← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وعن نافع قال: استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقاً. حدث سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: كان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان، وكان زيد بن ثابت يذب عنه، فقال له قائل منهم: وما يمنعك؟ ما أقل والله من الخزرج من له من عضدان العجوة مالك! قال: فقال له زيد بن ثابت، اشتريت بمالي، وقطع لي إمامي عمر بن الخطاب، وقطع لي إمامي عثمان بن عفان. فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر بن الخطاب عشرين ألف دينار؟ قال: لا، ولكن عمر كان يستخلفني على المدينة، فوالله ما رجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة من نخل. ولما حصر عثمان أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار، فقال له عثمان: أنت خارجٌ أنفع لي منك ههنا، فذب عني. فخرج، فكان يذب الناس، ويقول لهم فيه، حتى رجع لقوله أناس من الأنصار، وجعل يقول: يا للأنصار! كونوا أنصار الله مرتين انصروه، والله إن دمه لحرام. فجاء أبو حبة المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح لنا معك أمر، فكان بينهما كلام، ثم أخذ تلبيب زيد بن ثابت هو وأناسٌ معه، فمر به ناس من الأنصار، فلما رأوهم أرسلوه، وجعل رجل منهم يقول لأبي حبة: أتصنع هذا برجل له مات الليلة ما دريت ما ميراثك من أبيك؟! قال ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرها. وعن الحسين بن الفهم وبكير بن عبد الله الأشج قال: جل ما أخذ بن سعيد بن المسيب من القضاء ما يفتي به، وقال ابن الفهم: وما كان يفتي به عن زيد بن ثابت، وكان قل قضاء أو فتوى جليلةٌ ترد على ابن المسيب تحكى له عن

стр. 3082

بعض من هو غائب عن المدينة من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلا قال: فأين زيد بن ثابت عن هذا؟ إن زيد بن ثابت أعلم الناس بما تقدمه من قضاء، وأبصرهم بما يرد عليه مما لم يسمع فيه بشيء، ثم يقول ابن المسيب: لا أعلم لزيد بن ثابت قولاً لا يعمل به، يجمع عليه في المشرق والمغرب، أو يعمل به أهل مصرٍ، وإنه ليأتينا عن غيره أحاديث وعلم ما رأيت أحداً من الناس يعمل بها، ولا من هو بين ظهرانيهم. قال الزهري: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس. قال ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم. وعن عمار بن أبي عمار: أن زيد بن ثابت ركب يوماً، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله ﷺ . فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده فقبلها، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. قال ثابت بن عبيد: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم. قال يحيى بن سعيد: لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات خبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً. وعن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دلي في قبره قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير.

стр. 3083

قال عوف: بلغني أن ابن عباس قال لما دفن زيد بن ثابت: هكذا يذهب العلم وأشار إلى قبره يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره فيذهب ما كان معه. قال خارجة بن زيد: توفي أبي زيد قبل أن تصفر الشمس، فكان رأيي دفنه قبل أن أصبح، فجاءت الأنصار فقالت: لا يدفن إلا نهاراً يجتمع له الناس. فسمع مروان الأصوات، فأقبل يمشي حتى دخل علي فقال: عزيمةٌ مني أن يدفن حتى تصبح، فلما أصبحنا غسلناه ثلاثاً: الأول بالماء، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وكفناه في ثلاثة أثواب: أحدها برد كان كساه إياه معاوية، وصلينا عليه بعد طلوع الشمس، صلى عليه مروان بن الحكم، وأرسل مروا بجزرٍ فنحرت، وأطعمنا الناس. قال أبو الزناد: نزل نساء العوالي، وجاء نساء البلد من الأنصار، فجعل خارجة يذكرهن الله، ويقول: لا تبكين عليه. فقلن: لا نسمع كلامك في هذا، ولنبكين عليه ثلاثاً، فغلبنه، فبكين عليه ثلاثاً. قال: وأطعموا. قال محمد بن عمر: ومات زيد بن ثابت بالمدينة سنة خمس وأربعين. وقيل: سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ثمان وأربعين، وقيل غير ذلك، وقال حسان بن ثابت: من الطويل فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت زيد بن حارثة بن شراحيل ويقال: شرحبيل، بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرىء القيس بن عامر ابن النعمان بن عامر بن عبد ود سماه أبو بصنمه بن امرىء القيس ابن النعمان بن عمران بن عبد عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن وبرة بن كلب بن وبرة، ابو أسامة الكلبي حب سيدنا رسول الله ﷺ ومولاه.

стр. 3084

حدث زيد أن النبي ﷺ قال: بشر المشائين في الظلام إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة. وعن زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوماً حاراً من أيام مكة، وهو مردفي، إلى نصب من الأنصاب وقد ذبحنا له شاةً فأنضجناها. قال: فلقيه زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية، فقال له النبي ﷺ : يا زيد! ما لي أرى قومك قد شنفوا لك؟ قال: والله يا محمد إن ذلك لبغير نائلة لي فيهم، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالذي أبتغي، ثم خرجت حتى أقدم على أحبار خيبر، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدم على أحبار الشام، فوجدتهم يعبدون الله تعالى ويشركون به: فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت، فقال لي شيخ منهم: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخ بالجزيرة وقال ابن حمدان: بالحيرة قال: فخرجت حتى أقدم عليه، فلما رآني قال: ممن أنت؟ قلت: أنا من أهل بيت الله من أهل الشرط والفرط، فقال: إن الدين الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبي طلع نجمه، وجمي من رأيتهم في ضلال، فلم أحس بشيء. قال: فقرب إليه السفرة، فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: شاة ذبحناها لنصب من هذه الأنصاب. قال:

стр. 3085

ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه. قال: وتفرقنا. قال زيد بن حارثة: فأتى النبي ﷺ البيت، فطاف به وأنا معه بالصفا وكان عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما يقال له: إسافٌ، والآخر نائلة، وكان المشركون إذا طافوا بهما قالوا: تمسحوا بهما. فقال النبي ﷺ : لا تمسحهما فإنهما رجس، فقلت في نفسي: لأمسهما حتى أنظر ما يقول النبي ﷺ ، فمستهما، فقال: يا زيد ألم تنه؟ ومات زيد بن عمرو بن نفيل وأنزل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لزيد: إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وفي حديث آخر بمعناه: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنماً حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب. وزاد ابن سعد زيد الحب على ابن وبرة فقال: وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة واسمه عمرو، وإنما سمي قضاعة لأنه انقضع عن قومه، ابن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن. وأم زيد بن حارثة سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طيىء. فزارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها، وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيداً، وهو

стр. 3086

يومئذ غلام يفعة قد أوصف، فوافوا به سوق عطاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى لعمته خديجة بنت خويلد بأربع مئة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، فقبضه رسول الله ﷺ ، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال أبياتاً منها: من الطويل بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فو الله ما أدري وإن كنت سائلاً ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعةٌ ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهداً ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرىءٍ فانس وإن غره الأمل وأوصي به قيساً وعمراً كليهما ... وأوصي يزيداً ثم من بعدهم جبل يعني: جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني بيزيد: أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل. قال: فحج ناس من كلب، فرأوا زيداً، فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي، وقال: من الطويل ألكني إلى قومي وإن كنت نائياً ... بأني قطين البيت عند المشاعر فكفوا من الوحيد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرةٍ ... كرام معد كابراً بعد كابر قال: فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة. ووصفوا له

стр. 3087

موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا بن عبد الله، يا بن عبد المطلب، يا بن هاشم، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، وعند بيته تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابتياع عبدك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فإنا سنرفع لك في الفداء، قال: ما هو؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله ﷺ : فهلا غير ذاك؟ قالوا: ما هو؟ قال: أدعوه، فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً. قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت. قال: فدعاه، فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم. قال: من هما؟ قال: هذا أبي، وهذا عمي. قال: فأنا من قد علمت، ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً. أنت مني بمكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا من حضر، اشهدوا أن زيداً ابني أرثه ويرثني. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، فانصرفا، فدعي: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام، وزوجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بن رياب الأسدية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فطلقها زيد بعد ذلك، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فتكلم المنافقون في ذلك، وطعنوا فيه، وقالوا: محمد يحرم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله : " ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.. " إلى آخر الآية، وقال: " ادعوهم لآبائهم "، فدعي يومئذ زيد بن حارثة، ودعي الأدعياء إلى آبائهم، فدعي المقداد إلى عمرو، وكان يقال له قبل ذلك: المقداد بن الأسود، وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبناه. واستشهد زيد في حياة سيدنا رسول الله ﷺ يوم مؤتة مع جعفر بن أبي طالب سنة سبع.

стр. 3088

وشهد زيد بدراً، وآخى النبي ﷺ بينه وبين حمزة. وعن علي قال: أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب. قال محمد بن إسحاق: وأظهر علي وزيد بن حارثة إسلامهما فكبر ذلك على قريش، وكان أول من اتبع رسول الله ﷺ : خديجة بنت خويلد زوجته، ثم كان أول ذكر آمن به علي، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵈. قالت زينب بنت جحش: خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ؟ قالت: ومن هو يا رسول الله!؟ قال: زيد بن حارثة قالت: فغضبت حمة غضباً شديداً، وقالت: يا رسول الله! أتزوج ابنة عمتك مولاك؟! قالت: وجاءتني فأخبرتني، فغضبت أشد من غضبها، وقلت أشد من قولها، فأنزل الله : " وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : زوجني من شئت. فزوجني زيد بن حارثة، فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". فقال: أطلقها يا رسول الله. فطلقني، فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله قد دخل علي وأنا مكشوفة الشعر، فلما رأيت ذلك علمت أنه من أمر السماء، فقلت: يا رسول الله! بلا خطبةٍ، ولا أشهاد؟ قال: الله المزوج وجبريل الشاهد. وعن الكلبي وشرقي بن قطامي وغيرهما قالوا: أقبلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة إلى النبي ﷺ بالمدينة، فخطبها الزبير بن العوام وزيد بن حارثة وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص،

стр. 3089

فاستشارت أخاها لأمها عثمان بن عفان، فأشار عليها أن تأتي النبي ﷺ ، فأتته، فأشار عليها زيد بن حارثة، فتزوجته فولدت له زيد بن زيد، ورقية، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رقية في حجر عثمان، وطلق زيد بن حارثة أم كلثوم وتزوج درة بنت أبي لهب، ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير بن العوام، ثم زوجه رسول الله ﷺ أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، وجعل له الجنة، فولدت له أسامة فكان يكنى به. وشهد زيد بدراً، وأحداً، واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة حين خرج النبي ﷺ إلى المريسيع، وشهد الخندق، والحديبية، وخيبر، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله ﷺ . وعن جبلة أخي زيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا لم يغز لم يعط سلاحه إلا علياً أو زيداً. وعن أسامة بن زيد قال: اجتمع جعفر وعلي وزيد بن حارثة، فقال جعفر: أنا أحبكم إلى رسول الله ﷺ ، وقال علي: أنا أحبكم إلى رسول الله ﷺ ، وقال زيد: أنا أحبكم إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ حتى نسأله. قال أسامة: فجاؤوا يستأذنونه، فقال: آخر فانظر من هؤلاء. فقلت: هذا جعفر، وعلي، وزيد ما أقول أبي قال: ائذن لهم، فدخلوا، فقالوا: يا رسول الله، من أحب إليك؟ " قال: فاطمة قالوا: نسألك عن الرجال. قال: أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي، وأشبه خلقي خلقك، وأنت مني وشجرتي. وأما أنت يا علي فحبيبي وأبو ولدي، وأنا منك، وأنت مني، وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي، وأحب القوم إلي. " وفي حديث آخر بمعناه: وأما أنت يا علي فختني وأبو ولدي. وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ : أنه قال حين أمر أسامة بن زيد وبلغه أن الناس عابوا إمارته فطعنوا فيها، فقام رسول الله ﷺ في الناس فقال: " ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته، وقد فعلتم

стр. 3090

ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقاً بالإمارة، وإن كان لأحب الناس إلي، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم ". قال سالم: ما سمعت عبد الله تحدث بهذا الحديث قط إلا قال: والله ما حاشا فاطمة. وعن عائشة ﵂ قالت: أتانا زيد بن حارثة، فقام إليه رسول الله ﷺ يجر أثوابه، فقبل وجهه، قالت عائشة: وكانت أم قرفة جهزت أربعين راكباً من ولدها وولد ولدها إلى رسول الله ﷺ ليقاتلوه، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فقتلهم، وقتل أم قرفة، وأرسل بدرعها إلى رسول الله ﷺ ، فنصبه بالمدينة بين رمحين. وعنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ عرياناً قط إلا مرة واحدة، جاء زيد بن حارثة من غزوة يستفتح، فسمع رسول الله ﷺ صوته، فقام عرياناً يجر ثوبه، فقبله. وعن عائشة قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر: أن عمر فرض لأسامة بن زيد أكثر مما فرض لي يعني ابن عمر لنفسه قال: فقلت له في ذلك، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإن أباه أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وعن ثابت بن الحجاج قال: لما نزلت هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " قال زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ : اللهم، إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه،

стр. 3091

فتصدق بها للمساكين، فأقاموها للبيع، وكانت تعجب زيداً، فأتى رسول الله ﷺ فقال: أشتريها؟ فنهاه أن يشتريها. وعن عمرو بن دينار قال: لما نزلت هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ". جاء زيد بفرس له، فقال: تصدق بهذا يا رسول الله. فأعطاه رسول الله ﷺ ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول الله ﷺ : قد قبلت صدقتك. كانت مؤته في جمادى الأول سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذٍ وهو ابن خمسٍ وخمسين سنة. ولما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام، وهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله ﷺ : أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة، وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا!؟ فمضى قدماً حتى استشهد. فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان، فمناه الحياة وكره إليه الموت، ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا!؟ ثم مضى قدماً حتى استشهد. فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ودعا له، ثم قال رسول الله ﷺ : استغفروا لأخيكم، فإنه شهيد، دخل الجنة فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة، فاستشهد، ثم دخل الجنة معترضاً، فشق ذلك على الأنصار، فقيل: يا رسول الله ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فشجع، فاستشهد، فدخل الجنة، فسري عن قومه.

стр. 3092

وعن محمد بن عمر بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : رأيت جعفراً ملكاً يطير في الجنة تدمى قادمتاه، ورأيت زيداً دون ذلك، فقلت: ما كنت أظن أن زيداً دون جعفر، فأتاه جبريل فقال: إن زيداً ليس بدون جعفر، ولكنا فضلنا جعفراً لقرابته منك. وعن خالد بن سلمة المخزومي قال: لما جاء مصاب زيد وأصحابه أتى رسول الله ﷺ منزله بعد ذلك، فلقيته ابنته، فلما رأت رسول الله ﷺ أجهشت في وجهه بالبكاء، فلما رآها رسول الله ﷺ بكى حتى انتحب، فقيل: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى الحبيب. وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: إني رفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذةٍ للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ورمانها كأنه الدلاء عظماً، وإذا بطائرها كأنه بختكم هذه، فقال عندها رسول الله ﷺ : إن الله أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب العلوي الحسني والد الحسن بن زيد أمير المدينة. وفد على الوليد بن عبد الملك لخصومة وقعت بينه وبين أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية في ولاية صدقات علي بالمدينة. قال محمد بن المهاجر قاضي اليمامة: سألت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى عن متعة النساء ويقول: هي حرام إلى يوم القيامة. وحدث زيد بن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ كان إذا توضأ نضل موضع سجوده بماء حتى يسليه على موضع السجود.

стр. 3093

وعن زيد بن الحسن: أنه رأى ابن عباس تطيب بالمسك. وعن أبي معشر قال: كان علي بن أبي طالب اشترط في صدقته أنها إلى ذي الدين والفضل من أكابر ولده. قال: فانتهت صدقته في زمن الوليد بن عبد الملك إلى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فنازعه فيها أبو هاشم عبد الله بن محمد فقال: أنت تعلم أني وإياك في النسب سواء إلى جدنا علي، وإن كانت فاطمة لم تلدني وولدتك، فإن هذه الصدقة لعلي، وليست لفاطمة، وأنا أفقه منك وأعلم بالكتاب والسنة، حتى طالت المنازعة بينهما، فخرج زيد من المدينة إلى الوليد بن عبد الملك، وهو بدمشق، فكبر عنده على أبي هاشم، وأعلمه أن له شيعة بالعراق يتخذونه إماماً، وأنه يدعو إلى نفسه حيث كان، فوقع ذلك في نفس الوليد، ووقر في صدره، وصدق زيداً فيما ذكر، وحمله منه على جهة النصيحة، وتزوج نفيسة ابنة زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكتب الوليد إلى عامله بالمدينة في إشخاص أبي هاشم إليه، وأنفذ بكتابه رسولاً قاصداً يأتي بأبي هاشم، فلما وصل إلى باب الوليد أمر بحبسه في السجن فمكث فيه مدة. فوفد في أمره علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقدم على الوليد، فكان أول ما افتتح به كلامه حين دخل عليه أنه قال: يا أمير المؤمنين، ما بال آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان يتقربون بآبائهم فيكرمون ويحبون، وآل رسول الله ﷺ يتقربون به فلا ينفعهم ذلك!؟ فيم حبست ابن عمي عبد الله بن محمد طول هذه المدة؟ قال: بقول ابن عمكما زيد بن الحسن، فإنه أخبرني أن عبد الله بن محمد ينتحل اسمي، ويدعو إلى نفسه، وأن له شيعة بالعراق، وقد اتخذوه إماماً. قال له علي بن الحسين: أو ما يمكن أن يكو بين ابني العم منازع ووحشة كما يكون بين الأقارب، فيكذب أحدهما على الآخر؟ وهذان كان بينهما كذا وكذا، فأخبره خبر صدقة علي بن أبي طالب وما جرى فيها، حتى زال عن قلب الوليد ما كان قد خامره، ثم قال له: فأنا أسألك بقرابتنا من نبيك ﷺ لما خليت سبيله. فقال: قد فعلت. فخلى سبيله، وأمره أن يقيم بحضرته. فأقام أبو هاشم بدمشق يحضر مجلس الوليد، ويكثر عنده ويسامره، حتى إذا كان

стр. 3094

ذات ليلة أقبل عليه الوليد فقال: يا أبا البنات، لقد أسرع الشيب إليك، فقال له أبو هاشم: أتعيرين بالبنات؟ فقد كان نبي الله شعيب أبا بنات، وكان نبي الله لوط أبا بنات، وكان محمد خير البرية ﷺ وعليهم أبا بنات، فأي عيب فيما عيرتني به؟ فغضب الوليد من قوله، وقال له: إنك رجل تحب المماراة، فارحل عن جواري. قال: نعم والله أرحل عنك، فما الشام لي بوطن، ولا أعرج فيها على شجن، ولقد طال فيها همي، وكثر فيها ديني، وما أنا لك بحامد، ولا إلى جوارك بعائد. ونهض، وقد أحفظ الوليد، فخرج عن دمشق متوجهاً إلى المدينة، فدس إليه إنساناً يبيع اللبن وفيه السم، وكان عبد الله يحب اللبن ويشتهيه، فلما سمعه ينادي على اللبن تاقت إليه نفسه، فاشتري له منه، فشربه فأوجعه بطنه، واشتد به الأمر، فأمر أصحابه فعدلوا به إلى الحميمة، وبها محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فنزل عليه، فمرضه وأحسن إليه. فلما حضرته الوفاة أوصى إلى محمد بن علي ببيته وعلمه وأشيائه كلها، وأمر شيعته الكيسانية بالائتمام به فدفن. وقيل إن الذي سم أبا هاشم سليمان بن عبد الملك، وسنذكر ذلك في ترجمته. قال نجيح السندي: رأيت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب يأتي الجمعة من ثمانية أميال. زيد بن الحواري أبو الحواري العمي البصري يقال إنه مولى زياد بن أبيه، وفد على سليمان بن عبد الملك، وشهد وفاته بمرج دابق، وكان قاضياً بهراة في ولاية قتيبة بن مسلم. حدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ستر بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزع ثوبه أن يقول: بسم الله. وحدث زيد العمي عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إلي: يا محمد،

стр. 3095

إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم من السماء بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. وروى زيد العمي عن أبي الصديق الناجي، أراه عن أبيه سعيد الخدري: أن رجلاً ضرب على عهد النبي ﷺ في شراب بنعلين أربعين. قال علي بن مصعب: سمي زيد العمي لأنه كلما سئل عن شيء قال: حتى أسأل عمي. زيد بن سهل بن الأسود بن حرام ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو طلحة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، ويقال: سهل بن زيد، والأول أصح سكن الشام، أنصاري نجاري. قال ابن سعد: اسم النجار تيم الله، وإنما سمي النجار لأنه نجر وجه رجلٍ بالقدوم، فلذلك سمي النجار. حدث أبو طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ". وعن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح يشربون بالشام الطلاء ما طبخ على الثلث، وذهب ثلثاه، وبقي ثلثه.

стр. 3096

شهد زيد بن سهل العقبة، وبدراً، وأحداً، والخندق، والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ . وتوفي بالشام، وعاش بعد سيدنا رسول الله ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم. وعن ثابت عن أنس قال: جاء أبو طلحة يخطب أم سليم فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم التي تعبدون ينحتها عبد بني فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت؟ قال: فانصرف عنها، ووقع في قلبه من ذلك موقعاً، قال: وجعل لا يجيئه نوم. قال: فأتاها. وفي حديث آخر بمعناه: فإن تسلم فذلك مهري ما أسألك غيره، فأسلم، فتزوجها. قال ثابت: فما سمعنا بمهرٍ قط كان أكرم من مهر أم سليم: الإسلام. وكان مالك أبو أنس قال لامرأته أم أنس: أرى هذا الرجل يعني النبي ﷺ يحرم الخمر، فانطلق حتى أتى الشام، فهلك هنالك مشركاً، فجاء أبو طلحة يخطب أم سليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة، ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصلح أن أتزوجك. فقال: ما ذاك دهرك. قالت: وما دهري؟ قال: الصفراء والبيضاء، قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام. قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ . فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه. فجاء، فأخبر النبي ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك، وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صعر، فكانت معه حتى ولدت منه ولداً، وكان يحب أبو طلحة حباً شديداً، فمرض الصبي، وتضعضع أبو طلحة لمرضه، فانطلق أبو طلحة إلى النبي ﷺ ، ومات الصبي، فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحدٌ ابنه حتى أكون أنا أنعاه له، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها، فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة، ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة

стр. 3097

قال: فلله الحمد. فأتته بعشائه، فأصاب منه، ثم قامت فتطيبت، وتعرضت له، فأصاب منها، فلما علمت أنه قد طعم، وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا، قالت: فإن الله كان أعارك ابنك عارية ثم قبضه إليه، فاحتسب ابنك، واصبر. فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إلي ابني؟ ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : " بارك الله لكما في غابر ليلتكما ". وفي رواية: فقال: والذي بعثني بالحق لقد قذف الله في رحمها ذكراً بصبرها على ولدها، فثمر حملها. وكانت أم سليم تسافر مع رسول الله ﷺ ، تخرج معه إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ : " إذا ولدت أم سليم فائتوني بالصبي ". فأخذها الطلق ليلة قربهم من المدينة. قالت: اللهم إني كنت أدخل إذا دخل نبيك، وأخرج إذا خرج نبيك، وقد حضرنا هذا الأمر. فولدت غلاماً حين قدما المدينة، فقالت لابنها أنس: انطلق بالصبي إلى رسول الله ﷺ ، وهو يسم إبلاً وغنماً، فلما نظر إليه قال لأنس: أولدت أم ملحان؟ قال: نعم. فألقى ما في يده، فتناول الصبي، فقال: ائتوني بتمرات عجوة، فأخذ النبي ﷺ التمر فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ، فقال: انظروا إلى حب الأنصار التمر، فحنكه رسول الله ﷺ ، وسماه عبد الله. قال ثابت: وكان يعد من خيار المسلمين. وعن أنس قال: قال أبو طلحة: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، فما منهم أحد إلا وهو يميد من النعاس تحت حجفته. وعن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم ناسٌ من الناس عن رسول الله ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوباً عليه بحجفةٍ له. قال: وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد

стр. 3098

النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، قال: وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، قال: فيشرف نبي الله ﷺ ينظر إلى القوم، قال: فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت، لا تشرف، لا يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، قال: فلقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لمشمرات أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، وترجعان فتملانها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثاً من النعاس. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقول: صوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من فئةٍ. وكان إذا بقي مع النبي ﷺ جثا بين يديه وقال: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ : لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من ألف رجل. وفي رواية: خير من أربعين رجلاً. وكان في كنانته خمسون سهماً، فنثرها بين يدي النبي ﷺ ، ثم جعل يصيح: يا رسول الله، نفسي دون نفسك، فلم يزل يرمي بها سهماً سهماً. وكان رسول الله ﷺ يطلع رأسه من خلف أبي طلحة بين رأسه ومنكبه ينظر إلى واقع النبل حتى فنيت نبله، وهو يقول: نحري دون نحرك، جعلني الله فداك. فإن كان رسول الله ﷺ ليأخذ العود من الأرض فيقول: ارم يا أبا طلحة، فيرمي به سهماً جيداً. وكان الرماة من أصحاب النبي ﷺ المذكور منهم: سعد بن أبي وقاص، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمقداد بن عمرو، وزبد بن حارثة، وحاطب بن أبي بلتعة، وعتبة بن غزوان، وخراش بن الصمة، وقطبة بن عامر بن حديدة، وبشر بن البراء بن معرور، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، وأبو طلحة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وقتادة بن النعمان.

стр. 3099

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: من تفرد بدم رجل فقتله فله سلبه، فجاء أبو طلحة بسلب أحدٍ وعشرين رجلاً. وعن أنس بن مالك قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر، ثم انصرف، ونحر البدن، ثم جاء والحلاق جالس فجلس ثم أخذ شقي شعره الأيمن بيده، فقال للحلاق: احلق، فحلق ذلك البشق، ثم قسمه بين من يليه من الناس الشعرة والشعرتين، ثم أخذ الشق الآخر فقال للحلاق: احلق، فحلق، ثم قال: ههنا أبو طلحة؟ فقام أبو طلحة، فدفعه إليه. وفي حدي آخر بمعناه: فكان أول من قام فأخذ من شعره أبو طلحة، ثم قال الناس فأخذوا. وعن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزل الله هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ". قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، وإن أحب أموالي إلي بيرحا، فإنها صدقة الله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن

стр. 3100

تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وعن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ". قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن ربنا يسألنا من أموالنا، فإني أشهدك أني قد جعلت أرضي التي بأريحا لله عز وجلن فقال رسول الله ﷺ : اجعلها في قرابتك، قال: فقسمها بين أبي بن كعب، وحسان بن ثابت. وعن عبد الله بن أبي بكر: أن أبا طلحة كان يصلي في حائط له، فطار دبسي، فطفق يتردد يلتمس مخرجاً، فلم يجده لالتفاف النخل، فأعجبه ذلك، فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنةٌ، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، وقال: يا رسول الله، هو صدقةٌ، فضعه حيث أراك الله . وعن سعد أو سعيد بن عامر الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: يا أبا بكر تعال، ويا عمر تعال، إني أمرت أن أؤاخي بينكما بوحيٍ أنزل علي من السماء، فأنتما أخوان في الدنيا وأخوان في الجنة، فليسلم كل واحد منكما على صاحبه، وليصافحه، فأخذ أبو بكر بيد عمر، فتبسم رسول الله ﷺ فقال: تكون قبله، وتموت قبله. يا زبير تعال، أمرت أن أؤاخي بينكما، فأنتما أخوان في الدنيا، وأخوان في الجنة، فليسلم كل واحد منكما على صاحبه، وليصافحه، ففعلا، ثم قال لأبي عبيدة بن الجراح ولسالم مولى أبي حذيفة مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لأبي بن كعب ولابن مسعود مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لمعاذ ولثوبان مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لأبي طلحة ولبلال مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لأبي الدرداء وسلمان مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لسعد بن أبي وقاص وصهيب مثل ذلك ففعلا، ثم قال لأبي ذر ولهلال مولى المغيرة بن شعبة مثل ذلك، ففعلا، ثم قال لأبي أيوب الأنصاري ولعبد الله بن سالم مثل ذلك، ففعلا، ثم قال: يا أخي يا أسامة تعال، ويا أبا هند تعال حجاماً كان يحجم النبي ﷺ ، الذي شرب من

стр. 3101

دم رسول الله ﷺ فقال لهما مثل ذلك ففعلا. قال: فالتفت عبد الرحمن بن عوف إلى عثمان بن عفان فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكنا، ما لنا لا يلتفت إلينا؟ نعوذ بالله من معتبته ومن موجدة رسول الله ﷺ . فالتفت إليهما رسول الله ﷺ فقال: والله ما الله لكما بماقتٍ، ولا رسوله عليكما بواحدٍ، وإنكما لتكرمان على الله وعلى رسوله وعلى ملائكته ولكني أردت أن أدعو بكما، نهاني الملك الذي نزل بهذا الأمر من عند الله، فقال: أخرهما فإنهما غنيان، وإنما أخرتكما لأموالكما، وكذلك يحاسب الناس يوم القيامة، يعجل حساب الفقير ويؤخر حساب الأغنياء، وهم في الحبس الشديد، وأنتما أخوان في الدنيا، وأخوان في الجنة، فليسلم كل واحد منكما على صاحبه ويصافحه. ثم قال لهما: أرضيتما؟ قالا: نعم، الحمد لله الذي لم يفضحنا. فقال لهما رسول الله ﷺ : ألا أزيدكما؟ قالا: بلى يا رسول الله. قال: فإنكما أخوان في هذه الدار وفي دار الجن كأخي الياس ومؤمن آل فرعون ياسين: إن الياس كان أحب الناس إلى مؤمن آل ياسين، فبعث الله جبريل إلى الياس أن الله قد آخى بينك وبين عبده المقتول ظلماً، فأنا أشهد الله وأشهدكما أني قد واخيتكما جميعاً في هذه الدار وفي دار الآخرة، فأنتم خير الناس مأدبة العرب وموالي، وأمرت أن أؤاخي بين فاطمة بنت محمد وأم سليم، هنيئاً لأم سليم بلطفها برسول الله ﷺ ، وأمرت أن أؤاخي بين عائشة بنت أبي بكر وبين امرأة أبي أيوب، ألا جزى الله آل أبي طلحة وآل أبي أيوب، كما صلى على محمد وآل إبراهيم. وعن أنس بن مالك: ذكر أن أبا طلحة كان يأتي أهله، فيدعو بغدائه، فيقال: لم يصبح عندنا غداءٌ، فيقول: إني صائم. وعن أنس قال: كان أبو طلحة لا يكثر الصوم على عهد رسول الله ﷺ ، فلما مات كان لا يفطر إلا في سفر أو مرض. وعن أنس قال: كان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلا يوم الأضحى ويوم الفطر.

стр. 3102

وفي حديث آخر مثله: فصام بعده أربعين سنة، لا يفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر زاد في رواية: أو من مرض. وعن أنس قال: مطرت السماء برداً، فقال لنا أبو طلحة، ونحن غلمان: ناولني يا أنس من ذلك البرد. فجعل يأكل وهو صائم، فقلت: ألست صائماً؟ قال: بلى، إن ذا ليس بطعام ولا شراب، وإنما هو بردٌ من السماء نطهر به بطوننا. قال: فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، قال: خذ عن عمك. وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية: " انفروا خفاقاً وثقالاً ". قال: أرى ربنا قد استنفرنا شيوخاً وشباناً، فقال لبنيه: جهزوني. فقالوا: قد غزوت مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان حتى ماتوا، فنحن نغزو عنك. فأبى، فركب البحر فمات فيه، فدفنوه في جزيرة بعد سابعة، ولم يضل منه شيءٌ. وفي رواية: ولم يتغير. وقيل: إنه ركب البحر غازياً، فأصابه البطن، فمات. وقيل: إنه توفي بالشام، قيل: إنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان في آخر خلافته، وكان أبو طلحة رجلاً آدم مربوعاً لا يغير شيبه. وقيل: مات بالمدينة. زيد بن سلام بن أبي سلام ممطور الأسود الحبشي من أهل دمشق، ووقع إلى اليمامة. حدث زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين سورة

стр. 3103

البقرة وسورة آل عمران: فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ". كان زيد بن سلام ثقةً صدوقاً. زيد بن صوحان بن حجر ابن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث ينتهي نسبه إلى ربيعة بن نزار. أبو عائشة، ويقال: أبو سلمان ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو سليمان العبدي ويقال: أبو مسلم. أخو صعصعة بن صوحان. له وفادة على سيدنا رسول الله ﷺ وكان من جملة من سيره عثمان بن عفان من أهل الكوفة إلى دمشق. حدث زيد بن صوحان عن أبي كعب أنه قال: وجدت في عهد النبي ﷺ مئة دينار، فذكرت له أمرها، فقال رسول الله ﷺ : عرفها حولاً، قال: فقلت له: أرأيت إن لم أجد صاحبها؟ قال: استنفقها، قال: ورد علي رسول الله ﷺ في تعريفها ثلاث مرات كلما راجعته فيها. وعن زيد بن صوحان قال: قال عمر: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ألا تعربوا عليه؟ قالوا: نتقي لسانه. قال: ذلك أدنى ألا تكونوا شهداء. وعن حميد بن هلالٍ قال: قام زيد بن صوحان إلى عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين، ملت فمالت أمتك،

стр. 3104

اعتدل تعتدل أمتك، ثلاث مرات. قال: أسامعٌ مطيع أنت؟ قال: نعم. قال: الحق بالشام. قال: فخرج من فوره ذلك، فطلق امرأته، ثم لحق بحيث أمره، وكانوا يرون الطاعة عليهم حقاً. وذكر البلاذري في كتاب جمل أنسب الأشراف قال: قالوا: ولما خرج المسيرون من قراء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو بن زرارة، فبرهم معاوية، وأكرمهم، ثم إنه جرى بينه وبين الأشتر قولٌ حتى تغالطا فيه، فحبسه معاوية، فقام عمرو بن زرارة فقال: لئن حبسته لتجدن من يمنعه. فأمر بحبس عمرو، فتكلم سائر القوم فقالوا: أحسن جوارنا يا معاوية، ثم سكتوا، فقال لهم معاوية: ما لكم لا تكلمون؟ فقال زيد بن صوحان: وما نصنع بالكلام؟ لئن كنا ظالمين فنحن نتوب إلى الله، وإن كنا مظلومين فإنا نسأل الله العافية. فقال معاوية: يا أبا عائشة، أنت رجل صدقٍ، وأذن له في اللحاق بالكوفة، وكتب إلى سعيد بن العاص: أما بعد. فإني قد أذنت لزيد بن صوحان في المصير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله وقصده وحسن هديه، فأحسن جواره، وكف الأذى عنه، وأقبل إليه بوجهك وودك، فإنه قد أعطاني موثقاً ألا ترى منه مكروهاً. فشكر زيدٌ معاوية، وسأله عند وداعه إخراج من حبس ففعل. قال غيلان بن جرير: كان زيد بن صوحان مؤاخياً لسلمان، فاكتنى من حبه أبا سلمان. قتل زيد بن صوحان يوم الجمل مع علي بن أبي طالب سنة ست وثلاثين. وعن الحارث الأعور قال: كان ممن ذكره رسول الله ﷺ زيد الخير، وهو زيد بن صوحان. قال رسول الله ﷺ : سيكون بعدي رجل من التابعين وهو زيد الخير يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة بعشرين سنة، فقطعت يده اليسرى بنهاوند، ثم عاش بعد ذلك عشرين سنة، ثم قتل،

стр. 3105

يوم الجمل بين يدي علي، وقال قبل أن يقتل: إني رأيت يداً خرجت من السماء تشير إلي أن تعال، وأنا لاحق بها يا أمير المؤمنين، فادفنوني في دمي: فإني مخاصمٌ القوم. وحدث جماعة من الرواة قال: كانوا في مسير مع النبي ﷺ ، فنزل رسول الله ﷺ يسوق بهم، فقال: زيد وما زيد! جندب، وما جندب! ثم قال: رجلان من أمتي أحدهما يسبقه بعض جسده إلى الجنة ثم يتبعه سائر جسده إلى الجنة، وأما الآخر فيفرق بين الحق والباطل، وجندب هو الذي قتل الساحر بالكوفة. حدث هشام بن محمد: أن زيد بن صوحان أصيبت يده في بعض فتوح العراق، فتبسم والدماء تشخب، فقال له رجل من قومه: ما هذا موضع تبسم! فقال زيد: ألم حل يفوته ثواب الله عليه، أفأردفه بألم الجزع الذي لا جدوى فيه، ولا دريكة لفائت معه؟ وفي تبسمي تعزية لبعض المؤتسين من المؤمنين. فقال الرجل: أنت أعلم بالله مني. وعن إبراهيم قال: كان زيد بن صوحان يحدث، فقال أعرابي: إن حدثتك ليعجبني، وإن يدك لتريبني، فقال: أو ما تراها الشمال؟. فقال: والله ما أدري، اليمين يقطعون أم الشمال. فقال زيد: صدق الله: " الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ". فذكر الأعمش أن يد زيدٍ قطعت يوم نهاوند. وعن الحكم بن عتيبة: أن زيد بن صوحان كان عند عمر، فقام إليه عمر، وهو يريد أن يركب دابته، فأمسك بركابه، ثم قال لمن حضره: هكذا فاصنعوا بزيد وإخوته وأصحابه.

стр. 3106

قال حميد بن هلال: كان زيد بن صوحان يقوم الليل، ويصوم النهار، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، وإن كان ليكرهها إذا جاءت مما يلقى فيها. فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقال: أين زيد؟ قالت امرأته: ليس ههنا. قال: فإني أقسم عليك لما صنعت طعاماً ولبست محاسن ثيابك. ثم بعث إلى زيد، قال: فجاء زيد، فقرب الطعام، فقال سلمان: كل يا زييد. قال: إني صائم. قال: كل يا زييد لا تنقص أو تبغض دينك، إن شر السير الحقحقة، إن لعينك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لزوجتك عليك حقاً، كل يا زييد. فأكل، وترك ما كان يصنع. عمد زيد بن صوحان إلى رجال من أهل البصرة قد تفرغوا للعبادة، وليست لهم تجارات ولا غلات، فبنى لهم داراً ثم أسكنهم إياها، ثم أوصى بهم من أهله من يقوم في حاجتهم، ويتعاهدهم في مطعمهم ومشربهم وما يصلحهم، فبينما هم كذلك إذ جاءهم ذات يوم، وكان يتعاهدهم بالزيارة، فلم يجدهم، فسأل عنهم، فقيل: دعاهم ابن عامرٍ بن كريز، وكان على البصرة في عهد عثمان، فخرج مسرعاً حتى وجدهم بسدة ابن عامر، فدخل على ابن عامر قبلهم فقال: ما تريد بهؤلاء القوم؟ فقال: أريد أن أقربهم فيشفعوا فأشفعهم، ويسألوا فأعطيهم، ويشيروا علي فأقبل منهم. قال: كلا، والله لا أدعك تهيل عليهم من دنياك، وتشركهم في أمرك، وتذيقهم حلاوة ما أنت فيه حتى إذا انقطعت شرتك منهم تركتهم، فطاحوا بينك وبين ربهم. قال سلمان لزيد بن صوحان: كيف أنت يا زيد إذا اقتتل القرآن والسلطان؟ قال: أكون مع القرآن. قال: نعم الزيد أنت إذاً، قال أبو قرة: إذاً أجلس في بيتي. فقال: لو كنت في أقصى تسعة أبيات لكنت مع أحد الفريقين. وكان أبو قرة يكره القتال.

стр. 3107

حدث جابر عن محمد بن علي ومحمد بن المطلب وزيد بن حسن قالوا: شهد مع علي بن أبي طالب في حربه من أصحاب بدر سبعون رجلاً، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة سبع مئة رجل فيما لا يحصى من أصحاب رسول الله ﷺ ، وشهد معه من التابعين ثلاثة بلغنا أن رسول الله ﷺ شهد لهم بالجنة: أويس القرني، وزيد بن صوحان، وجندب الخير: فأما أويس القرني فقتل في الرجالة يوم صفين، وأما زيد بن صوحان فقتل يوم الجمل. قال أبو معشر: حدثني الحي الذين مات فيهم زيد بن صوحان حين رفع من المعركة وهو جريح قال: قلنا له: أبشر أبا عائشة. فقال: أتقولون قادرين، أتيناهم في ديارهم وقتلنا أميرهم، وعثمان على الطريق! فيا ليتنا إذا ابتلينا صبرنا، ثم قال: شدوا علي إزاري، فإني مخاصم، وأفضوا بخدي إلى الأرض، وأسرعوا الانكفات عني. وكان سيحان بن صوحان قتل يوم الجمل أيضاً، ودفن هو وزيد بن صوحان في قبر، وكان زيد بن صوحان أوصى أن يدفن معه مصفحه. قال خالد بن الواشمة: لما فرغ من أصحاب الجمل نزلت عائشة منزلها دخلت عليها، فقلت: السلام عليك يا أم المؤمنين، فقالت: من هذا؟ فقلت: خالد بن الواشمة. قالت: ما فعل طلحة؟ قلت: أصيب. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، يرحمه الله. قالت: ما فعل الزبير؟ قلت: أصيب. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، يرحمه الله. قلت: بل نحن لله وإنا إليه راجعون في زيد بن صوحان. قالت: وأصيب؟ قلت: نعم. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون يرحمه الله. فقلت: يا أم المؤمنين، ذكرت طلحة فقلت: يرحمه الله، وذكرت الزبير فقلت: يرحمه الله، وذكرت زيداً فقلت: يرحمه الله، وقد قتل بعضهم بعضاً! والله لا يجمعهم الله في الجنة أبداً. قالت: أو لا تدري أن رحمة الله واسعة وهو على كل شيء قدير. قال: فكانت أفضل مني.

стр. 3108

زيد بن عبد الله بن محمد أبو الحسين التنوخي البلوطي كان يسكن بأكواخ بانياس، وقدم دمشق. حدث بدمشق، عن أبي إسحاق إبراهيم بن مهدي بن حاتم البلوطي بسنده عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : " نور الحكمة الجوع ورأس الدين ترك الدنيا، والقربة إلى الله حب المساكين والدنو منهم، والبعد عنهم قوي به على المعاصي الشبع، فلا تشبعوا بطونكم فيطفىء نور الحكمة من صدوركم، فإن الحكمة تسطع في القلب مثل السراج. زيد بن عبد الله بن أبي مليكة ابن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي البصري وفد على معاوية، قال: دخلت على معاوية وهو في مجلس له، فجاءت جارية رابعة فدخلت من باب وخرجت من باب آخر، فقال: يا زيد، إن هذه الجارية تعجبني، وأنا أشتهي أن أغشاها وأنا أمرق من فاختة، اقعد ههنا حتى أغشاها وأجيء، قال: فدخل وراءها، وجاءت الأخرى تميز حتى دخلت وراءه، فجاءت به قد لببته وهو يضحك، فجعل يقول: يعلين الكرام ويعليهن اللئام، يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام.

стр. 3109

زيد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي وفد على عبد الملك بن مروان. وأمه حجية بنت غريض. حدث عن أمه حجية بنت غريض عن أمها عقيلة بنت عتبة بن الحارث عن أمها أم وبرة بنت الحارث، قالت: جئنا رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وهو نازل بالأبطح، وقد ضربت عليه قبةٌ حمراء، فبايعناه، واشترط علينا. قالت: فبينا نحن كذلك إذ أقبل سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي كأنه جمل أورق، فلقيه خالد بن رباح أخو بلال بن رباح، وذلك بعدما طلعت الشمس، فقال: ما منعك أن تجعل الغدو على رسول الله ﷺ إلا النفاق. والذي بعثه بالحق لولا شيء لضربت بهذا السيف فلجتك، وكان رجلاً أعلم. فانطلق سهيل إلى رسول الله ﷺ فقال: ألا ترى ما يقول لي هذا العبيد؟ فقال النبي ﷺ : دعه فعسى أن يكون خيراً منك، فالتمسه، فلا نجدة، وكانت هذه أشد عليه من الأولى. قال زيد بن عبد الرحمن: وفدت مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان، وعنده ابن الحنفية، فدعا عبد الملك بسيف النبي ﷺ ، فأتي به، ودعا بصيقل، فنظر إليه فقال: ما رأيت حديدةً قط أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما رأى الناس مثل صاحبها، هب لي يا محمد هذا السيف. فقال محمد: أينا رأيت أحق به فليأخذه، قال عبد الملك: إن كان لك قرابة فلكل قرابة حق. قال: فأعطاه محمدٌ عبد الملك، وقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يعني الحجاج، وهو عنده قد آذاني، واستخف بحقي، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إلي فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه. فلما ولى محمد قال عبد الملك للحجاج: أدركه فسل سخيمته، فأدركه، فقال: إن أمير المؤمنين قد أرسلني إليك لأسل سخيمتك، ولا مرحباً

стр. 3110

بشيء ساءك. فقال محمد: ويحك يا حجاج! اتق الله، واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إلا لله في كل عبدٍ ثلاث مئة وستون لحظة، إن أخذ أخذ بقدرةٍ، وإن عفا عفا بحلم، فاحذر الله، فقال الحجاج: لا تسألني شيئاً إلا أعطيتكه. فقال له محمد: وتفعل؟ قال له الحجاج: نعم. قال: فإني أسألك صوم الدهر. قال: فذكر الحجاج ذلك لعبد الملك، فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت، فذكر له الذي قال محمد، فقال: إن رجلاً منا ذكر حديثاً ما سمعناه إلا منه، وأخبره بقول محمد، فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلا من بيت نبوة. زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب أبو الحسين الهاشمي وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة، فكان ذلك سبب خروجه وطلبه للخلافة، وخرج بالكوفة. حدث شعبة بن الحجاج أبو بسطام قال: سمعت سيد الهاشميين زيد بن علي بن الحسين بالمدينة في الروضة يقول: حدثني أخي محمد بن علي أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سدوا الأبواب كلها إلا باب علي وأومأ بيده إلى باب علي. وحدث زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر ذات يوم بغلس، وكان مما يغلس ويسفر، فلما قضى الصلاة التفت إلينا فقال: أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: ولكني رأيت ملكين أتياني الليلة، فأخذا بضبعي، فانطلقا بي إلى السماء الدنيا، فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة، فضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضه. فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي، وبيد الملك كلوب بن حديد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن. قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضه، فمضيت، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل، غلي فيه قوم عراة، على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمدرةٍ، فتقع في فيه، وينتقل إلى أسفل ذلك النهر. قلت: ما هذا؟ قالا:

стр. 3111

امضه. فمضيت، فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكت علي أنفي من نتن ما أجد من ريحهم. قلت من هؤلاء؟ قالا: امضه. فمضيت، فإذا أنا بتل أسود، عليه قوم مخبلين تنفخ النار في أدبارهم، فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضه. فمضيت، فإذا أنا بنر مطبقة موكل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتبعه حتى يعيده فيها. قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضه. فمضيت، فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء، وزبرجدة خضراء، وياقوتة حمراء. قلت: ما هذا؟ قالا: امضه. فمضيت، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة، وعلى حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء، وزبرجدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تطرد. قلت: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت، ثم شربت: فإذا أحلى من عسل، وأشد بياضاً من اللبن، وألين من الزبد. فقالا لي: أما صاحب الصخرة الذي رأيت يضرب بها هامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة في جانب فأولئك الذي كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلون الصلوات لغير مواقيتها، يضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب وحديد يشق به شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا، يعذبون حتى يصيروا إلى النار. وأما البيت الذي رأيت، أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكت على أنفك من نتن ما تجد من ريحهم فأولئك الزناة، وذلك نتن فروجهم، يعذبون حتى يصيروا إلى النار. وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من

стр. 3112

أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوطٍ الفاعل والمفعول به، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار. وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء اتبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تفرق من بين أهل الجنة وأهل النار. وأما الروضة التي رأيتها فتلك جنة المأوى. وأما الشيخ الذي رأيت أول ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم، وهم بنوه. وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها، فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء، وزبرجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر وهذه المنازل ولأهل بيتك. قال: فنوديت من فوق: يا محمد يا محمد، سل تعطه، فارتعدت فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أن أجيب شيئاً، فأخذ أحد الملكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني. ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تعطه. قال: قلت: اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي، وأن تلحق بي أهل بيتي، وأن ألقاك ولا ذنب لي. قال: ثم ولى بي. ونزلت عليه هذه الآية: " إنا فتحاً لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " إلى قوله " صراطاً مستقيماً ". فقال رسول الله ﷺ : فكما أعطيت هذه كذلك أعطاها إن شاء الله . قال يونس بن أبي يعفور: قال الزهري: كنت على باب هشام بن عبد الملك، قال: فخرج من عنده زيد بن علي وهو يقول: والله ما كره قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله تعالى بالذل. قيل إن زيد بن علي ولد سنة ثمان وسبعين.

стр. 3113

وعن حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ نظر يوماً إلى زيد بن حارثة وبكى، وقال: المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي هذا، وأشار إلى زيد بن حارثة، ثم قال: ادن مني يا زيد، زادك الله حباً عندي، فإنك سمي الحبيب من ولدي زيد. وعن جعفر: أنه ذكر زيداً فقال: رحم الله عمي، كان والله سيد الأولين، ما ترك فينا لدنيا ولا لآخرة مثله. وعن عمرو بن القاسم قال: دخلت على جعفر بن محمد، وعنده أناسٌ من الرافضة، فقلت: إن هؤلاء يبرؤون من عمل زيد. قال: يبرؤون من عمي زيد؟ قلت: نعم. قال: برىء الله ممن يبرأ منه، كان والله أقرأنا لكتاب اله، وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما ترك فينا لدنيا ولا لآخرة مثله. وعن زيد بن علي: في قوله : " ولسوف يعطيك ربك فترضى ". قال: إن من رضى رسول الله ﷺ أن يدخل أهل بيت بنيه الجنة. وعن زيد بن علي: في قوله: " وسيجزي الله الشاكرين " قال: كان أبو بكر ﵁ إمام الشاكرين. قال آدم بن عبد الله الخثعمي، وكان من أصحاب زيد بن علي، قال: سألت زيد بن علي عن قول الله عز وعلا: " والسابقون السابقون أولئك المقربون ". من هؤلاء؟ قال: أبو بكر وعمر. ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما.

стр. 3114

قال مطلب بن زياد: جاء رجل إلى زيد فقال: يا زيد، أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ فقال له زيد: أعصي عنوة؟ فأقبل يحصر من بين يديه. وعن زيد بن علي قال: انطلقت الخوارج فبرئت ممن دون أبي بكر وعمر، ولم يستطيعوا أن يقولوا فيهما شيئاً، وانطلقتم أنتم فطفرتم فوق ذلك، فبرئتم منهما، فمن بقي؟ فوالله ما بقي أحدٌ إلا برئتم منه! وعن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان البراءة من علي، والبراءة من علي البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان. وعن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر حكمت بمثل ما حكم به أبو بكر في فدك. قال محمد بن سالم: كان عندنا زيد بن على مختفياً، فذكر أبو بكر وعمر، فجاء بعض الاعتراض، فقال زيد: مه يا محمد بن سالم! لو كنت حاضراً ما كنت تصنع؟ قال: أصنع كما كان يصنع علي. قال: فارض بما صنع علي. قال زيد بن علي: الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة، مزقت الرافضة علينا كما مزقت الخوارج على علي ﵁. قال عيسى بن يونس: وسئل عن الرافضة والزيدية، فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت، جاؤوا إلى زيد بن علي حين خرج، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك. قال: بل أتولاهما وأبرأ ممن تبرأ منهما. قالوا: فإذاً نرفضك. فسميت الرافضة. قال: وأما الزيدية، فقالوا: نتولاهما ونبرأ ممن تبرأ منهما، فخرجوا مع زيد فسميت الزيدية.

стр. 3115

وعن الأصمعي قال: قال زيد بن علي لابنه: يا بني، إن الله رضيني لك فحذرني فتنتك، ولم يرضك لي فأوصاك بي، إن خير الآباء من لم تدعه مودته إلى الإفراط، وخير الأولاد من لم يدعه التقصير إلى العقوق. دخل زيد بن علي بن الحسين بن علي على هشام بن عبد الملك، وكان زيد لأم ولد، فقال له هشام: يا زيد، بلغني أن نفسك تسمو بك إلى الإمامة، والإمامة لا تصلح لأبناء الإماء. فقال له زيد: يا أمير المؤمنين، هذا إسماعيل بن إبراهيم ﵉ كان لأمة وقد صلحت له النبوة، وكان صادق الوعد وكان عند ربه مرضياً، والنبوة أكبر من الإمامة. فقال له هشام: يا زيد، إن الله لا يجمع النبوة والملك لأحد. فقال زيد: يا أمير المؤمنين، ما هكذا قال الله ﵎: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ". ولكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي حين أخذ داود بن علي وزيد بن علي بمكة: من الخفيف يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل النبي عند المقام طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً ... أهل بيت النبي والإسلام رحمة الله والسلام عليكم ... كلما قام قائمٌ بسلام حفظوا خاتماً وجرد رداءٍ ... وأضاعوا قرابة الأرحام ويقال: إن زيداً بينا هو على باب هشام في خصومة عبد الله بن حسن في الصدفة ورد كتاب يوسف بن عمر في زيد، وداود بن علي بن عبد الله بن العباس، ومحمد بن

стр. 3116

عمر بن علي بن أبي طالب، وأيوب بن سلمة، فحبس زيد، وبعث إلى أولئك، فقدم بهم، ثم حملهم إلى يوسف بن عمر بالكوفة، فاستحلفه ما عنده لخالد مالٌ، وخلا سبيله. حتى إذا كان بالقادسية لحقته الشيعة، فسألوه الرجوع معهم والخروج، ففعل، ثم تفرقوا عنه إلا نفر يسير، فنسبوا إلى الزيدية، ونسب من تفرق عنه إلى الرافضة. قال عبد الله بن جعفر: دخل زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، فرفع ديناً كثيراً وحوائج، فلم يقض له هشام حاجة، وتجهمه، وأسمعه كلاماً شديداً، قال عبد الله بن جعفر: فأخبرني سالم مولى هشام وحاجبه أن زيد بن علي خرج من عند هشام وهو يأخذ شاربه بيده ويفتله، ويقول: ما أحب الحياة أحدٌ قط إلا ذل، ثم مضى، فكان وجهه إلى الكوفة، فخرج بها، ويوسف بن عمر الثقفي عامٌل لهشام بن عبد الملك على العراق، فوجه إلى زيد بن علي من يقاتله، فاقتتلوا، وتفرق عن زيد من خرج معه، ثم قتل وصلب. قال سالم: فأخبرت هشاماً بعد ذلك بما قال زيد يوم خرج من عنده فقال: ثكلتك أمك، ألا كنت أخبرتني بذلك قبل اليوم، وما كان يرضيه، إنما كانت خمس مئة ألف، فكان ذلك أهون علينا مما صار إليه. قال عبد الرحمن بن عبد الله الزهري: دخل زيد بن علي مسجد رسول الله ﷺ نصف النهار في يوم حار من باب السوق، فرأى سعد بن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم، فقاموا، فأشار إليهم، فقال لهم سعد بن إبراهيم: هذا زيد يشير إليكم فقوموا له. فجاءهم، فقال: أي قوم! أنتم أضعف من أهل الحرة؟ فقالوا: لا. فقال: فأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام بن عبد الملك، فما لكم؟ فقال سعد لأصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم ينشب أن خرج فقتل. ولما قدم زيد بن علي إلى الشام كان حسن الخلق، حلو اللسان، فبلغ ذلك هشام بن عبد الملك، فاشتد عليه، فشكا ذلك إلى مولى له، فقال له: ائذن للناس إذناً عاماً، واحجب زيداً، ثم ائذن له في آخر الناس، فإذا دخل عليك فسلم فلا ترد عليه، ولا تأمره

стр. 3117

بالجلوس، فإذا رأى أهل الشام هذا سقط من أعينهم. ففعل، فأذن للناس إذناً عاماً وحجب زيداً وأذن له في آخر الناس، فدخل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فلم يرد عليه، فقال: السلام عليك يا أحول، إذ لم تر نفسك أهلاً لهذا الاسم. فقال له هشام: أنت الطامع في الخلافة، وأمك أمةٌ! فقال: إن لكلامك جواباً، فإن شئت أجبت. قال: وما جوابك؟ قال: لو كان في أم الولد تقصير لما بعث الله إسماعيل نبياً وأم هاجر، فالخلافة أعظم أم النبوة؟ فأفحم هشام. فلم خرج قال لجلسائه: أنتم القائلون إن رجالات بني هاشم هلكت؟ والله ما هلك قوم هذا منهم. فرده وقال: يا زيد، ما كانت أمك تصنع بالزوج، ولها ابنٌ مثلك؟ قال: أرادت آخر مثلي. قال: ارفع لي حوائجك، فقال: أما وأنت الناظر في أمور المسلمين فلا حاجة لي. ثم قام فخرج، فأتبعه رسولاً وقال: اسمع ما يقول، فتبعه فسمعه يقول: من أحب الحياة ذل. ثم أنشأ يقول: من البسيط مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا كل امرىءٍ مولعٌ في بغض صاحبه ... فنحمد الله نقلوكم وتقلونا ثم حلف أن لا يلقى هشاماً ولا يسأله صفراء ولا بيضاء، فخرج في أربعة آلاف بالكوفة، فاحتال عليه بعض من كان يهوى هشاماً، فدخلوا عليه وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحم الله أبا بكر وعمر صاحبي رسول الله ﷺ ، أين كنتم قبل اليوم؟ قالوا: ما نخرج معك، أو تتبرأ منهما. فقال: لا أفعل، هما إماما عدلٍ. فتفرقوا عنه، وبعث هشام إليه، فقتلوه، فقال الموكل بخشبته: رأيت النبي ﷺ في النوم، وقد وقف على الخشبة، وقال: هكذا يصنعون بولدي من بعدي؟ يا بني، يا زيد، قتلوك قتلهم الله، صلبوك صلبهم الله. فخرج هذا في الناس، وكتب يوسف بن عمر إلى هشام أن عجل إلى العراق فقد فتنهم. فكتب إليه: أحرقه بالنار. فأحرقه، رحمة الله عليه.

стр. 3118

وقال ضمرة بن ربيعة: إنما كان سبب زيد بالعراق أن يوسف بن عمر سأل القسري وابنه عن ودائعهم، فقالوا: لنا عند داود بن علي وديعة وعند زيد بن علي وديعة. فكتب بذلك إلى هشام، فكتب هشام إلى صاحب المدينة في إشخاص زيد بن علي، وكتب إلى صاحب البلقاء في إشخاص داود بن علي إليه، فقدما على هشام، فأما داود بن علي فحلف لهشام أنه لا وديعة لهم عندي، فصدقه، وأذن له بالرجوع إلى أهله، وأما زيد بن علي فأبى أن يقبل منه، وأنكر أن يكون لهما عنده شيء، فقال: أقدم على يوسف، فقدم على يوسف، فجمع بينه وبين يزيد وخالد، فقال: إنما هو شيء تبردت به، ما لي عنده شيء، فصدقه، وأجازه يوسف، وخرج يريد المدينة، فلحقه رجال من الشيعة، فقالوا له: ارجع فإن لك عندنا الرجال والأموال، فرجع، وبلغ ذلك يوسف. قال ضمرة: فسمعت مهلباً يقول: أمر يوسف بالصلاة جامعة، فمن لم يحضر المسجد فقد حلت عليه العقوبة. قال: فاجتمع الناس وقالوا: ننظر ما هذا الأمر، ثم نرجع. قال: فاجتمع الناس، فأمر بالأبواب فأخذ بها فبنى عليهم. قال: وأمر الخيل فجالت في أزقة الكوفة. قال: فمكث الناس ثلاثة أيام وثلاث ليال في المسجد، يؤتى الناس من منازلهم بالطعام، يتناوبهم الشرط والحرس. قال: فخرج زيد على تلك الحال، فلم يلبث أن ترتفع الشمس حتى قتل من يومه، لم يخرج معه إلا جميع، فأخذه رجل في بستان له، وصرف الماء عن الساقية، وحفر له تحت الساقية، ودفنه، وأجرى عليه الماء. قال: وغلام له سندي في بستان له ينظر، فذهب إلى يوسف، فأخبره، فبعث فاستخرجه، ثم صلبه. فمن يومئذ سميت الرافضة، أتوا إلى زيد فقالوا: سب أبا بكر وعمر نقم معك وننصرك، فأبى، فرفضوا ذلك، فسموا يومئذ: روافض. فالزيدية لا تستحل الصلاة خلف الشيعة.

стр. 3119

وعن القاسم بن معن قال: خرج أبو حصين وفي نسخة: أبو كثير وهو يضرب بغلة، وهو يقول: الحمد لله الذي سار بي تحت رايات الهدى. وعن أم داود قالت: مر زيد بن علي بن الحسين على حمارٍ قد خولف بوجهه، على شيوخ كندة، فقاموا إليه يبكون. فقال: يا أخابث خليقة الله، أسلمتموني للقتل ثم تبكون علي. وحدث معاوية بن الحارث عن جده أبي أمه أنه كان يقول: إن عندي لحديثاً لو أردت أن آكل به الدنيا لأكلتها ولكني لا يسألني الله عن حديث أرفعه إلى السلطان. قال أبي: فقلت: ما هو؟ قال: لما خرج زيد أتيت خالتي الغد فقلت لها: يا أمه، قد خرج زيد. فقالت: المسكين يقتل كما قتل آباؤه، فقلت لها: إنه خرج معه ذوو الحجا. فقالت: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ فتذاكروا الخلافة فقالت أم سلمة: كنت عند النبي ﷺ فتذاكروا الخلافة بعده، فقالوا: ولد فاطمة. فقال رسول الله ﷺ : " لن يصلوا إليها أبداً، ولكنها في ولد عمي صنو أبي حتى يسلموها إلى الدجال ". وعن الوليد بن محمد الموقري قال: كنا على باب الزهري إذ سمع جلبةً، فقال: ما هذا يا وليد؟ فنظرت فإذا رأس زيد يطاف به بيد اللعابين، فأخبرته فكبى الزهري، ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة. قلت: ويملكون؟ قال: نعم، حدثني علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: أبشري، المهدي منك. كان الحسين بن زيد بن علي يلقب: ذا الدمعة، وذلك لكثرة بكائه، فقيل له في ذلك فقال: وهل تركت النار والسهمان في مضحكاً؟ يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي، ويحيى بن زيد وقتل بخراسان.

стр. 3120

قال جرير بن مغيرة: كنت أكثر الضحك، فما قطعه عني إلا قتل زيد بن علي. قال صدقة بن بشير: سمعت حسين بن زيد يمزح مع جعفر بن محمد فيقول له: خذلت شيعتك أبي حتى قتل. فقال له جعفر: إن أباك اشتهى البطيخ بالسكر. كان مقتل زيد بن علي في صفر سنة عشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وقيل: قتل في سنة اثنتين وعشرين ومئة: سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين ومئة، في صفر بالكوفة، وصلب في الكناس. قتله يوسف بن عمر، ثم أحرقه بالنار، فسمي زيد النار. وهرب يحيى بن زيد فلحق بخراسان. وقيل إن زيداً لم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين، ثم أنزل بعد أربع سنين من صلبه. وعن الحسن بن محمد بن معاوية البجلي قال: كان زيد بن علي حيث صلب يوجه وجهه ناحية الفرات فيصيح، وقد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً، وعمدت العنكبوت حتى نسجت على عورته، وقد كانوا صلبوه عرياناً. قال جرير بن حازم: رأيت النبي ﷺ متسانداً إلى خشبة زيد بن علي في المنام، وهو مصلوب، وهو يقول: هكذا تفعلون بولدي؟ زيد بن عمر بن الخطاب ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، القرشي العدوي وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب. وفد على معاوية بن أبي سفيان. كان عمر بن الخطاب ﵁ خطب أم كلثوم إلى علي بن أبي طالب ﵇، فقال: إنها صغيرة. فقال عمر: زوجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد. فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوجتكها. فبعثها إليه
следующие страницы →