Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
ظهرك خير من دم مؤمن. قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس التفت فقال: احذروا صاحب الكساء.
نظر رجاء بن حيوة إلى رجل ينعس بعد الصبح فقال: انتبه لا يظن الظان أن ذا عن سهر.
توفي رجاء سنة اثنتي عشرة ومئة.
رجاء بن أبي سلمة
أبو المقدام الفلسطيني أصله من البصرة، ثم سكن الرملة.
حدث أبو المقدام عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ ، يرد قوي المسلمين على ضعيفهم.
وحدث رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت سليمان بن موسى وعمرو بن شعيب يذكران النفل في المسجد، فقال عمرو: لا نفل بعد النبي ﷺ ، فقال له سليمان: شغلك أكل الزبيب بالطائف، حدثنا مكحول عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة الفهري، أن رسول الله ﷺ نفل في البدأة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. قال ضمرة: لأن الناس في الرجعة أضعف.
وحدث رجاء بن أبي سلمة عن سليمان بن موسى قال: مر مالك بن عبد الله الخثعمي وهو على الناس بالصائفة بأرض الروم، قال: ورجل يقود دابته فقال له: اركب فإني أرى دابتك ظهيرة. قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2907
يقول: ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حرم الله عليهما النار. قال: فنزل مالك ونزل الناس يمشون، فما رئي يوم كان أكثر ماشياً منه. ولد رجاء بن ابي سلمة احدى وتسعين ومات سنة احدى وستين ومئة وكان ثقة.
رجاء بن سهل أبو نصر الصاغاني
سمع بدمشق وسكن بغداد.
حدث عن وهب بن وهب أبي البختري القاضي بسنده عن عائشة ﵂ قالت: أول سورة تعلمتها من القرآن طه، فكنت إذا قلت: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " إلا قال ﷺ : لا شقيت يا عائش.
رجاء بن عبد الرحيم أبو المضاء
القرشي الهروي له رحلة إلى الشام والعراق.
حدث عن عبد الرحمن بن عمرو الباهلي بسنده عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنز الجنة، ومن أكثر منه نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه فقد أصاب خير الدنيا والآخرة ".
وحدث عن القعنبي بسنده عن عمر عن النبي ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة ".
стр. 2908
رجاء بن عبد الواحد بن يوسف
أبو الفتح الأصفهاني، المعروف بالرازي قدم دمشق وحدث بها.
روى عن أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء لم يطعم ".
وحدث عن أبي المنصور العطار بسنده عن ابن عباس قال: أنشدنا أبو بكر الصديق لنفسه:
إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس رأفته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين
رجاء بن مرجى بن رافع
أبو محمد المروزي، ويقال: السمرقندي الحافظ قدم دمشق وحدث بها.
روى عن يزيد بن أبي حكيم بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " من باع عبداً وله مال فماله للبائع، ومن باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ".
وحدث رجاء بن المرجى عن النضر بن شميل بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن نبياً من الأنبياء قال تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر ببيوتهن فحرق، فأوحى الله إليه: ألا نملة واحدة ".
стр. 2909
وحدث رجاء بن أبي رجاء المروزي الحافظ عن النضر بن شميل بسنده عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً، ثم توضأ ومسح على خفيه.
توفي رجاء بن مرجى سنة تسع وأربعين ومئتين. وكان ثقةً، ثبتاً، إماماً في علم الحديث وحفظه والمعرفة به.
رحيم بن سعيد بن مالك
أبو سعيد الضرير المعبر رحيم: بحاء مهملة.
حدث عن حاجب بن أركين والحسن بن احمد البغدادي بسندهما عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : " وعدني ربي يدخل الجنة سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربنا. ثم تلا: قبضته السماوات والأرض ".
قال الحضرمي: قال لنا يوماً في سنة تسع وستين وثلاث مئة: لي مئة سنة وسبع سنين. وعاش بعد ذلك شيئاً يسيراً.
стр. 2910
رزاح النهدي شاعر
قال عبد الرحمن المدائني وغيره: كان الحارث بن مارية الغساني الجفني مكرماً لزهير بن جناب الكلبي، ينادمه ويخدمه، فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما: حزن وسهل ابنا رزاح، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك ونزلا منه المكان الأثير؛ فحسدهما زهير بن جناب وقال: أيها الملك، هما عين لذي القرنين عليك يعني المنذر الأكبر جد النعمان بن المنذر بن المنذر، وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك. قال: كلا. فلم يزل به زهير حتى أوغر صدره، وكان إذا ركب بعث إليهما ببعيرين يركبان معه، فبعث إليهما بناقة واحدة، فعرفا الشر، فلم يركب أحدهما وتوقف، فقال الآخر:
فإلا تجللها يعالوك فوقها ... وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه
فركبها مع أخيه ومضى بهما فقتللا. ثم بحث عن أمرهما بعد ذلك، فوجده باطلاً، فشتم زهيراً وطرده، فانصرف إلى بلاد قومه، وقدم رزاح أبو الغلامين إلى الملك، وكان شيخاً مجرباً عالماً، فأكرمه الملك وأعطاه دية ابنه. وبلغ زهيراً مكانه، فدعا ابناً له يقال له عامر، وكان من فتيان العرب لساناً وبياناً، فقال له: إن رزاحاً قد قدم على الملك، فالحق به واحتل في أن تكفينيه، وقال له: اتهمني عند الملك ونل مني. وأثر به آثاراً. فخرج الغلام حتى قدم الشام، فتلطف الدخول على الملك حتى وصل إليه، فأعجبه ما رأى منه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا عامر بن زهير بن جناب، قال: فلا حياك الله ولا حيا أباك الغادر الكذوب الساعي! فقال الغلام: إلا حياه الله، أنظر أيها الملك ما صنع بظهري وأراه آثار الضرب فقبل ذلك منه وأدخله في ندمائه؛ فبينا هو يوماً يحدثه إذ
стр. 2911
قال: أيها الملك، ما زال أبي مسيئاً إلي، ولست أدع أن أقول الحق، وقد والله نصحك أبي، ثم أنشأ يقول:
فيا لك نصحة لما نذقها ... أراها نصحةً ذهبت ضلالا
ثم تركه أياماً وقال له: أيها الملك، ما تقول في حية قطعت ذنبها وبقي رأسها؟ قال: يطلب فأطفه، قال: فانظر بين يديك، قال: ذاك أبوك وصنيعه بالرجلين ما صنع، قال: أبيت اللعن! فوالله ما قدم رزاح إلا ليثأر بهما، فقال: وما آية ذلك؟ قال: اسقه الخمر ثم ابعث عليه عيناً يأتك بخبره، فلما انتشى صرفه إلى قبته ومعه بنت له، وبعث عليه عيوناً، فلما دخل قبته قامت ابنته تسانده فقال:
دعيني من سنادك إن حزنا ... وسهلاً ليس بعدهما رقود
ألا تسلين عن شبليك ماذا ... أضارهما إذا اهترش الأسود
فإني لو ثأرت المرء حزناً ... وسهلاً قد بدا لك ما أريد
فرجع القوم إلى الملك واخبروه ما سمعوا، فأمر بقتل النهدي ورد زهيراً إلى موضعه.
رزام أبو قيس ويقال أبو الغصن
ويقال أبو القصر، ويقال أبو القسر الكاتب، مولى خالد القسري
قال رزام: بعث بي المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵈، فلما أقبلت به إليه والمنصور بالحيرة وعلونا النجف، نزل جعفر بن محمد عن راحلته، فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فصلى ركعتين ثم رفع يديه؛ قال رزام، فدنوت منه فإذا هو يقول: اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوسل؛ اللهم سهل حزونته، وذلل
стр. 2912
في صعوبته، وأعطني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. ثم ركب راحلته، فلما وقف بباب المنصور وأعلم بمكانه فتحت الأبواب ورفعت الستور، فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه وأخذ بيده، وما شاه حتى انتهي به إلى مجلسه، فأجلسه فيه ثم أقبل عليه يسأله عن حاله، وجعل جعفر يدعو له، ثم قال: قد عرفت ما كان مني في أمر هذين الرجلين يعني محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن وترى كأن بهما وقد استخفا بحقي، وأخاف أن يشقا العصا، وأن يلقيا بين أهل هذا البيت شراً لا يصلح أبداً، فأخبرني عنهما؛ فقال له جعفر: والله لقد نهيتما فلم يقبلا، فتركتهما كراهية أن أطلع على أمرهما، وما زلت حاطباً في حبلك، مواظباً على طاعتك؛ قال: صدقت، ولكنك تعلم أنني أعلم أن أمرهما لن يخفى عنك، ولن تفارقني إلا أن تخبرني به، فقال له: يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي أن أتلو آية من كتاب الله عليك فيها منتهى عملي وعلمي؟ قال: هات على اسم الله، فقال جعفر: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: " لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ". قال: فخر أبو جعفر ساجداً ثم رفع رأسه، فقبل بين عينيه وقال: حسبك، ثم لم يسأله بعد ذلك عن شيء حتى كان من أمر إبراهيم ومحمد ما كان.
قال رزام مولى خالد بن عبد الله: قال لي إسماعيل بن عبد الله: إنك لرجل لولا أنك تحب السماع، قال: فقلت: أما والله لو سمعتها وهي تقول:
ما ضر جيراننا إذا انتجعوا ... لو أنهم قبل بينهم ربعوا
ما عبت ذلك علي.
قال رزام: وسمعت جعفر بن محمد بعد وفاة أبيه وإسماعيل يقول: تعاهدوا جواري إسماعيل حتى يغنين لا ينفلت ما في أيديهن.
стр. 2913
رزيق القرشي المدني
مولى علي بن أبي طالب قال هشام بن حسان: وفد رزيق مولى علي بن أبي طالب على عمر بن عبد العزيز، وكان قد حفظ القرآن والفرائض، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني رجل من أهل المدينة، وقد حفظت القرآن والفرائض، وليس لي ديوان، فقال له عمر: من أي الناس أنت؟ قال: رجل من موالي بني هاشم، فقال: مولى من؟ فقال: رجل من المسلمين، فقال له عمر: أسألك من أنت وتكتمني! فقال: أنا مولى علي بن أبي طالب وكان بنو أمية لا يذكر علي بين أيديهم فبكى عمر حتى وقع دموعه على الأرض وقال: أنا مولى علي؛ حدثني سعيد بن المسيب عن سعد، أن النبي ﷺ قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
وفي حديث آخر أنه قال له النبي ﷺ قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم أمر له بجائزة.
وروي أن اسم هذا المولى عمرو بن المورق؛ وروي أن اسمه يزيد بن عمرو بن مورق. والله أعلم.
رزيق ويقال زريق بن حيان
أبو المقدام الفزاري، مولاهم من دمشق. وكان أحد الكتاب بدمشق. وولاه الوليد وسليمان وعمر مكس مصر يعني عشور أموال التجار - وقيل: إن اسمه سعيد، ورزيق أشبه بالألقاب.
حدث رزيق مولى بني فزارة عن مسلم بن قرظة وكان ابن عم عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت عوف بن مالك الأشجعي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم؛ وشرار أئمتكم
стр. 2914
الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله، أو لا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة؛ ألا ومن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا تنزعوا يداً من طاعة.
هكذا روي بتقديم الراء. ورواه هشام بن عمار بسنده عن زريق مولى بني فزارة، وقيده بتقديم الزاي.
توفي زريق سنة خمس ومئة. وأهل العراق يقولون: رزيق، وأهل المدينة زريق؛ وأولئك أعلم به.
وقيل: توفي رزيق بن حيان الفزاري بنيقية بأرض الروم في إمارة يزيد بن عبد الملك من سهم أصابه، وهو ابن ثمانين سنة.
رستم أبو يزيد
حدث رستم عن مكحول في قوله : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " قال: الجواري الضاربات.
رشأ بن نظيف بن ما شاء الله
أبو الحسن المقرئ أصله من المعرة، وسكن دمشق.
حدث عن أبي الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي بسنده عن أبي قرصافة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللهم لا تخزنا يوم القيامة، ولا تفضحنا يوم اللقاء ".
توفي الشيخ أبو الحسن رشأ في المحرم سنة أربع وأربعين وأربع مئة.
стр. 2915
رشيق بن عبد الله أبو الحسن
المصيصي مولى رزق الله بن الحسن قدم دمشق.
وحدث بها عن إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المخرمي ببغداد بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يكره أن يقعد الرجل مكان أخيه أو يقيمه، وقال: تفسحوا.
رضوان بن إسحاق أبو زفر
القرشي الشامي من أهل دمشق.
حدث عن جبير بن العلاء بسنده عن الحصين بن يزيد الكلبي قال: ما رأيت النبي ﷺ ضاحكاً، ما كان إلا متبسماً. وربما شد النبي ﷺ على بطنه حجراً من الجوع.
رفدة بن قضاعة الغساني مولاهم
من أهل دمشق.
روى عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة.
وقد وقع في هذا الحديث إنكار، وفي سنده طعن.
حدث رفدة بن قضاعة أنه سمع ثابت بن عجلان يقول: إن الله ليريد أهل الأرض بعذاب، فإذا سمع الصبيان يتعلمون الحكمة صرفه عنهم.
стр. 2916
رفيع بن مهران
أبو العالية الرياحي البصري مولى امرأة من بني رياح، ثم من بني تميم، أعتقته سائبه. أدرك عصر النبي ﷺ ، وأسلم بعد سنين من وفاته.
حدث أبو العالية الرياحي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم.
قال أبو العالية: كنا بالشام مع أبي ذر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول رجل يغير سنتي رجل من بني فلان، فقال يزيد: أنا هو؟ قال: لا.
قال أبو العالية: شهدت عمر بن عبد العزيز ليلةً فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما يبقي منك تعب النهار مع سهر الليل؟! قال: لا تفعل يا أبا العالية، فإن لقاء الرجال للرجال تلقيح لألبابها.
قالوا: هذا وهم، وأبو العالية لم يبق إلى خلافة عمر، والحكاية محفوظة لميمون بن مهران.
كان أبو العالية تابعياً ثقة، من كبار التابعين. مات أبو العالية سنة ثلاث وتسعين.
قال قتادة: سمعت أبا العالية وكان أدرك علياً قال: قال علي: القضاة ثلاثة.
كان أبو العالية مخضرماً، أدرك الجاهلية والإسلام؛ وقيل: إنه كان حميلاً، والحميل الذي ولد بأرض العدو، وكان يتكلم بالفارسية.
стр. 2917
حدث أبو خلدة عن أبي العالية قال: ما تركت من ذهب أو فضة أو مال، فثلثه في سبيل الله، وثلثه في أهل النبي ﷺ ، وثلثه في فقراء المسلمين، وأعطوا حق امرأتي. قال أبو خلدة: فقلت له: يسعك هذا، فأين مواليك؟ فقال: سأحدثك حديثي، إني كنت مملوكاً لأعرابية مذكرة، فاستقبلتني يوم جمعة فقالت: أين تنطلق يا لكع؟ قلت: انطلق إلى المسجد، قالت: أي المساجد؟ قلت: المسجد الجامع، قالت: انطلق يا لكع. قال: فذهبت أتبعها حتى دخلت المسجد، فوافقنا الأمير على المنبر، فقبضت على يدي فقالت: اللهم اذخره عندك ذخيرة، اشهدوا يا أهل المسجد، إنه سائبة لله، ليس لأحد عليه سبيل إلا سبيل معروف. قال: فتركتني وذهبت. قال: فما تراءينا بعد.
قال أبو العالية: والسائبة يضع نفسه حيث شاء.
وحدث عنه أيضاً قال: كنا عبيداً مملوكين، منا من يؤدي الضرائب، ومنا من يخدم أهله، فكنا نختم كل ليلة، فشق ذلك علينا، فجعلنا نختم كل ليلتين مرة، فشق علينا، فجعلنا نختم كل ثلاث ليال مرة فشق علينا، حتى شكا بعضنا إلى بعض؛ فلقينا أصحاب رسول الله ﷺ ، فعلمونا أن نختم كل جمعة أو قال: كل سبع فصلينا ونمنا ولم يشق علينا.
وعن عاصم الأحول عن أبي العالية في قوله: " اهدنا الصراط المستقيم " قال: هو رسول الله ﷺ وصاحباه. قال: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
وعنه قال: قال لنا أبو العالية وهو يعلمنا: تعلموا الإسلام، فإذا علمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، لا تحرفوا الصراط يميناً وشمالاً، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ ، والذي كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم، ومن قبل أن يفعلوا ما فعلوا، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم، ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا بخمس عشرة سنة.
قال عاصم: فحدثت به الحسن فقال: صدق ونصح.
стр. 2918
وفي حديث بمعناه: وإياكم وهذه الأهواء فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء، وعليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يقتل صاحبهم يعني عثمان بخمس عشرة سنة.
العالية: تعلمت الكتاب والقرآن، فما شعر بي أهلي، ولا رئي في ثوبي مداد قط.
قال شعيب بن الحبحاب: كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل: ليس كما تقرأ؛ ويقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا. فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: أظن صاحبك سمع انه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
قال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رضينا حتى رحلنا إليهم فسمعناها من أفواههم.
قال أبو العالية: إن كنت لأسمع بالرجل يذكر بالعلم فآتيه ولا أسأله عن شيء حتى أنظر إلى صلاته، فإن كان يحسن، وإلا قلت: إذ كنت جاهلاً فأنت بغيره أجهل وأجهل، فأذهب فلا أسأله عن شيء.
قال أبو العالية: سألت ابن عباس عن شيء فقال: يا أبا العالية، أتريد أن تكون مفتياً؟! فقلت: لا، ولكن لا آمن أن تذهبوا ونبقى. فقال: صدق أبو العالية.
قال أو العالية: كنت آتي ابن عباس، وقريش حوله، فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير، فتغامزت قريش، ففطن بهم ابن عباس فقال: هكذا العلم يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرة. قال: ثم أنشد محمد بن الحارث في إثره:
стр. 2919
رأيت رفيع الناس من كان عالماً ... وإن لم يكن في قسومه بحسيب
إذا حل أرضاً عاش فيها بعلمه ... وما عالم في بلدة بغريب
قال أبو العالية: كان ابن العباس يعلمنا اللحن يعني الإعراب لأن به يجتنب اللحن.
قال مهاجر مولى ثقيف: كان أبو العالية جاراً لي، وكان يقول لي: سلني واكتب مني قبل أن تلتمس العلم عند غيري فلا تجده.
وكان أبو العالية يقول: ما أدري أي النعمتين علي أفضل: نعمة أن هداني الله للإسلام؛ ونعمة إذ لم يجعلني حرورياً؛ فقد أنعم الله علي نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: أن هداني للإسلام، ثم لم يجعلني حرورياً.
وقال أبو العالية: نعمتان عظيمتان أعتد لنا، لا أدري أيتهما أفضل: إذ أنقذني من الشرك أو إذ عافاني من أن أكون من أهل هذه البدع.
وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " " إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ".
قال شعيب بن الحبحاب: حابيت أبا العالية في ثوب، فأبى أن يشتريه مني، قال: أول ما جرى بيني وبينه أنه جاء إلى السوق، فطلب ثوباً بضاعة كانت عنده، فأتاني، فأخرجت له ثوباً صالحاً وأخذت
стр. 2920
الدراهم، قال: فذهب فأراه فقالوا: هذا خير من دراهمك؛ قال: فجاء فقال: رد علينا دراهمنا بارك الله فيك، فرددت عليه الدراهم وأخذت الثوب.
قال حماد بن سلمة: أراد أبو العالية سفراً، فسمع رجلاً يقول: يا متوكل؛ فأقام.
حكى أبو عبد الله بن خفيف، عن أبي العالية قال: وقع في رجله الإكلة فقالوا تحتاج تقطع، فأبى عليهم، فارتفع إلى ساقه، فقيل له: إن لم تقطعه ارتفع إلى فخذك ومت فتكون قاتل نفسك، فقال: إن كان ولابد فأحضروا لي قارئاً، فإذا رأيتموني قد احمر لوني وحددت بصري فافعلوا ما بدا لكم. فأحضر له قارئ فقرأ، فحدد بصره واحمر لونه، فقاموا فوضعوا على رجله المنشار فقطعوه وهو على حاله؛ فلما أفاق سألوه: هل ألمت؟ فقال: شغلني برد محبة الله عن حرارة سكينه؛ ثم أخذ رجله فقال: إن سألني الله يوم القيامة: هل مشيت بها منذ أربعين سنةً في شيء لم أرضه؟ لقلت: لا، وأنا صادق.
وعن أبي العالية قال: سيأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن وتبلى كما تبلى ثيابهم، ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا ما نهوا عنه قالوا: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " أمرهم كله طمع ليس معه خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم الماهن.
قال أبو العالية: لما كان زمن علي ومعاوية وإني لشاب، القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يرى طرفاهما، إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء، وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء؛ قال: فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافراً، وأي الفريقين أنزله مؤمناً، أو من أكرهني على هذا؟ فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم.
стр. 2921
وفي رواية: فتلوت " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم " قال: فرجعت وتركتهم.
قال أبو خلدة سمعت أبا العالية يقول: حدثوا القوم ما حملوا، قال: قلت: ما معنى ما حملوا؟ قال: ما نشطوا. وكان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام.
دفع أنس بن مالك إلى أبي العالية تفاحةً كانت في يده، فجعل يقلبها ويقول: تفاحة مستها كف مستها كف رسول الله ﷺ .
قال أبو العالية: ما مسست ذكري منذ ستين سنة أو سبعين سنةً بيميني.
قال مغيرة: أول من أذن وراء نهر بلخ أبو العالية، لما قطعوا النهر تغفل الناس فأذن.
قال عاصم بن الأحول: سمعت أبا العالية يقول: أنتم أكثر صياماً وصلاةً ممن كان قبلكم، ولكن الكذب قد جرى على ألسنتكم.
وعن ثابت قال: قال رفيع أبو العالية: إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين نعمتين: نعمة يحمد الله عليها؛ وذنب يستغفر الله منه.
وكان أبو العالية إذا دخل عليه أصحابه يرحب بهم ثم يقرأ: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " الآية.
وعن أبي العالية قال: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتابه: " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " ومن توكل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: " ومن
стр. 2922
يتوكل على الله فهو حسبه " ومن أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له " ومن استجاره من عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله " واعتصموا بحبل الله جميعاً " والاعتصام الثقة بالله، ومن دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ".
قال عاصم: قال لي ابن سيرين: لا تحدثني عن أبي العالية والحسن، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا يعني لسلامتهما وحسن ظنهما بالناس.
قال أبو خلدة: كان كفن أبي العالية عند بكر بن عبد الله قميصاً مكفوفاً مزروراً، وكان يلبسه كل ليلة أربع وعشرين، ومن الغد من رمضان، ثم يرده.
توفي أبو العالية سنة تسعين، وقيل سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة ست ومئة، وقيل: سنة إحدى عشرة ومئة، وقيل: سنة اثنتين ومئة.
ركن بن عبد الله بن سعد
أبو عبد الله ربيب مكحول حدث عن مكحول عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش، شافع ومشفع، من لم يبلغ اثنتي عشرة سنة، ومن بلغ ثلاث عشرة سنة فعليه وله.
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ".
стр. 2923
وبه قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يتوضأ للصلاة ثم يقبل أهله ويلاعبها، ينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا ".
وحدث ركن عن مكحول الشامي عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن مشى معه أكثر من ميل يوصيه، فقال: يا معاذ، أوصيك بتقوى الله العظيم، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وخفض الجناح، ولين الكلام، ورحمة اليتيم، والتفقه في الدين، والجزع من الحساب، وحب الآخرة. يا معاذ، ولا تفسدن أرضاً، ولا تشتمن مسلماً، ولا تصدق كاذباً، ولا تكذب صادقاً، ولا تبغض إماماً عادلاً. يا معاذ، أوصيك بذكر الله يعني عند كل حجر وشجر وأن تحدث لكل ذنب توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية. يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لها. يا معاذ، إني لو أعلم أنا نلتقي إلى يوم القيامة لأقصرت لك من الوصية، يا معاذ، إن أحبكم إلي من لقيني يوم القيامة على مثل الحالة التي فارقني عليها وكتب له في عهده أن لا طلاق لامرئ فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا نذر في معصية، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم؛ وعلى أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر؛ وعلى أن لا تمس القرآن إلا طاهراً؛ وأنك إذا أتيت اليمن يسألك نصاراها عن مفتاح الجنة فقل مفتاح الجنة لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
قوله: معافر يريد ثياباً معافرية.
وقيل: كان ركن ابن امرأة مكحول، وكان يقول: حدثني بعد أمي مكحول. وكان ركن متروك الحديث، ليس بشيء.
стр. 2924
رواد بن الجراح أبو عصام العسقلاني
حدث عن مالك بن أنس بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " السفر قطعة من العذاب، يمنع الرجل نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله ".
وحدث بسنده عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، والمثاني مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل ".
حدث رواد بن الجراح عن سفيان عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " خيركم في المئتين كل خفيف الحاذ. قيل: يا رسول الله وما الخفيف الحاذ؟ قال: الذي لا أهل له ولا ولد. قال موسى: قال أبي: قال العباس: فتكلم الناس في هذا الحديث، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا سفيان، حدثنا منصور، حدثنا ربعي عن حذيفة، عنك أنك قلت: خيركم في المئتين كل خفيف الحاذ، فقال النبي ﷺ : صدق رواد بن الجراح، وصدق سفيان، وصدق منصور، وصدق ربعي، وصدق حذيفة؛ أنا قلت: خيركم في المئتين كل خفيف الحاذ.
رؤبة بن العجاج
واسمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن عميرة ابن حني بن ربيعة بن سعد بن مالك بن زيد مناة بن تميم أبو الجحاف، ويقال: أبو العجاج التميمي الراجز المشهور، مخضرم، وفي نسبه اختلاف.
حدث رؤبة بن العجاج عن أبيه قال: سألت أبا هريرة فقلت: يا أبا هريرة؛ ما تقول في هذا:
стр. 2925
طاف الخيالان فهاجا سقما ... خيال تكنى وخيال تكتما
قامت تريك رهبةً أن تصرما ... ساقاً بخنداةً وكعباً أدرما؟
فقال أبو هريرة: كان يحدى بنحو هذا أو مثل هذا مع رسول الله ﷺ ولا يعيبه. البخنداة: الصموت التي يعض عليها الخلخال.
قال الأصمعي: إن أعرابياً لقي رؤبة بن العجاج فقال: ما اسمك؟ قال: رؤبة مهموزة فقال الأعرابي: والله لولا أنك همزت نفسك لنخستك.
دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن عبد الملك وقد جلس الصحابة وهيأ الجوائز فقال:
خرجت بين قمر وشمس ... بين ابن مروان وعبد شمس
يا خير نفس خرجت من نفس فقال له عمر بن عبد العزيز وهو جالس إلى جنب سليمان: كذبت! ذاك رسول الله ﷺ .
قال رؤبة بن العجاج: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك، وأتي بأسرى من أسرى الروم، فظهر الناس فجلسوا على مراتبهم، وأمر بالأسرى فأحضروا، فدفع إلى كل رجل أسيراً ليضرب عنقه، فكان أول من دفع إليه أسير عبد الله بن حسن بن حسن، فضرب عنق أسيره، ثم فعل ذلك بالناس على قدر مراتبهم، فلم يبق إلا الشعراء، فدفع إلى جرير أسيراً ليضرب عنقه، ودست إليه بنو عبس سيفاً هذاماً، لا يليق شيئاً، فضرب عنق أسيره،
стр. 2926
فكأنما قد به عنصلة، ودفع إلى الفرزدق أسيراً، ودست إليه بنو عبس سيفاً كليلاً، فضرب عنق أسيره فلم يحصص منه شعرة، فضحك سليمان والناس، وألقى السيف وعلم أنه قد كيد. وقال جرير:
بسيف أبي رعوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا: محدث غير صارم
فقال الفرزدق:
لا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل العمائم
وهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... غنىً عن كليب أو أباً مثل دارم؟
قال رؤبة بن العجاج: أتيت النسابة البكري فقال لي: من أنت؟ قلت: ابن العجاج، قال: قصرت وعرفت، لعلك كأقوام يأتوني، إن سكت عنهم لم يسألوني، وإن حدثتهم لم يعوا عني؟ قلت: أرجو أن لا أكون كذلك، قال: فما أعداء المروءة؟ قلت: تخبرني، قال: بنو عم السوء، إن رأوا صالحاً دفنوه، وإن رأوا شراً أذاعوه، قال: ثم قال: إن للعلم آفةً ونكداً وهجنةً، فآفته نسيانه، ونكده الكذب فيه، وهجنته نشره في غير أهله. قال: ثم وضع يده على صدره فقال: ترون تابوتي هذا، ما جعلت فيه شيئاً قط إلا أداه إلي.
دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن علي بالشبكة، فقال له سليمان: ما عندك للنساء يا أبا الجحاف؟ فقال: أجده يمثد ولا يشتد، وأرده فيرتد، وأستعين عليه أحياناً باليد، ثم أورده فأقضب، فشكا سليمان نحواً من ذلك، فقال رؤبة: بأبي أنت، ليس ذلك عن السن، إنما ذلك لطول الرغاث.
стр. 2927
يريد لكثرة ما تمصك النساء. وقوله: أورد فأقضب: هو من الإقضاب، يقال: قضبت الإبل فهي قاضبة: إذا وردت فلم تشرب، وأقضب الرجل: إذا لم تشرب إبله. ضرب ذلك مثلاً لنفسه، يريد إذا باشر لم يقدر على النكاح.
مات رؤبة في أيام المنصور سنة خمس وأربعين ومئة.
روح بن جناح أبو سعد
ويقال أبو سعيد أخو مروان بن جناح مولى الوليد بن عبد الملك.
حدث عن عبد الملك بن حسين النخعي بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصبنا سبي أوطاس وهو سبي حنين فأردنا أن نتمتع بهن، وقد كان بأيدي الناس منهم سبايا، فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فسكت ثم قال: استبرئوهن بحيضة.
حدث روح بن جناح عن مجاهد قال: بينا نحن جلوس أصحاب ابن عباس: عطاء وطاوس وعكرمة إذ جاء رجل وابن عباس قائم يصلي، فقال: هل من مفت؟ فقلنا: سل، فقال: إني كلما بلت تبعه الماء الدافق، فقلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم، فقلنا: عليك الغسل، فولى الرجل وهو يرجع، وعجل ابن عباس في صلاته، فلما سلم قال: يا عكرمة، علي بالرجل، فأتاه به، ثم أقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل عن كتاب الله؟ قلنا: لا، قال: فعن سنة رسول الله ﷺ ؟ قلنا: ولا، قال: فعن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قلنا: ولا، فقال ابن عباس: فعن من؟ قلنا: عن رأينا، فقال: كذلك يقول رسول الله ﷺ : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ثم أقبل على الرجل فقال: أرأيت إذا كان منك هل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، فقال: إنما هذا أبرده، يجزئك منه الوضوء.
стр. 2928
روح بن حاتم بن قبيصة
ابن المهلب، أبو خلف، ويقال أبو حاتم الأزدي كان من وجوه دولة المنصور، قدم معه دمشق، وولاه إفريقية؛ وولي روح البصرة والكوفة للمهدي.
قال روح بن حاتم: بينا أنا واقف على باب بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان على بغلة له فقال لي: يا روح، ما هجرت ولا ظهرت على باب أحد من الولاة إلا وأنا أراك عليه، أكل هذا حباً للدنيا وحرصاً عليها؟ قال: فأجللته أن أجيبه ثم قلت: إنما هذا مثل العم، ولعله أراد الجواب مني فقلت: والله يا عم لحسبك برؤيتك إياي عليها طلباً منك لها، فضحك ثم قال: لئن قلت ذاك يابن أخ لقد ذهب رونق الوجوه، وخمار القلب، وحسام الصلب، وسناء البصر، ومدى الصوت، وماء الشباب، واقترب عهاد العلل، والله ما أتت علينا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، ثم لا تزداد لنا إلا تخلياً وعنا إلا تولياً؛ ثم ضرب دابته وذهب.
قال روح بن حاتم: ما كنت أظن أن أحداً أشد عصبيةً مني، فبينا أنا أطوف حول البيت إذا أنا برجل يدعو يقول: اللهم اغفر لي ولأبي، فقلت: يا هذا، لو قلت: اللهم اغفر لي ولوالدي! قال: إن أمي من بني تميم، فأنا أحب أن لا يغفر الله لها.
بعث روح بن حاتم إلى كاتب له ثلاثين ألف درهم وكتب إليه: قد بعثت بها إليك، ولا أقللها تكبراً ولا أكثرها تمنناُ، ولا أطلب عليها ثناءً ولا أقطع بها عنك رجاءً.
كان أبو دلامة الشاعر في جيش والأمير فيه روح بن حاتم، فواقف روح العدو يوماً، فخرج رجل من العدو يدعو للبراز، فالتفت روح كالمعاتب إلى أبي دلامة فقال: اخرج إلى هذا الرجل، فسكت أبو دلامة قليلاً، ثم أنشأ يقول:
إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فتشقى بي بنو أسد
стр. 2929
إن الدنو إلى الأعداء أعرفه ... مما يفرق بين الروح والجسد
إن المهلب حب الموت ورثكم ... ولم أرث نجدةً في الموت عن أحد
فضحك روح، وخرج إلى الرجل فقتله وانصرف.
وفي سنة أربع وسبعين ومئة أو خمس وسبعين توفي روح بن حاتم.
روح بن حبيب التغلبي
أدرك عصر سيدنا رسول الله ﷺ وروى عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: بينا أنا عند أبي بكر إذ أتي بغراب، فلما رآه بجناحين حمد الله ثم قال: قال النبي ﷺ : ما صيد مصيد إلا بنقص من تسبيح، إلا أنبت الله نابه، وإلا وكل ملكاً يحصي تسبيحها حتى تأتي به يوم القيامة؛ ولا عضد من شجرة وشيجة يعني شجرة تقطع إلا بنقص في تسبيح، ولا دخل على امرئ مكروه إلا بذنب، وما عفا الله عنه أكثر. يا غراب أو غريبة، اعبد الله. ثم خلى سبيله.
روح بن زنباع بن سلامة
ابن حداد بن حديدة بن أمية بن امرئ القيس بن جمانة بن وائل بن مالك بن زيد مناة ابن أفصى بن سعد بن إياس بن أفصى بن حرام بن جذام وهو عمرو بن عدي ابن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبأ، أبو زرعة ويقال: أبو زنباع الجذامي الفلسطيني لأبيه زنباع صحبة، أرسل عن النبي ﷺ ، وحدث عن أبيه وغيره؛ وكان له اختصاص بعبد الملك بن مروان لا يكاد يغيب عنه؛ ودخل دمشق غير مرة. وأمره يزيد بن معاوية على جند فلسطين. وشهد مرج راهط مع مروان.
стр. 2930
حدث روح بن زنباع أن النبي ﷺ قال: " الإيمان يمان حتى جبال جذام، وبارك الله في جذام. قال بكر: فقال له مسعود: كان النبي ﷺ يحبهم.
وعن شرحبيل بن مسلم قال: زار روح بن زنباع تميماً الداري فوجده ينقي شعيراً لفرسه، وحوله أهله، فقال: أما كان في هؤلاء من يكفيك؟ قال تميم: بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلقه عليه إلا كتب له بكل حبة حسنةً.
وعن روح بن زنباع الجذامي أنه أتى تميماً أبا رقية في رهط، فوافاه على باب داره بين يديه غربال فيه شعير ينقيه لفرسه، فقال روح: أبا رقية! لو كفاك بعض أعوانك، فقال: لا، إني أريد الخير لنفسي، إني سمعت من أم المؤمنين يعني عائشة تقول: خرجت فإذا أنا برسول الله ﷺ يمسح بردائه عن ظهر فرسه. قالت: فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، أبثوبك تمسح عن فرسك؟! قال: نعم يا عائشة، وما يدريك لعل ربي أمرني بذلك، مع أني لقد بت وإن الملائكة لتعاتبني في حس الخيل ومسحها. فقلت له: يا نبي الله، فولنيه فأكون أنا التي ألي القيام عليه، فقال: إني لا أفعل، لقد أخبرني خليلي جبريل ﵇ أن ربي يكتب لي بكل حبة أوافيه بها حسنة، وأن ربي يحط عني بكل حبة يوافيه بها حسنة، ويحط عنه بكل حبة سيئة.
قال شعبة بن الحجاج: لما هم معاوية بن أبي سفيان بقتل روح بن زنباع قال: لا تشمت بي عدواً أنت وقمته، ولا تسؤ في صديقاً أنت سررته، ولا تهدم مني ركناً أنت بنيته، فصفح عنه وأطلقه.
стр. 2931
قال أبو معشر: لما مات معاوية بن يزيد بايع أهل الشام كلهم لابن الزبير إلا أهل الأردن. فلما رأى ذلك رؤوس بني أمية وناس من أهل الشام من أشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي، قال بعضهم لبعض: إن الملك كان فينا أهل الشام، فينتقل ذلك إلى الحجاز! لا نرضى بذلك.
كتب عبد الملك إلى روح بن زنباع: كيف تقول إذا تخوفنا الصواعق؟ قال: تقولون: اللهم، إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوب إليك. ثلاثاً.
وأرسل عبد الملك إلى روح بن زنباع: كيف تقول إذا قحطت السماء؟ قال: تقولون: اللهم، الذنب الذي حبست عنا به المطر، فإنا نستغفرك منه فاغفر لنا واسقنا الغيث. ثلاث مرات.
دخل روح بن زنباع على عبد الملك وعنده الوليد ابنه، وكان روح ذا مكانة عند عبد الملك، فقال يا أمير المؤمنين أعدني على الوليد، فقال: مالك وله؟ قال: شكوت إليه عبيده في ضيعتي الفلانية التي تجاور ضيعته الفلانية فلم يشكني، فقال الوليد: أسرعت خيلك يا أبا زرعة! قال: نعم، مرتين يا بن أخي، مرة بصفين، ومرة بمرج راهط، وقام مغضباً؛ فقال عبد الملك للوليد: اركب إليه وهب له الضيعة بما فيها من عبيدها وأكرتها. فلم يسمعه روح حتى قيل له: الوليد بالباب، فخرج إليه، فاعتذر ووهب له الضيعة وما فيها ورجع إلى عبد الملك فأخبره بذلك.
قال الوليد بن أبي عون: كان روح بن زنباع إذا دخل الحمام فخرج منه أعتق رقبة.
حدث الشافعي قال: قال هشام بن عبد الملك لما مات روح بن زنباع، قال لبعض الناس: كيف كان روح؟ ثم قال: قال روح: والله ما أردت باباً من أبواب الخير إلا تيسر لي، ولا أردت باباً من أبواب الشر إلا لم يتيسر لي.
مات روح بن زنباع سنة أربع وثمانين.
стр. 2932
روح بن الهيثم الغساني
حدث عن محمد بن عمر القرشي قال: لما هدم الوليد بن عبد الملك الكنيسة التي في مغارب المسجد، وجد في أساسه حجراً مكتوباً بالعبرانية، فأتوا الوليد بن عبد الملك فقالوا: وجدنا في أساس الحائط حجراً فيه كتاب لا ندري بأي لسان! فجمع أهل الكتب فلم يجد أحداً يقرؤه، فقال له رجل من اليهود: ابعث إلى وهب بن منبه اليماني، فإنه يقرأ كل كتاب؛ فأرسل إليه، فقام إلى الحجر فقرأه، ثم بكى بكاءً شديداً، ثم دخل على الوليد بن عبد الملك فقال: ويحك يا وهب! لقد بكيت من شيء عظيم، فقال: لقد رأيت في هذا الحجر عظةً لمن اتعظ، وعبرةً لمن اعتبر؛ قال: وما رأيت؟ قال: رأيت: يا بن آدم، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو به من أملك، وإنما يكفي ندمك إن زلت قدمك، وأسلمك أهلك وجسمك، وفارقك الحبيب، وودعك القريب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في عملك بزائد؛ فاحتل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة.
رومان مؤدب ولد عبد الملك ابن مروان
قال رومان: كتب إلي عبد الملك بكلمات يأمرني أن أحدثهن ولده، فقال: مرهم بإحراز ما أقبل قبل إدباره؛ والتعزي عن المدبر بعد تعذيره؛ وكتمان ما في النفس دون الخلصان؛ ومؤازرة الثقة من الإخوان؛ وتوقع انتقاض الإخوان؛ وقلة التعجب من غدر الخلان.
стр. 2933
رياح بن عبيدة الباهلي مولاهم
كان في صحابة عمر بن عبد العزيز بالمدينة، ثم خرج إلى الشام فكان معه.
حدث رياح بن عبيدة عن أسيد بن عبد الرحمن أخي عبد الحميد وهو ابن سودة عن عبد الله بن عمر قال: لبست ثوباً جديداً، فأتيت على رسول الله ﷺ وهو قاعد عند حجرة حفصة، في ليلة مظلمة، فسمع قعقعة الثوب فقال: من هذا؟ قلت: عبد الله بن عمر، قال: ارفع ثوبك قلت: يا رسول الله، إنه مرتفع، قال: ارفع ثوبك فإن الذي تجرونه خيلاء، لا ينظر الله إليه. وكان إزاري تلك الليلة إلى نصف الساق.
وعن رياح بن عبيدة أن أبان بن عثمان حدث عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب كان لا يورث الحملاء.
وعن رياح بن عبيدة في قوله : " سابقوا إلى مغفرة من ربكم " قال: التكبيرة الأولى والصف الأول.
قال رياح بن عبيدة: كنت قاعداً عند عمر بن عبد العزيز، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر: مهلاً يا رياح، إنه بلغني أن الرجل يظلم يالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويتنقصه حتى يستوفي حقه، ويكون للظالم الفضل عليه.
стр. 2934
رياح بن عثمان بن حيان
ابن معبد بن شداد بن نعمان بن رياح بن أسعد بن ربيعة بن عامر بن مالك ابن يربوع بت غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض ابن ريث بن غطفان المري ولي إمرة دمشق لصالح بن علي الهاشمي أمير الشام ومصر من قبل المنصور. ثم ولي إمرة المدينة للمنصور.
حدث رياح بن عثمان وكان على المدينة قال: ما قدم علينا بريد لعمر بن عبد العزيز بالشام إلا بإحياء سنة أو قسم مال أو أمر فيه خير.
أتي عمر بن عبد العزيز بغلمة من أولاد المهالية لم يبلغوا الحنث، وعنده رجاء بن حيوة الكندي، ورياح بن عثمان المري، فقال عمر: يا رياح، ما تقول في هؤلاء الغلمة؟ قال: أقول ما قال نوح: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا " قال: فلم يوافقه ما قال، والتفت إلى رجاء بن حيوة فقال: ما تقول في هؤلاء الغلمة يا رجاء؟ قال: وما سبيلك على هؤلاء الغلمة، لم يبلغوا الحنث، ولم تجب عليهم الأحكام. فأخذ بقول رجاء وخلى سبيلهم. فلما خرج رجاء ورياح من عند عمر قال رياح: يا رجاء بن حيوة، إن لله رجالاً خلقهم للشر وهو منهم، وخلق رجالاً للخير وأنت منهم.
قال موسى بن عبد العزيز: لما أراد أبو جعفر عزل محمد بن خالد بن عبد الله القسري عن المدينة ركب ذات يوم. فلما خرج من بيته استقبله يزيد بن أسيد السلمي، فدعاه فسايره ثم قال: أما تدلني على فتىً من قيس مقل أغنيه وأشرفه وأمكنه من سيد اليمن يلعب به؟ يعني ابن القسري
стр. 2935
قال: بلى، قد وجدته يا أمير المؤمنين، قال: من هو؟ قال: رياح بن عثمان المري، قال: فلا تذكرن هذا لأحد. ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال، فهيئت للمسير. فلما انصرف من صلاة العتمة دعا برياح، فذكر له ما يلاقي من غش زياد وابن القسري في ابني عبد الله، وولاه المدينة، وأمره بالمسير من سلعته قبل أن يصل إلى منزله، وأمره بالجد في طلبهما؛ فخرج مسرعاً حتى قدمها في رمضان سنة أربع وأربعين ومئة.
وفي حديث: أن رياحاً لما دخل دار مروان وعبد الله يعني ابن حسن بن حسن محبوس في قبة الدار التي على الطريق إلى المقصورة، حبسه فيها زياد بن عبيد الله، قال لأبي البختري: خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ، فأقبل متكئاً علي حتى وقف على عبد الله بن حسن، فقال: أيها الشيخ، إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا ليد سلفت إليه، والله لا لعبت بي كما لعبت بزياد وابن القسري، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم. قال: فرفع إليه رأسه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس، المذبوح فيها كما تذبح الشاة. قال أبو البختري: فانصرف رياح آخذاً بيدي أجد برد يده، وإن رجليه لتخطان مما كلمه. قال: قلت: إن هذا ما اطلع على الغيب، قال: إيهاً ويلك! فوالله ما قال إلا ما سمع، قال: فذبح والله ذبح الشاة.
قال الحارث بن إسحاق: ذبح إبراهيم بن مصعب المعروف بابن خضير رياحاً ولم يجهز عليه، فجعل بضرب برأسه الجدار حتى مات، وقتل معه أخاه عباس بن عثمان وكان مستقيم الطريقة، فعاب الناس ذلك عليه. ثم مضى إلى ابن القسري وهو محبوس فنذر به، فردم بابي الدار دونه فعالج البابين، فاجتمع من في الحبس فشدوهما ولم يقدر عليهم، فرجع إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل.
стр. 2936
رياح بن الفرج الدمشقي
حدث عن زيد بن يحيى بن عبيد بسنده عن أم الدرداء أن أبا الدرداء كان إذا رأى الميت قد مات على حال صالحة قال: هنيئاً له، ليتني بدلك. فقالت له أم الدرداء: لم تقول ذلك؟ فقال: هل تعلمين يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي منافقاً؟ فقالت: وكيف؟ قال: يسلب إيمانه ولا يشعر، لأنا لهذا الموت أغبط مني لهذا بالبقاء في الصلاة والصيام.
ريان بن عبد الله أبو راشد
الأسود الخادم، مولى سليمان بن جابر روى عن عمارة بن وثيمة بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأعمال أيها أفضل؟ قال: إقامة الصلاة، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله.
ريان بن عبد الله
حدث ريان بن عبد الله بصيدا عن أبي محمد أحمد بن محمد بن الحجاج المرعشي بسنده عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: يا أحمد، إن أهل الطاعة ليس بالطاعة سعدوا، ولكن بالسعادة أطاعوا، وإن أهل المعاصي ليس بالمعاصي شقوا، ولكن بالشقوة عصوا.
стр. 2937
أسماء النساء على حرف الراء
رابعة بنت إسماعيل
من المتعبدات. كانت زوج أحمد بن أبي الحواري، وكانت هي خطبت أحمد، فكره ذلك لما كان فيه من العبادة، وقال لها: ليس لي همة في النساء لشغلي بحالي، فقالت: إني لأشغل بحالي منك، وما لي شهوة، ولكني ورثت مالاً جزيلاً من زوجي فأردت أن أنفقه على إخوانك وأعرف بك الصالحين فتكون لي طريقاً إلى الله. فقال: حتى أستأذن أستاذي، قال: فرجعت إلى أبي سليمان وكان ينهاني عن التزويج ويقول: ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير. فلما سمع كلامها قال: تزوج بها فإنها ولية لله، هذا كلام الصديقين. قال: فتزوجها. قال: وتزوجت عليها ثلاث نسوة، فكانت تطعمني الطيبات وتطيبني وتقول: اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك. وكانت تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل البصرة.
قال سري السقطي: أتيت دمشق فسألت عن أحمد بن أبي الحواري فأرشدوني إليه في المسجد، فقلت: يا أحمد، عظني وأوجز، فقال: ما أحسن، قلت: فأرشدوني إلى من يحسن، قال: صر إلى المنزل فإن أهلي تحسن يعني زوجته فمضيت في طريقي فلقيت راهباً كبيراً يتبعه راهب صغير، فقلت للصغير: لم تتبع هذا؟ قال: هو
стр. 2938
طبيبي يسقيني الدواء، فردد عليه من كلامه شيئاً لا أعقله؛ فجئت إلى منزل أحمد بن أبي الحواري فقرعت الباب، فكلمتني امرأة من وراء حجاب فقلت: إني أتيت أحمد فقلت: عظني فقال: ما أحسن، فقلت: أرشدني إلى من يحسن، فقال: صر إلى المنزل فإن أهلي هي تحسن، فمضيت في طريقي فإذا براهب كبير يتبعه راهب صغير، فقلت للصغير: لم تتبع هذا؟ قال: هو طبيبي يسقيني الدواء، فورد علي من كلامه شيء لا أعقله. فقالت: يا ليت شعري! أي الدواءين يسقيه دواء الإفاقة أم دواء الراحة؟ قلت: رحمك الله، وما دواء الإفاقة وما دواء الراحة؟ قالت: أما دواء الإفاقة فالكف عن محارم الله، وأما دواء الراحة فالرضى عن الله في جميع الأمور كلها. ثم كلمتني بكلمة لا تخرج من رأسي أبداً، قلت: وما هي رحمك الله؟ قال: قالت: أما علمت أن العبد إذا أخلص بعمله لله ، أطلعه الجليل على مساوئ عمله، فاشتغل بها عن جميع خلقه. قلت: بسي.
قالت رابعة: قالت لي راهبة: إن أردت أن يطهر قلبك ويزكو بدنك فأريدي الله بصومك وصلاتك، ولا تريدي بهما قضاء الحوائج منه.
قال أحمد: فحدثت به أبا سليمان فقال لي: ما هذا كلام راهبة ولا كلامها، هذا كلام الأنبياء.
قال أحمد بن أبي الحواري: لقيت راهباً بالأردن فقلت: ما اسمك؟ قال: يوسف، قلت: إلى أين؟ قال: إلى ذاك الدير، قلت: ما تقول في الزهد؟ قال: وما الزهد؟! إذا وقع في يميني شيء أخرجته بشمالي في الوقت، قلت: ما تحبس لنفسك شيئاً؟ قال: لا، إذا جاع أو عطش سبح فشبع وروي، ومضى وتركني؛ فالتفت فإذا أنا بامرأة تقول: يا فتى، ما كان فيما جاء به محمد ﷺ كفاية حتى تسأل الراهب؟ فسألت عنها، فإذا هي رابعة امرأة أحمد بن أبي الحواري.
قال أحمد بن أبي الحواري: جئت إلى البيت وأنا متفكر فقالت لي امرأتي رابعة: لم تتفكر؟ قال: قلت: رأيت شيخاً راهباً ووراءه غلام حدث ذاهب، فقلت للغلام: لم تتبع هذا؟ قال: يسقيني الدواء، فقالت لي رابعة: فماذا قلت له؟ قال: قلت: ما قلت له شيئاً، قالت: فألا قلت له: دواء الخوف أو دواء المحبة؟
стр. 2939
قال أحمد بن أبي الحواري: جلست آكل، وجعلت رابعة تذكرني، قلت لها: دعينا تهنينا بطعامنا، قالت: ليس أنت ولا أنا ممن يتنغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة.
وقال أحمد: سمعت رابعة تقول: ما رأيت ثلجاُ قط إلا ذكرت تطاير الصحف، ولا رأيت جراداً قط إلا ذكرت الحشر، ولا سمعت أذاناً قط إلا ذكرت منادي القيامة.
قال: وقلت لنفسي: كوني في الدنيا بمنزلة المطر الواقع حتى يأتيك قضاؤه.
قال أحمد: قلت لرابعة وهي امرأتي وقامت بالليل: قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأيت من يقوم في أول الليل! فقالت: سبحان الله! مثلك يتكلم بمثل هذا! إنما أقوم إذا نوديت.
قال أحمد بن الحواري: كان لرابعة أحوال شتى، فمرة غلب عليها الحب، ومرة غلب عليها الأنس، ومرة غلب عليها الخوف؛ فسمعتها في حال الحب تقول:
حبيب ليس يعدله حبيب ... ولا لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن بصري وشخصي ... وفي قلبي حبيب لا يغيب
وسمعتها في حال الأنس تقول:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
стр. 2940
وسمعتها في حال الخوف تقول:
زادي قليل ما أراه مبلغي ... فللزاد أبكي أم لبعد مسافتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك أين مخافتي؟
قال أبو دجانة: كانت رابعة إذا غلب عليها الحب تقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع
رباب بنت امرئ القيس
ابن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبية زوج الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وأم ابنته سكينة، كانت فيمن قدم به من آل الحسين دمشق بعد قتله على يزيد؛ وذكرها الحسين ﵁ في شعر له.
قال عوف بن خارجة: إني عند عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته إذ أقبل رجل أصعر يتخطى رقاب الناس حتى قام بين يدي عمر، فحياه تحية الخلافة، فقال عمر: ما أنت؟ فقال: امرؤ نصراني، وأنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي، فلم يعرفه عمر، فقال له رجل من القوم: هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهلية يوم فلج، فما تريد؟ قال: أريد الإسلام، فعرض عليه، فقبله ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم من قضاعة. قال: فأدبر الشيخ واللواء يهتز على رأسه. قال عوف بن خارجة: ما رأيت رجلاً لم يصل سجدةً
стр. 2941
أمر على جماعة من المسلمين قبله. قال: ونهض علي بن أبي طالب ومعه أبناء الحسن والحسين ﵃ من المجلس حتى أدركه، فأخذ برأسه فقال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وهذان ابناي من ابنته، وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا، قال: قد أنكحتك يا علي المحياة بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسن سلمى بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسين الرباب بنت امرئ القيس.
وهي التي يقول فيها الحسين ﵁:
لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل بعد مالي ... وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً ... حياتي أو يغيبني التراب
وهي التي أقامت على قبر الحسين ﵁ حولاً ثم قالت:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
وسكينة اسمها آمنه أو أميمة، وإنما سكينة لقب لقبتها أمها الرباب بنت امرئ القيس.
ولما توفي الحسين خطبت الرباب وألح عليها فقالت: ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله ﷺ فلم تزوج، وعاشت بعده سنةً لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً. وكانت من أجمل النساء وأعقلهن.
وقيل: إنها ماتت في زمن الحسين.
стр. 2942
رحمة بنت أفراييم بن يوسف
ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ويقال: رحمة بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب زوج أيوب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. كانت مع زوجها أيوب بأرض البثنية.
لما شط إبليس على أيوب لم يسلط على زوجه ولا على عينيه ولا قلبه ولا لسانه، فكان قلبه للشكر، ولسانه للذكر، وعيناه ينظر بهما إلى السماء. فلما أصابه الجدري جاءت امرأته حتى جلست بين يديه وكانت امرأته رحمة بنت ميشا بن يوسف، وكانت أم ميشا ازليخا امرأة يوسف، وكان قبل يوسف امرأة فوطرقير العزيز الذي كان اشترى يوسف فلما جاءت امرأته إليه فجلست، وجاء إبليس فجلس معها إلى أيوب، فقالت رحمة: يا أيوب، قد هلك الولد وهي تبكي، فجثا إبليس كأنه حاضن ولده، ينوح على ولده وعلى أيوب، يقول: يا أيوب، قد صبرنا على ذهاب المال فكيف بالولد، وكيف لو رأيت حين رضخوا بالحجارة، وكيف تفلقت الهام منهم، وكيف سال الدماغ من مناخرهم، وكيف رضت عظامهم، وكيف تناثرت أحداقهم؛ يا أيوب، فكيف بالصبر بعد هؤلاء على ما نرى بك من هذا البلاء؟ قال: فالتفت إليهما فقال: أما الولد فالله كان أرحم بهم مني ومنك أيتها المرأة يعني امرأته وأما المال، فكان عارية أعارنيه ربي توسعت فيه ما دام عندي، ثم قبضه، فله الحمد؛ وأما أنت يا أيها المتكلف، فما بكاؤك ونوحك؟! اذهب عني، فإني قد رضيت بقضاء ربي وسلمت لأمره. ثم قال لامرأته: يا هذه، دعيني عنك من جزعك، والزمي الصبر، قالت: يا سيدي، أصبر معك في الضيق والبلاء والشدة، كما صبرت في الرخاء والنعيم.
وكذلك كان السلف من آبائنا، إذا ابتلوا صبروا. قال: فانصرف إبليس خائباً
стр. 2943
منكسراً؛ قال: وتساقط جلد أيوب وتناثر لحمه، وجرى الدود بين الجلد والعظم، وانقطع عنه ما كان فيه من نعيم الدنيا، فكانت امرأته تتصدق الكسرة واللقمة فتطعمه إياه، وتطحن للناس بيدها وتأخذ بأجرها طعاماً؛ فلم تزل على ذلك لا يغيرها عن حالها لأيوب من طول البلاء.
فجعل إبليس يجمع المردة من أصحابه، ويطوف المشارق والمغارب يطلب المكيدة لأيوب، لا يقدر على شيء يعلم أنه يصل إلى مكايدته إلا أتاه، حتى أعياه ذلك؛ فأتاه من قبل النصيحة والطب، فجعل يختلف إليه في صورة رجل مسافر يعرض عليه أنواع المعاصي بسبب الطب، فلا يجيبه أيوب إلى شيء، فانطلق الخبيث إلى ثلاثة إخوة لأيوب كانوا مصافين له، يحبونه في الله، فقال لهم: هل تعلمون ما نزل بأخيكم أيوب؟ قالوا: لا، فقص عليهم قصة أيوب، فقال لهم: أرى لكم أن تنطلقوا إليه بطعام، فإن امرأته تتصدق، واحملوا إليه خمراً فإن شفاءه فيها؛ فانطلقوا حتى إذا دنوا منه ولم تستطع دوابهم أن تدنو منه لنتن ريحه، وما قد تغير من لونه، ولم يبق من أيوب غير العينين ينظر بهما إلى السماء.
وعن ابن عباس: أن إبليس حين أيس من أيوب جمع المردة فقال: ويلكم! أين مكركم وكيدكم الذي كنتم تضلون به بني آدم؟ قالوا: يا سيدنا، قد اضمحل ذلك كله، إنما بقيت واحدة، أن تأتيه من قبل امرأته، فلعل هي أن تخدعه وهو يرق لها فتظفر بحاجتك منه. فانطلق إبليس فجلس لها على طريقها فقال لها: يا رحمة، أين المال؟ أين البنيان؟ أين النعيم؟ أين السعة؟ أين الخدم؟ أين الولد؟ فبكى معها وبكت، فقال لها: ما تستطيعين أن تكلميه أن يشرب شربةً من خمر، فإن فيها شفاءه، ثم يتوب؟ قال: وسوس إليها وجرى منها مجراه من ابن آدم؛ فانطلقت محمارةً وجنتاها، يرعد كل مفصل منها حتى جلست بين يدي أيوب فقالت: يا أيوب، أين المال؟ أين السعة؟ أين الولد؟ أين الخدم؟ ألا تنظر إلى ما صرنا إليه، إنما هي شربة ثم تتوب، فنظر إليها فقال: لعن الله من وسوس إليك! ومن علمك هذا؟ لله علي إن عوفيت لأجلدنك مئة جلدة عقوبةً
стр. 2944
لك بما فعلت. فلما أن رأت ندمت وذهب عنها الخبيث، فوقعت على أيوب تلحسه وتقول: يا سيدي؛ هذا مكان العائذ من غضبك، فلم تزل به حتى رضي عنها وعذرها.
وعن ابن عباس قال: قالت امرأة أيوب لأيوب: إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في النعماء سبع سنين، فدعينا نكون في البلاء سبعين سنة، فمكث في ذلك البلاء سبع سنين.
وعن ابن عباس أن أيوب اشتهى إداماً من سمن أو لحم أو جبن أو لبن، فلم تصب امرأته حتى باعت قرناً من شعرها، فعند ذلك نادى أيوب ربه، وذلك أن امرأته أتته بشهوته، فلما رأى ذلك قال لها: من أين لك هذا؟ فكشفت عن رأسها فقالت: بعت قرناً من شعري، فقال عند ذلك: إلهي؛ ابتليتني بذهاب المال والولد، ثم البلاء في جسدي، ثم صيرتني أن أعيش من شعر حليلتي، فارض عني، وإن كان هذا رضىً لك فزدني وأنت أرحم الراحمين، قد ترى ما نزل بي. فذلك قوله: " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " يقول الله " فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ".
قال ابن عباس: جاءه جبريل ﵇ فقال: السلام عليك يا أيوب، رب العزة يقرئك السلام ويقول: " اركض برجلك " اليمين، قال: فضرب بها الأرض، فتناثر كل دود عليه من قرنه إلى قدميه، ونبعت عين من تحت رجله اليمنى، ثم قال: اركض برجلك اليسرى، قال: فضرب بها الأرض فتناثر ما كان بقي من الدود، ونبعت عين من تحت قدمه اليسرى، فقال جبريل: ثم فادخل هذه العين " هذا مغتسل " فاغتسل فيه، فاغتسل فيها فخرج منها صحيحاً سليماً نشيطاً على حسنه وجماله وشبابه؛ واشرب من الأخرى وهي اليمنى " بارد وشراب " قال: فشرب منها، فخرج كل شيء كان في
стр. 2945
بطنه، وجرت النضرة في بشره وشعره. قال: وكسي ورد الله عليه أمواله وخدمه ومثلهم معهم، وصارت منازله وجنانه وخدمه على ما كان، وفسح الله له فيها مثلهم. يقول الله تعالى " ومثلهم معهم " قال: وجلس جبريل معه يحدثه إذ جاءته امرأته فرأت منازلها ومجالسها وأنكرت المكان الذي تركت فيه أيوب وكانت تركته على زبل يتمرغ في الرماد فصكت وجهها ودعت بالويل وقالت: من رأى المبتلى؟ فقال أيوب: أما تعرفينه لو رأيته؟ فقالت: أما في حال صحته وشبابه كأنه أشبه الناس بك، قال جبريل: فهو هو، قال أيوب: قد من الله علي ورد علي مالي وخدمي وأهلي ومثلهم معهم. قالت: فأين الولد؟ وكان له ثلاثة عشر ولداً فأوحى الله إليه عند مقالتها أين الولد، قال: يا أيوب إن شئت بعثتهم لك وإن شئت أقررتك في الجنة، وأعطيتك بدلهم في الدنيا مثلهم، فقالا جميعاً أيوب وامرأته: يا رب، دعهم في الجنة وأعطنا غيرهم، قال: قد فعلت.
قال ابن عباس: فمن زعم أن أولاده نشروا وبعثوا فقد كذب. وقال جبريل: إن الله يأمرك أن تأخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، وذلك أنه أمره أن يأخذ ضغثاً فيه مئة ساق من عيدان القت، فيضرب به امرأته لليمين التي حلف عليها. قال ابن عباس: ولا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء. قال: وبعث الله سبحانه فأمطر عليه في داره بعد صلاة العصر حتى توارت بالحجاب جراد الذهب.
وفي حديث عكرمة قال: أتى إبليس فقيل له: هذا أيوب قد خلينا بينك وبينه فأت فيه بما قدرت عليه من شيء إلا اثنتين، قال إبليس: وأي شيء هاتين الثنتين التي منعتنيها. قال: قال له الرسول: يقول لك ربك: ليس لك أن تخرج نفسه ثم تعيدها، وليس لك على امرأته
следующие страницы →