Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وبإسناده أن رسول الله ﷺ قال: " قال الله : أنفق أنفق عليك ".
توفي جعفر بن سوار سنة ثمان وثمانين ومئتين.
جعفر بن محمد بن عبد الله
ابن أحمد بن العباس بن إدريس بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب أبو محمد الجعفري النيسابوري قدم دمشق وحدث بها.
روى عن أحمد بن محمد الغزال بطوس بسنده عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: " من وعده الله على عمل ثواباً، فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ".
جعفر بن محمد بن علي بن يزيد
ابن عبد الله أبو محمد الهمداني المعروف بالمليح سمع بدمشق حدث عن هلال بن العلاء بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من جلس في مجلس كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك ثم أتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه.
стр. 1927
جعفر بن محمد بن الفضل
ابن عبد الله أبو القاسم البغدادي الدقاق المعروف بابن المارستاني نزيل مصر. قرأ بصيدا وببغداد، وولد سنة ثمان وثلاث مئة.
حدث عن الحسين بن الخضر بسنده عن أبي هند الداري قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره مني بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت ".
قال محمد بن علي الصوري: كان كذاباً، ومات بمصر في سنة سبع وثمانين وثلاث مئة.
جعفر بن محمد بن الفضيل
أبو الفضل الجزري الرسعني سمع بدمشق حدث عن سعيد بن أبي مريم بسنده عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من رآني، فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتلون بي ".
جعفر بن محمد بن محمد
ويقال جعفر بن محمد بن خالد البرذعي روى عن هشام بن خالد بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " شهر رمضان شهر الله، وشهر شعبان شهري، وشعبان المطهر، ورمضان المكفر ".
стр. 1928
جعفر بن محمد بن موسى
أبو محمد النيسابوري الأعرج الحافظ سكن حلب.
حدث عن محمد بن يحيى بسنده عن أنس قال: " كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. " وحدث عن إدريس بن يونس الحراني بسنده عن أبي الدرداء قال: " قال رسول الله ﷺ : من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو إدخال السرور رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة ".
كان جعفر ثقة، حافظاً، عالماً، عارفاً. توفي بحلب سنة سبع وثلاث مئة.
جعفر بن محمد بن الوليد
حدث عن الوليد بن ميلم عن ابن جابر قال: " شكت أم عمر بن المنكدر إلى أخيه محمد بن المنكدر ما يلقاه من كثرة بكائه بالليل، فاستعان محمد عليه بأبي حازم، فدخلوا عليه فقال أبو حازم: يا عمر، ما هذا البكاء الذي شكته أمك! قال: إنه إذا جن علي الليل هالني فأستفتح القرآن، فما تنقضي عني عجيبة، حتى إن الليل ينقضي، وما قضيت نهمتي. قال: فما الذي أبكاك؟ قال: آية في كتاب الله هي التي أبكتني: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ".
جعفر المتوكل بن محمد المعتصم
ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع بالخلافة بعد موت أخيه هارون الواثق بمشاورة في ذلك.
стр. 1929
قال محمد بن شجاع الأحمر: دخلت على المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي، فجعل نصر يحض المتوكل على الرفق، ويمدح الرفق، ويوصي به، والمتوكل ساكت، فلما سكت نصر قال المتوكل، والتفت إلى يحيى بن أكثم القاضي فقال له: أنت يا يحيى حدثتني بسندك عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: " من حرم الرفق حرم الخير. " ثم أنشأ يقول:
الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
لا خير في حزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحا
لما مات الواثق أجمع وصيف التركي وأحمد بن أبي دؤاد ومحمد بن عبد الملك وأحمد بن خالد المعروف بابن أبي الوزير وعمر بن فرج، فعزم أكثرهم على تولية محمد بن الواثق، فأحضروه وهو غلام أمرد، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أما تتقون الله! كيف تولون مثل هذا الخلافة؟! فأرسلوا بغا الشرابي إلى جعفر بن المعتصم فأحضروه، فقام ابن أبي دؤاد فألبسه الطويلة ودراعة، وعممه بيده على الطويلة، وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم غسل الواثق، وصلى عليه المتوكل ودفن.
وكان المتوكل رأى في النوم كأن سكراً سليماً نيئاً سقط عليه من السماء، مكتوبا عليه: جعفر المتوكل على الله. فلما صلى على الواثق قال محمد بن عبد الملك: نسميه المنتصر، وخاض الناس في ذلك، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رآه في منامه، فوجده موافقا، فأمضى وكتب بذلك للآفاق.
ولد المتوكل سنة سبع ومائتين، وقيل خمس، وبويع بسر من رأى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان أسمر، حسن العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب، كنيته أبو الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شجاع، من سروات النساء سخاء وكرماً، ولما بويع أظهر السنة وبسطها ونصر أصحاب السنة.
ودخل دمشق في صفر سنة أربع وأربعين ومائتين، وكان من لدن شخص من سامراء إلى أن دخلها سبعة وسبعون يوما، وعزم على المقام بها ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها، فتحرك الأتراك في أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم، فأمر لهم بما أرضاهم، ثم استوبأ
стр. 1930
البلد وذلك أن الهواء بها بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر، فلا تزال تشتد حتى تمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث، وغلت عليه الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة، وسير المتوكل بغا لغزو الروم، وغزا الصائفة. وأقام المتوكل بدمشق شهرين وأياماً، ثم رجع إلى سر من رأى.
وكان السبب الذي عزم به المتوكل على الشخوص إلى دمشق أن خرج إلى الموضع المعروف بالمحمدية بسامراء في بعض نزهه التي كان يخرج فيها، وذكروا بحضرته البلدان وهواء كل بلد وطيبه، وما فيه مما يفضل به على غيره، وذكر إسرائيل بن زكريا المتطبب المعروف بالطيفوري دمشق، واعتدال الهواء بها وطيبها في الصيف، وقلة حرها وبرد مياهها، وكثرة البساتين والأشجار بها، وأنها من البلدان التي يصلح لأمير المؤمنين سكناها وتلائم بدنه، وتنحل عنه فيها العلل التي لا تزال تعرض له في العراق عند حلول الصيف، ووافق ذلك مجيء كتاب عامل سميساط بمصير الروم إلى القرى التي بالقرب من المدينة وإخرابهم إياها، فأمر المتوكل بالأهبة للسفر.
ولما نزل دمشق بنى بأرض داريا قصراً عظيماً، ووقعت من قلبه بالموافقة، فخرج يوماً يتصيد فأجمع قوم من جنده على الفتك به، واتصل ذلك به فرحل إلى سامراء، وقتل بها.
قال علي بن الجهم السامي: وجه إلي المتوكل فأتيته، فقال لي: رأيت النبي ﷺ الساعة في المنام، فقمت إليه فقال لي: تقوم إلي وأنت خليفة فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، أما قيامك إليه فقيامك بالسنة، وقد عدك من الخلفاء. قال: فسر بذلك.
كان إبراهيم بن محمد التميمي قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق، قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع، وأظهر السنة.
стр. 1931
قال محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: جعلت دعائي في المشاهد كلها للمتوكل، وذلك أن عمر بن عبد العزيز جاء الله به يرد المظالم، وجاء الله بالمتوكل يرد الدين.
قال هشام بن عمار: سمعت المتوكل يقول: واحسرتي على محمد بن إدريس الشافعي ﵀، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه، وأشاهده، وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله ﷺ في المنام ثلاث ليال متواليات وهو يقول: يا أيها الناس، إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله، وخلف فيكم علماً حسناً فاتبعوه تهتدوا، فإن كلام المطلب سنتي، يا أيها الناس، من ترحم على محمد بن إدريس الشافعي غفر الله تعالى له ما أسر وما أعلن. ثم قال المتوكل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه، وارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك.
حكى علي بن الجهم عن المتوكل، كلاماً، وقد بلغه أن رجلا أنكر على رجل ينتمي إلى التشيع وقال قولا أغرق فيه من مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فغضب المتوكل وقال: الناسب هذا المادح إلى الغلو جاهل، وهو إلى التقصير أقرب، وهل أحد بعد رسول الله ﷺ من أئمة الإسلام أحق بكل ثناء حسن من علي! وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعذل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا. فقال له: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله، قال النبي ﷺ " من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار " فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.
стр. 1932
قال يزيد المهلبي: قال لي المتوكل يوماً: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبوني فيطيعوني.
قال عبد الأعلى بن حماد الزينبي: قدمت على المتوكل بسر من رأى، فدخلت عليه يوماً فقال: يا أبا يحيى، قد كنا هممنا لك بأمر فتدافعت الأيام به، فقلت: يا أمير المؤمنين، سمعت مسلم بن خالد المكي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة وأنشدته:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا أذمك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
فجذب الدواة فكتبها. ثم قال: ننجز لأبي يحيى ما كنا هممنا له به، وهو كذا ونضعف لخبره هذا.
دخل علي بن الجهم على جعفر المتوكل وبيده درتان يقلبهما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
وإذا مررت ببئر عر ... وة فاسقني من مائها
قال: فدحا بالدرة التي في يمينه فقبلتها، فقال لي: تستنقص بها! وهي والله خير من مائة ألف. قلت: لا والله، مااستنقصت، ولكن فكرت في أبيات أعملها آخذ التي في يسارك. فقال لي: قل، فأنشأت أقول:
بسر من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار
стр. 1933
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار
قال: فدحا بالتي في يساره وقال: خذها لا بارك الله لك فيها. وقد رويت هذه الأبيات للبحتري في المتوكل.
قال الفتح بن خاقان: دخلت يوماً على المتوكل فرأيته مطرقاً يتفكر فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين! فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالاً. فقال: يا فتح، أطيب عيشاً مني رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه.
قال المتوكل لعلي بن الجهم وكان يأنس به ولا يكتمه شيئاً من أمره: يا علي، إني دخلت على قبيحة الساعة فوجدتها قد كتبت على خدها بغالية - جعفر -، فوالله ما رأيت شيئاً أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخد، فقل في هذا شيئاً. قال: وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع الكلام، قال: إذ دعي لعلي بالدواة والدرج، وأخذ يفكر، قالت على البديهية:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا
لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
فيا من لمملوك لملك يمينه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا
ويا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفراً
وبقي علي بن الجهم واجماً لا ينطق بحرف، وأمر المتوكل عريباً فغنت في هذا الشعر.
وفي رواية أخرى: أن المتوكل لما رآها أنشد هو هذه الأبيات.
стр. 1934
قال علي بن الجهم: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل على الله أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان جواري، فكانت فيهن جارية يقال لها محبوبة، وكانت قد نشأت في الطائف، وكان لها مولى مغرى بالأدب، وكانت قد أخذت عنه وروت الأشعار، وكان المتوكل بها معجباً، فغضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها، فكانت في حجرتها لا يكلمها أحد أياماً، فرأته في المنام كأنه قد صالحها. قال علي: فلما أصبح دخلت عليه فقال: يا علي، أشعرت أني رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني! فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين، إذاً يقر الله عينك، ويسرك، فوالله إنا لفيما نحن فيه من حديثها، إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين فقالت: يا سيدي، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال أمير المؤمنين: قم بنا يا علي ننظر ما هذا الأمر! فنهضنا حتى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب بالعود وتقول:
أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني
فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد رآني في الكرى فصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني
قال: فصاح أمير المؤمنين وصحت معه، فسمعت فتلقت أمير المؤمنين، وأكبت على رجليه تقبلهما فقالت: يا سيدي، رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني. فقال: وأنا والله قد رأيتك، فردها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت.
فلما كان من أمر المتوكل ما كان، تفرقن وصرن إلى القواد، ونسين أمير المؤمنين، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير، فما كان لباسها إلا البياض، وكانت تنتحب وتشهق، إلى أن جاس وصيف يوماً للشرب، وجلس جواري المتوكل يغنينه، فما بقيت منهن واحدة إلا تغنت غيرها. فقالت: إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى. فقال لها الجواري: ل وكان في الحزن فرج لحزنا معك. وجيء بالعود فوضع في حجرها فأنشأت تقول:
стр. 1935
أي عيش يطيب لي ... لا أرى فيه جعفراً
ملك قد رأته عي ... ني جريحاً معفرا
كل من كان ذا هيا ... م وسقم فقد برا
غير محيوية التي ... لو ترى الموت يشترى
لاشترته بما حوت ... هـ جميعاً لتقبرا
فاشتد ذلك على وصيف.
وفي رواية: فهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا وكان حاضراً.
وفي هذه الرواية: فأمر بإخراجها فصارت إلى قبيحة، ولبست الصوف، وأخذت ترثيه وتبكيه حتى ماتت.
قال عمرو بن شيبان الحلبي: رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل فيما يرى النائم حين أخذت مضجعي كأن آتياً أتاني فقال:
يا نائم العين في أوطار جثمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
أما ترى الفتية الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
وافى إلى الله مظلوماً فضج له ... أهل السموات من مثنى ووحدان
وسوف تأتيكم أخرى مسومة ... توقعوها لها شأن من الشان
فابكوا على جعفر وارثوا خليقتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان
قال: فأصبحت فإذا الناس يخبرون أن جعفراً المتوكل قد قتل في هذه الليلة.
قال أبو عبد الله: ثم رأيت المتوكل بعد هذا بأشهر كأنه بين يدي الله تعالى، فقلت: ما فعل بك ربك؟
стр. 1936
قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بالقليل من السنة تمسكت بها. قلت: فما تصنع ها هنا؟ قال: أنتظر محمداً ابني، أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم.
حدث إسماعيل بن داود: أن المتوكل وصف له سيف بمصر، فأنفذ رسولاً قاصداً في طلبه، وكتب له إلى عامل مصر، فلما وصل إليه سأله عن السيف فأخبر أن السيف بدمشق، فركب الرسول إلى دمشق وسأل عن السيف، فأخبر أنه صار إلى الحجاز، فعاد الرسول إلى المتوكل فأخبره بذلك، فأنفذ رسولاً إلى الحجاز بكتابه إلى عامله بها، فبحث عن السيف فأخرج إليه، فأخذه ومضى به إلى المتوكل وهو بسر من رأى. فلما رآه المتوكل لم يعجب به ورآه وحشاً واستزراه وتصفح وجوه الغلمان الذين حوله فرأى غلاماً تركياً يقال له ياغر وكان سمجاً، فقال له: أنت وحش وهذا السيف وحش فخذه، فلما صار عنده ومضت مدة دخل ياغر في ليلة من الليالي بالسيف فقتل به المتوكل، وكان من أمره ما كان به.
بويع جعفر المتوكل في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقتل ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر ويوماً واحداً، وأمه أم ولد تركية يقال لها شجاع، وكنيته أبو الفضل، وصلى عليه المنتصر، وكان عمره أربعين سنة، ومولده سنة سبع ومائتين.
قال أبو أيوب جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: أخبرني بعض الزمازمة الذين يحفظون زمزم قال: غارت زمزم ليلة من الليالي، فأرخناها فجاءنا الخبر أنها كانت الليلة التي قتل فيها جعفر المتوكل.
كان يزيد بن محمد المهلبي من ندماء المتوكل، فلما قتل قال يزيد:
لما اعتقدتم أناساً لا حفاظ لهم ... ضعتم وضيّعتم ما كان يعتقد
ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم الذادة المنسوبة الحسد
قوم هم الجذم والأرحام تجمعكم ... والمجد والدين والإسلام والبلد
إن العبيد إذا ذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
стр. 1937
ما عند عبد لمن يرجوه محتمل ... ولا على العبد عند الخوف معتمد
فاجعل عبيدك أوتاداً تشحجها ... لا يثبت البيت حتى يثبت الوتد
جعفر بن محمد بن هشام بن ملاس
ابن قاسم النميري حدث عن سلم بن ميمون الخواص بسنده عن أبي ثعلبة الخشني قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والولدان.
جعفر بن محمد بن يزدين
أبو الفضل ابن السوسي سكن مكة، وسمع بدمشق.
روى عن كثير بن عبيد بسنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ما عال مقتصد قط.
وحدث عن إسحق الفروي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة.
جعفر بن محمد أبو عبد الله المعّري المغربي
حدث بدمشق. ومن شعره مما أنشده بدمشق:
إذا أراد الله أمراً بامرىء ... وكان ذا علم ورأي وبصر
وحيلة يعملها في كل ما ... يأتي به مكروه أشتات القدر
стр. 1938
أغراه بالجهل وأعمى قلبه ... وسلّه من رأيه سلّ الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... ردّ عليه عقله ليعتبر
جعفر بن محمود الكاتب
قدم دمشق صحبة المتوكل، واستوزره المستعين سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم استوزره المعتز بالله. ولما عزل من الوزارة واستوزر بعده عيسى بن فرخان شاه أنشد محمد بن غياث لنفسه:
في غير حفظ الله يا جعفر ... زلت فزال الجور والمنكر
بلغت أمراً لست من أهله ... باعك عمّا دونه يقصر
كنت كثوب زانه طيّه ... حيناً فأبدى عيبه المنشر
ماينفع المنظر من جاهل ... بأمره ليس له مخبر
بل مثل عيسى لا انقضى عمره ... يخص بالعرب ويستوزر
حلم وعلم ثاقب زنده ... بمثله من مثله يفخر
تذكره الأشعار إن أنشدت ... وأنت منسيّ فما تذكر
توفي جعفر بن محمود في سنة ثمان وستين ومائتين.
جعفر بن موسى
حدث بدمشق عن عبد الرحمن بن خالد بن نجيح المصري بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد هوان قريش أهانه الله.
стр. 1939
جعفر بن ميسر بن يغنم أبو محمد
أنشد أبو محمد جعفر بن يغنم بصيدا لمحمد بن عمر الأنباري يرثي نصير الدولة أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة بختيار، حين صلبه عضد الدولة ببغداد سنة تسع وأربع مائة:
علو في الحياة وفي الممات ... بحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم اقتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات
ولمل ضاق بطن الأرض عن أن ... تضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحفاظ وحراس ثقات
وتشعل حولك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيام الحياة
ولم أر قبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي ... فعاد مطالبا لك بالتراب
وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات
ركبت مطيةً من قبل زيد ... علاها في السنين الذاهبات
وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك أسباب الدنات
وكنت لمعشر سعداً فلما ... مضيت تمزقوا بالمنحسات
غليلي باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيامي ... بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم المراثي ... ونحت بها خلاف النائحات
стр. 1940
ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة
ومالك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات روائح غاديات
ولما أمر عضد الدولة بقتل الوزير محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع وثلاث مائة كان له صديق يعرف بأبي الحسن الأنباري، فرثاه بهذه الأبيات، فرثاه بهذه الأبيات، فكتبها ورمى بها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء إلى أن اتصل الخبر بعضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، فقال: علي بهذا الرجل فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري فكتب له الأمان. فلما سمع بذكر الأمان قصد حضرته فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم. قال: أنشدنيها. فلما أنشده:
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
قام الصاحب فعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة. فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوي؟ فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع؟ - والشموع تزهر بين يديه - فأنشأ يقول:
كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا
أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا
فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه، وحمله على فرس وأعطاه بدرة.
وكان جعفر هذا أديبا فاضلا، وصدرا كاملا، رثاه القاص أبو الحسن بن هندي بقصيدة غراء ثلاثة وتسعون بيتا منها:
يا من كأن الدهر يعشق ذكره ... فلسانه من وصفه لا يفتر
بأبي ثراك وما تضمنه الثرى ... كل يموت وليس كل يذكر
стр. 1941
جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك
أبو الفضل البرمكي وزير الرشيد هارون، ولاه هارون دمشق وقدمها سنة ثمانين ومائة.
حدث عن أبيه يحيى بسنده إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه.
وقال جعفر بن يحيى البرمكي لهرون الرشيد: يا أمير المؤمنين، قال لي أبي يحيى: إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأعط، فإنها لا تبقى.
قال جعفر: وأنشدنا أبي:
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
ولما ثارت العصبية بالشام في سنة ثمانين ومائة وتفاقم أمرها اغتم الرشيد فعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقبل بنفسي، فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحا ولا قوسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النائرة.
وكان جعفر بن يحيى من علو القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هرون بحلة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البشر. وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان أيضا من ذوي الفصاحة واللسن والبلاغة.
يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ونظر في جميعها فلم
стр. 1942
يخرج بشيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه. وغضب الرشيد عليه في آخر عمره فقتله، ونكب البرامكة لأجله.
كان أبو علقمة الدمشقي - صاحب الغريب - عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خنفساءة إلى أبي علقمة فقال: أليس يقال إن الخنفساء إذا أقبلت إلى الرجل أصاب خيراً! قالوا: بلى، قال جعفر بن يحيى: يا غلام، أعطه ألف دينار، قال: فنحوها عنه فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار، فأعطاه ألفي دينار.
خرج عبد الملك بن صالح مشيعاً لجعفر بن يحيى البرمكي، فعرض عليه حاجاته فقال له: قصارى كل مشيع الرجوع، وأريد أعز الله الأمير أن تكون لي كما قال بطحاء العذري:
وكوني على الواشين لداء شغبة ... فإني على الواشي ألد شغوب
فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل:
وإذا الواشي وشى يوما بها ... نفع الواشي بما جاء يضر
كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، فكثرت رقاع الناس في خف أحمد بن الجنيد، ولم يزل كذلك إلى أن تهيأ
له الخلوة بجعفر فقال له: قد كثرت رقاع الناس معي وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم، فصرف دوابه، فلما تغدوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟! دعنا اليوم، فأمسك عنه أحمد، وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع. فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره الرقاع فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول، حتى فعل به ثلاثا، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا تعلم أحمد، فذهب الخادم وجاء
стр. 1943
بالرقاع، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما احب أصحابها ووكد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف فردها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئا، وانصرف أحمد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب له: ويلك، هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا - يعني جعفراً - ليس ينظر، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها، فأخذها الكاتب فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، وأنه قضى حاجته ولم يعلمه بها، لئلا يظن أنه اعتد بها عليه.
حدث مهذب حاجب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعباسة قال: نالت العباس إضافة، وكثر غرماؤها والمطالبون له، فأخرج سفطا فيه جوهر، شراؤه ألف ألف درهم، أعده ذخراً لبناته، فحمله إلى جعفر بن يحيى، فتلقاه جعفر وسط الصحن وجلس بين يديه، فقال له العباس: نالني ما ينال الأحرار من الإضافة، وهذا سفط شراؤه علي ألف درهم، فامر بعض تجارك أن يقبضه ويقرضني عليه خمس مائة ألف درهم فإذا وردت الغلة رددتها إليه، وأخذت السفط، قال: أفعل. وختم السفط ودفعه إلى غلام بين يديه، وأوعز إليه بسرار ثم قال: الحاجة توافيك العشية وتتفضل بالغداء عندي ففعل، فقال له: ثيابي لا تصلح على الأمير، وهذه عشرة تخوت، ومهري لين الركوب، ينصرف الأمير عليه، فانصرف وذلك بين يديه، فوجد السفط في بيته ومعه ألف ألف درهم قد وصله بها جعفر.
قال مهذب: فما بات وعليه درهم واحد، فقال لي: نبكر غداً على الرجل شاكرين له، فبكرنا فقيل لنا: هو عند أخيه الفضل، فجئنا إلى دار الفضل فقالوا: هما في دار أمير المؤمنين، فصرنا إلى دار أمير المؤمنين، فدخل مولاي فوجدهما في الصحن لم يؤذن لهما، فقال له جعفر: حدثت أخي بقصتك فأمر أن يحمل لك خازنك ألف ألف درهم، وما أشك أنها في دارك، ونحن نكلم أمير المؤمنين أعز الله نصره الساعة في أمرك، فدخلا إلى الخليفة فأمر له بثلاث مائة ألف دينار، فلم يكن في بيت المال منها حاضر إلا مائتي ألف دينار
стр. 1944
فدفعت إليه، وقيل له اختر أين نسيب لك بهذا المال؟ قال: إلى مصر، فما كانت إلا أيام حتى أتت السفائح من مصر.
قال إبراهيم الموصلي: حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة الرسول ﷺ قال لي جعفر: انظر لي جارية ولا تتق غاية في حذافتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل فدخلت عليه، فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا أدب. قال: ثم تغنت لي أصواتا فأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما. قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قلت: قد أخذتها وأشترط عليك نظرة. قال: ذلك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى فقلت: قد أصبت حاجتك، على غاية الكمال والظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضرب والغناء، وقد اشترطت نظرة، فاحمل المال ومر بنا، فحملنا المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفياً، فدخلنا على الرجل وأخرجها. فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته. ثم غنته فازداد بها عجبا، فقال لي: اقطع أمرها، فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينتقده، قال: لا بل أقنع بما قلتم قال: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت! فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك ولذاذتك، فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها. وبعد، فاذكر العهد وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا قال فتغرغرت عين المولى وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري، فقال جعفر: انهض بنا، قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال، فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم، ثم أقبل على مولاها وقال: هو لك مبارك لك فيه أنفقته.
стр. 1945
قال الأصمعي: كنت عند جعفر بن يحيى ودخل عليه رجل فقال: أعذني أيها الأمير. قال: هو ذاك، صاحب شرطتي على الباب. فقال: أعذني أيها الأمير. قال: ويحك، ما أعذتك! قال: على الفقر. قال: نعم، يا غلام، أعطه ألف دينار.
ولما غضب على البرامكة وجد في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على جانبيها مكتوب:
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر
يزيد على مائة واحداً ... متى تعطه معسراً يوسر
كان جعفر بن يحيى أمر أن تضرب له دنانير، في كل دينار ثلاث مائة مثقال، وتصور عليها صورة وجهه، فضربت، وبلغ أبا العتاهية فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف ووجهه إلى جعفر، وكتب إليه رقعة في آخرها:
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر
ثلاث مئين يكن وزنه ... متى يلقه معسر ييسر
فأمر بقبض ما على الطبق، وصير عليه ديناراً من تلك الدنانير ورده إليه.
قال الأصمعي: كان رجل له انقطاع إلى جعفر بن يحيى، فعتب على جعفر لجفوة إليه منه، فلزم منزله زمانا لا يأتيه، فمر يوما على ظهر الطريق، فوقف عليه واستبطأه في تأخره عنه، فعرفه سبب غيبته وقال له: أيها الوزير، لو أتيناك لما كان عجبا، لعلم الناس بحاجتنا إليك، ولو أتيتنا لكان تفضلاً، لعلم الناس بغناك عنا. فاعتذر جعفر، وجعل على نفسه أن لا يغيب عنه أحد من أصحابه أو يتخلف عنه بسبب إلا أتاه. وأقام رجلاً يتعرف أخبار المتخلفين عنه، ويعرفه السبب في ذلك، وأجرى عليه الرزق لهذا الباب فقط.
حدث جعفر بن يحيى أباه يحيى بن خالد، في بعض ماكان يخبره به من خلواته مر الرشيد، قال له بأنه أخذ أمير المؤمنين بيدي، ثم أقبل في حجر يخترقها، حتى
стр. 1946
انتهى إلى حجرة مغلقة ففتحت له، ثم رجع من كان معنا من الخدم، ثم صرنا إلى حجرة مغلقة ففتحها بيده، ودخلنا معاً وأغلقها من داخلها بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس ونقر الباب نقرات، فسمعت حساً، ثم أعاد النقر فسمعت صوت عود، ثم أعاد النقر الثالثة فغنت جارية، ما ظننت والله أن الله خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها: غني صوتي فغنته:
ومحبب شهد الزفاف وقبله ... غنى الجواري حاسراً ومنقبا
لبس الدلال وقام ينقر دفه ... نقراً أقر به العيون فأطربا
إن النساء رأينه فعشقنه ... وشكون شدة ما بهن فكذبا
قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال لها: غني صوتي الآخر فغنت:
طال تكذيبي وتصديقي ... لم أجد عهداً لمخلوق
إن ناساً في الهوى حدثوا ... أحدثوا نقض المواثيق
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا، فإنني أخشى أن يبدو ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلما صرنا في الدهليز قال وهو قابض على يدي: أعرفت هذه المرأة؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين، قال: فإني أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها، هي علية، والله إن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنك، قال: فقال له أبوه قد والله لفظت به، ووالله ليقتلنك فاصنع ما أنت صانع.
قال أبو القاسم النصراني: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكي في يوم بارد، فأصابني البرد فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النصارى، فطرح علي كساء خز قيمته ألف، قال: فانصرفت إلى منزلي، فأردت أن ألبسه في يوم عيد، فلم أصب له في منزلي ثوبا يشاكله، فقالت لي بنية لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب، فكتبت إليه:
أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا ... رأيت مباهاة لنا في الكنائس
فلو كان ذاك المطرف الخرّ جبة ... لباهيت أصحابي بها في المجالس
فلا بد لي من جبة من حبابكم ... ومن طيلسان من جياد الطيالس
стр. 1947
ومن ثوب قوهي وثوب غلالةً ... ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس
إذا تمت الأثواب في العيد خمسةً ... كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس
لعمرك ما أفرطت فيما سألته ... وما كنت إذ أفرطت فيه بآيس
وذلك أن الشعر يزداد شدةً ... إذا ما البلى أبلى جديد الملابس
فبعث إليه حين قرأ الشعر بتخوت خمسة، من كل نوع تختاً.
فبعث إليه حين قرأ الشعر بتخوت خمسة، من كل نوع تختاً قال: فوالله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى، وصلب وحبس الفضل، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت قائلاً تحت جذع جعفر؟ فقال: أينجيني منك الصدق؟ قال: نعم. قال: ترحمت عليه وقلت في ذلك:
أمين الله هب فضل بن يحيى ... لنفسك أيها الملك الهمام
وما طلبي إليك العفو عنه ... وقد قعد الوشاة به وقاموا
أرى سبب الرضا فيه قوياً ... على الله الزيادة والتمام
نذرت علي منه صيام حول ... فإن وجب الرضا وجب الصيام
وهذا جعفر بالجسر تمحو ... محاسن وجهه ريح قتام
أقول له وقمت لديه نصاً ... إلى أن كاد يفضحني القيام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالركن استلام
فأطرق هارون ملياً ثم قال: رجل أولى جميلاً فقال فيه جميلاً: يا غلام ناد بأمان أبي قابوس، وألا يعرض له أحد، ثم قال لحاجبه: إياك أن تحجبه عني صر متى شئت إلينا في مهمك.
وقيل: إن هذه الأبيات للرقاشي، وإنه وقف لما صلب جعفر وقال هذه الأبيات، وفي آخرها:
стр. 1948
فما أبصرت قبلك يابن يحيى ... حساما فله السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعاً ... لدولة آل برمك السلام
فقيل ذلك للرشيد، فأحضره وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر، قال: كم كان أعطاك؟ قال: كان يعطيني في كل سنة ألف دينار. فأمر له بألفي دينار.
قال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة: دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة جلدة في أثواب دنسة رثة، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى؛ فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة، حدثيني ببعض أمركم، قالت: أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة وصيفة، وأنا أزعم ان ابني جعفراً عاق بي، وقد أتيتكم في هذا اليوم والذي يقنعني جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً.
قال ثمامة بن أشرس: بت ليلة عند جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، فانتبهت ببكائه فقلت: ما يبكيك، لا أبكى الله عينيك؟ قال: رأيت في منامي كأن شيخاً قد أتاني، فأخذ بعضادتي باب البيت الذي أنا فيه فقال:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت مجيباً له:
بلى نحن كنا أهلها وأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قال: فلما رأيته على هذه الحال انصرفت إلى منزلي، فلما أصبحت غدوت إلى دار السلطان فإذا بجثته عند الجسر، وإذا خلق كثير حولها. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: وجه السلطان إلى جعفر بن يحيى في الليل من ضرب عنفه، وقد أمر بصلبه. فمضيت لحاجتي ورجعت، فإذا هو مصلوب فقلت:
في آل برمك للورى عظة ... لو كان يعمل فيهم الفكر
منحتهم الدنيا خزائنها ... واختصهم بصفائه الدهر
стр. 1949
حتى إذا بلغوا السها شرفا ... حقا وقصر عنهم الفخر
عز الزمان بهم فجعفرهم ... بعد الحجاب محله الجسر
وتمزقوا من بين مصطلم ... ومكبل قد ضمه الأسر
قال اسحق الموصلي: قال لي الرشيد بعد قتل جعفر وصلبه: اخرج بنا لننظر إلى جعفر فلما وصل إليه جعل ينظره ويتأمله، وأنشأ يقول:
تقاضاك دهرك ما أسلفنا ... وكدر عيشك بعد الصفا
فلا تعجبن فن الزمان ... رهين بتفريق ما ألفا
قال: فنظرت غليه ثم قلت: إن كنت يا جعفر أصبحت آية، فلقد كنت في الجود غاية، قال: فنظر إلي الرشيد كالجمل الصؤول وهو مغضب وأنشأ يقول:
ما يعجب العالم من جعفر ... ما عاينوه فبنا كانا
من جعفر أو من أبوه ومن ... كانت بنو برمك لولانا؟؟
ثم حول وجه فرسه وانصرف.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى الكعبة وقال: اللهم، إنه قد كان كفاني مؤنة الدنيا، فاكفه مؤنة الآخرة.
قال الأصمعي: كنت أجالس الرشيد وأسامره، فوجه إلي ليلة في ساعة يرتاب فيها البريء، فتناولت أهبة الدخول عليه فمنعت من ذلك وأعجلت، فدخلني من ذلك رعب شديد وخوف، وجعلت أتذكر ذنباً فلا أجده، وجعلت نفسي تظن الظنون. فلما دخلت عليه سلمت ومثلت بين يديه قائما وهو مطرق، فرفع رأسه إلي، فلما رآني أمرني بالجلوس، فجلست، فقال: يا عبد الملك، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال:
стр. 1950
لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمر ملجم
ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يرجو اللحاق به الغراب القشعم
لكنه لما تقارب يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم
وكان بين يديه طست مغطى بمنديل، فأمر بكشفه فكشف، فإذا رأس جعفر بن يحيى البرمكي، ثم قال: الحق بأهلك يابن قريب، فنهضت ولم أجر جوابا للرعب. فلما أفرخ روعي فكرت في ذلك، فوجدته أحب أن يعلمني مكره ونكره ودهاءه ليتحدث به عنه. قال الأصمعي: فخرجت وأنا أقول:
أيها المغرور هل لك ... عبرة في آل برمك
عبرة لم ترها أنت ... ولا قبل آت لك
قتل جعفر بن يحيى في صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة.
جعونة بن الحارث بن خالد
ويقال: ابن جعونة بن قرة النميري العامري من أهل الرها، روى عن عمر بن عبد العزيز، واستعمله عمر بن عبد العزيز على الدروب.
حدث عن هاشم الأوقص، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، منه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه.
стр. 1951
وفي رواية: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثا.
قال جعونة: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: اقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، ولا تكن في أولهم فتقتل، ولا في آخرهم فتفشل، ولكن كن وسطاً حيث يرى مكانك ويسمع صوتك.
دخل جعونة بن الحارث على عمر بن عبد العزيز فقال: ياجعونة، إني قد ومقتك فإياك أن أمقتك، أتدري ما يحب أهلك منك؟ قال: نعم، يحبون صلاحي. قال عمر: لا، ولكنهم يحبون ما قام لهم سوادك، وأكلوا في غمارك، وتزودوا على ظهرك. فاتق الله ولا تطعمهم إلا طيبا.
ونسبه بعض ولده فقال: هو جعونة بن الحارث بن خالد بن سعد بن مالك بن نضلة بن عبد الله بن كليب بن عمرو بن عامر بن ببيعة بن عامر بن صعصعة.
وذكروا أن أباه الحارث لما هاجر إلى الجزيرة نزل وادي بني عامر، ثم انتقل منه إلى الرها فاتخذها منزلا، وعظم قدر جعونة بها حتى اختصه عمر بن عبد العزيز. وكان ابنه منصور بن جعونة أحد عدد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ووجوه قواده، فلما سار إلى كفر توثا لمرافقة أبي مسلم خلف أمواله ونقلته بالرها عند منصور، فلما هزم عبد الله وانحل أمره امتنع منصور على أبي مسلم بالرها بالرها، فحاصره مدة، فلم تكن له فيه حيلة إلا بالأمان، فإنه أمنه على نفسه وماله. فلما حصل في يد المنصور نقله عنها إلى ملطية، وهدم سور مدينة الرها وسائر سيران الجزيرة من أجل ما كان من امتناع منصور بها وذلك سنة أربعين ومائة.
стр. 1952
قال أبو سهل الرازي النحوي: قال أبو جعفر المنصور يوماً: ألا تحمدون الله إذ رفع عنكم الطاعون في ولايتنا؟ فقال له جعونة: الله أعدل من أن يجمعك علينا والطاعون. فقتله.
قال الحافظ: يعني إذ كان المنصور والياً على الجزيرة قال: ولا أرى جعونة بقي إلى أيام السفاح، ولعله ابنه منصور بن جعونة.
جماهر بن محمد بن أحمد بن أحمد
ابن حمزة بن سعيد بن عبيد الله بن وهيب بن عباد بن سماك بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سينا بن يشجب بن يعرب بن قحطان الغساني من أهل زملكا ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حدث عن هشام بن عمار بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة. " كان ثقة مأموناً. توفي في المحرم سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة.
جمال بن بشر العامري الكلابي
قيل: ممن غزا مع مسلمة بن عبد الملك.
قال أبو محمد عبد الله بن سعد القطربلي:
اجتمع قوم فذكروا الكذب فذموه، فقال شيخ منهم: لربما نفع الكذب ونعم الشيء
стр. 1953
هو فاستعملوه. قال: فعجب القوم لقوله ونظروا إليه فقال: سأخبركم بذلك؛ إني كذبت كذبتين فسرقت بإحداهما واستغنيت بالأخرى؛ كنت في الأمداد الذين وجهوا إلى مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، فالتقى المسلمون والعدو ذات يوم فوقفت مع الناس وراء مسلمة، ورجل من المسلمين يقاتل العدو قتالاً شديداً، ويبلي بلاء حسناً، فقال مسلمة، من الرجل جزاه الله خيراً عن الإسلام؟ فقلت من ورائه: هذا جمال بن بشر الكلابي أصلح الله الأمير، فسميت نفسي إذ لم يحضر من يعرفني ولا يعرف الرجل، فجعل مسلمة يقول: جزاك الله يا جمال عن الإسلام خيرا. فلما انصرف، وكان العشي رأيت وجوه أصحابي يتهيؤون للمصير إليه فتهيأت، ثم صرت إلى الباب فزبرني الحاجب ومنعني من الدخول فناديت بأعلى صوتي: أنا جمال بن بشر الكلابي أصلح الله الأمير. فقال مسلمة: أدخلوه أدخلوه، جزاك الله خيراً يا جمال عن الإسلام، أتدرون ما صنع هذا؟ فأحسن الثناء. فلما رأى ذلك أصحابي أطنبوا في الثناء علي، وشايعوه على غير معرفة منهم، فألحقني في شرف العطاء، فسرقت بهذه. ثم صرنا بعد ذلك إلى أمير المؤمنين، فأوفد رجلين إلى خالد بن عبد الله القسري أنا أحدهما، والآخر روح بن زنباع الجذامي، فلما وصلنا إلى خالد قدم ابن عمه علي وفضله في المجلس واللقاء والجائزة وانصرفنا، وقد كنت أخالط أقواما بالكوفة يعرفون بالتجارة، فأبضعوا معي بضائع من مال وبرود وغير ذلك، فأصابتنا السماء في الطريق، فلما نزلت المنزل حللت ما كان معي وسررت الثياب، وأخرجت المال فخلطت بعضها ببعض فنظر إلي روح، فدخله من ذلك حسد فقال: ما هذا يا أخا بني عامر؟؟ قلت: ما كنت احب أن تعلم بهذا، فألح علي في المسألة فقلت: ابن عملك فضلني في الجائزة واستحياك فاستكتمني، فتغيظ عليه وبسط لسانه فيه يسبه ويتنقصه ويشكوه عند وجوه قومه، وجعلت أحسن الثناء عليه وأظهر الشكر له، فكتب إليه بذلك، فكتب: إني والله ما فعلت، ولقد فضلت روحا على العامري في جميع حالاته، ولكن العامري رجع إلى شرف وكرم ورجع روح إلى لؤم، وقد وجهت بألف دينار إلى العامري فأوصلوها إليه. قال: فاستغنيت بها. فنعم الشيء الكذب.
قال الحافظ: إن كان حفظ اسم روح في هذه الحكاية فهي كذبة ثالثة من جمال الكلابي، فإن روحاً مات في آخر أيام عبد الملك، قيل أن يلي خالد القسري العراق، فإنه إنما وليه لهشام بن عبد الملك، إلا أن يكون ابن روح أو رجلا من قبيلة روح. والله أعلم.
стр. 1954
جمح بن القاسم بن عبد الوهاب
ابن القاسم بن عبد الوهاب بن أبان بن خلف أبو العباس الجمحي المؤذن المعروف بابن أبي الحواجب حدث عن إسماعيل بن محمد أبي قصي بسنده عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو كلب ضاري، نقص من أجره كل يوم قيراط. القيراط مثل أحد ".
وحدث عنه أيضا بسنده إلى كعب بن عجرة. أنه مر به سلمان الفارسي وهو مرابط في بعض أرض فارس، فسأله سلمان: مالك هاهنا؟ قال: مرابط. قال: أفلا أخبرك بأمر سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أجير من فتنة القبر، وأجري عليه صالح عمله إلى يوم القيامة ".
ولد جمح بن القاسم في سنة ثمان وتسعين ومائتين، وتوفي بدمشق سنة ثلاث وستين وثلاث مائة في شعبان. وكان ثقة نبيلاً.
جميل بن أحمد بن فضالة بن الصقر
ابن فضالة ابن سالم بن جميل بن عمرو بن ثوابة بن الأخنس بن مالك بن النعمان بن امرىء القيس أبو حارثة اللخمي أنشد جميل بن أحمد لبعض أهل العلم:
وما لمت في الإنفاق نفسي لأنني ... رأيت بخيل القوم أهونهم فقدا
فلا تعجبي يا سلم إن قل درهم ... فما قل حتى قل من يطلب الحمدا
стр. 1955
وليس الفتى المرزوق من زاد ماله ... ولكنما المرزوق من رزق الرشدا
جميل بن تمام بن علي
أبو الحسن المقدسي الطحان كان حافظا للقرآن، وسمع الحديث.
حدث بدمشق عن أبي الحسن علي بن طاهر، بسنده عن عبد الله بن السائب قال:
شهدت العيد مع رسول الله ﷺ . فلما قضيت الصلاة قال: " قد قضينا الصلاة، فمن شاء أن يشهد الخطبة فليشهد، ومن أحب أن ينصرف فلينصرف ".
توفي جميل بن تمام في صفر سنة ست وثلاثين وخمس مائة.
جميل بن عبد الله بن معمر
ابن صباح بن ظبيان بن حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد أبو عمرو العذري الشاعر المعروف بجميل بن معمر صاحب بثينة حدث عن أنس بن مالك، ووفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وقد اختلف في نسبه، ومنهم من لم يذكر صباح في نسبه.
وحن بحاء مهملة مضمومة بعدها نون.
وبثينة هي بنت حبا بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة.
قال: والحني بضم الحاء المهملة وكسر النون، هو جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر الحني.
стр. 1956
كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب، فرجز به ابن العذري فقال:
يا بكر هل تعلم من علاكا ... خليفة الله على ذراكا
فقال الوليد لجميل انزل فارجز، وظنه يمدحه، فنزل فقال:
أنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد
فقال له: اركب لا حملك الله. ولم يمدح جميل أحد قط.
قال أدهم التميمي: لقيني كثير عزة فقال: لقيني جميل بن معمر في هذا الموضع الذي لقيتك به فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند أبي الحبيبة - يعني أبا بثينة - ثم قال لي: وإلى أين تريد؟ فقلت إلى الحبيبة - أعني عزة - فقال لي: لا بد من أن ترجع عودك على بدئك، فتسجد لي موعداً. فقلت: إن عهدي بها الساعة، وأنا أستحيي. قال: لابد من ذلك. قال: قلت: فمتى آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون ثيابهم. قال: فأتيت أباها فقال: ما ردك يا بن أخي؟ فقلت: أبيات عرضت لي أحببت أن أعرضها عليك. قال: هات. فأنشدته:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني بالذي فيك أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
стр. 1957
قال: فضربت بثينة جانب الخدر وقالت: إخسأ اخسأ. فقال أبوها، مهيم يا بثينة! قالت: كلب يأتينا إذا الناس نوم الناس من وراء الرابية. قال: فأتيته، فأخبرته أن قد وعدته إذا نوم الناس من وراء الرابية.
ولما استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل، وطلبه ربعي بن دجاجة العبدي صاحب تيماء، هرب إلى أقاصي بلاده، فأتى رجلاً من بني عذرة شريفاً وله بنات سبع كأنهن البدور جمالاً، فقال: يا بناتي تحلين بجيد حليكن، والبسن جيد ثيابكن، ثم تعرضن لجميل، فإني أنفس على مثل هذا من قومي، فكان جميل إذا مر بهن ورآهن أعرض بوجهه فلا ينظر إليهن، ففعل ذلك مراراً، وفعله جميل، فلما علم ما أريد بهن أنشأ يقول:
حلفت لكي تعلمن أني صادق ... وللصدق خير في الأمور وأنجح
لتكليم يوم من بثينة واحد ... ورؤيتها عندي ألذّ وأملح
من الدهر لو أخلو بكنّ وإنما ... أعالج قلباً طامحاً حيث يطمح
قال: فقال لهن أبوهن: ارجعن فوالله لا يفلح هذا أبداً.
قال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي: قدم جميل بن عبد الله بن معمر على عبد العزيز بن مروان بمصر، فدخل حماماً لهم، فإذا في الحمام شيخ من أهل مصر، وكان جميل رجلا جسيماً حسناً وسيماً، فقال له الشيخ: يا فتى، كأنك لست من أهل هذه البلدة! قال: أجل. قال: فمن أين أنت؟ قال: من الحجاز. قال: من أي أهل الحجاز؟ قال: رجل من بني عذرة. قال: فما اسمك؟ قال: جميل بن عبد الله بن معمر. قال صاحب بثينة؟ قال: نعم. قال: فما رأيت فيها يا ابن أخي! فوالله لقد رأيتها ولو ذبح بعرقوبها طائر لانذبح. فقال له جميل: يا عم، إنك لم
стр. 1958
ترها بعيني، ولو نظرت إليها بعيني لأحببت أن تلقى الله وأنت زان.
قال: ومرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه، فقال له جميل: يا عباس، ما تقول في رجل لم يقتل نفساً، ولم يزن قطّ، ولم يسرق، ولم يشرب خمراً قطّ، أترجو له؟ فقال العباس: إي والله. قال: فقال جميل: إني لأرجو أن أكون ذلك الرجل. قال العباس: فقلت له سبحان الله! وأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة. فقال: يا عباس؛ إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها قطّ. قال: ومات ﵀.
وقيل: إن هذه الحكاية جرت له بالشام، وفيها: إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط. ثم مات.
وحدث هارون بن عبد الله القاضي قال: قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز بن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه، وأحسن جائزته، وسأله عن حبه بثينة، فذكر وجداً فوعده في أمرها موعداً، وأمره بالمقام، وأمر له بمنزل وما يصلحه، فما أقام إلا يسيراً حتى مات هناك، وذلك في سنة اثنتين وثمانين.
جميل بن يوسف بن إسماعيل
أبو علي البادرائي العراقي نزل بانياس سمع بدمشق وقدمها سنة خمس وستين وأربع مائة.
حدث عن القاضي أبي الحسن محمد بن محمد بن حامد بن بنبق بسنده عن أبي أيوب أن رجلاً قال: يا رسول الله، عظني وأوجز. قال: إذا كنت في صلاتك فصلّ صلاة مودّع وإياك وما يعتذر منه، واجمع اليأس مما في أيدي الناس.
توفي جميل بالأكواخ من بانياس سنة أربع وثمانين وأربع مائة.
стр. 1959
جناح بن الوليد
حدث أبو مسهر عن سعيد قال: قال رجل لجناح بت الوليد: أدام الله فرحكم. قال: " إن الله لا يحب الفرحين ".
قال الحافظ: كذا قال الراوي: وإنما هو جناح مولى الوليد الذي يذكر بعد هذا.
جناح أبو مروان
مولى الوليد بن عبد الملك وكاتبه على الرسائل، وصاحب خاتمه.
روى عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها، إلا بإذن زوجها.
جنادة بن حنيفة الصنعاني
حدث عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء نصر الله والفتح، قال: وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم، لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، دخلوا في دين الله أفواجا.
جنادة بن أبي خالد أبو الخطاب
قيل: إنه دمشقي سكن الرّها، كان على الطراز في أيام هشام، وكان اسمه على الرقم.
стр. 1960
حدث عن أبي شيبة قال: قلنا لعمرو بن عنبسة. حدثنا حديثاً ليس فيه وهم ولا نسيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: والله ما كذبت ولا وهمت ولا نسيت وهو يقول: من توضأ خرجت خطاياه كما يخرج من بطن أمه، ومن رمى بسهم في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن صام يوماً في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفاً.
وحدث جنادة عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد، آتاه الله نوراً يوم القيامة.
جنادة بن عمرو بن الجنيد
ابن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة ابن غيظ بن مرة المري
حدث عن أبيه عن جده الجنيد بن عبد الرحمن قال: دخلت من حوران آخذ عطائي، فصليت الجمعة، ثم خرجت إلى باب الدرج، وإذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة القاصّ، يقصّ على الناس، فرغّب فرغبنا، وخوّف فبكينا. فلما انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فلعنوا أبا تراب ﵇. فالتفت عن يميني فقلت له: ومن أبو تراب؟ فقال: علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته، وأول الناس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين. فقلت: ما أصاب هذا القاص! فقمت إليه وكان ذا وفرة، فأخذت وفرته بيدي، وجعلت ألطم وجهه وأنطح برأسه الحائط، وصاح واجتمع أعوان المسجد، فوضعوا ردائي في رقبتي، وساقوني حتى أدخلوني على هشام بن عبد الملك وأبو شيبة يقدمني، فصاح: يا أمير المؤمنين، قاصّك وقاصّ آبائك وأجدادك أتى إليه اليوم أمر عظيم. فقال: من فعل بك هذا؟ فالتفتّ إلى هشام وعنده أشراف الناس فقال: أبو يحيى، متى قدمت؟ فقلت:
стр. 1961
أمس، وكنت على المصير إلى أمير المؤمنين فأدركتني الجمعة، فصليت، وخرجت إلى باب الدرج، فإذا هذا الشيخ قائم يقصّ، فجلست إليه فقرأ فسمعنا، ورغّب فرغبنا، وحذّر فبكينا، ودعا فأمّنّا، وقال في آخر كلامه، اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب. فسألت: من أبو تراب؟ فقيل: علي بن أبي طالب، أول الناس إسلاماً، وابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته، وأبو الحسن والحسين، فوالله يا أمير المؤمنين لو ذكر هذا قرابة لك بمثل هذا الذكر ولعنه هذه اللعنة لأحللت به الذي أحللت به، فكيف لا أغضب لصهر رسول الله ﷺ وزوج ابنته؟! قال: فقال هشام: بئس ما صنع. ثم عقد لي على السّند. ثم قال لبعض جلسائه: مثل هذا لا يجاورني هاهنا فيفسد علينا البلد فباعدته إلى السند. فقال لنا بشر بن عبد الوهاب: وهو ممثّل على باب السند، بيده اليمنى سيف وبيده اليسرى كيس يعطي منه.
ومات الجنيد بالسند فقال فيه الشاعر:
ذهب الجود والجنيد جميعاً ... فعلى الجود والجنيد السّلام
جنادة بن كبير وكنية كبير أبو أمية
الدّوسي الأزدي لأبيه صحبة، وأدرك وفاة سيدنا رسول الله ﷺ ، وله صحبة أيضاً. سكن الأردن، وقدم دمشق.
روى أبو عبد الله الصنابحي أن جنادة بن أبي أمية أمّ قوماً. فلما قام من الصلاة التفت عن يمينه فقال:
стр. 1962
أترضون؟ قالوا: نعم، ثم فعل ذلك عن يساره، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أمّ قوماً وهم له كارهون، فإنّ صلاته لا تجاوز ترقوته.
وروى أبو الخير أن جنادة بن أبي أمية حدثه، أنّ رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلقت إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله، إن أناساً يقولون: إن الهجرة قد انقطعت، فقال رسول الله ﷺ : إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد.
وروى حذيفة الأزدي عن جنادة الأزدي أنهم ولجوا على رسول الله ﷺ وهم ثمانية رهط وهو ثامنهم يوم الجمعة، فدعا رسول الله ﷺ بطعام، فقال لرجل: كل. فقال: صائم، قال لآخر: كل. قال: صائم. حتى سألهم جميعاً فقال: صمتم أمس؟ قالوا: لا. قال: أصيّام غداً؟ قالوا: لا. فأمرهم أن يفطروا.
وروى جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: رب اغفر لي - أو قال: ثم دعا - استجيب له. فإن عزم فتوضأ ثم صلى تقبّلت صلاته.
توفي جنادة سنة ثمانين، وقيل: سنة سبع وستين، وقيل: سنة خمس وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين. وشهد فتح مصر، وولي البحر لمعاوية.
حدث عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين
стр. 1963
عاماً ". فلما رأى ذلك جنادة بن أبي أمية، وكان معاوية أراد أن يدعيه قال جنادة: إنما أنا سهم من كنانتك، فارم بي حيث شئت.
حدث سفيان بن سليم عن جنادة بن أبي أمية الأزدي: أن معاوية كتب إليه يأمره بالغارة على جزيرة البحر بمن معه، وذلك في الشتاء بعد إغلاق البحر. فقال جنادة: اللهم، إن الطاعة علي وعلى هذا البحر، اللهم، إنا نسألك أن تسكنه وتسيرنا فيه. فزعموا أنه ما أصيب به أحد.
قال الليث: في سنة ست وخمسين غزوة عابس بن سعيد ومالك بن عبد الله الخثعمي اصطاذنة. جعل عابس على أهل مصر، وجنادة بن أبي أمية على أهل الشام، ومالك بن عبد الله على الجماعة، فشتوا بأقريطش سنة الجوع من بعد مرجعهم من اصطاذنة، وفي سنة تسع وخمسين غزوة جنادة بن أبي أمية هو وعلقمة بن جنادة الحجري وعلقمة بن الأجثم رودس.
قال جنادة بن أبي أمية: أول خطيئة كانت الحسد، أمر إبليس أن يسجد لآدم، فحسده فلم يسجد له.
جنادة بن محمد بن أبي يحيى
أبو عبد الله ويقال أبو يحيى المري الدمشقي.
حدث عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، بسنده عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " قلب ابن آدم شاب في حب اثنتين، حب المال وطول الأمد ". توفي في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومئتين.
стр. 1964
جندب بن زهير بن الحارث بن كثير
ابن جشم بن سبيع بن مالك بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن الدؤل بن سعد مناة بن غامد وهو عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ويقال جندب بن عبد الله بن زهير الغامدي الأزدي.
يقال: إن له صحبة، وهو من أهل الكوفة، وكان ممن سيره عثمان من الكوفة إلى دمشق، وشهد مع علي صفين أميراً على الأزد.
قال ابن عباس: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لقالة الناس، فلا يريد به الله . فنزل في ذلك: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ".
قال عبد الله بن الزبير ﵁: خرج إلينا رجل من أصحاب علي يوم الجمل فقال: يا معشر شباب قريش، اكفونا أنفسكم، فإن لم تفعلوا فقد أنذرتكم رجلين، فإنهما نهمتان في الحرب. أما أحدهما، فجندب بن عبد الله الغامدي، وسأصفه لكم: هو رجل طويل، طويل الرمح يحتزم على درعه حتى تقلص عن ساقيه. وأما الآخر فمالك بن الحارث، وسأصفه لكم: هو رجل طويل الرمح، يسحب درعه سحباً عند النزال.
فبينا أنا أقاتل أقبل جندب فعرفته بصفته، فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله ما حدت عن قرن قط، فدفع إلي وطعن برمحه في وجه حديد كان علي، فزلق عند الرمح فقال: أي عدو، قد عرفتك، ولولا خالتك لقتلتك. ثم نظرت إليه قد طعن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فعدله عن فرسه كالنحلة السحوق متعطفاً ببرد حبرة. ثم قاتلت ساعة، فأقبل مالك فعرفته بصفته، فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله، ما حدت
стр. 1965
عن قرن قط، فدفع إلي فتطاعنا برمحينا، كأنهما قصبتان، ثم اضطربنا بسيفينا كأنهما مخراقان، ثم احتملني وكان أقوى مني فضرب بي الأرض وأخذ برجلي فقال: أما والله لولا خالتك ما شربت البارد أبداً.
قتل جندب مع علي بصفين، وكان على الرجالة.
جندب بن عبد الله ويقال ابن كعب
ابن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن عامر بن دهمان بن ثعلبة بن ظبيان بن غامد واسمه عمرو بن عبد الله بن كعب له صحبة.
حدث عن سيدنا رسول الله ﷺ ، وكان ممن قدم دمشق في المسيرين من أهل الكوفة في خلافة عثمان.
حدث أبو عثمان النهدي: أن ساحراً كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: " أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ".
وروى الحسن عن جندب أن النبي ﷺ قال: " حد الساحر ضربة بالسيف ".
قال ابن منده: جندب بن كعب قاتل الساحر عداده في أهل الكوفة.
حدث علي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فنزل فساق بأصحابه الركاب، فجعل يقول: "
следующие страницы →