Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
حصن بن عبد الرحمن
ويقال: ابن محصن أبو حذيفة التراغمي من أهل دمشق.
حدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتاً في النار، ومن تول غير مواليه فليتبوأ بيتاً في النار.
وحدث أيضاً بسنده إلى عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فلأول، وإن كانت امرأة.
قال أبو سليمان حمد بن محمد: قوله: ينحجزوا، معناه: يكفوا عن القتل. وتفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء، فأيهم عفا وإن كان امرأة سقط القود، وصار دية.
وقوله: الأول فالأول: يريد الأقرب فالأقرب، ويشبه أن يكون معنى المقتتلين ههنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القتلة، فتنشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين لما ذكرناه.
وقد اختلف في عفو النساء.
فقال أكثر أهل العلم: عفو النساء عن الدم كعفو الرجل.
وقال الأوزاعي وابن شبرمة: ليس للنساء عفو.
وعن الحسن وإبراهيم النخعي: ليس للزوج ولا للمرأة عفو في الدم.
стр. 2382
حصين بن جعفر الفزاري
من أهل دمشق.
حدث عن عمير بن هانئ العنسي قال: لقيت عبد الله بن عمر فقلت له: من بك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: من ألحد في حرم الله، قلت: أرأيت أهل الشام، ما تقول فيهم؟ قال: ما أنا لهم بحامد. قلت: فأهل مكة والمدينة؟ قال: ما أنا لهم بعاذر، قوم يتغالبون على الدنيا يتهافتون في النار تهافت الذبان في المرق، قال: وأتيته بمعراض من كلام، فقال: أمالك رحل؟ الحق برحلك، إن رأيت وأرأيت من الشيطان.
حصين بن جندب أبو ظبيان
الجنبي الكوفي سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وجماعة.
ذكر الواقدي أنه غزا الصائفة مع يزيد بن معاوية في غزوة قسطنطينية سنة خمسين.
روى عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحت الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين، يعني أسامة.
قال: فقال رجل: ألم يقل الله : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون
стр. 2383
الدين كله الله "؟ فقال سعد: قد قاتلناهم حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
وحدث ظبيان عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله.
قال خليفة بن خياط في تسمية أهل الكوفة: أبو ظبيان الجنبي اسمه حصين بن جندب بن عمرو بن الحارث بن وحشي بن مالك بن ربيعة بن منبه بن يزيد بن حرب بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن يشجب، ويزيد بن حرب هم جنب.
مات سنة تسعين، وقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة ست وتسعين.
حصين بن مالك أبي الحر بن الخشخاش
ابن جناب بن الحارث ابن مجفر ويقال: مجفر، ويقال: حصين بن الحر ويقال: خشخاش بن الحارث ويقال: خشخاش بن مالك بن الحارث ابن أخيف، ولقبه مجفر بن كعب بن العنبر بن عمرو ابن تميم أبو القلوص التميمي العنبري البصري لجده ولأبيه مالك وعميه قيس وعبيد وفادة على النبي ﷺ ، وهو جد عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة، وقدم دمشق.
روى حصين بن أبي الحر عن الخشخاش قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي قال: فقال النبي ﷺ : لا يجني عليك ولا تجني عليه.
стр. 2384
وروى حصين بن أبي الحر: أن أباه مالكاً وعميه قيساً وعبيداً أتوا رسول الله ﷺ فشكوا إليه إغارة رجل من بني عمهم على الناس، فكتب لهم رسول الله ﷺ : هذا كتاب محمد رسول الله لمالك وقيس وعبيدة بني الخشخاش، إنكم آمنون مسلمون على دمائكم وأموالكم، لا تؤخذون بجريرة غيركم، ولا تجني عليك إلا أيديكم.
وروى حصين بن أبي الحر عن سمرة بن جندب قال: كنت عند النبي ﷺ وقد دعا حجاماً فهو يحجمه ويشرطه بطرف سكين حديدة، فجاء رجل مسمى من بني فلان نسيت اسمه، فدخل عليه بغير إذن، فقال: لم تدفع ظهرك إلى هذا يفعل به ما أرى؟ فقال النبي ﷺ : هذا الحجم. قال: قلت: وما الحجم؟ قال: هو خير ما تداوى به الناس.
قال عمرو بن عاصم الكلابي: كان حصين بن أبي الحر عاملاً لعمر بن الخطاب على ميسان، وبقي حتى أدرك الحجاج، فأتى به فهم بقتله، ثم قال: لا تطهروه بالقتل، ولكن اطرحوه في السجن حتى يموت، فحبسه حتى مات.
قال الحصين بن أبي الحر: دخلنا على عمران بن حصين فوافقته يتغدى، فقال: هلم، قلت: إني صائم، فقال عمران: لا تصومن يوماً تجعله عليك حتماً إلا شهر رمضان.
стр. 2385
حصين بن نمير بن نابل بن لبيد
ابن جعثنة بن الحارث بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة، وهو ثور بن عفير ابن عدي بن الحارث أبو عبد الرحمن الكندي ثم السكوني من أهل حمص.
كان بدمشق حين عزم معاوية على الخروج إلى صفين وخرج معه، وولي الصائفة ليزيد بن معاوية، وكان أميراً على جند حمص، وكان في الجيش الذي وجهه يزيد إلى أهل المدينة من دمشق لقتال أهل الحرة، واستخلفه مسلم بن عقبة المعروف بمسرف على الجيش، وقاتل ابن الزبير، وكان بالجابية حين عقدت لمروان بن الحكم الخلافة.
حدث يزيد بن الحصين بن نمير السكوني عن أبيه قال: جاء بلال يخطب على أخيه، وكان عمر استعمل بلالاً على الأردن فقال: أنا بلال وهذا أخي، كنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا عائلين فأغنانا الله، فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا إله إلا الله، قال: فأنكحوه، وكانت المرأة عربية من كندة.
لما مرت السكون مع أول كندة مع حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج في أربع مئة فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلمٌ سباط مع معاوية بن حديج، فأعرض عنهم، ثم أعرض ثم أعرض، فقيل له: مالك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم، ثم أمضاهم فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية.
وتعجب الناس من رأي عمر حين تعقبوه، بعد ما كان من أمر الفتنة الذي كان،
стр. 2386
وإذا هم رؤوس تلك الفتنة، فكان منهم من غزا عثمان، وكان منهم رجل يقال له: سودان بن حمران قتل عثمان بن عفان، وإذا منهم رجل حليف يقال له: جلد بن ملجم قتل علي بن أبي طالب، وإذا منهم معاوية بن حديج، فنهض في قوم منهم يتتبع قتلة عثمان يقتلهم، وإذا منهم قوم يهوون قتل عثمان، وكان فيهم حصين، وهو الذي حاصر ابن الزبير بمكة، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فسترت بالخشب فاحترقت.
حدث جماعة، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قال: أمر يزيد مسلم بن عقبة وقال: إن حدث بك حدث فحصين بن نمير على الناس، فورد مسلم بن عقبة المدينة، فمنعوه أن يدخلها، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثاً، ثم خرج يريد ابن الزبير، فلما كان بالمشلل نزل به الموت، فدعا حصين بن نمير فقال له: يا بردعة الحمار، لولا عهد أمير المؤمنين إلي فيك ما عهدت إليك، اسمع عهدي: لا تمكن قريشاً من أذنك ولا تزدهم على ثلاث: الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. وأعلم الناس أن الحصين واليهم ومات مكانه، فدفن على ظهر المشلل لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين.
ومضى حصين بن نمير في أصحابه حتى قدم مكة، فنزل بالحجون إلى بئر ميمون، وعسكر هناك، فكان يحاصر ابن الزبير، فكان الحصر أربعة وستين يوماً يتقاتلون فيها أشد القتال، ونصب الحصين المنجنيق على ابن الزبير، فكان الحصر أربعة وستين يوماً يتقاتلون فيها أشد القتال، ونصب الحصين المنجنيق على ابن الزبير وأصحابه، ورمى الكعبة، وقتل من الفريقين بشر كثير، وأصاب المسور فلقة من حجر المنجنيق، فمات ليلة جاء نعي يزيد بن معاوية، وذلك لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين.
فكلم حصين بن نمير ومن معه من أهل الشام عبد الله بن الزبير: إن يدعهم يطوفوا بالبيت وينصرفوا عنه، فشاور في ذلك أصحابه، ثم أذن لهم، فطافوا.
стр. 2387
وكلم ابن الزبير الحصين بن نمير، وقال له: قد مات يزيد، وأنا أحق الناس بهذا الأمر، لأن عثمان عهد إلي في ذلك عهداً صلى به خلفي طلحة والزبير وعرفته أم المؤمنين فبايعني، وادخل فيما يدخل فيه الناس معي يكن لك ما لهم وعليك ما عليهم.
فقال له الحصين بن نمير: إني والله يا أبا بكر لا أتقرب إليك بغير ما في نفسي، أقدم للشام فإن وجدتهم مجتمعين لك أطعتك وقاتلت من عصاك، وإن وجدتهم مجتمعين على غيرك أطعته وقاتلتك، ولكن سر أنت معي إلى الشام أملكك رقاب العرب.
فقال له ابن الزبير: أو أبعث رسولاً؟ قال: تباً لك سائر اليوم، إن رسولك لا يكون مثلك.
وافترقا، وأمن الناس، ووضعت الحرب أوزارها، وأقام أهل الشام أياماً يبتاعون حوائجهم ويتجهزون، ثم انصرفوا راجعين إلى الشام، فدعا ابن الزبير من يومئذ إلى نفسه.
وفي سنة ست وستين عام الخازر، قتل عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير وجرير بن شراحيل الكندي في آخرين، وقيل: في سنة سبع وستين، قتلهم إبراهيم بن الأشتر وبعث برؤوسهم إلى المختار، فبعث بها إلى ابن الزبير، فنصبت بالمدينة ومكة.
وقيل: إن المختار لما بعث برأس ابن زياد وحصين بن نمير مع رؤوس أناس من أشراف أهل الشام قال ابن الزبير: انصبوا رأس كل رجل منهم عند قذافته التي كان يرمينا منها.
قال محمد بن إسماعيل: ثم أحرق مصعب بن الزبير المختار، وأحرق إبراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير، فقال عبد الملك بن مروان وأتي بجسد ابن الأشتر لمولى لحصين بن نمير: حرقه كما حرق مولاك.
стр. 2388
حصين بن الوليد
مولى بني يزيد بن معاوية حدث عن الأزهر بن الوليد الحمصي قال: سمعت أم الدرداء ببيت المقدس وهي تحدث عن سير الحجاج بالعراق، فقالت: والله لقد كنت أسمع وأنا أهدي إلى أبي الدرداء: ليكفرن أقوام من هذه الأمة بعد إيمانهم.
كان حصين ثقة.
حضين بن المنذر بن الحارث
ابن وعلة بن المجالد بن اليثربي بن الريان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل أبو ساسان وهو لقب وكنيته أبو محمد الرقاشي البصري روى عن عثمان وعلي وغيرهما.
قال حضين بن المنذر: صلى الوليد بن عقبة أربعاً وهو سكران، ثم انفتل فقال: أزيدكم؟ فرفع ذلك إلى عثمان، فقال له علي بن أبي طالب: اضربه الحد. فأمر بضربه، فقال علي للحسن: قم فاضربه. قال: فما أنت وذاك؟. قال: إنك ضعفت ووهنت وعجرت، ثم قال: قم يا عبد الله بن جعفر، فقام عبد الله بن جعفر فجعل يضربه وعلي يعد حتى إذا بلغ أربعين قال: كف أو اكفف.
ثم قال: ضرب رسول الله ﷺ أربعين، وضرب أبو بكر أربعين، وضرب عمر صدراً من خلافته أربعين، وثمانين، وكل سنةٌ.
قال يونس: وفد الحضين بن المنذر إلى بعض الخلفاء، فكان الآذن أبطأ في الإذن، فسبقه القوم
стр. 2389
لتباطئه، فقال له الخليفة: مالك يا أبا ساسان تدخل علي في آخر الناس؟ فقال: من الطويل
وكلّ خفيف الشأن يسعى مشمّراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانةً ... وحلماً إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقيل: إن الوفادة كانت على معاوية، وإنه كان يؤذن له في أول الوفد فيدخل في آخرهم، فقال له معاوية: مالك يا أبا ساسان؟ إنا نحسن إذنك، فأنشده البيتين.
قال يعقوب: وحضين بن المنذر هو الذي يؤثر عنه أن ختنه على ابنته أو أخته كان إذا دخل عيه تنحى له حضين عن مجلسه ثم قال: مرحباً بمن كفانا المؤونة وستر العورة.
وكان الحضين بخراسان أيام قتيبة بن مسلم، فدخل عليه، وهو عنده، مسعود بن حراش العبسي، والحضين شيخ كبير معتم بعمامة، فقال مسعود لقتيبة: من هذه العجوز المعتمة عند الأمير؟ فقال قتيبة: بخ، هذا حضين بن المنذر، فقال حضين: من هذا أيها الأمير؟ قال: مسعود بن حراش العبسي، فقال حضين: إنا والله ممن لم يمجد قومه في الجاهلية عبد حبشي، يعني عنترة، ولا في الإسلام امرأة بغي، قال: فسكت عنه مسعود بن حراش.
وشهد الحضين صفين مع علي ﵇.
وبقي إلى أيام معاوية، فوفد عليه، وكان لا يعطي البواب ولا الحاجب شيئاً؛ فكان لا يأذن له الحاجب إلا آخر الناس، فدخل يوماً فقام حيال معاوية، وأنشد البيتين:
وكل خفيف الشأن.......................................
قال: فأومأ إليه معاوية أن أعطهم شيئاً فإنك لا تعطي أحداً شيئاً.
стр. 2390
حدث الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري قال: حضين بن المنذر أبو ساسان الرقاشي هو حضين بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة ونون، من سادات ربيعة، وكان صاحب راية أمير المؤمنين يوم صفين، وفيه يقول أمير المؤمنين: من الطويل
لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل: قدّمها، حضين تقدّما
وتتمة الأبيات في رواية أبي جعفر محمد بن مروان أن علياً قالها:
فيوردها في الصف حتى يقيلها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى الله قوماً قاتلوا في لقائهم ... لدى الموت قدماً ما أعزّ وأكرما
وأطيب أخباراً وأكرم شيمةً ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني إنهم أهل نجدةٍ ... وبأسٍ إذا لاقوا خميساً عرمرما
قال الحسن: ثم ولاه إصطخر، وكان يبخل، وفيه يقول زياد الأعجم: من الطويل
يسدّ حضينٌ بابه خشية القرى ... بإصطخر والشاة السمين بدرهم
وفيه يقول الضحاك بن هنام: من الطويل
وأنت امرؤٌ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفعٌ، وموتك فاجع
стр. 2391
قال الحافظ: ولا أعرف من سمي حضيناً بالضاد والنون غيره، وغير من ينسب إليه من ولده.
وكان شاعراً فارساً صدوقاً، كان على راية علي ﵇ يوم صفين، وكان صاحب شرطته، وسماه يعقوب بن سفيان في أمراء يوم الجمل من أصحاب علي.
قال محمد بن داود المازني: قيل لحضين بن المنذر: بأي شيء سدت قومك؟ قال: بحسب لا يطعن فيه، ورأي لا يستغنى عنه، ومن تمام السؤدد أن يكون الرجل ثقيل السمع عظيم الرأس.
قال الشعبي:
قال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. فقال للحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: دار قوراء، وامرأة حسناء، وفرس مربوط بالفناء. وقال لرجل من بني قشير: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية، قال: صدقت.
قال سليمان بن أبي شيخ: لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أمر بفرشه ففرشت، فأجلس الناس على مراتبهم، وأمر بقدور الصفر فنصبت، فلم ير الناس مثلها في الكبر، إنما يرقى إليها بالسلالم، والناس منها متعجبون.
وأذن للعامة، فاستأذنه أخوه عبد الله بن مسلم في أن يكلم الحضين بن المنذر الرقاشي على جهة التعبث به، وكان عبد الله بن مسلم يحمق، فنهاه قتيبة عن كلام الحضين وقال: هو باقعة العرب، وداهية الناس ومن لا تطيقه، فخالفه، وأبى إلا كلامه.
стр. 2392
فقال للحضين: يا أبا ساسان: أمن الباب دخلت؟ فقال له: ما لعمك بصر بتسور الجدران. وفي رواية: وكان ذلك يتسلق على جيرانه، قال: أفرأيت القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى. قال: أفتقدر أن رقاش رأت مثلها؟ قال: ولا رأى مثلها عيلان، ولو رأى مثلها لسمي شبعان، ولم يسم عيلان، قال: أفتعرف الذي يقول: سن الطويل
عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائلٍ ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: نعم وأعرف الذي يقول: من الوافر
فخيبة من يخيب على غنيٍّ ... وباهلةٍ ويعصر والرّباب
والذي يقول: من الكامل
إن كنت تهوى أن تنال رغيبةً ... في دار باهلة بن يعصر فارحل
قومٌ قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال عبد الله بن مسلم: فهو الذي يقول: من الطويل
يسدّ حضين بابه خشية القرى ... بإصطخر والكبش السمين بدرهم
ثم قال عبد الله: يا أبا ساسان، دعنا من هذا، هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: إني لأقرأ منه الكثير الطيب: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا ". فاغتاظ عبد الله وقال: لقد بلغني أن امرأتك زفت إليك وهي حامل،
стр. 2393
فقال الحضين: يكون ماذا؟ تلد غلاماً، فيقال: فلان ابن الحضين كما قيل: عبد الله بن مسلم.
فقال قتيبة: اكفف لعنك الله، فأنت عرضت نفسك لهذا.
وفي رواية أخرى:
قتيبة، إن تكفف أخاك تكفّه ... وفي الوصل مطمعٌ، يا بن مسلم
وإلا فإني والذي نسكت له ... رجال قريشٍ والحطيم وزمزم
لئن لجّ عبد الله في بعض ما أرى ... لأرتقين في شتمكم رأس سلّم
أمزحٌ بشيخٍ بعد تسعين حجّةً ... طوتني كأني من بقية جرهم
فما ردّ مزحٌ قطّ خيراً علمته ... وللمزح أهلٌ لست منهم فأحجم
أدرك أبو ساسان خلافة سليمان بن عبد الملك، وسليمان بويع سنة ست وتسعين وقيل: إنه مات في خلافة سليمان.
حطان بن عوف
شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية.
وحدث: أنه رأى يوماً بلالاً يؤذن بالشام.
حدث سعيد بن عبد العزيز وغيره قالا: لما قبض الله تعالى رسول الله ﷺ ، وجهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ترك بلال الأذان، وأجمع المسير معهم، أراد أبو بكر منعه فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك أقمت عندك، وإن كنت أعتقتني لله فدعني والجهاد في سبيل الله، فخلى سبيله، وخرج فيمن خرج، فلم يزل مجاهداً حتى فتح الله عليهم الشام.
وقدم عمر بن الخطاب الجابية فسأل المسلمون عمر مسألة بلال بالأذان لهم ليسمعوا تأذينه، ففعل عمر، وأذن بلال يوماً واحداً أو لصلاة واحدة، فما رأى أكثر باكياً من بكاء
стр. 2394
المسلمين يومئذ بالجابية، أذكرهم رسول الله ﷺ ما كانوا يسمعون من تأذينه له، وعرفوا من صوته، فلم يزل المسلمون بالشام يقولون: إن تأذينهم هذا الذي هم عليه من تأذين بلال يومئذ.
حظي بن أحمد بن محمد بن القاسم
أبو هانئ السلمي الصوري روى عن أبي الحسن أحمد بن داود بن أبي صالح الحراني بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : وجبت محبة الله على من غضب فحلم.
حفاظ بن الحسن بن الحسين
أبو الوفاء الغساني الفزار المعروف بابن نصف الطريق لحفاظ ابن اسمه علي وكنيته أبو الحسن أحد المعدلين، كان بدمشق.
ذكر أن سبب تلقيب جدهم الأعلى بنصف الطريق: أنه خرج مع جبلة بن الأيهم طالباً قسطنطينية للارتداد، ثم تفكر وندم وعاد من نصف الطريق.
وكان حفاظ شيخاً مستوراً، توفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة.
حفاظ بن سلامة الناسخ
قال حفاظ: أنشدني أبو سعد عالي بن عثمان بن جني قال: أنشدني الرضي لنفسه: من الكامل
لا تحسبيه يخون عهدكم ... ويطيع فيك اللوم والعذلا
لو كنت أنت، وأنت مهجته، ... واشي هواك إليه ما قبلا
стр. 2395
حفص بن سعيد بن جابر
حدث عن أبي إدريس الخولاني عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: من أحدث هجاء في الإسلام فاضربوا عنقه.
ثم يقول: هجاء للإسلام.
حفص بن سعيد
روي عن حفص بن سعيد أن قال: وجد في قرية من قرى الغوطة قبر، فأخرج منه رجل، رأسه وجسده مسمر بالمسامير، لا يدري أيش قصته.
قال الراوي: فأخذت منه مسماراً، فجعله وتداً لدابته.
حفص بن سليمان
أبو سلمة الكوفي المعروف بالخلال كان من دعاة بني العباس، كان يقال لأبي سلمة وزير آل محمد، ولأبي مسلم الخراساني أمين آل محمد. أشخص أبو العباس السفاح أبا سلمة، ثم دس عليه أبو مسلم من قتله غيلة.
ذكر حديثاً مطولاً مختصره: أن أبا العباس شخص ومعه جماعة من أهل بيته حتى قدموا الكوفة، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعيد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم نحواً من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة، وأراد فيما ذكر تحويل الأمر إلى آل أبي طالب، لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد.
стр. 2396
وقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم. فألح عليه يسأله، قال: قد أكثرت السؤال، وليس هذا زمان خروجه، حتى لقي ابن حميد خادماً لأبي العباس، يقال له: سابق الخوارزمي. فسأله عن أصحابه فأخبره أنهم بالكوفة وأن أبا سلمة أمرهم أن يختفوا. فجاء به إلى أبي جهم، فأخبره خبرهم، فسرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع.
وجاء رجل فأخبر أبا الجهم بنزول الإمام بني أود، وأنه أرسل، حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم إلى موسى بن كعب بمئتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمة فسأله عن الإمام فقال: ليس هذا وقت خروجه، واسط لم تفتح بعد.
فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن ربعي وجماعة سماهم إلى الإمام، فبلغ أبا سلمة أنهم ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم، وأتى القوم أبا العباس فدخلوا عليه، فقالوا: أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة، فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم وتخلف الآخرون عند الإمام.
فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى إمامي، فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: أن أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلن على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أبو سلمة، منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس، وخرج أبو العباس على برذون أبلق يوم الجمعة فصلى بالناس.
فقيل: إن أبا سلمة لما سلم على أبي العباس بالخلافة قال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه، فقال له أبو العباس: مه.
قال أبو جعفر: لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين، سمرنا ذات ليلة، فذكرنا ما صنع أبو سلمة، فقال رجل منا: ما يدريكم، لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم؟ فلم ينطق منا أحد. فقال أبو العباس: لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم، إنا بعرض بلاء، إلا أن يدفعه الله عنا، وتفرقنا.
стр. 2397
قال: فأرسل إلي أبو العباس فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيك، فقال: ليس منا أحد أخص بأبي مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفى عليك لو قد لقيته، فإن كان عن أيه احتلنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا، فخرجت على وجل.
فلما قدمت الري، أتاني عامل الري، فأخبرني بكتاب أبي مسلم: أنه بلغني أن عبد الله بن محمد قد توجه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعة يقدم عليك. قال: وأمرني بالرحيل؛ فازددت وجلاً، وخرجت من الري، وأنا حذر خائف، فسرت، فلما كنت بنيسابور أتاني عاملها بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تدعه يقيم، فإن أرضك أرض خوارج ولا آمن عليه. فطابت نفسي وقلت: أراه يعني بأمري، فسرت.
فلما كنت من مرو على فرسخين تلقاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا مني مشى إلي حتى قبل يدي، فقلت له: اركب، فركب، فدخلت مرو، فنزلت داراً، فمكثت ثلاثة أيام، لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع: ما أقدمك؟ فأخبرته. فقال: فعلها أبو سلمة، أكفيكموه، فدعا مرار بن أنس الضبي، فقال: انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته، وانته في ذلك إلى رأي الإمام. فقدم مرار الكوفة فقتله.
وفي حديث آخر: أن أبا العباس كان قد تنكر لأبي سلمة قبل ارتحاله عن عسكره بالنخيلة، ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية، فنزل قصر الإمارة بها، وهو متنكر له، قد عرف ذلك منه.
ثم كتب إلى أبي مسلم يعلمه رأي أبي سلمة، وما كان هم به من الغش، وما يتخوف منه.
فكتب أبو مسلم: إن أمير المؤمنين إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله. فقال داود بن علي لأبي العباس: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله.
стр. 2398
فكتب إلى أبي مسلم بذلك، فبعث إليه أبو مسلم مرار بن أنس الضبي، فقدم على أبي العباس في المدينة الهاشمية، وأعلمه سبب قدومه، فأمر أبو العباس منادياً ينادي: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة، ودعاه وكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة، فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج منصرفاً إلى منزله وحده، فعرض له مرار بن أنس ومن معه من أعوانه، فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا: قتل الخوارج أبا سلمة، وأخرج من الغد فصلي عليه، فقال سليمان بن المهاجر البجلي: من الكامل
إنّ الوزير وزير آل محمدٍ ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
وقيل: إن أبا سلمة قتل بحمام أعين غيلة سنة اثنتين وثلاثين ومئة. وقيل: قتله مرار سنة ثلاث وثلاثين ومئة.
حفص بن أبي العاص بن بشر
ابن دهمان ويقال: بشر بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي وهو ثقيف الثقفي البصري.
روى عن عمر بن الخطاب. وقيل: إن له صحبة.
قال حميد بن هلال: كان حفص بن أبي العاص يحضر طعام عمر، فكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إن طعامك خشب غليظ، وإني أرجع إلى طعام لين قد صنع لي فأصيب منه، قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق فينخل في خرقة، ثم آمر به فيخبز خبزاً رقاقاً، وآمر بصاح من زبيب فيقذف في سعن ثم يصب عليه من الماء، فيصبح كأنه دم غزال. فقال: إني لأراك عالماً بطيب العيش. فقال: أجل، والذي نفسي بيده، لولا أن تنتقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم.
стр. 2399
حفص بن عبيد الله بن أنس ابن مالك بن النضر الأنصاري روى عن جده أنس، أنه حدثه: أن رسول الله ﷺ ، كان يجمع بين الصلاتين في السفر، يعني المغرب والعشاء: وفي حديث آخر: فسألت حفصاً متى جمع بينهما؟ قال: حيث يغيب الشفق عند مغيبه. قال حفص: كان أنس يفعل ذلك.
وروى عنه أيضاً أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزوراً لنا ونحب أن تحضرها قال: نعم. فانطلق، فانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم ينحر، فنحرت، ثم قطعت ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس.
وحدث حفص أيضاً قال: قدم أنس بن مالك على عبد الملك وأنا معه، قال: فأقام بالشام شهرين يصلي صلاة المسافر.
وفي رواية: أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع عبد الملك، فكان يصلي ركعتين.
حفص بن عمر بن سعيد
ابن أبي عزيز جندب بن النعمان الأزدي من أهل النيبطن، وسكن بزملكا.
حدث أبو نصر ظفر بن محمد بن ظفر بن عمر بن
حفص بن عمر بن سعيد بن أبي عزيز الأزدي، صاحب النبي ﷺ ، قال: سمعت أبي، محمد بن ظفر، يذكر عن أبيه ظفر بن عمر عن أبيه عمر بن حفص عن أبيه حفص بن عمر بن سعيد بن أبي عزيز الأزدي: أنه سأل عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين: إن في غوطة دمشق قرية
стр. 2400
يقال لها: زملكا، ولي فيها بنو عم، وسألوني الإشراف عليهم، وليس لي في الموضع شيء، فقال له عبد الملك: سل هل لنا في تلك القرية شيء؟ فنظروا فإذا فيها ضيعة من صوافي الروم، فأقطعه إياها، وكتب له عبد الملك بن مروان بذلك كتاباً هذا لحنه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين لحفص بن عمر بن سعيد بن أبي عزيز الأزدي: إني أنطيتك بقرية زملكا كذا وكذا فداناً، وأشهد على نفسه أخويه، محمداً وعبد العزيز، وقبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع. قال ظفر بن محمد: فبقيت تلك الضيعة بزملكا في أيدينا إلى الساعة نتوارثها كابراً عن كابر.
حفص بن عمر بن حفص
ابن أبي السائب ويقال: حفص بن عمر بن صالح بن عطاء بن السائب بن أبي السائب المخزومي القرشي العماني. قاضي عمان، أصله من المدينة.
حدث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ لأبي طالب: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها، ويعاودانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ". وأنزل الله تعالى في أبي طالب أيضاً: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ... " الآية
стр. 2401
وحدث عن الوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة قال: إذا رأيت الرجل لجوجاً مماريا معجباً برأيه، فقد تمت خسارته.
حفص بن عمر ويقال ابن عمرو
ابن سويد أبو عمرو العدوي البغدادي وحدث عنه أيضاً عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فوعظنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، وقال: يا ليتني مت، يا ليتني لم أخلق، قال: فغضب رسول الله ﷺ ، حتى علته حمرة، فقال: يا سعد أعندي تمنى الموت؟ لئن كنت خلقت للنار وخلقت لك، ما النار بالشيء يستعجل إليها، ولئن كنت خلقت للجنة وخلقت لك، لأن يطول عمرك ويحسن عملك خير لك.
وحدث عنه أيضاً عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس قال: قدمت مع أبي حوارين في العام الذي مات فيه معاوية بن أبي سفيان واستخلف يزيد، فجلست مع أبي في مجلس ما جلست بعدهم إلى مثلهم، فإذا رجل يحدث القوم، قال: فأدخلت رأسي بين أبي وبين الذي يليه، فكان مما وعيت أن قال: إن من أشراط الساعة أن يفتح القول ويخزن الفعل، وترفع الأشرار ويوضع الأخيار، وتقرأ المساءة بين أظهر القوم، ليس لها منهم منكر، فقال قائل: وما المساءة يرحمك الله؟ قال: كل شيء اكتتب من غير كتاب الله. قالوا: أفرأيتك الحديث يبلغنا عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: من سمع منكم حديثاً من رجل يأمنه على دمه ودينه، فاستطاع أن يحفظه فليحفظه، وإلا فعليكم كتاب الله، فيه تجزون، وعنه تسألون، وكفى به علماً لمن علمه.
قال: والرجل عبد الله بن عمرو بن العاص.
стр. 2402
قال عمرو بن واقد: فحدثت بهذا الحديث عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله، فقال: حدثني أبي أنه كان معهم في ذلك المجلس.
قال حفص بن عمر الدمشقي:
بلغ إبراهيم بن أدهم وفاة قريب له بخراسان وترك مالاً عظيماً، فقال لصاحب له: اخرج بنا، فخرجا، فأراد الوضوء والغداء وهم على ضفة البحر، فرأى إبراهيم طيراً أعمى واقفاً في ضحضاح البحر، فما لبث أن تحرك الماء، فرأى سرطاناً في فمه طعم، فلما أحس به الطير فتح منقاره، فألقى فيه السرطان الطعم، فقال إبراهيم لصاحبه: تعال انظر، ثم قال: ويحك هذا طير سخر له سرطان في البحر، يأتيه رزقه ونحن نذهب نطلب ميراثاً وقد تخلينا من الدنيا، ارجع بنا، فجلس بالشام ولم يخرج.
وحدث أبو عمرو حفص بن عمر الخطابي البغدادي عن معاوية بن سلام بسنده عن أبي مالك مرفوعاً: إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام والناس نيام.
حفص بن عمر بن عبد الله
ابن أبي طلحة زيد بن سهل أبو عمرو الأنصاري ابن ابن أخي أنس بن مالك لأمه حدث عن أنس قال: انطلق بي في أربعين رجلاً من الأنصار حتى أتى بنا عبد الملك بن مروان، ففرض لنا، فلما رجع رجعنا، حتى إذا كنا بفج الناقة صلى بنا الظهر ركعتين وسلم، فدخل فسطاطه، فقام القوم يضيفون إلى ركعتينا ركعتين أخريين فقال: قبح الله الوجوه، ما قبلت الرخصة، ولا أصابت السنة: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن قوماً يتعمقون في الدين يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية.
стр. 2403
وحدث عنه: أن النبي ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. قال: ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع.
وحدث عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : النصار كرشي وعيبتي، وأوصي بالأنصار خيراً أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم.
وحدث عنه قال: قال النبي ﷺ : قال جبريل: من صلى عليك له عشر حسنات.
وحدث عنه أيضاً قال: قال النبي ﷺ : أنت مع من أحببت.
حفص بن عمر بن عبد الرحمن
ابن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري وفد على الوليد بن عبد الملك.
حدث عن جدته سهلة بنت عاصم بن عدي الأنصارية: أنها ولدت يوم خيبر فسماها النبي ﷺ سهلة.
وفي حديث آخر عنه أنها قالت: ولدت يوم حنين يوم فتح الله حنيناً فسماني سهلة، وقال: سهل الله أمركم، فضرب لي بسهم، وتزوجني عبد الرحمن بن عوف يوم ولدت.
стр. 2404
حفص بن عمر أبو الوليد مولى قريش
دمشقي سكن مصر، ويعرف بحفص صاحب حديث القطف.
حدث عن عقيل بن خالد بسنده عن عبد الله بن عباس قال: أتى جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن ربك يقرئك السلام وأرسلني إليك بهذا القطف لتأكله. فأخذه رسول الله ﷺ .
توفي سنة سبعين ومئة.
حفص بن غيلان
أبو معيد الرعيني الحميري وقيل: الهمذاني.
حدث عن مكحول عن أنس قال: قيل: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم. قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم والفقه في رذالكم.
وحدث عنه أيضاً بسنده عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة.
حفص بن مسيرة أبو عمر الصنعاني
نزيل عسقلان، قيل: إنه من صنعاء الشام، وقيل: من صنعاء اليمن.
حدث عن زيد بن أسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، والله، لله أفرح بتوبة
стр. 2405
أحدكم من الرجل يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن جاءني يمشي، أتيته أهرول.
وحدث عنه أيضاً بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم. قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: اليهود والنصارى.
قال أبو عمر الصنعاني:
إذا كان يوم القيامة عزلت العلماء، فإذا فرغ الله من الحساب، قال: لم أجعل حكمتي فيكم اليوم إلا لخير أريده فيكم، ادخلوا الجنة بما فيكم.
قال حفص بن ميسرة: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوباً: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وذلك في قول الله : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله، لا قوة إلا بالله ".
وهب بن منبه كان يسكن صنعاء اليمن.
قال حفص بن ميسرة: قدم بشر بن روح المهلبي أميراً على عسقلان، فقال: من ههنا؟ قيل: أبو عمر الصنعاني، يعني حفص بن ميسرة، فأتاه فخرج إليه فقال: عظني، فقال: أصلح فيما بقي من عمرك يغفر لك ما قد مضى منه، ولا تفسد فيما بقي فتؤخذ فيما قد مضى.
توفي حفص بن ميسرة سنة إحدى وثمانين ومئة.
стр. 2406
حفص بن الوليد بن سيف
ابن عبد الله بن الحارث بن جبل ابن كليب بن عوف بن عوف بن معاهر بن عمرو بن زيد ابن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن محمد بن قيس بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت أبو بكر الحضرمي المصري أمير مصر من قبل هشام بن عبد الملك، وليها ثلاث مرات.
حدث عن محمد بن مسلم بسنده عن ابن عباس قال: أبصر رسول الله ﷺ شاة ميتة لمولاة لميمونة وكانت من الصدقة فقال: لو نزعوا جلدها فانتفعوا به، قال: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها.
روى الليث: أن حفص بن الوليد أول ولايته بمصر أمر بقسم مواريث أهل الذمة على قسم مواريث المسلمين، وكانوا قبل حفص يقسمون مواريثهم بقسم أهل دينهم.
وفي سنة ثمان وعشرين ومئة قتل حفص بن الوليد، قتله حوثرة بن سهيل الباهلي بمصر في شوال، وكان ممن خلع مروان بن محمد مع رجاء بن الأشيم الحميري وغيرهم، وقال المسور الخولاني يحذر ابن عم له من مروان: من الطويل
وإنّ أمير المؤمنين مسلّطّ ... على قتل أشراف البلادين فاعلم
فإيّاك لا تجني من الشر غلظةً ... فتؤذى كحفصٍ أو رجاء بن أشيم
فلا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وكيف وقد أضحوا بسفح المقطّم؟!
стр. 2407
حفص الأموي
شاعر من شعراء الدولة الأموية، بقي حتى أدرك دولة بني العباس، ولحق بعبد الله بن علي، واستأمنه فأمنه.
قال إبراهيم بن سفيان الزيادي: كان حفص الأموي هجاء لبني هاشم، وطلبه عبد الله بن علي فلم يقدر عليه، ثم جاءه فقال: عائذ بالأمير منه، قال: ومن أنت؟ قال: حفص الأموي، قال: ألست الهجاء لبني هاشم؟ قال: أنا الذي أقول أعز الله الأمير: من المتقارب
وكانت أمية في ملكها ... تجور وتكثر عدوانها
فلما رأى الله أن قد طغت ... ولم يطق الناس طغيانها
رماها بسفّاح آل الرسول ... فجذّ بكفّيه أعيانها
ولو آمنت قبل وقع العذاب ... لقد قبل الله إيمانها
فقال: اجلس، فجلس، فتغدى بين يديه، ثم دعا خادماً له، فساره بشيء، ففزع حفص فقال: ايها الأمير قد تحرمت بك وبطعامك، وفي أقل من هذا كانت العرب تهب الدماء، فقال: ليس ما ظننت، فجاء الخادم بخمس مئة دينار فقال: خذها ولا تقطعنا وأصلح ما شعبت منا.
قال هشام يوماً لجلسائه وقوامه على خيله: كم أكثر ما ضمت عليه حلبة من الخيل في إسلام أو جاهلية؟ فقيل له: ألف فرس، وقيل: ألفان، فأمر أن يؤذن الناس بحلبة أربعة آلاف فرس، فقيل له: يا أمير المؤمنين يحطم بعضها بعضاً، ولا يتسع لها طريق، فقال: نطلقها ونتوكل على الله، والله الصانع. فجعل الغاية خمسين ومئتي غلوة، والقصب: مئة، والمقوس ستة أسهم، وقاد إليه الناس من كل أوب، ثم برز هشام إلى دهناء الرصافة قبيل الحلبة بأيام، فأصلح
стр. 2408
طريقاً واسعاً لا يضيق بها، فلما أرسلت يوم الحلبة بين يديه، كان ينظر إليها تدور حتى ترجع، فجعل الناس يتراءونها حتى أقبل الذائد كأنه ريح لا يتعلق به شيء، حتى دخل سابقاً وأخذ القصبة، ثم جاءت الخيل بعد لأيٍ أفذاذاً وأفواجاً، ووثب الرجاز يرتجزون: منهم المادح للذائد، ومنهم المادح لفرسه، ومنهم المادح لخيل قومه، فوثب مولاهم حفص الأموي وقام مرتجزاً يقول: من مشطور الرجز
إنّ الجواد السابق الإمام ... خليفة الله الرضي الهمام
أنجبه السوابق الكرام ... من منجباتٍ ما بهنّ ذام
ومنها:
أطلق وهو يفعٌ غلام ... في حلبةٍ تمّ لها التّمام
من آل فهرٍ وهم السّنام ... فبذّهم سبقاً وما ألاموا
كذلك الذّائد يوم قاموا ... أتى يبذّ الخيل ما يرام
مجلّياً كأنه حسام ... سبّاق غاياتٍ لها ضرام
لا يقبل العفو ولا يضام ... ويل الجياد منه ماذا راموا
سهم تعزّ دونه السهام
فأعطاه هشام يومئذ ثلاثة آلاف درهم، وخلع عليه ثلاث حلل من جيد وشي اليمن، وحمله على فرس له من خيله السوابق، وانصرف معه ينشده هذا الرجز حتى قعد في مجلسه وأخذه بملازمته، فكان أثيراً عنده، وأعطى أصحاب الخيل المقصبة يومئذ عطايا كثيرة.
قال الكلبي: لا نعلم لتلك الحلبة نظيراً في الحلائب.
стр. 2409
الحكم بن أيوب بن الحكم
ابن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف الثقفي بن عم الحجاج بن يوسف روى عن أبي هريرة: لا صلاة إلا بقراءة.
قال أبو خلدة: أخر الحكم بن أيوب الصلاة، فقام إليه يزيد الضبي فقال: أيها الأمير، إن الشمس لا تطيعك وقد أخرت الصلاة، فقال: خذاه، فأخذ، فلما قضى الصلاة جيء بيزيد، وجاء أنس بن مالك حتى استوى مع الحكم على سريره، وجيء بيزيد فأقبل على أنس فقال: أذكرك الله يا أبا حمزة، إنك قد صليت مع نبي الله ﷺ ورأيت صلاتنا، فأين صلاتنا من صلاة نبي الله ﷺ ، فقال أنس: كان نبي الله ﷺ إذا كان الحر يبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة.
قال العلاء بن زياد: لما هزم يزيد بن المهلب أهل البصرة، قال المعلى: فخشيت أن أجلس في حلقة الحسن بن أبي الحسن، فأوجد فيها فأعرف، فأتيت الحسن في منزله، فدخلت عليه فقلت: يا أبا سعيد كيف بهذه الآية من كتاب الله؟ قال: أية آية؟ قال: قول الله في هذه الآية " وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت، لبئس ما كانوا يعملون ". قال: يا عبد الله، إن القوم عرضوا على السيف، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد، فكل يعرف لمتكلم فضلاً؟ قال: لا. قال المعلى: ثم حدث بحديثين:
стр. 2410
قال: حدثنا أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق، إذا رآه أن يذكر تعظيم الله، فإنه لا يقرب من أجل ولا يبعد من رزق.
قال: ثم حدث الحسن بحديث آخر: قال رسول الله ﷺ : ليس للمؤمن أن يذل نفسه، قيل: وما إذلاله نفسه؟ قال: قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق. قيل: يا أبا سعيد، فيزيد الضبي وكلامه في نفسه في الصلاة؟ قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم.
قال المعلى: وأقوم من مجلس الحسن، فأتيت يزيد فقلت: يا أبا مودود: بينما أنا والحسن نتذاكر إذ نصبت أمرك نصباً، فقال: مه، يا أبا الحسن. قال: قلت قد فعلت، قال: فقال: فما قال الحسن؟ قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته، قال يزيد: ما ندمت على مقالتي، وايم الله، لقد قمت مقاماً أخاطر فيه بنفسي.
قال يزيد: فأتيت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد، غلبنا على كل شيء، نغلب على صلاتنا؟ فقال: يا عبد الله، إنك لم تصنع شيئاً، إنك تعرض نفسك لهم، ثم انتبه، فقال لي مثل مقالته.
قال: فقمت يوم الجمعة في المسجد، والحكم بن أيوب يخطب، فقلت: رحمك الله، الصلاة. قال: فلما قتل ذلك احتوشتني الرجال يتعاورونني، فأخذوا بلحيتي وتلبيبي وجعلوا يجؤون بطني بنعال سيوفهم.
قال: ومضوا بي نحو المقصورة، فما وصلت إليه حتى ظننت أنهم سيقتلونني دونه، قال: ففتح لي باب المقصورة. قال: فدخلت فقمت بين يدي الحكم وهو ساكت، فقال: أمجنون أنت؟ قال: وما كان في صلاة، فقلت: أصلح الله الأمير، هل من كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا، قلت: أصلح الله الأمير، أرأيت لو أن رجلاً نشر مصحفاً يقرؤه من غدوه إلى الليل، أكان ذلك قاضياً عنه صلاته؟ قال: والله إني لأحسبك مجنوناً.
стр. 2411
قال: وأنس بن مالك جالس تحت منبره ساكت. فقلت لأنس: يا أبا حمزة، أنشدك الله، فقد خدمت رسول الله ﷺ وصحبته، أبمعروف قلت أم بمنكر؟ أبحق قلت أم بباطل؟ قال: فلا والله، ما أجابني بكلمة.
قال له الحكم بن أيوب: يا أنس، قال: يقول: لبيك أصلحك الله، قال: وكان وقت الصلاة قد ذهب، قال: كان بقي من الشمس بقية، فقال: احبسوه.
قال يزيد: فأقسم لك يا أبا الحسن يعني للمعلى: لما لقيت من أصحابي كان أشد علي من مقامي، قال بعضهم: مراءٍ، وقال بعضهم: مجنون.
قال: فكتب الحكم إلى الحجاج: أن رجلاً من بني ضبة قام يوم الجمعة قال: الصلاة، وأنا أخطب، وقد شهد الشهود العدول عندي أنه مجنون.
فكتب إليه الحجاج: إن كانت قد قامت الشهود العدول عندك أنه مجنون فخل سبيله، وإلا فاقطع يديه ورجليه واسمر عينيه واصلبه. فشهدوا عند الحكم أني مجنون فخلى عني.
قال المعلى بن زياد عن يزيد الضبي: مات أخل نا فتبعنا جنازته فصلينا عليه، فلما دفن تنحيت في عصابة فذكرنا الله وذكرنا معادنا، فإنا كذلك، إذ رأينا نواصي الخيل والحراب، فلما رآه أصحابي قاموا وتركوني وحدي. فجاء الحكم حتى وقف علي فقال: ما كنتم تصنعون؟ قلت: أصلح الله الأمير، مات صاحب لنا، فصلينا عليه ودفن، فقعدنا نذكر ربنا ونذكر معادنا، ونذكر ما صار إليه، قال: ما منعك أن تفر كما فروا؟ قلت: أصلح الله الأمير، أنا أبرأ من ذلك ساحة، وآمن للأمير من أن أفر. قال: فسكت الحكم.
وقال عبد الملك بن المهلب وكان على شرطته: تدري من هذا؟ قال: من هذا؟ قال: هذا المتكلم يوم الجمعة. قال: فغضب الحكم وقال: أما إنك لجريء، خذاه. قال: فأخذت، فضربني أربع مئة سوط، فما دريت حتى تركني من شدة ما ضربني. قال: وبعثني إلى واسط فكنت في ديماس الحجاج حتى مات الحجاج.
стр. 2412
وقيل: إن الحكم بن أيوب قتله صالح بن عبد الرحمن الكاتب مع جماعة من آل الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل في العذاب على إخراج ما اختزلوه من الأموال بأمر سليمان بن عبد الملك في خلافته.
الحكم بن عبد الله بن خطاف
أبو سلمة العاملي الأزدي قيل: إنه من أهل دمشق.
روى عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: يا أكثم، اغز مع غير قومك يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك، يا أكثم، خير الرفقاء أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفاً من قلة.
وحدث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر مباحة في الغزو: الطعام، والإدام، والثمار، والشجر، والحبل والزيت، والتراب، والحجر، والعود غير منحوت، والجلد الطري.
الحكم بن عبد الله بن سعد
ابن عبد الله أبو عبد الله الأيلي مولى الحارث بن الحكم حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ثلاث دعوات للمرء المسلم، من دعا بهن استجيب له ما لم يسأل قطيعة رحم، أو مأثم. قالت: قلت: أي ساعة هي يا رسول الله؟ قال: حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقي الصفان حتى يحكم بينهما، وحين ينزل المطر حتى يسكن، قالت: قلت: كيف أقول، يا رسول الله، حين أسمع المؤذن؟ علمني مما علمك الله ، وأجمل، قال:
стр. 2413
تقولين كما يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وكفري من لم يشهد، ثم صلي علي وسلمي، ثم اذكري حاجتك، يا عمرة، إن دعوة المؤمن لا تذهب عن ثلاثة ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثم: إما تعجل له، وإما تكفر عنه، وإما تدخر له.
وحدث الحكم بن عبد الله أنه سمع القاسم يحدث عن عائشة: أنه سألها عن تكبير رسول الله ﷺ فقالت: كان يكبر سبعاً، ثم يقرأ، ثم يكبر خمساً ثم يقرأ.
قال القاسم: فسألت عبد الله بن عمر عن تكبير رسول الله ﷺ فقال: كان يكبر سبعاً ثم يقرأ، ثم يكبر خمساً ثم يقرأ، أما سألت أمك عائشة؟ فقال: قد فعلت. فقال: فكأنه وجد علي إذ لم أكتف بقولها.
وروى الحكم بن عبد الله أنه سمع أبا الزناد يحدث:
أنه سأل خارجة بن زيد: هل سمعت أباك يحدث عن الرجل يخرج غازياً فتكون الفضلة من ماله؟ هل يجوز أن يبتاع شيئاً يلتمس فيه التجارة؟ قال: نعم. سمعت زيداً يسأل عن ذلك فقال: لا بأس به، قد ابتعنا في غزوة تبوك والنبي ﷺ ينظر، فباع بعضنا من بعض مما ابتعنا، فلم ينكر علينا رسول الله ﷺ ، ولم ينه عنه.
قال الحكم بن عبد الله: لقيني أنس بن مالك في مسجد قباء بالمدينة، فقال لي: من أين أنت يا حبيب؟ قلت له: ابن عبد الله بن سعد صاحب شرطة المدينة، فمسح برأسي وقال لي: أقرئ أباك السلام، وقل له: لا تقبل الهدايا، فإني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: هدايا السلطان سحت وغلول.
قال يحيى بن معين: الحكم بن عبد الله ليس بثقة ولا مأمون.
стр. 2414
الحكم بن عبد الرحمن
ابن أبي العصماء الخثعمي ثم الفرعي شهد فتوح الشام، وحضر حصار قيسارية، وهو ممن أدرك عصر النبي ﷺ .
قال الحكم: حاصر معاوية قيسارية سبع سنين إلا أشهراً ومقاتلة الروم الذين يرزقون فيها مئة ألف، وسامرتها ثمانون ألفاً، ويهودها مئتا ألف، فدلهم لنطاق على عورةٍ وكان من الرهون، فأدخلهم من قناة يمشي فيها الجمل بالمحمل، وكان ذلك يوم الأحد، فلم يعلموا وهم في الكنيسة إلا بالتكبير على باب الكنيسة، فكانت بوارهم، وبعثوا بفتحها إلى عمر تميم بن ورقاء عريف خثعم، فقام عمر على المنارة فنادى: ألا إن قيسارية فتحت قسراً.
الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو
ابن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال بن نضر بن غاضرة بن مالك ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة الأسدي ثم الغاضري الكوفي شاعر مشهور القول، مجيد، هجاء، ونفاه ابن الزبير من العراق لما نفى عنها عمال بني أمية، وله من عبد الملك موضع، وكان يدخل إليه ويسمر عنده فقال له ليلة: من البسيط
يا ليت شعري وليتٌ ربما نفعت ... هل أبصرنّ بني العوّام قد شملوا
بالذلّ والأسر والتشريد إنهم ... على البريّة حتفٌ حيثما نزلوا
أم هل أراك بأكناف العراق وقد ... ذلت لعزّك أعداءٌ وقد نكلوا
стр. 2415
فقال عبد الملك بن مروان، ويروى أنه قائل الشعر: من البسيط
إن يمكن الله من قيس ومن جرشٍ ... ومن جذامٍ ويقتل صاحب الحرم
نضرب جماجم أقوامٍ على حنقٍ ... ضرباً ينكّل عنا غابر الأمم
لما قدم عبد الملك بن بشر بن مروان الكوفة قعد ابن عبدل بين السماطين وقال: أصلح الله الأمير، رؤيا رأيتها أحب أن تعبرها قال: قل. فأنشأ يقول: من الكامل
أغفيت قبل الصّبح نوم مسهّدٍ ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك جدت لي بوليدةٍ ... مغنوجةٍ حسنٍ عليّ قيامها
وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍ ... شهباء ناجيةٍ يصلّ لجامها
فسألت ربّك أن يبيحك جنّةً ... يلقاك فيها روحها وسلامها
فقال: كل ما رأيت عندنا إلا البغلة الشهباء فإنها دهماء فارهة، فقال: امرأته طالق إن كان رآها إلا دهماء ولكنه نسي، فأمر أن يحمل إليه كل ما ذكر في شعره.
قال النضر بن شميل: دخل على المأمون بمرو فقال: أنشدني أقنع بيت للعرب فأنشدته لابن عبدل: من المنسرح
إني امرؤٌ لم أزل وذاك من الله ... أديباً أعلّم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنّت بي الدّا ... ر وإن كنت مازحاً طربا
لا أجتوي خلّة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من الرّز ... ق بنفسي وأجمل الطّلبا
وأحلب الثّرّة الصّفيّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنعيةٍ رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلاّ إذا رهبا
стр. 2416
مثل الحمار الموقّع السّوء لا ... يحسن مشياً إلاّ إذا ضربا
ولم أجد عروة الخلائق إلاّ ... الدين لما اختبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ بعنسٍ رحلاً ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطيّة والرح ... ل ومن لا يزال مغتربا
قال: أحسنت يا نضر، وتروى الضفي بالضاد قال بندار: لا أحب الصفي بالصاد المهملة، لأن الصفي يكون للملك دون السوقة، والضفي أبلغ في المعنى لأنها الغزيرة اللبن.
قال أبو محلم: بلغني أن امرأة موسرة كان لها على الناس ديون كثيرة، فقالت لابن عبدل، وعرضت نفسها عليه أن تزوجه ويقوم لها بدينها، فقام لها ابن عبدل بالدين حتى اقتضاه، فانحدرت إلى أهلها بالبصرة وكتبت إليه: من الوافر
سيخطئك الذي حاولت مني ... وقطعي وصل حبلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشرٍ ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال
وكان ابن عبدل يأتي ابن بشر فيقول له: أخمسمئة أحب إليك العام أم ألف في قابل؟ فيقول: ألف في قابل، فإذا أتاه من قابل قال له: ألف أحب إليك العام أم ألفان في قابل؟ فيقول: ألفان في قابل، فلم يزل كذلك حتى مات ابن بشر ولم يعطه شيئاً.
قال الحسين بن جعفر المخزومي: بينا امرأة تمشي بالبلاط وأعرابي يتمثل: من الطويل
وأنعظ أحياناً فينقدّ جلده ... فأعذله جهدي وما ينفع العذل
وأزداد نعظاً حين أبصر جارتي ... فأوثقه كيما يثوب له عقل
стр. 2417
وأوعيته في جوف جاري وجارتي ... مراغمة مني وإن رغم البعل
فقالت له امرأة: شتان ما بينك وبين ابن عبدل حيث يقول: من الطويل
وأعسر أحياناً فتشتدّ عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
بئس والله جار المغيبة أنت. قال: إي والله، والتي معها أخوها وزوجها.
وقبل بيت ابن عبدل: من الطويل
وإني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري لمن يبتغي قرضي
الحكم بن عمر ويقال ابن عمرو
أبو سليمان ويقال أبو عيسى الرعيني الحمصي قيل: إنه دمشقي.
قال الحكم بن عمر: بعثني خالد بن عبد الله القسري وصاحباً لي إلى قتادة بن دعامة الأعمى لنسأله عن ثماني عشرة مسألة من القرآن، فسألناه عن " الأرض وما طحاها " قال: طحوها: سعتها، وهذه من لغة قوم من اليمن.
قال: وسألناه عن: " اقتلوا أنفسكم فتوبوا إلى بارئكم " قال: اقتلوا أنفسكم، وتوفوا إلى بارئكم.
قال: وسألناه عن قوله: " ولا تَيْئَسوا من رُوح الله " قال: لا، ولكن " من رَوْح الله ".
стр. 2418
قال: وسألناه عن قوله تعالى: " تغرب في عين حامئة " قال: لا، " في عين حمئة ".
قال: وسألناه عن النصارى واليهود والصابئني والمجوس والذين أشركوا قال: هم الزنادقة، وأنتم تدعونهم بالشام المثانية.
وفي حديث آخر: أرسلني خالد بن عبد الله القسري إلى قتادة وهو بالحيرة أسأله عن مسائل، فكان فيما سألت: قلت: أخبرني عن قول الله : " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا " هم مشركو العرب؟ قال: لا، ولكنهم الزنادقة المثانية الذين يجعلون لله شريكاً في خلقه، قالوا: إن الله يخلق الخير وإن الشيطان يخلق الشر، وليس لله على الشيطان قدرة.
قيل: إن الحكم ضعيف الحديث.
روى خالد بن مرداس عن الحكم أنه قال: شهدت عمر بن عبد العزيز في زمانه وأنا ابن عشرين سنة، وقد هلك عمر بن عبد العزيز منذ اثنتين وسبعين سنة.
الحكم بن المطلب بن عبد الله
ابن المطلب بن حنظب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة القرشي المخزومي من أجواد قريش من أهل المدينة، قدم منبج وسكنها مرابطاً إلى أن مات بها، واجتاز بدمشق.
حدث الحكم عن أبيه عن فهيد بن مطرف الغفاري: أن رسول الله ﷺ سأله سائل: إن عدا علي عادٍ؟ فأمره أن ينهاه ثلاث مرات،
стр. 2419
قال: فإن أبى؟ فأمره بقتاله. قال: فكيف بنا؟ قال: إن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فهو في النار.
وكان الحكم من سادات قريش ووجوهها، وكان ممدحاً، وله يقول ابن هرمة يمدحه: من الكامل
لا عيب فيك يعاب إلا أنّني ... أمسي عليك من المنون شفيقا
إنّ القرابة منك يأمل أهلها ... صلةً ويأمن غلظةً وعقوقا
يجدون وجهك يا بن فرعي مالكٍ ... سهلاً، إذا غلظ الوجوه، طليقا
حدث نوفل بن عمارة:
أن رجلاً من قريش من بني أمية بن عبد شمس، له قدر وخطر، لحقه دين، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع عليه، فشخص من المدينة يريد الكوفة، يعمد خالد بن عبد الله القسري، وكان والياً لهشام بن عبد الملك على العراق، وكان يبر من قدم عليه من قريش.
فخرج إليه يريده، وأعد له هدايا من طرف المدينة حتى قدم فيد، فأصبح بها، ونظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه فقيل: الحكم بن المطلب. فلبس نعليه، وخرج حتى دخل عليه، فقام إليه، وتلقاه وأجلسه في صدر فراشه، وسأله عن مخرجه، فأخبره بدينه، وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله القسري.
فقال له الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك، فمضى معه حتى أتى منزله فرأى الهدايا التي أعدل خالد، فتحدث معه ساعة، ثم قال له: إن منزلنا أحضر عدة، وأنت مسافر ونحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معي إلى المنزل وجعلت لنا من هذه الهدايا نصيباً.
فقام معه الرجل فقال: خذ منها ما أحببت، فأمر بها فحملت كلها إلى منزله،
стр. 2420
وجعل الرجل يستحي أن يمنعه منها شيئاً حتى صار معه إلى المنزل، فدعا بالغداء وأمر بالهدايا ففتحت فأكل منها ومن حضره، ثم أمر ببعضها فرفع إلى خزانته.
وقام ثم أقبل على الرجل فقال: أنا أولى بك من خالد وأقرب إليك رحماً ومنزلاً، وههنا مال الغارمين أنت أولى به، ليس لأحد عليك فيه منة إلا الله، تقضي به دينك، ثم دعا له بثلاثة آلاف دينار فدفعها إليه وقال: قد قرب الله عليك الخطوة، فانصرف إلى أهلك مصاحباً محفوظاً.
فقام الرجل من عنده يدعو له ويشكر، فلم يكن له همة إلا الرجوع إلى أهله، فانطلق الحكم يشيعه، فسار معه شيئاً، ثم قال له: كأني بزوجتك قد قالت لك: أين طرائف العراق، بزها وخزها وعراضاتها؟ أما كان لنا معك نصيب؟ ثم أخرج صرة حملها معه، فيها خمس مئة دينار، فقال: أقسمت عليك إلا جعلت هذه لها عوضاً من هدايا العراق. وودعه وانصرف.
وكان الحكم بن المطلب من أبر الناس بأبيه، وكان أبوه المطلب يحب ابناً له يقال له: الحارث، حباً مفرطاً، وكانت بالمدينة جارية مشهورة بالجمال والفراهة، فاشتراها الحكم بمال كثير، فقال له أهلها: دعها عندنا حتى نصلح من أمرها ثم نزفها إليك بما تستأهل، فتركها عندهم حتى جهزوها، ثم نقلوها كما تزف العروس إلى زوجها.
وتهيأ الحكم بأحسن ثيابه وتطيب، ثم انطلق فبدأ بأبيه ليراه في تلك الهيئة ويدعو له تبركاً بدعاء أبيه، فدخل عليه وعنده الحارث، فأقبل عليه أبوه فقال: إن لي إليك حاجة فما تقول؟ قال: يا أبه، إنما عبدك فمر بما أحببت. قال: تهب جاريتك هذه للحارث أخيك، وتعطيه ثيابك هذه التي عليك، وتطيبه من طيبك، وتدعه يدخل على هذه الجارية، فإني لا أشك أن نفسه قد تاقت إليها.
قال الحارث: لم تكدر على أخي وتفسد قلبه علي؟ وذهب يريد يحلف، فبدر الحكم فقال: هي حرة إن لم تفعل ما أمرك أبي، فإن قرة عينه أحب إلي من هذه الجارية، وخلع ثيابه فألبسه إياها، وطيبه من طيبه، وخلاه فذهب إليها.
следующие страницы →