← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

خيراً رأيت، تلد فاطمة غلاماً فترضعينه بلبن قثم. قالت: فولدت فاطمة ﵍ غلاماً فسماه النبي ﷺ حسيناً، ودفعه إلى أم الفضل، وكانت ترضعه بلبن قثم. قال أبو بكر بن المبرقي: ولد الحسين بن علي ﵉ في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. قال جعفر بن محمد: كان بين الحسن والحسين طهر واحد، وعلقت فاطمة بالحسين لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث من الهجرة، فكان بين ذلك وبين ولاد الحسن خمسون ليلة. قال قتادة: ولدت فاطمة حسيناً بعد حسن بسنة وعشرة اشهر، فمولده لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف، وقيل ابن تسع وخمسين سنة. وعن علي بن أبي طالب ﵇: أنه سمى ابنه الأكبر حمزة وسمى حسيناً بعمه جعفر قال: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: إني أمرت أن أغير اسم ابني هذين فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما: حسناً وحسيناً. وعن علي قال: لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قال: قلت: حرباً، قال: بل هو حسن، فلما ولد حسين سماه حرباً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قال: قلت: حرباً، فقال: بل هو حسين، فلما ولد

стр. 2312

الثالث سميته حرباً، فجاء النبي ﷺ فقال: أروني ابني، ما سميتوه؟ قلت: حرباً قال: بل هو محسن. ثم قال: سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر، وشبير، ومشبر. قال عكرمة: لما ولدت فاطمة الحسن أتت به النبي ﷺ فسماه: حسناً، فلما ولدت حسيناً أتت به النبي ﷺ ، فقال: هذا أحسن من هذا، فشق له من اسمه وقال: هذا حسين. وكنية الحسين ﵇: أبو عبد الله. وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ ، فذكرته لابن عباس فقال: أذكرت حسين بن علي حين رأيته؟ قلت نعم، والله ذكرته بابنه حين رأيته يمشي، قال: إنا كنا نشبهه بالنبي ﷺ . وعن علي بن أبي طالب قال: كان الحسن بن علي أشبههم برسول الله ﷺ ، من شعر رأسه إلى سرته، وكان الحسين بن علي أشبههم برسول الله ﷺ من لدن قدميه إلى سرته، اقتسما شبهه. قال أنس بن مالك: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين، قال: فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً قلت: أما إنه كان أشبههم برسول الله ﷺ . قال محمد بن الضحاك الحزامي: كان وجه الحسن بن علي يشبه وجه رسول الله ﷺ ، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله ﷺ . قال سفيان: قلت لعبيد الله بن أبي يزيد: رأيت حسين بن علي؟ قال: نعم: أسود الرأس واللحية إلا شعرات ههنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان شبهاً برسول

стр. 2313

الله ﷺ ، أو لم يكن شاب منه غير ذلك. قال: ورأيت حسناً وقد أقيمت الصلاة، وقد شجر بين الإمام وبين بعض الناس فقيل له: اجلس. فقال: قد قامت الصلاة. وعن أبي رافع: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أتت رسول الله ﷺ بالحسن والحسين فقالت: ابناك وابناي انحلهما، قال: نعم. أما الحسن: فقد نحلته حلمي وهيئتي. وأما الحسين: فقد نحلته نجدتي وجودي. قالت: رضيت يا رسول الله. قال ابن أبي نعم: كنت جالساً إلى ابن عمر فقال له رجل: ما تقول في دم البعوض يكون في الثوب، أفأصلي فيه؟ قال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: دخلت على رسول الله ﷺ والحسن والحسين يلعبان بين يديه وفي حجره فقلت: يا رسول الله أتحبهما؟ قال: وكيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا، أشمهما. قال الحسين بن علي ﵉: سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: لا تسبوا أبا بكر وعمر فإنهما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين، ولا تسبوا الحسن والحسين فإنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين، ولا تسبوا علياً، فإنه من سب علياً فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله عذبه الله. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني.

стр. 2314

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني ملك فسلم علي، نزل من السماء، لم ينزل قبلها فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى ويحيى ﵉. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي. وعن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهلي. وفي رواية: أهل بيتي. قالت: فقلت يا رسول الله، أما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله. قال شهر بن حوشب: أتيت أم سلمة أعزيها على الحسين فقالت: دخل رسول الله ﷺ فجلس على منامة له، فجاءته فاطمة بشيء فوضعته فقال: ادعي لي حسناً وحسيناً وابن عمك علياً، فلما اجتمعوا عنده قال: اللهم هؤلاء خاصتي وأهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وعن أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ عندنا منكساً رأسه، فعملت له فاطمة خزيرة، فجاءت ومعها

стр. 2315

حسن وحسين، فقال لها النبي ﷺ : أين زوجك؟ اذهبي فادعيه، فجاءت به فأكلوا، فأخذ كساءً فأداره عليهم، فأمسك طرفه بيده اليسرى ثم رفع يده اليمنى إلى السماء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. أنا حرب لمن حاربتم، سلم لمن سالمتم، عدو لمن عاداكم. وعن عمرة بنت أفعى قالت سمعت أم سلمة تقول: نزلت هذه الآية في بيتي: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل، ورسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين قالت: وأنا على باب البيت، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك على خير، إنك من أزواج النبي ﷺ ، وما قال: إنك من أهل البيت. قال يعلى بن مرة: خرجت مع النبي ﷺ فدعينا إلى طعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق، فأسرع النبي ﷺ أمام القوم، ثم بسط يديه فجعل الحسين يفر مرة ههنا، ومرة ههنا، يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه، والأخرى بين رأسه وأذنيه، ثم اعتنقه فقبله، فقال رسول الله ﷺ : حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط. وعن ابن مسعود قال: رأيت النبي ﷺ أخذ بيد الحسن والحسين يقول: هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني. وعن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ : أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: الحسن والحسين، قال: وكان يقول لفاطمة: ادعي لي بابني، فيشمهما ويضمهما. قال زيد بن أرقم: كنت عند رسول الله ﷺ جالساً، فمرت فاطمة ﵍، وهي خارجة من

стр. 2316

بيتها إلى حجرة نبي الله ﷺ ومعها ابناها: الحسن والحسين، وعلي في آثارهم، فنظر إليهم النبي ﷺ فقال: من أحب هؤلاء فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني. قال أبو هريرة: كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة فانصرف وانصرفت معه فقال: ادع الحسين بن علي، فجاء الحسين بن علي يمشي، فقال النبي ﷺ بيده هكذا فقال الحسين بيده هكذا، فالتزمه فقال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه. قال أبو هريرة: فما كان بعد أحد أحب إلي من الحسين بن علي بعدما قال النبي ﷺ ما قال. وعن سلمان قال: قال النبي ﷺ : الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم، وله عذاب مقيم. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا سجد ركب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده أخذاً رفيقاً، فوضع أحدهما على فخذه والآخر في حجره، فقلت: يا رسول الله، أذهب بهما إلى أمهما؟ قال: لا: فبرقت برقة، فقال: الحقا بأمكما، فلم يزالا في ضوء تلك البرقة حتى لحقا بأمهما. وعن شداد بن الهاد قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها قال: رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته.

стр. 2317

وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسين والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله ورسوله " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما. وعن عمر قال: رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي ﷺ ، فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال النبي ﷺ : ونعم الفارسان هما. وعن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ على علي وفاطمة والحسن والحسين فاضطجع معهم، فاستسقى الحسن فقام إلى لقوح فحلبها، فاستسقى الحسين فقال: يا بني استسقى أخوك قبلك نسقيه ثم نسقيك، قالت فاطمة: كأنه أحبهما إليك يا رسول الله، قال: ما هو بأحبهما إلي: إني وأنت وهما وهذا المضطجع في مكان واحد يوم القيامة. وفي حديث آخر: في مكان واحد في الجنة. وعن علي قال: قعد رسول الله ﷺ موضع الجنائز، وأنا معه، فطلع الحسن والحسين، فاعتركا، فقال النبي ﷺ : إيها حسن خذ حسيناً، فقال علي: يا رسول الله، أعلى حسين تواليه وهو أكبرهما؟ فقال: هذا جبريل يقول: إيها حسين. وعن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : الحسن أو الحسين هذا مني وأنا منه، وهو يحرم عليه ما يحرم علي.

стр. 2318

وعن أم سلمة قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى صرحة هذا المسجد فقال: ألا لا يحل هذا المسجد لجنب ولا حائض إلا لرسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بينت لكم الأسماء أن تضلوا. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري: قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: سلام عليك يا أبا الريحانتين من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك، والله خليفتي عليك. فلما قبض النبي ﷺ قال: هذا أحد الركنين اللذين قال رسول الله ﷺ ، فلما ماتت فاطمة قال: هذا الركن الآخر الذي قال رسول الله ﷺ . وفي حديث آخر: سلام عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا. وعن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : خير رجالكم علي بن أبي طالب وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد. وعن علي قال: خرج رسول الله ﷺ حين خرج لمباهلة النصارى بي وبفاطمة والحسن والحسين. وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني، وإلا فصمتا، وهو يقول: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، والمحبون أهل البيت ورقها من الجنة حقاً حقاً. وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: لا تسألوني قبل أن تشوب الأحاديث الأباطيل. قال رسول الله ﷺ :

стр. 2319

أنا الشجرة، وفاطمة أصلها، أو فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، فالشجرة أصلها في عدن والأصل والفرع واللقاح والورق والثمر في الجنة. وعن علي قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ حسد الناس إياي، فقال: يا علي إن أول أربعة يدخلون الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، قال: قلت: يا رسول الله فأين شيعتنا؟ قال: شيعتكم من ورائكم. وعن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله ﷺ يمص لسان الحسين بن علي كما يمص الصبي التمرة. وعن أنس بن مالك قال: جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين إلى النبي ﷺ في المرض الذي قبض فيه، فانكبت عليه فاطمة وألصقت صدرها بصدره وجعلت تبكي، فقال النبي ﷺ : مه يا فاطمة، ونهاها عن البكاء، فانطلقت إلى البيت، فقال النبي ﷺ وهو يستعبر الدموع: اللهم أهل بيتي، وأنا مستودعهم كل مؤمن، ثلاث مرات. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي حب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة الله. أنكر الخطيب هذا الحديث بهذا الإسناد. وعن فاطمة: أن رسول الله ﷺ : أتاها يوماً فقال: أين ابناي؟ يعني حسناً وحسيناً، فقالت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال علي: أذهب بهما فإني أتخوف أن يبكيا عليك، وليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي، فتوجه إليه النبي ﷺ فوجدهما يلعبان في شربة، بين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا علي ألا قلبت ابني قبل أن يشتد

стр. 2320

عليهما الحر؟ فقال علي: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست حتى أجمع لفاطمة تمرات، فجلس رسول الله ﷺ وعلي ينزع لليهودي دلواً بتمرة، حتى اجتمع له شيء من تمر، فجعله في حجرته ثم أقبل، فحمل رسول الله ﷺ أحدهما، وعلي الآخر حتى قلبهما. قال يزيد بن أبي زياد: خرج النبي ﷺ من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي فقال: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني. وعن حبشي بن جادة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى اصطفى العرب من جميع الناس، واصطفى قريشاً من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من قريش، واختارني في نفر من أهل بيتي: علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين. وعن عبد الله بن عمر قال: كان على الحسن والحسين تعويذان فيهما من زغب جناح جبريل ﵇. وعن ربيعة السعدي قال: لما اختلف الناس في التفضيل، رحلت راحلتي وأخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة، فدخلت على حذيفة بن اليمان، فقال لي: من الرجل؟ قلت: من أهل العراق، فقال لي: من أي العراق؟ قال: قلت: رجل من أهل الكوفة. قال: مرحباً بكم يا أهل الكوفة. قال: قلت اختلف الناس علينا في التفضيل، فجئت لأسألك عن ذلك. فقال لي: على الخبير سقطت. أما إني لا أحدثك إلا بما سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي. خرج علينا رسول الله ﷺ كأني أنظر إليه، كما أنظر إليك الساعة حامل الحسين بن علي على عاتقه، كأني أنظر إلى كفه الطيبة واضعها على قدمه يلصقها بصدره فقال: يا أيها الناس، لأعرفن ما اختلفتم في الخيار بعدي، هذا الحسين بن علي خير الناس جداً، وخير الناس جدة، جده محمد رسول الله سيد النبيين، وجدته خديجة بنة خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله، هذا الحسين بن علي خير الناس أباً وخير الناس أماً، أبوه

стр. 2321

علي بن أبي طالب أخو رسول الله ﷺ ، ووزيره وابن عمه وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله، وأمه فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين. هذا الحسين بن علي خير الناس عماً، وخير الناس عمة، عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وعمته أم هانئ بنت أبي طالب. هذا الحسين بن علي خير الناس خالاً، وخير الناس خالة. خاله: القاسم بن محمد رسول الله، وخالته زينب بنت محمد رسول الله، ثم وضعه عن عاتقه، فدرج بين يديه وحبا. ثم قال: يا أيها الناس، هذا الحسين بن علي: جده وجدته في الجنة، وأبوه وأمه في الجنة، وعمه وعمته في الجنة، وخاله وخالته في الجنة، وهو وأخوه في الجنة، إنه لم يؤت أحد من ذرية النبيين ما أوتي الحسين بن علي ما خلا يوسف بن يعقوب. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرمها الله وذريتها على النار. وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى الحسن والحسين فسألهما فقالا: إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لحاجة مجحفة، أو لحمالة مثقلة، أو دين فادح، فأعطياه، ثم أتى ابن عمر فأعطاه ولم يسأله عن شيء فقال: أتيت ابني عمرك فهما أصغر سناً منك فسألاني وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيءٍ، قال: ابنا رسول الله ﷺ إنهما كانا يغران العلم غرا. قال يحيى بن سعيد: أمر عمر حسين بن علي أن يأتيه في بعض الحاجة، فقال حسين، فلقيه عبد الله بن عمر فقال له حسين: من أين جئت؟ قال: قد استأذنت على عمر فلم يؤذن لي؛ فرجع حسين، فلقيه عمر فقال له: ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني عبد الله بن عمر أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟! وأنت عندي مثله؟! وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم؟

стр. 2322

وعن حسين بن علي قال: صعدت إلى عمر وهو على المنبر، فقلت: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك، فقال: من علمك هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد، قال: منبر أبيك والله، منبر أبيك والله، وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم، جعلت تأتينا، وجعلت تغشانا. وعن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن عمر بن الخطاب لما دون الديوان وفرض العطاء، ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر، لقرابتهما برسول الله ﷺ ، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف. حدث جعفر بن محمد عن أبيه قال: قدم على عمر حلل من اليمن فكسا الناس، فراحوا في الحلل وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون، فخرج الحسن والحسين ابنا علي من بيت أمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، يتخطيان الناس، وكان بيت فاطمة في جوف المسجد ليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر قاطبٌ صار بين عينيه، ثم قال: والله ما هناني ما كسوتكم، قالوا: لم يا أمير المؤمنين؟ كسوت رعيتك وأحسنت، قال: من أجل الغلامين، يتخطيان الناس ليس عليهما منها شيء، كبرت عنهما، وصغرا عنها. ثم كتب إلى صاحب اليمن أن ابعث إلي بحلتين لحسن وحسين وعجل، فبعث إليه بحلتين فكساهما. قال مسافع بن شيبة: عرض حسين بن علي لمعاوية بالردم، ومعاوية على راحلته فكلمه بكلام شديد، فسكت عنه معاوية، فقال له يزيدك يجترئ عليك هذا، يكلمك بمثل هذا، فقال: دعه، فقد أقتلته، يريد أني كلم بهذا الكلام سواي فلا يحتلمه له. قال مسافع بن شيبة: حج معاوية، فلما كان عند الردم أخذ حسين بخطامه فأناخ به ثم ساره طويلاً، ثم انصرف، وزجر معاوية راحلته فسار، فقال عمرو بن عثمان: ينبح بك الحسين وتكف عنه

стр. 2323

وهو ابن أبي طالب؟ فقال معاوية: دعني من علي، فوالله ما فارقني حتى خفت أن يقتلني، ولو قتلني لما أفلحتم، وإن لكم من بني هاشم ليوماً. وعن علي أنه قال: إن ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، وأشبه أهلي بي الحسين. وعن المسيب بن نجبة قال: قال علي: ألا أحدثكم عن خاصة نفسي وأهل بيتي؟ قلنا: بلى. قال: أما حسن فصاحب جفنة وخوان، وفتى من الفتيان، ولو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور، وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو وباطل، ولا يغرنكم ابنا عباس، وأما أنا وحسين فإنا منكم وأنتم منا، والله لقد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وطواعيتهم إمامهم ومعصيتكم له، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم حتى تطول دولتهم، حتى لا يدعوا لله محرماً إلا استحلوه، ولا يبقى بيت مدر، ولا وبر إلا دخله ظلمهم، وحتى يكون أحدكم تابعاً لهم، وحتى تكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده: إذا شهد أطاعه، وإذا غاب عنه سبه، وحتى يكون أعظمهم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا، وإن أتاكم الله بعافية فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا فإن العاقبة للمتقين. كان الحسن يقول للحسين: أي أخ! والله لوددت أن لي بعض شدة قلبك، فيقول له الحسين: وأنا والله وددت أن لي بعض ما بسط لك من لسانك. قال مدرك بن عمارة: رأيت ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين فقيل له: أتأخذ بركابهما وأنت أسن منهما؟ فقال: إن هذين ابنا رسول الله ﷺ ، أوليس من سعادتي أن آخذ بركابيهما؟ قال أبو المهزم: كنا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة، فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة، فصلى عليها، فلما أقبلنا أعيا الحسين فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين: يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا؟! قال أبو هريرة: دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم، لحملوك على رقابهم.

стр. 2324

حدث جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﷺ بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا، قال: ولم يبايع صغيراً إلا منا. وحدث عن أبيه أيضاً: أن الحسين بن علي حج ماشياً خمساً وعشرين حجة ونجائبه تقاد معه. وقد روي ذلك عن الحسن بن علي وتقدم في ترجمته. وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: مر الحسن بمساكين يأكلون في الصفة فقالوا: الغداء، فنزل وقال: إن الله لا يحب المتكبرين، فتغدى ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فمضى بهم إلى منزله، فقال للرباب: أخرجي ما كنت تدخرين. قال أبو الحسن المدائني: جرى بين الحسن بن علي وأخيه الحسين كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام تأثم من هجر أخيه، فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكب على رأسه فقبله، فلما جلس الحسن قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحق بالفضل مني، فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به. قال ابن عون: كتب الحسن إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء، قال: فكتب إليه: إن خير المال ما وقى العرض. قال الأسود بن قيس العبدي: قيل لمحمد بن بشير الحضرمي: قد أسر ابنك بثغر الري. قال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحب أن يؤسر، ولا أن أبقى بعده. فسمع قوله الحسين، فقال له: رحمك الله، أنت في حل من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك. قال: أكلتني السباع حياً إن

стр. 2325

فارقتك. قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعن بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسةً أيام قيمتها ألف دينار. قال أبو عون: لما خرج الحسين بن علي من المدينة يريد مكة، مر بابن مطيع وهو يحفر بئره فقال له: أين فداك أبي وأمي؟ قال: أردت مكة. قال: وذكر له أنه كتب إليه شيعته بها، فقال له ابن مطيع: إني فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر إليهم، فأبى حسين، فقال له ابن مطيع: إن بئري هذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوار، ما خرج إلينا في الدلو شيء من ماء، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة، قال: هات من مائها، فأتى من مائها في الدلو، فشرب منه ثم تمضمض ثم رده في البئر فأعذب وأمري. وعن عكرمة عن ابن عباس: بينما هو يحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال له: يا بن عباس تفتي الناس في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبد، فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن علي جالساً ناحية، فقال: إلي يا بن الأزرق، قال: لست إياك أسأل. قال ابن عباس: يا بن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: يا نافع، إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج طاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يا بن الأزرق: أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرفه بما عرف به نفسه، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتصق، بعيد غير منتقص، يوحد ولا يبعض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال. فبكى ابن الأزرق وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! قال له الحسين: بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعلي. قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين، لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام، ونجوم الأحكام. فقال له الحسين: إني سائلك عن مسألة، قال: سل. فسأله عن هذه الآية: " وأما

стр. 2326

الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ". يا بن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبوهما. قال الحسين: فأبوهما خير أم رسول الله ﷺ ؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون. وعن الحسين بن علي قال: من أحبنا لله وردنا نحن وهو على نبينا ﷺ ، هكذا، وضم أصبعيه، ومن أحبنا للدنيا، فإن الدنيا تسع البر والفاجر. قال الذيال بن حرمة: خرج سائل يتخطى أزقة المدينة، حتى أتى باب الحسين بن علي، فقرع الباب وأنشد يقول: من المنسرح لم يخب اليوم من رجاك ومن ... حرّك من خلف بابك الحلقه وأنت جودٌ، وأنت معدنه ... أبوك ما كان قاتل الفسقه قال: وكان الحسين بن علي واقفاً يصلي، فخفف من صلاته وخرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر ضر وفاقة، فرجع ونادى بقنبر فأجابه: لبيك يا بن رسول الله ﷺ ، قال: ما تبقى معك من نفقتنا؟ قال: مئتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك، قال: فهاتها، فقد أتى من هو أحق بها منهم، فأخذها وخرج فدفعها إلى الأعرابي، وأنشأ يقول: من المنسرح خذها فإني إليك معتذرٌ ... واعلم بأني عليك ذو شفقه لو كان في سيرنا عصا تمد إذاً ... كانت سمانا عليك مندفقه لكنّ ريب المنون ذو نكدٍ ... والكفّ منّا قليلة النّفقه

стр. 2327

قال: فأخذها الأعرابي وولى وهو يقول: من البسيط مطهّرون، نقيّاتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا فأنتم أنتم الأعلون، عندكم ... علم الكتاب وما جاءت به السور من لم يكن علويّاً حين تنسبه ... فماله في جميع الناس مفتخر ومن شعر سيدنا الحسين بن علي ﵇: من السريع اغن عن المخلوق بالخالق ... تغن عن الكاذب والصادق واسترزق الرحمن من فضله ... فليس غير الله من رازق من ظنّ أنّ الناس يغنونه ... فليس بالرحمن بالواثق أوظنّ أنّ المال من كسبه ... زلّت به النعلان من حالق ومن شعره أيضاً: من الخفيف. كلّما زيد صاحب المال مالاً ... زيد في همّه وفي الاشتغال قد عرفناك يا منغّصة العي ... ش ويا دار كلّ فانٍ وبال ليس يصفوا لزاهد طلب الزهد ... إذا كان مثقلاً بالعيال قال إسحاق بن إبراهيم: بلغني أن الحسين بن علي أتى مقابر الشهداء بالبقيع فطاف بها وقال: من الكامل ناديت سكّان القبور فأسكتوا ... وأجابني عن صمتهم ندب الجثى قالت: أتدري ما صنعت بساكنيّ ... مزقت ألحمهم وخرّقت الكسا وحشوت أعينهم تراباً بعدما ... كانت تأذّى باليسير من القذى أما العظام فإنني فرّقتها ... حتى تباينت المفاصل والشّوى قطّعت ذا من ذا ومن هذا كذا ... فتركتها رمماً يطول بها البلى

стр. 2328

ومن شعر الحسين بن علي ﵉: من الطويل لئن كانت الدنيا تعدّ نفيسةً ... فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن كانت الأبدان للموت أنشئت ... فقتلٌ، سبيل الله، بالسيف أفضل وإن كانت الأرزاق شيئاً مقدّراً ... فقلّة سعي المرء في الكسب أجمل وإن كانت الأموال للتّرك جمّعت ... فما بال متروكٍ به المرء يبخل وكان الحسين بن علي يوم الجمل على الميسرة. حدث عبد الله بني يحيى عن أبيه: أنه سافر مع علي بن أبي طالب وكان صاحب مطهرته، فلما حاذوا بنينوى، وهو منطلق إلى صفين، نادى علي: صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات، قلت: ومن ذا أبو عبد الله؟ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعيناه تفيضان، فقلت: يا نبي الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم يسعني أملك عيني أن فاضتا. قال أبو أمامة: قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه: لا تبكوا هذا الصبي، يعني حسيناً، قال: فكان يوم أم سلمة، فنزل جبريل فدخل رسول الله ﷺ الداخل، وقال لأم سلمة: لا تدعي أحداً يدخل علي، فجاء الحسين، فلما نظر إلى النبي ﷺ في البيت أراد أن يدخل، فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكته، فلما اشتد في البكاء خلت عنه، فدخل حتى جلس في حجر رسول الله ﷺ ، فقال جبريل للنبي ﷺ : إن أمتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبي ﷺ : يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم، يقتلونه، فتناول جبريل تربة فقال: بمكان كذا وكذا. فخرج رسول الله ﷺ قد احتضن حسيناً كاسف البال، مهموماً، فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: يا نبي الله، جعلت لك الفداء، إنك قلت لنا:

стр. 2329

لا تبكوا هذا الصبي، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك، فجاء فخليت عنه، فلم يرد عليها. فخرج إلى أصحابه وهم جلسو فقال لهم: إن أمتي يقتلون هذا، ففي القوم أبو بكر وعمر وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال: نعم، هذه تربته، فأراهم إياها. وعن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي ﷺ في بيتي، فنزل جبريل فقال: يا محمد! إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله ﷺ وضمه إلى صدره، ثم قال رسول الله ﷺ : وديعة عندك هذه التربة، فشمها رسول الله ﷺ وقال: ريح كرب وبلاء، قال: قال رسول الله ﷺ : يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أن ابني قد قتل، قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم، يعني، وتقول: إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم. قالت أم سلمة: دخل الحسين على رسول الله ﷺ ، ففزع، فقالت أم سلمة: مالك يا رسول الله؟ قال: إن جبريل أخبرني أن ابني هذا يقتل، وإنه اشتد غضب الله عل من يقتله. وفي حديث آخر بالمعنى الأول: وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، فأراه إياه، فإذا الأرض يقال لها كربلاء. وفي حديث آخر بالمعنى قال: فضرب بجناحه فأتاني بهذه التربة قالت: وإذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول: يا ليت شعري، من يقتلك بعدي؟ وفي حديث آخر: وقيل: اسمها كربلاء، فقال رسول الله ﷺ : كرب وبلاء.

стр. 2330

وعن محمد بن صالح: أن رسول الله ﷺ حين أخبره جبريل أن أمته ستقتل حسين بن علي، فقال: يا جبريل أفلا أراجع فيه، قال: لا؛ لأنه أمر قد كتبه الله. وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجرتي. قال أبو عبد الله الضبي: دخلنا على ابن هرثم الضبي حين أقبل من صفين، وهو مع علي، وهو جالس على دكان له، وله امرأة يقال لها: جرداء، هي أشد حباً لعلي وأشد لقوله تصديقاً، فجاءت شاة له فبعرت فقال: لقد ذكرني بعر هذه الشاة حديثاً لعلي، قالوا: وما علم علي بهذا؟ قال: أقبلنا مرجعنا من صفين، فنزلنا كربلاء، فصلى بنا علي صلاة الفجر بين شجرات ودوحات حرمل، ثم أخذ كفاً من بعر الغزلان فشمه، ثم قال: أوه أوه، يقتل بهذا الغائط قوم يدخلون الجنة بغير حساب، قال: قالت جرداء: وما تنكر من هذا؟ هو أعلم بما قال منك، نادت بذلك وهي في جوف البيت. قال عمار الدهني: مر علي على كعب فقال: يخرج من ولد هذا رجل، يقتل في عصابة لا يجف عرق خيولهم حتى يردوا على رسول الله ﷺ ، فمر حسن فقالوا: هذا هو يا أبا إسحاق، قال: لا. فمر حسين فقالوا: هذا هو. قال: نعم. حدث العلاء بن أبي عائشة عن أبيه عن رأس الحالوب قال: كنا نسمع أنه يقتل بكربلاء ابن نبي، فكنت إذا دخلتها ركضت فرسي حتى أجوز عنها، فلما قتل حسين جعلت أسير بعد ذلك على هينتي. حدث الشعبي عن ابن عمر: أنه كان بماله، فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال فقال له: أين تريد؟ فقال: العراق. وإذا معه طوامير كتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم فقال: لا تأتهم، فأبى، قال: إني محدثك حديثاً: إن جبريل أتى النبي ﷺ فخيره

стр. 2331

بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير، فأبى أن يرجع، قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل. وعن سعيد بن مثنى: أن عبد الله بن عمر قال: عجل حسين قدره، عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما كان ليخرج إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح، وببني هاشم ختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قال أبو سعيد المقبري: والله لرأيت الحسين وإنه ليمشي بين رجلين، يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وعلى هذا أخرى حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وهو يقول: من الخفيف لا ذعرت السّوام في غبش الصب ... ح مغيراً ولا دعيت يزيدا يوم أعطي مخافة الموت ضيماً ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا قال: فعلمت عند ذلك أن لا يلبث إلا قليلاً حتى يخرج، فما لبث أن خرج حتى لحق بمكة. جوامع حديث مقتل الحسين عن جماعة رواة قالوا: لما بايع معاوية بن أبي سفيان الناس بن معاوية، كان حسين بن علي بن أبي طالب ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين، يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى. فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، وطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه، وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويشيطوا

стр. 2332

دماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم، فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم أمر، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن نجبة الفزاري وعدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك. فقال: إني أرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه للكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلاً. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة، ولا عليك خلافاً، وما أظن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسداً. وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. ولما حضر معاوية دعا يزيد بن معاوية، فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فإنه أحب الناس إلى الناس فصل رحمه،

стр. 2333

وارفق به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية نصف رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد. فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي فإن أمير المؤمنين، ﵀، عهد إلي في أمره للرفق به واستصلاحه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد، فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج، وخرج معه ابن الزبير، وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له حزم ولا مروءة، وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا أسداً. فقال له مروان أو بعض جلسائه: اقتله، قال: إن ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف. فلما صار الوليد إلى منزله قالت له امرأته أسماء بنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أسببت حسيناً؟ قال: هو بدأ فسبني، قالت: وإن سبك حسين تسبه، وإن سب أباك تسب أباه؟ قال: لا. وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس، فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل أبو عبد الله، وابن الزبير الآن يلفته ويزجيه إلى العراق ليخلو بمكة. فقدما مكة، فنزل الحين دار العباس بن عبد المطلب، ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري، وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين،

стр. 2334

ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، فكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك، ويقول: لا تفعل. وقال له عبد الله بن مطيع: إني فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك، ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذنا خولاً وعبيداً. ولقيهما عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة بالأبواء منصرفين من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر لحسين: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها يعني الدنيا فاعتنقه وبكى وودعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: أين تريد يا بن فاطمة؟ قال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملة لهم، أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين بن علي على الخروج وقد قلت له: اتق الله في نفسك، والزم بيتك، فلا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين، فأدركته بملل فناشدته الله ألا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.

стр. 2335

وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسيناً فقلت: اتق الله، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم. فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسيناً لم يخرج لكان خيراً له. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق، ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحرم، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة، فسيضربون آباط الإبل حتى يوافوك، فتخرج في قوة وعدة. فجزاة خيراً، وقال: أستخير الله في ذلك. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لحدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقتل حسين بأرض بابل. فلما قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذاً من مصرعي. ومضى. وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: يا بن عم، إن الرحم تظأرني عليك، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك، قال: يا أبا بكر: ما أنت ممن تستغش ولايتهم، فقل. قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصرهن فأذكرك الله في نفسك، فقال: جزاك الله يا بن عمر خيراً، فقد اجتهدت، ومهما يقض الله من أمر يكن، فقال أبو بكر إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله. وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتاباً يحذره أهل الكوفة، ويناشده الله

стр. 2336

أن يشخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله ﷺ وأمرني بأمر أنا ماضٍ له، ولست بمجبر بها أحداً حتى ألاقي عملي. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد اعتزمت على الشخوص إلى العراق، فإني أعيذك بالله من الشقاق، فإن كنت خائفاً فأقبل إلي، فلك عندي الأمان، والبر والصلة. فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت بكتابك إلي بري وصلتي، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده. وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج حسين إلى مكة ويحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنوه الخلافة وعندك منهم خبرة وتجربة، فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: من البسيط يا أيّها الراكب الغادي لطيّته ... على عذافرةٍ في سيرها قحم أبلغ قريشاً على نأي المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرّحم وموقفٌ بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما توفى به الذّمم عنّيتم قومكم فخراً بأمّكم ... أمّ لعمري حصان برّة كرم هي التي لا يداني فضلها أحدٌ ... بنت الرسول، وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم ... من قومكم لهم في فضلها قسم إني لأعلم أو ظنا كعالمه ... والظنّ يصدق أحياناً فينتظم

стр. 2337

أن سوف يترككم ما تدّعون بها ... قتلى تهاداكم العقبان والرّخم يا قومنا لا تشبّوا الحرب إذ سكنت ... ومسكوا بحبال السّلم واعتصموا قد غرّت الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً ... فرب ذي بذخٍ زلت به القدم قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: إني لأرجو ألا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة ويطفئ به الثائرة. ودخل عبد الله بن العباس على الحسين، فكلمه ليلاً طويلاً، وقال: أنشدك الله أن تهلك غداً بحال مضيعة، لا تأتي العراق، وإن كنت لا بد فاعلاً فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس، وتعلم على ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين، فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق. فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك، كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فقال: أبا العباس، إنك شيخ قد كبرت. فقال ابن عباس: لولا أن يزري ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أننا إذا تناصينا أقمت لفعلت، ولكن لا إخال ذلك نافعي. فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي أن تستحل بي يعني مكة. قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير، فذاك الذي سلى بنفسي عنه. ثم خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا بن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك؟ هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز: من الرجز. يالك من قبّرةٍ بمعمر

стр. 2338

خلالك الجوّ فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري وبعث حسين إلى المدينة، فقدم عليه من خف معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلاً ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم، وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسيناً بمكة، وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل؛ فحبس محمد بن علي ولده؛ فلم يبعث معه أحداً منهم حتى وجد حسين في نفسه على محمد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال محمد: وما حاجتي أن تصاب ويصابون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم. وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجهاً إلى العراق في أهل بيته وستين شيخاً من أهل الكوفة يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة ستين، فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد: فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره، والسلام عليك. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد: فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترق كما تسترق العبيد.

стр. 2339

قال لبطة بن الفرزدق: قال الفرزدق: خرجنا حجاجاً، فلما كنا بالصفاح غذ نحن بركب عليهم اليلامق، ومعهم الدرق، فلما دنوت منهم إذا أنا بحسين بن علي، فقلت: أي أبو عبد الله؟؟! قال: يا فرزدق: ما وراءك؟ قال: أنت أحب الناس إلى الناس، والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية. قال: ثم دخلنا مكة. فقلت له: لو أتينا عبد الله بن عمرو فسألناه عن حسين وعن مخرجه. فأتينا منزله بمنى، فإذا نحن بصبية له سود مولدين يلعبون، قلنا: أين أبوكم؟ قالوا: في الفسطاط يتوضأ، فلم نلبث أن خرج علينا من فسطاطه، فسألناه عن حسين فقال: أما إنه لا يحيك فيه السلاح، قال: فقلت له: تقول هذا فيه وأنت الذي قاتلته وأباه؟ فسبني؛ فسببته. ثم خرجنا حتى أتينا ما يقال له: تعشار، فجعل لا يمر بنا أحد إلا سألناه عن حسين، حتى مر بنا ركب فناديناهم: ما فعل حسين بن علي؟ قالوا: قتل. قلت: فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل. قال سفيان: ذهب الفرزدق إلى غير المعنى، أو قال: الوجه، إنما هو لا يحيك فيه السلاح، لا يضره القتل مع ما قد سبق له. قال إسماعيل بن علي الخطبي: وكان مسير الحسين بن علي من مكة إلى العراق، بعد أن بايع له من أهل الكوفة اثنا

стр. 2340

عشر ألفاً على يدي مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكتبوا إليه في القدوم عليهم، فخرج من مكة إلى الكوفة. وبلغ يزيد خروجه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على العراق يأمره بمحاربته، وحمله إليه، إن ظفر به. فوجه اللعين عبيد الله بن زياد الجيش إليه مع عمر بن سعد بن أبي وقاص، وعدل الحسين إلى كربلاء. فلقيه عمر بن سعد هناك، فاقتتلوا، فقتل الحسين رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ولعنة الله على قاتليه في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. قال الضحاك: كتب يزيد إلى ابن زياد واليه على العراق: إنه قد بلغني أن حسيناً قد صار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به أنت من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد. فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه. قال الفرزدق: لقيت الحسين بن علي بذات عرق وهو يريد الكوفة فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين؟ معي حمل بعير من كتبهم. قلت: لا شيء، يخذلونك، لا تذهب إليهم، فلم يطعني. قال العريان بن الهيثم: كان أبي يتبدى فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنا لا نبدو إلا وجدنا رجلاً من بني أسد هناك، فقال له أبي: أراك ملازماً هذا المكان، قال: بلغني أن حسيناً يقتل ههنا، فأنا أخرج لعلي أصادفه فأقتل معه، فلما قتل الحسين قال أبي: انطلقوا ننظر هل الأسدي فيمن قتل؟ فأتينا المعركة وطوفنا، فإذا الأسدي مقتول.

стр. 2341

قال أبو خالد الكاهلي: لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل غاية. قال محمد بن حسن: لما نزل عمر بن سعد بحسين، وأيقن أنهم قاتلوه، قام في أصحابه خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد نزل بنا ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرت حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، إلا حشيش علسٌ كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً. وعن عبد ربه: أن الحسين لما أرهقه السلاح قال: ألا تقبلون مني ما كان رسول الله ﷺ يقبل من المشركين؟ قالوا: وما كان رسول الله ﷺ يقبل من المشركين؟ قال: كان إذا جنح أحدهم قبل منه. قالوا: لا. قال: لا تدعوني أرجع. قالوا: لا. قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين، فأخذ له رجل السلاح، فقال له: أبشر بالنار. فقال: بل إن شاء الله برحمة ربي ، وشفاعة نبي ﷺ . فقتل، وجيء برأسه حتى وضعه في طست بين يدي ابن زياد، فنكته بقضيبه وقال: لقد كان غلاماً صبيحاً، ثم قال: أيكم قاتله؟ فقام الرجل فقال: أنا قتلته، فقال: ما قال لك؟ فأعاد الحديث، فاسود وجهه.

стр. 2342

وقيل: إن الحسين قال حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد فقاتلهم. فقال الحسين: يا عمر اختر مني ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد، فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهم أن يسيره إلى يزيد فقال له شمر بن جوشن: لا، إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إليه بذلك، فقال الحسين: والله، لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله، فأرسل إليه ابن زياد شمر بن جوشن، فقال: إن تقدم عمر يقاتل، وإلا فاقتله، وكن أنت مكانه، وكان مع قريب من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال، فلا تقبلون منها شيئاً؟! فتحولوا مع الحسين فقاتلوا. وعن أبي ليلى قال: قال الحسين بن علي حين أحس بالقتل: ابغوني ثوباً لا يرغب فيه أجعله تحت ثيابي لا أجرد، فقيل له: تبان، فقال: ذلك لباس من ضربت عليه الذلة، فأخذ ثوباً فخرقه فجعله تحت ثيابه، فلما قتل جرد صلوات الله عليه ورضوانه. وعن شيبان بن مخرم، وكان عثمانياً، قال: إني لمع علي إذ أتى كربلاء، فقال: يقتل في هذا الموضع شهداء، ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر، فقلت: بعض كذباته، وثم رجل حمار ميت، فقلت لغلامي: خذ رجل هذا الحمار فأوتدها في مقعده وغيبها، فضرب الدهر ضربه، فلما قتل الحسين انطلقت ومعي أصحاب لي، فإذا جثة الحسين بن علي على رجل ذلك الحمار، وإذا أصحابه ربضة حوله.

стр. 2343

وعن هرثمة بن سلمى قال: خرجنا مع علي في بعض غزوه، فسار حتى انتهى إلى كربلاء، فنزل إلى شجرة فصلى إليها، فأخذ تربة من الأرض فشمها، ثم قال: واهاً لك تربة ليقتلن بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب. قال: فقفلنا من غزاتنا، وقتل علي، ونسيت الحديث. قال: فكنت في الجيش الذين ساروا إلى الحسين، فلما انتهيت إليه نظرت إلى الشجرة، فذكرت الحديث، فتقدمت على فرس لي، فقلت: أبشرك ابن بنت رسول الله ﷺ ، وحدثته الحديث، قال: معنا أو علينا؟ قلت: لا معك ولا عليك، تركت عيالاً وتركت، قال: إما لا؛ فول في الأرض، فوالذي نفس حسين بيده، لا يشهد قتلنا اليوم رجل إلا دخل جهنم، فانطلقت هارباً مولياً في الأرض حتى خفي علي مقتله. وعن مسلم بن رباح مولى علي بن أبي طالب قال: كنت مع الحسين يوم قتل، فرمي في وجهه بنشابة، فقال لي: يا مسلم أدن يديك من الدم، فأدنيتهما، فلما امتلأتا قال: اسكبه في يدي؛ فسكبته في يده؛ فنفخ بهما إلى السماء، وقال: اللهم اطلب بدم ابن بنت نبيك، قال مسلم: فما وقع منه إلى الأرض قطرة. حدث العباس بن هشام بن محمد الكوفي عن أبي عن جده، قال: كان رجل من بني أبان بن دارم، يقال له: زرعة، شهد قتل الحسين، فرمى الحسين بسهم فأصاب حنكه فجعل يلتقي الدم، ثم يقول هكذا إلى السماء فيرمي به، وذلك أن الحسين دعاء بماء ليشرب، فلما رماه حال بينه وبين الماء فقال: اللهم ظمه، اللهم ظمه. قال: فحدثني من شهده، وهو يموت وهو يصيح من الحر في بطنه، والبرد في ظهره، وبين يديه المراوح والثلج، وخلفه الكافور، وهو يقول: اسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بالعس العظيم فيه السويق أو الماء واللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، قال: فيشربه ثم يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقد بطنه كانقداد البعير. وقتل مع الحسين ستة عشر رجلاً من أهل بيته.

стр. 2344

وعن ابن عباس قال: أوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ : أني قد قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وأنا قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. قال ابن سيرين: لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلا على الحسين بن علي. وعن خلف بن خليفة عن أبيه قال: لما قتل الحسين اسودت السماء وظهرت الكواكب نهاراً، حتى رأيت الجوزاء عند العصر وسقط التراب الأحمر. حدث خلاد، وكان ينزل بني جحدر، قال: حدثتني أمي، قالت: كنا زماناً بعد مقتل الحسين، وإن الشمس تطلع محمرة على الحطيان والجدر بالغداة والعشي، قالت: وكانوا لا يرفعون حجراً إلا يوجد تحته دم. قال عيسى بن الحارث الكندي: لما قتل الحسين مكثنا سبعة أيام، إذا صلينا العصر فنظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً. وعن المنذر الثوري قال: جاء رجل يبشر الناس بقتل الحسين، فرأيته أعمى يقاد. وعن نصرة الأزدية قالت: لما أن قتل الحسين مطرت السماء دماً، فأصبحت وكل شيء لنا ملآن دماً. وعن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي. وعن ابن سيرين قال: لم نكن نرى هذه الحمرة في السماء حتى قتل الحسين بن علي.

стр. 2345

وعن جعفر بن سالم قال حدثتني خالتي أم سالم قالت: لما قتل الحسين مطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر، قال: وبلغني أنه كان بخراسان والشام والكوفة. قال بواب عبيد الله بن زياد: لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً. وعن أم حيان قالت: يوم قتل الحسين أظلمت علينا ثلاثاً، ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئاً فجعله على وجهه إلا احترق، ولم يقلب حجر ببيت المقدس إلا أصبح تحته دم عبيط. قال محمد بن عمر بن علي: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال ابن رأس الجالوت: ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط. وعن يزيد بن أبي زياد قال: قتل الحسين ولي أربع عشرة سنة، وصار الورس الذي كان في عسكرهم رماداً، واحمرت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران. وعن أبي حميد الطحان قال: كنت في خزاعة، فجاؤوا بشيء من تركة الحسين فقيل لهم: نتجر أو نبيع فنقسم؟ قالوا: اتجروا، قال: فجعل على جفنة، فلما وضعت فارت ناراً. قال جميل بن مرة: أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها وطبخوها، قال: فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئاً. حدث شيخ من النخع قال: قال الحجاج: من كان له بلاء فليقم، فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس،

стр. 2346

فقال: أنا قاتل حسين، فقال: بلاء حسن، ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه، وذهب عقله، فكان يأكل ويحدث مكانه. لا تسبوا علياً، يا لهفتا على أسهم رميته بهن يوم الجمل، مع ذلك، لقد قصرن، والحمد لله، عنه. وعنه أيضاً قال: لا تسبوا أهل البيت، أو أهل بيت النبي ﷺ فإنه كان لنا جار من بلهجيم قدم علينا الكوفة قال: ما ترون إلى هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله، يعني الحسين، فرماه الله بكوبين من السماء فطمس بصره. قال أبو رجاء: فأنا رأيته. وعن السدي قال: كنا غلمة نبيع البز في رستاق كربلاء، قال: فنزلنا برجل من طيئ، فقرب إلينا العشاء. قال: فتذاكرنا قتلة الحسين، قال: فقلنا: ما بقي أحد ممن شهد قتلة الحسين إلا وقد أماته الله ميتة سوء، أو بقتلة سوء، قال فقال: ما أكذبكم يا أهل الكوفة! تزعمون أنه ما بقي أحد ممن شهد قتل الحسين إلا وقد أماته الله ميتة سوء أو بقتلة سوء، وإنه لممن شهد قتلة الحسين وما بها أكثر مالاً منه. قال: فنزعنا أيدينا عن الطعام، قال: وكان السراج يوقد فذهب ليطفأ، قال: فذهب ليخرج الفتيلة بأصبعه فأخذت النار بأصبعه قال: ومدها إلى فيه فأخذت بلحيته، قال: فحضر أو قال: فأحضر إلى الماء حتى يلقي نفسه، قال: فرأيته تتوقد فيه حتى صار حممةً. وعن أنس بن مالك قال: لما أتي برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد فجعل ينكت بقضيب على ثناياه وقال: إن كان لحسن الثغر، فقلت: أما والله لأسوءنك، لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبل موضع قضيبك من فيه.

стр. 2347

وفي حديث آخر عنه: أتي برأس الحسين في طست إلى ابن زياد، فجعل ينكت فاه ويقول: إن كان لصبيحاً، إن كان لقد خضب. وعن زيد بن أرقم قال: كنت عند عبيد الله بن زياد إذ أتي برأس الحسين بن علي فوضع في طست بين يديه، فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن شفتيه وعن أسنانه فلم أر ثغراً قط كان أحسن منه، كأنه الدر، فلم أتمالك أن رفعت صوتي بالبكاء فقال: ما يبكيك أيها الشيخ؟ قال: يبكيني ما رأيت رسول الله ﷺ يمص موضع هذا القضيب ويلثمه، ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه. وعن زيد بن أرقم أنه خرج من عند ابن زياد يومئذ وهو يقول: أما والله لقد سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: اللهم إني أستودعكه وصالح المؤمنين، فكيف حفظكم لوديعة رسول الله ﷺ ؟ وعن محمد بن خالد قال: قال إبراهيم: لو كنت فيمن قتل الحسين ثم أدخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه النبي ﷺ . وعن علي بن زيد بن جدعان قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: كلا يا بن عباس، كلا، قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه زجاجة من دم فقال: ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟ قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودم أصحابه، أرفعها إلى الله . قال: فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل ذلك اليوم وتلك الساعة. وعن سلمى قالت: دخلت علي أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل آنفاً.

стр. 2348

وعن شهر بن حوشب قال: إنا لعند أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، قال: فسمعنا صارخة، فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة، فقالت: قتل الحسين، قالت: قد فعلوها، ملأ الله بيوتهم أو قبورهم عليهم ناراً، ووقعت مغشياً عليها وقمنا. قال ابن أبي مليكة: بينما ابن عباس جالس في المسجد الحرام، وهو يتوقع خبر الحسين بن علي، إلى أن أتاه آتٍ فساره بشيء؛ فأظهر الاسترجاع، فقلنا: ما حدث يا أبا العباس؟ قال: مصيبة عظيمة، عند الله نحتسبها، أخبرني مولاي أنه سمع ابن الزبير يقول: قتل الحسين بن علي، فلم نبرح حتى جاءه ابن الزبير فعزاه، ثم انصرف. فقام ابن عباس فدخل منزله، ودخل عليه الناس يعزونه، فقال: إنه ليعدل عندي مصيبة حسين شماتة ابن الزبير، أترون مشي ابن الزبير إلي يعزيني، إن ذلك منه إلا شماتة. قال ابن جريج: كان المسور بن مخرمة بمكة حين جاء نعي حسين بن علي، فلقي ابن الزبير فقال له: قد جاء ما كنت تمنى، موت حسين بن علي، فقال ابن الزبير: يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟ فوالله ليته بقي ما بقي بالجماء حجر، والله ما تمنيت ذلك له، قال المسور: أنت أشرت عليه بالخروج إلى غير وجه، قال: نعم، أشرت به عليه ولم أدر أنه يقتل، ولم يكن بيدي أجله، ولقد جئت ابن عباس فعزيته فعرفت أن ذلك يثقل عليه مني، ولو أني تركت تعزيته قال: مثلي تترك لا تعزيني بحسين؟ فما أصنع؟ أخوالي وغرة الصدور علي، وما أدري على أي شيء ذلك، فقال له المسور: ما حاجتك إلى ذكر ما مضى وبثه، دع الأمور وبر أخوالك، فأبوك أحمد عندهم منك. قالت أم سلمة: سمعت الجن يبكين على الحسين، وقالت أيضاً: سمعت الجن تنوح على الحسين.

стр. 2349

وقال الواقدي: لم تدرك أم سلمة قتل الحسين، ماتت سنة ثمان وخمسين. قالت أم سلمة: سمعت الجن تنوح على الحسين يوم قتل ويقلن: من الخفيف أيها القاتلون ظلماً حسيناً ... أبشروا بالعذاب والتنكيل كلّ أهل السماء تدعو عليكم ... من نبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داوو ... د وموسى وصاحب الإنجيل قال حبيب بن أبي ثابت: قالت أم سلمة: ما سمعت نوح الجن منذ قبض رسول الله ﷺ إلا الليلة، وما أرى ابني إلا قد قتل، تعني الحسين، فقالت لجاريتها: اخرجي فسلي، فأخبرت أنه قد قتل، وإذا جنية تنوح: من الوافر ألا يا عين فاحتفلي بجهد ... ومن يبكي على الشهداء بعدي؟ على رهطٍ تقودهم المنايا ... إلى متجبّرٍ في ملك عبد قال أبو جناب الكلبي: أتيت كربلاء، فقلت: لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن. قال: ما تلقى حراً ولا عبداً إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت، قال سمعتهم يقولون: من مجزوء الكامل مسح الرسول جبينه ... فله بريقٌ في الخدود أبواه من عليا قري ... شٍ، جدّه خير الجدود قال محمد المصقلي لما قتل الحسين: إنه سمع منادياً ينادي ليلاً، يسمع صوته، ولم ير شخصه: من الكامل عقرت ثمودٌ ناقةً فاستؤصلوا ... وجرت سوانحهم بغير الأسعد

стр. 2350

فبنو رسول الله أعظم حرمةً ... وأجلّ من أمّ الفصيل المقصد عجباً لهم، ولما أتوا لم يمسخوا ... والله يملي للطغاة الجحّد حدث إمام مسجد بني سليم قال: غزا أشياخ لنا الروم فوجدوا في كنيسة من كنائسهم: من الوافر أترجو أمةٌ قتلت حسيناً ... شفاعة جدّه يوم الحساب؟ فقالوا: منذ كم وجدتم هذا الكتاب في هذه الكنيسة؟ قالوا: قبل أن يخرج نبيكم بست مئة عام. وعن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي احتزوا رأسه، وقعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ وينحتون الرأس، فخرج عليهم قلم من حديد فكتب بسطر دم من الوافر أترجو أمةٌ قتلت حسيناً ... شفاعة جدّه يوم الحساب؟ فهربوا وتركوا الرأس، ثم رجعوا. قال الأعمش: أحدث رجل من بني أسد على قبر حسين بن علي قال: فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وجذام ومرض وفقر. وعن هشام بن محمد قال: لما أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وامحى أثر القبر، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين وبكاه وقال: بأبي وأمي ما كان أطيبك وأطيب ترتبك ميتاً، ثم بكى وأنشأ يقول: من الطويل أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر
следующие страницы →