← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله ويقال: أبو عمر العدوي المدني الفقيه قدم الشام على عبد الملك بن مروان بكتاب أبيه بالبيعة له، وعلى الوليد بن عبد الملك، وعلى عمر بن عبد العزيز. حدث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا رفع يديه، وإذا فرغ ردهما على وجهه. وعن سالم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ صلى الصبح، ثم استقبل مطلع الشمس فقال: ألا إن الفتن من ههنا ثلاث مرات ومن ثم يطلع قرن الشيطان. وعن سالم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان في نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ فقال: ألستم تعلموني أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله. قال: ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتي؟ قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتك. قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، أطيعوا أمراءكم، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً. قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به. قال مالك: ولم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد، والقصد، والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين، ويشتري الشمال يحملها.

стр. 3152

قال سليمان بن عبد الملك لسالم ورآه حسن السحنة: أي شيءٍ تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. فقال عمر له: أو تشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه. وعن نافع قال: كان ابن عمر يلقى ابنه سالماً فيقبله ويقول: شيخ يقبل شيخاً. ويقول: إني أحبك حبين: حب الإسلام وحب القرابة. كان عبد الله بن عمر يلام في حب سالم فكان يقول: من الطويل يلومونني في سالمٍ وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم قال أبو الزناد: كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقهاء، ففاقوا أهل المدينة علماً، وتقى، وعبادةً، وورعاً. فرغب الناس حينئذٍ في السراري. قال عطاء بن السائب: دفع الحجاج إلى سالم بن عبد الله سيفاً وأمره بقتل رجل فقال سالم للرجل: أمسلم أنت؟ قال: نعم. امض لما أمرت به. قال: فصليت اليوم صلاة الصبح؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى الحجاج، فرمى إليه السيف وقال: إنه ذكر أنه مسلم وأنه قد صلى صلاة الصبح اليوم، وإن رسول الله ﷺ قال: " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله ". قال الحجاج: لسنا نقتله على صلاة الصبح، ولكنه ممن أعان على قتل عثمان. فقال سالم: ههنا من هو أولى بعثمان مني. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: ما صنع سالم؟ قالوا: صنع كذا وكذا. فقال ابن عمر: مكيس.

стр. 3153

قال علي بن زيد: دخلت على سالم بن عبد الله منزله وكان لا يأكل إلا معه مسكين. قال: فأرسل ولاه يأتيه بمسكين، فأتاه بعجوز عمياء حدباء، فأدناها، فأكلت معه. وكان سالم إذا خرج عطاؤه فإن كان عليه دين قضاه، ثم يصل منه إن أراد أن يصل، ويتصدق منه، ثم يحبس لعياله نفقتهم، ثم كتب على ما بقي: للحج إن شاء الله، أو للعمرة إن شاء الله. وكان لسالم بن عبد الله بن عمر حمار هرم، فنهاه بنوه عن ركوبه، فأبى أن يدعه، قال: فجدعوا أذنه، فأبى أن يدع ركوبه، ثم جدعوا أذنه الأخرى فأبى أن يدع ركوبه، قال: فقطعوا ذنبه فركبه أجدع الأذنين أبتر الذنب. وكان سالم بن عبد الله يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه. دخل سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك وعلى سالم ثيابٌ غليظة رثةٌ، فلم يزل سليمان يرحب به، ويرفعه، حتى أقعده معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز، في المجلس، فقال له رجل من أخريات الناس: أما استطاع خالك أن يلبس ثياباً فاخرةً أحسن من هذه، ويدخل فيها على أمير المؤمنين؟ وعلى المتكلم ثياب سرية لها قيمة فقال له عمر: ما رأيت هذه الثياب التي على خالي وضعته في مكانك هذا، ولا رأيت ثيابك هذه رفعتك إلى مكان خالي ذاك. قال الحافظ: لقد أحسن عمر في جوابه، وأجاد في الذب عن خاله، ولقد أحسن الذي قال: من الكامل قد يدرك الشرف الفتى وإزاره ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع قال سفيان بن عيينة: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال

стр. 3154

له: يا سالم، سلني حاجةً. فقال: إنني أستحيي من الله ﵎ أن أسأل في بيت الله غير الله. فلما خرج خرج في إثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجةً. فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. فقال له سالم: أما والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟ زحم سالم بن عبد الله رجلاً، فقال له الرجل: ما أراك إلا رجل سوءٍ! فقال سالم: ما أحسبك أبعدت. قال سالم: رأيت كأني انتهيت إلى باب الجنة فقرعته، فقيل لي: من؟ قلت: سالم بن عبد الله بن عمر. فقيل: كيف يفتح لرجل لم تغبر قدماه في سبيل الله؟ قال: فأصبح يقول لأهله: جهزوني. وقال سالم: بلغني أن الرجل يسأل يوم القيامة عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله. أقبل سالم بن عبد الله بن عمر يرمي الجمرة يوم النحر، فأطلعت امرأة كفاً خضيباً من خدرها لترمي، فجاءت حصاةً فصكت كفها فولولت وطرحت حصاتها. فقال لها سالم: ترجعين صاغرة قميئة فتأخذين حصاك من بطن الوادي فترمين به حصاةً حصاةً، فقالت: يا عم، أنا والله من الطويل من اللائي لم يحججن يبغين حسبةً ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا قال: قد قبحك الله! حج هشام بن عبد الملك فجاءه سالم بن عبد الله فأعجبته سحنته فقال له: أي شيءٍ تأكل؟ قال: الخبز والزيت. قال: فإذا لم تشتهه؟ قال: أخمره حتى أشتهيه. فعانه هشام، فمرض ومات، فشهده هشام، وأجفل الناس في جنازته، فرآهم هشام فقال: إن أهل المدينة لكثير، فضرب عليهم بعثاً، أخرج فيه جماعة منهم، فلم يرجع منهم أحد،

стр. 3155

فتشاءم به أهل المدينة وقالوا: عان فقيهنا، وعان أهل بلدنا. توفي سالم سنة خمس ومئة: وقيل: سنة ست ومئة في آخرها، ووافق موته حج هشام، ثم قدم المدينة فصلى عليه. وقيل: توفي سنة سبع ومئة، وقيل: سنة ثمان ومئة. سالم بن عبد الله أبو عبيد الله المحاربي قاضي دمشق، من ساكني داريا، وكان من حملة القرآن وممن يحضر الدراسة في جامع دمشق. حدث عن سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " ما من عبدٍ يصرع صرعة مرضٍ إلا بعثه الله منها طاهراً ". سالم بن وابصة بن معبد الأسدي الرقي حدث سالم بن وابصة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : " إن شر هذه السباع هذه الأثعل ". قال مبشر أحد رواة هذا الحديث: وهذا الحرف تفاخر به أهل العربية لأن النبي ﷺ قاله وهو يعني الثعالب.

стр. 3156

وعن جعفر بن برقان قال: خطبنا سالم بن وابصة بالرقة على المنبر فذكر عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطبهم يوم عرفة فقال: " أيها الناس، إني لا أراني وإياكم نجتمع في هذا المجلس أبداً، فأي يوم هذا؟ قالوا: عرفة. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام. قال: فأي شهرٍ هذا؟ قالوا: الشهر الحرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. هل بلغت؟ اللهم اشهد ". كان سالم بن وابصة الأسدي رجلاً حليماً، وكان له ابن عم سفيه يحسده، ولم يكن يبلغ في الشرف مبلغه، فكان ينتقصه، فقال سالم ذلك لإخوانه وخاصته من بني عمه، فقال رجل منهم: تعهد أهله وولده بالصلة ودعه فإنه سيصلح. ففعل، فأتاه ابن عمه ذاك فقال له: أنت أحق الناس بما صنعت، وأنت أولى بالكرم مني، والله لا أعود لشيءٍ تكرهه أبداً مني. فقال سالم في ذلك: من البسيط ذو نيربٍ من موالي السوء ذو حسدٍ ... يقتات لحمي فما يشفيه من قرم كقنفذ الرمل ما تخفى مدارجه ... خب إذا نام عنه الناس لم ينم محتضناً ظرباناً ما يزايله ... يبدي لي الغش والعوراء في الكلم داويت قلباً طويلاً غمره قرحاً ... منه وقلمت أظفاراً بلا جلم بالرفق والحلم أسديه وألحمه ... بقياً وحفظاً لما لم يرع من رحمي كأن سمعي إذا ما قال محفظةً ... يصم عنها وما بالسمع من صمم

стр. 3157

حتى اطبى وده رفقي به ولقد ... أنسيته الحقد حتى عاد كالحلم فأصبحت قوسه دوني موترةً ... يرمي عدوي جهاراً غير مكتتم إن من الحلم ذلاً أنت عارفه ... والحلم عن قدرةٍ ضربٌ من الكرم سالم بن الزعيزعة مولى مروان بن الحكم وكاتبه وكاتب ابنه عبد الملك بن مروان، وكان على الرسائل لعبد الملك وولاه الحرس. حدث عن مكحول عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يقول لي: ما فعلت أبياتك؟ فأقول: أي أبياتي تريد؟ فإنها كثير، فيقول: في الشكر، فأقول: نعم بأبي وأمي، قال الشاعر: من الكامل ارفع ضعيفك لا يحربك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نما يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى إن الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف رثاً حبله واهي القوى قالت: فيقول: نعم يا عائشة، إذا حشر الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عباده اصطنع إليه عبدٌ من عباده معروفاً: فهل شكرته؟ فيقول: أي رب، علمت أن ذلك منك فشكرتك. فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريت ذلك على يديه.

стр. 3158

حدث أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم: أن مروان دعا أبا هريرة، فأقعده خلف السرير، فجعل يسأله، وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. وعن أبي الزعيزعة: أن مروان بعث معه إلى أبي هريرة بمئة دينار، فلما كان الغد قال له: اذهب فقل له: إنما أخطأت، وليس إليك بعث بها، وإنما أراد مروان أن يعلم أيمسكها أبو هريرة، أو يفرقها. قال: فأتيته، فقال: ما عندي منها شيء، ولكن إذا خرج عطائي فاقتصوها. قال سليمان بن عبد الملك لأبي الزعيزعة: هل أتخمت قط؟ قال: لا. قال: لم؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا رفقنا، ولا نكظ المعدة، ولا نخليها. سالم خادم ذي النون الإخميمي صحبه وحدث عنه قال: بينا أنا أسير مع ذي النون في جبل لبنان إذ قال لي: مكانك يا سالم، لا تبرح حتى أعود إليك. فغاب عني ثلاثة أيام، وأنا أتقمش من نبات الأرض وبقولها، وأشرب من غدر الماء، ثم عاد بعد ثلاث متغير اللون خائراً، فلما رآني ثابت إليه نفسه فقلت له: أين كنت؟ فقال: إني دخلت كهفاً من كهوف الجبل، فرأيت رجلاً أغبر أشعث نحيفاً نحيلاً، كأنما أخرج من حفرته، وهو يصلي، فلما قضى صلاته سلمت عليه، فرد علي، وقام إلى الصلاة، فما زال يركع ويسجد حتى قرب العصر. فصلى العصر، واستند إلى حجر المحراب يسبح. فقلت له: يرحمك الله توصيني بشيء، أو تدعو لي بدعوة. فقال: يا بني، آنسك الله بقربه. وسكت. فقلت: زدني. فقال: يا

стр. 3159

بني، من آنسه الله بقربه أعطاه أربع خصالٍ: عزاً من غير عشيرة، وعلماً من غير طلب، وغنًى من غير مال، وأنساً من غير جماعة. ثم شهق شهقةً فلم يفق إلى الغد، حتى توهمت أنه ميتٌ، ثم أفاق فقام وتوضأ، ثم قال: يا بني كم فاتني من الصلوات؟ قلت: ثلاث. فقضاها ثم قال: إن ذكر الحبيب هيج شوقي، وأزال عقلي. قلت: إني راجع فزدني. قال: حب مولاك، ولا ترد بحبه بديلاً: فإن المحبين لله هم تيجان العباد وزين البلاد. ثم صرخ صرخةً، فحركته فإذا هو ميت، فما كان إلا بعد هنيهةٍ إذا بجماعة من العباد منحدرين من الجبل. فصلوا عليه، وواروه، فقلت: ما اسم هذا الشيخ؟ قالوا: شيبان المجنون. قال سالم: فسألت أهل الشام عنه فقالوا: كان مجنوناً، هرب من أذى الصبيان. قلت: فهل تعرفون من كلامه شيئاً؟ قالوا: نعم، كلمةً، كان إذا خرج إلى الصحاري يقول: فإذا ما لم أجن بإلهي فبمن؟ وربما قال: فإذا ما لم أجن بك ربي فبمن؟. السائب بن أحمد بن حفص ابن عمر بن صالح بن عطاء بن السائب بن أبي السائب أبو عطاء القرشي المخزومي العماني من أهل البلقاء. حدث عن أبيه بسنده عن سحيم مولى بني زهرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يغزو هذا البيت جيشٌ، فيخسف بهم في البيداء ". السائب بن حبيش الكلاعي من أمراء دمشق، وكان على دواوين قنسرين في خلافة بني مروان. حدث عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قريةٍ دون حمص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة في قريةٍ زاد في حديث آخر: ولا بدو ولا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، عليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية. قال السائب: يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة.

стр. 3160

السائب بن عمر بن حفص ابن عمر بن صالح بن عطاء بن السائب بن أبي السائب المخزومي حدث عن جده حفص بن عمر بسنده عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان فقال لهم رسول الله ﷺ : ليسوا بشيء. قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً! فقال رسول الله ﷺ : " تلك الكلمة يخطفها الرجل من الجن فيقذفها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة ". السائب بن مهجان ويقال ابن مهجار من أهل إيلياء. حدث عن عمر بن الخطاب خطبته بالجابية، وأظنه شهدها. حدث السائب بن مهجان أو ابن مهجار من أهل إيلياء، وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ : أن أبا بكر الصديق ﵁ أول من جهز البعث إلى الشام فأدخل نعليه في ذراعه، فقالوا: ألا تلبس نعليك؟ قال: إني أحتسب في مشيي معكم الخير. فبعث أبا عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو عبيدة عليهم، فقال: لا تعصوا، ولا تغلوا، ولا تجبنوا، ولا تحرقوا نخلاً، ولا تعزقوه، ولا تعقروه بهيمةً أحشرتموها، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تهدموا صومعة، ولا تقتلوا صغيراً ولا عجوزاً، ولا شيخاً، وستجدون قوماً حبسوا أنفسهم في رؤوس الصوامع فاتركوهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون قوماً اتخذت الشياطين في أوساط رؤوسهم أفحاصاً فاقتلوهم. اللهم إني قد بلغت، ووعظت، وذكرت، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، سيروا على بركة الله، أحسن الله صحابتكم، وخلف على من تركتم بخير.

стр. 3161

وكان من قدر الله أن أبا بكر توفي واستخلف عمر بن الخطاب، وكان فتح الشام على يدي عمر، ولا علم لعمر بفتح الشام، ولا علم لأهل الشام بخلافة عمر. فلما بلغتهم خلافته قالوا: فظ غليظٌ شديد، ما هو لنا بملائم، وكرهوا خلافته. ثم بعثوا رجالاً إليه فقالوا: انظروا كيف عدله، وقربه، ولينه. فلما قدم عليه الوفد قالوا: السلام عليك يا خليفة خليفة رسول الله ﷺ . قال: وعليكم، من أين أقبلتم؟ قالوا: أقبلنا من الشام. قال: فكيف تركتم من وراءكم من أهل الشام؟ قالوا: تركناهم سالمين صالحين، لعدوهم قاهرين، لبيعتك كارهين، منك مشفقين. فرفع عمر يده إلى السماء فقال: اللهم، حببهم إلي وحببني إليهم. ثم سار إلى الشام بعد ذلك، فلما دخل الشام حمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ثم قال: " إن رسول الله ﷺ قام فينا خطيباً كمقامي فيكم فأمر بتقوى الله، وصلة الرحم، وصلاح ذات البين، وقال: عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون رجلٌ بامرأة، فإن الشيطان ثالثهم، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته فهو أمارة المسلم المؤمن، وأمارة المنافق الذي لا تسوءه سيئته، ولا تسره حسنته، إن عمر خيراُ لم يرج من الله في ذلك الخير ثواباً، وإن عمل شراً لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبةً، وأجملوا في طلب الدنيا، فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكل سيبين له عمله الذي كان عاملاً، استعينوا بالله على أعمالكم، فإنه يمحو " ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ". صلى الله على محمد ". هذه خطبة عمر بن الخطاب على أهل الشام، يأثرها عن رسول الله ﷺ .

стр. 3162

السائب بن يزيد بن سعيد ابن ثمامة بن الأسود بن عبد الله بن الحارث الولادة ابن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر ابن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة وهو عفير بن عدي بن الحارث أبو يزيد الكندي ابن أخت نمر له صحبةٌ، وحدث عن سيدنا رسول الله ﷺ . قال السائب بن يزيد: خرجت مع الصبيان إلى ثنية الوداع، نتلقى رسول الله ﷺ من غزوة تبوك. وحدث سفيان عن الزهري قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع من تبوك. وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار: أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب يعني ابن يزيد يسأله عن شيء رآه من معاوية في الصلاة فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي فقال لي: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن نبي الله ﷺ أمر بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج. حج السائب مع النبي ﷺ وهو ابن سبع سنين، وذهبت به خالته إلى النبي ﷺ وهو مريض، فمسح رأسه، ودعا له بالبركة، وتوضأ النبي ﷺ فشرب من وضوئه، ونظر إلى خاتمٍ بين كتفيه.

стр. 3163

ويقال: حج مع النبي ﷺ وعمره عشر سنين. وقيل: ولد في سنة ثلاث من الهجرة، ومات في سنة سبع وتسعين وهو ابن سبع وتسعين سنة. وقيل: مات وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان جلداً معتدلاً. وقال: علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ﷺ ، ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن ابن أختي شاكٍ فادع الله له. قال: فدعا لي. وقيل توفي سنة اثنتين وثمانين. وقيل: سنة إحدى وتسعين. حدث السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قام يصلي فقمت خلفه، فرأيت الخاتم بين كتفيه. وحدث السائب بن يزيد قال: رأيت النبي ﷺ قتل عبد الله بن خطل وأخرجوه من تحت أستار الكعبة، فضرب عنقه بين زمزم والمقام، ثم قال: لا يقتل قرشي بعد هذا صبراً. حدث عطاء مولى السائب قال: كان شعر السائب بن يزيد أسود من هامته إلى مقدم رأسه، وكان سائر رأسه مؤخره وعارضيه ولحيته أبيض، فقلت يوماً: ما رأيت أحداً أعجب شعراً منك! قال: فقال لي: أو لا تدري مم ذاك يا بني؟ إن رسول الله ﷺ مر بي وأنا ألعب مع الصبيان، فمسح يده على رأسي وقال: بارك الله فيك، فهو لا يشيب أبداً.

стр. 3164

قال ابن شهاب: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضياً ولا أبو بكر ولا عمر حتى قال عمر للسائب ابن أخت نمر: وجه عني بعض الأمر. حتى كان عثمان قال الزهري: بعض الأمور، وقال: يعني صغيرها. وعن ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أنه كان يعمل مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على عشور السوق في عهد عمر بن الخطاب، فكنا نأخذ من النبط نصف العشر مما تجروا به من الحنطة، فقال ابن شهاب: فحدثت به سالم بن عبد الله بن عمر فقال: لقد كان عمر يأخذ من القطنية العشور، ولكن إنما وضع نصف العشر يسترضي النبط للحمل إلى المدينة. وقيل: مات السائب سنة ثمانين. السائب بن يسار أبو جعفر المديني مولى بني ليث، المعروف بسائب خاثر، مغن معروف، وكان غنى صوتاً ثقيلاً فقالوا: هذا غناء خاثر غير ممذوق. فلقب خاثراً. كان منقطعاً إلى عبد الله بن جعفر، فنسب إلى ولائه، وكان عبد الله بن جعفر يخرج به إلى معاوية إذا خرج وغيره من القرشيين، فقال معاوية لعبد الله بن جعفر: هذا الرجل الذي لا يخلو من رقاعكم ومن حوائجكم، ترفعون اسمه في حوائجكم! أي شيءٍ صناعته؟ قال له عبد الله بن جعفر: إن شئت يا أمير المؤمنين أن يدخل عليك، حتى يسمعك بعض صناعته. فدخل على معاوية بن أبي سفيان، وهو على وسادة قد جلس عليها، فقال له عبد الله بن جعفر: أسمع أمير المؤمنين بعض ما عندك. قال: فأسمعه، فلما سمع بعض ذلك قال: قم، لا أقام الله رجليك، والله لقد كدت أن أقوم عن وسادتي. قيل: إن سائباً قتل يوم الحرة.

стр. 3165

سباع أبو محمد الموصلي الزاهد صحب المضاء بن عيسى الزاهد وجالسه. قال مضاء العابد لسباع العابد: يا أبا محمد، إلى أي شيء أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس به. وفي حديث آخر: قال له: يا أبا محمد، أي شيءٍ أفضى بهم إلى الزهد؟ قال: الأنس بالله. سبرة ويقال سمرة بن العلاء ابن الضخم الدمشقي حدث عن الزهري: أن أهل ذا الحليفة كانوا يجمعون مع النبي ﷺ وذلك على مسيرة أميالٍ من المدينة. سبرة ويقال سمرة بن فاتك الأسدي أخو خريم بن فاتك. له صحبة، شهد فتح دمشق، وهو الذي تولى قسمة المساكن بين أهلها بعد الفتح، فكان ينزل الرومي في العلو، وينزل المسلم في السفل لئلا يضر المسلم بالذمي. وقيل: إنه شهد بدراً. روى سمرة بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ : " الميزان بيد الله يرفع قوماً ويضع قوماً، وقلب ابن آدم بين اصبعين من أصابع الرب إذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه.

стр. 3166

روي عن أبي مطيع: سبرة بالباء. وعن سمرة بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ " نعم الرجل سمرة، لو أخذ من لمته وشمر من إزاره. قال: فذهب فأخذ من لمته وقصر من إزاره. وسمرة بن فاتك وأخوه خريم من بني أسد بن خزيمة بن مدركة. قال ابن سعد: الفاتك جده وهو خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك وهو القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة، وأخوه سبرة بن فاتك الأسدي. قال مروان بن الحكم لأيمن بن خريم: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً، وإنهما عهدا إلي ألا أذل أحداً يقول: لا إله إلا الله، فإن أنت جئتني ببراءةٍ من النار قاتلت معك. قال: فاخرج عنا. قال: فخرج وهو يقول: من الوافر ولست بقاتلٍ رجلاً يصلي ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيش أأقتل مسلماً في غير جرمٍ ... فليس بنافعي ما عشت عيشي وعم أيمن هو سبرة. وليس يعده أهل المغازي فيمن شهد بدراً. قال ابن عائذ: مر سبرة بن فاتك الأسدي بأبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: إن مع سبرة نوراً من نور محمد ﷺ . قال ابن عائذ: ولقد رأيت سبرة بن فاتكٍ سابه رجل، فتحرج سبرة عن سبه، وكظم غيظه حتى رأيته يبكي من الغيظ.

стр. 3167

وعن سمرة بن فاتك الأسدي قال: ما أحب أن امرأتي أصبحت نفساء بغلام، ولا أن فرسي أصبحت تعطف على مهرةٍ، ولوددت أنه لا يأتي علي يومٌ إلا عدا علي فيه قرني من المشركين عليه لأمته إن قتلني قتلني، وإن قتلته عدا علي مثله ما بقيت. سبرة بن معبد ويقال ابن عوسجة ابن حرملة بن سبرة بن خديج بن مالك بن عمرو بن ذهل بن ثعلبة بن رفاعة بن نصر بن سعد ابن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة أبو ثرية الجهني. له صحبة، وكان رسول علي ﵁ إلى معاوية بعد قتل عثمان، يطلب بيعته من المدينة. روى سبرة: أن النبي ﷺ نهى عن المتعة عام الفتح. وروى سبرة قال: قال النبي ﷺ : " ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم ". وعن سبرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالتمتع من النساء عام الفتح بمكة. قال: فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم حتى وجدنا جارية من بني عامر كأنها بكرة عيطاء، فخطبناها إلى نفسها وعرضنا عليها بردينا، فجعلت تنظر فتراني أشب وأجمل من صاحبي، وترى برد صاحبي أجود وأحسن من بردي، فوامرت نفسها ساعة، ثم اختارتني على صاحبي. فكن معنا ثلاثة أيام، ثم أمرنا نبي الله ﷺ أن نفارقهن.

стр. 3168

وفي حديث آخر: ثم إن رسول الله ﷺ قال: " من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها ". قالوا: وكان رسول علي إلى أبي موسى معبدٌ الأسلمي، وكان رسول علي إلى معاوية سبرة الجهني، فقدم عليه فلم يكتب معاوية معه بشيء، ولم يجبه، ورد رسوله، وجعل كلما تنجز جوابه لم يزد على قوله: من البسيط أدم إدامة حصنٍ أو خذن بيدي ... حرباً ضروساً تشب الجزل والضرما في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيبت الأصداغ واللمما أعيا المسود بها والسيدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولىً ولا حكما وجعل الجهني كلما تنجز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات وذكر قصة. وتوفي سبرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. سبكتكين بن عبد الله أبو منصور التركي أمير دمشق من قبل المستنصر ويعرف بتمام الدولة، ولي دمشق في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، ومات بها في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة وهو أميرها. حدث عن الحسن بن محمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: حضر النبي ﷺ جنازةً فقال: " على صاحبكم دينٌ؟ قالوا: نعم. قال: صلوا عليها. قال علي: علي الدين يا رسول الله فصل عليها. قال: فك الله رهانك يا علي كما فككت رهان أخيك في الدنيا، من فك رهان أخيه في الدنيا فك الله رهانه يوم القيامة. فقال رجل: يا رسول الله، لعلي خاصةً أم للناس عامةً؟ فقال: بل للناس عامةً.

стр. 3169

كان عبد العزيز يقرأ يوماً على سبكتكين هذا، فقال: رضي الله عنك وعن والديك. فقال: لا تقل ذلك فإن والدي كانا كافرين. ثم إنه نسي فقال له ذلك مرةً أخرى، فقال: ألم أقل لك لا تقل ذلك؟ أو كما قال. سبيع بن المسلم بن علي بن هارون أبو الوحش المقرىء الضرير، المعروف بابن قيراط حدث في سن خمس وخمس مئة عن رشأ بن نظيف بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أحبوا العرب لثلاثٍ: لأني عربيٌّ، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي. " وحدث أبو الوحش أيضاً عن أبي علي الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد الأهوازي بسنده إلى أبي بكر محمد بن عزيز السجستاني قال: وفسر الأعشى أوزار الحرب بقوله: من المتقارب وأعددت للحرب أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا ومن نسج داود تحدى بها ... على أثر الحي عيراً فعيرا ولد أبو الوحش سنة تسع عشرة وأربع مئة، وتوفي سنة ثمانٍ وخمس مئة. سحيم بن المهاجر من سكان طرابلس، وولي إمرتها في أيام عبد الملك بن مروان، وولاه الوليد غزو البحر، وكتب إليه عبد الملك أن يكيد بعض الروم. كان طاغية الروم لما رأى ما صنع الله للمسلمين منعة مدائن الساحل كاتب أنباط

стр. 3170

جبل لبنان، واللكام فخرجوا جراجمة فعسكروا بالجبل، ووجه طاغية الروم قلقط البطريق في جماعة من الروم في البحر، فسار بهم حتى أرسى بهم بوجه الحجر، وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل لبنان، وبث قواده في أقصى الجبل حتى بلغ أنطاكية وغيرها من الجبل الأسود، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل حتى لم يكن أحد يقدر يخرج في ناحية من رجا ولا غيرها إلا بالسلاح. ثم إن الجراجمة غلبت على الجبال كلها من لبنان وسنير وجبل الثلج وجبال الجولان، فكانت باسبل مسلحةً لنا في الرقاد وعقرباء الجولان مسلحة حتى جعلوا ينادون عبد الملك بن مروان من جبل المران من الليل، حتى بعث إليهم عبد الملك بالأموال ليكفوا حتى يفرغ لهم، وكان مشغولاً بقتال أهل العراق ومصعب بن الزبير وغيره. ثم كتب عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر في مدينة طرابلس يتواعده ويأمره بالخروج إليهم، فلم يزل سحيم ينتظر الفرصة منهم ويسأل عن خبرهم وأمورهم حتى بلغه أن قلقط في جماعة من أصحابه في قرية من قرى الجبل، فخرج سحيم في عشرين رجلاً من جلداء أصحابه، قد تهيأ بهيئة الروم في لباسه وهيئته وشعره وسلاحه متشبهاً ببطريق من بطارقة الروم قد بعثه ملك الروم إلى جبل اللكام في جماعة من الروم يغلب على ما هنالك، فلما دنا من القرية خلف أصحابه وقال: انتظروني إلى مطلع كوكب الصبح. فدخل على قلقط وأصحابه وهم في كنيسة يأكلون ويشربون، فمضى إلى مقدم الكنيسة فصنع ما يصنعه النصارى من الصلاة والقول عند دخولها كنائسها، ثم جلس إلى قلقط فقال له: من أنت؟ فانتمى إلى الرجل الذي يتشبه به فصدقه وقال له: إنني إنما جئتك لما بلغني من جهاز سحيم وما اجتمع به من الخروج إليك لأخبرك به وأكفيك أمره إن أتاك، ثم تناول من طعامهم، ثم

стр. 3171

قال لقلقط وأصحابه: إنكم لم تأتوا ههنا للطعام والشراب. ثم قال لقلقط: ابعث معي عشرة من هؤلاء من أهل النجدة والبأس حتى نحرسك الليلة، فإني لست آمن أن يأتيك ليلاً فبعث معه عشرة وأمرهم بطاعته، فخرج بهم إلى أقصى القرية. وقام بهم على الطريق الذي يتخوفون أن يدخل عليهم منه، فأقام حارساً منهم وأمر أصحابه فناموا، وأمر الحارس إذا هو أراد النوم أن يوقظ حارساً منهم وينام هو. فحرس الأول ثم أقام الثاني، ثم قام سحيم الثالث، ثم قال: أنا أحرس فنم. فلما استقلوا نوماً قتلهم بذبابة سيفه رجلاً رجلاً، فاضطرب التاسع فأصاب العاشر برجله، فوثب إلى سحيم، فاتحدا، وصرعه الرومي وجلس على صدره، واستخرج سحيم سكيناً في خفه فقتله بها، ثم أتى الكنيسة فقتل قلقط وأصحابه رجلاً رجلاً، ثم خرج إلى أصحابه العشرين فجاء بهم فأراهم قتله من قتل من الحرس وقلقط ومن في الكنيسة، ووضعوا سيوفهم في من بقي، فنذر بهم من بقي منهم، وخرجوا هراباً حتى أتوا سفنهم بوجه الحجر، ولحقوا بأرض الروم، ورجع أنباط جبل لبنان إلى قراهم. سديف بن ميمون المكي الشاعر. مولى أبي لهب. حدث عن محمد بن علي قال: وما رأيت محمدياً قط يشبهه أو قال: يعدله قال: حدثنا جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ فسمعته وهو يقول: " من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً. قال: قلت: يا رسول الله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ فقال: نعم، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، إنما احتجز بذلك من سفك دمه وأن يؤدي الجزية عن يدٍ وهو صاغر، ثم قال: إن الله علمني أسماء أمتي كلها كما علم آدم الأسماء كلها، ومثل لي أمتي في الطين فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته. قال حنان أحد رواة هذا الحديث: فدخلت مع أبي على جعفر بن محمد فحدثه أبي بهذا الحديث، فقال جعفر بن محمد: ما منت أرى أن أبي أحدث بهذا الحديث أحداً؟

стр. 3172

قدم على المنصور مولى له يقال له سديف، وكان شديد السواد أعرابياً بدوياً، فنظر إلى رجل من بني أمية في مجلس المنصور فعرفه فقال: والله يا أمير المؤمنين إن هذا لذو وثب وكمين خب، يلحظك بعين العدو، ويطلبك بذخل الوتر. فتكلم الأموي فقال له سديف: أفلت نجومك، وحان أجلك، يا أمير المؤمنين، أطف شعلة طبه وشهاب كلبه. فقال الأموي: أصبحنا ما بحمد الله نتخوف بادرة غضبه، ولا شوكة مخلبه، وقد قل به الجور بعد كثرته، وكثر به العدل بعد قلته، فقال سديف: يا أمير المؤمنين، دونكه قبل أن ينصب لك شباك حيله وأشراك دغله فإنه الذي كدمنا بأعضله، وكلمنا بكلكله. فقال الأموي: قد والله رفع الله أمير المؤمنين عن خلف الوعد ونقض العهد، هذا أمان ليس لك علي فيه سلطانٌ بيد ولا لسان، فاكفف عني أيها الوغد الوضر. فقال له المنصور: اكفف يا سديف، وأخبرني هل أطرفتنا بشيء من شعرك؟ قال: لقد أطرفتك بسبائك ذهبٍ، ودر نظمٍ، وجوهر عقيان، فصلتهن لك بزبرجدٍ منضودٍ في سلك معقود لتعرف أني ناصح الجيب أمين الغيب، فأنشده أبياتاً يحرضه على الأموي، فما فرغ من إنشادها حتى دعا بالأموي فقتله والأبيات: من البسيط يا راتق الفتق من جلباب دولته ... ومن سنا قلبه مستيقظٌ عادي إني ومن أين لي في كل منزلةٍ ... مولى كأنت لإبراقٍ وإرعاد أو مثل بحرك بحرٌ لا يزال به ... ريان مرتحل أو واردٌ صادي لا تبق من عبد شمسٍ حيةً ذكراً ... تسعى إليك بإرصادٍ وإلحاد جدد لهم رأي عزم منك مصطلمٍ ... يكبون منه عباديداً على الهاد ولا تقيلن منهم عثرةً أحداً ... فكلهم وفتاهم حية الوادي وهل يعلم هماً جمزةً حدثٌ ... عبدٌ ومولاه نحريرٌ بها هادي آليت لو أن لي بالقوم مقدرةً ... لما بقي حاضرٌ منهم ولا بادي ولم يزل سديف يطلب ولد بسر بن أبي أرطأة حتى ظفر بابنين له بساحل دمشق،

стр. 3173

فقتلهما لقتل بسر جدهما ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب باليمن، لما بعثه معاوية أميراً عليها بعد قتل عثمان. وروي عن سديف مولى اللهبيين أنه كان يقول: اللهم، قد صار فيئنا دولةً بعد القسمة، وإمارتنا غلبةً بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة، اللهم، وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهيته، واجتمع طريده، اللهم، فأتح له يداً من الحق حاصدةً تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورته وأتم نوره. حدث محمد بن داود العباسي وكان أمير مكة قال: لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة مال إليه سديف وبايعه، وكان من خاصته، وجعل يطعن على أبي جعفر ويقول فيه، ويمتدح بني علي ويتشيع لهم. قال: فقال يوماً، ومحمد بن عبد الله على المنبر وسديف عن يمين المنبر يقول ويشير بيده إلى العراق يريد أبا جعفر: من الكامل أسرفت في قتل البرية جاهداً ... فاكفف يديك أطلها مهديها فلتأتينك غارةٌ حسنيةٌ ... جرارةٌ يحتثها حسنيها ويشير إلى محمد بن عبد الله: حتى يصبح قريةً كوفيةً ... لما تغطرس ظالماً حرميها قال: فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: قتلني الله إن لم أسرف في قتله. قال: فلما قتل عيسى بن موسى محمد بن عبد الله بن حسن بعث أبو جعفر إلى عمه عبد الصمد بن علي، وكان عامله على مكة، إن ظفر بسديف أن يقتله. قال: فظفر به علانيةً على

стр. 3174

رؤوس الناس، وكان يحفظ له ما كان من مدائحه إياهم قبل خروجه، فقال له: ويحك يا سديف ليس لي فيك حيلة، وقد أخذتك ظاهراً على رؤوس الناس، ولكني أعاود فيك أمير المؤمنين. فكتب إلى أبي جعفر يخبره بأمره، فكتب إليه يأمره بقتله، فجعل يدافع عنه ويعاوده في أمره، فكتب إليه: والله لئن لم تقتله لأقتلنك، ولا يغرنك قولك: أنا عمه. فدافع بقتله حتى حج المنصور، فلما قرب من الحرم أخرج عبد الصمد سديفاً من الحرم فضرب عنقه، ثم خرج للقاء المنصور، فلما لقيه دنا منه، وهو في قبته، فسلم عليه، فقال له أبو جعفر من قبل أن يرد ﵇: ما فعلت في أمر سديف؟ قال: قتلته يا أمير المؤمنين. قال: وعليك السلام يا عم، يا غلام أوقف. فأوقف، ثم أمره فعادله. وذكر أبو بكر البلاذري بسنده عن علي بن صالح قال: كان سديف مائلاً إلى المنصور، فلما استخلف وصله بألف دينار، فدفعها إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن معونة له، فلما قتل محمد صار مع أخيه إبراهيم بالبصرة، حتى إذا قتل إبراهيم أتى المدينة، فاستخفى بها، فيقال: إنه طلب له الأمان من عبد الصمد بن علي وهو واليها، فأمنه، وأحلفه أن لا يبرح من المدينة، وقدم المنصور المدينة فقيل له: هذا سديف رأيناه ذاهباً وجائياً. فبعث في طلبه، وأخذ عبد الصمد بن أشد أخذٍ ووجد عليه في أمره، فلما أتي بسديف أمر به فجعل في جوالق، ثم خيط عليه، وضرب بالخشب حتى كسر، ثم رمي به في بئر وبه رمقٌ حتى مات. سراقة بن مرداس الأزدي البارقي شاعر من شعراء العراق. قدم دمشق في أيام عبد الملك هارباً من المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان قد هجاه، ثم رجع إلى العراق مع بشر بن مروان. وكان بينه وبي جرير مهاجاة قال أبان بن عثمان البجلي الكوفي: كان سراقة البارقي شاعراً ظريفاً تحبه الملوك، وكان قاتل المختار، فأخذه أسيراً، فأمر

стр. 3175

بقتله فقال: والله لا تقتلني حتى تنقض دمشق حجراً حجراً. فقال المختار لأبي عمرة: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: من أسرك؟ قال: قومٌ على خيلٍ بلق، عليهم ثيابٌ بيضٌ لا أراهم في عسكرك. قال: فأقبل المختار على أصحابه فقال: إن عدوكم يرى من هذا ما لا ترون، قال: إني قاتلك؟ قال: والله يا أمين آل محمد، إنك تعلم أن هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه. قال: ففي أي يومٍ أقتلك؟ قال: يوم تضع كرسيك على باب مدينة دمشق، فتدعو بي يومئذٍ، فتضرب عنقي. فقال المختار لأصحابه: يا شرطة الله، من يذيع حديثي؟ ثم خلى عنه فقال سراقة وكان المختار يكنى أبا إسحاق: من الوافر ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهماً مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... علي هجاءكم حتى الممات أري عيني ما لم تر أياه ... كلانا عالمٌ بالترهات ثم قدم سراقة بعد ذلك العراق مع بشر بن مروان، وكان بشرٌ من فتيان قريش سخاء ونجدة، وكان ممدحاً، فمدحه جرير، والفرزدق، والأخطل، وكثيرٌ، وأعشى بني شيبان، وكان يغري بين الشعراء، وهو أغرى بين جرير والأخطل، فحمل سراقة على جرير حتى هجاه، وهجاه جرير أيضاُ بأبيات، ثم نزعا، فمر جرير بسراقة بمنًى والناس مجتمعون على سراقة وهو ينشد، فجهره جماله، واستحسن نشيده، قال: من أنت؟ قال: بعض من أخزى الله على يديك. قال: أما والله لو عرفتك لوهبتك لظرفك. سرج اليرموكي روي عنه أنه قال: أجد في الكتاب أو في هذه الأمة اثني عشر ربياً نبيهم أحدهم، فإذا وفت العدة طغوا وبغوا وكان بأسهم بينهم.

стр. 3176

السري بن المغلس أبو الحسن البغدادي السقطي الصوفي أحد الزهاد. قدم دمشق. حدث عن علي بن غراب عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرني أبي قال: لما اشتكى رسول الله ﷺ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قال: فصلى بهم، فوجد رسول الله ﷺ خفةً فخرج، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه رسول الله ﷺ ، ثم ذهب النبي ﷺ ، حتى جلس إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر، أبو بكر قائمٌ ورسول الله ﷺ قاعدٌ. وحدث السري عن مروان بن معاوية بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: " لا يجالسني اليوم قاطع رحمٍ ". فقام فتًى من الحلقة فأتى خالةً له قد كان بينهما بعض الشيء، فاستغفر لها واستغفرت له، ثم عاد إلى المجلس فقال رسول الله ﷺ : " إن الرحمة لا تنزل على قوم بينهم قاطع رحم ". وحدث سري بسنده عن الحسن أنه سمعه يقول: ابن آدم، إنك لو تجد حقيقة الإيمان ما كنت تعيب الناس بعيبٍ هو فيك حتى تبدأ بذلك العيب من نفسك فتصلحه، فلا تصلح عيباً إلا ترى عيباً آخر، فيكون شغلك في خاصة نفسك، وذلك أحب ما يكون إلى الله إذا كنت كذلك. وعن سري السقطي: أنه مرت به جارية معها إناء فيه شيءٌ، فسقط من يدها فانكسر، فأخذ سريٌّ شيئاً من دكانه فدفعه إليها بدل ذلك الإناء، فنظر إليه معروف الكرخي فأعجبه ما صنع، فقال له معروف: بغض الله إليك الدنيا. وكان سري خالد الجنيد وأستاذه، وكان تلميذ معروف الكرخي، وكان أوحد زمانه في الورع والأحوال السنية وعلوم التوحيد. وكان السري به أدمة. قال سري السقطي: هذا الذي أنا فيه من بركات معروف: انصرفت من صلاة العيد فرأيت مع معروف

стр. 3177

صبياً شعثاً، فقلت: من هذا؟ فقال: رأيت الصبيان يلعبون وهذا واقف منكسرٌ، فسألته لم لا تلعب؟ قال: أنا يتيم. قال سري: فقلت له: ما ترى أنك تعمل به؟ فقال: لعلي أخلو فأجمع له نوىً يشتري به جوزاً يفرح به. فقلت له: أعطنيه أغير من حاله. فقال لي: أو تفعل؟ فقلت: نعم، فقال لي: خذه أغنى الله قلبك. فسويت الدنيا عندي أقل من كذا. وفي حديث آخر بمعناه: فقال: اكس هذا اليتيم. قال سري: فكسوته، ففرح به معروف وقال: بغض الله إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه. فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إلي من الدنيا. قال السري: التوبة على أربع دعائم: استغفار باللسان، وندم القلب، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود فيه. قال الجنيد: سمعت الحسن البزاز يقول: كان أحمد بن حنبل ههنا، وكان بشر بن الحارث ههنا، وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما، ثم إنهما ماتا وبقي السري، وإني أرجو أن يحفظنا الله بالسري. كان أبو حمدون المقرىء يقول: رجلٌ يعيد صلاةً أربعين سنة يتكلم فيه؟! يعني سري بن مغلس. قال الجنيد: كان السري يقول لنا ونحن حوله: أنا لكم عبرة يا معشر الشباب، اعملوا، فإنما العمل في الشبيبة. قال سري السقطي: لا يقوى على ترك الشهوات إلا بترك الشهوات.

стр. 3178

قال الجنيد: سمعت السري يقول: إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين أو أربعين سنة أو أغمس جزرة في دبس فما أطعمتها. وفي حديث بمعناه: وآكلها فما تصح لي. وقال: أشتهي بقلاً منذ ثلاثين سنة ما أقدر عليه. وقال: إني لاشتهي الحندقوق منذ ست عشرة سنة والهندباء بخلٍّ منذ ثمان عشرة سنة، وإني لأعجب ممن يتسع كيف يطلق له الاتساع، وهذا عبد الواحد بن زيد يقول: الملح بشبارجات، وإن بلية أبيكم آدم لقمةٌ، وهي أخرجته من الجنة، وهي بليتكم إلى أن تقوم الساعة. قال سري السقطي: أتاني حسين الجرجاني إلى عبادان فدق علي باب الغرفة التي كنت فيها فخرجت إليه فقال لي: سري؟ فقلت: سري. فقال لي: ملحك مدقوقة؟ قلت: نعم، قال: لا تفلح. ثم قال: سري، لولا أن الله تعالى عقم الآذان عن فهم القرآن ما زرع الزارع، ولا تجر التاجر، ولا تلاقى الناس في الطرقات، ثم مضى فأتعبني وأبكاني. قال الجنيد بن محمد: ذكر السري بن مغلس يوماً، وأنا أسمعه، السواد فكرهه يعني كره الأكل من السواد أو أن يملك فيها أحد وكان يشدد في ذلك ولا يأكل من بقل السواد، ولا من ثمره. ولا من شيء يعلم أنه منه، ما أمكنه، فرأيت رجلاً يوماً وقد أهدى إليه خرنوباً وقثاء برياً حمله له من أرض الجزيرة فقبله منه. ورأيته قد سر به، وكان يشدد في الورع.

стр. 3179

وكان سري يقول: أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعةٌ، ولا لمخلوق علي فيها منة، فما أجد إلى تلك سبيلاً. قال ابن أبي الورد: دخلت علي سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسورٌ، فقلت له: ما بالك؟ قال: انكسر الدورق، فقلت: أنا أشتري لك بدله. فقال لي: تشتري بدله! وأنا أعرف من أين الدانق الذي اشتري به الدورق، ومن أين طينه، وإيش أكل عامله حتى فرغ من عمله؟ قال السري: رجعت مرة من بعض المغازي فرأيت في طريقي قفيزاً مملوءاً ماءً صافياً وحوله عشب من حشيش، فدنوت فقلت في نفسي: يا سري، إن كنت يوماً أكلت أكلة حلالٍ وشربت شربة حلالٍ فاليوم. فنزلت عن دابتي فأكلت من ذلك الحشيش، وشربت من ذلك الماء، فهتف بي هاتف، سمعت الصوت، ولم أر الشخص: يا سري بن المغلس، فالنفقة التي بلغتك إلى ههنا من أين هي!؟ وفي حديث آخر: فعلمت أني في لا شيء. قال سري بن المغلس: اتصل من اتصل بالله أربعة، وانقطع من انقطع عن الله بخصلتين، فأما الأربع التي اتصل بها المتصلون فلزوم الباب، والتشمير في الخدمة، والنظر في الكسرة، وصيانات الكرامات إذا وهب لك شيئاً لا يحب أن يطلع عليه غيره. وأما الخصلتان اللتان انقطع بهما المنقطعون فتخط إلى نافلة بتضييع الفريضة، والثانية عمل بظاهر الجوارح ولم يعط عليه صدق القلوب. قال سري بن مغلس: أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفاف الطعمة، وحسن الخليقة.

стр. 3180

قال سري: خمس من أخلاق الزهاد: الشكر على الحلال، والصبر عن الحرام، ولا يبالي متى مات، ولا يبالي من أكل الدنيا، ويكون الفقر والغنى عنده سواء. قال السري: كل الدنيا فضول إلا خمس: خبز يشبعه وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنه، وعلم يستعمله. قال أبو العباس السراج: سألت إبراهيم بن السري السقطي: كيف كان يأكل من مالكم؟ قال: كان يقول: آكل من مالكم بقدر ما يحل لي من الميتة. قال السري: منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار عن قولي: الحمد لله، مرة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني واحد فقال لي: نجا حانوتك. فقلت: الحمد لله. فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت حيث أردت لنفسي خيراً مما للمسلمين. قال الجنيد: سمعت السري يقول: أعرف طريقاً مختصراً قصداً إلى الجنة، فقلت له: ما هو؟ فقال: لا تسأل من أحد شيئاً. ولا تأخذ من أحد شيئاً، ولا يكون معك شيء تعطي أحداً. قال: وسمعته يقول: إني لأعراف طريقاً يؤدي إلى الجنة قصداً. فقيل له: ما هو يا أبا الحسن؟ قال: أن تشتغل بالعبادة، وتقبل عليها وحدها فلا يكون فيك فضل. قال الجنيد: سمعت بعض المؤمنين يقول يعني سرياً: ما بدت لي من الدنيا زهرةٌ إلا جددت لي من الدنيا عزوفاً.

стр. 3181

قال سري السقطي لإبراهيم البنا: يا بنا، ليس من زهد في الدنيا تقذراً مثل من زهد في الدنيا تصبراً. كان السري يقول: لولا الجمعة والجماعات لطينت علي الباب. قال سري السقطي: إني أذكر مجيء الناس إلي فأقول: اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني، فإني لا أريد مجيئهم أن يدخلوا علي. قال سري: من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدةٍ. وقال مرة أخرى: فإن هذا زمان وحشةٍ. والعاقل من اختار فيه الوحدة. قال الجنيد: سمعت السري السقطي يقول: اجتهد في الخمول فإن أحوالك تشهرك بين أوليائه إذا صح مقامك فيها. قال الجنيد: سمعت سري السقطي يقول، وسئل عن التصوف فقال: الإعراض عن الخلق، وترك الاعتراض على الحق. قال الجنيد: ما رأيت أعبد لله من السري السقطي، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في علة الموت. قال سري: استأذن علي رجلٌ فأذنت له، فجاء فوقف بباب الغرفة قائماً ينظر، وفي زاوية الغرفة محبرة، قال: فقلت له: ادخل. قال: فقال: لا جزى الله من غرني فيك خيراً. قال: فقلت له: ويحك! ولم؟ قال: ما تلك الموضوع في تلك الزاوية؟ ثم انصرف وتركني. وفي حديث آخر بمعناه: قال: محبرة!؟ إنما ذه في بيوت البطالين.

стр. 3182

قال السري: اليقين أن لا تهتم لرزقك الذي قد كفيته وتغفل عن عملك الذي قد أمرت به، فإن اليقين يسوق إليك الرزق سوقاً. قال الجنيد: سمعت السري يقول: إن الله سلب الدنيا عن أوليائه. وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنه لم يرضها لهم. قال الجنيد: سمعت السري السقطي يقول: صليت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سري! كذا تجالس الملوك؟ قال: فضممت رجلي، وقلت: وعزتك لا مددتها أبداً. قال الجنيد: فبقي بعد ذلك ستين سنة ما مد رجله ليلاً ولا نهاراً. قال سري السقطي: غزوت راجلاً فنزلت خربةً للروم، فألقيت نفسي على ظهري، ورفعت رجلي على جدار، فإذا هاتفٌ يهتف بي: يا سري بن مغلس! هكذا تجلس العبيد بين يدي أربابها؟ قال الجنيد: سمعت السري بن المغلس، وقد ذكر الناس فقال: لا تعمل لهم شيئاً، ولا تترك لهم شيئاً، ولا تعط لهم شيئاً، ولا تكشف لهم شيئاً. قال الجنيد: يريد بهذا القول تكون أعمالك كلها لله وحده. قال: وسمعت السري يقول: لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي قلت: كذا بلحيتي وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار. قال: وسمعت السري يقول: إنما أذهب أكثر أعمال القراء العجب وخفي الرياء أو كلام نحو هذا. وقال السري: عملٌ قليل في سنةٍ خيرٌ من كثير في بدعة، كيف يقل عملٌ مع التقوى؟

стр. 3183

قال سري: الأمور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه وكله إلى الله ، وليكن الله دليلك، واجعل فقرك إليه تستغن به عمن سواه. قال سري: من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله. قال الجنيد: سمعت السري يقول: أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد. فقيل له: ولم ذلك؟ فقال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح. قال: وسمعت سرياً يقول غير مرة: ما أعرف أحداً أقدر أن أقول: إني أحسن عاقبةً منه. قال: وسمعته يقول: ما أرى أن لي فضلاً على أحد. فقيل له: ولا على هؤلاء المخنثين؟ فقال: ولا على هؤلاء المخنثين. قال: وسمعته يقول: إني لأنظر في أنفي كل يوم مراراً مخافة أن يكون وجهي قد اسود. قال علان الخياط: وجرى ذكر مناقب سري السقطي، قال: كنت جالساً مع سري يوماً، فوافته امرأة فقالت: يا أبا الحسن، أنا من جيرانك، أخذ ابني الطائف البارحة، وكلم ابني الطائف، وأنا أخشى أن يؤذيه، فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه. قال علان: فتوقعت أن يبعث إليه. فقام، فكبر وطول في صلاته، فقالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله في هو ذا أخشى أن يؤذيه السلطان، فسلم، وقال لها: أنا في حاجتك. قال علان: فما برحت حتى جاءت امرأة إلى المرأة فقالت: الحقي، قد خلو ابنك.

стр. 3184

قال أبو الطيب: قال لي علان: وإيش يتعجب من هذا؟ اشترى منه كر لوزٍ بستين ديناراً، وكتب في رزمانجه ثلاثة دنانير ربحه، فصار اللوز بتسعين ديناراً، فأتاه الدلال وقال له: إن ذلك اللوز أريده. فقال له: خذه. قال: بكم؟ قال بثلاثة وستين ديناراً. فقال له الدلال: إن اللوز قد صار الكر بتسعين. قال له: قد عقدت بيني وبين الله عقداً لا أحله، ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين ديناراً. فقال له الدلال: إني قد عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلماً، لست آخذه منك إلا بتسعين، فلا الدلال اشترى منه، ولا سري باعه. قال أبو الطيب: قال لي علان: كيف لا يستجاب دعاء من كان هذا فعله؟ قال الجنيد: دخلت على السري يوماً فقال: لي عصفورٌ كان يجيء كل يوم فأفت له الخبز فيأكل من يدي، فنزل وقتاً من الأوقات فلم يسقط على يدي، فتذكرت في نفسي أي شيءٍ السبب، فذكرت أني أكلت ملحاً بأبزار، فقلت في نفسي: لا آكل بعدها، وأنا تائب منه. فسقط على يدي فأكل. وفي حديث آخر بمعناه: ففكرت في سري: ما العلة في وحشته مني؟ فوجدتني قد أكلت ملحاً طيباً، فقلت في نفسي: أنا تائب من الملح الطيب. فسقط على يدي فأكل وانصرف. قال أبو محمد الجريري: دخلت يوماً على سري السقطي وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت لي: يا أبه، هذه الليلة حارةٌ، وهذا الكوز فيه ماء، هو ذا أعلقه ههنا، فإذا برد فاشربه. قال: فعلقته، وقمت إلى أمر كنت أقوم إليه، فحملتني عيناي فنمت، فرأيت كأن جارية من أحسن الخلق نزلت من السماء، وإذا الدنيا قد أشرقت لحسن وجهها، وعليها قميص فضة يتخشخش، وكأني أقول لها: لمن أنت يا جارية؟ قالت: أنا

стр. 3185

لمن لا يشرب الماء البارد في الكيزان. قال: وتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته ثم قالت: سري يدعي المحبة ويشرب الماء البارد في الكيزان، هذا محال. قال: فرأيت الخزف المكسور في غرفته لم يشله ولم يمسه حتى عفا عليه التراب. وفي حديث آخر: وتناولت القلة بيدها فضربت بها على الأرض فكسرتها. قال سري: أصبر الناس من صبر على الحق. قال الجنيد: بت ليلة عند السري، فلما كان في بعض الليل قال لي: يا جنيد، أنت نائم؟ قلت: لا. قال: الساعة أوقفني الحق بين يديه وقال: يا سري، تدري لم خلقت الخلق؟ قلت: لا. قال: خلقت الخلق فادعوا كلهم في، وادعوا محبتي. فخلقت الدنيا فاشتغلوا بها من عشرة آلافٍ تسعة آلاف، وبقي ألفٌ، فخلقت الجنة فاشتغل من الألف تسع مئة بالجنة، وبقيت مئةٌ، فسلطت عليهم شيئاً من البلاء فاشتغل عني بالبلاء من المئة تسعون، وبقيت عشرةٌ فقلت لهم: ما أنتم! لا الدنيا أردتم، ولا في الجنة رغبتم، ولا من البلاء هربتم. فقالوا: وإنك لتعلم ما نريد. فقال: إني أنزل بكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال الرواسي، أفتثبتون لذلك؟ قالوا: ألست أنت الفاعل بنا؟ قد رضينا. قلت: فأنتم عبيدي حقاً. قال الجنيد: سمعت السري يقول: اللهم، مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب. قال الجنيد: سألني السري يوماً عن المحبة فقلت: قال قومٌ: هي الموافقة. وقال قوم: الإيثار. وقال قوم: كذا وكذا. فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها، فلم تمتد، ثم قال: وعزته لو قلت إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت، ثم غشي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق.

стр. 3186

قال الجنيد: كنت يوماً عند السري، وكنا جالسين، وهو متزرٌ بمئزرٍ، فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيمٍ دنفٌ مضنى كأجهد ما يكون، فقال: انظر إلى جسدي هذا! لو شئت أن أقول: إن ما بي هذا من المحبة كان كما أقول. وكان وجهه أصفر، ثم أشرق حمرةً حتى تورد، ثم اعتل، فدخلت عليه أعوده، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: من الخفيف كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي فأخذت المروحة أروحه، فقال لي: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟ ثم أنشأ يقول: من البسيط القلب محترقٌ والدمع مستبق ... والكرب مجتمعٌ والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والعشق والقلق يا رب إن كان شيءٌ فيه لي فرجٌ ... فامنن علي به ما دام بي رمق قال الجنيد: قال لي ليلة السري بين المغرب وعشاء الآخرة: احفظ عني هذا الكلام. ثم قال: الشوق والوله يترفرفان على القلب، فإن وجدا فيه الحياء والأنس أوطنا، وإلا رحلا. احفظ هذا الكلام يا غلام لئلا يضيع. وقال في حديث آخر: احفظ عني يا غلام، إن المعرفة ترفرف على القلب، فإن كان فيه الحياء، وإلا رحلت. قال الجنيد: دخلت على سري السقطي ﵀ في يوم صائف، فإذا الكوز الذي يشرب به في الشمس! فقلت: يا سيدي، الكوز في الشمس. قال: صدقت يا أبا القاسم، في الفيء كان، فجاءت الشمس إليه، فدعتني نفسي إلى أن أنقله إلى الفيء، فاستحييت من الحق تعالى أن أخطو خطوة يكون لنفسي فيها راحة.

стр. 3187

قال جنيد: سمعت سري بن المغلس يقول: أحسن الأشياء ثلاثة: البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة الله علام الغيوب. زاد في حديث آخر فجعلها خمسة فقال: وجلاء الرين من القلوب، وألا تكون لكل ما تهوى ركوب. وقال السري: أقوى القوة غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه كان في أدب غيره أعجز. وقال السري: من علامة المعرفة بالله القيام بحقوق الله، وإثاره على النفس فيما أمكنت فيه القدرة. وقال: من علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس. وقال الجنيد: سمعت السري يقول: اجعل قبرك خزانتك احشها من كل عمل صالح يمكنك، فإذا وردت على قبرك سرك ما ترى فيه. وقال مرة: واحشه من كل خير، حتى إذا قدمت عليه فرحت بما قدمت إليه من المعروف. قال الجنيد ﵀: سمعت سري ﵀ يقول: لم أر شيئاً أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب الحانية، ولا أضر بالحكمة، ولا أنجع في هلكة العبد، ولا أدوم للأضرار، ولا أبعد من الاتصال، ولا أقرب من المقت، ولا ألزم لمحجةٍ العجب والرياء والتزين من قلة معرفة العبد بنفسه ونظره في عيوب غيره، لا سيما إن كان مشهوراً معروفاً بالعبادة والصلاح، وامتد له الصوت، وبلغ من الثناء ما لم يكن يأمله، تضيء له نفسه في الأماكن الخفية وسراديب الهوى فاختبأ بعد المحادثة، وصمت بعد

стр. 3188

النطاقة، وأظهر الخمولة بعد الشهرة، وأظهر الهرب من الناس فلم يبرز إلا للخواص، ونالت النفس مناها. كل ذلك لجهله بنفسه، وعماه عن عيوبها، وقبول قوله في إسقاط الناس، وقوله: فلانٌ يجالس وفلان احذروه، ويأمر وينهى، ويثني على من تهواه نفسهن فإن اغتيب عنده من لا يهواه قال: اهتكوا ستر الفجرة واذكروا الفاجر بما فيه، وإن اغتيب من يهواه غضب ونهى عن ذلك وروى أحاديث النهي عن الغيبة وقد شرب السموم القاتلة، ويصير غضبه ورضاه لنفسه، ويرى أنه محسن يلوم أهل النقص والتقصير ويتنزه عمن لا يعرفه، ويقبل صلة من يهواه، ويأنس به، فهلك وأهلك. ونجا من صحت معرفته بنفسه، واشتغل بها، فلم يكن له صديق ولا عدو، ولا يخالط الأشرار، ولا يشتغل عن الله بالأخبار، ولا يمدح ولا يذم وكيف له أن يسلم من شر نفسه وعدوه؟ فكيف من جهل شر نفسه والإزراء على غيره؟ قال الجنيد: سمعت السري السقطي يقول: قلوب الأبرار معلقةٌ بالجراثيم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، أولئك يقولون: ليتنا بماذا سبق لنا، وهؤلاء يقولون: ليتنا بماذا يختم لنا. قال السري لبعض جلسائه: لا تلزم نفسك طول الفكرة فيما يورث قلبك ضعف الإيمان، فإن ضعف الإيمان أصل لكل إثمٍ وهم وغم، ولكن اشغل قلبك بكل ما يورث اليقين، فإن اليقين يورث كل طاعة، ويباعد من كل غم وهم، ويؤمنك من كل خوف، ويقربك من كل روح وفرح، وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: ما أوتي عبد خيراً من اليقين. قال السري السقطي: رأيت طاعة الرحمن بأرخص الأثمان مع راحة الأبدان، ورأيت معصية الرحمن بأغلى الأثمان مع تعب الأبدان. وقال: من لم يعلم قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم. عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبداً.

стр. 3189

وقال: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها. وقال: ثلاثةٌ من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. قال إبراهيم بن السري: مرض أبو المغيرة القاص، فبعث إلى أبي بالسلام، فقال أبي: أقرئه السلام، وقل له: ليس من حمد الله على سيلان الصديد كمن حمده على أكل الثريد. قال: فوقع من أبي المغيرة ذاك الكلام بالموقع، فما أظهر ما به حتى مات. قال سري: الشكر نعمةٌ، والشكر على النعمة نعمة إلى أن لا يتناهى الشكر. وقال: الشكر على ثلاثة أوجه: شكر اللسان، وشكر البدن، وشكر القلب. فشكر القلب أن يعلم أن النعم كلها من الله ، وشكر البدن أن لا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، وشكر اللسان دوام الحمد عليه. وقال سري: سمعت كلمة انتفعت بها منذ خمسين سنة، كنت أطوف بالبيت بمكة، فإذا رجل جالس تحت الميزاب وحوله جماعة، فسمعته يقول لهم: أيها الناس، من علم ما طلب هان عليه ما بذل. سئل سري السقطي عن التصوف فقال: هو اسم لثلاثة معان، وهو الذي لا يطفىء نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن من علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله.

стр. 3190

وقال سري: احذر أن يكون لك ثناءٌ منشور وعيب مستور. وقال: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف. فقال له الرجل: كيف يا أبا الحسن؟ قال: لأنه إذا كان في صحته كيساً عظم رجاؤه عند الموت وحسن ظنه بربه، وإذا كان في صحته مسيئاً ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه. ولما حضرت سري السقطي الوفاة قال له الجنيد: يا سيدي، لا يرون بعدك مثلك. قال: ولا أخلف عليهم بعدي مثلك. قال الجنيد: دخلت على سري في مرضه الذي توفي فيه فقلت له: كيف تجدك أيها الشيخ؟ فقال: عبدٌ مملوك لا يقدر لنفسه شيئاً. فقال الجنيد: فأخذت المروحة لأروحه فقال: دعني، كيف أتروح بريح المروحة وأحشائي تحترق؟ فقلت له: أوصني أيها الشيخ، فقال: إياك وصحبة العوام. فقلت له: زدني أيها الشيخ. قال: فرفع رأسه إلي بعدما طأطأه وقال: ولا تشتغل عن الله بصحبة الأخيار. قال: فقلت له: لو سمعت منك هذه الكلمة من قبل لما صحبتك قط. مات سري سنة إحدى وخمسين ومئتين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين، ودفن في مقبرة الشونيزي. وقبره ظاهر معروف وإلى جنبه قبر الجنيد. قال أبو عبيد بن حربويه: حضرت جنازة السري السقطي فسررت. فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سري السقطي. فلما كان في بعض الليالي رآه في النوم فقال:
следующие страницы →