، فحمل الحجاج بن يوسف تلك الحمالة لبني تغلب عنه، يقال إنه لم تكن حمالة قط أعظم منها. وروي أن عبد الله بن عمر رأى الجحاف وهو يطوف بالبيت ويقول: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل، فقال له: يا عبد الله، لو كنت الجحاف ما زدت على ما تقول، قال: فأنا الجحاف. حدث عمر بن عبد العزيز بن مروان: أنه حضر الجحاف بن حكيم السلمي والأخطل عند عبد الملك بن مروان والأخطل ينشد: ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر قال: فقيض وجهه في وجه الأخطل ثم قال: نعم سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميراً بالرماح الخواطر يعني عمير بن الحباب السلمي، ثم قال: لقد ظننت يابن النصرانية أنك لم تكن تجترئ علي، ولو رأيتني لك مأسورا، وأوعده، فما زال الأخطل من موضعه حتى حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. قال: هذا أجرتني منه يقظان فمن يجيرني منه دائماً؟ فضحك عبد الملك.

стр. 1856

وفي رواية: أن الجحاف كان عند عبد الملك بن مروان فدخل عليه الأخطل فأنشده: ألا أبلغ الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر قال: وهم يأكلون تمرا، قال: فجعل الجحاف يأخذ التمرة ويجعلها في عينه من الغضب، ثم نهض وقد سقط رداؤه من جانب، وهو يجره، فقال عبد الملك للأخطل: ويحك إني أخشى أن تكون قد سقت إلى قومك شراً، فخرج الجحاف حتى أتى قومه وقد أوسق بغالا، فيها حصا في الأحمال يوهم أنها مال، ثم نادى في قومه فاجتمعوا إليه على أخذ الجائزة، فلما اجتمعوا كشف عما فيها فإذا هو الحصا، وقال: انما أردت أن أجمعكم لهذا، ثم أنشدهم قول الأخطل. قال: فمن أراد أن يتبعني فليتبعني، فاتبعه منهم عدة آلاف، فسار. فلما أمسى قال: من كان منكم مضعفا فليرجع، فرجع قوم ثم مضى فقال: من كان يكره الموت فليرجع، فرجع عنه قوم، فسار مسيرة أربع في يوم وليلة حتى صبح حي الأخطل، فأغار عليهم فقتل النساء والصبيان والماشية، وذبح الدجاج والكلاب، وأفلت الأخطل هاربا، فقال لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول وإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل قال: فقيل له: إلى أين؟ قال: إلى النار، فقال له عبد الملك: يابن اللخناء أيكون عن قريش مستماز ومزحل؟ قال: ثم إن الجحاف خاف من عبد الملك، فخرج إلى بلاد الروم فقبله صاحب الروم، ثم إن عبد الملك وجه الصائفة فلقيهم الروم ولقيهم الجحاف مع الروم، فهزمت الصائفة. فلما رجعوا سأل عبد الملك عن الخبر فقالوا: أتينا من الجحاف، فبعث إليه عبد الملك يؤمنه فرجع وعرض عليه صاحب الروم النصرانية والمقام عنده ويعطيه ما شاء فأبى وقال: لم أخرج رغبة عن الإسلام، إنما خرجت حمية، فلما رجع تفكر فيما صنع وندم فدعا مولى له أو اثنين فركبا وركب معهما وقد لبس أكفانا حتى أتى إلى البشر إلى حي الأخطل، فلم يرعهم حتى جاءهم، فقالوا: قد أتى الجحاف فقالوا:

стр. 1857

ما جاء بك؟ قال: أعطي القود من نفسي فإن شئتم فاقتلوا، فتسرع بعضهم، وقال مشايخهم: تجبذون عنقه في الحبل وتقتلونه أسيرا؟ لا كان هذا أبداً، فتركوه وعفوا عنه. قالوا: وقيل: إن الجحاف لما سار في جماعة من قومه إلى بني جشم بن بكر رهط الأخطل وأوقع بهم وقتل مقتلة عظيمة فيهم أبو الأخطل، وقع الأخطل في أيديهم وعليه عباءة دنسة، فسألوه فذكر أنه عبد فأطلقوه فقال: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة جدار بن جدار العذري الصنعاني صنعاء دمشق. كانت له بدمشق دار. حدث بسنده عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: من هاله الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يقاتله فليكثر أن يقول: سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب وفضة ينفقان في سبيل الله. وحدث جدار أيضا أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول سمعت أبا الدرداء يقول: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يعلم أن للقرآن وجوها. جد بن قيس أحد العباد كان يكون بجبل لبنان من أعمال دمشق. قال جد بن قيس: كان أول عبادتي أني قعدت على جبل لبنان، فإذا أنا بثلاثة قبور على ارتفاع من الأرض فإذا على أحدها مكتوب:

стр. 1858

وكيف يلذ العيش من كان موقناً ... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده ... وتجزيه بالخير الذي هو فاعله ورأيت على القبر الثاني مكتوبا: وكيف يلذ العيش من كان صائراً ... إلى جدث تبلي الشباب منازله ويذهب رسم الوجه من بعد حسنه ... فأين منه جسمه ومفاصله ورأيت على القبر الثالث مكتوبا: وكيف يلذ العيش من كان موقناً ... بأن المنايا بغتة ستعاجله وتسلبه ملكا عظيما ونخوة ... وتسكنه البيت الذي هو آهله جراح بن عبد الله بن جعادة ابن أفلح بن الحارث بن درة بن حدقة بن مظة، واسمه سفيان بن سليم بن الحكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، أبو عقبة الحكمي من قواد أهل الشام من دمشق. ولي البصرة في أيام الوليد بن عبد الملك للحجاج، ثم ولي العراق في أيام سليمان خلافة ليزيد بن المهلب، ثم ولي خرا سان وسجستان لعمر بن عبد العزيز، وولي عدة جهات وكان قارئا غازيا. قال الجراح بن عبد الله: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.

стр. 1859

وفي رواية: تركت الذنوب حياء من الناس أربعين سنة. فلما جاوزت الأربعين أدركني الورع. فتركتها حياء من الله . قال الوليد بن مسلم: كان الجراح بن عبد الله الحكمي إذا مشى في مسجد الجامع بدمشق يميل رأسه عن القناديل من طوله. قال أبو عمرو: بعث الحجاج إذ كان يقاتل مصعباً والحرورية بالعراق إلى صاحب أهل دمشق، فلما أتاه قال له: اطلب لي من أصحابك رجلاً جليداً بئيساً ذا رأي وعقل، فقال: أصلح الله الأمير، ماأحسبني إلا وقد أصبته، إن في أصحابي رجلا من حكم بن سعد يقال له الجراح، جلدا صحيح العقل يعد ذلك من نفسه، يعني البأس، قال: فابعث إليه، فلما رآه الحجاج قال له: ادن يا طويل، فلم يزل يقول له ذلك ويشير إليه بيده حتى لصق به أو كاد، ثم قال: اقعد فقعد تحك ركبته وليس عنده غيره، ثم قال له: قم الساعة إلى فرسك فاحسسه واعلفه وأصلح منه، ثم خذ سرجه ولجامه وسلاحك فضعه عند وتد فرسك، ثم ارقب أصحابك حتى إذا أخذوا مضاجعهم ونوموا فاشدد على فرسك سرجه ولجامه، واصبب عليك سلاحك وخذ رمحك، ثم اخرج حتى تأتي عسكر أعداء الله فتعاينهم، وتنظر إلى حالاتهم وماهم عليه، ثم تصحبني غداً، ولاتحدثن شيئا حتى تنصرف، فإذا انصرفت إلى أصحابك الساعة فلا تخبرهم بما عهدته إليك، فنهض الجراح. فلما أتى أصحابه وهم متشوقون له سألوه عن أمره فقال: سألني الأمير عن أمر أهل دمشق واعتل لهم، ثم فعل ما أمره الحجاج، ثم خرج من العسكر يريد عسكر القوم، فلما كان في المنصف من العسكرين لقي رجلا في مثل حاله، فعلم الجراح أنه عين للعدو يريد مثل الذي خرج له، فتوافقا وتساءلا ثم شد عليه الجراح فقتله وأوثق فرسه برجله، ثم نفر إلى المعسكر الذي فيه القوم فعاينه وعرف من حاله وحال أهله ما أمر به، ثم انصرف إلى القتيل فاحتز رأسه وأخذ سلاحه

стр. 1860

وجذب فرسه وعلث الرأس في عنق فرسه، ثم أقبل. وصلى الحجاج صلاة الصبح وقعد في مجلسه وأمر بالأستار فرفعت، وتشوف منتظراً الجراح وجعل يومئ بطرفه إلى الناحية التي يظن أنه يقبل منها. فبينا هو كذلك إذ أقبل الجراح يجذب الفرس، والرأس منوط في لبان فرسه، فأقبل الحجاج يقول ويقلب كفيه: فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم، ومالم تأمرني، حتى وقف بين يديه، فسلم ثم نزل. وحدث الحجاج بما صنع وما عاين من القوم، فلما فرغ من حديثه زبره الحجاج وانتهره وقال له: انصرف، فانصرف فبينا هو في رحله إذ أقبل فراشون يسألون عن الجراح معهم رواق وفرش وجارية وكسوة، فدلوا على رحله، فلم يكلموه حتى ضربوا له الرواق وفرشوا له فرشاً وأقعدوا فيه الجارية، ثم أتوه فقالوا: انهض إلى صلة الأمير وكرامته. فلم يزل الجراح بعدها يعلو ويرتفع حتى ولي أرمينية واستشهد، قتلته الخزر سنة خمس ومئة. قال أبو حاتم: الجراح مولى مسكان أبي هانئ أبي أبي نواس، عني أبو نواس بقوله: يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم قال الصلت بن دينار: رأيت في المنام كأن رجلا قطعت يداه ورجلاه وآخر صلب، فغدوت على ابن سيرين فأخبرته بذلك فقال: إن صدقت رؤياك نزع هذا الأمير وقدم أمير آخر قال: فلم نمس من يومنا حتى نزع قطن بن مدرك وقدم الجراح بن عبد الله. كتب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة إلى عامله على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي يأمره أن يدعو أهل الجزية إلى الإسلام، فإن أسلموا قبل إسلامهم ووضع الجزية عنهم، وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فقال له رجل من أشراف أهل خراسان: إنه والله ما يدعوهم إلى الإسلام إلا أن توضع عنهم الجزية، فامتحنهم بالختان،
следующие страницы →