Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
أمر على جماعة من المسلمين قبله. قال: ونهض علي بن أبي طالب ومعه أبناء الحسن والحسين ﵃ من المجلس حتى أدركه، فأخذ برأسه فقال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وهذان ابناي من ابنته، وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا، قال: قد أنكحتك يا علي المحياة بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسن سلمى بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسين الرباب بنت امرئ القيس.
وهي التي يقول فيها الحسين ﵁:
لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل بعد مالي ... وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً ... حياتي أو يغيبني التراب
وهي التي أقامت على قبر الحسين ﵁ حولاً ثم قالت:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
وسكينة اسمها آمنه أو أميمة، وإنما سكينة لقب لقبتها أمها الرباب بنت امرئ القيس.
ولما توفي الحسين خطبت الرباب وألح عليها فقالت: ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله ﷺ فلم تزوج، وعاشت بعده سنةً لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً. وكانت من أجمل النساء وأعقلهن.
وقيل: إنها ماتت في زمن الحسين.
стр. 2942
رحمة بنت أفراييم بن يوسف
ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ويقال: رحمة بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب زوج أيوب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. كانت مع زوجها أيوب بأرض البثنية.
لما شط إبليس على أيوب لم يسلط على زوجه ولا على عينيه ولا قلبه ولا لسانه، فكان قلبه للشكر، ولسانه للذكر، وعيناه ينظر بهما إلى السماء. فلما أصابه الجدري جاءت امرأته حتى جلست بين يديه وكانت امرأته رحمة بنت ميشا بن يوسف، وكانت أم ميشا ازليخا امرأة يوسف، وكان قبل يوسف امرأة فوطرقير العزيز الذي كان اشترى يوسف فلما جاءت امرأته إليه فجلست، وجاء إبليس فجلس معها إلى أيوب، فقالت رحمة: يا أيوب، قد هلك الولد وهي تبكي، فجثا إبليس كأنه حاضن ولده، ينوح على ولده وعلى أيوب، يقول: يا أيوب، قد صبرنا على ذهاب المال فكيف بالولد، وكيف لو رأيت حين رضخوا بالحجارة، وكيف تفلقت الهام منهم، وكيف سال الدماغ من مناخرهم، وكيف رضت عظامهم، وكيف تناثرت أحداقهم؛ يا أيوب، فكيف بالصبر بعد هؤلاء على ما نرى بك من هذا البلاء؟ قال: فالتفت إليهما فقال: أما الولد فالله كان أرحم بهم مني ومنك أيتها المرأة يعني امرأته وأما المال، فكان عارية أعارنيه ربي توسعت فيه ما دام عندي، ثم قبضه، فله الحمد؛ وأما أنت يا أيها المتكلف، فما بكاؤك ونوحك؟! اذهب عني، فإني قد رضيت بقضاء ربي وسلمت لأمره. ثم قال لامرأته: يا هذه، دعيني عنك من جزعك، والزمي الصبر، قالت: يا سيدي، أصبر معك في الضيق والبلاء والشدة، كما صبرت في الرخاء والنعيم.
وكذلك كان السلف من آبائنا، إذا ابتلوا صبروا. قال: فانصرف إبليس خائباً
стр. 2943
منكسراً؛ قال: وتساقط جلد أيوب وتناثر لحمه، وجرى الدود بين الجلد والعظم، وانقطع عنه ما كان فيه من نعيم الدنيا، فكانت امرأته تتصدق الكسرة واللقمة فتطعمه إياه، وتطحن للناس بيدها وتأخذ بأجرها طعاماً؛ فلم تزل على ذلك لا يغيرها عن حالها لأيوب من طول البلاء.
فجعل إبليس يجمع المردة من أصحابه، ويطوف المشارق والمغارب يطلب المكيدة لأيوب، لا يقدر على شيء يعلم أنه يصل إلى مكايدته إلا أتاه، حتى أعياه ذلك؛ فأتاه من قبل النصيحة والطب، فجعل يختلف إليه في صورة رجل مسافر يعرض عليه أنواع المعاصي بسبب الطب، فلا يجيبه أيوب إلى شيء، فانطلق الخبيث إلى ثلاثة إخوة لأيوب كانوا مصافين له، يحبونه في الله، فقال لهم: هل تعلمون ما نزل بأخيكم أيوب؟ قالوا: لا، فقص عليهم قصة أيوب، فقال لهم: أرى لكم أن تنطلقوا إليه بطعام، فإن امرأته تتصدق، واحملوا إليه خمراً فإن شفاءه فيها؛ فانطلقوا حتى إذا دنوا منه ولم تستطع دوابهم أن تدنو منه لنتن ريحه، وما قد تغير من لونه، ولم يبق من أيوب غير العينين ينظر بهما إلى السماء.
وعن ابن عباس: أن إبليس حين أيس من أيوب جمع المردة فقال: ويلكم! أين مكركم وكيدكم الذي كنتم تضلون به بني آدم؟ قالوا: يا سيدنا، قد اضمحل ذلك كله، إنما بقيت واحدة، أن تأتيه من قبل امرأته، فلعل هي أن تخدعه وهو يرق لها فتظفر بحاجتك منه. فانطلق إبليس فجلس لها على طريقها فقال لها: يا رحمة، أين المال؟ أين البنيان؟ أين النعيم؟ أين السعة؟ أين الخدم؟ أين الولد؟ فبكى معها وبكت، فقال لها: ما تستطيعين أن تكلميه أن يشرب شربةً من خمر، فإن فيها شفاءه، ثم يتوب؟ قال: وسوس إليها وجرى منها مجراه من ابن آدم؛ فانطلقت محمارةً وجنتاها، يرعد كل مفصل منها حتى جلست بين يدي أيوب فقالت: يا أيوب، أين المال؟ أين السعة؟ أين الولد؟ أين الخدم؟ ألا تنظر إلى ما صرنا إليه، إنما هي شربة ثم تتوب، فنظر إليها فقال: لعن الله من وسوس إليك! ومن علمك هذا؟ لله علي إن عوفيت لأجلدنك مئة جلدة عقوبةً
стр. 2944
لك بما فعلت. فلما أن رأت ندمت وذهب عنها الخبيث، فوقعت على أيوب تلحسه وتقول: يا سيدي؛ هذا مكان العائذ من غضبك، فلم تزل به حتى رضي عنها وعذرها.
وعن ابن عباس قال: قالت امرأة أيوب لأيوب: إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في النعماء سبع سنين، فدعينا نكون في البلاء سبعين سنة، فمكث في ذلك البلاء سبع سنين.
وعن ابن عباس أن أيوب اشتهى إداماً من سمن أو لحم أو جبن أو لبن، فلم تصب امرأته حتى باعت قرناً من شعرها، فعند ذلك نادى أيوب ربه، وذلك أن امرأته أتته بشهوته، فلما رأى ذلك قال لها: من أين لك هذا؟ فكشفت عن رأسها فقالت: بعت قرناً من شعري، فقال عند ذلك: إلهي؛ ابتليتني بذهاب المال والولد، ثم البلاء في جسدي، ثم صيرتني أن أعيش من شعر حليلتي، فارض عني، وإن كان هذا رضىً لك فزدني وأنت أرحم الراحمين، قد ترى ما نزل بي. فذلك قوله: " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " يقول الله " فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ".
قال ابن عباس: جاءه جبريل ﵇ فقال: السلام عليك يا أيوب، رب العزة يقرئك السلام ويقول: " اركض برجلك " اليمين، قال: فضرب بها الأرض، فتناثر كل دود عليه من قرنه إلى قدميه، ونبعت عين من تحت رجله اليمنى، ثم قال: اركض برجلك اليسرى، قال: فضرب بها الأرض فتناثر ما كان بقي من الدود، ونبعت عين من تحت قدمه اليسرى، فقال جبريل: ثم فادخل هذه العين " هذا مغتسل " فاغتسل فيه، فاغتسل فيها فخرج منها صحيحاً سليماً نشيطاً على حسنه وجماله وشبابه؛ واشرب من الأخرى وهي اليمنى " بارد وشراب " قال: فشرب منها، فخرج كل شيء كان في
стр. 2945
بطنه، وجرت النضرة في بشره وشعره. قال: وكسي ورد الله عليه أمواله وخدمه ومثلهم معهم، وصارت منازله وجنانه وخدمه على ما كان، وفسح الله له فيها مثلهم. يقول الله تعالى " ومثلهم معهم " قال: وجلس جبريل معه يحدثه إذ جاءته امرأته فرأت منازلها ومجالسها وأنكرت المكان الذي تركت فيه أيوب وكانت تركته على زبل يتمرغ في الرماد فصكت وجهها ودعت بالويل وقالت: من رأى المبتلى؟ فقال أيوب: أما تعرفينه لو رأيته؟ فقالت: أما في حال صحته وشبابه كأنه أشبه الناس بك، قال جبريل: فهو هو، قال أيوب: قد من الله علي ورد علي مالي وخدمي وأهلي ومثلهم معهم. قالت: فأين الولد؟ وكان له ثلاثة عشر ولداً فأوحى الله إليه عند مقالتها أين الولد، قال: يا أيوب إن شئت بعثتهم لك وإن شئت أقررتك في الجنة، وأعطيتك بدلهم في الدنيا مثلهم، فقالا جميعاً أيوب وامرأته: يا رب، دعهم في الجنة وأعطنا غيرهم، قال: قد فعلت.
قال ابن عباس: فمن زعم أن أولاده نشروا وبعثوا فقد كذب. وقال جبريل: إن الله يأمرك أن تأخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، وذلك أنه أمره أن يأخذ ضغثاً فيه مئة ساق من عيدان القت، فيضرب به امرأته لليمين التي حلف عليها. قال ابن عباس: ولا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء. قال: وبعث الله سبحانه فأمطر عليه في داره بعد صلاة العصر حتى توارت بالحجاب جراد الذهب.
وفي حديث عكرمة قال: أتى إبليس فقيل له: هذا أيوب قد خلينا بينك وبينه فأت فيه بما قدرت عليه من شيء إلا اثنتين، قال إبليس: وأي شيء هاتين الثنتين التي منعتنيها. قال: قال له الرسول: يقول لك ربك: ليس لك أن تخرج نفسه ثم تعيدها، وليس لك على امرأته
стр. 2946
سلطان. قال: وعلم الله بما يلقى أيوب مما لم يعلم إبليس، فجعل امرأته عوناً له. قال إبليس: فنعم. قال: وكان أيوب هو بنى المصلى الذي كانوا يصلون فيه، وكان منزله فيه، وكان ذا ماشية ورقيق، وكان إمامهم، قال: فأقبل على ماشيته فأفناها، قال: فلا يرى من أيوب شيئاً يحبه، قال: ثم أقبل على رقيقه فأفناهم، فلا يرى شيئاً يحبه، قال: ثم أقبل على ولده فأفناهم فلا يرى شيئاً يحبه، قال: فأقبل على أيوب في بدنه فابتلاه بلاءً شديداً.
فلما اشتد بأيوب البلاء، وذهبت ماشيته ورقيقه ولده، فلم يبق إلا هو وامرأته قال لها: يا هذه، انظري إلى ما آمرك به فاصنعيه، قالت: وما هو؟ قال: احمليني فألقيني في القرية، قالت: يا أيوب، ألا تتقي الله، قد نزل بك ما ترى وأنا امرأة ضعيفة تأمرني ن أخرج من منزلنا الذي هو منزلنا؟! قال: نعم، أطيعيني فإني أخاف أن أكون قد شققت على أهل هذا المصلى؛ فاحتملته فألقته في القرية. قال: فاشتد ريحه، فدعاها فقال: يا هذه، لا أحسبني إلا قد شققت على أهل هذه القرية، يمرون فيجدون ريحي فتؤذيهم، قالت: يا أيوب، اتق الله، أنا امرأة ضعيفة، ليس معي غيري، قالت: فأين أذهب بك؟ نرى أن نكون مع الناس؛ قال: نعم، انظري إلى هذه الكساحة الخارجة من القرية، فاحمليني فألقيني عليها ولا تؤذي أهل القرية، فلا أحسبني إلا قد شققت عليهم فأطيعيني، فاحتملته فألقته على الكساحة. قال: وألح عليه إبليس لا يرى منه شيئاً يحب، لا يراه إلا صابراً. قال: فلا أدري ما قال لامرأته يوماً، فجاء منها شيء، فآلى ليجلدنها مئة جلدة إن برئ.
قال: واشتد به البلاء، فقالت له امرأته: والله إني لأعلم أن الله لم يفعل بك هذا من هوانك عليه، هو ربك، ولكنه أراد أن يبتليك كما ابتلى أباك إبراهيم، لينظر أتصبر وتشكر؟ قال: فتريدين ماذا؟ قالت: ادع الله، فوالله ليكشفن عنك ذا البلاء، قال: فكم مضى من عمري؟ قالت: كذا وكذا، قال: فقد كنت في تلك النعمة والرفاهية والخير، فما ابتلاني بعد ذلك، قال: فجزعت وقالت: يا أيوب! فإنك تريد أن تصبر على قدر ذلك!
стр. 2947
فأصبحت يوماً وقد اشتد بأيوب البلاء حتى ما يقدر على المنطق، وذهل عنه أهل المصلى فقالوا: هذا المبتلى سبع سنين على الكساحة وسبعة أشهر وسبعة أيام، وقد أغفلنا لا نتعاهده، انطلقوا بنا نتعاهده ونسلم عليه ونسأله أله حاجة؟ فأقبلوا بجماعتهم، وغدت امرأته حتى تقضي ما تطلب له، وبقي وحده، وانتهوا إليه فلم يستطيعوا يدنون منه ساعةً ولا يسمعونه، قالوا: فكيف نصنع، نرجع؟ فقال بعضهم: أغفلناه هذه السنوات، فلما جئناه ورأيناه ورآنا ننصرف ولا نكلمه؟! فقال بعضهم: نضع ثيابنا على أنفنا وندنو منه فنكلمه، ثم ننصرف عنه، ونعر ض عليه الحاجة؛ قال: فأخذوا على أنفهم ودنوا منه حيث يسمعونه الكلام، فلما رأوه عاينوا عظيماً لم يروه قبل ذلك في أحد، حتى رأوا الدواب تخترق فيه، فقال رجل: يا أيوب، لو علم الله فيك خيراً لم يبتلك بما نرى، وانصرفوا عنه راجعين. قال: فعرض لربه بالدعاء فقال: " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " قال: ونزل عليه جبريل، فخرق له الأرض بجناحيه، فنبعت له عينان، فقال: يا أيوب، اشرب من هذه واغتسل في هذه؛ قال: فشرب واغتسل، فإذا أيوب أحسن ما كان صورةً وأتمه، ونهض عنه جبريل. قال: ففكر أيوب في بلاء امرأته عنده وحسن صنيعها إليه وصبرها عليه، قال: لا أبرح حتى تجيء؛ قال: فقعد في فيء شيء، وأقبلت امرأته من حاجتها ولم تره، فانطلقت والهةً إلى القرية تسعى ثم عادت والهةً لا تعقل، ومرت بأيوب فقالت: يا عبد الله، هل رأيت ذاك المبتلى الملقى على الكساحة؟ قال: يقول لها أيوب: وماذا تخشين عليه؟ قالت: صدقت، ولكن أخشى أن يكون كلب أو سبع اجتره، قال: فما تمالك أيوب أن بكى وقال: هل تعرفينه لو رأيته؟ فنظرت إليه فقالت: والله إنك لأشبه خلق الله به إذ كان صحيحاً، قال: فأنا أيوب، قالت: أنت أيوب! قال: أنا أيوب، ألم أخبرك أن الله أراد أن يتم نعمته علي، قال: فرجع إلى محرابه.
وحكى وهب بن منبه قال: قال إبليس لامرأة أيوب: بم أصابكم ما أصابكم؟ قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضاً! فاتبعيني، فأراها جميع ما ذهب منهم في واد، فقال: اسجدي لي وأرد
стр. 2948
عليكم، فقالت: إن لي زوجاً أستأمره، فأخبرت أيوب فقال: أما آن لك أن تعلمي، ذاك الشيطان، لئن برئت لأضربنك مئة جلدة.
وعن ابن المسيب: أنه بلغه أن أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان حلف ليجلدن امرأةً له في أن جاءته بزيادة على ما كانت تأتي به من الخبز الذي كانت تعمل عليه، فخشي أن تكون قد قارفت شيئاً من الخيانة. فلما ﵀ وكشف عنه الضر، وعلم براءة امرأته مما اتهمها به، قال الله: " خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث " فأخذ ضغثاً من ثمام، وهو مئة، فضرب به كما أمره.
رملة بنت الزبير بن العوام
ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية الأسدية تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية، ونقلها إلى دمشق، وله فيها أشعار. وكانت جزلةً عاقلةً.
وعن جويرية بن أسماء قال: نشزت سكينة على زوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وأمه رملة بنت الزبير بن العوام، فدخلت رملة بنت الزبير وهي عند خالد بن يزيد بن معاوية على عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا أن تذر أمورنا ما كانت لنا رغبة فيمن لا يرغب فينا، سكينة نشزت على ابني، فقال: يا رملة، إنها سكينة، قالت: وإن كانت سكينة، فوالله لقد ولدنا خيرهم وأنكحنا خيرهم، فقال: يا رملة غرني منك عروة، قالت: ما غرك، ولكن نصح لك، إنك قتلت مصعباً أخي، فلم يأمني عليك.
стр. 2949
وعن عمر بن عبد العزيز قال: حج خالد بن يزيد بن معاوية سنة قتل الحجاج عبد الله بن الزبير، فخطب رملة بنت الزبير، فبلغ ذلك الحجاج، فأرسل إليه حاجبه وقال له: قل لخالد: ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، ولا كنت أراك تخطب إليهم وليسوا لك بأكفاء، وقد قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكل قبيح. فأبلغه الرسالة، فنظر إليه خالد طويلاً ثم قال: لو كانت الرسل تعاقب لقطعتك آراباً ثم طرحتك على باب صاحبك! قل له: ما كنت أظن أن الأمور بلغت بك أن أشاورك في مناكحة قريش؛ وأما قولك: أن ليسوا بأكفاء، فقاتلك الله يا حجاج، يكون العوام كفؤاً لعبد المطلب بزوجه صفية، ويتزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ولا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان! وأما قولك: قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكل قبيح، فهي قريش يقارع بعضها بعضاً، حتى إذا أقر الله الحق مقره، عادت إلى أحلامها وفضلها. فرجع إليه، فأعلمه ذلك. وتزوج خالد رملة بنت الزبير أخت مصعب لأمه. أمهما الرباب الكلبية.
وفي رملة يقول خالد:
تخيرتها من سر نبع كريمةً ... موسطةً فيهم زبيريةً قلبا
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حج عبد الملك بن مروان، وحج معه خالد بن يزيد، وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم، وكان عظيم القدر عند عبد الملك، فبينا هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقاً حديداً، ووقعت بقلبه وقوعاً متمكناً، فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمة، فسأله عن أمره؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي، والله ما أبديت إليك ما بي حتى عيل صبري، ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله، والسلو على
стр. 2950
قلبي فامتنع؛ فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال: ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك! فقال: إني اشد تعجباً من تعجبك مني، ولقد كنت أقول: إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس: الشعراء والأعراب؛ فأما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل، فمال طبعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى، فاستسلموا إليه منقادين وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، ولا يشغله شيء عنها، فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم. وجملة أمري، فما رأيت نظرةً حالت بيني وبين الحرم، وحسنت عندي ركوب الإثم مثل نظري في هذه؛ فتبسم عبد الملك وقال: أو كل هذا قد بلغ بك؟ فقال: والله ما عرفتني هذه البلية قبل وقتي هذا. فوجه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك فقالت: لا والله أو يطلق نساءه، فطلق امرأتين كانتا عنده، إحداهما من قريش، والأخرى من الأزد، وكانتا كريمتين عنده. وظعن بها إلى الشام وفيها يقول:
أليس يزيد السوق في كل ليلة ... وفي كل يوم من حبيبتنا قربا
خليلي ما من ساعة تذكرانها ... من الدهر إلا فرجت عني الكربا
أحب بني العوام طراً لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا
وقال فيها:
نظرت إليها فاستحلت بها دمي ... وكان دمي غال فأرخصه الحب
وغاليت في حبي لها فرأت دمي ... حلالاً فمن هاذاك داخلها العجب
وقيل: إن خالداً تزوج رملة وهو بالشام وهي بالمدينة، وكتب إليها فوافته بمكة، فأرادها أن يدخل بها قبل أن تحل فأبت عليه، فألح عليها، فرحلت في جوف الليل متوجهةً إلى المدينة، فبلغ ذلك خالداً فطلبها ومعه عبيد الراعي النميري، فأدركها في المنصف بعد يوم وليلة، فحلف لها أن لا يقربها حتى تحل، وقال في ذلك:
стр. 2951
أحن إلى بيت الزبير وقد علت ... بي العيس خرقاً من تهامة أو نقبا
إذا نزلت ماءً تحبب أهله ... إلينا وإن كانت مسابقةً حربا
وإن نزلت ماءً وكان قليبها ... مليحاً وجدنا شربه بارداً عذبا
فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري ... تخط رجال بين أعينهم صلبا
قيل: إن عبد الملك ذكر له هذا البيت فقال خالد: على قائله لعنة الله يا أمير المؤمنين. يعني:
فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري
رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب
ابن أمية بن عبد شمس، أم حبيبة، أم المؤمنين زوج سيدنا رسول الله ﷺ . قدمت دمشق زائرةً لأخيها معاوية، وقيل: قبرها بها. والصحيح أنها ماتت بالمدينة.
حدثت أم حبيبة قالت: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، تعني نصلي الصبح بمنىً يوم النحر.
وعن أم حبيبة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقلت له: هل لك في أختي ابنة أبي سفيان؟ قال: فأفعل ماذا؟ فقلت: تنكحها، فقال أختك؟ قلت: نعم، قال: أتحبين ذلك؟ قلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شركني في خير أختي، قال: فإنها لا تحل لي. قالت: فوالله لقد أنبئت أنك تخطب درة ابنة أبي سلمى، قال: ابنة أبي سلمة؟ قالت: نعم، قال: فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن.
стр. 2952
وحدثت أم حبيبة عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله ﷺ محمراً وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق، قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث.
كانت أم حبيبة قبل أن يتزوجها سيدنا رسول الله ﷺ تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، أسد خزيمة. وكان خرج بها من مكة مهاجراً إلى أرض الحبشة، فافتتن عبيد الله وتنصر بها، ومات على النصرانية، وأبت أم حبيبة أن تتنصر، فأتم الله لها الإسلام والهجرة حتى قدمت المدينة، فخطبها رسول الله ﷺ فزوجها إياه عثمان بن عفان؛ ويقال: تزوجها النبي ﷺ وهي بأرض الحبشة، زوجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف درهم، وجهزها من عنده؛ وبعث بها إلى النبي ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، وما بعث النبي ﷺ إليها بشيء.
قالوا: تزوجها في سنة ست، ودخل بها في سنة سبع من الهجرة.
وتوفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين. وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
وقيل: إن الذي ولي عقدة النكاح ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص.
وقد قيل إن النجاشي أصدقها أربع مئة دينار، وأولم عليها عثمان بن عفان لحماً وثريداً، وبعث إليها رسول الله ﷺ شرحبيل بن حسنة فجاء بها.
وعن أم حبيبة قالت: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوإ صورة وأشوهه، ففزعت فقلت: والله تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيب، إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنتها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك، وأخبرته بالرؤيا التي رأت له، فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات؛ فأرى في النوم كأن آتياً يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت، فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني، قالت: فما هو إلا انقضت عدتي، فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها أبرهة، كانت تقوم على ثيابه
стр. 2953
ودهنه، فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه، فقلت: بشرك الله بخير، قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته، وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانت في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها، سروراً بما بشرتها، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا، فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم ﷺ ؛ أما بعد: فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وقد أصدقتها أربع مئة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون؛ أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله ﷺ . ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج؛ فدعا بطعام، فأكلوا ثم تفرقوا.
قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني، فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي، فهذه الخمسون مثقالاً فخذيها فاستعيني بها، فأبت وأخرجت حقاً فيه كل ما كنت أعطيتها فردته علي وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئاً، وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعت دين محمد وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر؛ قالت: فلما كان من الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير، فقدمت بذلك كله على النبي ﷺ ، فكان يراه علي وعندي
стр. 2954
فلا ينكره. ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله ﷺ مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهزتني، وكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك. قالت: فلما قدمت على رسول الله ﷺ أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة، فتبسم رسول الله ﷺ وأقرأته منها السلام فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته.
ولما بلغ أبا سفيان بن حرب نكاح النبي ﷺ ابنته قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه.
ولما قدمت أم حبيبة أمر رسول الله ﷺ بلالاً فأخذ بخطام بعيرها، فأنزلها المنزل الذي أمره النبي ﷺ ، فإذا فيه كناسة، فقالت لمولاة لها أو مولاة لأبيها: إن شئت كفيتني السقي وكنست، وإن شئت استقيت وكنست؛ قال: فكنست البيت ثم بسطت فيه بساط شعر، ثم بسطت عليه شيئاً ثم انتبذت، ثم أذن رسول الله ﷺ بالدخول على أهله. فلما دخل عليها فوجد ريح الطيب، قال: إنهن قرشيات بطاحيات، قرويات، ليس بأعرابيات ولا بدويات.
وعن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله، ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجملهن أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم. قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال: نعم.
وهذا الحديث في قصة أم حبيبة قد أجمع أهل المغازي على خلافه، فإنهم لم يختلفوا في أن تزويج أم حبيبة كان قبل رجوع جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أرض الحبشة، وإنما رجعوا من خيبر؛ فتزويج أم حبيبة كان قبله، وإسلام أبي سفيان زمن فتح مكة بعد نكاحها بسنتين أو ثلاث، فكيف يصح أن يكون تزويجها بمسألته؟ وفيه اختلاف.
стр. 2955
وعن ابن عباس: في هذه الآية " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودةً " قال: فكانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين.
وعن ابن عباس: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " قال: نزلت في أزواج النبي ﷺ خاصة. قال عكرمة: ومن شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي ﷺ .
وعن هشام قال: أقبل أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد، إني كنت غائباً في صلح الحديبية، فاشدد العهد، وزدنا في المدة، فقال رسول الله ﷺ : ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله، فقال رسول الله ﷺ : فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل. ثم قام من عنده فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه فقال: أرغبت بهذا الفراش عني أو بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: يا بنية! لقد أصابك بعدي شر، قالت: هداني الله للإسلام، وأنت يا أبه سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك دخول في الإسلام وأنت تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر، قال: يا عجباه! وهذا منك أيضاً! أأترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ ثم قام من عندها. وذكر الحديث.
قال حميد بن هلال: لما حصر عثمان تته أم المؤمنين، فجاء رجل فاطلع في خدرها فجعل ينعتها للناس،
стр. 2956
فقالت: ماله قطع الله يده وأبدى عورته؟! قال: فدخل عليه داخل، فضربه بالسيف، فاتقى بيمينه فقطع، فانطلق هارباً آخذاً إزاره بفيه أو بشماله بادياً عورته.
أم المؤمنين هذه هي أم حبيبة، لأنها كانت معنيةً بأمر عثمان.
وعن عائشة قالت: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، يغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك. وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان.
قال حسن بن علي: هدمت منزلي في دار علي بن أبي طالب، فحفرنا في ناحية منه، فأخرجنا حجراً فإذا فيه مكتوب: هذا قبر رملة بنت صخر. فأعدناه في مكانه.
رملة بنت معاوية بن بي سفيان
صخر بن حرب زوج عمرو بن عثمان بن عفان.
وعن الضحاك: أن عمرو بن عثمان اشتكى، فكان العواد يدخلون عليه، فيخرجون ويتخلف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فأنكرت رملة بنت معاوية ذلك، فخرقت كوةً فاستمعت على مروان، فإذا هو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء الخلافة إلا باسم أبيك، فما يمنعك أن تنهض بحقك، فلنحن أكثر منهم رجالاً، منا فلان ومنهم فلان، ومنا فلان ومنهم فلان، حتى عدد رجالاً، ثم قال: ومنا فلان وهو فضل، وفلان فضل، حتى عدد فضول رجال بني أبي العاص على بني حرب. فلما برأ عمرو تجهز للحج وتجهزت رملة في جهازه. فلما خرج عمرو إلى الحج خرجت رملة إلى أبيها، فقدمت عليه الشام، فقال لها معاوية: واسوأتاه! وما للحرة تطلق، أطلقك عمرو؟ فأخبرته الخبر. قالت: فما زال يعد فضل
стр. 2957
رجال بني أبي العاص على بني حرب حتى ابني عثمان وخالداً ابني عمرو، فتمنيت أنهما ماتا. فكتب معاوية إلى مروان:
أواضع رجل فوق أخرى تعدنا ... عديد الحصى ما إن تزال تكاثر
وأمكم تزجي تؤاماً لبعلها ... وأم أخيكم نزرة الولد عاقر
اشهد يا مروان أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، ودين الله دخلاً، وعباد الله خولاً. قال: فكتب إليه مروان: أما بعد يا معاوية، فإني أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، والسلام.
كتبت رملة بنت معاوية إلى أبيها، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفان، تشكو آل أبي العاص وأنهم يتكثرون علي، حتى وددت أن ابني كان منبوذاً في البحر، فكتب إليها: أنا أشقى من أن تكوني رجلاً. قال: وعزل مروان عن المدينة.
لما حضرت معاوية الوفاة جعلوا يديرونه في القصر فقال: هل بلغنا الخضراء؟ فصرخت ابنته رملة، فقال: ما أصرخك؟ قالت: نحن ندور بك في الخضراء، تقول هل بلغت الخضراء بعد! فقال: إن عزب عقل أبيك فطالما وقر.
ولما حضرته الوفاة احتوشه بناته، فضرب بيده، فسقطت يده في حجر رملة ابنته فقال: من هذا؟ قالت رملة: أنا يا أبتاه، قال حولي أباك فإنك تحولينه حولاً قلباً، ثم قال:
لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
فكانت آخر كلامه.
стр. 2958
رواحة بنت أبي عمرو
عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، البيروتية روت عن أبيها بسنده عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال لرجل: " قل: اللهم إني أسألك نفساً بك مطمئنةً، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك وتقنع بعطائك ".
ريا حاضنة يزيد بن معاوية
امرأة شاعرة. عاشت إلى أن أدركت دولة بني العباس، وحكت أن أمها أدركت سيدنا رسول الله ﷺ .
حدث حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت امرأةً من أجمل النساء وأعقلهن، يقال لها ريا، كان بنو أمية يكرمونها، وكان هشام يكرمها، وكانت إذا جاءت إلى هشام تجيء راكبة، فكل من رآها من بني أمية أكرمها، ويقولون: ريا حاضنة يزيد بن معاوية، وكانوا يقولون: قد بلغت من السن مئة سنة، وحسن وجهها وجمالها باق بنضارته؛ فلما كان من الأمر الذي كان استترت في بعض منازل أهلنا، فسمعتها وهي تقول وتعيب بني أمية مداراةً لنا.
قالت: دخل بعض بني أمية على يزيد فقال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد أمكنك الله من عدو الله وعدوك يعني الحسين بن علي فقد قتل ووجه برأسه إليك؛ فلم يلبث إلا أياماً حتى جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد في طشت، فأمر الغلام، فرفع الثوب الذي كان عليه، فحين رآه خمر وجهه بكمه كأنه يشم منه رائحة وقال: الحمد لله الذي كفانا المؤنة بغير مؤنة " كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله " قالت ريا:
стр. 2959
فدنوت منه فنظرت إليه وبه ردع من حناء، قال حمزة: فقلت لها: أقرع ثناياه بالقضيب كما يقولون؟ قالت: إي والذي ذهب بنفسه وهو قادر على أن يغفر له، لقد رأيته يقرع ثناياه بقضيب في يده ويقول أبياتاً من شعر ابن الزبعرى، ولقد جاء رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال له: قد أمكنك الله من عدو الله وابن عدو أبيك، فاقتل هذا الغلام ينقطع هذا النسل، فإنك لا تدري ما يخب وهم أحياء آخر من ينازع فيه يعني علي بن حسين بن علي لقد رأيت ما لقي أبوك من أبيه، وما كفيت أنت منه، وقد رأيت ما صنع مسلم بن عقيل؛ فاقطع أصل هذا البيت، فإنك إن قتلت هذا الغلام انقطع نسل الحسين خاصة وإلا فالقوم ما بقي منهم أحد طالبك بهم، وهم قوم ذوو مكر، والناس إليهم مائلون، وخاصة غوغاء أهل العراق، يقولون: ابن رسول الله ﷺ ، ابن علي وفاطمة، اقتله فليس هو بأكرم من صاحب هذا الرأس. فقال: لا قمت ولا قعدت، فإنك ضعيف مهين، بل أدعهم كلما طلع منهم طالع أخذته سيوف آل أبي سفيان. قال: إني قد سميت الرجل الذي من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولكن لا أسميه أبداً ولا أذكره.
قال حمزة: فسألتها من هي؟ فقالت: كانت أمي امرأةً من كلب، وكان أبي رجلاً من موالي بني أمية وقالت لي: ماتت أمي يوم ماتت ولها مئة سنة وعشر سنين، وذكرت أن أمها عجيبة عاشت تسعين سنة وأنها أدركت زمن رسول الله ﷺ وسمعت وهي امرأة أم أولاد.
قال حمزة بن يزيد: قد رأيت ريا بعد ذلك مقتولةً مطروحةً على درج جيرون مكشوفة الفرج في فرجها قصبة مغروزة.
قال حمزة: وحدثني بعض أهلنا: أنه رأى رأس الحسين رضي اله عنه مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام، فحدثت ريا أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان بن عبد الملك، فبعث إليه فجاء به وقد قحل،
стр. 2960
وبقي عظم أبيض، فجعل في سفط، وطيبه وجعل عليه ثوباً ودفنه في مقابر المسلمين. فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن بيت السلاح: وجه إلي رأس الحسين بن علي، فكتب إليه الخازن: إن سليمان أخذه وجعله في سفط وصلى عليه ودفنه. فصح ذلك عنده، فلما رحلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه. والله أعلم ما صنع به.
قال حمزة: ما رأيت في النساء أجود من ريا، قلت: كيف علمت أنه شعر ابن الزبعرى؟ قال: أنشدتني مئة بيت من قولها ترثي به يزيد. وذهبت في عهد عبد الله بن طاهر.
أسماء الرجال على
стр. 2961
حرف الزاي
زاذان أبو عمرو
ويقال أبو عبد الله الكندي، مولاهم قال زاذان: سألت ابن عمر قلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ في النبيذ، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم وهو الجر ونهى عن الدباء وهو القرع ونهى عن النقير وهو الجذع ينقر ونهى عن المزفت وهو المقير.
وروى عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : " اللحد لنا والشق لغيرنا ".
وعن زاذان قال: قدم علينا عمر بن الخطاب بالجابية على بعير مقتب بقتب عليه عباء قطوانية، وبيده عنزة فقال: أيها الناس، فثاب الناس إليه، فقال لهم: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول، ثم بكى، ثم قال: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ ، ثم بكى. قال: أيها الناس، عليكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثلاثة قرون؛ ثم يجيء قوم لا خير فيهم، يشهدون ولا يستشهدون، ويحلفون ولا يستحلفون، من سره أن ينزل
стр. 2962
بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، ألا إن الواحد شيطان، وهو من الاثنين أبعد، ألا ومن ساءته سيئته، وسرته حسنته فهو مؤمن.
وعن ابن عمر قال: قال عليرضي الله عنه: يا أبا عمر، تدري على كم افترقت اليهود؟ قال: قلت: الله أعلم. قال: على واحدة وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة في الناجية. تدري على كم افترقت النصارى؟ قال: قلت: الله أعلم. قال: على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة في الناجية. تدري على كم افترقت هذه الأمة؟ قال: قلت: الله أعلم. قال: على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة في الناجية. قال: وتفترق في اثنتا عشرة فرقة. قال: قلت: وأنت تفترق فيك؟ قال: نعم يا أبا عمر، وتفترق في اثنتا عشرة فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة في الناجية، وإنك من تلك الواحدة وتلك الواحدة.
قال زاذان: دخلت على عبد الله بن مسعود، فوجدت أصحاب الخز واليمنية قد سبقوني إلى المجالس، فناديت: يا عبد الله، من أجل أني رجل أعجمي أقصيتني وأدنيت هؤلاء؟ قال: ادن، فدنوت منه حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصبان على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها أو ابنها أو على أخيها وزوجها، ثم قرأ عبد الله: " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " فيقول الرب ﵎ للعبد: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب، من أين أؤتيهم؟ فيقول الملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر ماله، فإن يكن ولياً لله ، فضلت له مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخل الجنة؛ ثم قرأ عبد الله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنةً يضاعفها ويؤت من
стр. 2963
لدنه أجراً عظيماً " وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: يا ربنا، فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى عمله السيئ، ثم صكوا له صكاً إلى النار.
قال زاذان يوماً: إني جائع، فسقط عليه من الروزنة رغيف مثل الرحا.
كان زاذان يبيع الثياب، فكان إذا نشر الثوب ناول شر الطرفين وساوم سومة واحدة.
توفي زاذان بالكوفة أيام الحجاج بن يوسف، وذلك سنة اثنتين وثمانين.
زامل بن عمرو السكسكي
الحبراني الحميري الحمصي. أمير دمشق وحمص من قبل مروان بن محمد.
حدث زامل بن عمرو أن مخبراً أخبره عن أبي الدرداء قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ يوماً حتى وقف على أصحاب اللحم فقال: لا تخلطوا ميتاً بمذبوح، والناس قرب عهد بجاهلية سبعاً احفظوهن مني: لا تحتكروا، ولا تناجشوا، ولا تلقوا الركبان، ولا يبغ حاضر لباد، ولا يبع رجل على بيع أخيه حتى يذر، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ إناءها ولتنكح، فإن لها ما كتب الله لها.
стр. 2964
زبان بن عبد العزيز بن مروان
ابن الحكم أخو عبد العزيز حدث عن عمر بن عبد العزيز عن عائشة عن النبي ﷺ : " أنه كان يوتر بثلاث، يسلم في الركعتين سلاماً يسمعنا ثم يقوم فيصلي ركعة ".
وبه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، يفرق بين الشفع والوتر وأنا في البيت أسمع تسليمه.
وحدث زبان بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبان بن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال: " من خرج مخرجاً فقال حين يخرج: بسم الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله، وتوكلت على الله، عصم من شر مخرجه ذلك ".
وحدث زبان أن عمر بن عبد العزيز قال: ما طار ذباب إلا بقدر.
قال أبو سعيد بن يونس: زبان بن عبد العزيز يكنى أبا إبراهيم، كان سيد بني عبد العزيز وفارسهم؛ حضر الوقعة مع مروان بن محمد ليلة بوصير، فتقطر به فرسه، فسقط عند حائط العجوز، فانكسرت فخذه وأدركته المسودة، فقتلوه ولم يعرفوه، في آخر ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
стр. 2965
الزبير بن الأروح التميمي
عراقي من التابعين، وفد على يزيد بن معاوية.
حدث يحيى بن أبي حية الكلبي قال: ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلماً وهانئاً بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من أمر مسلم وهانئ، فكتب كتاباً أطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيد الله بن زياد تكرهه وقال: ما هذا التطويل؟ اكتب: أما بعد. فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي وأني جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حية والزبير بن الأروح، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر، فإن عندهما علماً وصدقاً وورعاً. والسلام.
فكتب إليه يزيد بن معاوية: أما بعد. فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك ورأيي فيك؛ وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيراً. وإنه قد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة، وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من خير إن شاء الله، والسلام عليك.
/
стр. 2966
الزبير بن جعفر بن محمد ابن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الله المعتز بالله ابن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور.
قدم دمشق مع أبيه المتوكل، وبويع بالخلافة بعد المستعين.
واختلف في اسمه، فقيل: محمد، وقيل: أحمد، وقيل: الزبير. ولد سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين ومئتين بسر من رأى.
كان المتوكل على الله بايع لابنه المعتز بالله بالعهد والخلافة بعد محمد المنتصر بالله، وللمؤيد بالله إبراهيم بن المتوكل بالعهد بعد المعتز بالله، وكان المؤيد محبوساً مع المعتز، فأخرج بخروجه، فلما بويع المعتز بالله بالعهد والخلافة، وانتصب للأمر والنهي والتدبير، وجه أخاه أبا أحمد بن المتوكل إلى بغداد لحرب المستعين، فصار أبو أحمد بالجيش إلى بغداد، وأخذ محمد بن عبد الله بن طاهرٍ في الاستعداد للحرب ببغداد، وبني سور بغداد، وحفر خندقها، ونزل أبو أحمد على بغداد، فحصر المستعين بالله ومن معه، ونصب لهم الحرب، وتجرد من ببغداد للقتال، ونصب المجانيق والعرادات حول سور بغداد، ودام القتال بينهم سنةً، وعظمت الفتنة، وكثر القتل، وغلت الأسعار ببغداد. وداهن محمد بن عبد الله بن طاهر في نصرة المستعين، ومال إلى المعتز، وكاتب سراً، فضعف أمر المستعين، ووقف أهل بغداد على مداهنة ابن طاهر، فصبحوا به، وكاشفوه، وانتقل المستعين من دار محمد بن
стр. 2967
عبد الله إلى الرصافة فنزلها، وسعى في الصلح على خلع المستعين وتسليم الأمر للمعتز، وسعى فيه رجال من الوجوه، ووقعت فيه شرائط مؤكدة فخلع المستعين بالله نفسه ببغداد في الرصافة في المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وسلم الأمر للمعتز بالله، وبايع له، وأشهد على نفسه، فكانت خلافه المستعين ثلاث سنين وتسعة أشهر. وأخذ المستعين بعد خلعه إلى واسط موكلاً به، فخرج من مدينة السلام بعد خلعه بثمانية أيام، وأقام بواسط تسعة أشهر في التوكل به، ثم حمل إلى سر من رأى، فقتل بقادسية سر من رأى في أول شوال، وقيل: آخر رمضان سنة اثنين وخمسين ومئتين، وله إحدى وثلاثون سنة وكسر.
وكان المستعين بوجهه أثر جدري، في لسانه لثغةٌ على السين يميل بها إلى الثاء.
ولما أنزل المعتز بالله من لؤلؤة، وبويع له ركب إلى أمه، وهي في القصر المعروف بالهاروني، فلما دخل عليها، وسألته عن خبره قال لها: قد كنت كالمريض المدنف، وأنا الآن كالذي وقع في النزع، يعني أنه بويع له بسر من رأى والمستعين خليفةٌ مجتمعٌ عليه في الشرق والغرب.
وأم المعتز أم ولد يقال لها: قبيحة رومية أدركت خلافته.
وقتل يوم الجمعة مستهل شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوماً. فكانت خلافته من يوم بويع له ببغداد، واجتمع الناس عليه إلى يوم خلع بسر من رأى وقبض عليه صالحٌ بن وصيف فحبسه ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وحبس خمسة أيام، ثم قتل يوم الجمعة بعد العصر مستهل شعبان.
стр. 2968
حدث جماعة، قالوا: لما حذق المعتز القرآن دعا المتوكل شفيعاً الخادم بحضرة الفتح بن خاقان، فقال: إني قد عزمت على تحذيق أبي عبد الله في يوم كذا ببركوارا، فأخرج من خزانة الجوهر جوهراً بقيمة مئة ألف دينار في عشر صواني فضة للنثار على من يقرب من القواد مثل محمد بن عبد الله ووصيف، وبغا، وجعفر الخياط ورجاء الحصاري ونحو هؤلاء من قادة العسكر، وأخرج مئة ألف دينار عدداً للنثار على القواد الذين دون هؤلاء في الرواق الذين بين يدي الأبواب، وأخرج ألف ألف درهم بيضاً صحاحاً للنثار على من في الصحن من خلفاء القواد والنقباء. قال شفيع: فوجهت إلى أحمد بن حباب الجوهري، فأقام معنا حتى صنفنا في عشر صوانٍ من الجوهر الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق بقيمة مئة ألف دينار، ووزن كل صينية ثلاثة آلاف درهم، وقال شفيع لإبن حباب اجعل في صينية من هذه الصواني جوهراً تكون قيمته خمسة آلاف دينار وانتقصه من باقي الصواني، حتى تكون في كل واحدة تسعة آلاف وخمس مئة دينار، فإن أمير المؤمنين أمرني أن أدفع هذه الصينية إلى محمد بن عمران مؤدب الأمير أبي عبد الله إذا فرغ من خطبته، ففعل ذلك. وشدوا كل صينية في منديل، وختمت بخاتم شفيعٍ، وتقدم شفيع إلى من كان معه من الخدم أن ينثروا العين في الرواق والورق في الصحن، ووعز إلى الناس من الأكابر، ووجوه الموالي والشاكرية بحضور بركوار في يوم سمي لهم: ليشهدوا خطبة الأمير المعتز، وكتب إلى محمد بن عبد الله، وهو بمدينة السلام بالقدوم إلى سر من رأى لحضور الحذاق. قال: فتوافى الناس إلى بركوار قبل ذلك بثلاثة أيام، وضربت المضارب، وانحدر المتوكل غداة ذلك اليوم، ومعه قبيجة من اختصت من حرم المتوكل ومن حشمها إلى بركوارا، وجلس المتوكل في الإيوان على منصته، وأخرج منبر أبنوسٍ مضبب بالذهب مرصع بالجوهر، مقانصه عاجٌ، وقيل: عود هندي، فنصب تجاه المنصة وسط الإيوان، ثم أمر بإدخال محمد بن عمران المؤدب، فدخل، فسلم على أمير المؤمنين بالخلافة، ودعا له، فجعل أمير المؤمنين يستدنيه حتى جلس بين يدي المنبر، وخرج المعتز من باب في حنية الإيوان حتى
стр. 2969
صعد المنبر، فسلم على أمير المؤمنين وعلى من حضره، ثم خطب، فلما فرغ من خطبته دفعت الصينية إلى محمد بن عمران، ونثر شفيعٌ صواني الجوهر على من في الإيوان، ونثر الخدم الذين كانوا في الرواق والصحن ما كان معهم من العين والورق، وأقام المتوكل ببركوار أياماً، في يوم منها دعته قبيجة فيقال: إنه لم ير يوم مثله سروراً وحسناً وكثرة نفقةٍ، وإن الشمع كله كان عنبراً إلا الشمعة التي في الصحن، فإنه كان وزنها ألف مناً، فكادت تحرق القصر، ووجد من حرها من كان في الجانب الغربي من دجلة.
وقد كان أمر المتوكل أن يصاغ له سريران: أحدهما ذهبٌ والآخر فضة، وبفرش السرير الفضة ببساط حب، وبردعة حب، ووسادتي حب، ومخدتي حب، ومسند حب منظوم على ديباج أسود، وكان طول السرير تسعة أذرع.
قال: فأخرج من خزانة الجوهر حب عمل له ذلك، فكان أرفع قيمة الحبة ديناراً وأقل القيمة درهماً، فاتخذ ذلك. وأمر بفرش السرير الذهب بمثل فرش السرير الفضة منقوشاً بأنواع الجوهر الأحمر والأخضر والأصفر والأنواع، ففرشا فقعد عليهما هو وقبيجة، ثم وهبهما لها.
قال علي بن حرب الطائي: دخلت على المعتز بالله فما رأيت خليفة كان أحسن وجهاً منه، فلما رأيته سجدت. فقال: يا شيخ! تسجد لأحد من دون الله!؟ قلت: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل بسنده عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ كان إذا رأى ما يفرح به، أو بشر بما يسره سجد شكراً لله .
قال أبو العيناء: دخل ابن السكيت على المعتز، وكان يؤدبه وله عشر سنين، فقال: بأي شيء تحب أن أبتدىء الأمير من العلوم؟ فقال: بالانصراف. قال: أنا أخف نهوضاً منك. فوثب فعثر بسراويله، فالتفت فقال: من الطويل:
стр. 2970
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فخبر بها المتوكل، فأمر لابن السكيت بخمسين ألف درهم. قال أبو العيناء: وإنما فعل ذلك المتوكل ليستر عوار ابنه في سوء أدبه على معلمه.
قال أحمد بن بديل الكوفي القاضي: بعث إلي المعتز رسولاً بعد رسول، فلبست كمتي، ولبست نعل طاق، فأتيت بابه، فقال الحاجب: يا شيخ نعليك. فلم ألتفت إليه. ودخلت الباب الثاني، فقال الحاجب: نعليك. فلم ألتفت إليه، فدخلت إلى الباب الثالث، فقال: يا شيخ نعليك! فقلت: أبالوادي المقدس أنا، فأخلع نعلي!؟ فدخلت بنعلي، فرفع مجلسي، وجلست على مصلاة، فقال: أتعبناك أبا جعفر. فقلت: أتعبتني وأذعرتني، فكيف بك إذا سئلت عني؟ فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا نسمع العلم. فقلت: وتسمع العلم أيضاً؟ ألا جئتني؟ فإن العلم يؤتى ولا يأتي. قال: تعبت أبا جعفرٍ؟ فقلت له: خلبتني بحسن أدبك، اكتب.
قال: فأخذ الكاتب القرطاس والدواة، فقلت له: أتكتب حديث رسول الله ﷺ في قرطاس بمداد؟ قال: فبم نكتب؟ قلت: في رق بحبرٍ. فجاؤوا رقٍّ وحبرٍ، فأخذ الكاتب يريد أن يكتب، فقلت: اكتب بخطك، فأومى إلي أنه لا يكتب، فأمليت عليه حديثين أسخن الله بهما عينيه.
فسأله ابن البنا أو ابن النعمان: أي حديثين؟ فقال: قلت: قال رسول الله ﷺ : " من استرعي رعيةً فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة ".
والثاني: " ما من أمير عشرة إلا يوتى به يوم القيامة مغلولاً ".
قال عمر بن محمد بن عبد الملك، قعد المعتز، ويونس بن بغا بين يديه، والجلساء، والمغنون حضورٌ، وقد أعد الخلع والجوائز، إذ دخل بغا فقال: يا سيدي والدة عبدك يونس في الموت، وهي تحب أن تراه، فأذن له. فخرج، وفتر المعتز بعده، ونعس، وقام
стр. 2971
الجلساء إلى أن صليت المغرب، وعاد المعتز إلى مجلسه، ودخل يونس، وبين يديه الشموع، فلما رآه المعتز عاد المجلس أحسن ما كان، فقال المعتز: مجزوء المتقارب:
تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح
وإن شئت عذبتني ... بأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذين ... ولي كبد تقرح
على ذاك يا سيدي ... دنوك لي أصلح
ثم قالوا: غنوا فيه، فغنو فيه، فجعلوا يفكرون، فقال المعتز لابن فضل الطنبوري: وتلك ألحان الطنبور أملح وأخف، فغن لنا. فغنى فيه لحناً، فقال: دنانير الخريطة وهي مئة دينار فيها مئتان مكتوب على كل دينار: ضرب هذا الدينار بالحسنى لخريطة أمير المؤمنين ثم دعا بالخلع والجوائز لسائر الناس، فكان ذلك المجلس من أحسن المجالس.
ومن شعر عريب في المعتز وأمه قبيجة قولها: مجزوء الرمل:
اسلمي يا دار دار ال ... عز للمعتز دارا
ثم كوني لولي ال ... عهد خلداً وقرارا
أبداً معمورةً ما ... طرد الليل النهارا
ويكون اله للدي ... ن وللإسلام جارا
وولياً ونصيراً ... حيثما حل وسارا
يا أمير المؤمنين اخ ... تارك الله اختيارا
وولاة العهد للدي ... ن صغاراً وكبارا
فدم الدهر لنا ما ... طلع النجم وغارا
الزبير بن سليم
حدث عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب بسنده عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: ينزل الله ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل مسلمٍ، إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ.
стр. 2972
الزبير بن عبد الله الكلابي
والد العلاء بن الزبير. أدرك عصر سيدنا رسول الله ﷺ .
حكى عنه العلاء ابنه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.
الزبير بن العوام بن خويلد
ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد الله الأسدي
ابن عمة سيدنا محمد ﷺ وحواريه، وأحد العشرة الذين شهد لهم سيدنا رسول الله ﷺ بالجنة. شهد بدراً، وأحداً، وغيرهما من المشاهد، وشهد اليرموك، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب، وهو من أهل الشورى، وأمه صفية بنت عبد المطلب.
حدثت سلامة مولاة عائشة بنت عبد الله بن الزبير، وكانت سلامة امرأة صدقٍ، قالت: أرسلتني عائشة بنت عامر إلى هشام بن عروة تقول له: ما لأصحاب رسول الله ﷺ يحدثون عنه، ولا يحدث عنه الزبير؟ فقال هشام: أخبرني أبي قال: أخبرني عبد الله بن الزبير قال: عناني ذلك فسألت أبي عنه، فقال: يا بني، كانت عندي أمك، وعند رسول الله ﷺ خالتك عائشة، وبيني وبينه من القرابة والرحم ما قد علمت، وعمي أم حبيبة بنت أسد جدته، وعمته أمي، وأمه آمنة بنت وهبٍ بن عبد مناف، وجدتي هالة بنت أهيب بن عبد مناف، وزوجته خديجة بنت خويلد عمتي، ولقد نلت من صحابته أفضل ما نال أحدٌ، ولكني سمعته يقول:
стр. 2973
من قال علي ما لم أقل تبوأ مقعده من النار.
فلا أحب أن أحدث عنه.
حدث هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الزبير قاعداً، ورجلٌ يقول: قال رسول الله ﷺ ، عامة مجلسه. قال: فسكت الزبير حتى انقضت مقالته. قال: فقال الزبير: ما قال رسول الله ﷺ شيئاً من هذا! قال: والله يا عبد الله، إنك لحاضر المجلس يومئذٍ. قال: صدقت، إنما قال رسول الله ﷺ قبل أن تجيء: قال رجلٌ من أهل الكتاب. فجعل يذكر عنه، فجئت وهو يذكر ذلك، فذاك الذي يمنعني من الحديث عن النبي ﷺ .
قال أبو سليمان الخطابي: لم يخف الزبير على نفسه من الحديث أن يكذب فيه عمداً، ولكنه خاف أن يزل، أو يخطىء: فيكون ما يجري فيه من الغلط كذباً إذ لم يتبين أن رسول الله ﷺ قد قاله.
قال: وفيه من العلم أنه لا يجوز الحديث عن رسول الله ﷺ بالشك، وغالب الظن، حتى يتيقن سماعة.
حدث عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: سمعت عبد الله يقول: قدمت مع الزبير من الشام من غزوة اليرموك، فكنت أراه يصلي على راحلته حيثما توجهت.
وعن عبد الله بن الزبير قال: كنت مع الزبير عام اليرموك، فلما تعبأ الناس للقتال لبس الزبير لأمته، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليين له: احبسا عبد الله في الرحل معكما، فإنه غلام صغير، ثم وجه فدخل في الناس، فلما اقتتلوا نظرت إلى ناس وقوفٍ على تلٍّ لا يقاتلون مع الناس، فأخذت فرساً للزبير، خلفه في الرحل، فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك، فوقفت معهم، فقلت: أنظر ما يصنع الناس، فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخةٍ من قريش من مهاجرة
стр. 2974
الفتح وقوفاً لا يقاتلون. فلما رأوني غلاماً حدثاً فلم يتقوني، فجعلوا إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون: إنه أمة بني الأصفر، قال: وإذا مال الروم وركبهم المسلمون قالوا: يا ويح بني الأصفر، فجعلت أعجب من قولهم.
فلما هزم الله الروم، ورجع الزبير، جعلت أخبره خبرهم، قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوا إلا ضغناً، وماذا لهم في أن يظهر علينا الروم، لنحن خيرٌ لهم منهم. ثم إن الله أنزل نصره، وهزمت الروم وجموع هرقل التي جمعت، وأصيب من الروم وأهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفاً، وقتل الله القيفلان.
فلما انهزمت الروم بعث أبو عبيدة عياض بن غنم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية، فصالحه أهلها على الجزية، ثم انصرف. فلما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتليها ومن فيها، فساقهم إليه، وأمر بملطية فحرقت.
قال موسى بن طلحة: كان علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله عذار عام واحدٍ، يعني: ولدوا في عام واحدٍ.
حدث أبو الأسود قال: أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثماني سنين، وهاجر وهو ابن ثماني عشرة، وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول: ارجع إلى الكفر. فيقول الزبير: لا أكفر أبداً.
وعن عروة قال:
أسلم الزبير وهو ابن ثماني سنين، قال: ونفخت نفخةٌ من الشيطان أن رسول الله ﷺ أخذ بأعلى مكة، فخرج الزبير وهو غلام ابن اثنتي عشرة سنة، ومعه السيف، فمن رآه ممن لا يعرفه قال: الغلام معه السيف، حتى أتى النبي ﷺ قال: فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 2975
مالك يا زبير؟ قال: أخبرت أنك أخذت. قال: فكنت صانعاً ماذا؟ قال: كنت أضرب من أخذك. قال: فدعا له رسول الله ﷺ ولسيفه، وكان أول سيفٍ سل في سبيل الله تعالى.
كان الزبير بن العوام طويلاً، تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أشعر، ربما أخذت بشعر كتفيه، متوذف الخلقة.
حدث عروة: أن صفية كانت تضرب الزبير ضرباً شديداً، وهو يتيم، فقيل لها: قتلته خلعت فؤاده، أهلكت هذا الغلام. قالت:
إنما أضربه لكي يلب ... ويجر الجيش ذا الجلب
قال: وكسر يد غلام ذات يوم، فجيء بالغلام إلى صفية، فقيل لها ذلك، فقالت صفية: من الرجز
كيف وجدت زبراً ... أأقطا حسبته أم تمرا
أم مشمعلاً صقرا
وعن ابن عباس: أن علي بن أبي طالب قال له: ما كان معنا إلا فرسان: فرسٌ للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود. يعني به يوم بدرٍ.
وعن عبد الله بن الزبير: أن الزبير كانت عليه ملاءةً صفراء يوم بدرٍ، فاعتم بها، فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر.
стр. 2976
وفي حديث آخر بمعناه: فقال النبي ﷺ : نزلت الملائكة اليوم على سماء أبي عبد الله. وجاء النبي ﷺ وعليه عمامة صفراء.
وعن عروة قال: قالت عائشة: يا بن أختي، كان أبواك تعني الزبير وأبا بكر من " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ". قالت: لما انصرف المشركون من أحدٍ، وأصاب النبي ﷺ وأصحابه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا، فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة؟ قال: فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم، فانصرفوا. قالت: " فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ ". قال: لم يلقوا عدواً.
وعن داود بن خالدٍ وغيره: أن رسول الله ﷺ رأى يوم أحد رجلاً يقتل المسلمين قتلاً عنيفاً، فقال: قم إليه يا زبير. فرقى إليه الزبير حتى إذا علا فوقه اقتحم عليه فاعتنقه، فأقبلا يتحدران حتى وقعا على الأرض، ووقع الزبير على صدره فقتله، فتلقاه النبي ﷺ فقبله، وقال: فداك عمٌّ وخالٌ.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: من رجلٌ يأتينا بخير بني قريظة؟ فقال الزبير: أنا. فذهب، ثم قالها الثانية، فقال الزبير: أنا. فذهب، ثم قالها الثالثة، فقال الزبير: أنا فذهب، فقال النبي ﷺ : لكل نبي حواري، والزبير حواري وابن عمتي.
وفي حديث بمعناه: فقيل للزبير: يا أبا عبد الله، هل قالها رسول الله ﷺ لأحدٍ غيرك؟ فقال: لا والله ما علمت قالها لأحدٍ غيري.
وعن زر بن حبيش قال: جاء ابن جرموزٍ قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁، فقال علي: ليدخل النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي حواريٌّ وحواري الزبير.
стр. 2977
وعنه قال: استأذن ابن جرموزٍ على علي، وأنا عنده، فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال علي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي ٍ حواريٌ، وحواري الزبير.
وقتل الزبير يوم الجمل، وقد تنحى عن القتال، فتبعه ابن جرموز فقتله.
وعن هشام بن عروة: أن غلاماً مر بابن عمر، فسئل: من هو؟ فقال: أنا ابن حواري رسول الله ﷺ ، فقال ابن عمر: إن كنت من ولد الزبير، وإلا فلا. قال: فسئل: هل كان أحدٌ يقال له حواريٌّ رسول الله ﷺ غير الزبير؟ فقال: لا أعلمه.
والحواري: الناصر، وقيل: الحواري: الخالص من كل شيء.
وعن الزبير قال: والله لقد جمع لي رسول الله ﷺ فقال: ارم فداك أبي وأمي.
حدث مصعب قال:
كان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع، أطم حسان بن ثابت، مع النساء يوم الخندق، ومعهم عمر بن أبي سلمة، فقال ابن الزبير: ومعنا حسان بن ثابت ضارباً وتداً في ناحية الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله ﷺ على المشركين انحاز عن الوتد حتى كأنه يقاتل قرناً، يتشبه بهم، كأنه يرى أنه يجاهد حين جبن عن القتال، قال: وإني لأظلم ابن أبي سلمة يومئذ، وهو أكبر مني بسنتين، فأقول له: تحملني على عنقك حتى أنظر، فإني أحملك إذا نزلت، قال: فإذا حملني ثم سألني أن يركب قلت له: هذه المرة،. قال: وإني لأنظر إلى أبي معلماً بصفرةٍ، فأخبرتها أبي بعد، فقال: وأين أنت حينئذٍ؟ قلت: على عنق ابن أبي سلمة يحملني. فقال: أما والذي نفسي بيده إن رسول الله ﷺ حينئذٍ ليجمع لي أبويه.
فقال ابن الزبير: فجاء يهودي يرتقي إلى الحصن، فقالت صفية لحسان: عندك
стр. 2978
يا حسان، فقال: لو كنت مقاتلاً كنت مع رسول الله ﷺ . فقالت صفية له: أعطني السيف، فأعطاها، فلما ارتقى اليهودي ضربته حتى قتلته، ثم احتزت رأسه، فأعطته حسان، وقالت: طوح به، فإن الرجل أشد رمية من المرأة، تريد أن ترعب أصحابه.
قال ابن أبي الزناد: ضرب الزبير بن العوام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره، فقطعه إلى القربوس، فقالوا: ما أجود سيفك. فغضب الزبير: يريد أن العمل ليده لا لسيفه.
قال ابن واقد في خيبر: قالوا: وبرز أسير، وكان رجلا أيداً، وكان إلى القصر، فجعل يصيح: من يبارز؟ فبرز له محمد بن مسلمة، فاختلفا ضرباتٍ، ثم قتله محمد بن مسلمة، ثم برز ياسر، وكان من أشدائهم، وكانت معه حربةٌ يحوش بها المسلمين حوشاً، فبرز له علي بن أبي طالب، فقال الزبير: أقسمت عليك إلا خليت بيني وبينه، ففعل علي، وأقبل ياسر بحربته يسوق بها الناس، فبرز له الزبير، فقالت صفية: يا رسول الله، واحدي، ابني يقتل يا رسول الله. فقال: بل ابنك يقتله. قال فاقتتلا قال: فقتله الزبير، فقال له رسول الله ﷺ : فداك عمٌ وخالٌ. وقال النبي ﷺ : لكل نبيٍّ حواريٌّ، وحواري الزبير وابن عمتي، فلما قتل مرحب وياسر قال رسول الله ﷺ : أبشروا قد ترحبت خيبر وتيسرت.
وعن الزبير عن رسول الله ﷺ : أنه أعطاه يوم فتح مكة لواء سعد بن عبادة، فدخل الزبير مكة بلواءين.
عن سعيد بن المسيب قال: لما انهزم المشركون يوم حنينٍ، خرج مالك بن عوف عند الهزيمة حتى وقف على فوارس
стр. 2979
من قومه على ثنيةٍ، فقال لأصحابه: قفوا حتى يمر ضعفاء الناس، ويحلق آخركم بكم.
قال: فبينا هم كذلك طلعت عليها خيلٌ، فقال مالك بن عوف: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوماً واضعين الرماح بين آذان الخيل، طوال، بوادهم عليها. فقال: هذه بنو سليم، اثبتوا فلا بأس عليكم منهم، فلما أتوا أسفل الثنية سلكوا بطن الوادي ذات اليسار.
قال: ثم طلعت خيلٌ أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أقواماً جاعلين الرماح على أكفال الخيل. قال: هذه الأوس والخزرج، اثبتوا: فلا بأس عليكم منهم. فلما انتهوا إلى أسفل الثنية سلكوا طريق بني سليم.
ثم طلع فارسٌ واحدٌ، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى فارساً طويل النجاد، هول الفخذ، واضع الرمح. قال: هذا الزبير بن العوام، وأحلف بالله ليخالطنكم، فاثبتوا. قال: فلما انتهى إلى أسفل الثنية أبصر القوم، فعمد إليهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزالوا عنها.
وعن أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: عندي للزبير ساعدان من ديباج، كان النبي ﷺ أعطاها إياه يقاتل فيهما.
وعن عروة قال: أعطى رسول الله ﷺ الزبير بن العوام يلمق حريرٍ محشواً بالقز، يقاتل فيه.
وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أسهم الزبير سهمين لفرسه، وسهماً لنفسه، ولأمه سهم في ذي القربى، فكان يأخذ أربعة أسهم.
كان سفيان يقول: هؤلاء الثلاثة بجدة أصحاب النبي ﷺ : حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام.
стр. 2980
وعن عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال:
جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، وهو في مسجد رسول الله ﷺ فقال له: يا أبا الحسن، من أشجع الناس؟ فقال له: ذاك الذي يغضب غضب النمر، ويثب وثوب الأسد، وأشار إلى الزبير، فقام إلى الزبير ولا يشعر بما قال علي، فقال له: يا أبا عبد الله، من أشجع الناس؟ قال: الذي كسر وجبر، أراد بقوله: كسر وجبر أن القرن إذا كسر وجبر كان أشد منه في أوله.
قال علي بن زيد: أخبرني من رأى الزبير بن العوام وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي.
قال حفص بن خالد: حدثني شيخ قدم علينا من الموصل، قال: صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره، فأصابته جنايةٌ بأرضٍ قفرٍ، فقال: استرني. فسترته، فحانت مني التفاتةٌ، فرأيته مخذعاً بالسيوف، فقلت: والله لقد رأيت بك آثاراً ما رأيتها بأحدٍ قط! فقال: وقد رأيت ذلك؟ قلت: نعم. فقال: أما والله ما منها جراحةٌ إلا مع رسول الله ﷺ وفي سبيل الله.
قال هشام بن عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف: إحداهن في عاتقه، إن كانت لأدخل أصابعي فيها، ضرب ثنتين يوم بدرٍ، وواحدة يوم اليرموك.
قال عروة: قال عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله بن الزبير: يا عروة، هل تعرف سيف الزبير؟ قال: قلت: نعم. قال: فما فيه؟ قال: قلت: فيه فلةٌ فلها يوم بدر. قال: صدقت، فاستله، فرآها فيه فقال: من الطويل:
بهن فلولٌ من قراع الكتائب
следующие страницы →