Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
قال وهب بن منبه: إن زكريا هرب ودخل جوف شجرةٍ، فوضع على الشجرة المنشار، وقطع بنصفين، فلما بلغ المنشار على ظهره أن، فأوحى الله تعالى وتبارك: يا زكريا، إما أن تكف عن أنينك، أو أقلب الأرض ومن عليها. قال: فسكت حتى قطع بنصفين.
وعن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ ليلة أسري به رأى زكريا في السماء، فسلم عليه، فقال له: يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان، ولم قتلك بنو إسرائيل؟ قال: يا محمد، أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها، ً وكان كما قال الله : " سيداً وحصوراً "، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بغية، فأرسلت إليه، وعصمة الله، وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى، ولهم عيدٌ يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد، ولا يخلف، ولا يكذب، قال: فخرج الملك إلى العيد، فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجباً، ولم تكن تفعله فيما مضى. فلما أن شيعته قال الملك: سليني، فما سألتني شيئاً إلا أعطيتك. قالت: أريد دم يحيى بن زكريا. قال لها: سليني غيره. قالت: هو ذاك قال: هو لك. قال: فبعثت جلاوزتها إلى يحيى، وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي. قال: فذبح في طستٍ، وحمل رأسه ودمه إليها.
قال: فقال النبي ﷺ : فما بلغ من صبرك؟ قال: ما انفتلت من صلاتي.
قال: فلما حمل رأسه إليها فوضع بين يديها، فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: قد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا.
قال: فخرجوا في طلبي ليقتلوني، فجاءني النذير، فهربت منهم، وإبليس أمامهم،
стр. 3012
يدلهم علي، فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرةٌ، فنادتني فقالت: إلي إلي، وانصدعت لي، فدخلت فيها.
قال: وجاء إبليس حتى أخذ طرف ردائي، والتأمت الشجرة، وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة. وجاءت بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة؟ هذا طرف ردائه، دخلها بسحره، فقالوا: نحرق هذه الشجرة. فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقاً. قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار.
فقال له النبي ﷺ : يا زكريا هل وجدت له مساً أو وجعاً؟ قال: لا، إنما وجدت تلك الشجرة، جعل الله تعالى روحي فيها.
وعن وهب: أن الذي انصدعت له الشجرة، ودخل فيها كان أشعياء قبل عيسى، وأن زكريا مات موتاً.
زكريا بن أحمد بن محمد
ابن إسماعيل أبو منصور الخراساني الجوزجاني الأبهري الواعظ قدم دمشق سنة خمسين واربع مئة.
حدث عن أبي الحسن زفر بن الحسين بن محمد الكباش البغدادي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، والنظر إلى الوجه القبيح يورث الكلح ".
стр. 3013
زكريا بن أحمد بن يحيى
ابن موسى خت بن عبد ربه بن سالم، أبو يحيى البلخي قاضي دمشق في خلافة المقتدر.
حدث عن أبي الزنباع روح بن الفرج المصري بسنده عن ابن عمر قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.
توفي أبو يحيى البلخي في دمشق سنة ثلاثين وثلاث مئة.
زكريا بن منظور بن ثعلبة
ابن أبي مالك أبو يحيى القرظي المدني القاضي حليف الأنصار كان أعور.
روى عن أبي حازم بن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: القدرية مجوسٌ هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم.
وروى عن أبي حازم أيضاً عن سهل بن سعد قال: مر النبي ﷺ بذي الحليفة، فإذا هو بشاةٍ ميتة شائلةٍ برجلها، فقال: ترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن جناح بعوضة عند الله ما سقى كافراً منها قطرة ماء أبداً.
سئل يحيى بن معين عن زكريا بن منظور فقال: ليس بشيء، وفي رواية: ليس بثقة، وكان طفيلياً.
стр. 3014
زكريا بن يحيى بن إياس
ابن سلمة بن حنظلة بن قرة، أبو عبد الرحمن السجزي، المعروف بخياط السنة سكن دمشق، وحدث بها.
روى عن سعيد بن كثير الأنصاري بسنده عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يقول: " لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعباً، ولا جاداً، فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه.
وروى عنه أيضاً بسنده عن عبد الله بن عمروٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يقبض انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ".
كان مولد زكريا السجزي سنة خمس وتسعين ومئة، وكانت وفاته سنة تسع وثمانين ومئتين، وكان عمره خمساً وتسعين سنة.
زكريا بن يحيى بن درست
أبو يحيى التستري سمع بدمشق.
حدث عن هشام بن عمار بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة ".
زكريا بن يحيى بن يزيد الصيداوي
حدث عن عمران بن أبي عمران بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يعاد الوضوء من الرعاف السائل ".
стр. 3015
زكريا بن يحيى الحميري
الكندي الكوفي وفد على عمر بن عبد العزيز.
وحدث عنه قال: أقمنا عند عمر بن عبد العزيز بخناصرة أربعين يوماً. قال: فأتي برجلٍ قد نقش على خاتم الخلافة. فقال: ويح ما حملك على هذا؟ قال: الطمع والشيطان. فقال لجلسائه من قريش وأهل الشام: ما ترون في هذا؟ قالوا: الرأي فيه مستقيم، تقطع يده. قال: لكني أرى غير ذلك، هذا رجل هم بسرقة ولم يسرق. قال: فاستحلف أن لا يعود، وأمر بعض من عنده فعزره سوطين أو ثلاثة، وخلى سبيله.
زكريا بن يحيى أبو الهيثم
السقلي الهمداني حدث عن سعيد بن سليمان بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يهجر أحدكم أخاه فوق ثلاثة أيام يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا ".
قال: هذا حديث غريب، والمحفوظ بمعناه بسند آخر، وفيه زيادة: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
زنباع بن سلامة
ويقال ابن روح بن سلامة ابن حداد بن حديدة بن أمية بن امرىء القيس الجذامي والد روح بن زنباع.
من أهل فلسطين، قدم دمشق، وكانت له بها دار.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان لزنباع عبد يسمى سندر أو ابن سندر فوجده يقبل جاريةً له، فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى زنباع فقال: لا تحملوهم
стр. 3016
ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، وما كرهتم فبيعوا، وما رضيتم فأمسكوا، ولا تعذبوا خلق الله، ثم قال رسول الله ﷺ : " من مثل به أو حرق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله "، فأعتقه رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله، أوص بي، فقال: أوصي بك كل مسلم ".
زنكل بن علي العقيلي الرقي
من صحابة عمر بن عبد العزيز.
حدث عن أيوب السختياي بسنده عن عمرو بن العاص قال: نهانا رسول الله ﷺ عن بيع وسلفٍ، وعن شرطين في بيعٍ وعن بيع ما لم يملك، وعن ربح ما لم يضمن.
وعن زنكل بن علي قال: سألت أيوب السختياني فقلت: ما ترى فيمن يبايع ويقرض؟ قال: سمعت عمرو بن شعيب يذكر حديثاً يرفعه قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين، وساق الحديث.
وعن زنكل بن علي السلمي عن أم الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث لا يتركهن العرب وهي بهم كفر: الاستسقاء بالأنواء، والطعن في النسب، والنوح.
وبسنده قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كبر العبد سترت تكبيرته ما بين السماء والأرض من شيء.
قال أبو سعيد زنكل بن علي وزير لعمر بن عبد العزيز: قال حذيفة بن اليمان: يا طاعون خذني إليك ثلاث مرات قبل سفك دم حرام، وقبل جور في الحكم، وإمارة الصبيان، وكثرة الزبانية.
وعن زنكل بن علي عن محمد بن المنكدر قال: ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ.
стр. 3017
زهدم بن الحارث
حكى عن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، حين ولي الخلافة، خطبنا فقال: اللهم، إن كنت تعلم أني لم أسألكها في سر ولا علانيةٍ فسلمني منها.
زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام
ابن زهرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب أبو عقيل التيمي القرشي مدني سكن مصر.
حدث أبو عقيل عن جده قال: كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: أتحبني يا عمر؟ قال: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال له النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فأنت رسول الله أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر.
وحدث أبو عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام: وكان أدرك النبي ﷺ وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، بايعه. فقال النبي ﷺ : هذا صغير، ومسح رأسه، ودعا له النبي ﷺ ، وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله.
حدث زهرة أنه سمع عبد الله بن عمر: إذا انصرف من صلاة العشاء الآخرة يكبر رافعاً صوته حتى يدخل منزله.
قال زهرة بن معبد: لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي: أين تسكن يا أبا عقيل؟ قال: قلت: بمصر. فقال: أي مصر؟ قلت: بفسطاطها. قال: أين أنت من طيبة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين
стр. 3018
طيبة المدينة! قال: ليس المدينة أردت، إنما أردت الاسكندرية، لولا ما أنا فيه لأحببت أن يكون منزلي بها، حتى يكون قبري بين ذينك المينائين.
وفي حديث آخر: أتسكن الخبيثة المنتنة وتذر الطيبة؟ قلت: أيته؟ قال: الاسكندرية، فإنك تجمع بها دنيا وآخرة، طيبة الموطأ، والذي نفس عمر بيده لوددت أن قبري يكون بها.
توفي أبو عقيل بالاسكندرية سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة، وقيل: هو الأصح.
قال الليث: كنا نعود أبا عقيل وهو شديد الوجع، ونحن خائفون عليه، فأتيناه غداةً من ذلك فقال: أريت الليلة عمر بن عبد العزيز، فقال لي: أين تسكن يا أبا عقيل؟ فقلت: الاسكندرية منذ عزمت علي، فقال: فأبشر بما يسرك في دنياك وآخرتك. مرتين، فقلت له: لله الحمد، أما أنت فقد بشرك بأن لك بقية عمرٍ، وبشرك بالجنة.
وزعموا أنه كان من الأبدال.
زهير بن الأقمر
ويقال عبد الله بن مالك أبو كثير الزبيدي الكوفي حدث أبو كثير عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، فقام رجل ذاك أو آخر فقال: يا رسول الله، أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربك، والهجرة هجرتان: هجرة الحاضر
стр. 3019
والبادي، فهجرة البادي أن يجيب إذا دعي. ويطيع إذا أمر، والحاضر أعظمهما بليةً وأفضلهما أجراً.
وعن زهير بن الأقمر قال: لما قتل علي بن أبي طالب قام الحسن خطيباً، فقام شيخ من أزد شنوءة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبني فليحب هذا الذي على المنبر فليبلغ الشاهد الغائب، ولولا عزمة رسول الله ﷺ ما حدثت أحداً.
قال أبو كثير الزبيدي: قدمت على معاوية أو على يزيد بن معاوية، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص فحدثناه عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: الصلوات كفارات لما بعدهن. قال: فحدثنا أن آدم خرجت به شأفة في إبهام رجله، ثم ارتفعت إلى أصل قدميه، ثم ارتفعت إلى ركبتيه، ثم ارتفعت إلى حقويه، ثم ارتفعت إلى أصل عنقه، فقام فصلى، فنزلت عن منكبيه، ثم صلى فنزلت إلى حقويه، ثم صلى فنزلت إلى ركبتيه ثم صلى فنزلت إلى قدميه ثم صلى فذهبت.
زهير بن جناب بن هبل
ابن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي شاعرٌ جاهلي كان مع الحارث بن أبي شمر الجفني.
وجناب بالجيم وبعدها نون، وتحت الباء نقطة في اليمن ثم في بني كلب بنو جناب بن هبل، قبيلة عظيمة فيهم شرف، ومنهم بنو عليم بن جناب، ومن سادتهم زهير بن جناب وأخوه عدي بن جناب، وكان يحمق. وقيل: إن زهيراً عاش ثلاث مئة سنة، زهير سيد قضاعة شاعر فارس.
стр. 3020
سمع النبي ﷺ عائشة ﵂ وهي تتمثل بقول زهير بن جناب الكلبي من الكامل
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب ما جنى
يجزيك لو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فقال لها النبي ﷺ : الشعر الذي كنت تمثلين به قالت: أنشدته إياه. قال: يا عائشة، إنه لا يشكر الله تعالى من لا يشكر الناس.
قالوا: ومن المعدودين من المعمرين من قضاعة زهير بن جناب، عاش أربع مئة سنة وعشرين سنة، وكان سيداً مطاعاً شريفاً في قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه: كان سيد قومه، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم والطب في ذلك الزمان شرف وحازي قومه والحزاة الكهان، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، وله العدد منهم.
وقيل: إنه عاش حتى هرم، وغرض من الحياة، وذهب عقله، فلم يكن يخرج إلا ومعه بعض ولده. وإنه خرج ذات عشية إلى مال له، فنظر إليه فاتبعه بعض ولده، فقال له: ارجع إلى البيت قبل الليل، فإني أخاف أن يأكلك الذئب، فقال: قد كنت، وما أخشى بالذئب، فذهبت مثلاً. ويقال: إن قائل هذا خفاف بن ندبة.
وقيل: إن زهيراً عاش ثلاث مئة سنة وخمسين سنة، وكبر حتى خرف، وكان يتحدث بالعشي بين القلب يعني الآبار وكان إذا انصرف عند الليل شق عليه،
стр. 3021
فقالت امرأته لميس الأرأشية لابنها خداش بن زهير: اذهب إلى أبيك حين ينصرف، فخذ بيده، فقده. فخرج حتى انتهى إلى زهير فقال: ما جاء بك يا بني؟ فقال: كذا وكذا. قال: اذهب. فأبى، فانصرف تلك الليلة معه، ثم كان من الغد، فجاءه الغلام، فقال له: انصرف، فأبى، فسأل الغلام، فكتمه، فتوعده فأخبره الغلام الخبر، فأخذه فاحتضنه، فرجع به، ثم أتى أهله، فأقسم زهير بالله لا يذوق إلا الخمر، فمكث ثمانية أيام ثم مات.
وذكر ابن الكلبي:
أن زهير بن جناب أوقع بالعرب مئتي وقعة، وقيل خمس مئة وقعة، وهو ضعيف. وكان زهير على عهد كليب بن وائل، وكان قد أسر مهلهلاً، ولم يكن في العرب أنطق من زهير بن جناب ولا أوجه عند الملوك. وكان لشدة رأيه يسمى كاهناً.
قالوا: وشرب زهير الخمر صرفاً حتى مات، وشربها أبو براء عامر بن مالك بن جعفر صرفاً حتى مات، وشربها عمرو بن كلثوم التغلبي صرفاً حتى مات. قال: ولم يبلغنا أن أحداً فعل ذلك من العرب إلا هؤلاء.
وقال زهير بن جناب الكلبي لبنيه: يا بني، عليكم باصطناع المعروف واكتسابه، وتلذذوا بطيب نسيمه، وارضوا بمودات صدور الرجال من أيمانه، فرب رجل قد صفر من ماله فعاش به هو وعقبه من بعده.
وفي حديث آخر: يا بني، عليكم بالزهد في الدنيا تربحوا أبدانكم، ولا تعدوا استكثاراً من حرام مالاً، وتنكبوا كل حديث مشنوع، ولا تقبلوا من الأخبار إلا ما يجوز في الرأي.
стр. 3022
زهير بن قيس
أبو شداد البلوي المصري. وهو ممن لزم عمرو بن العاص في الفتنة، ودخل معه دمشق كما قيل، وقيل: إن له صحبه.
حدث عن علقمة بن رمثة البلوي قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى البحرين، ثم خرج رسول الله ﷺ في سرية، وخرجنا معه، فنعس رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ فقال: رحم الله عمراً. قال: فتذاكرنا كل إنسان اسمه عمرو، ثم نعس الثانية، ثم استيقظ فقال: رحم الله عمراً. قال: فتذاكرنا كل إنسان اسمه عمرو، ثم نعس الثالثة، ثم استيقظ، فقال: رحم الله عمراً، فقلنا: من عمرو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن العاص، قالوا: ما باله؟ قال: ذكرت أني كنت إذا ندبت الناس إلى الصدقة جاء من الصدقة فأجزل، فأقول له: من أين لك هذا يا عمرو؟ فيقول: من عند الله، وصدق عمرو إن لعمرو عند الله خيراً كثيراً. قال زهير: فلما كانت الفتنة قلت: أتبع هذا الذي قال رسول الله ﷺ فيه ما قال، فلم أفارقه.
قتل زهير ببرقة، قتلته الروم سنة ست وسبعين.
زهير بن محمد بن يعقوب
أبو الخير الموصلي حدث بدمشق.
روى عن أبي عبد الله الحسين بن عمر بن أبي الأحوص الكوفي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي ".
وحدث زهير أيضاً عن أبي يعلى محمد بن أحمد بن عبيد الأقطع السلمي الملطي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " من صام في كل شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب له عبادة سبع مئة سنة ".
стр. 3023
قال كل راوٍ لهذا الحديث من الحافظ إلى أنسٍ: صمت أذناي إن لم أكن سمعت فلاناً يقول هذا، واحدٌ بعد واحدٍ.
زهير بن محمد أبو منذر التميمي
ثم العنبري الخراساني المروزي الخرقي من أهل قرية من قرى مرو تسمى خرق. سكن مكة، وسكن الشام.
حدث زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قرأ رسول الله ﷺ الرحمن حتى ختمها، فقال: ما لي أراكم سكوتاً! للجن كانوا أحسن رداً منكم، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة " فبأي آلاءٍ ربكما تكذبان " إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
وحدث زهير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: مثل الناس كإبل مئة لا يوجد فيها راحلة.
زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم
ابن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن سالم بن عقال أبو منصور بن أبي العباس التميمي صاحب القيروان قدم دمشق في سنة اثنتين وثلاث مئة مجتازاً إلى بغداد حين غلب على ملكه بإفريقية، ومنهم جماعة ملكوا إفريقية.
كان لزيادة الله غلام فحل صبي يدعى خطاب، وهو الذي اسمه في السكك، فسخط عليه وقيده بقيد من ذهب، فدخل يوماً من الأيام صاحبه على البريد، وهو عبد
стр. 3024
الله بن الصايغ، فلما رأى الغلام مقيداً تأخر قليلاً، وكتب بهذين البيتين إلى زيادة الله من البسيط:
يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقاً فإن يد المعشوق فوق يدك
كم ذا التجلد والأحشاء راجفةٌ ... أعيذ قلبك أن يسطو على كبدك
فأطلق الغلام، ورضي عنه، ووصل عبد الله بن الصايغ بالقيد الذهب.
في كتاب الوزراء للصولي قال:
كان العباس بن الحسن يحب أن يرى المكتفي أنه فوق القاسم بن عبيد الله تدبيراً، فقال للمكتفي: إن ابن الأغلب في دنيا عظيمة، ونعم خطيرة، وأريد أن أكاتبه وأرغبه في الطاعة، وأخوفه المعصية. ففعل فأنجح الكتاب، ووجه ابن الأغلب برسول الله شيخٍ ومعه هدايا، ومئتا خادم، وخيل، وبر كثير، وطيب، ومن اللبود المغربية، ومئتان وعشرة آلاف درهم في كل درهم عشرة دراهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وكتب على الدراهم من وجهين، على كل وجه منها: من الكامل
يا سائراً نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله
بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله
وفي الجانب الآخر:
ما ينبري لك بالشقاق منافقٌ ... إلا استباح حريمه وأذله
من لا يرى لك طاعة فالله قد ... أعماه عن سبل الهدى وأضله
ووجه إلى العباس بهدايا كثيرة جليلة، وعرفه أنه لم يزل وآباؤه قبله في طاعة الخلفاء.
توفي زيادة الله بالرملة في جمادى الأولى سنة أربع وثلاث مئة، ودفن بالرملة فساخ به قبره، فسقف عليه، وترك مكانه.
стр. 3025
زياد بن أسامة الحرمازي البصري
وفد على معاوية.
حدث جماعة، دخل حديث بعضهم في حديث الآخر: أن المغيرة بن شعبة قال لزياد، وهو بفارس وجهه إليه معاوية: أبا المغيرة، خذ لنفسك من هذا الرجل. قال: أشر علي، فإن المستشار مؤتمن. قال: أرى أن تنقل أصلك إلى أصله، وتصل حبلك بحبله، وتعير الناس منك أذناً صماء. قال: قلت ما لا يكون يا بن شعبة، مغرس في غير منبته، لا عرق يسقيه، ولا مدرة له تغذوه، وقد قال زهير: من الطويل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
ثم قدم زياد بن معاوية، فجرى بينهما الصلح، وضمن لمعاوية أربعة آلاف ألف فحملها إليه، وأبرأه معاوية من كل مالٍ أصابه، وشخص زياد إلى الكوفة، فكتب إليه معاوية يعرض له بالدعوة فأبى، ثم قدم عليه الشام، فأراده معاوية على الدعوة فقال زياد: كيف! وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فحرامٌ عليه أن يراح رائحة الجنة، وقد ولدت على فراش عبيد؟ فقال معاوية: والله إنك لابن أبي سفيان، فنفر من ذلك زياد، فكف عنه معاوية، ثم عاوده فكلمه فيه فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا لا يصح إلا بشهادة قائمةٍ طاهرةٍ، وأمر واضح يثبت به النسب، فقال معاوية: إن من يقوم بهذا ويعلمه، ويشهد به غير واحد. قال: من يقول ذلك؟ قال: جويرية بنت أبي سفيان، فادخل عليها: فقد أخبرتني أنها سمعت أبا سفيان يقول: زياد ابني. فدخل عليها زياد، فقالت: يا أخي، أنت والله ابن أبي سفيان، أشهد على أبي لسمعته غير مرةٍ يقول: إن زياداً ابني. فرجع إلى معاوية فقال: أتزوج بني
стр. 3026
بناتك؟ قال: نعم. فادعاه سنة أربع وأربعين، فجمع معاوية أشراف الناس ووجوههم، وخطبهم، وقال: أنشد الله رجلاً كان عنده علم من زياد إلا قام به. فقام المنذر بن الزبير بن العوام، فشهد أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: أشهد أن أبا سفيان أشهدني أن زياداً ابنه، وقام أبو مريم مالك بن ربيعة السلولي، وكان ممن شهد فتح الأبلة، فشهد أن أبا سفيان أقر أن زياداً ابنه، وشهد المستورد بن قدامة الباهلي، وابن أبي بصير الثقفي، وزيد بن نفيل الأزدي، ورجل من بني عمرو بن شيبان، وشعبة بن القلعم المازني، وزياد بن أسامة الحرمازي أن زياداً ابن أبي سفيان. وقام رجل من بني المصطلق فقال: أشهد أن أبا سفيان كان بيني وبين علي بن أبي طالب، وزياد يتكلم عند عمر بعذر أبي موسى، فقال أبو سفيان: والله إنه لابني، وإنه من نطفة أقررتها في رحم أمه سمية.
فلما شهد الشهود حمد الله معاوية، ثم قال: إنه من يرد الله رفع خسيسته وإثبات وطيدته يسبب له الأمور، ويجري له المقادير، على ما أحب الناس أو كرهوا، حتى يبلغ المنصب المشهور. وإن زياداً عبدٌ من عبيد الله، امتن الله عليه وعلينا معه بألفة رحمة، فوشجت العروق في منابتها، ومت برحمٍ غير منقطعةٍ، فالحمد لله الذي وصل ما قطع الناس، ولطف لما أجفوا، وحفظ ما ضيعوا. ثم تكلم زياد، فحمد الله وقال: هذا أمر لم أشهد أوله، ولم أدع آخره، وقد قال أمير المؤمنين ما قد سمعتم، وشهدت الشهود بما قد حضرتم، فأنا امرؤ رفع الله مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا، فإن يك ما قالوا حقاً فالحمد لله على بلائه عندنا ونعمه علينا، وإن يك ما قالوا باطلاً فقد جعلت الرجال فيما بيني وبين الله .
стр. 3027
زياد بن جارية التميمي
ويقال زيد والصواب زياد من أهل دمشق.
حدث مكحول قال: سئلت على النفل فلم يكن عندي علم، فسألت في العراق والحجاز فلم أجد فيها علماً، فارتفعت يوماً من هذا المسجد يعني مسجد دمشق فمررت بزياد بن جارية التميمي، وهو جالس بفناء داره، فقال: حدثني حبيب بن مسلمة أن النبي ﷺ نفل الثلث والربع، فسألت عن حبيبٍ قومه، فأخبروني أنه قد صحب.
وروي: أن زياد بن جارية التميمي دخل مسجد دمشق، وقد تأخرت صلاتهم الجمعة بالعصر، فقال: والله ما بعث الله نبياً بعد محمد ﷺ أمركم بهذه الصلاة. قال: فأخذ، فأدخل الخضراء، فقطع رأسه، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك.
زياد بن حبيب الجهني
كان من حرس عمر بن عبد العزيز.
حدث زياد: أن عمر بن عبد العزيز أمر من كان من الحرس إذا دخل عليه رجل من العجم أن يتحفظ منه الحرس الذي معه ألا يسجد لعمر بن عبد العزيز، فإن غفل الحرسي حتى يسجد نحاه من الحرس، ويقول: إنما السجود لله .
وفي حديث آخر: إذا أدخل عليه رجل من أهل الذمة.
стр. 3028
وعن زياد بن حبيب قال: جاءت جارية لعمر بن عبد العزيز إلى قصاب وعليه جماعة، فقالت: ويحك روحني، فإن أمير المؤمنين صائمٌ، ومعها درهمٌ تشتري به لحماً.
زياد بن أبي حسان أبو عمار النبطي
من أهل البصرة.
حدث عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة، منها واحدةً صلاح أمره كله، وثنتان وسبعون درجاتٌ له يوم القيامة ".
وفي رواية أخرى: واحدة منهن يصلح الله له بها أمر دنياه وآخرته.
ويذكر عن شعبة أنه قال: كان زياد بن أبي حسان نصرانياً في حياة انس بن مالك. وكان شعبة يتكلم فيه.
زياد بن سليم ويقال ابن سليمان
ويقال ابن سلمى أبو أمامة العبدي المعروف بزياد الأعجم مولى عبد القيس ولقب بالأعجم لعجمةٍ كانت في لسانه. أدرك أبا موسى الأشعري، وعثمان بن أبي العاص، وشهد معهما فتح إصطخر.
حدث أبو بركة الأشجعي قال: حضرت امرأة من بني نمير الوفاة، فقيل لها: أوصي. فقالت: نعم، خبروني من القائل: من الوافر
لعمرك ما رماح بني نميرٍ ... بطائشة الصدور ولا قصار
стр. 3029
فقيل لها: زياد الأعجم، قالت: فأشهدكم أن له ثلث مالي. قال: فحمل له من ثلثها أربعة آلاف درهم.
دخل زياد الأعجم على عبد الله بن جعفر، فسأله في خمس دياتٍ، فأعطاه، ثم عاد فسأله في خمس ديات أخر فأعطاه، ثم عاد فسأله في عشر ديات فأعطاه، فأنشأ يقول: من الوافر
سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا
مراراً لا أعود إليه إلا ... تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا
كان المغيرة بن المهلب أبرع ولده، وأوفاهم، وأعفهم، وأسخاهم، فلما مات رثاه زياد الأعجم بقصيدته تلك: من الكامل
مات المغيرة بعد طول تعرضٍ ... للموت بين أسنةٍ وصفائح
قال ابن عائشة: سمعت أبي يقول: إنه أنشدها يزيد بن المهلب، فلما انتهى إلى قوله:
وإذا مررت بقبره فاعقر به ... أدم الهجان وكل طرفٍ سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دمٍ وذبائح
فقال له يزيد: هل عقرت؟ قال: لا. قال: وما منعك؟ قال: كنت على بنت الهمارة يريد الحمارة قال: أما والله لو فعلت ما أصبح في آل المهلب صاهل إلا على مذودك.
قال محمد بن عباد المهلبي: قال المأمون: أي قصيدةٍ أرثى؟ قلت: أمير المؤمنين أعلم. قال لي: القصيدة التي قالها زياد الأعجم
стр. 3030
في المغيرة بن المهلب. ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم. قال: فخذها علي. فأنشدنيها إلى آخرها، وترك منها بيتاً. قلت: يا أمير المؤمنين، تركت منها بيتاً. قال: ما هو؟ قلت: من الكامل
هلا أتاك وفوقه بزاته ... يغشى الأسنة فوق نهد قارح
قال: هاه هاه يتهدد المنية ألا أتته ذلك الوقت، هذا أجود بيتٍ فيها. ثم استعادنيه حتى حفظه.
وعن الأصمعي قال: لقد بلي هؤلاء القوم من زياد الأعجم بثلاثة لم يمتحن بها أحد من نظرائهم. يعني الأشاقر بطن من الأزد فمن ذلك قوله فيهم: من البسيط
قالوا الأشاقر تهجوهم فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا
قومٌ من الحسب الزاكي بمنزلةٍ ... كالود بالقاع لا أصلٌ ولا ورق
لا يكثرون وإن طال الزمان بهم ... ولو يبول عليهم ثعلبٌ غرقوا
زياد بن صخر أبو صخر المري
حدث عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدثٌ من كسوف شمسٍ أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي.
стр. 3031
زياد بن عبيد الله بن عبد الله
واسمه عبد الحجر بن عبد المدان واسمه عمرو بن الديان واسمه يزيد بن قطن ابن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب ينتهي نسبه إلى قحطان الحارثي، وفد على مروان بن محمد.
حدث زياد بن عبيد الله الحارثي وكان أميراً على المدينة في أيام المنصور قال: خرجت وافداً إلى مروان بن محمد في جماعة ليس فيهم يماني غيري، فلما كنا ببابه دفعنا إلى ابن هبيرة، وهو على شرطه وما وراء بابه، فتقدم الوفد رجلاً رجلاً، كلهم يخطب ويطنب في أمير المؤمنين وابن هبيرة، فجعل يبحثهم عن أنسابهم، فكرهت ذلك، فقلت: إن عرفني زادني عنده شراً، وكرهت أن أتكلم، فلطيت، فجعلت أتأخر رجاء أن يمل كلامهم فيمسك، حتى لم يبق غيري، ثم تقدمت فتكلمت بدون كلامهم، وإني لقادر على الكلام، فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل اليمن. قال: من أيها؟ قلت: من مذحج. قال: إنك لتطمح بنفسك، اختصر. قلت: من بني الحارث بن كعب. قال: يا أخا بني الحارث إن الناس ليزعمون أن أبا اليمن قردٌ، فما تقول في ذلك؟ قلت: وما أقول، أصلحك الله؟ إن الحجة في هذا لغير مشكلة. فاستوى قاعداً وقال: وما حجتك في ذلك؟ قلت: ننظر إلى القرد أبا من يكنى، فإن كان يكنى أبا اليمن فهو أبوهم، وإن كان يكنى أبا قيس فهو أبو من كني به. فنكس، ونكت بظفره في الأرض، وجعلت اليمانية تعض على شفاهها تظن أن قد هويت، والقيسية تكاد تزدردني، ودخل بها الحاجب على أمير المؤمنين، ثم رجع، فقام ابن هبيرة فدخل ثم لم يلبث أن خرج، فقال: الحارثي، فدخلت ومروان يضحك، فقال: إنه عنك وعن ابن هبيرة. فقلت: قال كذا فقلت كذا. فقال: وايم الله لقد حججته، أوليس أمير المؤمنين الذي يقول: من الطويل
تمسك أبا قيسٍ بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان
فلم أر قرداً قبلها سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
قال زياد: فخرجت، واتبعني ابن هبيرة، فوضع يده بين منكبي، وقال: والله يا أخا بني الحارث ما كان كلامي إياك إلا هفوة، وإن كنت لأربأ بنفسي عن ذلك، ولقد
стр. 3032
سرني إذ لقنت علي الحجة ليكون ذلك لي أدباً فيما أستقبل. وأنا لك بحيث تحب، فاجعل منزلك علي. ففعلت، فأكرمني، وأحسن منزلتي.
قال ابن دريد: البيتان ليزيد بن معاوية، وذلك أنه حمل قرداً على أتانٍ وحشيةٍ فسبق بينها وبين الخيل.
كان زياد بن عبيد الله الحارثي خال أبي العباس أمير المؤمنين والياً لأبي العباس على مكة، فحضر أشعب مائدته في أناس من أهل مكة، وكانت لزياد بن عبيد الله صحفة يخص بها فيها مضيرة من لحم جديٍ، فأتي بها، فأمر الغلام أن يضعها بين يدي أشعب، وهو لا يدري أنها المضيرة، فأكلها أشعب حتى أتى على ما فيها، فاستبطأ زياد بن عبيد الله المضيرة، فقال: يا غلام الصحفة التي كنت تأتيني بها؟! قال: أتيتك بها أصلحك الله، فأمرتني أن أضعها بين يدي أبي العلاء. قال: هنأ الله أبا العلاء. فلما رفعت المائدة قال: يا أبا العلاء وذلك في استقبال شهر رمضان قد حضر هذا الشهر المبارك، وقد رققت لأهل السجن لما هم فيه من الضر ثم لا نهجام الصوم عليهم، وقد رأيت أن أصيرك إليهم فتلهيهم بالنهار وتصلي بهم بالليل. وكان أشعث حافظاً، فقال: أو غير ذلك، أصلح الله الأمير؟ قال: ما هو؟ قال: أعطي الله عهداً ألا آكل مضيرة جدي أبداً.
دخل أبو حمزة الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب على زياد بن عبيد الله الحارثي، وهو والي المدينة، فقال: أصلح الله الأمير، بلغني أن أمير المؤمنين المنصور وجه إليك بمالٍ تقسمه على القواعد، والعميان، والأيتام. قال: قد كان ذلك، فتقول ماذا؟ قال: تكتبني في القواعد. قال: إنما القواعد اللائي قعدن عن الأزواج، وأنت رجل! قال: فاكتبني في العميان. قال: أما هذا فنعم، اكتبه يا غلام، فقد قال الله : " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ". وأنا أشهد أن أبا حمزة أعمى. قال: واكتب بني في الأيتام. قال: اكتبهم يا غلام، فمن كان أبو حمزة أباه فهو يتيم. قال: فأخذ في العميان، وأخذ بنوه في الأيتام.
стр. 3033
زياد بن عبيد وهو الذي ادعاه معاوية
فعرف بزياد بن أبي سفيان أبو المغيرة. أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، واستكتبه أبو موسى الأشعري في إمرته على البصرة، وولاه معاوية الكوفة والبصرة، وهو أول من جمع له المصران: الكوفة والبصرة. وقدم دمشق. قيل: إنه ولد عام هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وقيل: إنه ولد هو والمختار بن أبي عبيد سنة إحدى من الهجرة، ومات في رمضان سنة ثلاث وخمسين.
عن الشعبي قال: أتي زياد في رجل توفي وترك عمته وخالته، فقال: هل تدرون كيف قضى عمر فيها؟ قالوا: لا. فقال: والله إني لأعلم الناس بقضاء عمر فيها، جعل العمة بمنزلة الأخ، والخالة بمنزلة الأخت، فأعطى العمة الثلثين، والخالة الثلث.
حدث جماعة من الرواة قالوا:
لما رجع أبو موسى عن أصبهان بعد دخول الجنود الكور، وقد هزم الربيع أهل بيروذ، وجمع السبي والأموال، فغدا على ستين غلاماً من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ووفد وفداً، فجاءه رجلٌ من عنزة فقال: اكتبني في الوفد. فقال: قد كتبنا من هو أحق منك. فانطلق مغاضباً مراغماً، وكتب أبو موسى إلى عمر أن رجلاً من عنزة يقال له: ضبة بن محصن كان من أمره، وقص قصته. فلما قدم الكتاب والفتح والوفد على عمر قدم العنزي، فأتى عمر فسلم عليه فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحباً، ولا أهلاً. قال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل. فاختلف
стр. 3034
إليه ثلاثاً يقول له هذا، ويرد عليه هذا، حتى إذا كان اليوم الرابع، فدخل عليه، فقال: ما نقمت على أميرك؟ قال: تنقى ستين غلاماً من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة تغدى جفنةً وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خاتمان، وفوض إلى زياد بن أبي سفيان وكان زياد يلي أمور البصرة وأجاز الحطيئة بألف. فكتب عمر كلماً، قال: وبعث إلى أبي موسى، فلما قدم حجبة أياماً، ثم دعا به ودعا ضبة بن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتب، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه، فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين. فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، فقال: له قفيزان. فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به وقفيز في أيديهم للمسلمين يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت. فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى، فلم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه. قال: وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي؟ فقال: وجدت له نبلاً ورأياً فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بما لي أن يشتمني، قال: قد فعلت ما فعلت. فرده عمر وقال: إذا قدمت فأرسل إلي زياداً وعقيلة. ففعل، فقدمت عليه عقيلة قبل زياد، وقدم زياد، فأقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائمٌ وعليه ثياب بياض كتان، فقال: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير فصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان. قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت به والدتي فأعتقتها، واشتريت بالثاني ربيبي عبيداً، فأعتقته. قال: وفقت. وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده فقيهاً، فرده وأمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة، وقال عمر: ألا إن ضبة بن محصن العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، فارقه مراغماً أن فاته أمر من أمور الدنيا فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى
стр. 3035
النار، وكان الحطيئة لقيه فأجازه من غزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ غزاتهم وحصارهم حتى فلهم، ثم جازهم، ووكل بهم الربيع، ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القاسم.
كان زياد كاتباً للمغيرة بن شعبة، وكتب لعتبة بن غزوان، ثم كتب لأبي موسى الأشعري، وكتب لأبي عامر، وكتب لابن عباس.
كان زياد بن عبيد كاتباً لابن عباس على البصرة، فقال الشاعر فيه: من الوافر
قد انطقت الدراهم بعد عيٍّ ... رجالاً طالما كانوا سكوتا
فما عادوا على جارٍ بخيرٍ ... ولا رفعوا لمكرمةٍ بيوتا
كذاك المال يجبر كل عبءٍ ... ويترك كل ذي حسبٍ صموتا
قال الشعبي وغيره: أقام علي ﵁ بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة، ثم أقبل إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس على البصرة، قال: فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى سار إلى صفين، واستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة بالبصرة، واستخلف زياداً على الخراج وبيت المال والديوان وقد كان استكتبه قبل ذلك، فلم يزالا على البصرة حتى قدم من صفين.
وفي حديث:
أنه لما أمر ابن عباس على البصرة، وولى زياداً الخراج وبيت المال أقر ابن عباس أن يسمع منه، وكان ابن عباس يقول: استشرته عند هنةٍ كانت من الناس فقال: إن كنت تعلم أنك على الحق، وأن من خالفك على الباطل أشرت عليك بما ينبغي، وإن كنت لا تدري أشرت عليك بما ينبغي لك. فقال له: إني على الحق، وإنهم على الباطل. فقال: اضرب بمن أطاعك من عصاك، ومن ترك أمرك فكان أعز للإسلام أن تضرب عنقه وأصلح له فاضرب عنقه. فلما ولي رأيت ما صنع، وعلمت أن قد اجتهد لي رأيه.
стр. 3036
قال الهجيع بن قيسٍ: كتب زياد إلى الحسن والحسين وعبد الله بن عباس يعتذر إليهم في شأن حجر وأصحابه، فأما الحسن فقرأ كتابه وسكت، وأما الحسين فأخذ كتابه فمزقه ولم يقرأه، وأما ابن عباس فقرأ كتابه وجعل يقول: كذب كذب، ثم أنشأ يحدث قال: إني لما كنت بالبصرة كبر الناس بي تكبيرةً، ثم كبروا الثانية، ثم كبروا بي الثالثة، فدخل علي زياد فقال: هل أنت مطيعي يستقم لك الناس؟ قلت: ماذا؟ قال: أرسل إلى فلان وفلان وفلان ناس من الأشراف تضرب أعناقهم يستقم لك الناس. فعلمت أنه إنما صنع بحجر وأصحابه مثل ما أشار به علي.
قال عوانة: كانت سمية لدهقان زيدورد بكسكر، وكانت مدينة وهي اليوم قرية فاشتكى الدهقان، وخاف أن يكون بطنه قد استسقى، فدعا الحارث بن كلدة الثقفي، وقد كان قدم على كسرى، فعالج الحارث الدهقان فبرأ، فوهب له سمية أم زياد، فولدت عند الحارث أبا بكرة، وهو مسروح، فلم يقر به ولم ينفه، وإنما سمي أبا بكرة لأنه نزل في بكرة مع مجلى العبيد من الطائف حين أمن النبي ﷺ عبيد ثقيف، ثم ولدت سمية نافعاً، فلم يقر بنافع. فلما نزل أبو بكر إلى النبي ﷺ قال الحارث لنافع: إن أخاك مسروحاً عبد وأنت ابني، فأقر به يومئذ، وزوجها الحارث غلاماً له رومياً يقال له عبيد، فولدت زياداً على فراشه. وكان أبو سفيان صار إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي، وكانت لأبي مريم بعد صحبةٌ، فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده: قد اشتدت بي العزوبة، فالتمس لي بغياً. فقال: هل لك في جارية الحارث بن كلدة سمية امرأة عبيد؟ قال: هاتها على طول ثدييها وذفر إبطيها. فجاء بها إليه، فوقع بها، فولدت زياداً، فادعاه معاوية، فقال يزيد بن مفرغ لزياد: من الوافر
تذكر هل بيثرب زيدوردٌ ... قرى آبائك النبط القحاح
стр. 3037
قال عوانة: لما توفي علي بن أبي طالب ﵇ وزياد عامله على فارس، وبويع لمعاوية تحصن زياد في قلعة فسميت به فهي تدعى قلعة زياد إلى الساعة، فأرسل زياد من صالح معاوية على ألفي ألف درهم، وأقبل زياد من القلعة فلقيه مصقلة بن هبيرة وافداً إلى معاوية، فقال له زياد: متى عهدك بأمير المؤمنين؟ قال: عام أول، قال: كم أعطاك؟ قال عشرين ألفاً. قال: فهل لك أن أعطيك مثلها وتبلغه كلاماً؟ قال: نعم. قال: هل له إذا أتيته: أتاك زياد وقد أكل بر العراق وبحره فخدعك فصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقاً، فإذا قال لك: ما يقال؟ فقل: يقال إنه ابن أبي سفيان.
فأبلغ مصقلة معاوية الكلام، فلما قال: إنه يقال إنه ابن أبي سفيان قال: أبى قائلها إلا إثماً، قال فادعاه معاوية، فما أعطى زياد مصقلة العشرين ألف درهم إلا بعد أن ادعاه.
قال أبو المهاجر القاضي: كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فتق، فبعث زياد بن أبيه إليه فرتق الفتق، وانصرف محموداً عند أصحابه مشكوراً عند أهل الناحية، ودخل على عمر، وعنده المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يسمع مثلها حسناً، فقال عمرو بن العاص: لله هذا الغلام، لو كان أبوه قرشياً لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان، وهو حاضر في المجلس: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال علي: يا أبا سفيان، اسكت فإنك لتعلم أن عمر إن سمع هذا القول منك كان سريعاً إليك بالشر. فأنشأ أبو سفيان. يقول: من الوافر
أما والله لولا خوف شخصٍ ... يرانا يا علي من الأعادي
стр. 3038
لأظهر أمره صخر بن حربٍ ... ولم يكن المقالة عن زياد
فقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي عندهم عرضاً فؤادي
فلما قلد علي الخلافة قلد زياد بن أبيه فارس، فضبطها، وحمى قلاعها، وأباد الأعداء بناحيتها، وحمد أثره فيها. واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، وكتب إلى زياد: أما بعد فإن العش الذي ربيت فيه معلوم عندنا، فلا تدع أن تأوي كما تأوي الطير في أوكارها، ولولا ما الله أعلم به لقلت ما قاله العبد الصالح: " فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " وكتب في آخر كتابه: من البسيط
لله در زيادٍ أيما رجلٍ ... لو كان يعلم ما يأتي ما يذر
تنسى أباك وقد خفت نعامته ... إذ يخطب الناس والوالي لنا عمر
فافخر بوالدك الأدنى ووالدنا ... إن ابن حربٍ له في قومه خطر
إن ابتهارك قوماً لا تناسبهم ... إلا بأمك عارٌ ليس يغتفر
فاترك ثقيفاً فإن الله باعدهم ... عن كل فضل به تعلو الورى مضر
فالرأي مطرف والعقل تجربةٌ ... فيها لصاحبها الإيراد والصدر
فلما ورد الكتاب على زياد قام في الناس فقال: العجب كل العجب من ابن أكلة الأكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي، وبيني وبينه ابن عم رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أجم مجساً ضروباً بالسيف.
واتصل الخبر بعلي ﵁، فكتب إلى زياد: أما بعد، وليتك الذي وليتك، وأنا أراك له أهلاً، وإنه قد كان من أبي سفيان فلته من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثاً، ولا تحل لك نسباً، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه، ومن عن يمينه ومن عن شماله فاحذر، ثم احذر، والسلام.
وعن أبي عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة، فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي
стр. 3039
وقاص يقول: سمعت أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
قال مفضل بن مهلهل: كتب زياد إلى عائشة: من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب إليه ابن أبي سفيان فيحتج بذلك فكتبت إليه: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد.
وعن محمد بن الحارث، رجل من قريش: أن مرة صاحب نهر مرة أتى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان مولاهم، فسأله أن يكتب له إلى زياد في حاجة له، فكتب: من عبد الرحمن إلى زياد، ونسبه إلى غير أبي سفيان، فقال: لا أذهب بكتابك هذا فيضربني، قال: فأتى عائشة فكتبت له: من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان. فلما جاء بالكتاب قال له: إذا كان غد فجئني بكتابك. قال: وجمع الناس فقال: يا غلام اقرأه. قال: فقرأه: من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان. قال: فقضى له حاجته.
كان عمر بن عبد العزيز ﵁ إذا كتب إلى عماله فذكر زياداً قال: إن زياداً صاحب البصرة، ولا ينسبه.
وعن سعيد بن المسيب قال: أول قضية ردت من قضاء رسول الله ﷺ علانيةً قضاء فلانٍ في زياد.
وعنه قال: أول من رد قضاء رسول الله ﷺ دعوة معاوية.
قال ابن أبي نجيح: أول حكم رد من حكم رسول الله ﷺ علانية الحكم في زياد.
قال عمرو بن بعجة: أول ذل دخل على العرب: قتل الحسين، وادعاء زياد.
قال عبد الملك بن عمير:
شهدت زياد بن أبي سفيان وقد صعد المنبر فسلم تسليماً خفياً، وانحرف انحرافاً بطياً،
стр. 3040
وخطب خطبة بتيراء والبتيراء: التي لا يصلى فيها على النبي ﷺ ثم قال: إن أمير المؤمنين قد قال ما سمعتم، وشهدت الشهود بما قد علمتم، وإنما كنت امرأ حفظ الله مني ما ضيع الناس، ووصل مني ما قطعوه. إلا أنا قد سسنا وساسنا السائسون، وجربنا وجربنا المجربون، وولينا وولي علينا الوالون، وإنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف، وايم الله إن لي فيكم صرعى، فليحذر كل رجل منكم أن يكون من صرعاي، فوالله لآخذن البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر حتى تلين لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد فقد هلك سعيد. ألا رب فرحٍ بإمارتي لن تنفعه، ورب كارهٍ لها لن تضره، وقد كانت بيني وبين أقوام منكم دمنٌ وأحقاد، وقد جعلت ذلك خلف ظهري، وتحت قدمي، فلو بلغني عن أحدكم أن البغض لي قتله ما كشفت له قناعاً، ولا هتكت له ستراً، حتى يبدي صفحته، فإذا أبداها لم أقله عثرته، ألا ولا كذبة أكثر شاهداً عليها من كذبة إمامٍ على منبر، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في، فإذا وعدتكم خيراً أو شراً فلم أف به فلا طاعة لي في رقابكم. ألا وأيما رجل منكم كان مكتبه خراسان فأجله سنتان، ثم هو أمير نفسه، وأيما رجل منكم كان مكتبه دون خراسان فأجله ستة أشهر ثم هو أمير نفسه، وأيما امرأةٍ احتاجت تأتينا نعطها عطاء زوجها ثم نقاصه به، وأيما عقال فقدتموه من مقامي هذا إلى خراسان فأنا له ضامن.
فقام إليه نعيم بن الأهتم المنقري فقال: أشهد لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: كذبت أيها الرجل، ذاك نبيٌّ الله داود ﵇. ثم قام إليه الأحنف بن قيس فقال: أيها الرجل، إنما الجواد بشده، والسيف بحده، والمرء بجده، وقد بلغك جدك ما ترى، وإنما الشكر بعد العطاء، والثناء بعد البلاء، ولسنا نثني عليك حتى نبتليك. فقال: صدقت.
ثم قام أبو بلال مرداس بن أدية فقال: أيها الرجل قد سمعت قولك: والله لآخذن البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر. ولعمري لقد خالفت ما حكم الله في
стр. 3041
كتابه إذ يقول: " ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى "، فقال: إيها عني، فوالله ما أجد السبيل إلى ما تريد أنت وأصحابك حتى أخوض الباطل خوضاً ثم نزل. فقام مرداس بن أدية وهو يقول: من البسيط
يا طالب الخير نهر الجور معترضٌ ... طول التهجد أو فتك بجبار
لا كنت إن لم أصم عن كل عاتبةٍ ... حتى يكون بريق الجور إفطاري
فقال له رجل: أصحابك يا أبا بلال شباب. فقال: شباب متكهلون في شبابهم، ثم قال: من الوافر
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهو سجود
فشرى وانجفل الناس معه، وكان قد ضيق الكوفة على زياد. وهذا الشعر يروى على غير هذه القافية أيضاً وهو: من الوافر
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة بن شعبة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.
وعن الشعبي قال: كان القضاة أربعة والدهاة أربعة، فأما القضاة فعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأما الدهاة فمعاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد.
стр. 3042
قال قميصة بن جابر: صحبت عمر بن الخطاب، فما رأيت رجلاً أقرأ لكتاب الله تعالى ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مدارسةً منه. وصحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلاً أعطى الجزيل من مالٍ عن غير مسألةٍ منه، قيل: وكان يسمى الفياض. قال: وصحبت معاوية بن أبي سفيان، فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناةً منه، وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلاً أبين ظرفاً ولا أحلم جليساً منه، وصحبت زياداً، فما رأيت رجلاً أخصب نادياً، ولا أكرم جليساً، ولا أشبه سريرةً بعلانية منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها.
قال الشعبي:
ما رأيت أحداً يتكلم إلا أحببت أن يسكت مخافة أن ينقطع إلا زياداً فإنه لا يخرج من حسنٍ إلا إلى حسن.
قال الشعبي: ما رأيت أحداً أخطب من زياد.
قال أحمد بن صالح: زياد أمير البصرة تابعي، ولم يكن يتهم بالكذب قال الأصمعي: مكث زياد على العراق تسع سنين لم يضع لبنةً على لبنةٍ، ولم يغرس شجرةً.
قال أبو رجاء العطاردي: ولي زياد البصرة سنة خمس وأربعين، وكان زياد يصيف بالكوفة ويشتو بالبصرة، ومات زياد بالكوفة وهو على المصرين: البصرة والكوفة، وكان إذا غاب عن البصرة استخلف سمرة بن جندب. ومات سنة ثلاث وخمسين في رمضان قريباً من الكوفة.
قال أبو إسحاق: غزوت في زمن زياد ست غزوات أو سبع غزوات، ومات زياد قبل معاوية، وما
стр. 3043
رأيت قط خيراً من زمن زياد. فقال له رجل: ولا زمن عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ما كان زمن زياد إلا عرساً.
قال الزهري سمعت رجلاً من أهل الري يقول: سمعت زياداً على المنبر يقول: إن أكذب الناس من قام على رأس مئة ألفٍ فكذبهم. إني والله لا أعدكم خيراً إلا أنجزته لكم، ولا شراً إلا أنجزته لكم، ولا أعاقبكم بذنب حتى أتقدم إليكم فيه، فاتقوا غضب السلطان، فإنه يغضبه ما يغضب الوليد، ويأخذ أخذ الأسد، وله ملك مؤجل، فإذا انقضت مدته كشفه الله عنكم.
قال يونس: كان زياد إذا ولى رجلاً عملاً قال له: خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتكن وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك، وسلمتك منا أمانتك، وإن وجدناك قوياً خائناً استهنا بقوتك، وأحسنا على خيانتك أدبك، وأوجعنا ظهرك، وثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الحرمين عليك المصرين، وإن وجدناك أميناً قوياً زدنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك.
قال عجلان مولى زياد وكان حاجبه، قال: كان زياد إذا خرج من منزله مشيت أمامه إلى المسجد، فإذا دخل مشيت أمامه إلى مجلسه، فدخل مجلسه ذات يوم فإذا هو بهر في زاويةٍ، فذهبت أزجره فقال: دعه. فأرب ماله، ثم صلى الظهر، ثم عاد إلى مجلسه، كل ذلك يلاحظ الهر، فلما كان قبل غروب الشمس خرج جرذ، فوثب إليه فأخذه، فقال زياد: من كانت له حاجة فليواظب عليها مواظب الهر يظفر بها.
قال عجلان: قال لي زياد: أدخل علي ويحك رجلاً عاقلاً قال: قلت: لا أعرف من تعني: قال: لا يخفى العاقل في وجهه وقده. فخرجت، فإذا أنا برجل حسن الوجه، مديد
стр. 3044
القامة، فصيح اللسان. قلت: ادخل. فدخل، فقال زياد: يا هذا، إني قد أردت مشورتك في أمر، فما عندك؟ فقال: أنا حاقن، ولا رأي لحاقنٍ. قال: يا عجلان، أدخله المتوضأ، قال: ثم خرج فقال: ما عندك؟ فقال: إني جائع، ولا رأي لجائع. قال: يا عجلان، ائت بطعام، فأتي به. قال: فطعم فقال: سل عما بدا لك. فما سأله عن شيء إلا وجد عنده بعض ما يريد. فكتب إلى عماله: لا تنظروا في حوائج الناس وأحد منكم حاقن أو جائع.
قال أبو الحسن المدائني: لما ولي زياد العراق صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني قد رأيت خلالاً ثلاثاً نبذت إليكم فيهن النصيحة: رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال أهل العلم، وتوقير ذوي الأسنان. وإني أعاهد الله عهداً: لا يأتيني شريفٌ بوضيعٍ لم يعرف له حق شرفه إلا عاقبته، ولا يأتيني كهل بحدثٍ لم يعرف له حق فضل سنه على حداثته إلا عاقبته، ولا يأتيني عالم بجاهل لا حاه في علمه ليهجنه عليه إلا عاقبته، فإنما الناس بأشرافهم وعلمائهم وذوي أسنانهم.
قال زياد: ثلاثة لا يستخف بهم: عامل السلطان، والعالم، والصديق. فإنه من استخف بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخف بالعالم أفسد دينه، ومن استخف بالصديق أفسد مروءته.
قال سفيان بن عيينة: قال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه، ولكن العاقل الذي يحتال للأمر ألا يقع فيه.
قال أبو سفيان القرشي: قال زياد: إن مما يجب لله على ذي النعمة بحق نعمته ألا يتوصل بها إلى معصيته.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال رجل في مجلس يونس: قال عمر بن الخطاب ذات يوم: لئن بقيت لأمنعن فروج العربيات إلا من الأكفاء. فقال يونس: رحم الله عمر، لو أدرك تلاعب زياد وبنيه لساءه ذلك.
стр. 3045
قال زياد:
ما جلست مجلساً قط إلا تركت منه ما لو آخذته لكان لي، وترك بعض ما لي أحب إلي من أخذ ما ليس لي.
قال زياد: أكرم الناس مجلساً من إذا أتى مجلساً عرف قدره فجلس مجلسه، وإذا ركب دابة حملها على ما يريد، ولا يدعها تحمله على ما تريد.
قال زياد: لو أن لي عشرة دراهم لا أملك غيرها ما تركت نائبةً يلزمني فيها حقٌّ، ولو أن لي مائة ألفٍ ولي بعير أجرب ما ضيعته لكثرة ما لي.
قال زياد لجلسائه: من أغبط الناس عيشاً؟ قالوا: الأمير وجلساؤه. فقال: ما صنعتم شيئاً، إن لأعواد المنبر هيبة، وإن لقرع لجام البريد لفزعة، ولكن أغبط الناس عندي رجلٌ له دار لا يجري عليه كراؤها، وله زوجة صالحة قد رضيته فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره، وأذهبنا دينه ودنياه.
كان الشافعي ﵀ يقول: تعلموا النحو فإنه والله يزري بالرجل ألا يكون فصيحاً، ولقد بلغني أن رجلاً دخل على زياد بن أبيه فقال له: أصلح الله الأمير، إن أبينا هلك، وإن أخينا غصبنا على ما خلفه لنا. فقال له زياد: ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك.
قال العتبي: قال زياد: ما من كلام إلا له عندي جواب، فمر به مجنون فقال له: أيسرك أنك من الحور العين؟ فتحير وبهت ثم قال: إن من السكوت جواباً، وإن جواب هذا الكلام السكوت.
стр. 3046
قال سلمة بن كهيل: أول من وطىء على سماح الإسلام زياد.
قال الحكم بن عوانة: وفد زياد إلى معاوية ومعه أشراف أهل العراق فرجز به ابن حنيق العبادي فقال:
قد علمت ضامرة الجياد ... أن الأمير بعده زياد
فلم يصل زياد إلى معاوية حتى أتاه الخبر، وما قاله ابن حنيق وإقرار زياد بذلك ومعاوية يربص لابنه ما يربص من الخلافة ثم أذن للناس، فأخذوا مجالسهم، ثم دخل زياد فلم يدعه إلى مجلس حتى قام له رجل من أهل العراق فجلس في مجلسه، فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال: هذه الخلافة أمر من أمر الله، وقضاء من قضاء الله، وإنها لا تكون لمنافق، ولا لمن صلى خلف إمام منافق يعرض بزياد حتى عرف زياد وقام الناس، حتى إذا كان الليل أرسل معاوية إلى حضين بن المنذر الذهلي، فدعاه وأدناه حتى كان قريباً منه، ثم أجلسه، وألقيت تحته وسادة، ثم قال له معاوية: بلغني أن لك عقلاً ورأياً وعلماً بالأمور، فأخبرني: ما فرق ملأها؟ قال: قتل أمير المؤمنين عثمان. قال: ما صنعت شيئاً. قال: مسير علي إلى عائشة وطلحة والزبير، ومسير علي إليك وقتالكم بصفين والذي كان بينكم من سفك الدماء والاختلاف. قال: ما صنعت شيئاً. قال: فأخبرني يا أمير المؤمنين، فحمد الله معاوية ثم قال: إن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق. فدعا الناس إلى الإسلام، فعمل رسول الله ﷺ بكتاب الله حتى قبضه الله، وعصمه بالوحي، ثم استخلف المسلمون أبا بكر فكان أفضل من تعلم وتعلمون، فعمل أبو بكر بكتاب الله وسنة رسوله حتى قبضه الله إليه، ثم استخلف أبو بكر على المسلمين عمر، فعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة أبي بكر، حتى أصاب عمر من قضاء الله ما أصابه، فخير بين ستة فجعلها شورى، ولم تجب إلا بجعلها بينهم، وكانوا خير من يعلم على الأرض، فلما جلسوا لها، وتنازعوها دعا كل رجل منهم إلى نفسه، فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها ويستخلف فأبى القوم وكان أزهدهم فيها فقلدوها إياه فاستخلف عثمان، فما زال كل رجل من أهل الشورى يطمع فيها، ويطمع له فيها أحباؤهم حتى وثبوا على
стр. 3047
عثمان فقتلوه، واختلفوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً. فهذا الذي سفك دماء هذه الأمة وشق عصاها وفرق ملأها.
حدث هشام بن محمد عن أبيه قال:
كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب، فلما قدم زياد الكوفة والياً عليها أخافه، وطلبه زياد، فأتى الحسن بن علي، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم، وأخذ ماله، وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن علي إلى زياد، أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، فإني قد أجرته، فشفعني فيه، فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، كتبت إلي في فاسق لا يؤويه إلا مثله وشر من ذلك توليه، إياك وإياك، وقد علمت أنك قد آويته إقامة منك على سوء الرأي، ورضًى منك بذلك. وايم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك. وإن نلت بعضك غير رفيق بك ولا فزع عليك، فإن أحب لحمٍ إلي آكله للحم الذي أنت منه، فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه إياك.
فلما قرأ الحسن ﵇ الكتاب تبسم، وكتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح، وكتابه إلى زياد فيه، وإجابة زياد إياه، ولف كتابه في كتابه، وبعث به إلى معاوية، وكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية، وقرأ معاوية الكتاب ضاقت به الشام، وكتب إلى زياد: أما بعد فإن الحسن بن علي بعث بكتابك إلي جواب
стр. 3048
كتابه إليك في ابن سرح، فأكثرت التعجب منك، وعلمت أن لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون رأي مثلها، ومن ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه، وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن، ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه. وإن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك، وإن ذلك لم يضعك، وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك. فإذا قدم عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن سرح، وابن له داره، ولا تعرض له، واردد عليه ماله، فقد كتبت إلى الحسن أن يخبر صاحبه إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسن باسمه ولا تنسبه إلى أبيه فإن الحسن ويلك من لا يرمى به الرجوان! أفإلى أمه وكلته! لا أم لك، هي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! وتلك أفخر له، إن كنت تعقل. وكتب في أسفل الكتاب: من الطويل
تدارك ما ضيعت من بعد خبرةٍ ... وأنت أريبٌ بالأمور خبير
أبا حسن يا بن الذي كان قبله ... إذا سار الموت حيث يسير
وهل يلد الرئبال إلا نظيره ... فذا حسنٌ شبهٌ له ونظير
ولكنه لو يوزن الحلم والحجى ... برأي لقالوا فاعلمن ثبير
جاء زياد بن أبي سفيان إلى معقل بن يسار فقيل له: هذا الأمير على الباب. فقال: لا يدخل علي أحد غير الأمير. فدخل، فألقيت له وسادة، فنظر إليه فقال: يا معقل، ألا تزودنا منك شيئاً؟ كان الله ينفعنا بأشياء نسمعها منك. فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس من والٍ يلي أمةً قلت أو كثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله
стр. 3049
عز وجل في جهنم ". فاطرق ساعةً ثم قال: شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ أو من وراء وراء؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ .
وعن أبي برزة الأسلمي: أنه دخل على زياد فقال: إن من شر الرعاء الحطمة. فقال له: اسكت فإنك من نخالة أصحاب محمد ﷺ . فقال: يا للمسلمين! وهل كان لأصحاب محمد نخالة؟ بل كانوا لباباً، بل كانوا لباباً، والله لا أدخل عليك ما كان في الروح.
قال أبو معشر:
كان حجر بن عدي رجلاً من كندة، وكان عابداً لم يحدث قط إلا توضأ، ولم يهرق ماءً إلا توضأ، وما توضأ إلا صلى، وكان مع علي بن أبي طالب في زمانه، فلما قتل علي، وكانت الجماعة على معاوية اعتزل حجر وناسٌ من أصحابه وزياد معهم نحو أرض فارس، فقال بعضهم لبعض: ما تصنعون نحن وحدنا والجماعة على معاوية؟ أرسلوا رجلاً يأخذ لنا الأمان من معاوية. فاختاروا زياداً اختياراً فأرسلوه إلى معاوية، فأخذ لهم الأمان، وبايعوا على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، العمل بطاعته. فأعجب معاوية عقل زيادٍ فقال: يا زياد، هل لك في شيء؟ أعترف أنك أخي، وأؤمرك على العراق. قال: نعم.
بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم، فقال: اللهم لا تقتلن زيادا، وأمته حتف أنفه فإنه كان يقال: إن في القتل كفارة.
قال عبد الرحمن بن السائب: جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من علي
стр. 3050
رضي الله عنه. قال عبد الرحمن: فإني لمع نفرٍ من الأنصار، والناس في أمر عظيم، قال: فهومت تهويمةً، فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير، أهدب، أهدل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا. فأخبرتهم. قال: ويخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد ضربه، فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول: من البسيط
ما كان منتهياً عما أراد بنا ... حتى تناوله النقاد ذو الرقبه
فأثبت الشق منه ضربة ثبتت ... كما تناول ظلماً صاحب الرحبه
وفي رواية: فإذا الفالج قد ضربه.
حدث محمد بن إدريس الشافعي قال: أوصى زياد فقال: هذا ما أوصى به زياد بن أبي سفيان حيث أتاه من أمر الله ما ينتظر، ومن قدرته ما لا ينكر، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف ربه، وخاف ذنبه، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وأوصى أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين بتقوى الله حق تقاته، ولا يموتن إلا وهم مسلمون، وأن يتعاهدوا كبير أمرهم وصغيره، فإن الثواب في الكبير على قدره في التحمل له، والصبر غير قليل في حاجتهم إليه وطاعتهم الله فيه، وإن جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله عليه ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء، فما أحق من تمت نعمة الله عليه في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار لا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرت العجزة حتى صاروا إلى دار ليست لهم منها أوبةٌ، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم.
следующие страницы →