Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
عمر بن علي بن أبي طالب، وأيوب بن سلمة، فحبس زيد، وبعث إلى أولئك، فقدم بهم، ثم حملهم إلى يوسف بن عمر بالكوفة، فاستحلفه ما عنده لخالد مالٌ، وخلا سبيله. حتى إذا كان بالقادسية لحقته الشيعة، فسألوه الرجوع معهم والخروج، ففعل، ثم تفرقوا عنه إلا نفر يسير، فنسبوا إلى الزيدية، ونسب من تفرق عنه إلى الرافضة.
قال عبد الله بن جعفر: دخل زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، فرفع ديناً كثيراً وحوائج، فلم يقض له هشام حاجة، وتجهمه، وأسمعه كلاماً شديداً، قال عبد الله بن جعفر: فأخبرني سالم مولى هشام وحاجبه أن زيد بن علي خرج من عند هشام وهو يأخذ شاربه بيده ويفتله، ويقول: ما أحب الحياة أحدٌ قط إلا ذل، ثم مضى، فكان وجهه إلى الكوفة، فخرج بها، ويوسف بن عمر الثقفي عامٌل لهشام بن عبد الملك على العراق، فوجه إلى زيد بن علي من يقاتله، فاقتتلوا، وتفرق عن زيد من خرج معه، ثم قتل وصلب. قال سالم: فأخبرت هشاماً بعد ذلك بما قال زيد يوم خرج من عنده فقال: ثكلتك أمك، ألا كنت أخبرتني بذلك قبل اليوم، وما كان يرضيه، إنما كانت خمس مئة ألف، فكان ذلك أهون علينا مما صار إليه.
قال عبد الرحمن بن عبد الله الزهري: دخل زيد بن علي مسجد رسول الله ﷺ نصف النهار في يوم حار من باب السوق، فرأى سعد بن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم، فقاموا، فأشار إليهم، فقال لهم سعد بن إبراهيم: هذا زيد يشير إليكم فقوموا له. فجاءهم، فقال: أي قوم! أنتم أضعف من أهل الحرة؟ فقالوا: لا. فقال: فأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام بن عبد الملك، فما لكم؟ فقال سعد لأصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم ينشب أن خرج فقتل.
ولما قدم زيد بن علي إلى الشام كان حسن الخلق، حلو اللسان، فبلغ ذلك هشام بن عبد الملك، فاشتد عليه، فشكا ذلك إلى مولى له، فقال له: ائذن للناس إذناً عاماً، واحجب زيداً، ثم ائذن له في آخر الناس، فإذا دخل عليك فسلم فلا ترد عليه، ولا تأمره
стр. 3117
بالجلوس، فإذا رأى أهل الشام هذا سقط من أعينهم. ففعل، فأذن للناس إذناً عاماً وحجب زيداً وأذن له في آخر الناس، فدخل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فلم يرد عليه، فقال: السلام عليك يا أحول، إذ لم تر نفسك أهلاً لهذا الاسم. فقال له هشام: أنت الطامع في الخلافة، وأمك أمةٌ! فقال: إن لكلامك جواباً، فإن شئت أجبت. قال: وما جوابك؟ قال: لو كان في أم الولد تقصير لما بعث الله إسماعيل نبياً وأم هاجر، فالخلافة أعظم أم النبوة؟ فأفحم هشام. فلم خرج قال لجلسائه: أنتم القائلون إن رجالات بني هاشم هلكت؟ والله ما هلك قوم هذا منهم. فرده وقال: يا زيد، ما كانت أمك تصنع بالزوج، ولها ابنٌ مثلك؟ قال: أرادت آخر مثلي. قال: ارفع لي حوائجك، فقال: أما وأنت الناظر في أمور المسلمين فلا حاجة لي. ثم قام فخرج، فأتبعه رسولاً وقال: اسمع ما يقول، فتبعه فسمعه يقول: من أحب الحياة ذل. ثم أنشأ يقول: من البسيط
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا
كل امرىءٍ مولعٌ في بغض صاحبه ... فنحمد الله نقلوكم وتقلونا
ثم حلف أن لا يلقى هشاماً ولا يسأله صفراء ولا بيضاء، فخرج في أربعة آلاف بالكوفة، فاحتال عليه بعض من كان يهوى هشاماً، فدخلوا عليه وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحم الله أبا بكر وعمر صاحبي رسول الله ﷺ ، أين كنتم قبل اليوم؟ قالوا: ما نخرج معك، أو تتبرأ منهما. فقال: لا أفعل، هما إماما عدلٍ. فتفرقوا عنه، وبعث هشام إليه، فقتلوه، فقال الموكل بخشبته: رأيت النبي ﷺ في النوم، وقد وقف على الخشبة، وقال: هكذا يصنعون بولدي من بعدي؟ يا بني، يا زيد، قتلوك قتلهم الله، صلبوك صلبهم الله. فخرج هذا في الناس، وكتب يوسف بن عمر إلى هشام أن عجل إلى العراق فقد فتنهم. فكتب إليه: أحرقه بالنار. فأحرقه، رحمة الله عليه.
стр. 3118
وقال ضمرة بن ربيعة: إنما كان سبب زيد بالعراق أن يوسف بن عمر سأل القسري وابنه عن ودائعهم، فقالوا: لنا عند داود بن علي وديعة وعند زيد بن علي وديعة. فكتب بذلك إلى هشام، فكتب هشام إلى صاحب المدينة في إشخاص زيد بن علي، وكتب إلى صاحب البلقاء في إشخاص داود بن علي إليه، فقدما على هشام، فأما داود بن علي فحلف لهشام أنه لا وديعة لهم عندي، فصدقه، وأذن له بالرجوع إلى أهله، وأما زيد بن علي فأبى أن يقبل منه، وأنكر أن يكون لهما عنده شيء، فقال: أقدم على يوسف، فقدم على يوسف، فجمع بينه وبين يزيد وخالد، فقال: إنما هو شيء تبردت به، ما لي عنده شيء، فصدقه، وأجازه يوسف، وخرج يريد المدينة، فلحقه رجال من الشيعة، فقالوا له: ارجع فإن لك عندنا الرجال والأموال، فرجع، وبلغ ذلك يوسف.
قال ضمرة: فسمعت مهلباً يقول: أمر يوسف بالصلاة جامعة، فمن لم يحضر المسجد فقد حلت عليه العقوبة. قال: فاجتمع الناس وقالوا: ننظر ما هذا الأمر، ثم نرجع. قال: فاجتمع الناس، فأمر بالأبواب فأخذ بها فبنى عليهم. قال: وأمر الخيل فجالت في أزقة الكوفة. قال: فمكث الناس ثلاثة أيام وثلاث ليال في المسجد، يؤتى الناس من منازلهم بالطعام، يتناوبهم الشرط والحرس. قال: فخرج زيد على تلك الحال، فلم يلبث أن ترتفع الشمس حتى قتل من يومه، لم يخرج معه إلا جميع، فأخذه رجل في بستان له، وصرف الماء عن الساقية، وحفر له تحت الساقية، ودفنه، وأجرى عليه الماء. قال: وغلام له سندي في بستان له ينظر، فذهب إلى يوسف، فأخبره، فبعث فاستخرجه، ثم صلبه. فمن يومئذ سميت الرافضة، أتوا إلى زيد فقالوا: سب أبا بكر وعمر نقم معك وننصرك، فأبى، فرفضوا ذلك، فسموا يومئذ: روافض. فالزيدية لا تستحل الصلاة خلف الشيعة.
стр. 3119
وعن القاسم بن معن قال: خرج أبو حصين وفي نسخة: أبو كثير وهو يضرب بغلة، وهو يقول: الحمد لله الذي سار بي تحت رايات الهدى.
وعن أم داود قالت: مر زيد بن علي بن الحسين على حمارٍ قد خولف بوجهه، على شيوخ كندة، فقاموا إليه يبكون. فقال: يا أخابث خليقة الله، أسلمتموني للقتل ثم تبكون علي.
وحدث معاوية بن الحارث عن جده أبي أمه أنه كان يقول: إن عندي لحديثاً لو أردت أن آكل به الدنيا لأكلتها ولكني لا يسألني الله عن حديث أرفعه إلى السلطان. قال أبي: فقلت: ما هو؟ قال: لما خرج زيد أتيت خالتي الغد فقلت لها: يا أمه، قد خرج زيد. فقالت: المسكين يقتل كما قتل آباؤه، فقلت لها: إنه خرج معه ذوو الحجا. فقالت: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ فتذاكروا الخلافة فقالت أم سلمة: كنت عند النبي ﷺ فتذاكروا الخلافة بعده، فقالوا: ولد فاطمة. فقال رسول الله ﷺ : " لن يصلوا إليها أبداً، ولكنها في ولد عمي صنو أبي حتى يسلموها إلى الدجال ".
وعن الوليد بن محمد الموقري قال:
كنا على باب الزهري إذ سمع جلبةً، فقال: ما هذا يا وليد؟ فنظرت فإذا رأس زيد يطاف به بيد اللعابين، فأخبرته فكبى الزهري، ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة. قلت: ويملكون؟ قال: نعم، حدثني علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: أبشري، المهدي منك.
كان الحسين بن زيد بن علي يلقب: ذا الدمعة، وذلك لكثرة بكائه، فقيل له في ذلك فقال: وهل تركت النار والسهمان في مضحكاً؟ يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي، ويحيى بن زيد وقتل بخراسان.
стр. 3120
قال جرير بن مغيرة: كنت أكثر الضحك، فما قطعه عني إلا قتل زيد بن علي.
قال صدقة بن بشير: سمعت حسين بن زيد يمزح مع جعفر بن محمد فيقول له: خذلت شيعتك أبي حتى قتل. فقال له جعفر: إن أباك اشتهى البطيخ بالسكر.
كان مقتل زيد بن علي في صفر سنة عشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وقيل: قتل في سنة اثنتين وعشرين ومئة: سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين ومئة، في صفر بالكوفة، وصلب في الكناس. قتله يوسف بن عمر، ثم أحرقه بالنار، فسمي زيد النار. وهرب يحيى بن زيد فلحق بخراسان. وقيل إن زيداً لم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين، ثم أنزل بعد أربع سنين من صلبه.
وعن الحسن بن محمد بن معاوية البجلي قال: كان زيد بن علي حيث صلب يوجه وجهه ناحية الفرات فيصيح، وقد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً، وعمدت العنكبوت حتى نسجت على عورته، وقد كانوا صلبوه عرياناً.
قال جرير بن حازم: رأيت النبي ﷺ متسانداً إلى خشبة زيد بن علي في المنام، وهو مصلوب، وهو يقول: هكذا تفعلون بولدي؟
زيد بن عمر بن الخطاب
ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، القرشي العدوي وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب. وفد على معاوية بن أبي سفيان.
كان عمر بن الخطاب ﵁ خطب أم كلثوم إلى علي بن أبي طالب ﵇، فقال: إنها صغيرة. فقال عمر: زوجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد. فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوجتكها. فبعثها إليه
стр. 3121
ببردٍ، وقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك. فقالت ذلك لعمر، فقال: قولي له: قد رضيته رضي الله عنك، ووضع يده على ساقها فكشفها. فقالت له: أتفعل هذا!؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثم خرجت حتى جاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخ سوءٍ؟ فقال: مهلاً يا بنية، فإنه زوجك. فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى مجلس المهاجرين في الروضة، فكان يجلس فيه المهاجرون الأولون. فجلس إليهم فقال: زفئوني. فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب. سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل نسبٍ وسببٍ وصهر منقطعٌ يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري، فكان لي به ﷺ النسب والسبب وأردت أن أجمع إليه الصهر. فزفوه.
وقيل أن زيد بن عمر بن الخطاب ابن أم كلثوم بنت علي، توفي هو وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة، وهو صغير لا يدرى أيهما مات أول.
وفد إلى معاوية بن أبي سفيان فأجلسه على السرير، وهو يومئذ من أجمل الناس وأشبههم، فبينا هو جالس قال له بسر بن أرطأة: يا بن أبي تراب. فقال له: إياي تعني؟ لا أم لك، أنا والله خير منك وأزكى وأطيب، فما زال الكلام بينهما حتى نزل زيد إليه فخنقه حتى صرعه وبرك على صدره. فنزل معاوية عن سريره فحجز بينهما، وسقطت عمامة زيد فقال زيد: والله يا معاوية ما شكرت الحسنى، ولا حفظت ما كان منا إليك، تسلط علي عبد بني عامر!؟ فقال معاوية: أما قولك يا بن أخي أني كفرت الحسنى فوالله ما استعملني أبوك إلا من حاجة إلي، وأما ما ذكرت من الشكر فوالله لقد وصلنا أرحامكم، وقضينا حقوقكم. وإنكم لفي منازلكم. فقال زيد: أنا ابن الخليفتين، والله لا تراني بعدها أبداً عائداً إليك، وإني لأعلم أن هذا لم يكن إلا عن رأيك. قال: وخرج زيد وقد تشعث رأسه، وسقطت عمامته، فدعا بإبله فارتحل، فأتاه آذن معاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: عزمت عليك لما أتيتني، فإن أبيت أتيتك. قال زيد: لولا العزيمة ما أتيت.
стр. 3122
فلما رجع إليه أجلسه على سريره، وقبل بين عينيه، ثم أقبل عليه فقال: من نسي بلاء عمر فإني والله ما أنساه. لقد استعملني وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، وأنا يومئذ حديث السن، فأخذت بأدبه، واقتديت بهديه، واتبعت أثره، فوالله ما قويت على العامة إلا بمكاني كان منه. حاجتك يا بن أخي؟ قال الراوي: فوالله ما ترك له حاجةً، ولا لمن معه إلا قضاها، وأمر له بمئة ألف، وأمر لنا بأربعة آلاف أربعة آلاف، ونحن عشرون رجلاً، وقال: هذه لك عندي في كل عام.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ على أربعين ألف درهم. وروي مثل ذلك عن عطاء الخراساي أيضاً.
وكان السبب في قتل زيد بن عمر بن الخطاب أن حرباً وقعت فيما بين عدي بن كعب، فخرج عبد الله بن مطيع يطلع ما سببه، وبلغ ذلك عبد الله وسليمان ابني أبي جهم، فخرجا يرصدانه لرجعته، وأتى الخبر أخويهما فخرجوا إليهما، وتداعى الفريقان، وانصرف عبد الله بن مطيع مشياً، فالتقوا بالبقيع، فاقتتلوا، وتنوول ابن مطيع بعصا، فأدركت مؤخر السرج فكسرته، وأقبل زيد بن عمر ليحجز بينهم وبين بعضهم عن بعض، فخالطهم، فضربه رجل منهم في الظلمة، وهو لا يعرفه، على رأسه، فشجه، وصرع عن دابته، وتنادى القوم: زيد ... زيد، فتفرقوا، وأسقط في أيديهم، وأقبل عبد الله بن مطيع فلما رآه صريعاً نزل، فأكب عليه، وناداه: يا زيد، بأبي أنت وأمي، مرتين أو ثلاثاً، ثم أجابه فكبر ابن مطيع، وأخذه فحمله على بغلته حتى آداه إلى منزله، فدوي زيد من شجته حتى أقبل، وقيل: قد برأ، وكان يسأل عمر ضربه فلا يسميه، ثم إن الشجة انتقضت بزيد بن عمر، فلم يزل منها مريضاً، وأصابه بطن فهلك. رحمة الله عليه.
قال محمد بن الحسن المخزومي: لما استعز بزيد بن عمر جعل الحسين بن علي ﵉ يقول له: يا زيد، من ضربك؟ فيقول له عبد الله بن عمر: يا زيد، اتق الله فإنك كنت في اختلاط لا تعرف فيه من ضربك. قال: وكانت في زيد وأمه سنتان: ماتا في ساعة واحدة، لم
стр. 3123
يعرف أيهما مات قبل الآخر، فلم يورث كل واحد منهما من صاحبه، ووضعا معاً في موضع الجنائز، فأخرت أمه وقدم هو مما يلي الإمام، فجرت السنة في الرجل والمرأة بذلك بعد.
وقال الحسين بن علي لعبد الله بن عمر: تقدم فصل على أمك وأخيك. فتقدم فصلى عليهما.
وقيل: إن خالد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب هو الذي أصاب زيداً تلك الليلة برميةٍ ولا يعرفه.
وقيل: إن سعيد بن العاص صلى عليهما. والمحفوظ أن عبد الله بن عمر هو الذي صلى عليهما في إمارة سعيد بن العاص، وكبر أربعاً، وخلفه الحسن، والحسين، وابن الحنفية، وابن عباس، وغيرهم.
زيد بن عمر بن نفيل
ابن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، القرشي العدوي.
الذي قال فيه سيدنا رسول الله ﷺ : " يبعث أمةً وحده. " كان يطلب دين إبراهيم ﵇، ويسأل عنه الأحبار والرهبان، ورأى النبي ﷺ ، وتوفي قبل أن يبعث وكان في تطوافه دخل الشام، وأتى البلقاء، وسأل الراهب الذي كان بميفعة من أرض البلقاء عن الحنيفية دين إبراهيم.
وكان زيد قد ترك عبادة الأوثان، وكان لا يأكل ما ذبح لغير الله، وكان يقول: يا معشر قريش، أرسل الله قطر السماء، وأنبت بقل الأرض، وخلق السائمة ورعت فيه، وتذبحونها لغير الله؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أحداً على دين إبراهيم غيري.
وكان الخطاب عم زيد وأخاه لأمه، وكان عمرو بن نفيل قد خلف على أم الخطاب بعد أبيه فولدت له زيد بن عمرو. وكان الخطاب عمه وأخاه لأمه، فكان يعاتبه على فراق دين قومه حتى آذاه، وخرج عنه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة، ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم فقال: لا تتركوه يدخل مكة.
стр. 3124
فكان لا يدخلها إلا سراً منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم.
قال محمد بن إسحاق:
وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحارث بن أسد، وعبيد الله بن جحش بن رياب، حضروا قريشاً عند وثنٍ لهم، كانوا يذبحون عنده لعيدٍ من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض، وقالوا: تصادقوا، وليكتم بعضكم على بعض. فقال قائلهم: تعلمن، والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟ فابتغوا لأنفسكم. فخرجوا يطلبون، ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى، والملل كلها يتطلبون الحنيفية دين إبراهيم ﵇.
وأما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها حتى علم علماً كثيراً من أهل الكتاب. ولم يكن منهم أعدل أمراً ولا أعدل شأناً من زيد بن عمرو، اعتزل الأوثان، وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين إبراهيم، يوحد الله، ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه، باداهم بالفراق لما هم فيه.
وفي حديث آخر: وكان أشدهم على زيدٍ الخطاب بن نفيل، وكان زيد بن عمرو إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال:
لبيك حقاً حقاً ... تعبداً ورقاً
البر أرجو لا الخال ... هل مهجرٌ كمن قال
عذت بما عاذ به إبراهيم ... مستقبل القبلة وهو قائم
стр. 3125
ثم يقول:
أنفي لك عانٍ راغم ... مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يسجد.
ولما خالف زيد دين قومه قال له الخطاب بن نفيل: إني لأحسبك خالفة بني عدي، هل ترى أحداً يصنع من قومك ما تصنع؟! يقال: رجل خالفة أي مخالف، كثير الخلاف: كما قيل: راوية ولحانة ونسابة.
قال ابن إسحاق: وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد أجمع على الخروج من مكة فيضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده آذنت الخطاب بن نفيل. فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم، ويسأل عنه، ولم يزل في ذلك حتى أتى الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام، فجال فيها حتى أتى راهباً ببيعة من أرض البلقاء، كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس من علمه، وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث الآن وهذا زمانه. وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئاً منهما.
فخرج سريعاً، حين قال الراهب ما قال: يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة بن نوفل وقد كان اتبع مثل أثر زيد ولم يفعل في ذلك ما فعل زيد فبكى ورقة فقال: من الطويل
رشدت وأنعمت ابن عمروٍ وإنما ... تجنبت تنوراً من النار حاميا
بدينك رباً ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
стр. 3126
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض ستين واديا
وعن زيد بن عمرو بن نفيل: أنه كان يتأله في الجاهلية، فانطلق حتى أتى رجلاً من اليهود، فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك. فقال له اليهودي: لا أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله. فقال: من غضب الله أفر، فانطلق حتى أتى نصرانياً، فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك. فقال: لست أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة. فقال: من الضلالة أفر، قال له النصراني: فإني أدلك على دين إن اتبعته اهتديت. قال له: أي دين؟ قال: دين إبراهيم. قال: فقال: اللهم، إني أشهدك أني على دين إبراهيم، عليه أحيا، وعليه أموت. قال: فذكر شأنه للنبي ﷺ ، فقال: هو أمةٌ وحده يوم القيامة.
قالوا: وجاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك، فاستغفر له. قال: نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمةً وحده.
وعن حجير بن أبي إهاب قال:
رأيت زيد بن عمرو، وأنا عند صنم بوانة بعد ما رجع من الشام، وهو يراقب الشمس، فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعةً وسجدتين، ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل، لا أعبد حجراً، ولا أصلي له، ولا آكل ما ذبح له، ولا أستقسم بالأزلام، وأنا أصلي إلى هذا البيت حتى أموت. وكان يحج، فيقف بعرفة، وكان يلبي يقول: لبيك لا شريك لك، ولا ند لك، ثم يدفع من عرفة ماشياً وهو يقول: لبيك، متعبداً مرقوماً.
وعن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدةً
стр. 3127
فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك مانعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلم. قال: هو رجلٌ ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكان من أسأل من اليهود والنصارى، والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره.
قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو، وأقرأته منه السلام، فرد ﵇، وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً.
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش، ما منكم أحدٌ اليوم على دين إبراهيم ﵇ غيري. قال: وكان يصلي إلى الكعبة ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، ادفعها إلي أكفك مؤنتها، فإذا ترعرعت قال: إن شئت فخذها، وإن شئت فدعها.
وعن عمر وسعيد بن زيد: أنهما سألا رسول الله ﷺ عن زيد فقالا: استغفر له. قال: نعم، فاستغفروا له، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وفي حديث آخر: يبعث يوم القيامة أمة حده بيني وبين عيسى بن مريم ﵉.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو دوحتين ".
стр. 3128
وعن أسماء بنة أبي بكر قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: ويحكم يا معاشر قريش! إياكم والربا: فإنه يورث الفقر.
ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل: من الوافر
أرب واحدٌ أم ألف ربٍّ ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمروٍ أدير
ولا غنماً أدين وكان رباً ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجباتٌ ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالاً ... كثيراً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قومٍ ... فيربل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوماً ... كما يتروح الغصن النضير
وكان زيد بن عمرو بالشام، فلما بلغه خبر سيدنا رسول الله ﷺ أقبل يريده، فقتله أهل ميفعة، موضع الشام.
وقيل: إن زيداً مات فدفن بأصل حراء.
стр. 3129
زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب
ابن عبد رضا بن المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن اسودان وهو نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ أبو مكنف الطائي ثم النبهاني، المعروف بزيد الخيل في الجاهلية.
وفد على النبي ﷺ فأسلم، فسماه زيد الخير. وكان من فرسان العرب. قدم دمشق في الجاهلية خاطباً ماوية بنت حجر الغسانية.
لما قدم وفد طيء على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلاً، رأسهم وسيدهم زيد الخير، وهو زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع النبهاني، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيء، ومالك بن عبد الله بن جبير من بني معن، وقعين بن خليف من جديلة، ورجل من بني بولان، فدخلوا المدينة، ورسول الله ﷺ في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا فدنوا من رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا، وأجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشأ، وقال رسول الله ﷺ : " ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد فإنه لم يبلغ كل ما فيه ". وسماه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقطع له فيداً وأرضين، فكتب له بذلك كتاباً. ورجع مع قومه، فلما كان بموضع يقال له الفردة مات هناك، فعمدت امرأته إلى كل ما كان النبي ﷺ كتب به فخرقته.
وفي رواية: فحرقته بالنار.
وزاد في حديث بعد قوله: وكتب له كتاباً: وكان من قول زيد يوم قدم على النبي ﷺ : الحمد لله الذي أيدنا بك، وعصم لنا ديننا بك، فما رأيت أخلاقاً أحسن من أخلاقٍ
стр. 3130
تدعو إليها، وقد كنت أعجب لعقولنا واتباعنا حجراً نعبده يسقط منا فنظل نطلبه. فقال رسول الله ﷺ : وزيادة أيضاً. يعني بذلك الإيمان أيضاً أكثر. فلما خرج زيد من عند النبي ﷺ والمدينة وبيئة قال النبي ﷺ : إن ينج زيدٌ من أم ملدم. قال: فلما انتهى إلى بلدة بموضع يقال له: الفردة مات هناك. ﵀.
وعن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ إذا أقبل راكب حتى أناخ بالنبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أتيت من مسيرة تسع، أنضيت راحلتي، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري لأسألك عن خصلتين أسهرتاني. فقال له النبي ﷺ : ما اسمك؟ قال: أنا زيد الخيل. قال له: بل أنت زيد الخير، فسل فرب معضلة قد سئل عنها، قال: أسألك عن علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد فقال له النبي ﷺ : كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، فإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه. فقال له النبي ﷺ : " هذه علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك بالأخرى هيأك لها، ثم لا يبالي في أي وادٍ سلكت ". وفي رواية: هلكت.
قال الكلبي: كان يقال لبطن زيد الخيل الذي هو منه: بنو المختلس. وكان لزيد من الولد مكنف بن زيد الخيل، وبه كان يكنى، وقد أسلم وصحب النبي ﷺ ، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد وكان له بلاء، وحريث بن زيد وكان فارساً، وقد صحب النبي ﷺ وشهد الردة مع خالد بن الوليد، وكان شاعراً، وعروة بن زيد شهد القادسية وقس الناطف ويوم مهران فأبلى وقال في ذلك شعراً. وكان زيد الخيل شاعراً.
في نسبه: نابل: بعد الألف باء معجمة بواحدة، وثوب: بفتح الثاء، وسكون الواو، وعبد رضا: بضم الراء.
стр. 3131
وعن أبي سعيد الخدري قال: كان المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ﷺ أربعة: علقمة بن علاثة الجعفري، والأقرع بن حابس الحنظلي، وزيد الخيل الطائي، وعنبسة بن بدر الفزاري. قال: فقدم علي بذهبة من اليمن بتربتها، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم.
وعن أبي سعيد الخدري قال:
بعث علي إلى النبي ﷺ بذهبة فيها تربتها فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن حصن الفزاري، وبين علقمة بن علاثة العامري، وبين زيد الخيل الطائي، فقالت قريش والأنصار: أتقسم بين صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال النبي ﷺ : أتألفهم، إذ أقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتىء الجبين، كث اللحية محلوق فقال: يا محمد، اتق الله. فقال النبي ﷺ : " من يطيع الله إذا عصيته " قال: فسأل رجل من القوم قتله، وقال: حسبته خالد بن الوليد، فولى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : " إن من ضئضىء هذا قوماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.
قيل: توفي زيد الخير سنة عشر.
زيد بن واقد أبو عمر
ويقال أبو عمرو الدمشقي حدث عن أبي سلام الأسود عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: إن حوضي كما بين عدن إلى عمان أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، عدد أوانيه أو أكاويبه كنجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأكثر الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين، قلنا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الشعب رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون الممنعات، ولا تفتح عليهم أبواب السدد، الذين يعطون الحق الذي عليهم، ولا يعطون كل الذي لهم.
стр. 3132
وحدث زيد بن واقد عن رجل من أهل البصرة يقال له الحسن بن أبي الحسن قال: لقد أدركت أقواماً لو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء عند الله من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب.
كان الوضين بن عطاء، وابن جابر، والنعمان، وأبو وهب، وزيد بن واقد كلهم يتهمون بالقدر.
توفي زيد بن واقد سنة ثمان وثلاثين ومائة.
زيد بن يحيى بن عبيد
أبو عبد الله الخزاعي حدث زيد بن يحيى الدمشقي عن أبي معبد عن مكحول عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى ندع الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم مثلما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم.
توفي زيد بن يحيى بن عبيد في سنة سبع ومئتين.
زيد أبو خالد
حدث عن سليمان بن موسى قال: ثلاثة لا ينتصف بعضهم من بعض: حكيمٌ من أحمق، وشريفٌ من دانيء، وبرٌّ من فاجر.
стр. 3133
أسماء النساء على حرف الزاي
زجلة مولاة عاتكة بنت عبد الله
ابن معاوية. وقيل: مولاة عاتكة بنت يزيد بن معاوية حدثت زجلة مولاة معاوية قالت: أدركت يتامى كن في حجر النبي ﷺ إحداهن تسمى كويسة، قالت: فخرجت معهن إلى بيت رجل وقد هلك لأعزي أهله، فلما أخرجت الجنازة وضعت رجلي أخرج من عتبة الباب، فأخذتني حتى أدخلتني البيت.
قلت: ولم يكن يتبع الجنازة امرأة إلا أن تكون نفساء أو مبطونة تخرج معها امرأةً من ثقاتها حين يضعونها في المصلى تدخل يدها تنظر هل خرج شيء، فلا يزال القوم جلوساً أو قياماً حتى إذا توارت المرأة قالوا للإمام: كبر.
وحدثت زجلة مولاة معاوية قالت: كنا مع أم الدرداء فأتاها هشام بن إسماعيل المخزومي فقال: يا أم الدرداء، ما أوثق خصالك في نفسك؟ قالت: الحب في الله .
زرقاء بنت عدي بن مرة
الهمدانية الكوفية امرأةٌ فصيحةٌ، استقدمها معاوية فقدمت عليه.
سمر معاوية بن أبي سفيان ذات ليلة. فذكر كلاماً للزرقاء بنت عدي بن مرة من أهل الكوفة وكانت ممن يعين علياً يوم صفين فقال لأصحابه: أيكم يحفظ كلام الزرقاء بنت عدي؟ قال القوم: كلنا يحفظه. قال: فما تشيرون علي فيها؟ قالوا: نشير بقتلها.
стр. 3134
قال: بئس الذي أشرتم به، أيحسنن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد أن ملكت وصار الأمر إلي؟ ثم دعا كاتبه في الليل، فكتب إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي الزرقاء بنت عدي مع ثقةٍ من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهد لها وطاء ليناً، واسترها بستر خصيف. فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها، فأقرأها إياها فقالت: أما أنا فغير زائغةٍ عن طاعة، وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إلي لم أرم من بلدي هذا، وإن كان حتم الأمير فالطاعة له أولى بي.
فحملها في عمارية، وجعل غشاءها خزأ أدكن مبطناً بقوهي، ثم أحسن صحبتها. فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحباً وأهلاً، خير مقدمٍ قدمه وافدٌ، كيف حالك يا خالة، وكيف كان مسيرك؟ قالت: خير مسير، كأني كنت ربيبة بيت أو طفلاً ممهداً له. قال: بذاك أمرتهم، هل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: يا سبحان الله وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ وهل يعلم ما في القلوب إلا الذي خلقها. قال: بعثت إليك لأسألك هل أنت الراكبة الجمل الأحمر يوم صفين، وأنت بين الصفين توقدين الحرب وتحضين على القتال؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إنه قد مات الرأس وبتر الذنب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. فقال لها: صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: والله ما أحفظه. قال: لكني أحفظه، لله أبوك، لقد سمعتك تقولين: أيها الناس، قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها من فتنة عمياء صماء لا تسمع لقائلها، ولا تنقاد لسائقها. أيها الناس، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا الكواكب تبصر في القمر، وإن البغل لا يسبق الفرس، ألا من استرشده أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة العدل، وغلب الحق باطله، فلا يعجلن أحد فيقول: كيف وأنى، ليقضي الله أمراً كان مفعولا. ألا إن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، وللصبر في الأمور عواقب، إيهاً إلى
стр. 3135
الحرب قدماً غير ناكصين، وهذا يوم له ما بعده. ثم قال معاوية: يا زرقاء، لقد شركت علياً في كل ما فعل. قالت له الزرقاء: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه. فقال له: وقد سرك ذلك؟ قالت: نعم، والله لقد سرني قولك، فأنى لي بتصديق الفعل؟ فقال لها معاوية: لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين، إني امرأة آليت ألا أسأل امرأ أعنت عليه شيئاً، فمثلك أعطى عن غير مسألة وجاد عن غير طلب، قال: صدقت. فأقطعها ضيعةً أغلتها في أول سنةٍ ستة عشر ألف درهم، وأحسن صفدها، وردها مكرمة.
زينب بنت الحسين بن علي
ابن أبي طالب قدمت دمشق مع عيال أبيها بعد قتله.
حدث حميد بن مسلم الأزدي قال: سماع أذني من الحسين وهو يقول: قتل الله قوماً قتلوك، يعني ابنه علي الأكبر بن الحسين، ما أجرأهم على انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك الدبار. وكأني أرى امرأة خرجت كأنها شمس طالعة تنادي: يا أخاه فقيل: هي زينب بنت حسين وأكبت عليه، فجاء الحسين فأخذ بيدها وردها إلى الفسطاط.
زينب بنت سليمان بن علي
ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الهاشمية كانت مع أهلها بالحميمة من أرض البلقاء، وهي زوج محمد بن إبراهيم الإمام، وإليها ينسب الزينبيون من ولد العباس: لأن زوجها كان له ولدٌ من غيرها فنسب ولدها إليها ليفرق بينهم وبين ولد الزوج الأخرى. وكانت من أولات الفضل، ودخلت على مروان بن محمد عند هلاك إبراهيم بن محمد بن علي الإمام تستأذنه في دفنه، فأذن لها.
стр. 3136
حدثت زينب عن أبيها عن جدها عن عبد الله بن العباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أكل مما يسقط من الخوان نفى عنه الفقر، وصرف عن ولده الحمق ".
وبه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم بارك لأمتي في بكورها، زاد غيره يوم خميسها ".
وعن أحمد بن الخليل بن مالك بن ميمون أبو العباس: رأيت زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس أيام المأمون وقد دخلت دار أمير المؤمنين، فرفع عطاء لها الستر، وعلي بن صالح يومئذ الحاجب حاجب المأمون وعطاء يخلقه فقام إليها فقبل رجلها في الركاب، وهي على حمار لها أشهب مختمرة بخمار عدني أسود، وعليها طيلسان مطبق أبيض. فقال علي بن صالح لها: يا مولاتي، حديث سمعته من أمير المؤمنين، يذكره عنك، قالت: اذكر منه شيئاً، قال: حديث أبيك عبد الله بن عباس حين بعثه العباس إلى النبي ﷺ ، فسمعت زينب تقول: أخبرني أبي عن جدي عن أبيه عبد الله بن عباس قال: بعثني أبي العباس إلى النبي ﷺ فجئت وعنده رجلٌ، فقمت خلفه، فلما قام الرجل التفت إلي فقال: يا حبيبي متى جئت؟ قلت: منذ ساعة. قال: فرأيت عندي أحداً؟ قلت: نعم، الرجل. قال: ذاك جبريل، أما إنه ما رآه أحد إلا ذهب بصره إلا أن يكون نبياً، وأنا أسأل الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك، اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، واجعله من أهل الإيمان.
توفيت بعد المأمون، وتوفي المأمون سنة ثماني عشرة ومئتين.
زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام المخزومية قال يحيى بن حمزة: كان عبد الملك بن مروان فرض الصداق أربع مئة دينار لا يزاد عليها، وكان ذلك بدعةً منه، وذلك أنه خطب امرأة من قريش يقال لها زينب، ونافسه فيها رجل من أهل بيته، فقال لها ذلك الرجل: أصدقك عشرين ألف دينار. فتزوجته وتركت عبد الملك،
стр. 3137
فقال عبد الملك: أرى النساء يذهب بهن المهور، ولو كان المهر واحداً ما وضعت المرأة نفسها إلا في الفضل، وما كانت زينب تذهب إلى فلان عني. فكتب: لا يزاد في المهر على أربع مئة دينار. قال يحيى: فكان يقال لذلك الرجل: حزنت نفسك، فيقول: كعكات زينب أحب إلي من الدنيا وما فيها.
قال: وكانت توصف بشيء عجيب، كان مما توصف به أن تستلقي على قفاها فيرمى تحتها بالأترجة فتنفذ إلى الناحية الأخرى لعظم عجيزتها.
قال الزهري: كانت زينب بنت عبد الرحمن بارعة الجمال، وكانت تدعى: الموصولة، وكانت عند أبان بن مروان بن الحكم، فلما توفي أبان دخل عليه عبد الملك فرآها فأحدثت بنفسه، فكتب إلى أخيها المغيرة بن عبد الرحمن يأمره بالشخوص، فشخص إليه، فنزل على يحيى بن الحكم، فقال يحيى: إن أمير المؤمنين إنما بعث إليك لتزوجه أختك زينب، فهل لك في شيء أدعوك إليه؟ قال: هلم فاعرض. قال: أعطيك لنفسك أربعين ألف دينار ولها على رضاها وتزوجنيها. قال له المغيرة: ما بعد هذا شيء. فزوجه إياها. فلما بلغ عبد الملك ذلك أسف عليها، فاصطفى كل شيء ليحيى بن الحكم، فقال يحيى: كعكتين وزينب، يريد أن يجتزىء بكعكتين إذا كانت عنده زينب.
قال الزبير: وإنما قيل لها الموصولة لأنها كلما انثعب كل عضو منها ثم وصلت.
ومن شعر إبراهيم بن علي بن هرمة: من الطويل
فمن لم يرد مدحي فإن قصائدي ... نوافق عند الأكرمين سوام
نوافق عند المشتري الحمد بالندى ... نفاق بنات الحارث بن هشام
قال مصعب بن عثمان: كانت الجارية تولد لأحد آل الحارث بن هشام فيتراسل النساء تباشراً بها، ويرى أهلها أنهم بها أغنياء.
стр. 3138
زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب
كانت مع أخيها الحسين بن علي ﵈ حين قتل، وقدم بها على يزيد بن معاوية مع أهلها.
قال عطاء بن السائب: دلني أبو جعفر على امرأة يقال لها زينب بنت علي أو من بنات علي قالت: حدثني مولى للنبي ﷺ يقال له: طهمان أو ذكوان أن النبي ﷺ قال: " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، وإن مولى القوم منهم ".
وحدثت زينب بنت علي عن فاطمة بنت محمد قالت:
لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا أول شيء، وألطفنا. قالت: ثم إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذلك جائزٌ لهم، وأخذت بثياب أختي زينب، وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت: كذبت والله، ولؤمت، ما ذاك لك ولا له. فغضب يزيد فقال: كذبت والله! إن ذلك لي، لو شئت أن أفعله لفعلت. قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وجدك وأبوك. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت: أنت أمير تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك، قالت: فوالله لكأنه استحيا فسكت. ثم عاد الشامي، فقالت: فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية. قال: اغرب وهب الله لك خنقاً قاضياً. قالت: ثم قال يزيد بن معاوية: يا نعمان بن بشير، جهزهم بما لك خنقاً قاضياً. قالت: ثم قال يزيد بن معاوية: يا نعمان بن بشير، جهزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً، وابعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن أخوهن علي بن الحسين في
стр. 3139
الدار التي هو فيها. قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم يبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً، وكان يزيد لا يغتدي ولا يعتشي إلا دعا علي بن الحسين إليه. قال: فدعاه ذات يوم، ودعا عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمرو: أتقاتل هذا؟ يعني خالداً ابنه قال: لا، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً، ثم أقاتله. فقال له يزيد، وأخذه فضمه إليه:
شنشنة أعرفها من أخزم ... هل تلد الحية إلا حية
وعن زينب بنت علي أنها يوم قتل الحسين بن علي أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عقيرتها بصوت عال تقول: من البسيط
ماذا تقول إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوءٍ من ذوي رحم
وذكر الزبير: أن زينب التي أنشدت هذه الأبيات زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب. أنشدتها بالبقيع تبكي قتلاها بالطف، وقال: فقال أبو الأسود الدؤلي: تقول: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ".
стр. 3140
زينب بنت يوسف بن الحكم الثقفية
أخت الحجاج.
كانت تحت المغيرة بن شعبة فطلقها، ثم تزوجها الحكم بن أيوب الثقفي، فلما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالعراق بعث بها الحجاج في حرمة إلى دمشق خوفاً عليهم، فلما قتل ابن الأشعث كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان بالفتح، وكتب مع الرسول كتاباً إلى زينب يخبرها الخبر، فأعطاها الكتاب وهي راكبة على بغلة في هودج فنشرته تقرؤه، فسمعت البغلة قعقعة الكتاب فنفرت، وسقطت عنها، فاندقت عضدها وتهرأ جوفها فماتت، ثم عاد الرسول الذي بعثه بالفتح بوفاة زينب.
وكانت زينب هذه امرأة حازمة عفيفة، وهي التي شبب بها محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي النميري، فمن قوله فيها: من الطويل
تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ خفرات
أسماء الرجال على
стр. 3141
حرف السين المهملة
سابق بن عبد الله أبو سعيد
ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو المهاجر الرقي المعروف بالبربري الشاعر.
قدم على عمر بن عبد العزيز.
حدث سابق عن مطرف بسنده عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يوتر من أول الليل ووسطه وآخره، ثم ثبت له آخر الليل.
وحدث عن عمرو بن أبي عمر بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " الحلال بينٌ الحرام بينٌ، وبين ذلك مشتبهاتٌ، فمن رتع فيهن قمن أن يأثم، ومن اجتنبهن فهو أرفق بدينه كالمرتعي إلى جنب حمى، ومن ارتعى إلى جنب حمى فيوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله في الأرض الحرام ".
وكان سابق بن عبد الله من البكائين.
وحدث سابق عن أبي خلف خادم أنس عن أنس بن مالك قال:
قال النبي ﷺ إذا مدح الفاسق اهتز العرش، وغضب له الرب .
كان أبو أمية أحد الزهاد المشهورين وهو القائل: من الطويل
وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن
وله: من البسيط
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها
стр. 3142
والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
كتب عمر بن عبد العزيز إلى سابق البربري أن عظني، فكتب إليه: من البسيط
باسم الذي أنزل من عنده السور ... والحمد لله أما بعد يا عمر
إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر ... فكن على حذرٍ قد ينفع الحذر
واصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرىءٍ عيشٌ يسر به ... إلا سيتبع يوماً صفوه الكدر
وأنشد العباس الخلال لسابق البربري: من البسيط
أصبحتم جزراً للموت يأخذكم ... كما البهائم في الدنيا لكم جزر
وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
ما يشعرون بما في دينهم نقصوا ... جهلاً وإن نقصوا دنياهم شعروا
أبعد آدم ترجون الخلود وهل ... تبقى فروعٌ لأصلٍ حين ينقعر
لا ينفع الذكر قلباً قاسياً أبداً ... والحبل في الحجر القاسي له أثر
قال أحمد بن محمد بن يزيد الأنصاري: كنا عند محمد بن مصعب القرقساني فقال لنا: بيتٌ من الشعر، فقال: من أخبرني لمن هو من الشعراء فله ثلاثون حديثاً. وكان معنا رجل يعرف الشعر فقال: قولوا له: أي بيت هو؟ قلنا له: يا أبا الحسن، أي بيت هو؟ فقال محمد بن مصعب: من البسيط
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر
فقال الرجل: هذا لسابق البربري. قال: صدق، فأي شيءٍ بعده؟ قال: من البسيط
والعلم فيه حياةٌ للقلوب كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
قال: صدق والله، فأي شيء بعده؟ قال:
стр. 3143
فأنتم جزرٌ للموت يأخذكم ... كما البهائم في الدنيا لنا جزر
قال أبو علي الأنصاري: فحدثنا بالثلاثين التي وعد.
دخل سابق البربري على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: عظني يا سابق وأوجز. قال: نعم يا أمير المؤمنين، وأبلغ إن شاء الله. قال: هات. فأنشده: من الطويل
إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ووافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شركته ... وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا
فبكى عمر حتى سقط مغشياً عليه.
سارية بن زنيم بن عمرو
ابن عبد الله بن جابر بن محمية بن عبد بن عدي بن الدئل بن عبد مناة ابن كنانة الدؤلي، ويقال: الأسدي، أبو زنيم.
له صحبة، وهو الذي ناداه عمر بن الخطاب من منبر رسول الله ﷺ بالمدينة وهو بفارس: يا سارية الجبل، وكان أميراً في بعض حروب الفرس.
وعن ابن عباس وغيره قالوا: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني عبد بن عدي فيهم الحارث بن وهبان وعويمر بن الأخرم وحبيب وربيعة ابنا ملة، ومعهم رهط من قومهم فقالوا: يا محمد، نحن أهل الحرم وساكنه وأعز من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلك غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا يقاتل قريشاً، وإنا لنحبك ومن أنت منه، وقد أتيناك، فإن أصبت منا أحداً خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحداً من أصحابك فعلينا ديته، إلا رجلاً منا قد هرب، فإن أصبته أو أصابه أحدٌ من أصحابك فليس علينا ولا عليك، وأسلموا، فقال عويمر بن الأخرم: دعوني آخذ عليه. قالوا: لا، محمد لا يغدر ولا نريد أن نغدر به. فقال
стр. 3144
حبيب وربيعة: يا رسول الله، إن أسيد بن أبي أناس هو الذي هرب وتبرأنا إليك منه، وقد نال منك. فأباح رسول الله ﷺ دمه، وبلغ أسيداً قولهما لرسول الله ﷺ فأتى الطائف فأقام به، وقال لربيعة وحبيب: من الوافر
فإما أهلكن وتعيش بعدي ... فإنهما عدوٌّ كاشحان
فلما كان عام الفتح كان أسيد في أناسٍ فيمن أهدر دمه، فخرج سارية بن زنيم إلى الطائف فقال له أسيد: ما وراءك؟ قال: أظهر الله نبيه ونصره على عدوه، فاخرج ابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه. فحمل أسيد امرأته وخرج وهي حامل تنتظر، وأقبل فألقت غلاماً عند قرن الثعالب، وأتى أسيد أهله، فلبس قميصاً واعتم، ثم أتى رسول الله ﷺ وسارية قائمٌ بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أهدرت دم أسيد؟ قال: نعم. قال: أفتقبل منه إن جاءك مؤمناً؟ قال: نعم. قال: فوضع يده في يد النبي ﷺ فقال: هذه يدي في يدك أشهد أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله. فأمر رسول الله ﷺ رجلاً يصرخ: إن أسيد بن أبي أناس قد آمن، وقد أمنه رسول الله ﷺ . ومسح رسول الله وجهه وألقى يده على صدره فيقال: إن أسيد كان يدخل البيت المظلم فيضيء.
فيقال: هذا الشعر لابن أبي أناس، ويقال: لسارية: من الطويل
فما حملت من ناقةٍ فوق كورها ... أبر وأوفى ذمةً من محمد
ولما أنشده من هذه القصيدة:
أأنت الذي يهدي معداً لدينها ... بل الله يهديها وقال لك: اشهد
стр. 3145
فلما أنشده:
أأنت الذي يهدي معداً لدينها.....................
قال رسول الله ﷺ : بل الله يهديها فقال الشاعر:
بل الله يهديها وقال لك: اشهد
وعن حرام بن خالد قال: لما قدم ركب خزاعة على النبي ﷺ يستنصرونه قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم بن عمرو بن عبد الله قد هجاك. فنذر رسول الله ﷺ دمه، فلما كان يوم الفتح أسلم وأتى النبي ﷺ يعتذر إليه مما بلغه عنه، فقام نوفل بن معاوية الدؤلي فقال: أنت أولى الناس بالعفو، وحرمتنا منك ما قد علمت، لم نؤذك في الجاهلية، ولم نعاد ربك في الإسلام. فعفا عنه رسول الله ﷺ ، قال نوفلك فداك أبي وأمي.
وأنس بن زنيم هو أخو سارية بن زنيم.
وكان سارية بن زنيم خليعاً في الجاهلية، وكان أشد الناس خطراً على رجليه، ثم أسلم وحسن إسلامه.
الخليع: اللص السريع العدو، الكثيرة الغارة.
قالوا: وأسيد بن أبي أناس وهو أسيد بن زنيم، ويقال: أنس بن زنيم.
وزنيم بضم الزاي وبعدها نون.
وعن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينا عمر يخطب، قال: فجعل يصيح، وهو على المنبر، يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، قال: فقدم رسول الجيش فسأله: فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا
стр. 3146
فهزمونا، فإذا صائح يصيح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله. فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك.
وفي حديث آخر بمعناه: يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم. وفي آخره فقيل لعمر بن الخطاب: ما ذلك الكلام؟ فقال: والله ما ألقيت له بالاً، شيء أتى على لساني.
وفي حديث آخر بمعناه: ثم قال: يا سارية الجبل الجبل. ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنوداً، ولعل بعضها أن تبلغهم.
وفي حديث آخر قالوا:
كان عمر ﵁ قد بعث سارية بن زنيم الدؤلي إلى فسا ودرابجرد، فحاصروهم، ثم إنهم تداعوا، وأصحروا له، وكثروه، فأتوه من كل جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل إلى ألجئوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فألجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانم، وأصاب في المغنم سفطاً فيه جوهر، فاستوهبه من المسلمين لعمر فوهبوه له، فبعث به رجلاً وبالفتح، وكان الرسل والوفد يجازون وتقضى لهم حوائجهم، فقال له سارية: استقرض ما تبلغ به وتخلفه لأهلك على جائزتك. فقدم الرجل البصرة ففعل، ثم خرج فقدم على عمر فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصد له، فأقبل عليه بها. فقال: اجلس. فجلس حتى إذا أكل انصرف عمر وقام، فاتبعه،
стр. 3147
فظن عمر أنه رجل لم يشبع فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل، وقد أمر الخباز أن يذهب بالخوان إلى مطبخ المسلمين، فلما جلس في البيت أتي بغدائه خبز وزيت وملح جريش، فوضع وقال: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين. قالت: إني لأسمع حس رجلٍ. فقال: أجل. فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غي هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر؟ قالت: ما أقل غناء ذلك عني. ثم قال للرجل: ادن فكل، فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فأكلا حتى إذا فرغ قال رسول سارية بن زنيم: يا أمير المؤمنين، قال: مرحباً وأهلاً. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته. ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم فأخبره، ثم أخبره بقصة الدرج فنظر إليه ثم صاح به، يا أمير المؤمنين، إني قد أنضيت إبلي، واستقرضت على جائزتي فأعطني ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيراً ببعيره من إبل الصدقة. ورجع الرسول مغضوباً عليه محروماً حتى قدم البصرة فنفذ لأمر عمر. وقد سأله أهل المدينة عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئاً يوم الوقعة فقال: نعم سمعنا: يا سارية الجبل، وقد كدنا أن نهلك، فألجأنا إليه ففتح الله علينا.
قال خليفة بن خياط: ويقال: افتتح أصبهان سارية بن زنيم صلحاً وعنوة.
سالم بن أبي أمية أبو النضر
مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي القرشي وفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته.
حدث أبو النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
стр. 3148
قال أبو النضر: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله، أن أقل له: إن فيك كبراً، أو إنه يتكبر. فقيل ذلك له، فقال عمر: قل له: ليس ما ظننت، إن كنت تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة لله وأنطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه، الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه. ولكن كنت غلاماً بين ظهراني قومي، يدخلون علي بغير إذن، ويتوطؤون فرشي، ويتناولون مني ما يتناول القوم من أخيهم الذي لا سلطان له عليهم. فلما أن وليت خيرت نفسي في أن أمكنهم من حالهم التي كنت لهم عليها، وأخالفهم فيما خالف الحق، أو أتمنع منهم في بابي ووجهي ليكفوا عني أنفسهم وعن الذي أحذر عليهم لو كنت جرأتهم على نفسي من العقوبة والأدب. فهو الذي دعاني إلى هذا.
وكان أبو النضر صالحاً ثقة حسن الحديث.
قال داود بن عبد الرحمن: كان لعمر بن عبد العزيز أخوان في الله عبدين: أحدهما زياد والآخر سالم، فدخل عليه زياد وعنده امرأته فاطمة بنت عبد الملك، فأراد أن تقوم فقال لها: إنما هو زياد عمك. ثم نظر إليه فقال: زياد في دراع من صوف لم يل من أمور المسلمين شيئاً. ثم ألقى بثوبه على وجهه فبكى، فقال لامرأته: ما هذا؟ قالت: هذا عمله منذ استخلف. قال: ودخل عليه سالم فقال: يا سالم، إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: إن تك تخاف فلا بأس، ولكن عبد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباحه الجنة. عصى الله معصية واحدة، فأخرجه بها من الجنة، وأنا وأنت نعصي الله في كل يوم وليلة، ونتمنى على الله الجنة.
توفي أبو النضر سالم في زمن مروان بن محمد، في سنة تسع وعشرين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين ومئة.
стр. 3149
سالم بن حامد
أمير دمشق من قبل المتوكل. كان سيىء السيرة. كان المتوكل قد ولى على أهل دمشق رجلاً من أصحابه يقال له: سالم بن حامد من العرب، فخرج من العراق في أربعة آلاف فارس وراجل من قومه وغيرهم، حتى إذا صار بدمشق وملكها أذل قوماً بها كان بينه وبينهم دم في أول أيام بني العباس وآخر أيام بني أمية، وكان لبني بيهس ولجماعة من قريش دمشق وسائر العرب من السكون والسكاسك وغيرهم قوةٌ، وعدة، ونجدة، وكلمة مقبولة، فلما رأوا كثرة تعدي سالم بن حامد، وجوره، وظلمه، وعتوه وثبوا عليه فقتلوه على باب الخضراء بدمشق في يوم جمعة، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه، وسلطوا الموالي على رحالهم وأموالهم فنهبوها، وبلغ ذلك المتوكل فقال: من للشام؟ وليكن في صولة الحجاج! فقيل له: أفريدون التركي، وكان أفريدون غلاماً من الأتراك الذين كانوا مع جعفر المتوكل شجاعاً سفاكاً للدماء، فدعا المتوكل بأفريدون وعقد له على دمشق، وولاه عليها، فسار إليها في سبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف راجل، وأطلق على المتوكل القتل بدمشق يوماً إلى ارتفاع النهار، وأباحه النهب ثلاثة أيام.
فسار أفريدون إلى دمشق، ونزل بقرية السكون والسكاسك: بت لهيا، فلما أصبح قال: يا دمشق! أيش لا يحل بك مني في يومي هذا؟ ثم دعا بفرسه ليركبه ويقال: بغلة دهماء فلما هم أن يضع رجله في الركاب ضربته بالزوج على فؤاده، فسقط من ساعته ميتاً، وخيت الله سعيه، وقطع أمله، فقبر ببيت لهيا، وقبره معروف إلى اليوم، وصار حديثاً ومثلاً، وانصرف العسكر راجعاً إلى العراق خائباً، لم يدخلوا دمشق حتى وافاها المتوكل بحسن نيةٍ، وإضمار الجميل من الفعل، فبنى بها قصراً في ناحية داريا ثم انصرف عنها، فقتله الأتراك بالعراق.
стр. 3150
سالم بن سلمة بن نوفل
ابن عبد العزى بن أبي نصر بن جهمة بن مطرود بن مازن بن عمرو بن عميرة ابن الحارث ابن تيم بن سعد بن هذيل بن مدركة ويقال ابن سلمة بن عمرو أبو سبرة الهذلي البصري من بني سعد بن هذيل وهو الوالد الجارود بن أبي سبرة، وفد على معاوية رسولاً من زياد.
حدث أبو سبرة قال: كان عبيد الله بن زياد يسأل عن الحوض، حوض محمد ﷺ وكان يكذب به بعدما سأل أبا برزة، والبراء بن عازب، وعائذ بن عمرو، ورجلاً آخر، ويكذب به، فقال أبو سبرة: أنا أحدثك بحديث فيه شفاء هذا، إن أباك بعث معي بمال إلى معاوية، فلقيت عبد الله بن عمرو، فحدثني مما سمع من رسول الله ﷺ ، وأملى علي، فكتبت بيدي، فلم أزد حرفاً، ولم أنقص حرفاً، حدثني أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله تعالى لا يحب الفحش أو يبغض الفاحش والمتفحش ". قال: لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين، وقال: ألا إن موعدكم حوضي، عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسيرة شهر، فيه مثل النجوم أباريق، شرابه أشد بياضاً من الفضة، من شرب منه مشرباً لم يظمأ بعده أبداً، فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثاً أثبت من هذا. وصدق به، وأخذ الصحيفة فحبسها عنده.
وفي حديث آخر عند قوله: ويخون الأمين، ومثل العبد المؤمن كمثل القطعة الجيدة من الذهب نفخ عليها فخرجت طيبة، ووزنت فلم تنقص. قال: ومثل العبد المؤمن كمثل النخلة أكلت طيباً، ووضعت طيباً، ووقعت فلم تكسر ولم تفسد. وفي حديث آخر: إن أسلم المسلمين لمن سلم المسلمون من لسانه ويده، وإن أفضل الهجرة لمن هجر ما نهى الله عنه.
стр. 3151
سالم بن عبد الله بن عمر
ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله ويقال: أبو عمر العدوي المدني الفقيه قدم الشام على عبد الملك بن مروان بكتاب أبيه بالبيعة له، وعلى الوليد بن عبد الملك، وعلى عمر بن عبد العزيز.
حدث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا رفع يديه، وإذا فرغ ردهما على وجهه.
وعن سالم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ صلى الصبح، ثم استقبل مطلع الشمس فقال: ألا إن الفتن من ههنا ثلاث مرات ومن ثم يطلع قرن الشيطان.
وعن سالم عن أبيه:
أن رسول الله ﷺ كان في نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ فقال: ألستم تعلموني أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله. قال: ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتي؟ قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتك. قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، أطيعوا أمراءكم، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً.
قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به. قال مالك: ولم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد، والقصد، والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين، ويشتري الشمال يحملها.
стр. 3152
قال سليمان بن عبد الملك لسالم ورآه حسن السحنة: أي شيءٍ تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. فقال عمر له: أو تشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
وعن نافع قال: كان ابن عمر يلقى ابنه سالماً فيقبله ويقول: شيخ يقبل شيخاً. ويقول: إني أحبك حبين: حب الإسلام وحب القرابة.
كان عبد الله بن عمر يلام في حب سالم فكان يقول: من الطويل
يلومونني في سالمٍ وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
قال أبو الزناد: كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقهاء، ففاقوا أهل المدينة علماً، وتقى، وعبادةً، وورعاً. فرغب الناس حينئذٍ في السراري.
قال عطاء بن السائب: دفع الحجاج إلى سالم بن عبد الله سيفاً وأمره بقتل رجل فقال سالم للرجل: أمسلم أنت؟ قال: نعم. امض لما أمرت به. قال: فصليت اليوم صلاة الصبح؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى الحجاج، فرمى إليه السيف وقال: إنه ذكر أنه مسلم وأنه قد صلى صلاة الصبح اليوم، وإن رسول الله ﷺ قال: " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله ". قال الحجاج: لسنا نقتله على صلاة الصبح، ولكنه ممن أعان على قتل عثمان. فقال سالم: ههنا من هو أولى بعثمان مني. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: ما صنع سالم؟ قالوا: صنع كذا وكذا. فقال ابن عمر: مكيس.
стр. 3153
قال علي بن زيد: دخلت على سالم بن عبد الله منزله وكان لا يأكل إلا معه مسكين. قال: فأرسل ولاه يأتيه بمسكين، فأتاه بعجوز عمياء حدباء، فأدناها، فأكلت معه.
وكان سالم إذا خرج عطاؤه فإن كان عليه دين قضاه، ثم يصل منه إن أراد أن يصل، ويتصدق منه، ثم يحبس لعياله نفقتهم، ثم كتب على ما بقي: للحج إن شاء الله، أو للعمرة إن شاء الله.
وكان لسالم بن عبد الله بن عمر حمار هرم، فنهاه بنوه عن ركوبه، فأبى أن يدعه، قال: فجدعوا أذنه، فأبى أن يدع ركوبه، ثم جدعوا أذنه الأخرى فأبى أن يدع ركوبه، قال: فقطعوا ذنبه فركبه أجدع الأذنين أبتر الذنب.
وكان سالم بن عبد الله يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه.
دخل سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك وعلى سالم ثيابٌ غليظة رثةٌ، فلم يزل سليمان يرحب به، ويرفعه، حتى أقعده معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز، في المجلس، فقال له رجل من أخريات الناس: أما استطاع خالك أن يلبس ثياباً فاخرةً أحسن من هذه، ويدخل فيها على أمير المؤمنين؟ وعلى المتكلم ثياب سرية لها قيمة فقال له عمر: ما رأيت هذه الثياب التي على خالي وضعته في مكانك هذا، ولا رأيت ثيابك هذه رفعتك إلى مكان خالي ذاك.
قال الحافظ: لقد أحسن عمر في جوابه، وأجاد في الذب عن خاله، ولقد أحسن الذي قال: من الكامل
قد يدرك الشرف الفتى وإزاره ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع
قال سفيان بن عيينة: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال
стр. 3154
له: يا سالم، سلني حاجةً. فقال: إنني أستحيي من الله ﵎ أن أسأل في بيت الله غير الله. فلما خرج خرج في إثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجةً. فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. فقال له سالم: أما والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟
زحم سالم بن عبد الله رجلاً، فقال له الرجل: ما أراك إلا رجل سوءٍ! فقال سالم: ما أحسبك أبعدت.
قال سالم: رأيت كأني انتهيت إلى باب الجنة فقرعته، فقيل لي: من؟ قلت: سالم بن عبد الله بن عمر. فقيل: كيف يفتح لرجل لم تغبر قدماه في سبيل الله؟ قال: فأصبح يقول لأهله: جهزوني.
وقال سالم: بلغني أن الرجل يسأل يوم القيامة عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله.
أقبل سالم بن عبد الله بن عمر يرمي الجمرة يوم النحر، فأطلعت امرأة كفاً خضيباً من خدرها لترمي، فجاءت حصاةً فصكت كفها فولولت وطرحت حصاتها. فقال لها سالم: ترجعين صاغرة قميئة فتأخذين حصاك من بطن الوادي فترمين به حصاةً حصاةً، فقالت: يا عم، أنا والله من الطويل
من اللائي لم يحججن يبغين حسبةً ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
قال: قد قبحك الله! حج هشام بن عبد الملك فجاءه سالم بن عبد الله فأعجبته سحنته فقال له: أي شيءٍ تأكل؟ قال: الخبز والزيت. قال: فإذا لم تشتهه؟ قال: أخمره حتى أشتهيه. فعانه هشام، فمرض ومات، فشهده هشام، وأجفل الناس في جنازته، فرآهم هشام فقال: إن أهل المدينة لكثير، فضرب عليهم بعثاً، أخرج فيه جماعة منهم، فلم يرجع منهم أحد،
стр. 3155
فتشاءم به أهل المدينة وقالوا: عان فقيهنا، وعان أهل بلدنا.
توفي سالم سنة خمس ومئة: وقيل: سنة ست ومئة في آخرها، ووافق موته حج هشام، ثم قدم المدينة فصلى عليه. وقيل: توفي سنة سبع ومئة، وقيل: سنة ثمان ومئة.
سالم بن عبد الله
أبو عبيد الله المحاربي قاضي دمشق، من ساكني داريا، وكان من حملة القرآن وممن يحضر الدراسة في جامع دمشق.
حدث عن سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " ما من عبدٍ يصرع صرعة مرضٍ إلا بعثه الله منها طاهراً ".
سالم بن وابصة بن معبد الأسدي الرقي
حدث سالم بن وابصة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : " إن شر هذه السباع هذه الأثعل ".
قال مبشر أحد رواة هذا الحديث: وهذا الحرف تفاخر به أهل العربية لأن النبي ﷺ قاله وهو يعني الثعالب.
следующие страницы →