Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
ذؤالة بن محمد
حدث عن أبيه عن جده بسنده عن جابر: أن رسول الله ﷺ لم يكن يبيت حتى يقرأ بهاتين السورتين: آلم تنزيل، وتبارك.
وفي حديث آخر: آلم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك.
ذو الفقار بن محمد بن معبد
ابن الحسين بن الحسين بن أحمد المعروف بحميدان أبو الصمصام الحسني العلوي المروزي الضرير الواعظ قدم دمشق قبل العشرين وخمس مئة، ووعظ بها، وأظهر الميل إلى الروافض، وتعصب له جماعة منهم؛ وكان يروي الحديث على كرسيه بإسناده عن نظام الملك. وخرج عن دمشق بعد حدوث فتنة جرت. وسكن الموصل وحدث بها.؟؟ روى عن أبي عبد الله مالك بن أحمد بن إبراهيم البانياسي بسنده عن أبي برزة قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني شيئاً لعل الله أن ينفعني به، قال: انظر ما يؤذي الناس فنحه عن الطريق.
ذكر أنه ولد سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
стр. 2802
ذو القرنين واسمه الإسكندر ابن فيلبس
وذكر نسبه أسماء يونانسية.
وقيل: اسم ذي القرنين صعب بن عبد الله، ونسبه إلى سبأ بن قحطان.
وفي كتاب أبي سلمة بن عبد الرحمن: إن الضحاك بن معد ولد رجلين: عبد الله بن الضحاك وهو ذو القرنين، وعباد بن الضحاك.
وقال بعض الفرس: إنه الإسكندر بن دارا بن بهمن الملك، والفرس تسميه الإسكندر.
قال أبو عبيدة: والثبت أن ذا القرنين الإسكندر كان من الروم، وإنه فيلووس بن مصريم بن هرمس بن هوديس. وفيه اختلاف.
قال هشام بن الكلبي: ومن بني يونان بن يافث بن نوح النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن نوح. ومنهم ذو القرنين، وهو هرمس، ويقال هو ديس بن فيطون بن رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح، وغيرهم.
وقيل: إن ذا القرنين كان ابن رجل من حمير حميرياً، وكان قد وفد إلى الروم، فأقام فيهم، وكان يسمى أبوه الفيلسوف لعقله وأدبه؛ فتزوج في الروم امرأةً من غسان وكانت على دين الروم فولدت ذا القرنين، فسماه أبوه الإسكندر. فهو الإسكندر بن
стр. 2803
الفيلسوف بن حمير، وأمه رومية غسانية، ولذلك يقول تبع الحميري لما فخر بأجداده في قصيدة يقولها يفخر بذي القرنين إلى أجداده:
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ... ملكاً تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد
من بعده بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها المزهد
وليس كل الناس يعلم أنه من حمير، ولا يعرف أباه، وإنما نسبته الروم إلى أمه، كان أبوه مات وهو صغير، وخلفه في حجر أمه. ولذلك جهل العلماء ونسبوه إلى أمه. ولقد كان أبوه من أهل الملك والمروءة، ولذلك سمي الفيلسوف.
وقال قتادة: الإسكندر هو ذو القرنين، وأبوه قيصر وهو أول القياصرة، كان من ولد سام بن نوح ﵉.
قال حبيب بن حماز: كنت عند علي بن أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين قال: كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سخر له السحاب ومدت له الأسباب، وبسط له في النور؛ قال: أزيدك؟ قال: فسكت الرجل، وسكت علي ﵇.
قال سيف بن وهب: دخلت شعب ابن عامر على أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: فإذا شيخ كبير قد وقع حاجبه على عينيه، قال: فقلت له: أحب أن تحدثني بحديث سمعته من علي ليس
стр. 2804
بينك وبينه أحد؛ قال: أحدثك به إن شاء الله، وتجدني له حافظاً: أقبل علي يتخطى رقاب الناس بالكوفة، حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما بين لوحي المصحف آية تخفى علي، فيم أنزلت ولا أين نزلت، ولا ما عنى بها؛ والله لا تلقون أحداً يحدثكم ذلك بعدي حتى تلقوا نبيكم ﷺ . قال: فقام رجل يتخطى رقاب الناس، فنادى: يا أمير المؤمنين، قال: فقال علي: ما أراك بمسترشد، أو ما أنت مسترشد، قال: يا أمير المؤمنين؛ حدثني عن قول الله : " والذاريات ذرواً "؟ قال: الرياح، ويلك، قال: " فالحاملات وقراً "؟ قال: السحاب ويلك، قال: " فالجاريات يسراً "؟ قال: السفن ويلك، قال: " فالمدبرات أمراً "؟ قال: الملائكة ويلك، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول الله : " والبيت المعمور، والسقف المرفوع "؟ قال: ويلك بيت في ست سماوات، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وهو الضراح، وهو حذاء الكعبة من السماء؛ قال: يا أمير المؤمنين؛ حدثني عن قول الله : " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم "؟ قال: ويلك ظلمة قريش، قال: يا أمير المؤمنين! حدثني عن قول الله : " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا "؟ قال: ويلك منهم أهل حروراء، قال: يا أمير المؤمنين، حدثني عن ذي القرنين، أنبياً كان أو رسولاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا رسولاً ولكنه عبد ناصح الله ، فناصحه الله وأحب الله فأحبه الله، وإنه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فهلك، فغبر
стр. 2805
زماناً، ثم بعثه الله فدعاهم إلى الله ، فضربوه على قرنه الآخر، فهلك فذلك قرناه.
وفي حديث آخر: ولا نعلم أحداً من الناس كان له قرنان.
وقال ابن شهاب: إنما سمي ذو القرنين أنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها فسمي ذا القرنين.
قال معاوية: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم؛ وذو القرنين؛ ورجل من أهل حلوان؛ ورجل آخر؛ فقيل له: الخضر؟. قال: لا.
وقال سفيان الثوري: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة، مؤمنان وكافران: سليمان النبي ﷺ ؛ وذو القرنين؛ ونمرود؛ وبختنصر.
وفي حديث آخر: نمرود بن كوش بن حام بن نوح؛ وبختنصر.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ : " لا أدري أتبع كان لعيناً أم لا؛ ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؛ ولا أدري ذو القرنين نبياً كان أم لا ".
وعن عبد الله بن عمرو قال: ذو القرنين نبي.
وعن سعيد بن مسعود، عن رجلين من كندة من قومه قالا: استطلنا يومنا فانطلقنا إلى عقبة بن عامر الجهني، فوجدناه في ظل داره جالساً،
стр. 2806
فقلنا له: إنا استطلنا يومنا فجئنا نتحدث عندك، فقال: وأنا استطلت يومي فخرجت إلى هذا الموضع؛ قال: ثم أقبل علينا وقال: كنت أخدم رسول الله ﷺ ، فخرجت ذات يوم، فإذا برجال من أهل الكتاب بالباب معهم مصاحف، فقالوا: من يستأذن لنا على رسول الله ﷺ ؟ فدخلت على النبي ﷺ فأخبرته فقال: مالي ولهم، يسألوني عما لا أدري! إنما أنا عبد، لا أعلم إلا ما علمني ربي ثم قال: ابغني وضوءاً، فأتيته بوضوء، فتوضأ ثم خرج إلى المسجد، فصلى ركعتين ثم انصرف، فقال لي وأنا أرى السرور والبشر في وجهه فقال: أدخل القوم علي، ومن كان من أصحابي فأدخله أيضاً. قال: فأذنت لهم، فدخلوا، فقال لهم: إن شئتم أخبرتكم عما جئتم تسألوني عنه من قبل أن تكلموا، وإن شئتم فتكلموا قبل أن أقول. قالوا: بل أخبرنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين؛ إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم، أعطي ملكاً، فسار حتى أتى ساحل أرض مصر، فابتنى مدينةً يقال لها الإسكندرية، فلما فرغ من بنائها بعث الله تعالى ملكاً، ففرع به فاستعلى بين السماء والأرض ثم قال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتين ثم استعلى به ثانيةً، ثم قال: انظر ما تحتك، فنظر فقال: أرى مدينتين قد أحاطت بهما، ثم استعلى به وقال: انظر ما تحتك، فنظر فقال: ليس أرى شيئاً؛ فقال: المدينتان هو البحر المستدير وقد جعل الله تعالى له مسلكاً يسلك به، فعلم الجاهل وثبت العالم. قال: ثم جوزه فابتنى السد جبلين زلقين، لا يستقر عليهما شيء أصلاً. فلما فرغ منهما سار في الأرض، فأتى على أمة أو على قوم وجوههم كوجوه الكلاب، فلما قطعهم أتى على قوم قصار، فلما قطعهم أتى على قوم من الحيات، تلتقم الحية منهم الصخرة العظيمة، ثم أتى على الغرانيق. وقرأ هذه الآية: " وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً ". فقالوا: هكذا نجده في كتابنا.
وعن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكاً صالحاً، رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه، وكان منصوراً، وكان الخضر وزيره.
стр. 2807
قال مقاتل: كلن يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمنن اتبعه على دينه وشايعه عليه وإلا قتله.
وعن عبد الله بن عبيد بن عميرة أن ذا القرنين حج ماشياً فسمع به إبراهيم فتلقاه.
وروي أن إبراهيم خليل الرحمن كان جالساً بمكان، فسمع صوتاً فقال: ما هذا الصوت؟ قال: قيل له: هذا ذو القرنين قد أقبل في جنوده، فقال لرجل عنده: ائت ذا القرنين فأقرئه السلام، فأتاه فقال: إن إبراهيم يقرئك السلام. قال: ومن إبراهيم؟ قال: خليل الرحمن. قال: وإنه لها هنا؟ قال: نعم. قال: فنزل، قال: فقيل لبه: إن بينك وبينه هنيهةً. قال: ما كنت لأركب في بلد فيه إبراهيم. قال: فمشى إليه. قال: فسلم عليه فأوصاه إبراهيم، فأوحى الله إلى ذي القرنين: إن الله قد سخر لك السحاب، فاختر أيها شئت، إن شئت صعابها وإن شئت ذللها؛ فاختار ذلولها وفي رواية: هو الذي لا برق فيه ولا رعد فكان إذا انتهى من مكان من بر أو بحر لا يستطيع أن يتقدم احتملته السحاب فقذفته وراء ذلك حيث ما شاء.
وعن الحسن: أن ذا القرنين كان إذا انتهى إلى الأرض، أو كورة، ففتحها أمر أصحابه الذين معه أن يقيموا بها، وأخرج هؤلاء معه إلى الأرض التي تليهم؛ فبذلك كان يقوى الناس على السير معه، فكان ذو القرنين إذا سار يكون أمامه على مقدمته ست مئة ألف، وعلى ساقته مئة ألف، وهو في ألف ألف، لا ينقصون، كلما هرم رجل جعل مكانه غيره، وإذا مات رجل جعل مكانه غيره؛ فهذه العدة معه. فكان الله ألهمه الرشد، ولقنه الحكمة والصواب، وأعطاه القوة والظفر والنصر.
قال سعيد بن جبير: سار ذو القرنين من مطلع الشمس إلى مغربها اثنتي عشرة سنة.
قال عبد الله بن جعفر الرقي: وشى واش برجل إلى الإسكندر، فقال له: أتحب أن نقبل منك ما قلت فيه على أنا نقبل منه ما قال فيك؟ فقال: لا، فقال له: فكف عن الشر يكف الشر عنك.
قال
стр. 2808
ليث بن أبي سليم: مر ذو القرنين في مسيره على ملك منبطح على وجهه، آخذ بأصل جبل، فقال له ذو القرنين: يا عبد الله، أمعذب أم مأمور؟ قال: بل مأمور، قال: فما هذا؟ قال: الجبال كلها محدقة بهذا الجبل، فأنا ممسك بأصله، فمن أنت؟ قال: أنا ذو القرنين، قال: ألكم خلقت الجنة والنار؟ قال: نعم، قال: لقد خلقتم لأمر عظيم.
حدث قتادة عن الحسن: أن ذا القرنين لما سد الردم على يأجوج ومأجوج سار يريد اوراء المشرق والمغرب، فسار حتى بلغ ظلمةً عجز أصحابه عن المسير، وأعطى الله ذا القرنين تلك القوة والجلادة حتى سار ثمانية عشر يوماً وحده، لا يقف على سهل ولا جبل، ولا حجر ولا شجر؛ ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يركب، إذ سمع صوتاً من مسيرة يوم وليلة مثل الرعد القاصف، ورأى ضوءاً مثل البرق الخاطف، وقائل يقول: سبحان ربي من منتهى الدهر، سبحان ربي من منتهى قدمي من الأرض السابعة، سبحان من بلغ رأسي السماء، سبحان من بلغ يدي أقصى العالم. فلما دنا منه إذا هو بملك قابض على طرفي جبل قاف؛ وهو جبل من زمردة خضراء. فلما نظر إليه الملك ظن أنه ملك بعثه الله، يأمره أن يزيل الدنيا، فقال له: آدمي أم ملك؟ قال: لا بل آدمي، قال: من أين أقبلت؟ قال: جاوزت المشرق والمغرب وأنا أسير منذ ثمانية عشر يوماً في ظلمة على أرض ملساء، قال الملك: لم تمش على الأرض، وإنما مشيت ساعةً من النهار، وإنما مشيت على البحر السابع فشك ذو القرنين أن يكون قد مشى على الماء، فانغمس في الماء إلى ركبتيه فقال له الملك: ابن آدم، شككت أنك مشيت على الماء فاستيقن، فاستوى على الماء. قيل: يا أبا سعيد من سماه ذا القرنين؟ قال: ذلك الملك، فقال له: يا ذا القرنين! فقال له ذو القرنين: لعلك سببتني أو لقبتني، إن اسمي غير هذا، قال: ما سببتك ولا لقبتك، ولكنك جاوزت قرن المشرق والمغرب، فهذا اسمك واسم من يعمل كعملك، قال: فما لي أراك قابضاً على هذا الجبل؟ قال: إن الله جعل هذا الجبل وتد هذه الأرض، والجبال من دونه أوتاداً،
стр. 2809
وكانت الأرض لا تستقر حتى وضع الله هذا الجبل، وأنبت الجبال من هذا كنبات الشجر من عروقها، وبعثني أن أمسك هذا الجبل أن لا تزول الدنيا، قال: فما خلف هذا الجبل؟ قال: سبعون حجاباً من نار، وسبعون حجاباً من دخان، وسبعون حجاباً من ثلج، وسبعون حجاباً من ظلمة، غلظ كل حجاب مسيرة خمس مئة عام، ومن خلف هؤلاء حملة الكرسي، أرجلهم من تحت الثرى السابعة، ولقد جاوزت رؤوسهم فوق سبع سماوات، ولولا هذه الحجب احترقت أنا وهذا الجبل من نورهم؛ قال: فما خلف أولئك؟ قال: من الحجب بعد ذلك، وخلف تلك الحجب حملة العرش قد مرقت أرجلهم أرضين السابعة، وجاوزت رؤوسهم فوق السماء السابعة، كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، ولولا تلك الحجب لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش، ولهم قرون غلظ كل قرن كل ملك ما بين الخافقين، قال: فما خلف أولئك؟ قال: أرض ملساء، ضوؤها من نورها، ونورها من ضوئها مسيرة الشمس أربعين يوماً، يكون مثل الدنيا عامرها، وعامرها أربعون ضعفاً، ليس فيه موضع شبر إلا وملك ساجد لم يرفع رأسه منذ خلقه الله، ولا يرفعه إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم فقالوا: ربنا لم نعبدك حق عبادتك. قال: فما خلف أولئك؟ قال: ملائكة يضعفون عليهم أربعون ضعفاً، لكل ملك منهم أربعون رأساً، في كل رأس أربعون وجهاً، في كل وجه أربعون فماً، في كل فم أربعون لساناً، في كل لسان أربعون لغةً تسبح الله وتقدسه بكل لغة أربعين نوعاً، قال: فملا خلف أولئك؟ قال: ملائكة يضعفون على هؤلاء أربعين ضعفاً، طول كل منهم ما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، ليس في جسده موضع ظفر ابن آدم إلا فيه لسان ناطق يحمد الله ويقدسه. قال: فما خلف أولئك؟ قال: ملك قد أحاط بجميع ما ذكرت لك، لو أذن الله له لجمع جميع ما ذكرت لك، وما في سبع سماوات وسبع أرضين ما خلا العرش والكرسي؛ لالتقمهم بلقمة واحدة. قال: فما خلف ذلك؟ قال: انقطع علمي وعلم كل عالم وكل ملك، ليس وراء ذلك إلا الله وبهاؤه وسلطانه. فانصرف ذو القرنين إلى أصحابه؛ فقال الحسن: إنما حمل ذا القرنين على أن يأتي المشرق والمغرب أنه وجد في بعض تلك الكتب أن رجلا من ولدر سام بن نوح يشرب من عين في البحر وهي من الجنة فيعطى الخلد. قال: فطلب تلك العين.
стр. 2810
قال إسحاق: بلغني أن الخضر كان وزيره وكان معه يسايره، وكان يقال: كان ابن خالته، فبينما هو يسير معه في البحر إذ تخلف عنه الخضر، فهجم على تلك العين فشرب منها وتوضأ، فلما رجع إلى ذي القرنين أخبره، فقال له: إني أردت أمراً وفزت به أنت! فارجع عني. فحسده ورده. واغتم لذلك ذو القرنين حين فاته ما أراد؛ فقال له العلماء والحساب: لا تحزن، فإنا نرى لك أيها الملك مدةً طويلة، وإنك لا تموتإلا على أرض من حديد وسماء من خشب؛ فانصرف راجعاً يريد الروم، ويدفن كنوز كل أرض بها، ويكتب ذكر ذلك، ومبلغ ما دفن وموضعه، فيحمله معه في كتاب، حتى بلغ بابل، فرعف وهو في المسير فسقط عن دابته، فبسط له درع، وكانت الدرع إذ ذاك مثل الصفائح والجواشن، وإنما استحدث هذه الدروع داود ﵇، فنام على ذلك الدرع، فآذته الشمس، فدعوا له ترساً فأظلوه به، فنظر فإذا هو على حديد مضطجع، وفوقه خشب، فقال: هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فدعا كاتبه واستعان بعلماء بابل فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من الإسكندر بن قيصر رفيق أهل الأرض ببدنه قليلاً، ورفيق أهل السماء بروحه الطويل، إلى أمه روقية ذات الصفاء التي تمتع بثمرة قلبها في دار القرب، فهي مجاورته عما قليل في دار البعد، يا روقية يا ذات الصفاء، هل رأيت معطياً لا يأخذ ما أعطى؟ ولا معيراً لا يأخذ عاريته؟ ولا مستودعاً لا يأخذ وديعته؟ يا روقية، إن كان أحد بالبكاء حقيقاً فلتبك السماء على شمسها كيف يعلوها الطمس والكسوف، وعلى قمرها كيف يعلوه السواد، وعلى كواكبها كيف تنهار وتناثر، ولتبك الأرض على خضرتها ونباتها، والشجر على ثمارها، وأوراقها كيف تتحات وتصير هشيماً، ولتبك البحار على حيتانها؛ يا أمتاه، هل رأيت نعيماً لا يزول، أو حياً دائماً، فهما مقرونان بالفناء؛ يا أمتاه، لا يبغتنك موتي فإنك كنت مستيقنةً بأني أموت، وأنا لم يبغتني الموت لأني كنت مستيقنا أني من الذين يموتون. يا أمتاه، اعتبري ولا تحزني، فكوني في مصيبتي كما كنت تحبين أن أكون في الرجال؛ يا أمتاه، أقرأ عليك السلام إلى يوم اللقاء. قال: فمات، وكان فيمن ملك الضحاك بن الأهيون بعده.
وحدث أبو جعفر عن أبيه أنه سئل عن ذي القرنين فقال: كان ذو القرنين عبداً من عباد الله صالحاً، وكان من
стр. 2811
الله بمنزل ضخم، وكان قد ملك ما بين المشرق والمغرب، وكان له خليل من الملائكة يقال له زيافيل، وكان يأتي ذا القرنين يزوره، فبينما هما ذات يوم يتحدثان إذ قال له ذو القرنين: حدثني كيف عبادتكم في السماء؟ فبكى ثم قال: يا ذا القرنين، وما عبادتكم عند عبادتنا، إن في السماء لملائكةً، قيام لا يجلسون أبداً، ومنهم سجود لا يرفع رأسه أبداً، وراكع لا يستوي قائماً أبداً، أو رافع وجهه لا يطرف شاخصاً أبداً، يقولون: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، رب، ما عبدناك حق عبادتك. فبكى ذو القرنين بكاءً شديداً ثم قال: يا زيافيل، إني أحب أن أعمر حتى أبلغ عبادة ربي حق طاعته، قال: وتحب ذلك يا ذا القرنين؟ قال: نعم، قال زيافيل: فإن لله عيناً تسمى عين الحياة، من شرب منها شربةً لم يمت أبداً حتى يكون هو الذي يسأل ربه الموت؛ قال ذو القرنين: فهل تعلمون أنتم موضع تلك العين؟ قال زيافيل: لا، غير أنا نتحدث في السماء أن لله في الأرض ظلمةً لم يطأها إنس ولا جان، فنحن نظن أن العين في تلك الظلمة.
فجمع ذو القرنين علماء أهل الأرض، وأهل دراسة الكتب، وآثار النبوة فقال: أخبروني هل وجدتم في كتاب الله وفيما عندكم من أحاديث الأنبياء والعلماء قبلكم أن الله وضع في الأرض عيناً سماها عين الحياة؟ قالوا: لا، قال ذو القرنين: فهل وجدتم فيها أن الله وضع في الأرض ظلمةً لم يطأها إنس ولا جان؟ قالوا: لا، قال عالم منهم: أيها الملك، لم تسأل عن هذا؟ قال: فأخبره بما قال له زيافيل، فقال له: أيها الملك، إني قرأت قصة آدم، فوجدت فيها أن الله وضع في الأرض ظلمةً لم يطأها إنس ولاجان، قال ذو القرنين: فأين وجدتها من الأرض؟ قال: وجدتها عند قرن الشمس. فبعث ذو القرنين فحشر الفقهاء والأشراف والملوك والناس، ثم سار يطلب مطلع الشمس، فسار إلى أن بلغ طرف الظلمة اثنتي عشرة سنة. فأما الظلمة فليست بليل، وهي ظلمة تفور مثل الدخان فعسكر ثم جمع علماء أهل عسكره فقال لهم: إني أريد أن أسلك هذه الظلمة، فقالوا: أيها الملك، قد كان قبلك من الأنبياء والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة؛ ولا تطلبها فإنا نخاف أن ينبعق عليك أمر تكرهه، ويكون فيه فساد أهل الأرض. قال ذو القرنين: لا بد من
стр. 2812
أن أسلكها؛ فخرت العلماء سجوداً، ثم قالوا: أيها الملك؛ كف عن هذه ولا تطلبها، فإنا لو كنا نعلم أنك إذا طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسخط الله علينا لكان، ولكنا نخاف العيب من الله، وأن ينبعق علينا منها أمر يكون فيه فساد أهل الأرض ومن عليها، فقال ذو القرنين: إنه لا بد من أن أسلكها، قالوا: فشأنك. قال: فأخبروني، أي الدواب أبصر؟ قالوا: البكارة، فأرسل فجمع له ألف فرس أنثى بكارة، وانتخب من عسكره ستة آلاف رجل من أهل العقل والعلم؛ فدفع إلى كل رجل فرساً، وعقد للخضر على مقدمته في ألفي رجل، وبقي هو في أربعة آلاف، وقال لمن بقي من الناس في العسكر: لا تبرحوا من عسكركم اثنتي عشرة سنة، فإن نحن رجعنا إليكم، وإلا فارجعوا إلى بلدكم، فقال الخضر: أيها الملك، إنما نسلك ظلمة لا ندري كم مسيرتها ولا بعضنا بعضاً، فكيف تصنع بالضلل إذا أضللنا؟ فدفع ذو القرنين خرزةً حمراء فقال: إذا أصابكم الضلل فاطرح هذه الخرزة إلى الأرض، فإذا صاحت فليرجع أهل الضلال؛ فسار الخضر بين يدي ذي القرنين، يرتحل الخضر وينزل ذو القرنين؛ وقد عرف الخضر ما يطلب ذو القرنين، وذو القرنين يكتمه ذلك.
فبينما الخضر يسير إذ عارضه واد، فظن أن العين في ذلك الوادي. فلما رأى شفير الوادي قال لأصحابه: قفوا ولا يبرحن رجل منكم من موضعه، ورمى الخضر بالخرزة فإذا هي على حافة العين، فنزع الخضر ثيابه، فإذا ماء أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من الشهد، فشرب منه وتوضأ واغتسل، ثم خرج فلبس ثيابه، ثم رمى بالخرزة نحو صاحبه، فوقعت الخرزة فصاحت، فرجع الخضر إلى صوت الخرزة وإلى أصحابه، فركب فقال لأصحابه: سيورا بسم الله، ومر ذو القرنين فأخطأ الوادي، فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوماً، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر، أرض حمراء خشاشة، وإذا في تلك الأرض قصر مبني، طوله فرسخ في فرسخ، مبوب ليس له أبواب، فنزل ذو القرنين بعسكره، ثم خرج وحده حتى نزل القصر، فإذا حديدة قد وضع طرفها على حافتي القصر من هاهنا وهاهنا، وإذا طائر أسود كأنه الخطاف مزموماً بأنفه إلى الحديدة، معلق بين السماء والأرض، فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من ذا؟ قال: ذو القرنين، قال الطائر: أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلي يا ذا القرنين؟ حدثني، قال: سل عم
стр. 2813
شئت، قال: هل كثر بناء الجص والآجر؟ قال: نعم، قال: فانتفض انتفاضة ثم انتفخ حتى بلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين! أخبرني، قال: سل، قال: هل كثرت شهادات الزور في الأرض؟ قال: نعم، قال: فانتفض الطائر ثم انتفخ حتى ملأ ثلثي الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين أخبرني، هل كثرت المعازف في الأرض؟ قال: نعم، فانتفض الطائر ثم انتفخ حتى ملأ الحديدة، وسد ما بين جداري القصر؛ ففرق ذو القرينن فرقاً شديداً، فقال الطائر: يا ذا القرنين، لاتخف حدثني، قال: سل، قال: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله بعد؟ قال: لا، قال: فانتفض الطائر ثلثاً ثم قال: حدثني، قال: سل، قال: هل ترك الناس صلاة المكتوبة بعد؟ قال: لا، قال: فانتفض الطائر ثلثاً ثم قال: حدثني، قال: سل، قال: ترك الناس الغسل من الجنابة بعد؟ قال: لا، قال: فعاد الطائر كما كان.
ثم قال: يا ذا القرنين، اسلك الدرجة إلى أعلى القصر؛ فسلكها ذو القرنين وهو خائف حتى استوى على صدر الدرجة، إذا سطح ممدود، وإذا عليه رجل نائم أو شبيه بالرجل، شاب عليه ثياب بياض، رافع وجهه إلى السماء، واضع يده على فيه. فلما سمع حس ذي القرنين، قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين فمن أنت؟ قال: أنا صاحب الصور، قال: فما لي أراك واضعاً يدك على فيك، رافعاً وجهك إلى السماء؟ قال: إن الساعة قد اقتربت، فأنا أنتظر من ربي أن يأمرني أن أنفخ فأنفخ؛ ثم أخذ صاحب الصور من بين يديه شيئاً كأنه حجر فقال: خذ هذا يا ذا القرنين، فإن شبع هذا الحجر شبعت، وإن جاع جعت. فأخذ ذو القرنين الحجر ثم رجع إلى أصحابه، فحدثهم بالطائر وما قال له وما رد عليه، وما قال له صاحب الصور وما رد عليه. فجمع ذو القرنين أهل عسكره ثم قال: أخبروني عن هذا الحجر ما أمره؟ فأخذ العلماء كفتي الميزان فوضعوا الحجر في إحدى الكفتين، ثم أخذوا حجراً مثله فوضعوه في الكفة الأخرى، فإذا الحجر الذي جاء به ذو القرنين يميل بجميع ما وضع معه، حتى وضعوا معه ألف حجر، فقال العلماء: أيها الملك، انقطع علمنا دون هذا، أسحر هذا أم علم؟ ما ندري ما هذا! والخضر ينظر ما يصنعون وهو ساكت؛ فقال ذو القرنين للخضر: هل عندك علم من هذا؟ قال: نعم، فأخذ الميزان بيده، وأخذ الحجر الذي جاء به ذو القرنين فوضعه في إحدى الكفتين، ثم أخذ حجراً من تلك الحجارة مثله فوضعه في الكفة الأخرى، ثم أخذ كفاً من تراب فوضعه مع الحجر الذي
стр. 2814
جاء به ذو القرنين فاستوى، فخر العلماء سجداً وقالوا: سبحان الله، إن هذا العلم ما نبلغه، فقال ذو القرنين للخضر: فأخبرنا ما هذا؟ فقال الخضر: أيها الملك، إن سلطان الله قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وإن الله ابتلى خلقه بعضهم ببعض، فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، وابتلى العالم بالجاهل، والجاهل بالعالم؛ وإن الله ابتلاني بك، وابتلاك بي؛ فقال له ذو القرنين: حسبك، قد أبلغت فأخبرني. قال: أيها الملك، هذا مثل ضربه صاحب الصور، إن الله سيب لك البلاد، فأوطأك منها ما لم يوطئ أحداً، فلم تشبع، وأبت نفسك إلا شرهاً حتى بلغت من سلطان الله ما لم يبلغه أحد، ولم يطلبه إنس ولا جان؛ فهذا مثل ضربه لك صاحب الصور، فإن ابن آدم لن يشبع أبداً دون أن يحثى التراب. فبكى ذو القرنين ثم قال: صدقت يا خضر في ضرب هذا المثل، لا جرم لا أطلب أثراً في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت. ثم ارتحل ذو القرنين راجعاً، حتى إذا كان في وسط الظلمة لقي الوادي الذي كان فيه الزبرجد، فقال الذين معه: أيها الملك، ما هذا تحتك وسمعوا خشخشةً تحتهم؟ فقال ذو القرنين: خذوا فإنه من أخذ ندم ومن ترك ندم؛ فأخذ الرجل منهم الشيء بعد الشيء، وترك عامتهم فلم يأخذوا شيئاً. فلما خرجوا إذا هو زبرجد، فندم الآخذ والتارك. ثم رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل، وكان منزله بها، فقام بها حتى مات.
قال أبو جعفر: كان رسول الله ﷺ يقول: " يرحم الله أخي ذا القرنين لو ظفر بالزبرجد في مبدئه ما ترك منه شيئاً حتى يخرجه إلى الناس، لأنه كان راغباً في الدنيا، ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا، لا حاجة له فيها ".
قال وهب بن منبه: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملكها: يا ذا القرنين، صف لي الناس، قال: إن محادثتك من لا يعقل بمنزلة رجل يغني الموت، ومحادثة من لا يعقل بمنزلة رجل يبل الصخر حتى يبتل، ويطبخ الحديد يلتمس إدامه، ومحادثتك من لا يعقل بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور؛ ونقل الحجارة أيسر من محادثتك من لا يعقل.
стр. 2815
وعن وهب بن منبه: أن ذا القرنين قال لبعض الأمم: ما بال كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: من قبل أنا لا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعضاً.
وعنه أيضاً: أن ذا القرنين أتى مغرب الشمس، فرأى قوماً لا يعملون عملاً، وإذا منازلهم ليس لها أبواب، وليس لهم حكام ولا قضاة؛ فاجتمعوا إليه فقال لهم: قد رأيت منكم عجباً، قالوا: وما رأيت من العجب؟ فقال: أرى قبوركم على باب منازلكم، قالوا: كي لا ننسى الموت، قال: فما لي أرى بيادركم واحدة؟! قالوا: لنتقاسم بالسوية، فنعطي من زرع ومن لم يزرع؛ قال: فما لي أرى بيوتكم ليس لها أبواب؟! قالوا: ليس فينا متهم، قال: فما لي أرى الحيات والعقارب تدور فيما بينكم ولا تضركم؟! قالوا: نزع الله من قلوبنا الغش والحناث، فنزع منها السموم؟ قال: فما لي لا أرى فيكم حكاماً؟! قالوا: ليس فينا من يظلم صاحبه، قال: فما لي أراكم أطول الناس أعماراً؟! فقالوا: وصلنا أرحامنا فطول الله أعمارنا.
وعن شعيب بن سليمان قال: أتى ذو القرنين مغيب الشمس، وأتى ملكاً من الملائكة كأنه يترجح في أرجوحة من خوف الله ؛ فهاله ذلك فقال له: علمني علماً لعلي أزداد إيماناً، فقال: إنك لا تطيق ذلك، فقال: لعل الله أن يطوقني لذلك، فقال له الملك: لا تغتم لغد، واعمل في اليوم لغد، فإذا آتاك الله من الدنيا سلطاناً فلا تفرح به، وإن صرف عنك فلا تأس عليه، وكن حسن الظن به، وضع يدك على قلبك، فما أحببت أن تصنع بنفسك فاصنعه بأخيك، ولا تغضب فإن السلطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب؛ فرد الغضب بالكظم، وسكنه بالتؤدة؛ وإياك والعجلة، فإنك إذا عجلت أخطأت؛ وكن سهلاً ليناً للقريب والبعيد؛ ولا تكن جباراً عنيداً.
وعن عبد الرحمن بن عبد الله الخزاعي: أن ذا القرنين كان فيما مكن الله له، فيما سار من مطلع الشمس إلى مغربها إلى
стр. 2816
السد، وكان إذا نصر على أمة أخذ منها جيشاً، فسار بهم إلى امة غيرهم، فإذا فتح الله له، وزاد ذلك الجيش أخذ من الآخرين الذين يفتح له عليهم حتى يبلغ مكانه الذي يريد، وأتى على أمة من الأمم ليس في أيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم؛ قد احتفروا قبوراً، فإذا أصبحوا تعاهدوا تلك القبور، فنكسوها وصلوا عندها، ورعوا البقل كما ترعى البهائم، وقد قيض لهم في ذلك معاش من نبات الأرض، فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم، فقيل له: أجب الملك ذا القرنين، فقال: مالي إليه من حاجة فأقبل إليه ذو القرنين فقال له: إني أرسلت إليك لتأتيني فأبيت، فها أنا ذا قد جئتك؛ فقال له: لو كانت لي إليك حاجة لأتيتك، فقال له ذو القرنين: مالي أراكم على الحال التي رأيت، لم أر عليها أحداً من الأمم التي رأيت؟! قال: وما ذلك؟ قال: ليس لكم دنيا ولا شيء، أفلا اتخذتم الذهب والفضة فاستمتعتم بها؟ فقال: إنما كرهناها لأن أحدكم لا يعطى منها شيئاً إلا تاقت نفسه ودعته إلى أفضل منه؛ فقال: فما بالكم قد حفرتم قبوراً، فإذا أصبحتم تعاهدتموها فكنستموها وصليتم عندها؟! قالوا: أردنا إذا نحن نظرنا إليها تأملنا الدنيا، منعتنا قبورنا من الأمل. قال: وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من نبات الأرض، أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها واستمتعتم بها؟ فقال: كرهنا أن نجعل بطوننا قبوراً لشيء من خلق ربنا ، ورأينا أن في نبات الأرض بلاغاً، وإنما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام، وإن ما جاوز الحنك لم نجد له طعماً كائناً ما كان من الطعام.
ثم بسط ملك تلك الأمة يده خلف ذي القرنين، فتناول جمجمةً وقال: يا ذا القرنين! أتدري من هذا؟ قال: لا، ومن هو؟ قال: ملك من ملوك الأرض، أعطاه الله سلطاناً على أهل الأرض، فغشم وظلم وعتا، فلما رأى الله ذلك منه حسمه بالموت فصار كالحجر الملقى، قد أحصى الله عليه عمله حتى يجيء به في آخرته. ثم يتناول جمجمةً أخرى بالية، فقال: يا ذا القرنين! أتدري من هذا؟ قال: لا، ومن هو؟ قال: هذا ملك ملكه الله بعده، قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الظلم والغشم والجبر، فتواضع وتخشع لله ، وعمل بالعدل في أهل مملكته، فصار كما قد ترى، قد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه في آخرته. ثم أهوى إلى جمجمة ذي
стр. 2817
القرنين فقال: وهذه الجمجمة، كأن قد كانت كهاتين، فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع؛ فقال ذو القرنين: هل لك في صحبتي فأتخذك أخاً ووزيراً وشريكاً فيما آتاني الله من هذا الملك؟ فقال له: ما أصلح أنا وأنت في مكان، ولا أن نكون جميعاً، فقال له ذو القرنين: ولم؟ فقال: من أجل أن الناس كلهم لك عدو ولي صديق، قال: وعم ذلك؟ قال: يعادونك لما في يديك من الملك والمال والدنيا، ولا أجد أحداً يعاديني لرفضي الملك، ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء. فانصرف عنه ذو القرنين.
وفي حديث قال: مر الإسكندر بمدينة قد ملكها أملاك سبعة وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه أحد؟ قالوا: نعم رجل يكون في المقابر، فدعا به قال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟! قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت عظامهم وعظام عبيدهم سواء، فقال له: فهل لك أن تتبعني فأورثك شرف آبائك إن كانت لك همة؟ قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك، قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وغنىً لا فقر فيه، وسرور بغير مكروه؛ قال: لا؛ قال: فامض لشأنك ودعني أطلب ذلك ممن هو عنده ويملكه. قال الإسكندر: هذا أحكم من رأيت.
قال سليمان الأشج صاحب كعب الأحبار: كان ذو القرنين ملكاً صالحاً، وكان طوافاً في الأرض، فبينا هو يطوف يوماً إذ وقف على جبل الهند، فقال له الخضر وكان صاحب لوائه الأعظم: مالك أيها الملك قد فزعت ووقفت؟! فقال: ومالي لا أفزع وأقف، وهذا أثر الآدميين، وموضع قدمين وكفين، وهذه الأشجار ما رأيت في طوافي أطول منها، يسيل منها ماء أحمر! إن لها لشأناً! قال: وكان الخضر قد قرأ كل كتاب فقال للملك: أما ترى الورقة المعلقة في الشجرة الكبرى؟ قال: بلى، قال: هي تخبرك بنبإ هذا المكان؛ قال: فرأى كتاباً فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم. من آدم أبي البشر ﵇ إلى ذريته أوصيكم ذريتي، بني وبناتي بتقوى الله، وأحذركم كيد عدوي وعدوكم إبليس اللعين، الذي
стр. 2818
يلين كلامه ويجوز أمنيته، أنزلني من الفردوس الأعلى إلى البرية، فألقيت في موضعي هذا لا يلتفت إلي مئتي سنة بخطيئة واحدة عملتها وهذا أثري، وهذه الأشجار نبتت من دموعي، وعلي في هذا الموضع أنزلت التوبة، فتوبوا إلى ربكم قبل أن تندموا، وقدموا قبل أن تقدموا، وبادروا قبل أن يبادر بكم والسلام.
قال: فنزل ذو القرنين فمسح جلوس آدم ﵇ فإذا هو مئة وثمانون ميلاً، وعد الأشجار التي نبتت من دموع آدم ﵇ فإذا هي سبع مئة شجرة. قال: فلما قتل هابيل قابيل جفت الأشجار وسال منها الماء الأحمر، فقال ذو القرنين للخضر: ارجع بنا، فوالله لا طلبت الدنيا بعدها ابداً.
وحدث قتادة عن الحسن: أن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه، وكان لا يطلع على أحد منهم خيانةً إلا أنكر ذلك عليه، وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو عليه نفسه. قال: فبينا هو يسير متنكراً في بعض المدائن، قال: فجلس إلى قاض من قضاتهم أياماً، لا يختلف إليه أحد في خصوم، فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي، وهم بالانصراف، إذا هو برجلين قد اختصما إليه، فادعى أحدهما فقال: أيها القاضي، إني اشتريت من هذا داراً عمرتها ووجدت فيها كنزاً، وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: ما دفنت ولا علمت به وليس هو لي ولا أقبضه منه، قال المدعي: أيها القاضي، مر من يقبضه فيضعه حيث أحببت، فقال القاضي: تفر من الشر وتدخلني فيه؟ ما أنصفتني، وما أظن هذا في قضاء الملك، فقال القاضي: هل لكما في أمر أنصف مما دعوتماني إليه؟ قالا: نعم، قال للمدعي: ألك ابن؟ قال: نعم، وقال للآخر: ألك أمة؟ قال: نعم، قال: اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزوهما من هذا المال، وادفعوا فضل ما بقي إليهما يعيشان به، فتكونا قد صليتما بخيره وشره. فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك، ثم قال للقاضي: ما ظننت أن في الأرض أحداً يفعل مثل هذا، أو قاض يقضي بمثل هذا! فقال القاضي وهو لا يعرفه: فهل أحد يفعل غير هذا؟ قال ذو القرنين: نعم، قال القاضي: فهل تمطرون في بلادكم؟ فعجب ذو القرنين من ذلك فقال: بمثل هذا قامت السماوات والأرض.
стр. 2819
وعن الشافعي قال: جلس الإسكندر يوماً فلم يأته طالب حاجة. فلما قام عن مجلسه قال: هذا يوم لا أعده من عمري.
قيل للإسكندر: مالنا نرى تجليلك أستاذك أكثر من تجليلك لوالدك؟ فقال: لأن والدي سبب حياتي الفانية، وأستاذي سبب حياتي الباقية.
قال أبو سعيد النيسابوري الواعظ: كتب الإسكندر على باب مدينة الإسكندرية: أجل قريب بيد غيرك، وسوق حثيث من الليل والنهار، وإذا انتهت المدة حيل بينك وبين العدة، فأكرم أجلك بحسن صحبة سائقيك، وإذا بسط لك الأمل فاقبض نفسك عنه بالأجل، فهو المورد وإليه الموعد.
قال سفيان: بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين.
وعن كعب الأحبار: أن ذا القرنين لما حضرته الوفاة كتب إلى أمه يأمرها أن تصنع طعاماً، ثم تخرج عليه نساء أهل المدينة، فإذا وضع الطعام بين أيديهن، فاعزمي عليهن أن لا تأكل منه امرأة ثكلى؛ ففعلت ذلك، فلم تمد امرأة يدها إليه؛ فقال: سبحان الله، كلكن ثكلى؟ قلن: إي والله، ما منا امرأةإلا أثكلت.
قيل: إن ذا القرنين عاش ثلاثة آلاف سنة؛ وذلك أنه ولد بالروم حين نزل شام الروم، فكان هو من القرن الأول.
وقيل: إن ذا القرنين مات وله ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وثلاثون سنة. وكان ملك الإسكندر ست عشرة سنة.
стр. 2820
ذو القرنين بن ناصر الدولة
أبي محمد بن عبد الله بن حمدان، أبو المطاع التغلبي المعروف بوجيه الدولة، الشاعر كان أديباً فاضلاً، سائساً مدبراً؛ وليس إمرة دمشق بعد لؤلؤ البشراوي في سنة إحدى وأربع مئة.
فمن شعره:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت حين نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعا
ومن شعره:
ومفارق ودعت عند فراقه ... ودعت صبري عنه في توديعه
ورأيت منه مثل لؤلؤ عقده ... من ثغره وحديثه ودموعه
ومن شعره:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملاً ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي للعناق له ... حتى لبست نجاداً من ذوائبه
فبات أسعدنا في نيل بغيته ... من كان في الحب أشقانا بصاحبه
ومن شعره:
يا من أقام على الصد ... د لغير جرم كان منا
أخطر بقلبك عند ذك ... رك كيف نحن وكيف كنا
لم يغن عني صاحب ... إلا وعنه كنت أغنى
стр. 2821
وإذا أساء فلست أح ... مل في الضمير عليه ضغنا
يفنى الذي وقع التنا ... زع بيننا فيه ونفنى
وزاد في رواية:
إن التقاطع والعقو ... ق هما أزالا الملك عنا
وأظن أن لن يتركا ... في الأرض مؤتلفين منا
ومن شعره:
بأبي من هويته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وافترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه علي وداعا
توفي وجيه الدولة في سنة ثمان وعشرين وأربع مئة.
ذو الكفل قيل اسمه شبر
ويقال بشر بن أيوب النبي ﷺ ويقال: إن ذا الكفل هو إلياس، ويقال يوشع، ويقال: اليسع. وتنبأه الله بعد أبيه أيوب.
قال الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذو اسمين: محمد وأحمد نبينا ﷺ ؛ وعيسى والمسيح ﵇؛ وإسرائيل ويعقوب ﵇؛ ويونس وذو النون ﵇؛ وإلياس وذو الكفل ﵇.
وقيل: إن ذا الكفل كان اليسع بن حطوب الذي كان مع إلياس، ليس اليسع
стр. 2822
الذي ذكره الله في القرآن: " واليسع وذا الكفل ". ويقال: كان غيرهما. والله أعلم. ولكنه كان قبل داود ﵇؛ وذلك أن ملكاً جباراً يقال له كنعان، وكان من العماليق؛ ويقال: بل كان من بني إسرائيل، وكان لا يطاق في زمانه لظلمه وطغيانه، وكان ذو الكفل يعبد الله جل وعز سراً منه، ويكتم إيمانه، وهو في مملكته؛ فقيل للملك إن في مملكتك رجلاً يفسد عليك أمرك، ويدعو الناس إلى غير عبادتك؛ فبعث إليه ليقتله، فأتى به، فلما دخل عليه قال له الملك: ما هذا الذي بلغني عنك أنك تعبد غيري؟ فقال له ذو الكفل: اسمع مني ولا تعجل، وتفهم ولا تغضب، فإن الغضب عدو النفس، يحول بينها وبين الحق، ويدعوها إلى هواها، وينبغي لمن قدر أن لا يغضب فإنه قادر على ما يريد، قال: تكلم، قال: فبدأ ذو الكفل فافتتح الكلام بذكر الله والحمد لله ثم قال: تزعم أنك إله، فإله من تملك، أو إله جميع الخلق؟ فإن كنت إله من تملك، فإن لك شريكاً فيما لا تملك؛ وإن كنت إله الخلق فمن إلهك؟ فقال له: ويحك! فمن إلهي؟ قال: إله السماء والأرض وهو خالقهما وهذه الشمس والقمر والنجوم، فاتق الله واحذر عقوبته، فإن أنت عبدته ووحدته رجوت لك ثوابه، والخلود في جواره؛ قال له الملك: اختر ثم أخبرني، من عبد إلهك ما جزاؤه؟ قال: الجنة إذا مات، قال: فما الجنة؟ قال: دار خلقها الله بيده فجعلها مسكناً لأوليائه يبعثهم يوم القيامة شباباً مرداً أبناء ثلاث وثلاثين سنة، فيدخلهم الجنة في نعيم وخلود، شباباً لا يهرمون، مقيمين لا يظعنون، أحياء لا يموتون، ونعيم وسرور وبهجة؛ قال: فما جزاء من لم يعبده وعصاه؟ قال: النار، مقرونين مع الشياطين، مغلغلين بالأصفاد، لا يموتون أبداً، في عذاب مقيم، وهوان طويل، تضربهم الزبانية بمقامع الحديد، طعامهم الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم؛ قال: فرق الملك وبكى لما كان قد سبق له فقال: إن أنا آمنت بالله فمالي؟ قال: الجنة، قال: فمن لي بذلك؟ قال: أنا لك الكفيل على الله ، وأكتب لك على الله كتاباً، فإذا أتيته تقاضيته ما في كتابك وفى لك، فإنه قادر ماهر، يوفيك ويزيدك. ففكر الملك في ذلك، وأراد الله به الخير فقال له: اكتب لي على الله كتاباً؛ فكتب: "
стр. 2823
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب كتبه فلان الكفيل على الله لكنعان الملك، ثقةً منه بالله أن لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولكنعان على الله بكفالة فلان إن تاب ورجع، وعبد الله أن يدخله الجنة، ويثويه منها حيث يشاء، وإن له على الله ما لأوليائه، وأن يجيره من عذابه، فإنه رحيم بالمؤمنين، واسع الرحمة، سبقت رحمته غضبه ".
ثم ختم على الكتاب ودفعه إليه، ثم قال له الملك: أرشدني كيف أصنع؟ قال: قم فاغتسل والبس ثياباً جدداً، ففعل؛ ثم أمره أن يتشهد بشهادة الحق وأن يتبرأ من الشرك، ففعل؛ ثم قال: كيف أعبد ربي؟ فعلمه الشرائع والصلاة؛ ثم قال له: يا ذا الكفل، استر هذا الأمر ولا تظهره حتى ألحق بالنساك. قال: فخلع الملك وخرج سراً فلحق بالنساك، فجعل يسيح في الأرض. وفقده أهل مملكته وطلبوه؛ فلما لم يقدروا عليه قال: اطلبوا ذا الكفل فإنه هو الذي غر إلهنا؛ قال: فذهب قوم في طلب الملك، وتوارى ذو الكفل؛ فقدروا على الملك على مسيرة شهر من بلادهم، فلما نظروا إليه قائماً يصلي خروا له سجداً، فانصرف إليهم فقال: اسجدوا لله ولا تسجدوا لأحد من الخلق، فإني آمنت برب السماوات والأرض والشمس والقمر. فوعظهم وخوفهم. قال: فعرض له وجع وحضره الموت فقال لأصحابه: لا تبرحوا فإن هذا آخر عهدي بالدنيا، فإذا مت فادفنوني؛ وأخرج كتابه فقرأه عليهم حتى حفظوه وعلموا ما فيه، وقال لهم: هذا كتاب كتب لي على ربي أستوفي منه ما فيه، فادفنوا هذا الكتاب معي. قال: فمات، فجهزوه ووضعوا الكتاب على صدره ودفنوه. فبعث الله ملكاً فجاء به إلى ذي الكفل فقال: يا ذا الكفل، إن ربك قد وفى لكنعان بكفالتك، وهذا الكتاب الذي كتبته له، وإن الله يقول: إني هكذا أفعل بأهل طاعتي. فلما أن جاءه الملك بالكتاب ظهر للناس، أخذوه فقالوا: أنت غررت ملكنا وخدعته؛ فقال لهم: لم أغره ولم أخدعه، ولكن دعوته إلى الله وتكفلت له بالجنة، وقد مات ملككم اليوم في ساعة كذا وكذا، ودفنه أصحابكم، وهذا الكتاب الذي كنت كتبته له على الله الوفاء، وقد أوفاه الله حقه، وهذا الكتاب تصديق لما أقول لكم، فانتظروا حتى يرجع أصحابكم؛ فحسبوه حتى قدم أصحابهم، فسألوهم فقصوا عليهم القصة؛ فقالوا لهم: تعرفون الكتاب الذي دفنتموه معه؟ قالوا: نعم، فأخرجوا الكتاب فقرأوه،
стр. 2824
فقالوا: هذا الكتاب الذي كان معه، ودفناه في يوم كذا وكذا، فنظروا وحسبوا فإذا ذو الكفل كان قد قرأ عليهم الكتاب وأعلمهم بموت الملك في اليوم الذي مات فيه؛ فآمنوا به واتبعوه، فبلغ من آمن به مئة ألف وأربعة وعشرين ألفاً؛ وتكفل لهم مثل الذي تكفل لملكهم على الله. فسماه الله ذو الكفل.
قال أبو نضرة: كان نبي في بني إسرائيل، فأرسل إليهم أن اجتمعوا عندي، فاجتمعوا عنده فقال: إني لا أحسبني إلا قد احتضر أجلي، فالتمسوا لي رجلاً يصوم النهار ويقوم الليل، ويقضي بين بني إسرائيل ولا يغضب، فلما سمع ذلك المشيخة سكتوا، وقام غلام من بني إسرائيل فقال: أنا لك بهذا؛ فقال: ألا أراك غلاماً فاجلس. قال: ثم أرسل إليهم أن اجتمعوا إلي، فاجتمعوا، فقال لهم مثل ذلك، فسكت المشيخة وقام الغلام فقال: أنا لهذا؛ فقال: ألا أراك غلاماً فاجلس. قال: فأرسل إليهم أن اجتمعوا إلي، فقال لهم مثل ذلك، فسكت المشيخة وقام الغلام فقال: أنا لك بهذا، قال: تصوم النهار وتقوم الليل وتقضي بين بني إسرائيل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: قد وليتك أمر بني إسرائيل بعدي. قال: ومات نبيهم. قال: فجعل ذو الكفل يصوم النهار ويقوم الليل، ويقضي بين بني إسرائيل، فإذا انتصف النهار قام فأوى إلى بيته، فقال: ثم يخرج ويقضي بينهم. قال: قال إبليس لعنه الله لجنوده: احتالوا أن تغضبوه، فأرادوا بكل شيء، فجعلوا لا يقدرون على أن يغضبوه: فلما رأى ذلك إبليس قال: أنا صاحبه فجاءه في صورة شيخ كبير، يمشي على عصاً له حتى قعد حيث يراه، فجعل ذو الكفل ينظر إليه ويرق له، ويحسب أنه لا يستطيع الزحام، فلما كانت الساعة التي يقوم فيها للقائلة، قام حتى قعد بين يديه فقال: شيخ كبير مظلوم، ظلمني بنو فلان، قال له ذو الكفل: فهلا قمت إلي قبل هذه الساعة؟! قال: شيخ كبير لم أستطع الزحام؛ قال: فأخذه بخدعته حتى مضت ساعته، فالتفت ذو الكفل فإذا ساعته التي يقيل فيها قد مضت، فقال: يا شيخ! منعتني من القائلة؛ قال: إني شيخ كبير ملهوف، قال: فكتب معه، قال: فأخذ الكتاب فرمى به؛ ثم تحينه من الغد، فأتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقعد حياله، فجعل ذو الكفل ينظر
стр. 2825
إليه ولا يقوم إليه، حتى كانت الساعة التي يقوم فيها للقائلة، فقام فقعد بين يديه فقال: قد أخبرتك أن القوم لا يلتفتون إلى كتابك، طردوني ولم يجيبوني، فأخذه بخدعته حتى ذهبت ساعته، فالتفت فإذا ساعته قد ذهبت، فقال: يا شيخ! منعتني أمس واليوم من القائلة، وأنا أنام هذه السويعة! قال: شيخ كبير، مظلوم ضعيف، قال: فكتب معه وشدد عليهم، فقال: إنهم لا يلتفتون إلى كتابك، قال: بلى قال: وكل ذلك يريد أن يغضبه قال: فكتب معه وتشدد على القوم. قال: فانطلق فمزق الكتاب وخمش وجهه، ومزق ثيابه، ثم تحين الساعة التي أتاه فيها، فقعد بحياله، فجعل ذو الكفل ينظر إليه وماله هم غيره، حتى إذا كانت الساعة التي يقوم فيها قام فقعد بين يديه، قال فقال: هذا ما لقيت منك! ضربوني ومزقوا علي ثيابي وقد أخبرتك أنهم لا يجيبونك، وأخذه بخدعته حتى مضت ساعته، فالتفت ذو الكفل فإذا ساعته قد ذهبت فقال: أول من أمس، وأمس واليوم! اللهم إنما أنا بشر، لا أستطيع ألا أغضب، قال: فرفع يده، فطرف لإبليس، فساخ الخبيث فذهب. فسماه الله ذا الكفل لأنه كفل بشيء فوفى به.
وعن ابن عمر قال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرار، ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: كان الكفل منبني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك، أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة؛ قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط! قال: ثم نزل فقال: اذهبي والدنانير لك؛ ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبداً. فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: قد غفر الله للكفل.
قيل: إن ذا الكفل كان عمره خمساً وسبعين سنة.
قال وهب بن منبه: كانت قبل إلياس وقبل داود أحداث وأمور في بني إسرائيل وأنبياء منهم اليسع صاحب إلياس وذو الكفل؛ وكان عيلون مستخلفاً خلافة نبوة، ولم تكن له نبوة، غير أن بني
стр. 2826
إسرائيل كانوا يسمون خليفة النبي نبياً؛ وكان فيهم من جمع التوراة يسمونهم أنبياء؛ ومنهم من كان نبياً في منامه؛ وكان اشموئيل بعده. وكان ذو الكفل يكتب الكفالات على الله بالوفاء لمن آمن به. فكان من شأنه أنهم كانوا ثلاثة إخوة، عباد تآخوا في الله حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل، فخرجوا عنهم واعتزلوهم وتعبدوا في موضع لا يعرفون، حتى إذا اشتد البلاء في بني إسرائيل وكادوا أن يتفانوا، وضيعت فيهم الأحكام والسنن والشرائع؛ فلما أن خاف القوم الهلاك طلبوا الثلاثة ليملكوا أحدهم على أنفسهم ليقيم فيهم الحدود والأحكام ويجمع ألفتهم. قال: فقدروا عليهم، فخيروهم بين القتل وبين أن يكون أحدهم عليهم؛ فاختاروا القتل، وكان أصغرهم أعبدهم وأشدهم اجتهاداً؛ فقال اثنان منهم للثالث وهو أصغرهم سناً: أنت أحدثنا سناً وأقوانا، فهل لك أن تحتسب بنفسك عليهم فتقيم لهم أحكامهم وشرائعهم؟ فقال: أفعل بشرط أن لا تقرباني ولا تنظرا إلي ولا أنظر إليكما حتى يبلغكما أني عدلت عن الحق؛ فقالا: نعم.
فمضى مع القوم، فتوجوه وأقعدوه على سرير الملك. فأقام فيهم الحق وأحيا فيهم السنن، وحسنت حال بني إسرائيل، واغتبطوا به؛ فجاءه الشيطان من قبل النساء، فلم يزل حتى واقع النساء؛ ثم أتاه من قبل الشراب، فلم يزل به حتى خالط الناس في الشراب؛ ولم يزل به حتى ركب المعاصي وضيع الحدود، وانتهك المحارم، وخالط الدماء. فبلغ أخويه، فجاءا حتى دخلا عليه، فأمر بهما فحبسهما، فلما أمسى دعا بهما، فقالا له: أي عدو الله! غررتنا بدينك، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة! فقال لهما: فدعاني عنكما، فقد ارتكبت ما بلغكما وأنا غير مقصر، وقد أصبت الدنيا، وعلمت علماً يقيناً أن لا آخرة لي، فدعاني أتمتع من دنياني؛ فقال له أحدهما يقال له عايوذا وكان أخاه في الله : أفلا خير من ذلك؟ قال: وما ذاك؟ قال: ترجع وتتوب إلى الله، وأتكفل لك بالمغفرة والرحمة والجنة، قال: أتفعل؟ قال: نعم، قال: اكتب لي على ربك كتاباً بالوفاء، فكتب له؛ ثم خلع الملك وعاد إلى ما كان، ولحق بالعباد، وقال لهما: لا تصحباني. وكان عباد بني إسرائيل حين عظمت الأحداث فيهم اعتزلوهم ولحقوا بالجبال والسواحل، يعبدون الله؛ فلحق هذا بشعب العباد، فانتهى إلى رجل قائم يصلي إلى جنب شجرة جرداء ليس عليها ورق، كثيرة الشوك فقام إلى جنبه يصلي؛ وكانت تلك الشجرة تحمل كل عشية رمانةً عند إفطار العابد، فهي رزقه إلى مثلها من القابلة؛ فلما أمسى قال في
стр. 2827
نفسه: إني أطوي ليلتي هذه، وأجعل رزقي لضيفي هذا. قال: فحملت الشجرة رمانتين، فدفع إحداهما إلى الفتى وأكل الأخرى، فقال له الفتى: هل أمامك من العباد أحد؟ قال: امض أمامك، فلما أصبح مضى حتى انتهى إلى رجل قائم يصلي على صخرة، عليه برنس له من مسوح، فقام إلى جنبه يصلي، وكان له كل ليلة إناء من ماء، عليه رغيف، وهو رزقه، فلما أمسى جعل في فنسه أن يجعل رزقه لضيفه ويمسك هو، فأتاه الله بإناءين على كل واحد منهما رغيف، فأطعم أحدهما الفتى وأكل الآخر وشربا؛ فلما أصبح الفتى قال له: هل في الوادي من هو أعبد عندك؟ قال: امض أمامك؛ فمضى فانتهى إلى رجل قائم على تل، بغير حذاء ولا قلنسوة، في يوم شديد الحر، عليه إزار من مسوح، وجبة من مسوح، قائم يصلي، فقام إلى جنبه؛ وكانت وعلة سخرها الله ، تجيء كل ليلة من الجبل، فتقوم بين يديه، وتفرج بين رجليها وضرعها، تدر لبناً؛ وعنده قعبة له، فيحلب من الوعلة ملء قعبته، فذلك طعامه وشرابه، فقال في نفسه: أجعل رزقي لضيفي هذا وأمسك عن نفسي؛ فلما جاءت الوعلة حتى وقفت، فقام العابد إليها فحلبها وسقى الفتى وهي واقفة وضرعها يدر لبناً وهي تومئ إلى العابد أن احتلب؛ قال: فاحتلب حتى ملأ قعبته وانصرفت الوعلة. فلما أصبح قال له الفتى: هل في الوادي من هو اعبد منك؟ قال: امض أمامك، قال فمضى حتى انتهى إلى شيخ في أعلى الجبل، قائم يعبد الله منذ مئة وثمانين سنة، اعتزل الناس، طعامه عشب الأرض وله عين تجري، إذا أمسى جرت تلك العين بما يكفيه لشرابه ووضوئه، وتعشب الأرض حول عينه وهو على صخرة كقدر ما يغنيه، فلما أمسى جعل في نفسه أن يجعل رزقه لضيفه ويمسك عن نفسه؛ فلما أمسى فجر الله عينيه، وأعشب الأرض حولهما؛ فقال للفتى: هذا طعامي وهذا شرابي، وهذا رزق ساقه الله إليك على قدر رزقي، ولا يكلف الله نفساً إلا طاقتها، وليس عندنا إلا ما ترى، قد رضينا من الدنيا بهذا وهذا من الله ، أن رزقنا القناعة والرضى؛ فقال الفتى: قد رضيت بهذا ولا أريد به بدلاً؛ فأقام معه يتعبد حتى أدركه الموت، فقال
стр. 2828
للشيخ: قد صحبتك فأحسنت صحبتي، ورزقني الله بصحبتك الخير والفضل، ولي عندك حاجة؛ قال: وما هي؟ قال: أن تحفر لي وتدفني، ثم أخرج الكتاب فدفعه إليه وقال: ضع هذا الكتاب بين كفني وصدري؛ فقال له الشيخ: فكيف لي بأن أحفر لك؟ قال: قل أنت نعم إن شاء الله، فإن الله سيهيئ ذلك لك. فقال الشيخ: نعم؛ فمات الفتى فقام الشيخ ليحفر له لما وعده فلم يصل، إنما هو يحفر بيده حتى تقطعت أنامله إذ بعث الله أسداً، له مخاليب من حديد، فحفر له قبراً. فلما أن رأى العابد ذلك اشتد سروره بذلك، فدفن الفتى وأهال عليه، ووضع الكتاب بين صدره وكفنه؛ فبعث الله إليه ملكاً فأخذ الكتاب وكتب: إن الله قد وفى له بشرطك، وتمت كفالتك ونفذ كتابك. فجاء بالكتاب حتى دفعه إلى عايوذا
وهو الذي كان كتب له الكفالة؛ وكان بعد ذلك يكتب الكفالات على نفسه لله ، فسمي ذا الكفل. والله أعلم أي ذلك كان مما قالوا. والذي كان كتب له الكفالة؛ وكان بعد ذلك يكتب الكفالات على نفسه لله ، فسمي ذا الكفل. والله أعلم أي ذلك كان مما قالوا.
ذو الكلاع وهو أسميفع بن باكورا
ويقال سميفع بن حوشب بن عمرو بن يعفر بن يزيد وهو ذو الكلاع الأكبر ابن النعمان، أبو شرحبيل، ويقال: أبو شراحيل الحميري الأحاظي ابن عم كعب الأحبار. أدرك النبي ﷺ ولم يره، وراسله بجرير البجلي. شهد وقعة اليرموك، وفتح دمشق، وصفين مع معاوية، وقتل يومئذ؛ وكان على أهل حمص وهم الميمنة. ويقال: إن معاوية أنزله حين قدم دمشق بدار المدنيين.
واختلف في يعفر، فقيل: يعفر، بضم الياء والفاء؛ وقيل: يعفر، بضم الياء وكسر الفاء؛ وقيل: يعفر، بفتح الياء وضم الفاء، مثل يشكر. وكله مأخوذ من العفر والعفر، وهما التراب.
стр. 2829
قال جرير: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا الكلاع، وذا عمرو؛ فجعلت أحدثهم عن رسول الله ﷺ ، فأقبلا معي، حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم؟ فقالوا: قبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر، والناس صالحون؛ قال: فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا وسنعود إن شاء الله. فرجعت فأخبرت أبا بكر بحديثهما، قال: ألا جئت بهم؟ فلما كان بعده قال لي ذو عمرو: يا جرير، إن بك كرامة وإني مخبرك خبراً، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخبر ما كنتم إذا هلك أمير أمرتم آخر، فإذا كان السيف كانوا ملوكاً، يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضى الملوك.
وعن جرير، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى ذي الكلاع وذي عمرو؛ فأما ذو الكلاع فقال: ادخل على أم شرحبيل، والله ما دخل أحد بعد أبي شرحبيل قبلك؛ وأسلما. وأما ذو عمرو فقال: يا جرير، هل شعرت أن من بادئ كرامة الله جل وعز للعبد أن يحسن صورته؛ وكان أمر لي بدجاجة وقال: لولا أن أمنعك دجاجتك لأنبأتك أن الرجل الذي جئت من عنده إن كان نبياً فقد مات اليوم؛ فأهويت إلى قائم سيفي لأضربه به، ثم كففت. فلما كنت ببعض الطريق لقيتني وفاة رسول الله ﷺ .
وعن جماعة من الرواة: دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: وبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع، وإلى ذي عمرو، يدعوهما إلى الإسلام؛ فأسلما، وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصباح امرأة ذي الكلاع. وتوفي رسول الله ﷺ وجرير عندهم، فأخبره ذو عمرو بوفاته، فرجع جرير إلى المدينة.
стр. 2830
وعن ذي الكلاع الحميري قال: سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما يبعث المقتتلون على النيات ".
وعن ذي الكلاع: كان كعب يقص في إمارة معاوية، فقال عوف بن مالك لذي الكلاع: يا أبا شراحيل، أرأيت ابن عمك، أبأمر الأمير يقص؟ فإني سمعت النبي ﷺ يقول: القصاص ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو محتال. فمكث كعب سنةً لا يقص، حتى أرسل إليه معاوية، فأمره أن يقص.
ويقال: أبو شراحيل قدم الشام.
حدث بعضهم قال: بعثني أهلي بهدية إلى ذي الكلاع في الجاهلية، فأتيت على بابه حولاً لا أصل إليه، ثم إنه أشرف ذات يوم من القصر، فلم يبق أحد حول القصر إلا خر له ساجداً؛ قال: فأمر بهديتي فقبلت. ثم رأيته بعد في الإسلام وقد اشترى لحماً بدرهم، فسمطه على فرسه وهو يقول:
أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها كل يوم في أذى
ولقد كنت إذا ما قيل: من ... أنعم الناس معاشاً؟ قيل: ذا
ثم بدلت بعيشي شقوةً ... حبذا هذا شقاءً حبذا
وعن أنس بن مالك قال: أتيت أهل اليمن، فبدأت بهم حياً حياً أقرأ عليهم كتاب أبي بكر، حتى إذا فرغت قلت: الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أما بعد، فإني رسول خليفة رسول الله ﷺ ، ورسول المؤمنين، ألا وإني تركتهم معسكرين، ليس يثقلهم عن الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم، فاحتملوا إلى إخوانكم بالنصر، رحمة الله عليكم أيها المسلمون. فكل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع مني هذا القول يرد أحسن الرد ويقول:
стр. 2831
نحن سائرون إلى إخواننا؛ حتى انتهينا إلى ذي الكلاع، فلما قرأنا عليه الكتاب وقلت هذا القول، دعا بفرسه وسلاحه، ثم نهض في قومه وأمر بالمعسكر، فما برحنا حتى عسكر وقام فيهم فقال لهم: أيها الناس؛ إن من رحمة الله عليكم ونعمته فيكم أن بعث فيكم نبياً، أنزل عليه الكتاب، وأحسن عنه البلاغ، فعلمكم ما يرشدكم، ونهاكم عما يفسدكم حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ورغبكم فيما لم تكونوا ترغبون فيه من الخير؛ وقد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين، واكتساب الأجر العظيم؛ فلينفر من أراد النفر معي. قال: فنفر معه بعدة من الناس، وأقبل إلى أبي بكر. قال: ورجعنا نحن فسبقناه بأيام، فوجدنا أبا بكر بالمدينة، ووجدنا ذلك العسكر على حاله، وأبو عبيدة يصلي بأهل العسكر؛ فلما قدمت حمير معها أولادها ونساؤها، فقال لهم أبو بكر: عباد الله؛ ألم نكن نتحدث فنقول: إذا مرت حمير معها نساؤها وأولادها نصر الله المسلمين، وخذل المشركين. أبشروا أيها الناس فقد جاءكم النصر.
قال أبو صالح: كان يدخل مكة رجال متعممون من جمالهم، مخافة أن يفتتن بهم، منهم عمرو الطهوي، وأغيفر اليربوعي، وسبيع الطهوي، وحنظلة بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن حممة، وأبو خيثمة بن رافع، وزيد الخيل بن مهلهل الطائي، وقيس بن سلمة بن شراحيل الجعفي، وذو الكلاع الحميري، وامرؤ القيس بن حجر الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي.
حدث إسماعيل بن عبد الله: أن ذا الكلاع رأى أن ملكاً نزل من السماء، فقام إليه رجل من أهل العراق وقال: إن الله بعث إلينا رسولاً، فعمل فينا بكتاب الله حتى قبضه الله، ثم استخلف أبو بكر، فعمل بمثل ذلك حتى قبضه الله، ثم استخلف عمر، فعمل بمثل ذلك حتى قبضه الله، ثم استخلف عثمان، فعمل بغير ذلك، وأنكرنا عليه فقتلناه. ثم قمت عليه فقلت مثلما قال، حتى
стр. 2832
انتهيت إلى عثمان فقلت غير ما قال؛ وألقى حصىً بيضاء وحصىً سوداء، فلقطت الحصى البيض ولقط الحصى السود؛ فقلت: اقض بيننا، فقال: قد فعلت. أو قال: لم أفعل.
قال أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى: ذو الكلاع الأصغر اسمه سميفع بن باكورا، مخضرم له مع عمر بن الخطاب أخبار، وبقي إلى أيام معاوية. ولما بلغ كثرة شرب الناس الخمر بالشام وإقامة الحدود عليهم أمر أن يطبخ كل عصير بالشام حتى يذهب ثلثاه؛ فقال ذو الكلاع:
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست عن الصهباء يوماً بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون عند المعاصر
فلا تجلدوني واجلدوها فإنها ... هي العيش للباقي ومن في المقابر
ولما ظهر أمر معاوية بالشام، وبايعوه على أمره، دعا علي رجلاً، فأمره أن يتجهز وأن يسير إلى دمشق، وأمره إذا دخل دمشق أناخ راحلته يعني ويقول لهم: تركت علياً قد نهد إليكم فذكره، وقال: فخرج معاوية حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؛ إن علياً قد نهد إليكم في أهل العراق، فما الرأي؟ فقام ذو الكلاع الحميري فقال: عليك الرأي وعلينا أم فعال. وهي بالحميرية تعني: الفعال.
وعن زامل بن عمرو الحبراني قال: طلب معاوية إلى ذي الكلاع أن يخطب الناس ويحرضهم خطراً
стр. 2833
فقال: الحمد لله كثيراً نامياً جزيلاً، واضحاً منيراً، بكرةً وأصيلاً، أحمده على قتال علي ومن معه من أهل العراق فقعد على فرسه وكان من أعظم أصحاب معاوية وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلا، ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالفرقان إماماً، وبالهدى ودين الحق حين ظهرت المعاصي، ودرست الطاعة، وامتلأت الأرض جوراً وضلالةً، واضطرمت الدنيا كلها نيرانا وفتنةً، وورك عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها، واستولى على جميع اهلها؛ فكان الذي أطفأ نيرانها، ونزع أوتادها، وأوهن به قوى إبليس، وأيأسه مما كان قد طمع من ظفره بهم؛ محمد بن عبد الله، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته؛ وقد كان مما قضى الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين، وإنا لنعلم أن منهم قوماً قد كانت لهم مع رسول الله ﷺ سابقة ذات شأن وخطر عظيم؛ ولكني قلبت هذا الأمر ظهراً وبطناً، فلم أر أن يسعنا أن نهدر دم ابن عفان، صهر نبينا ﷺ ومجهز جيش العسرة، واللاحق في مسجد رسول الله ﷺ بيتاً، وباني سقاية المسلمين؛ وبايع له رسول الله ﷺ بيده اليمنى على اليسرى، واختصه رسول الله ﷺ بكريمتيه: أم كلثوم ورقية، ابنتي رسول الله ﷺ ؛ فإن كان أذنب ذنباً فقد أذنب من هو خير منه، قال الله عز من قائل لنبيه ﷺ : " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " وقتل موسى ﵇ نفساً ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب نوح ﵇، ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب أبوكم آدم ﵇، ثم استغفر الله فغفر له؛ فلم يعر أحد من الذنوب؛ وإنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله ﷺ ؛ فإن لم يكن مالأ على قتل عثمان فقد خذله، وإنه لأخوه في دينه، وابن عمه وسلفه وابن عمه؛ وقد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم وبلادكم وبيضتكم، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل؛ فاستعينوا بالله واصبروا فقد ابتليتم. أيتها الأمة؛ والله لقد رأيت في منامي في ليلتي هذه، لكأنا وأهل العراق قد اعتورنا مصحفاً نضربه بأسيافنا، ونحن في
стр. 2834
ذلك ننادي: ويحكم! الله الله! مع أنا والله ما نحن بمفارقي العرصة حتى نموت. عليكم بتقوى الله، ولتكن النيات لله ، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: إنما يبعث المقتتلون على النيات. أفرغ الله علينا الصبر، وأعز لنا ولكم النصر، وكان لنا ولكم ولياً وناصراً، وحافظاً في كل أمر، وأستغفر الله لي ولكم.
وعن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وذكر أهل صفين فقال: كانوا عرباً يعرف بعضهم بعضاً في الجاهلية، والتقوا في الإسلام معهم تلك الحمية ونية الإسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم؛ فلما أصبحوا يوماً، وذلك يوم الثلاثاء خرج الناس إلى مصافهم، فقال أبو نوح الحميري: وكنت في خيل علي، فبينا أنا واقف إذ نادى رجل من أهل الشام: من دلني على أبي نوح الحميري؟ قال أبو نوح: فقلت: أيهم تريد؟ فقال: الكلاعي، فقلت: قد وجدته، فمن أنت؟ قال: أنا ذو الكلاع فسر إلي، قال أبو نوح: فقلت معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة، فقال: سر، فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع، فإنما أريد أن أسألك عن أمر فيكم؛ فسار إليه أبو نوح وسار إليه ذو الكلاع حتى التقيا، فقال له ذو الكلاع: إنما دعوتك أحدثك حديثاً حدثناه عمرو بن العاص في إمارة عمر؛ فقال أبو نوح: وما هو؟ فقال ذو الكلاع: حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق، في إحدى الكتيبتين الحق أو قال: الهدى ومعها عمار بن ياسر، فقال أبو نوح: نعم والله، إن عماراً لمعنا وفينا؛ فقال: أجاد هو على قتالنا؟ فقال أبو نوح: نعم ورب الكعبة لهو أجد على قتالكم مني، ولوددت أنكم خلق واحد فذبحته.
وعن الحارث بن حصيرة: أن ابن ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولاً فقال له: إن ابن عمك ابن ذي
стр. 2835
الكلاع يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن ذا الكلاع قد أصيب وهو في الميسرة، أفتأذن لنا فيه؟ فقال له الأشعث: أقرئه السلام وقل له: إني أخاف أن يتهمني أمير المؤمنين، فاطلبوا ذلك إلى سعيد بن قيس الهمداني فإنه في الميمنة، فذهب إلى معاوية فأخبره وذلك بينهم يتراسلون في اليوم والأيام فقال معاوية: ما عسيت أن أصنع. وقد كانوا منعوا أهل الشام أن يدخلوا عسكر علي، وخافوا أن يفسدوا أهل العسكر. فقال معاوية لأصحابه: لأنا أشد فرحاً بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو افتتحتها، لأن ذي الكلاع كان يعرض له في أشياء كان يأمر بها؛ فخرج ابن ذي الكلاع إلى سعيد بن قيس، فاستأذنه في أبيه فأذن له فيه؛ فقال سعيد بن قيس لابن ذي الكلاع حين قال له إنهم يمنعوني من دخول عسكرهم: كذبت، لم يمنعوك! إن أمير المؤمنين لا ينال من دخل عسكره لهذا الأمر، ولا يمنع أحداً من ذلك فادخل. فدخل من قبل الميمنة فلم يجده، فأتى الميسرة فوجده قد ربط برجله طنب من أطناب فسطاط، فسلم عليهم ومعه عبد له أسود فقال لهم: أتأذنون في طنب من أطناب فسطاطكم؟ فقالوا: نعم، ثم قالوا له: معذرةً إلى ربنا وإليكم، أما إنه لولا بغيه علينا ما صنعنا ما ترون، فنزل عليه وقد انتفخ وكان عظيماً جسيماً فلم يستطيعا احتماله، فقال ابنه: هل من فتىً معوان؟ فخرج إليه الخندق، رجل من أصحاب علي، فقال: تنحوا، فقال ابن ذي الكلاع: ومن يحمله؟ قال: يحمله الذي قتله، فاحتمله الخندق حتى رمى به على ظهر بغل، ثم شداه بالحبال وانطلقا إلى عسكرهم.
قتل ذو الكلاع يوم صفين مع معاوية، وكانت صفر سنة سبع وثلاثين.
وعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: رأيت في المنام قباباً في رياض، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لعمار بن ياسر وأصاحبه، ورأيت قباباً في رياض، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وأصحابه، فقلت: كيف وقد قتل بعضهم بعضاً؟! قال: إنهم وجدوا الله واسع المغفرة.
وفي حديث آخر بمعناه: قلت: فما فعل أهل النهر؟ قال: لقوا برحاً.
стр. 2836
ذو النون بن إبراهيم
ويقال ابن أحمد اسمه ثوبان ويقال: اسمه الفيض أبو الفيض ويقال: أبو الفياض الإخميمي الصري الزاهد قدم الشام للسياحة، وطاف جبل لبنان، ودخل دمشق.
حدث عن الليث بن سعد بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى، واتقوا النالر ولو بشق تمرة.
كان ذو النون حكيماً، فصيحاً، عالماً. وأصلة من النوبة، وكان من قرية من قرى مصر يقال لها إخميم. ونزل مصر، وكان رجلاً ننحيفاً تعلوه صفرة، ليس بأبيض اللحية، وكان رئيس القوم، والمرجوع إليه، والمقبول على جميع الألسنة، وأول من عبر عن علوم المنازلات. ودخل بغداد، ونزل سر من رأى.
حمل إلى المتوكل على البريد، استحضره من مصر، فدخل عليه ووعظه. وكان أهل مصر يسمونه الزنديق، فلما مات أظلت الطير جنازته فاحترموا بعد ذلك قبره. ولما مرض ذو النون مرضه الذي مات فيه قيل له: ما تشتهي؟ قال: أن اعرفه قبل موتي بلح؟ ة، ولما مات وجد على قبره مكتوب: مات ذو النون حبيب الله من الشوق، بقتيل الله.
قال أبو عبد الله الهاشمي: دخل ذو النون المصري مسجد دمشق، فاجتمع مع سيد حمدويه، فدعانا بعض أبناء الدنيا إلى داره، فلما أكلنا قال صاحب الدار: هاهنا سماع فيكم، من يرغب؟ فقال ذو
стр. 2837
النون: فهلاً قبل الطعام؛ أما علمت أن المقدحة إذا ابتلت لم تور.
وعن أيوب بن إبراهيم مؤذن ذي النون قال: كان أصحاب المطالب أتوا ذا النون، وخرج معهم إلى فقط وهو شاب؛ فاحتفروا قبراً فوجدوا فيه أشياء، ووجدوا لوحاً فيه اسم الله الأعظم، فأخذه ذو النون وسلم إليهم ماوجدوا.
قال يوسف بن الحسين: حضرت مجلس ذي النون يوماً وفيه سالم المغربي، فقالا له: يا أبا الفيض، ما كان سبب توبتك؟ قال: عجب لاتطيقه، فقال: سألتك بمعبودك إلا أخبرتني؟ فقال ذو النون: أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى. فلما كنت في الصحاري نمت، ففتحت عيني وإذا أنا بطير يقال له القبرة، أعمى معلق بمكان ذكره، فسقط غلى الأرض، فانشقت الأرض فخرج منها سكرجتان، إحداهما ذهب والأخرى فضة، في إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء. فجعل يأكل من هذا ويشرب من هذا. فقلت: حسبي قدت تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني.
قال علي بن حاتم الثماني بمصر: سمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله، غير مخلوق.
قال يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون المصري يقول وقد سئل عن التوحيد فقال: أن تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا مزاج، وسنعته للأشياء بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه؛ وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله؛ وكل ما تصور في وهمك فالله بخلاف ذلك.
قال عمر بن صدقة الحمال: كنت مع ذي النون يإخميم، فسمع صوت لهو ودقاف وأكبار، فقال: ما هذا؟
стр. 2838
فقيل: عرس لبعض أهل المدينة؛ وسمع إلى جانبه بكاءً وصياحاً وولولةً فقال: ما هذا؟ فقالوا: فلان مات، فقال لي: يا عمر بن صدقة، أعطي هؤلاء فما شكروا، وابتلي هؤلاء فما صبروا، ولله علي إن بت في هذه المدينة. فخرج من ساعته من إخميم إلى الفسطاط.
قال أحمد بن جعفر السمسار: سمعت ذا النون يقول: دخلت إخميم الصعيد، فدخلت في بعض البراري، فسمعت صوتاً ولم أر شخصاًَ وهو يقول: يا أبا الفيض، أقبل علي، فاتبعت الصوت، فإذا أنا بوجه قد خرج من موضعه، فقال لي: أنت ذو النون المصري؟ فقلت: نعم، فقال لي: أنت زاهد أهل زمانك؟ قلت: يا عبد الله، كذا يقال؛ فقال لي: يا أبا الفيض، أليس يقولون: إن الدنيا ليس تسوى عند الله جناح بعوضة؟ فازهدوا في الآخرة خير لكم؛ فقلت له: وكيف نزهد في الآخرة؟ قال: تزهدون في جنتها ونارها، وترغبون في النظر إلى الله جلت عظمته. ثم أمسك عني ورجعت.
قال يوسف بن الحسين الرازي: سمعت ذا النون المصري يقول: وجدت صخرة ببيت المقدس، عليها أسطر مكتوب، فجئت من يترجمها فإذا عليها مكتوب: كل عاص مستوحش؛ وكل مطيع مستأنس؛ وكل خائف هارب؛ وكل راج طالب؛ وكل قانع غني؛ وكل محب ذليل. ففكرت في هذه الأحرف، فإذا هي أصول لكل ما استعبد الله به الخلق.
حدث أحمد بن رجاء بمكة قال: سمعت ذا الكفل المصري وهو أخو ذي النون يقول: دخل غلام لذي النون إلى بغداد، فسمع قوالاً يقول، فصاح غلام لذي النون صيحةً فخر ميتا؛ فاتصل الخبر بذي النون، فدخل إلى بغداد فقال: علي بالقوال، واسترده الأبيات، فصاح ذو النون صيحةً فمات القوال. ثم خرج ذو النون وهو يقول: النفس بالنفس والجروح قصاص.
стр. 2839
قال عبد الرحمن بن بكر: سمعت ذا النون المصري يقول: من ذكر الله ذكراً على الحقيقة، نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضاً عن كل شيء.
قال يوسف بن الحسين: قيل لذي النون: بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي.
قال محمد بن الحسين الجوهري: سمعت ذا النون يقول وقد جاءه رجل فقال: ادع الله لي، فقال: إن كنت قد أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى.
قال أبو محمد نعمان بن موسى الجيزي: رأيت ذا النون المصري وقد تقاتل اثنان، أحدهما من أولياء السلطان؛ فعدا الذي من الرعية عليه فكسر ثنيته، فتعلق الجندي بالرجل فقال: بيني وبينك الأمير، فجاوزا بذي النون، فقال لهم الناس: اصعدوا إلى الشيخ، فصعدوا، فعرفوه ما جرى، فأخذ السن فبلها بريقه وردها إلى فم الرجل في الموضع الذي كانت فيه، وحرك شفتيه، فتعلقت بإذن الله، فبقي الرجل يقيس فاه، فلم يجد الأسنان إلا سواء.
قال أحمد بن محمد السلمي: دخلت على ذي النون المصري يوماً فرأيت بين يديه طستاً من ذهب، وحوله الند والعنبر يسجر، فقال لي: أنت ممن يدخل على الملوك في حال بسطهم؟ ثم أعطاني درهماً أنفقت منه إلى بلخ.
قال يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون يقول: قال الله تعالى: " من كان لي مطيعاً كنت له ولياً، فليثق بي وليحلم علي؛ فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له.
стр. 2840
قال محمد بن يعقوب الفرجي: رأيت ليلةً ذا النون التف في عباءة ورمى بنفسه طويلاً، ثم كشف عن وجهه العباءة، ونظر إلى السماء فقال: اللهم إنك تعلم أن كثرة استغفاري مع منامي على الذنوب لؤم؛ ثم غطى رأسه طويلاً، ثم كشف عن وجهه ونظر إلى السماء وقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أن تركي الاستغفار مع علمي بسعة رحمتك عجز.
قال يوسف بن الحسين: سئل ذو النون عن الاستغفار فقال: يا أخي الاستغفار اسم جامع لمعان كثيرة؛ أولهن الندم على ما مضى؛ والثاني العزم على ترك الرجوع إلى الذنوب؛ والثالث أداء كل فرض ضيعته فيما بينك وبين الله ؛ والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم أو مصالحتهم عليها؛ والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام؛ والسادس إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية.
قال يوسف بن الحسين الرازي: سمعت ذا النون المصري يقول: أنا أسير قدرتك فاجعلني طليق رحمتك.
قال إسحاق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون يقول وفي يده الغل، وفي رجليه القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله ومن عاطاياه، وكل فعل له حسن طيب؛ ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون ... كل لوم علي فيك يهون
لك غرم بأن أكون قتيلاً ... فيك والصبر عنك مالا يكون
قال عمرو السراج: قلت لذي النون: كيف كان خلاصك من المتوكل وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلني الغلام إلى الستر رفعه ثم قال: ادخل، فإذا المتوكل في غلالة مكشوف الرأس،
следующие страницы →