Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
قال سلمة بن كهيل: أول من وطىء على سماح الإسلام زياد.
قال الحكم بن عوانة: وفد زياد إلى معاوية ومعه أشراف أهل العراق فرجز به ابن حنيق العبادي فقال:
قد علمت ضامرة الجياد ... أن الأمير بعده زياد
فلم يصل زياد إلى معاوية حتى أتاه الخبر، وما قاله ابن حنيق وإقرار زياد بذلك ومعاوية يربص لابنه ما يربص من الخلافة ثم أذن للناس، فأخذوا مجالسهم، ثم دخل زياد فلم يدعه إلى مجلس حتى قام له رجل من أهل العراق فجلس في مجلسه، فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال: هذه الخلافة أمر من أمر الله، وقضاء من قضاء الله، وإنها لا تكون لمنافق، ولا لمن صلى خلف إمام منافق يعرض بزياد حتى عرف زياد وقام الناس، حتى إذا كان الليل أرسل معاوية إلى حضين بن المنذر الذهلي، فدعاه وأدناه حتى كان قريباً منه، ثم أجلسه، وألقيت تحته وسادة، ثم قال له معاوية: بلغني أن لك عقلاً ورأياً وعلماً بالأمور، فأخبرني: ما فرق ملأها؟ قال: قتل أمير المؤمنين عثمان. قال: ما صنعت شيئاً. قال: مسير علي إلى عائشة وطلحة والزبير، ومسير علي إليك وقتالكم بصفين والذي كان بينكم من سفك الدماء والاختلاف. قال: ما صنعت شيئاً. قال: فأخبرني يا أمير المؤمنين، فحمد الله معاوية ثم قال: إن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق. فدعا الناس إلى الإسلام، فعمل رسول الله ﷺ بكتاب الله حتى قبضه الله، وعصمه بالوحي، ثم استخلف المسلمون أبا بكر فكان أفضل من تعلم وتعلمون، فعمل أبو بكر بكتاب الله وسنة رسوله حتى قبضه الله إليه، ثم استخلف أبو بكر على المسلمين عمر، فعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة أبي بكر، حتى أصاب عمر من قضاء الله ما أصابه، فخير بين ستة فجعلها شورى، ولم تجب إلا بجعلها بينهم، وكانوا خير من يعلم على الأرض، فلما جلسوا لها، وتنازعوها دعا كل رجل منهم إلى نفسه، فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها ويستخلف فأبى القوم وكان أزهدهم فيها فقلدوها إياه فاستخلف عثمان، فما زال كل رجل من أهل الشورى يطمع فيها، ويطمع له فيها أحباؤهم حتى وثبوا على
стр. 3047
عثمان فقتلوه، واختلفوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً. فهذا الذي سفك دماء هذه الأمة وشق عصاها وفرق ملأها.
حدث هشام بن محمد عن أبيه قال:
كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب، فلما قدم زياد الكوفة والياً عليها أخافه، وطلبه زياد، فأتى الحسن بن علي، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم، وأخذ ماله، وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن علي إلى زياد، أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، فإني قد أجرته، فشفعني فيه، فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، كتبت إلي في فاسق لا يؤويه إلا مثله وشر من ذلك توليه، إياك وإياك، وقد علمت أنك قد آويته إقامة منك على سوء الرأي، ورضًى منك بذلك. وايم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك. وإن نلت بعضك غير رفيق بك ولا فزع عليك، فإن أحب لحمٍ إلي آكله للحم الذي أنت منه، فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه إياك.
فلما قرأ الحسن ﵇ الكتاب تبسم، وكتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح، وكتابه إلى زياد فيه، وإجابة زياد إياه، ولف كتابه في كتابه، وبعث به إلى معاوية، وكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية، وقرأ معاوية الكتاب ضاقت به الشام، وكتب إلى زياد: أما بعد فإن الحسن بن علي بعث بكتابك إلي جواب
стр. 3048
كتابه إليك في ابن سرح، فأكثرت التعجب منك، وعلمت أن لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون رأي مثلها، ومن ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه، وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن، ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه. وإن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك، وإن ذلك لم يضعك، وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك. فإذا قدم عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن سرح، وابن له داره، ولا تعرض له، واردد عليه ماله، فقد كتبت إلى الحسن أن يخبر صاحبه إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسن باسمه ولا تنسبه إلى أبيه فإن الحسن ويلك من لا يرمى به الرجوان! أفإلى أمه وكلته! لا أم لك، هي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! وتلك أفخر له، إن كنت تعقل. وكتب في أسفل الكتاب: من الطويل
تدارك ما ضيعت من بعد خبرةٍ ... وأنت أريبٌ بالأمور خبير
أبا حسن يا بن الذي كان قبله ... إذا سار الموت حيث يسير
وهل يلد الرئبال إلا نظيره ... فذا حسنٌ شبهٌ له ونظير
ولكنه لو يوزن الحلم والحجى ... برأي لقالوا فاعلمن ثبير
جاء زياد بن أبي سفيان إلى معقل بن يسار فقيل له: هذا الأمير على الباب. فقال: لا يدخل علي أحد غير الأمير. فدخل، فألقيت له وسادة، فنظر إليه فقال: يا معقل، ألا تزودنا منك شيئاً؟ كان الله ينفعنا بأشياء نسمعها منك. فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس من والٍ يلي أمةً قلت أو كثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله
стр. 3049
عز وجل في جهنم ". فاطرق ساعةً ثم قال: شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ أو من وراء وراء؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ .
وعن أبي برزة الأسلمي: أنه دخل على زياد فقال: إن من شر الرعاء الحطمة. فقال له: اسكت فإنك من نخالة أصحاب محمد ﷺ . فقال: يا للمسلمين! وهل كان لأصحاب محمد نخالة؟ بل كانوا لباباً، بل كانوا لباباً، والله لا أدخل عليك ما كان في الروح.
قال أبو معشر:
كان حجر بن عدي رجلاً من كندة، وكان عابداً لم يحدث قط إلا توضأ، ولم يهرق ماءً إلا توضأ، وما توضأ إلا صلى، وكان مع علي بن أبي طالب في زمانه، فلما قتل علي، وكانت الجماعة على معاوية اعتزل حجر وناسٌ من أصحابه وزياد معهم نحو أرض فارس، فقال بعضهم لبعض: ما تصنعون نحن وحدنا والجماعة على معاوية؟ أرسلوا رجلاً يأخذ لنا الأمان من معاوية. فاختاروا زياداً اختياراً فأرسلوه إلى معاوية، فأخذ لهم الأمان، وبايعوا على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، العمل بطاعته. فأعجب معاوية عقل زيادٍ فقال: يا زياد، هل لك في شيء؟ أعترف أنك أخي، وأؤمرك على العراق. قال: نعم.
بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم، فقال: اللهم لا تقتلن زيادا، وأمته حتف أنفه فإنه كان يقال: إن في القتل كفارة.
قال عبد الرحمن بن السائب: جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من علي
стр. 3050
رضي الله عنه. قال عبد الرحمن: فإني لمع نفرٍ من الأنصار، والناس في أمر عظيم، قال: فهومت تهويمةً، فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير، أهدب، أهدل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا. فأخبرتهم. قال: ويخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد ضربه، فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول: من البسيط
ما كان منتهياً عما أراد بنا ... حتى تناوله النقاد ذو الرقبه
فأثبت الشق منه ضربة ثبتت ... كما تناول ظلماً صاحب الرحبه
وفي رواية: فإذا الفالج قد ضربه.
حدث محمد بن إدريس الشافعي قال: أوصى زياد فقال: هذا ما أوصى به زياد بن أبي سفيان حيث أتاه من أمر الله ما ينتظر، ومن قدرته ما لا ينكر، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف ربه، وخاف ذنبه، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وأوصى أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين بتقوى الله حق تقاته، ولا يموتن إلا وهم مسلمون، وأن يتعاهدوا كبير أمرهم وصغيره، فإن الثواب في الكبير على قدره في التحمل له، والصبر غير قليل في حاجتهم إليه وطاعتهم الله فيه، وإن جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله عليه ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء، فما أحق من تمت نعمة الله عليه في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار لا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرت العجزة حتى صاروا إلى دار ليست لهم منها أوبةٌ، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم.
стр. 3051
وعن أبي كعب الجرموزي: أن زياداً لما قدم الكوفة قال: أي أهل الكوفة أعبد.؟ قيل: فلان الحميري. فأرسل إليه فأتاه فإذا سمت ونحو، فقال زياد: لو مال هذا مال أهل الكوفة معه، فقال له: إني بعثت إليك لخير. قال: إني إلى الخير لفقير. قال: بعثت إليك لأنولك وأعطيك على أن تلزم بيتك فلا تخرج؟ قال: سبحان الله! والله لصلاةٌ واحدة في جماعة أحب إلي من الدنيا كلها، ولزيادة أخٍ في الله، وعيادة مريض أحب إلي من الدنيا كلها، فليس إلى ذلك سبيل. قال: فاخرج فصل في جماعة، وزر إخوانك، وعد المريض، والزم شأنك. قال: سبحان الله! أرى معروفاً لا أقول فيه!؟ أرى منكراً لا أنهى عنه!؟ فوالله لمقام من ذلك واحدٌ أحب إلي من الدنيا كلها. قال: يا أبا المغيرة، فهو للسيف. قال: للسيف. فأمر به فضربت عنقه. قال جعفر أحد رواة الحديث: فقيل لزياد، وهو في الموت: أبشر. قال: كيف وأبو المغيرة بالطريق؟!
زياد بن عثمان بن زياد
المعروف بأبي سفيان البصري قال أبو عمرو بن المبارك: دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
زياد بن عياض الأشعري
عن الشعبي قال:
شهدت عبداً بالأنبار فقال يعني عياضاً الأشعري: ما لي لا أراكم تقلسون؟ كانوا في زمان رسول الله ﷺ يفعلونه.
стр. 3052
التقليس: الجواري والصبيان على أفواه الطرق يلعبون بالطبل وغير ذلك.
قال الشعبي: مر عياض الأشعري بالأنبار فقال: ما لي لا أراهم يقلسون فإنه من السنة.
وعن قيس بن سعد بن عبادة قال: ما من شيء كان على عهد النبي ﷺ إلا قد رأيته إلا شيئاً واحداً أن رسول الله ﷺ كان يقلس له يوم الفطر.
وعن زياد بن عياض قال: صلى بنا عمر بن الخطاب العشاء بالجابية فلم أسمعه قرأ فيها وفي الحديث طول.
وفي رواية أخرى: صلى بنا عمر بن الخطاب المغرب، فلم يقرأ بنا فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك لم تقرأ.
زياد بن مخراق أبو الحارث البصري
مولى مزينة.
حدث زياد بن مخراق عن عبد الله بن عمر قال: أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن فقال: تياسرا، وتطاوعا، وبشرا، ولا تنفرا، قال: فقدما اليمن، فخطب الناس معاذ بن جبل، فحضهم على الإسلام، وأمرهم بالصدقة والقرآن، فقال: إذا فعلتم ذلك فسلوني أخبركم بأهل الجنة وأهل النار، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، فقالوا لمعاذ: كيف أمرتنا إذا نحن تفقهنا، فقال: إذا ذكر أحدكم بخير فهو من أهل الجنية، وإذا ذكر بسوء أو بشر فهو من أهل النار.
стр. 3053
وحدث زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة عن أبيه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، أو قال: إني لأرحم الشاة إن أذبحها. فقال: والشاة إن رحمتها رحمك الله.
كان زياد بن مخراق ثقة.
زياد بن معاوية بن ضباب
ابن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث ابن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، أبو أمامة وقيل: أبو ثمامة، المعروف بالنابغة الذبياني أحد شعراء الجاهلية المشهورين، وفد على عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان عنده حين وفد عليه حسان بن ثابت، وامتدح عمراً بقصيدته التي أولها: من الطويل
كليني لهمٍ يا أميمة ناصب......................
وهي من مختارشعره، وهي التي يقول فيها:
رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
وسمي النابغة بقوله: من الوافر
وحلت في بني القين بن جسرٍ ... فقد نبغت لنا منهم شؤون
قيل لحسان بن ثابت: من أشعر الناس؟ قال: أبو أمامة، يعني النابغة الذبياني.
قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس بن حجر فحل العرب، فلما نشأ النابغة طأطأ منه.
стр. 3054
ذكر يحيى بن مالك عند أبي عمرو بن العلاء النابغة وزهيراً، فقال أبو عمرو: ما كان زهير يصلح أن يكون أجيراً للنابغة.
قال ربعي بن حراش: وفدنا إلى عمر بن الخطاب فقال: من الذي يقول: من الطويل
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراء الله للمرء مذهب
فلست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ أي الرجال المهذب
قالوا: النابغة. قال: فمن القائل: من البسيط
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فازجرها عن الفند
قالوا: النابغة. قال: فمن القائل: من الوافر
أتيتك عارياً خلقاً ثيابي ... على وجل تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوحٌ لا يخون
قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول: من الوافر
ولست بذاخرٍ لغدٍ طعاماً ... حذار غدٍ لكل غدٍ طعام
стр. 3055
قلنا: النابغة. قال: النابغة أشعر شعرائكم وأعلم الناس بالشعر.
كان يقال: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب قال حسان بن ثابت:
خرجت وافداً إلى النعمان بن المنذر، فلما قدمت بلاده لقيني رجل، فسألني عن وجهتي، وما أقدمني، فأخبرته، فأنزلني عليه، وإذا هو صانعٌ من أهل تلك البلاد فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من أهل الحجاز، قال: من أي الحجاز؟ قلت: من أهل يثرب. قال: كن خزرجياً. قلت: إني من بني الخزرج. قال كن نجارياً. قلت: إني من بني النجار. قال: كن حسان. قلت: أنا هو. قال: قد كنت أحب لقاءك، وأنا أصف لك أمر هذا الرجل، فليس أحد أخبر به مني، وما ينبغي أن تعرفه من أمره، ويكون عملك به فيه، إنك إذا لقيت حاجبه فانتسبت له، وذكرت مقدمك تركك شهراً لا يرد عليك شيئاً، ثم يقول لك: فيم تلقاه؟ من أنت زعمت؟ فتنتسب له فيعرفك، وما أقدمك، ثم يتركك ستاً، ثم يستأذن لك، فإذا دخلت على النعمان فستجد عنده قوماً يستنشدونك، فلا تنشد حتى يستنشدك هو، فإذا أنشدت ثم قطعت فسيستنشدك من عنده، ويقولون: أنشدنا. فلا تنشد حتى يستنشدك هو، فإذا فعلت ذلك فانظر ما ثوابه، وما يكون منه، فهذا ما ينبغي أن تعرفه من خبره، فيكون عملك عليه.
فلقيت الحاجب، فوجدت الذي وصف لي صحيحاً، ثم أدخلني على النعمان، فاستنشدني من عنده، فلم أنشد حتى استنشدني هو. فلما أنشدت أعجب بشعري هو والحضور، وقالوا: زدنا، وأنشدنا. فلم أجبهم حتى استزادني هو، فزدت، فأكرمني، وأجازني. وانصرفت إلى صاحبي، فأخبرته، فقال: لا يزال هكذا حتى يقدم أبو أمامة، يعني النابغة فإذا قدم فلا حظ لأحد فيه من الشعراء. قال حسان: فأقمت على بابه أياماً، ثم دخلت عليه ليلة العشاء، فأتي ببطيخ، فأكل منه جلساؤه، وامتلأ وجه واحدٍ منهم ببعض البطيخ، فضحك منه بطال على باب النعمان، فنظر إليه النعمان، فقال:
стр. 3056
أبجليسي!؟ احرقا صيلقيه بالشمعة، فأحرق صيلقاه، والصيلقان ناحيتا العنق. قال: وأقمت على ذلك أياماً في لطف منه وكرامة، فأتيته يوماً كانت ترد عليه فيه النعم السود، ولم يكن بأرض العرب بعير أسود إلا للنعمان، فإني لجالس إذ سمعت صوتاً من خلف قبته يقول: من الرجز
أنام أم يسمع رب القبه ... يا أوهب الناس لعنسٍ صلبه
ضرابةٍ بالمشفر الأدبه ... ذات نجاءٍ في يديها جذبه
الجذب: الطول. قال النعمان: أبو أمامة. أدخلوه. فلما دخل أنشده قصيدته البائية:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ أي الرجال المهذب
وقصيدته العينية:
خطاطيف حجنٍ في حبالٍ متينةٍ ... تمد بها أيدٍ إليك نوازع
قال: فأمر له بألف بعير من الإبل السود فيها رعاؤها، ومظالها، وكلابها. قال فانصرفت، وما أدري أكنت له أحسد على جودة شعره أم على ما أصاب من جزيل عطيته.
قال: ثم عدت إلى صاحبي فأخبرته، فقال: ارحل، فلا شيء لك عنده بعد مقدمه. فرجعت إلى بلادي.
حدث زكريا مولى الشعبي: أن النابغة الذبياني قال للنعمان بن المنذر: من الوافر
تزال الأرض إما مت حقاً ... وتحيا ما حييت بها ثقيلا
стр. 3057
فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تتبعه ما يوضح معناه فهو إلى الهجاء أقرب منه إلى المدح. فأراد ذلك النابغة، فعسر عليه، فقال: أجلني، فقال: قد أجلتك ثلاثاً. فإن أنت أتبعته ما يوضح معناه فلك مئةٌ من العصافير نجائب. وإلا فضربةٌ بالسيف أخذت منك ما أخذت. فأتى النابغة زهير بن أبي سلمى فأخبره الخبر، فقال زهير: اخرج بنا إلى البرية، فإن الشعر بريٌّ. فخرجا، وتبعهما ابن لزهير يقال له كعب، فقال: يا عم، اردفني. فصاح به أبوه، فقال: دع ابن أخي يكون معنا، فأردفه، فتحاولا البيت ملياً، فلم يأتهما ما يريدان، فقال كعب: يا عم، ما يمنعك أن تقول:
وذاك بأن حللت العز منها ... فتعمد جانبيها أن يميلا
قال النابغة: جاء بها ورب البيت، لسنا والله في شيء، قد جعلت لك يا بن أخي ما جعل لي. قال: وما جعل لك يا عم؟ قال: مئة من العصافير نجائب. قال: ما كنت لآخذ على شعري صفداً. فأتى بها النابغة النعمان، وأخذ منه مئة ناقة سوداء الحدقة.
دخل يزيد بن مزيد على الرشيد، فقال له: يا يزيد، من الذي يقول فيك: من البسيط
لا يعبق الطيب كفيه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
قد عود الطير عاداتٍ وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
قال: لا أدري يا أمير المؤمنين. قال: أفيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله؟ فانصرف خجلاً، فقال لحاجبه: من بالباب من الشعراء؟ فقال: مسلم بن الوليد. قال: ومنذ كم هو بالباب؟ قال: مذ زمان طويل، منعته من الوصول إليك لما عرفته من إضاقتك. قال: أدخله. فدخل فأنشده: من البسيط
أجررت حبل خليعٍ في الصبا عزل ... وقصرت همم العذال عن عذلي
стр. 3058
حتى ختمها، فقال الوكيل: بع ضيعتي الفلانية، وأعطه نصف ثمنها، واحتبس نصفا لنفقاتنا. فباعها بمئة ألف درهم، فأعطى مسلماً خمسين ألفاً، ورفع الخبر إلى الرشيد، فاستحضر يزيد وسأله، فأعلمه الخبر، فقال: قد أمرت لك بمئتي ألف درهم، استرجع الضيعة بمئة ألف، وتزيد الشاعر خمسين ألفاً، وتحبس خمسين ألفاً لنفسك.
قالوا: وسرق مسلم بن الوليد هذا المعنى من النابغة في قوله: من الطويل
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
لهن عليهم عادةٌ قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب
الكواثب: ما يقرب من منسج الفرس.
زياد بن معاوية بن يزيد
ابن عمر بن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبو خالد الأموي.
حدث زياد عن روح بن الهيثم الغساني بسنده: أن الوليد بن عبد الملك حين هدم الكنيسة التي كانت في مغارب المسجد وجدوا في حائطها الغربي حجراً فيه كتاب بالسرياني، فطلبوا من يقرؤه، فلم يجدوا أحداً يقرؤه، ثم أتاه رجل من اليهود فقال له: وهب بن منبه يقرأ كل كتاب. فبعث الوليد إلى وهب، فقدم إليه، فقرأه. فبكى بكاءً شديداً، فأتوا الوليد فقالوا: يا أمير المؤمنين، هو يبكي منذ قرأه، ثم جاءه، فقال له: يا وهب، ايش رأيت في الحجر؟ قال: رأيت فيه: ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، فإنما تلقى ندمك إن زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وفارقك الحبيب، وودعك القريب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في عملك بزائد، فاحتل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة.
стр. 3059
زياد بن ميسرة
وهو زياد بن أبي زياد المدني مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وفد على عمر بن عبد العزيز، وكانت له منه منزلة.
حدث زياد بن أبي زياد قال: انصرفت من الظهر أنا وعمر حين صلاها هشام بن إسماعيل بالناس إذ كان على المدينة إلى عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة يعوده في شكوى له، قال: فما قعدنا، ما سألنا عنه إلا قياماً. قال: ثم انصرفنا، فدخلنا على أنس بن مالك في داره، وهي إلى جنب دار أبي طلحة، قال: فلما قعدنا أتته الجارية فقالت: الصلاة يا أبا حمزة. قال: قلنا: أي صلاةٍ رحمك الله. قال: العصر. قال: فقلنا لهما: صلينا الظهر الآن! قال: فقال: إنكم تركتم الصلاة حتى نسيتموها، أو قال: نسيتموها حتى تركتموها. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بعثت والساعة كهاتين ومد إصبعية السبابة والوسطى. " وحدث زياد بن مولى ابن عياش عن ابن عياش: أن رسول الله ﷺ قعد على قبر سعد بن معاذ، ثم استرجع، فقال: لو نجا أحدٌ من فتنة القبر أو ألمه أو ضمه لنجا سعد بن معاذ، لقد ضم ضمةً ثم روخي عنه.
أذن عمر بن عبد العزيز لزياد بن أبي زياد، والأمويين هناك ينتظرون الدخول عليه، قال هشام: أما رضي ابن عبد العزيز أن يصنع ما يصنع حتى أذن لعبد ابن عياش يتخطى رقابنا!؟ فقال الفرزدق: من هذا؟ قالوا: رجلٌ من أهل المدينة من القراء عبدٌ مملوك. فقال الفرزدق: من البسيط
يا أيها القارىء المقضي حاجته ... هذا زمانك إني قد خلا زمني
وفي رواية: يا أيها القاريء المرخي عمامته.
стр. 3060
كان زياد مولى ابن عياش قد أعانه الناس على فكاك رقبته، وأسرع الناس في ذلك، ففضل بعد الذي قوطع عليه مالٌ كثير، فرده زياد إلى من كان أعانه بالحصص، وكتبهم عنده، فلم يزل يدعو لهم حتى مات. وكان زياد معتزلاً يلبس الصوف، ولا يأكل اللحم، لا يكاد يجلس مع كل أحد، إنما هو أبداً يخلو وحده بعد العصر وبعد الصبح، وكان فيه لكنة.
قال مزاحم مولى عمر بن العزيز:
اشترين لعمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة للوليد، كساء خز بست مئة دينار أو بسبع مئة دينار، فجعل يجسه ويقول: إنه لخشن: فلما ولي الخلافة قال: إني لأجد البرد بالليل. فاشتريت له كساءً بعشرة دراهم، فلما أتيته به جعل يجسه ويقول: إنه للين. فضحكت، فقال: مم تضحك؟ فقلت: أما تذكر حين اشترين لك كساءً بست مئة دينار أو بسبع مئة دينار فجعلت تقول: إنه لخشن وتقول لهذا: إنه للين! فقال: يا مزاحم، والله لئن كان عيش سليمان بن عبد الملك وعيش زياد مولى ابن عياش واحداً: لأن أعيش في الدنيا بعيش سليمان أحب إلي، ولئن كان زياد مولى ابن عياش صبر في الدنيا على العيش الذي يعيشه لكي يطيب له العيش في الآخرة، فوالله لأن أصبر على مثل عيش زياد هذه الأيام القلائل ليطيب لي العيش في الآخرة في تلك الأيام الكثيرة أحب إلي.
قال زياد مولى ابن عياش: لو رأيتني وقد دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلةٍ شاتيةٍ، وفي بيته كانون، وعمر على كتابه، فجلست أصطلي على الكانون، فلما فرغ من كتابه مشى إلي عمر حتى جلس معي على الكانون، وهو خليفة، فقال: زياد بن أبي زياد، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: قص علي. قلت: يا أمير المؤمنين، لست بقاص. قال: فتكلم. قلت: زياد. قال: وما له؟ قال: لا ينفعه من دخل الجنة غداً إذا دخل النار، ولا يضره من دخل النار غدا إذا دخل الجنة. قال: صدقت والله، ما ينفعك من دخل الجنة إذا دخلت النار، ولا يضرك من دخل النار إذا أنت دخلت الجنة. قال: فلقد رأيت عمر يبكي حتى طفىء بعض ذلك الجمر الذي على الكانون.
стр. 3061
قال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: إني أخاف الله فيما دخلت فيه. فقال له: لست أخاف عليك أن تخاف، ولكني أخاف عليك ألا تخاف.
قال محمد بن المنكدر: إني خلفت زياد بن أبي زياد، وهو يخاصم نفسه في المسجد، يقول: اجلسي، أين تريدين، أين تذهبين؟ أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد؟ انظري ما فيه، تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان؟ قال: وكان يقول لنفسه: ما لك من الطعام، يا نفس، إلا هذا الخبز والزيت، وما لك من الثياب إلا هذين الثوبين، وما لك من النساء إلا هذه العجوز، أفتحبين أن تموتي؟ فقالت: أنا أصبر على هذا العيش.
قال إبراهيم الزهري: جلس إلي يوماً زياد مولى ابن عياش قال: يا عبد الله، قلت: وما تشاء؟ قال: ما هي إلا الجنة والنار. قلت: والله ما هي إلا الجنة والنار. قال: وما بينهما منزل تنزله العباد. قال: فوالله إن نفسي لنفس أضن بها عن النار، والصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال.
قال زياد بن أبي زياد: أنا من أن أمنع الدعاء أخوف من أن أمنع الإجابة.
قال سفيان بن عيينة: قال زياد بن أبي زياد لمحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم: الجد الجد، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما نرجوه كان ما عملتما فضلاً، وإلا لم تلوما إلا أنفسكما. قال سفيان، وقال عامر بن عبد الله: والله لأجهدن، ثم والله لأجهدن، فإن نجوت فبرحمة ربي، وإلا لم ألم إلا نفسي.
стр. 3062
زياد بن النضر أبو الأوبر
ويقال أبو عائشة. ويقال: أبو عمر الحارثي من أهل الكوفة، وفد على يزيد بن معاوية.
حدث زياد الحارثي عن أبي هريرة قال: قال له رجل: أنت الذي تنهى الناس عن صوم يوم الجمعة؟ قال: لا ورب هذه البنية أو هذه الحرمة ما أنا نهيت عنه، محمد رسول الله ﷺ قاله.
وعن أبي الأوبر قال: قال أبو هريرة: ورب هذه البنية لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعلين حتى قضى صلاته.
قال زياد بن النضر الحارثي:
كنت صديقاً ليزيد بن معاوية قبل أن تفضي الخلافة إليه، فلما أفضت إليه أتيته فأكرمني، وأنزلني في الدار معه، فلما كان ذات يوم استحم ثم جاء يخطر في مشيته، عليه سبتية مضلعةٌ كأن جلده يقطر دماً، فما رأيت منظراً أحسن منه، فألقي له كرسي، فجلس عليه، ثم قال: يا أبا عمر قم فاستحم. ففكرت في نفسي وفي غضون جلدي فقلت: لا يراها مني أبداً، فقلت: يا أمير المؤمنين، إذا أفضت علي الماء أخذتني قشعريرة. فقال: لا عليك، يا جارية، اسقيني، قال: فأتته جارية حسناء في يدها إناء فيه شراب ما رأيت شراباً أحسن منه. قال: فشرب حتى أتى عليه، ثم قال: يا جارية، اسقي أبا عمر. قال: فقلت في نفسي: إنا لله إنا إليه راجعون، الخمر ورب الكعبة! قال: فقلت في نفسي: شربة وأتوب. قال: فجاءتني بالقدح، فشربت، فوالله ما سلسلت شراباً قط مثله. قال: فلما فرغت قال: أبا عمر، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: أتدري ما هذا الشراب؟ قلت: لا والله إلا أني لم أسلسل شراباً مثله. قال: هذا رمان حلوان، بعسل أصبهان، بزبيب الطائف، بسكر الأهواز، بماء بردى.
стр. 3063
حدث زياد بن النضر الحارثي قال: كنا على غدير لنا في الجاهلية، ومعنا رجل من الحي يقال له عمرو بن مالك، معه بنية له شابة، على ظهرها ذؤابة، فقال له أبوها: خذي هذه الصفحة وأتى الغدير فجيئينا بشيء من مائه. فانطلقت، فوافقها عليه جانٌّ، فاختطفها فذهب بها، فلما فقدناها نادى أبوها في الحي، فخرجنا على كل صعبٍ وذلول، وقصدنا كل شعبٍ ونقبٍ، فلم نجد لها أثراً، ومضت على ذلك السنون، حتى كان زمن عمر بن الخطاب، فإذا هي قد جاءت، وقد عفا شعرها وأظفارها، وتغيرت حالها، فقال لها أبوها: أي بنية! أين كنت!؟ وقام إليها يقبلها، ويشم ريحها، فقالت: يا أبه، أتذكر ليلة الغدير؟ قال: نعم. قالت: فإنه وافقني عليه جانٌّ، فاختطفني، فذهب بي، فلم أزل فيهم حتى إذا كان الآن غزا هو وأهله قوماً مشركين أو غزاهم قوم مشركون فجعل لله عليه نذراً إن هم ظفروا بعدوهم أن يعتقني، ويردني إلى أهلي، فظفروا، فحملني فأصبحت عندكم، وقد جعل بيني وبينه إمارة إن احتجت إليه أن أولول بصوتي، فإنه يحضرني.
قال: فأخذ أبوها من شعرها وأظفارها، وأصلح من شأنها، وزوجها رجلاً من أهله، فوقع بينها وبينه ذات يوم ما يقع بين المرأة وزوجها، فعيرها، وقال: يا مجنونة، والله إن نشأت إلا في الجن، فصاحت وولولوت بأعلى صوتها، فإذا هاتفٌ يهتف: يا معشر بني الحارث، اجتمعوا فكونوا حياً كراماً. فاجتمعنا، فقلنا: من أنت يرحمك الله، فأنا نسمع صوتاً ولا نرى شخصاً!؟ قال: أنا راب فلانةٍ، رغبتها في الجاهلية بحسبي، وصنتها في الإسلام بديني، ووالله إن نلت منها محرماً قط، واستغاثت في هذا الوقت، فحضرت، فسألتها عن أمرها، فزعمت أن زوجها عيرها بأن كانت فينا، ووالله لو كنت تقدمت إليه لفقأت عينه. قال: فقلنا: يا عبد الله، لك الحباء والجزء والمكافأة فقال: ذاك إليه يعني الزوج قال: فقامت إليه عجوز من الحي فقالت: أسألك عن شيء؟ قال: سلي. قالت: إن لي بنية عراساً أصابتها حضنة، فتمزق رأسها، وقد أخذتها حمى الربع، فهل لها من دواء؟ قال: نعم، اعمدي إلى باب الماء الطويل القوائم الذي يكون على أفواه الأنهار، فخذي منها واحدة، فاجعليه في سبعة ألوان عهنٍ من أصفرها وأحمرها وأخضرها
стр. 3064
وأسودها وأبيضها وأكحلها وأزرقها، ثم افتلي ذلك الصوف بأطراف أصابعك، ثم اعقديه على عضدها اليسرى. ففعلت أمها ذلك، فكأنما نشطت من عقال.
زياد أبو عبد الله من حرس عمر
ابن عبد العزيز. قال: إن لم يكن ابن حبيب فهو غيره.
حدث زياد أبو عبد الله المذكور قال:
بعث إلي عمر بن عبد العزيز ذات ليلة، فدخلت عليه، وعنده شمعة وتحته شاذكونة وسخة، لا أدري أوسخها أغلظ أو بؤولتها، بساطها من عباءة من مشاقة الصوف في ليلة قرة، وعليه كساء ابنجاني سمل، وعليه قلنسوة بيضاء مضربة غسيل قد تنحى قطنها في ناحيتها، فنظرت إلى جسده فكأني لم أر بين عظمه وجلده شيئاً من اللحم، قال ومال معبأ وكتاب مختوم فقال لي: خذ هذا المال، وخذ هذا الكتاب، فانطلق به إلى سالم بن وابصة، وكان على الرقة، فمره فليقسمه على فقراء المسلمين، ومره ألا يقسمه إلا على نهر جارٍ وسوق جامعة، فإني أخاف أن يعطشوا. قال: وكتب إلى ابن وابصة يأمره باشتراط ندب الناس بعضهم عن بعض لا يزدحموا فيصيبهم شيء. قال: فأخذته، ثم خرجت، ورجعت فقلت لغلامه: استأذن لي. فقال: قد دخل إلى أهله، وليس ههنا أحد يستأذن لك. قال: فقام على الباب، ثم قال: الرجل الذي خرج من عند أمير المؤمنين آنفاً يريد الدخول. قال: فسمعته يقول: ادخل. فإذا الشمعة قد رفعت، وإذا عنده سراج. قلت: قل من ولي من هذا إلا حضره المحق وغير المحق، فترى أن نستقصي حتى نوصله إلى أهله؟ أو نعطيه من حضرنا؟ وقد يحضر الغني والفقير؟ قال: فنكت بشيء في يده ملياً، ثم رفع رأسه، فقال: من مد إليك يده فأعطه. فلما خرجت
стр. 3065
قلت لغلامه: ما بال تلك الساعة شمعة، والساعة سراج؟ فقال: تلك الساعة كان في شيء من أمر المسلمين، فكانت عنده شمعة، والساعة قد صار إلى بيته فيكفيه سراج.
زيد بن أحمد بن علي
أبو العلاء الصوري الأصم سمع بدمشق.
روى عن عبد الوهاب بن الحسين البغدادي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ".
توفي أبو العلاء في رجب سنة أربع وستين وأربع مئة.
زيد بن أرطأة بن حذافة
ابن لوذان الفزاري أخو عدي بن أرطاة دمشقي.
حدث زياد بن أرطاة عن حبير بن نفي: أن عبد الله بن عمر رأى فتى وهو يصلي، قد أطال صلاته وأطنب فيها، فقال: من يعرف هذا؟ فقال رجل: أنا. فقال عبد الله بن عمر: لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه وكلما ركع أو سجد تساقطت عنه.
وحدث عن جبير بن نفير أيضاً أنه سمع أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ابغوني الضعفاء، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم.
وحدث زيد بن أرطاة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : من قال حين يصبح: لا إله إلا الله والله أكبر أعتق الله رقبته من النار.
قال سعد بن إبراهيم: حدثنا أخ لعدي بن أرطاة، كان أرضى عندي من عدي وأفضل، قال: حدثنا بعض أصحاب أبي الدرداء، حدثنا أبو الدرداء قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ ما قال حديثاً ولا سمعت أن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون.
стр. 3066
زيد بن أقم بن زيد بن قيس
ابن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ابن الخزرج، أبو عمرو، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو سعد ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو أنيسة الأنصاري له صحبة، وسكن الكوفة.
قال أنس بن مالك: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، فأخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار. وشك ابن الفضل أحد رواة الحديث في أبناء أبناء الأنصار، قال ابن الفضل: فسأل أنساً بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ : هذا أوفى الله بإذنه.
قال ابن شهاب: وسمع رجلاً من المنافقين ورسول الله ﷺ يخطب يقول: لئن كان هذا صادقاً لنحن شرٌّ من الحمير. فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولأنت شر من الحمار. فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله ﷺ : " يحلفون بالله ما قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ". فكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقاً لزيد بن أرقم.
قال يزيد بن حيان:
انطلقت أنا وحصين وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم في داره، فقال حصين: يا زيد، لقد لقيت خيراً كثيراً ولرأيت خيراً كثيراً: رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، فحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ،
стр. 3067
وشهدت معه. قال: أي أخي، كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي عن رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوه، وما لم أحدثكم فلا تكلفونيه، ثم قال: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور فحث على كتاب الله ورغب فيه وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي. فقال حصين: يا زيد، ومن أهل بيته؟ أليست نساؤه؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. فقال: من هم؟ قال: آل عباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر. قال: كل هؤلاء يحرم الصدقة.
مات زيد بن أرقم بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين، وقيل: مات سنة ثمان وستين وله عقب. وأول مشاهده المريسيع وقيل: ذو العشيرة، وشهد معه علي المشاهد، وغزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة.
قال عروة بن الزبير: رد رسول الله ﷺ يوم أحد نفراً من أصحابه استصغرهم، فلم يشهدوا القتال، منهم عبد الله بن عمرو بن الخطاب، وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وعرابة بن أوسٍ، ورجل من بني حارثة، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، ورافع. قال: فتطاول له رافعٌ فأذن له، فسار معهم، وخلف بقيتهم، فجعلهم حرساً للذراري والنسء بالمدينة.
وقال عبد الله بن جفر المخرمي: أول غزوة غزاها زيد بن أرقم: المريسيع وهو غلام صغير، ما غزا مع رسول الله ﷺ إلا ثلاث غزوات أو أربعاً، وشهد مؤتة رديف عبد الله بن رواحة.
стр. 3068
حدث زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ دخل على زيد يعوده من مرض كان به، فقال: ليس عليك من مرضك هذا بأس، ولكنه كيف بك إذا عمرت بعدي، فعميت؟ قال: إذاً أحتسب، وأصبر. قال: إذاً تدخل الجنة بغير حساب، قال فعمي بعدما مات النبي ﷺ ، ثم رد الله عليه بصره، ثم مات. وفي حديث آخر بمعناه: لتلقين الله يوم القيامة وليس عليك ذنب.
وعن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ﷺ . ومعنا ناس من العرب، وكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا، ويسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل عليها نطعاً حتى يجيء أصحابه. قال: فجاء رجل من الأنصار، فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي، وقال: " لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا " يقول: من حوله من الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام، فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا رديف عمي. قال: فسمعت عبد الله، وكنا أخواله، فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ ، قال: فأرسل رسول الله ﷺ ، فحلف، وجحد. قال: فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني. قال: فجاء عمي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله ﷺ ، وكذبك، وكذبك المسلمون. قال فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد قط.
قال: فبينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر إذ خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني
стр. 3069
رسول الله ﷺ فعرك أذني، وضحك في وجهي. فما كان يسرني أن لي به الخلد أقيم في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني قال: ما قال لك رسول الله ﷺ : قال: قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي. قال: أبشر. ولحقني عمر فقلت له قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقون.
وفي حديث آخر بمعناه: فقرأها، ثم قال: إن الله صدقك. وفي رواية: صدقك يا زيد.
وعن زيد بن أرقم قال:
سمعت قوماً يقولون: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبياً كنا أسعد به، وإن يكن ملكاً عشنا تحت جناحه، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فانتهوا إلى حجره، فجعلوا ينادون: يا محمد يا محمد. فأنزل الله : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " قال: فأخذ النبي ﷺ بأذني وقال: صدق الله قولك يا زيد.
قال أبو المنهال، رجل من كنانة: سألت البراء عن الصرف، فقال: سل زيد بن أرقم، فإنه خيرٌ مني وأعلم.
قال ابن أبي أوفى: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم فنقول: حدثنا عن رسول الله ﷺ ، فيقول: أنا قد كبرنا، ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد.
زيد بن أسلم أبو أسامة
ويقال أبو عبد الله العدوي مولى عمر بن الخطاب، الفقيه المدني كان مع عمر بن عبد العزيز في خلافته، واستقدمه الوليد بن يزيد في جماعة من فقهاء المدينة مستفيتاً لهم في الطلاق قبل النكاح.
стр. 3070
حدث زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ مسجد بني عمرو بن عوف، مسجد قباء، يصلي فيه، فدخلت عليه، وجاءت الأنصار يسلمون عليه ودخل معهم هيب، فسألت صهيباً: كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا سلم عليه؟ قال: يشير بيده. قال سفيان: قلت لرجل يسأل زيداً: سمعته من عبد الله؟ وهبت أنا أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة، سمعته من عبد الله بن عمر؟ قال: أما أنا فقد رأيته وكلمته.
وعن زيد بن أسلم عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تحب هذه النعال السبتية، وتستحب هذه الحلوق، ولا تستلم من البيت إلا هذين الركنين. فقال: أما هذه النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبسها، ويتوضأ فيها، وأما الخلق فإنه كان أحب الطيب إلى رسول الله ﷺ ، وما رأيت رسول الله ﷺ يستلم إلا هذين الركنين.
حدث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن محمد بن المنكدر، وعن أبي الزناد في أمثالٍ لهم: خرجوا إلى الوليد، وكان أرسل إليهم يستفتيهم في شيء، فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس.
قال أسلم: قال لي عبد الله بن عمر لما ولد زيد بن أسلم: ما سميت ابنك يا أبا خالد؟ قال: قلت: زيد. قال: بأي الزيدين، زيد بن حارثة أم زيد بن ثابت؟ قال: قلت: زيد بن حارثة، وكنيته بكنيته. قال: أصبت. وكانت كنيته أبو أسامة.
قال مالك بن أنس وغيره: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان ثقة كثير الحديث،
стр. 3071
ومات بالمدينة في خلافة أبي جعفر قبل خروج محمد بن عبد الله بسنتين، وخرج محمد بن عبد الله سنة خمس وأربعين ومئة.
قال محمد بن عبد الرحمن القرشي: كان علي بن حسين يجلس إلى زيد بن أسلم، ويتخطى مجالس قومه. فقال له نافع بن خبيز بن مطعم: تخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه.
وكان زيد بن أسلم من أهل الفقه والعلم، عالم بتفسير القرآن، له كتابٌ فيه تفسير القرآن.
كان أبو حازم يقول: لا يريني الله يوم زيد، وقدمني بين يدي زيد بن أسلم، اللهم إنه لم يبق أحد أرضى لنفسي وديني غير ذلك. قال: فأتاه نعي زيد، فعقر فما قام، وما شهده فيمن شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أني أنظر إلى زيد، فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته؟ قال يعقوب بن عبد الله الأشج: اللهم غنك تعلم أنه ليس من الخلق أحد أمن علي من زيد بن أسلم، اللهم فزد في عمر زيد بن أعمار الناس، وابدأ بي وبأهل بيتي وبأعمارنا. فربما قال له زيد بن أسلم: أرأيت الذي طلبت من حياتي؟ لي أو لنفسك؟ قال: لنفسي. قال: فأي شيءٍ تمن علي في شيء طلبته لنفسك؟ حدث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال:
أضاق أبي زيد ضيقاً شديداً. فبعث بي إلى صديق له تمار، فقال لي: قل له: أبي يقرئك السلام، ويقول لك: قد أضقنا في هذه الأيام، فإن رأيت أن توجه إلينا بشيء. فأتيت التمار قد جاءه تمر، فسلمت عليه، فقال لي: ههنا. وقال: قم ههنا، وأدخل هذا التمر ههنا، وهذا التمر ههنا، فلما فرغنا قلت: والله لا قلت شيئاً: لا يقول: أعانني بشيء يريد أن يأخذ مني كراه، فقلت له: أتقول شيئاً؟ فقال: مكانك، فقدمت إليه مائدة له
стр. 3072
عليها طعم، فقال: كل. فأكلت، فلما أكلت قلت: والله لا قلت له شيئاً، لا يقول: أعانني بشيء، وقد أكل طعامي، وأخذ مني كراء، فقلت له: أتقول شيئاً؟ فقال: نعم، ادفع هذه الثلاثين ديناراً إلى أبيك، وقل له: فلان يقرئك السلام، ويقول لك: اشتريت حديقة فلان فجعلت لك فيها حصة، وتدفع هذه الثلاثين ديناراً إلى أبي حازم، فتقول له مثل ذلك، وتدفع هذه الثلاثين ديناراً إلى ابن المنكدر، وتقول له مثل ذلك. فبدأت بأبي، فأخبرته الخبر، فقال: الحمد لله! ادفع هذه العشرة دنانير إلى أبي حازم وهذه العشرة إلى محمد بن المنكدر. فقلت لكل واحد منهما مثلها، فقال: ردها، الحمد لله. ثم ذهبت إلى أبي حازم فدفعت إليه الدناينر وقلت له ما قال لي، فقال: اذهب بهذه العشرة دنانير إلى أبيك، وبهذه العشرة إلى ابن المنكدر. فقلت: لكل واحد منهما مثلها، فقال: الحمد لله. ثم أتيت ابن المنكدر فدفعت إليه الدنانير، وقلت له ما قال لي، فقال: اذهب بهذه العشرة دنانير إلى أبي حازم وهذه العشرة إلى أبيك، فقلت لكل واحد منهما مثلها، فقال: الحمد لله.
قال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله : " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين " وقالت الملائكة: " سبحانك "، وقال شعيب النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم: " وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ". وقال أهل الجنة: " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله "، وقال أهل النار: " ربنا غلبت علينا شقوتنا "، وقال أخوهم إبليس: " رب بما أغويتني ".
стр. 3073
وقال زيد بن أسلم: القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله.
وقال زيد بن أسلم: خصلتان فيهما كمال أمرك: تصبح حين تصبح فلا تهم الله بمعصيةٍ، وتمسي حين تمسي فلا تهم لله بمعصية.
قال زيد بن أسلم: من يكرم الله بطاعته يكرمه الله بجنته، ومن يكرم الله ﵎ بترك معصيته يكرمه الله ألا يدخله النار.
وقال: استغن بالله عمن سواه، ولا يكونن أحد أغنى بالله منك، ولا يكن أحد أفقر إليه منك، ولا تشغلنك نعم الله على العباد عن نعمته عليك، ولا تشغلنك ذنوب العباد عن ذنوبك، ولا تقنط العباد من رحمة الله وترجوها أنت لنفسك.
كان زيد بن أسلم من الخاشعين، وكان يقول: يا بن آدم، أمرك ربك أن تكون كريماً وتدخل الجنة، ونهاك أن تكون لئيماً وتدخل النار.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: أي بني، وكيف تعجبك نفسك وأنت لا تشاء أن ترى من عباد الله من هو خير منك إلا رأيته؟ يا بني، لا تر أنك خير من أحد يقول لا إله إلا الله حتى تدخل الجنة ويدخل النار، فإذا دخلت الجنة ودخل النار تبين لك أنك خيرٌ منه.
كان زيد بن أسلم يقول: ابن آدم، اتق الله يحبك الناس وإن كرهوا.
وكان زيد بن أسلم يحدث من تلقاء نفسه، فإذا سكت قامن فلا يجترىء عليه إنسان.
كان زيد بن أسلم يقول: انظر من كان رضاه عنك في إحسانك إلى نفسك، وكان سخطه عليك في إساءتك إلى نفسك، فكيف تكون مكافأتك إياه.
стр. 3074
قال زيد بن أسلم: خلتا من أخبرك أن الكرم فيهما فكذبه: إكرامك نفسك بطاعة الله ، وإكرامك نفسك عن معاصي الله .
قال حماد بن زيد: قدمت المدينة، وأهل المدينة يتكلمون في زيد بن أسلم، فقلت لعبيد الله: ما تقول في مولاكم هذا؟ قال: ما نعلم به بأساً إلا تفسير القرآن برأيه.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال:
ألا أحدثك حديثاً تسر به ويسر به صديقك؟ قال: قلت: بلى. قال: غزوت الاسكندرية، فأصابتني فيها شكاة شديدة، فأخذت قرطاساً ودواة لأن أكتب وصيتي، فوجدت في يدي وصباً شديداً، فقلت: لو أني استرحت قليلاً. قال: فجعلت القرطاس تحت رأسي والدواة تحت رجلي، ثم نمت، فرأيت في منامي كأن معي في البيت رجلاً مبيضاً، فقلت له: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا ملك الموت. قال: فذكرت الجنة والنار، وما أعد الله فيهما، فأدركتني رقة، فبكيت، فقال لي: أفلا أكتب لك براءةً من النار؟ فقلت: بلى، قال: فدفعت إليه القرطاس من تحت رأسي، والدواة من تحت رجلي، وأشهد وكتب حتى ملأ القرطاس، ثم دفعه إلي، فإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، استغفر الله، استغفر الله، حتى ملأ القرطاس. فقلت: أي رحمك الله، أين براءتي من النار؟ قال: فقال لي: فأي براءة تريد أوثق من براءتك هذه؟ ثم استيقظت من نومي، فعمدت إلى القرطاس الذي جعلته تحت رأسي في اليقظة، فنظرت فيه فإذا فيه كتاب ملك الموت ﵇، الذي رأيته في المنام. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، استغفر الله استغفر الله، حتى ملأ القرطاس.
قال عبد الرحمن بن زيد: قال رجل: رأيت الناس في أزقة ضيقة وغبار، ورأيت قصراً مرشوشاً حوله، لايقربه من الغبار قليل ولا كثير. فقلت: ما منع الناس أن يمروا في تلك الطريق؟ فقيل لي: ليست لهم. فقلت: لمن هي، فقالوا: لذلك الرجل الذي يصلي إلى جانب القبر. فقلت: من ذاك؟
стр. 3075
قيل: زيد بن أسلم. قلت: بأي شيء أعطي ذلك؟ قال: لأن الناس سلموا منه وسلم منهم.
قال عبد الرحمن بن زيد: جاء رجل من الأنصار إلى أبي فقال: يا أبا أسامة، إني رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر خرجوا من هذا الباب فإذا النبي ﷺ يقول: انطلقوا بنا إلى زيد نجالسه ونسمع من حديثه. فجاء النبي ﷺ حتى جلس إلى جنبك فأخذ بيدك. قال: فلم يكن بقاء أبي بعد هذا إلا قليلاً.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: رأيت أبي في المنام، وعليه قلنسوة طويلة، فقلت: يا أبه، ما فعل الله بك؟ قال: زينني بزينة العلم. قلت: فأين مالك بن أنس؟ فقال: مالكٌ فوق فوق، فلم يزل يقول: فوق، ويرفع رأسه حتى سقطت القلنسوة عن رأسه.
توفي زيد بن أسلم سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: سنة ست وثلاثين ومئة.
زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد
ابن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو خارجة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي.
كان مع عمر بن الخطاب لما قدم الشام وخطب بالجابية عند خروجه لفتح بيت المقدس، وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك.
حدث زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قال: قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر قراءة خمسين آية.
وعن مكحول: أن عبادة بن الصامت دعا نبطياً يمسك له دابته عند بيت المقدس، فأبى، فضربه فشجه، فاستعدى عليه عمر بن الخطاب، فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ فقال: يا أمير
стр. 3076
المؤمنين، أمرته أن يمسك دابتي فأبى، وأنا رجل في حدة، فضربته. فقال: اجلس للقصاص. فقال زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك؟ فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية.
وزيد بن ثابت أمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
وقيل: كانت كنية زيد بن ثابت أبو سعيد، وكان كاتب سيدنا رسول الله ﷺ ، ثم كان كاتب عمر بن الخطاب، وله القراءة والفرائض.
قال زيد بن ثابت: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة.
قال زيد بن ثابت: أتي بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل إليك سبع عشرة سورة. قال: فقرأت على رسول الله ﷺ فأعجبه ذلك، فقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي، قال: فتعلمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.
وعن زيد بن ثابت قال: قال له رسول الله ﷺ :
إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية أو قال السريانية؟ فقلت: نعم، قال: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة.
قال زيد بن ثابت: كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقاً مثل الجمان، ثم سري عنه.
وعن البراء عن النبي ﷺ أنه قال: ادع لي زيداً، وقل له: تجيء بالكتف والدواة أو اللوح والدواة فقل: اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين ". أحسبه قال: والمجاهدون قال: فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، بعيني ضرر. فنزلت قبل أن يبرح: " غير أولي الضرر ".
стр. 3077
وعن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر الصديق: إن عمر أتاني فقال لي: إن القتل قد استحر بأهل اليمامة من قراء المسلمين، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن لا يوعى، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لهم: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني بذلك حتى شرح الله بذلك صدري، فرأيت فيه الذي رأى عمر، فقال زيد بن ثابت، وعمر جالس عنده لا يتكلم: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا تنهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني ثقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قال: فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. قال: فكنت أتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصار لم أجدهما مع أحدٍ غيره: " لقد جاءكم رسولٌ من أنفسك.. " فكانت الصحيفة التي جمعنا فيها القرآن عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر بن الخطاب حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
قال ابن شهاب: ثم أخبرني أنس: أنه اجتمع لغزو أذربيجان وإرمينية أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن، فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة. قال: فركب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان بن عفان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. قال: ففزع لذلك عثمان بن عفان فزعاً شديدا، ً وأرسل إلى حفصة، فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيداً بجمعها، فنسخ منها المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق، ثم لما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف ليمزقها، وخشي أن يخالف بعض الكتاب بعضاً، فمنعته إياها. قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله قال: فلما توفيت حفصة أرسل إلي عبد الله بن عمر
стр. 3078
بعزيمةٍ ليرسلن بها. فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان، فغسلها، ومزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمان.
وعن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ كلهم من الأنصار، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رجل من الأنصار.
وعن عطية بن قيس الكلابي قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يقرأ غضاً أو غريضاً فليقرأه بقراءة زيد.
قال ابن سيرين: غلب زيد بن ثابت الناس بخصلتين: بالقرآن والفرائض.
وعن أبي محجن قال: قال رسول الله ﷺ : إن أرأف الناس بهذه الأمة أبو بكر، وإن أقواها في أمر الله عمر، وإن أصدقها حياء عثمان، وإن أعلمها بفصل القضاء علي. وإن أقرأها أبي، وإن أفرضها زيد، وإن أعلمها بالناسخ والمنسوخ معاذ، وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وعن زيد بن ثابت قال: كانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين، وكانت قبل هجرة رسول ﷺ بخمس سنين، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنا ابن إحدى عشرة سنة، وأتي بي إلى رسول الله ﷺ فقالوا: غلامٌ من الخزرج قد قرأ ست عشرة سورة، فلم أجز في بدر ولا أحد، وأجزت في الخندق.
قال محمد بن عمر:
كان زيد بن ثابت يكتب الكتابين جميعاً: كتاب العربية، وكتاب العبرانية. وأول مشهدٍ شهده زيد بن ثابت مع رسول الله ﷺ الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان ممن ينقل التراب يومئذ مع المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه نعم الغلام، وغلبته عيناه يومئذ، فرقد، فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه، وهو لا يشعر، فقال له رسول الله ﷺ : يا رقاد، نمت حتى ذهب سلاحك، وقال رسول الله ﷺ : من له علمٌ بسلاح
стр. 3079
هذا الغلام؟ فقال عمارة بن حزم: يا رسول الله، أنا أخذته. فرده، فنهى رسول الله ﷺ يومئذ أن يروع المؤمن، أو أن يؤخذ متاعه لاعباً جداً.
قال: وكانت راية بني مالك بن النجار في تبوك مع عمارة بن حزم، فأدركه رسول الله ﷺ فأخذها منه، فدفعها إلى زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول الله، بلغك عني شيءٌ؟ قال: لا ولكن القرآن يقدم، وكان زيد أكثر أخذاً منك للقرآن.
وفي حديث آخر بمعناه: والقرآن يقدم وإن كان عبداً أسود مجدعاً.
وعن أبي سعيد قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار، فجعل بعضهم يقول: يا معشر المهاجرين، إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث رجلاً منكم قرنه برجل منا، فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان: رجل منكم، ورجل منا، فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وكنا أنصار رسول الله ﷺ ، وإنما يكون الإمام من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً من حي يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، والله لو قلتم غير هذا ما صالحناكم.
قال مسروق: كان أصحاب الفتوى من أصحاب النبي ﷺ عمر، وابن مسعود، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري.
قال الشعبي: القضاة أربعة، والدهاة أربعة، فأما القضاة فعمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وأما الدهاة فمعاوية، وزياد، وعمرو، والمغيرة.
وقال مسروق: انتهى علم أصحاب محمد ﷺ إلى ستة، فسمى عمر، وعلياً، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى.
وعن القاسم قال: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت في كل سفر أو كل سفر يسافره وكان يفرق
стр. 3080
الناس في البلدان، ويوجهه في الأمور المهمة، ويطلب إليه الرجال المسمون، فيقال له: زيد بن ثابت. فيقول: لم يسقط علي مكان زيد، ولكن أهل البلد يحتاجون إلى زيد فيما يجدون عنده فيما يحدث لهم ما لا يجدون عند غيره.
قال سليم بن يسار: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء، والفتوى، والفرائض، والقراءة.
وقال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: لما رد عبد الله بن الأرقم المفتاح استخزن عثمان زيد بن ثابت.
وعن خارجة: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى بعض أسفاره، فقلما رجع إلا أقطع زيداً حديقةً من نخل.
قال الشعبي: تنازع في جذاذ نخلٍ أبي بن كعب وعمر بن الخطاب، فبكى أبي، ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ قال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين، قال أبي: زيد. قال: رضًى. فانطلقا حتى دخلا على زيد، فلما رأى زيد عمر تنحى عن فراشه، فقال له عمر: في بيته يؤتى الحكم. فعرف زيد أنهما جاءا ليتحاكما إليه، فقال عمر لأبي يقص. فقص، فقال له عمر: تذكر لعلك نسيت شيئاً فتذكر، ثم قص حتى قال: ما أذكر شيئاً. ثم قص عمر، فقال زيد: بينتك يا أبي. قال: ما لي بينة. قال: فأعف أمير المؤمنين من اليمين. فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه.
زاد في حديث آخر بمعناه: ثم أقسم لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء.
стр. 3081
وعن نافع قال: استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقاً.
حدث سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: كان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان، وكان زيد بن ثابت يذب عنه، فقال له قائل منهم: وما يمنعك؟ ما أقل والله من الخزرج من له من عضدان العجوة مالك! قال: فقال له زيد بن ثابت، اشتريت بمالي، وقطع لي إمامي عمر بن الخطاب، وقطع لي إمامي عثمان بن عفان.
فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر بن الخطاب عشرين ألف دينار؟ قال: لا، ولكن عمر كان يستخلفني على المدينة، فوالله ما رجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة من نخل.
ولما حصر عثمان أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار، فقال له عثمان: أنت خارجٌ أنفع لي منك ههنا، فذب عني. فخرج، فكان يذب الناس، ويقول لهم فيه، حتى رجع لقوله أناس من الأنصار، وجعل يقول: يا للأنصار! كونوا أنصار الله مرتين انصروه، والله إن دمه لحرام. فجاء أبو حبة المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح لنا معك أمر، فكان بينهما كلام، ثم أخذ تلبيب زيد بن ثابت هو وأناسٌ معه، فمر به ناس من الأنصار، فلما رأوهم أرسلوه، وجعل رجل منهم يقول لأبي حبة: أتصنع هذا برجل له مات الليلة ما دريت ما ميراثك من أبيك؟! قال ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرها.
وعن الحسين بن الفهم وبكير بن عبد الله الأشج قال: جل ما أخذ بن سعيد بن المسيب من القضاء ما يفتي به، وقال ابن الفهم: وما كان يفتي به عن زيد بن ثابت، وكان قل قضاء أو فتوى جليلةٌ ترد على ابن المسيب تحكى له عن
стр. 3082
بعض من هو غائب عن المدينة من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلا قال: فأين زيد بن ثابت عن هذا؟ إن زيد بن ثابت أعلم الناس بما تقدمه من قضاء، وأبصرهم بما يرد عليه مما لم يسمع فيه بشيء، ثم يقول ابن المسيب: لا أعلم لزيد بن ثابت قولاً لا يعمل به، يجمع عليه في المشرق والمغرب، أو يعمل به أهل مصرٍ، وإنه ليأتينا عن غيره أحاديث وعلم ما رأيت أحداً من الناس يعمل بها، ولا من هو بين ظهرانيهم.
قال الزهري: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس.
قال ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم.
وعن عمار بن أبي عمار: أن زيد بن ثابت ركب يوماً، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله ﷺ . فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده فقبلها، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
قال ثابت بن عبيد: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم.
قال يحيى بن سعيد: لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات خبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً.
وعن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دلي في قبره قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير.
стр. 3083
قال عوف: بلغني أن ابن عباس قال لما دفن زيد بن ثابت: هكذا يذهب العلم وأشار إلى قبره يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره فيذهب ما كان معه.
قال خارجة بن زيد: توفي أبي زيد قبل أن تصفر الشمس، فكان رأيي دفنه قبل أن أصبح، فجاءت الأنصار فقالت: لا يدفن إلا نهاراً يجتمع له الناس. فسمع مروان الأصوات، فأقبل يمشي حتى دخل علي فقال: عزيمةٌ مني أن يدفن حتى تصبح، فلما أصبحنا غسلناه ثلاثاً: الأول بالماء، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وكفناه في ثلاثة أثواب: أحدها برد كان كساه إياه معاوية، وصلينا عليه بعد طلوع الشمس، صلى عليه مروان بن الحكم، وأرسل مروا بجزرٍ فنحرت، وأطعمنا الناس. قال أبو الزناد: نزل نساء العوالي، وجاء نساء البلد من الأنصار، فجعل خارجة يذكرهن الله، ويقول: لا تبكين عليه. فقلن: لا نسمع كلامك في هذا، ولنبكين عليه ثلاثاً، فغلبنه، فبكين عليه ثلاثاً. قال: وأطعموا.
قال محمد بن عمر: ومات زيد بن ثابت بالمدينة سنة خمس وأربعين. وقيل: سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ثمان وأربعين، وقيل غير ذلك، وقال حسان بن ثابت: من الطويل
فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت
زيد بن حارثة بن شراحيل
ويقال: شرحبيل، بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرىء القيس بن عامر ابن النعمان بن عامر بن عبد ود سماه أبو بصنمه بن امرىء القيس ابن النعمان بن عمران بن عبد عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن وبرة بن كلب بن وبرة، ابو أسامة الكلبي حب سيدنا رسول الله ﷺ ومولاه.
стр. 3084
حدث زيد أن النبي ﷺ قال: بشر المشائين في الظلام إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة.
وعن زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوماً حاراً من أيام مكة، وهو مردفي، إلى نصب من الأنصاب وقد ذبحنا له شاةً فأنضجناها. قال: فلقيه زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية، فقال له النبي ﷺ : يا زيد! ما لي أرى قومك قد شنفوا لك؟ قال: والله يا محمد إن ذلك لبغير نائلة لي فيهم، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالذي أبتغي، ثم خرجت حتى أقدم على أحبار خيبر، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدم على أحبار الشام، فوجدتهم يعبدون الله تعالى ويشركون به: فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت، فقال لي شيخ منهم: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخ بالجزيرة وقال ابن حمدان: بالحيرة قال: فخرجت حتى أقدم عليه، فلما رآني قال: ممن أنت؟ قلت: أنا من أهل بيت الله من أهل الشرط والفرط، فقال: إن الدين الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبي طلع نجمه، وجمي من رأيتهم في ضلال، فلم أحس بشيء. قال: فقرب إليه السفرة، فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: شاة ذبحناها لنصب من هذه الأنصاب. قال:
стр. 3085
ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه. قال: وتفرقنا. قال زيد بن حارثة: فأتى النبي ﷺ البيت، فطاف به وأنا معه بالصفا وكان عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما يقال له: إسافٌ، والآخر نائلة، وكان المشركون إذا طافوا بهما قالوا: تمسحوا بهما. فقال النبي ﷺ : لا تمسحهما فإنهما رجس، فقلت في نفسي: لأمسهما حتى أنظر ما يقول النبي ﷺ ، فمستهما، فقال: يا زيد ألم تنه؟ ومات زيد بن عمرو بن نفيل وأنزل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لزيد: إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وفي حديث آخر بمعناه: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنماً حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب.
وزاد ابن سعد زيد الحب على ابن وبرة فقال: وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة واسمه عمرو، وإنما سمي قضاعة لأنه انقضع عن قومه، ابن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن.
وأم زيد بن حارثة سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طيىء. فزارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها، وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيداً، وهو
следующие страницы →