← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قال الجنيد: كنت يوماً عند السري، وكنا جالسين، وهو متزرٌ بمئزرٍ، فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيمٍ دنفٌ مضنى كأجهد ما يكون، فقال: انظر إلى جسدي هذا! لو شئت أن أقول: إن ما بي هذا من المحبة كان كما أقول. وكان وجهه أصفر، ثم أشرق حمرةً حتى تورد، ثم اعتل، فدخلت عليه أعوده، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: من الخفيف كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي فأخذت المروحة أروحه، فقال لي: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟ ثم أنشأ يقول: من البسيط القلب محترقٌ والدمع مستبق ... والكرب مجتمعٌ والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والعشق والقلق يا رب إن كان شيءٌ فيه لي فرجٌ ... فامنن علي به ما دام بي رمق قال الجنيد: قال لي ليلة السري بين المغرب وعشاء الآخرة: احفظ عني هذا الكلام. ثم قال: الشوق والوله يترفرفان على القلب، فإن وجدا فيه الحياء والأنس أوطنا، وإلا رحلا. احفظ هذا الكلام يا غلام لئلا يضيع. وقال في حديث آخر: احفظ عني يا غلام، إن المعرفة ترفرف على القلب، فإن كان فيه الحياء، وإلا رحلت. قال الجنيد: دخلت على سري السقطي ﵀ في يوم صائف، فإذا الكوز الذي يشرب به في الشمس! فقلت: يا سيدي، الكوز في الشمس. قال: صدقت يا أبا القاسم، في الفيء كان، فجاءت الشمس إليه، فدعتني نفسي إلى أن أنقله إلى الفيء، فاستحييت من الحق تعالى أن أخطو خطوة يكون لنفسي فيها راحة.

стр. 3187

قال جنيد: سمعت سري بن المغلس يقول: أحسن الأشياء ثلاثة: البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة الله علام الغيوب. زاد في حديث آخر فجعلها خمسة فقال: وجلاء الرين من القلوب، وألا تكون لكل ما تهوى ركوب. وقال السري: أقوى القوة غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه كان في أدب غيره أعجز. وقال السري: من علامة المعرفة بالله القيام بحقوق الله، وإثاره على النفس فيما أمكنت فيه القدرة. وقال: من علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس. وقال الجنيد: سمعت السري يقول: اجعل قبرك خزانتك احشها من كل عمل صالح يمكنك، فإذا وردت على قبرك سرك ما ترى فيه. وقال مرة: واحشه من كل خير، حتى إذا قدمت عليه فرحت بما قدمت إليه من المعروف. قال الجنيد ﵀: سمعت سري ﵀ يقول: لم أر شيئاً أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب الحانية، ولا أضر بالحكمة، ولا أنجع في هلكة العبد، ولا أدوم للأضرار، ولا أبعد من الاتصال، ولا أقرب من المقت، ولا ألزم لمحجةٍ العجب والرياء والتزين من قلة معرفة العبد بنفسه ونظره في عيوب غيره، لا سيما إن كان مشهوراً معروفاً بالعبادة والصلاح، وامتد له الصوت، وبلغ من الثناء ما لم يكن يأمله، تضيء له نفسه في الأماكن الخفية وسراديب الهوى فاختبأ بعد المحادثة، وصمت بعد

стр. 3188

النطاقة، وأظهر الخمولة بعد الشهرة، وأظهر الهرب من الناس فلم يبرز إلا للخواص، ونالت النفس مناها. كل ذلك لجهله بنفسه، وعماه عن عيوبها، وقبول قوله في إسقاط الناس، وقوله: فلانٌ يجالس وفلان احذروه، ويأمر وينهى، ويثني على من تهواه نفسهن فإن اغتيب عنده من لا يهواه قال: اهتكوا ستر الفجرة واذكروا الفاجر بما فيه، وإن اغتيب من يهواه غضب ونهى عن ذلك وروى أحاديث النهي عن الغيبة وقد شرب السموم القاتلة، ويصير غضبه ورضاه لنفسه، ويرى أنه محسن يلوم أهل النقص والتقصير ويتنزه عمن لا يعرفه، ويقبل صلة من يهواه، ويأنس به، فهلك وأهلك. ونجا من صحت معرفته بنفسه، واشتغل بها، فلم يكن له صديق ولا عدو، ولا يخالط الأشرار، ولا يشتغل عن الله بالأخبار، ولا يمدح ولا يذم وكيف له أن يسلم من شر نفسه وعدوه؟ فكيف من جهل شر نفسه والإزراء على غيره؟ قال الجنيد: سمعت السري السقطي يقول: قلوب الأبرار معلقةٌ بالجراثيم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، أولئك يقولون: ليتنا بماذا سبق لنا، وهؤلاء يقولون: ليتنا بماذا يختم لنا. قال السري لبعض جلسائه: لا تلزم نفسك طول الفكرة فيما يورث قلبك ضعف الإيمان، فإن ضعف الإيمان أصل لكل إثمٍ وهم وغم، ولكن اشغل قلبك بكل ما يورث اليقين، فإن اليقين يورث كل طاعة، ويباعد من كل غم وهم، ويؤمنك من كل خوف، ويقربك من كل روح وفرح، وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: ما أوتي عبد خيراً من اليقين. قال السري السقطي: رأيت طاعة الرحمن بأرخص الأثمان مع راحة الأبدان، ورأيت معصية الرحمن بأغلى الأثمان مع تعب الأبدان. وقال: من لم يعلم قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم. عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبداً.

стр. 3189

وقال: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها. وقال: ثلاثةٌ من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. قال إبراهيم بن السري: مرض أبو المغيرة القاص، فبعث إلى أبي بالسلام، فقال أبي: أقرئه السلام، وقل له: ليس من حمد الله على سيلان الصديد كمن حمده على أكل الثريد. قال: فوقع من أبي المغيرة ذاك الكلام بالموقع، فما أظهر ما به حتى مات. قال سري: الشكر نعمةٌ، والشكر على النعمة نعمة إلى أن لا يتناهى الشكر. وقال: الشكر على ثلاثة أوجه: شكر اللسان، وشكر البدن، وشكر القلب. فشكر القلب أن يعلم أن النعم كلها من الله ، وشكر البدن أن لا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، وشكر اللسان دوام الحمد عليه. وقال سري: سمعت كلمة انتفعت بها منذ خمسين سنة، كنت أطوف بالبيت بمكة، فإذا رجل جالس تحت الميزاب وحوله جماعة، فسمعته يقول لهم: أيها الناس، من علم ما طلب هان عليه ما بذل. سئل سري السقطي عن التصوف فقال: هو اسم لثلاثة معان، وهو الذي لا يطفىء نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن من علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله.

стр. 3190

وقال سري: احذر أن يكون لك ثناءٌ منشور وعيب مستور. وقال: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف. فقال له الرجل: كيف يا أبا الحسن؟ قال: لأنه إذا كان في صحته كيساً عظم رجاؤه عند الموت وحسن ظنه بربه، وإذا كان في صحته مسيئاً ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه. ولما حضرت سري السقطي الوفاة قال له الجنيد: يا سيدي، لا يرون بعدك مثلك. قال: ولا أخلف عليهم بعدي مثلك. قال الجنيد: دخلت على سري في مرضه الذي توفي فيه فقلت له: كيف تجدك أيها الشيخ؟ فقال: عبدٌ مملوك لا يقدر لنفسه شيئاً. فقال الجنيد: فأخذت المروحة لأروحه فقال: دعني، كيف أتروح بريح المروحة وأحشائي تحترق؟ فقلت له: أوصني أيها الشيخ، فقال: إياك وصحبة العوام. فقلت له: زدني أيها الشيخ. قال: فرفع رأسه إلي بعدما طأطأه وقال: ولا تشتغل عن الله بصحبة الأخيار. قال: فقلت له: لو سمعت منك هذه الكلمة من قبل لما صحبتك قط. مات سري سنة إحدى وخمسين ومئتين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين، ودفن في مقبرة الشونيزي. وقبره ظاهر معروف وإلى جنبه قبر الجنيد. قال أبو عبيد بن حربويه: حضرت جنازة السري السقطي فسررت. فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سري السقطي. فلما كان في بعض الليالي رآه في النوم فقال:

стр. 3191

ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ولمن حضر جنازتي وصلى علي. فقلت: فإني في من حضر جنازتك وصلى عليك. قال: فأخرج درجاً فنظر فيه فلم ير لي فيه اسماً، فقلت: بلى قد حضرت. قال: فنظر فإذا اسمي في الحاشية. سعادة بن الحسن بن موسى ابن عبد الله بن الفرج أبو القاسم الفارقي قدم دمشق وسمع بها. حدث بالرملة عن أبي حفص عمر بن محمد بن عراك بسنده عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لما خلق الدنيا أعرض عنها فلم ينظر إليها من هوانها عليه ". سعد الله بن صاعد بن المرجى ابن الحسين أبو المرجى بن الخلال المرحبي سمع بدمشق. وحدث عن أبي الحسن محمد بن عوف بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي عوف سنة سبع وثمانين وأربع مئة بسنده عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين يذبحهما بيده، ويطأ على صفاحهما، ويسمي ويكبر.

стр. 3192

سعد بن أحمد بن محمد أبو القاسم النسوي القاضي سكن دمشق مدة وحدث بها. روى أبو القاسم في دمشق سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وأربع مئة عن القاضي أبي الحسن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن صخر الأزدي النصري بمكة بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الطعام والشراب ". وفي رواية: وأحسبه قال: ولو بعود تعرضه عليه. ولد سنة عشرين وأربع مئة بنسا. وقتله الفرنج يوم دخلوا بيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة. سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق ويقال: أبو إبراهيم القرشي الزهري المدني القاضي وفد على هشام بن عبد الملك. وأمه أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص. حدث عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت النبي ﷺ يأكل القثاء بالرطب. وحدث عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " الأئمة من قريش إذا حكموا فعدلوا، وإذا عاهدوا فوفوا، وإذا استرحموا فرحموا ". ولد سنة أربع وخمسين، وتوفي سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع وعشرين ومئة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وقيل: توفي سنة أربع وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومئة.

стр. 3193

وكان سعد ثقةً صدوقاً وثقه جماعةٌ. وقال يحيى بن معين: لم يتكلم في سعد بن إبراهيم غير مالك بن أنس، وكان سعد من الأمناء المسلمين. وسرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة. قال شعبة: كان سعد بن إبراهيم يصوم الدهر، ويقرأ القرآن في كل يومٍ وليلة. حدث ولده عنه قال: كان أبي يحتبي، فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن. وكان إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين لم يفطر حتى يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء الآخرة في شهر رمضان تأخيراً شديداً، وكان كثيراً ما إذا أفطر يرسل إلى مساكين فيأكلون معه. قال أبو جعفر المدني: دخلت على سعد بن إبراهيم وهو على دكانه له قال: فإذا حمارةً عليها شكوة، فلما سمع الأذان جاءت جارية فصبت منه في زجاجة شراباً به من الحسن شيءٌ من شيءٍ أحسبه، قال: فسقاني، ثم قال: أبا جعفر، تدري ما سقيتك؟ قال: قلت: ظننت إني ظمآن؟ قال: ولكني رأيتك تنظر إليه، فأحببت أن تعلم ما هو، هذا زبيبٌ، نأمر الجواري فينقينه من أقماعه وحصرمه، ثم يدق في المهراس، ثم يمرس ويصفى ويجعل في هذه الشكوة، فإذا أمسيت شربت منه، فأجده يقطع البلغم، ويعصمني، قال: وكان لا يأكل إلا بعد ما يذهب من الليل ما شاء الله يعني: يصلي. وكان سعد يعجب من هؤلاء المتقشفين، وقلما رأيته خارجاً إلى المسجد للصلاة إلا مس غالية. قيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه .

стр. 3194

وعن سعد: أن عبد الرحمن بن عوف كان يقال له: حواري رسول الله ﷺ ، ومما قيل في سعد من المدح: من الطويل أبوه حواري النبي وجده ... أبو أمه سعدٌ رئيس المقانب سعد بن تميم أبو بلال السكوني والد بلال بن سعد، صحب سيدنا رسول الله ﷺ ، وروى عنه، ونزل ببيت أبيات من قرى دمشق، وسكن دمشق. روى عن رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني، قلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم القرن الثاني، قلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم يكون قوم يحلفون ولا يستحلفون ويشهدون ولا يستشهدون، ويؤتمنون ولا يؤدون. وحدث بلال بن سعد: أن أباه لما احتضر قال: وكان أدرك النبي ﷺ قال: أي بني، أين بنوك؟ قال: بلال: فأمرت أهلي فألبسوهم قمصاً بيضاً، ثم أتيت بهم فقال: اللهم، إني أعيذهم بك من الكفر، ومن ضلالة العمل، ومن النساء، والفقر إلى بني آدم. وفي رواية: والفقر الذي يصيب بني آدم. قال عقبة: وسعدٌ أبو بلال بن سعدٍ أتي به النبي ﷺ ، فوضع يده على رأسه وأمرها على وجهه ثم قال: صدرٌ وعاءٌ للخير. كان سعد يؤم دمشق، وتوفي في الشام.

стр. 3195

سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس حدث سعد عن كيسان مولى عبد الله بن الزبير عن سلمان الفارسي أنه دخل على رسول الله ﷺ وإذا عبد الله بن الزبير معه طست يشرب ماء فيه، فقال رسول الله ﷺ : ما شأنك يا بن أخي؟ قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله ﷺ في جوفي. فقال: ويلٌ لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين. وحدث بسنده عن نافع عن أبي هريرة قال: " إن الله لا يرفع العلم إنما يهلك العلماء ولا يتعلم الجهال " حدث سعد وكان قد أدرك عمر بن عبد العزيز قال: عزى أعرابيٌّ بن عبد العزيز عن ابن له فقال: من الطويل تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد قال أبو علي صالح بن محمد بن حبيب البغدادي: سعد بن زياد شيخٌ بصري ضعيف. سعد بن أبي سعد أبو صالح الفرغاني حدث بدمشق. روى عن أبي محمد أحمد بن الحسين بن منبويه الديبلي بسنده إلى علي بن أبي طالب قال: وكان أقضى الأمة قال: لما أنفذني النبي ﷺ إلى اليمن قال: " يا علي، الناس رجلان: فعاقل يصلح للعفو، وجاهلٌ يصلح للعقوبة ".

стр. 3196

سعد بن سلامة بن حابس أبو الحسن الداراني المؤدب الإمام حدث بداريا عن أبي الخير سلامة بن محمد البغدادي بسنده عن دينار المسكين قال: خدمت أنس بن مالك ثلاث سنين، فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: " من احتكر طعاماً أو تربص به أربعين يوماً، ثم طحنه وخبزه وتصدق به لم يقبله الله منه. " قال: كذا قال. والصواب: أبا مكيس. سعد بن عبادة بن دليم ابن حارثة بن أبي حزيمة ويقال: حارثة بن حرام بن حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة أبو ثابت ويقال: أبو قيس الخزرجي، سيد الخزرج. شهد العقبة، وروى عن النبي ﷺ أحاديث. سكن دمشق، ومات بحوران، وقيل: إن قبره بالمنيحة من إقليم بيت الآبار. حدث سعد بن عبادة عن النبي ﷺ قال: ماتت أمي وعليه نذرٌ، فسألت النبي ﷺ ، فأمرني أن أقضيه عنها. وعن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن هذا الحي من الأنصار مجنة، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق ". وسعد بن عبادة نقيبٌ شهد بدراً. وقيل: لم يشهد بدراً. مات بالشام في خلافة أبي بكر ﵁. وقيل: في أول خلافة عمر ﵁.

стр. 3197

قال محمد بن سعد: في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدراً: سعد بن عباد بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، ويكنى أبا ثابت. كان يتهيأ للخروج إلى بدر فنهش، فأقام، فقال رسول الله ﷺ : " لئن كان سعدٌ لم يشهدها لقد كان حريصاً عليها ". وفي رواية: لقد كان فيها راغباً. وكان سعد بن عبادة لما أخذ رسول الله ﷺ في الجهاز كان يأتي دور الأنصار، يحضهم على الخروج، فنهش ببعض تلك الأماكن فمنعه ذلك من الخروج، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره. وكان عقيباً نقيباً سيداً جواداً. وكان سعد في الجاهلية يكتب بالعربية، وكانت الكتابة في العرب قليلاً، وكان يحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك سمي الكامل. وكان سعد بن عبادة وعدة آباءٍ له قبله في الجاهلية ينادي على أطمهم: من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة. وكان سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة لما أسلموا يكسرون أصنام بني ساعدة. وسعدٌ شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عشر، ولم يشهد بدراً. وروى بعضهم: أن رسول الله ﷺ ضرب له بسهمه وأجره، ولا يثبت ذلك. وشهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ . وكان سعد لما قدم رسول الله ﷺ يبعث إليه في كل يوم جفنة فيها ثريد بلحم، أو ثريد بلبن، أو بخل وزيت، أو بسمنٍ، وأكثر ذلك اللحم، فكانت جفنة سعد تدور مع

стр. 3198

رسول الله ﷺ في بيوت أزواجه. وكانت أمه عمرة بنت مسعود من المبايعات فتوفيت بالمدينة ورسول الله ﷺ غائبٌ في غزوة دومة الجندل، وكانت في ربيع الأول سنة خمس من الهجرة، وكان سعد بن عبادة معه في تلك الغزوة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتى قبرها فصلى عليها. ولما أراد النبي ﷺ أن يهاجر سمع صوتاً بمكة يقول: من الطويل إن يسلم السعدان يصبح محمدٌ ... من الأمن لا يخشى خلاف المخالف فقالت قريش: لو علمنا من السعدان لفعلنا وفعلنا. قال: فسمعوا من القابلة وهو يقول: فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعاً ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس زلفة عارف زاد في رواية أخرى: فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنانٌ من الفردوس ذات رفارف قال: سعد الأوس: سعدٌ بن معاذ، وسعد الخزرجين سعد بن عبادة. الغطارف: الكرام. قال ابن إسحاق: لما تفرق الناس عن بيعة رسول الله ﷺ ليلة العقبة ونفروا وكان الغد فتشت قريش عن الخبر والبيعة، فوجدوه حقاً، فانطلقوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة وفاتهم منذر بن عمرو، فشدوا يدي سعد إلى عنقه بنسعةٍ، وكان ذا شعر كثير، فطفقوا يجبذونه بجمته، ويصكونه ويلكزونه. قال سعد بن عبادة: فوالله! إني لفي أيديهم

стр. 3199

يسحبونني إذ طلع نفرٌ من قريش فيهم فتًى أبيض حلو شعشاع، وضيء، فقلت: إن يك عند أحدٍ من القوم خيرٌ فعند هذا، وهو سهيل بن عمرو، فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمةً شديدة، فقلت: والله ما في القوم خيرٌ بعد هذا، فوالله إني لفي أيديهم إذ غمز رجل منهم فخذي فقال: هل بينك وبين أحد من قريش عهدٌ؟ فقلت: نعم، لا أبا لك، اهتف بالرجلين. ففعلت، فذهب إليهما فقال: إن هذا الرجل الذي في أيدي نفر من قريش يعبثون به يهتف بكما، يزعم أنه قد كان بينه وبينكم عقد وجوار. فقالا: من هو؟ فقال: سعد بن عبادة. فقالا: صدق والله، إن كان ليفعل. ثم جاءا إلي حتى أطلقاني من أيديهم، ثم خليا سبيلي، فانطلقت. فكان أول شعرٍ قيل في الإسلام شيءٌ قاله ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري في ذلك: من الطويل تداركت سعداً عنوةً فأسرته ... وكان شفاءً لو تداركت منذرا فأجابه حسان بن ثابت فقال من أبيات: من الطويل لست إلى سعدٍ ولا المرء منذرٍ ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا ولولا أبو وهبٍ لمرت قصائدٌ ... على شرف الخرقاء يلمعن حسرا قال محمد بن عبد الوهاب: قلت لعلي بن عثام: لم سموا نقباء؟ قال: النقيب الضمين، ضمنوا لرسول الله ﷺ إسلام قومهم، فسموا بذلك نقباء. وعن ابن عباس قال: كان عدة أهل بدرٍ ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، كان المهاجرون سبعة وسبعين رجلاً، والأنصار مئتين وستةً وثلاثين رجلاً، وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة.

стр. 3200

وعن ابن عباس قال: كانت راية رسول الله ﷺ في المواطن كلها: راية المهاجرين مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة. ولما كان يوم فتح مكة دفعت راية قضاعة إلى أبي عبيدة بن الجراح، ودفعت راية بني سليم إلى خالد بن الوليد، وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، وراية المهاجرين مع علي بن أبي طالب. وفي حديث آخر بمعناه: وكان إذا استحر القتال كان رسول الله ﷺ مما يكون تحت راية الأنصار. وعن أنس قال: لما بلغ رسول الله ﷺ إقفال أبي سفيان قال: أشيروا علي. فقام أبو بكر فقال له: اجلس. ثم قام عمر فقال له: اجلس. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله. فلو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا ذلك. وعن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي ﷺ : " من قتل قتيلاً فله كذا، ومن أسر أسيراً فله كذا ". وكانوا قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين فقال: يا رسول الله، إنك وعدتنا: من قتل قتيلاً فله كذا، ومن أسر أسيراً فله كذا، فقد جئت بأسيرين. فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إنا لم يمنعنا زهادة في الآخرة، ولا جبن عن العدو، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يقتطعك المشركون، فإنك إن تعط هؤلاء لا يبق لأصحابك شيء. فجعل هؤلاء يقولون، وهؤلاء يقولون، فنزلت: " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ". قال: فسلموا

стр. 3201

الغنيمة لرسول الله ﷺ ، قال: ثم نزلت: " واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه.. " الآية. وروي عن عدة طرقٍ عن أنس أو غيره: أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله. ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثاً ورد عليه سعد ثلاثاً، ولم يسمعه: فرجع النبي ﷺ فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله، بأبي أنت، ما سلمت تسليمةً إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن استكثر من سلامك ومن البركة. ثم دخلوا البيت فقرب إليه زينباً، فأكل نبي الله ﷺ فلما فرغ قال: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون. وفي حديث آخر عن قيس بن سعد بمعناه: فرجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله، قد كنت أسمع تسليمك، وأرد عليك رداً خفياً، لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه رسول الله ﷺ ، فأمر له سعد بغسل، فوضع فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغةً بزعفران وورسٍ، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: اللهم، اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. قال: ثم أصاب من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حماراً قد وطأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله ﷺ . قال قيس: فقال رسول الله ﷺ : اركب، فأبيت، ثم قال: إما أن تركب وإما أن تنصرف، قال: فانصرفت. وفي حديث آخر بمعناه عن أم طارق مولاة سعد: فقال: إنه لم يمنعني أن نأذن لك إلا أنا أردنا أن تزيدنا. قالت: فسمعت صوتاً على الباب يستأذن ولم أر شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : من أنت؟ فقال: أم ملدم. فقال: لا مرحباً بك ولا أهلاً، اذهبي إلى أهل قبا. قالت: نعم. قال: فاذهبي إليهم.

стр. 3202

وعن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ كان يخطب المرأة ويصدقها، صداقها، ويشرط لها: صحفة سعدٍ تدور معي إذا درت إليك. وكان سعد بن عبادة يرسل إلى نبي الله ﷺ بصفحةٍ كل ليلةٍ، حيث كان جاءته. وعن يحيى بن أبي كثير قال: كانت لرسول الله ﷺ من سعد بن عبادة جفنة من ثريد كل يوم، تدور معه أينما دار من نسائه. وكان إذا انصرف من صلاة مكتوبةٍ قال: اللهم، ارزقني مالاً أستعين به على خصالي، فإنه لا يصلح الفعال إلا المال. قال سعيد بن محمد بن أبي زيد: سألت عمارة بن غزية وعمرو بن يحيى عن جفنة سعد بن عبادة فقالا: كانت مرةً بلحمٍ، ومرةً بسمنٍ، ومرةً بلبنٍ، يبعث بها إلى النبي ﷺ ، كلما دار دارت معه الجفنة. وعن سعد بن عبادة: أتى النبي ﷺ بصحفةٍ أو جفنةٍ مملوءةٍ مخاً فقال: يا أبا ثابت ما هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق لقد نحرت أو ذبحت أربعين ذات كبدٍ، فأحببت أن أشبعك من المخ. قال: فأكل، ودعا له النبي ﷺ بخيرٍ. قال إبراهيم بن حبيب: سمعت أن الخيزران حدثت بهذا الحديث، فقسمت قسماً من مالها على ولد سعد بن عبادة وقالت: أكافىء به ولد سعد على فعله برسول الله ﷺ . وعن جابر قال: أمر أبي بحريرة فصنعت، ثم أمرني فأتيت بها رسول الله ﷺ قال: فأتيته وهو في منزله: قال: قال لي: ماذا معك يا جابر، ألحمٌ ذا؟ قلت: لا. قال: فأتيت أبي فقال

стр. 3203

لي: هل رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: نعم، قال لي: ماذا معك يا جابر ألحمٌ ذا؟ قال: لعل رسول الله ﷺ أن يكون اشتهى اللحم، فأمر بشاة لنا داجن فذبحت، ثم أمر بها فشويت، ثم أمرني فأتيت بها النبي ﷺ فقال لي: ماذا معك يا جابر؟ فأخبرته فقال: جزى الله الأنصار عنا خيراً ولا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة. روى محمد بن عمر الواقدي عن رجاله قالوا: وأقام سعد بن عبادة يعني في غزوة الغابة في ثلاث مئة من قومه يحرسون المدينة خمس ليالٍ حتى رجع النبي ﷺ ، وبعث إلى النبي ﷺ بأحمال تمر، وبعشر جزائر بذي قرد، وكان في الناس قيس بن سعد على فرس له يقال له الورد. وكان هو الذي قرب الجزر والتمر إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " يا قيس، بعثك أبوك فارساً، وقوى المجاهدين، وحرس المدينة من العدو، اللهم ارحم سعداً وآل سعد ". ثم قال رسول الله ﷺ : نعم المرء سعد بن عبادة. فتكلمت الخزرج فقالت: يا رسول الله، هو نقيبنا، وسيدنا، وابن سيدنا، كانوا يطعمون في المحل ويحملون في الكل، ويقرون الضيف، ويعطون في النائبة، ويحملون عن العشيرة. فقال النبي ﷺ : " خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين ". قال الواقدي: وجاء سعد بن عبادة وابنه قيس بن سعد بزاملةٍ تحمل زاداً يؤمان رسول الله ﷺ يعني يوم ضلت زاملته في حجة الوداع، حتى يجدا رسول الله ﷺ واقفاً عند باب منزله قد أتى الله بزاملته. فقال سعد: يا رسول الله، بلغنا أن زاملتك أضلت مع الغلام وهذه زاملةٌ مكانها. فقال رسول الله ﷺ : قد جاء الله بزاملتنا فارجعا بزاملتكما بارك الله

стр. 3204

عليكما، أما يكفيك يا أبا ثابت ما تصنع بنا في ضيافتك منذ نزلنا المدينة؟ قال سعد: يا رسول الله، المنة لله ولرسوله، والله يا رسول الله للذي تأخذ من أموالنا أحب إلينا من الذي تدع. قال: صدقتم يا أبا ثابت، أبشر فقد أفلحت، إن الأخلاق بيد الله فمن أراد أن يمنحه منها خلقاً صالحاً منحه، ولقد منحك الله خلقاً صالحاً. فقال سعد: الحمد لله هو فعل ذلك. وعن زيد بن ثابت قال: دخل سعد بن عبادة على رسول الله ﷺ ومعه ابنه، فسلم فقال رسول الله ر هاهنا. وأجلسه عن يمينه، وقال: مرحباً بالأنصار، مرحباً بالأنصار. وأقام ابنه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : اجلس، فجلس، فقال: ادن. فدنا فقبل يد رسول الله ﷺ ورجله، فقال رسول الله ﷺ : وأثابي الأنصار، وأثابي فراخ الأنصار. فقال سعد: أكرمك الله كما أكرمتنا. فقال: إن الله قد أكرمكم قبل كرامتي، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. وعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ : أنه استعمل سعد بن عبادة فأتى النبي ﷺ فسلم عليه فقال له: إياك أن تجيء يوم القيامة تحمل بعيراً على عنقك، يقول سعد: يا رسول الله، فإن فعلت إن ذلك لكائن!؟ قال: نعم. قال سعد: قد علمت أني أسأل فأعطي، فأعفني، فأعفاه. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من الأنصار فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري فقال رسول الله ﷺ : يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالحٌ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : من يعوده منكم؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعةٌ ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشي في تلك السباخ حتى جئنا، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه.

стр. 3205

وعن ابن عباس قال: لما نزلت: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلودهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ". قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله، لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، ولا طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنها حقٌ وأنها من عند الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاع قد تفخذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه، حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قالوا: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً، فذكر الحديث في اللعان بطوله. وعن محمد بن سيرين قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قسم ناساً من أهل الصفة بين ناس من أصحابه: فكان الرجل يذهب بالرجل، والرجل يذهب بالرجلين، والرجل يذهب بالثلاثة حتى ذكر عشرة، وكان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم. وعن عروة بن الزبير قال: كان سعد بن معاذ يقول: اللهم، ارزقني مجداً، وارزقني حمداً، وارزقني. اللهم، إنه لا حمد إلا بمجد، ولا مجد إلا بمال، ولا مال إلا بفعال. اللهم، إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح له، ولا يصلحني إلا الكثير ولا أصلح إلا عليه. قال: وكان له منادٍ ينادي على أطم داره: من أراد شحماً ولحماً فليأت سعداً. قال عروة بن الزبير: وأدركت ابنه قيس بن سعد يفعل مثل صنيع أبيه.

стр. 3206

وعن ابن أبي سبرة قال: كان سعد بن عبادة يبسط رداءه ويقول: اللهم، ارزقني بالكثير فإن القليل لا يكفيني. وعن سعد بن عبادة أنه قال لابنه: يا بني، أوصيك بوصية فاحفظها، فإن أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الأمر أضيع، إذا توضأت فأتم الوضوء ثم صل صلاة امرىءٍ مودع ترى أنك لا تعود، وأظهر اليأس من الناس فإنه غنى، وإياك وطلب الحوائج إليهم فإنه فقٌ حاضر، وإياك وكل شيءٍ يعتذر منه. وعن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد الساعدي: أن أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك. فقال: لا والله لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأقاتلكم بمن معي من قومي وعشيرتي. فلما جاء الخبر إلى أبي بكر قال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله ﷺ إنه قد أبى ولج، وليس بمبايعكم أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تحركوه فقد استقام لكم الأمر، فإنه ليس بضاركم، إنما هو رجل وحده ما ترك. فقبل أبو بكر نصيحة بشير، فترك سعداً. فلما ولي لقيه ذات يومٍ في طريق المدينة فقال: إيه يا سعد، فقال سعد: إيه يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه. فقال سعد: نعم أنا ذاك، وقد أفضى إليك هذا الأمر، كان والله صاحبك أحب إلينا منك، وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك. فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه. فقال سعد: أما إني غير مستنسىء بذلك، وأنا متحول إلى جوار من هو خيرٌ منك. قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى خرج مهاجراً إلى الشام في أول خلافة عمر، فمات بحوران. حدث مالك بن أنس: أنه بلغه أن راهباً كان بالشام. فلما رأى أوائل أصحاب النبي ﷺ الذين قدموا الشام معاذ بن جبل ونظراءه قال: والذي نفسي بيده ما بلغ حواري عيسى بن مريم الذين صلبوا

стр. 3207

على الخشب، ونشروا بالمناشير من الاجتهاد ما بلغ أصحاب محمد. قال عبد الله بن وهب: فقلت لمالك بن أنس يسميهم، فسمى أبا عبيدة، ومعاذاً، وبلالاً، وسعد بن عبادة. ويقال: إن الجن قتلت سعد بن عبادة. حدث عبد الأعلى: أن سعد بن عبادة بال قائماً فرمي، فلم يدر بذلك حتى سمعوا: من مجزوء الهزج قتلنا سيد الخزر ... ج سعد بن عباده رميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده قال عبد العزيز: فما علم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان في بئر منبه أو بئر سكن وهم يقتحمون نصف النهار في حر شديد قائلاً يقول من البئر البيتين، فذعر الغلمان، فحفظ ذلك اليوم، فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد. وإنما جلس يبول في نفق، فاقتتل فمات من ساعته. وروي فافتتل بالفاء. ووجدوه قد اخضر جلده. وعن سعد بن عبد العزيز قال: أول مدينة فتحت بالشام بصرى، وفيها مات سعد بن عبادة. قال أبو رجاء: قتل سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة بحوران، ورمته الجن. وقيل: توفي في خلافة أبي بكر، وقيل: توفي لسنتين من خلافة عمر. وقيل: لسنتين ونصف من خلافة عمر، بحوران. وقيل: توفي سنة إحدى عشرة. وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة في أول خلافة عمر، رمته الجن فقتلته.

стр. 3208

سعد بن عبد الله البزاز كان صوفياً فاضلاً محباً للصوفية، وكانت له دنيا كثيرة، وكان أديباً ظريفاً. قال أحمد بن محمد بن زياد: قدم عليه بعض أصحابنا فقال له: هل مررت في طريقك بأحد من أصحابنا؟ فقال: لا، ولكن رأيت رجلاً عرفك، فأكرمني، وأنزلني عنده، وكان لسعد على ذلك الرجل جملة دنانير حساباً بينهم، فضرب على حسابه مكافأة لما بلغه أنه أكرم هذا الفقير من أجله. قال ابن الأعرابي: كان سعد بن عبد الله يعرف بالدمشقي، خراساني الأصل، أقام بالشام سنين، ثم رجع إلى بغداد، وأنفق جميع ملكه حتى افتقر. وكان قد صحب أحمد بن أبي الحواري، وكان يواسيه في آخر أمره أبو أحمد القلانسي، واجتمع عليه ببغداد دين كثير، ثم فتح الله عليه حتى قضى دينه، وكان طيب النفس، اشترى جارية قوالة للفقراء، فكانت تقرأ لهم القصائد والرباعيات، فلما مات سعد تزوجها الجنيد. وقيل: إن الجارية كان اسمها نجوم. قال السلمي: كان سعد حراً فاسترق، وأهدي إلى المعتصم، وكان على خزانة كسوته، فلما مات المعتصم أعتق، فخرج إلى الشام. وصحب أحمد بن أبي الحواري، واجتمع فيه آداب الفقراء وآداب الملوك، وفتح الله عليه الدنيا بدمشق، وكان ينفق على القدام. ومات وهو فقير أنفق جميع ملكه على القوم. سعد بن علي بن محمد أبو القاسم الزنجاني الحافظ الصوفي سمع بدمشق، وسكن مكة. حدث عن أبي عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف الفراء بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم. "

стр. 3209

كان الإمام أبو مظفر السمعاني عزم على أن يقيم بمكة، ويجاور بها في صحبة الإمام سعد بن علي الزنجاني شيخ الحرم، فرأى ليلة من الليالي والدته، كأنها كشفت رأسها، وأخرجت شعرها وقالت له: يا أبا المظفر، بحقي عليك إلا رجعت إلى مرو، فإني لا أطيق فراقك. قال: فانتبهت من النوم مغموماً، وترددت بين المقام والرجوع فقلت: أشاور سعد بن علي في هذا، فإذا أشار علي بأمرٍ اتبعته. قال: فمضيت إليه، وهو قاعد في الحرم، وقعدت بين يديه، ومن الزحام الذي كان عنده ما قدرت أن أكلمه، فلما تفرق الناس وقام تبعته إلى باب داره، فالتفت إلي وقال: يا أبا المظفر، العجوز تنتظرك. وما زاد على هذا، ودخل البيت، فعرفت أنه تكلم على ضميري، فرجعت مع الحاج تلك السنة. قال أبو القاسم ثابت بن أحمد بن الحسين البغدادي: رأيت أبا القاسم سعد بن محمد الزنجاني في المنام يقول لي مرةً بعد أخرى: يا أبا القاسم، إن الله تعالى يبني لأهل الحديث أو لأصحاب الحديث بكل مجلس يجلسونه بيتاً في الجنة. سعد بن علي بن محمد بن أحمد أبو الوفاء النسوي القاضي حدث عن أبي إسحاق إبراهيم الشرابي قرية على باب نهاوند بمدينة سهرورد قال: رأيته بها سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة، ثم رأيته بعد ذلك فسمعته يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: خمسةٌ من خمسة محالٌ: الأمن من العدو محال، والنصيحة من الحسود محال، والحرية من الفاسق محال، والهيبة من القبر محال، والوفاء من النساء محال. قال: وحدثني أبو إسحاق قال: سمعت علياً يقول بالكوفة على باب الجامع: أربع لا تدرك بأربع: لا يدرك الشباب بالخضاب، ولا الغنى بالمنى، ولا البقاء بالدواء، ولا الصحة بالاحتماء.

стр. 3210

سعد بن محمد بن سعد ويقال: ابن عبد الله بن سعد، أبو محمد ويقال: أبو العباس البجلي البيروتي القاضي قاضي بيروت. روى عن عبد الحميد بن بكار بسنده عن حريث بن قبيصة قال: لما شارفت المدينة قلت: اللهم، يسر لي جليساً صالحاً لعل الله تعالى ينفعني به، فدفع إلى أبي هريرة فقال له: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً لعل الله تعالى ينفعني به، فحدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ . قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن صلحت سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، ثم يقول: انظروا هل لعبدي من نافلةٍ؟ فإن كانت له نافلةٌ أتم بها الفريضة، ثم الفرائض كذلك لعائده الله ورحمته. وحدث بسنده عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: سمعت عمي محمد بن إدريس الشافعي يقو: كانت لي امرأةٌ وكنت أحبها، فكنت إذا رأيتها قلت: من مجزوء الكامل ومن البلية أن تحب ... ب ولا يحبك من تحبه فتقول هي: ويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت ولا تغبه توفي سعد بن محمد البيروتي سنة تسع وسبعين ومئتين.

стр. 3211

سعد بن محمد بن يوسف ابن محمد بن غسان بن عبد الرحمن بن بشر بن عبد الله بن حارس بن همام بن مرة بن ذهل ابن شيبان، أبو رجاء الشيباني القزويني سمع بدمشق. روى عن أبي علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك سنة ثمان وأربع مئة بدمشق في مسجد باب الجابية بسنده عن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، فنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته. سئل هذا الشيخ عن مولده فقال: حججت وكنت ابن عشرين سنة، ولم أر الحجر بموضعه لأنه لم يكن رد. سعد بن مالك أبي وقاص ابن أهيب ويقال: وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. شهد بدراً والمشاهد بعدها، وشهد غزوة أسامة إلى أرض البلقاء، وروى خطبة عمر بالجابية، قال: وأظنه لم يشهدها، وشهد أذرح يوم الحكمين، ووفد على معاوية. حدث سعد بن أبي وقاص: أنه مرض عام الفتح مرضاً أشفى منه على الموت، فأتاه النبي ﷺ يعوده، وهو بمكة، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي

стр. 3212

مالي؟ قال: لا. قال: فبالشطر؟ قال: لا. قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك إن تترك ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكففون الناس، إنك لن تنفق نفقةً لا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك. قلت: يا رسول الله، أخلف عن هجرتي. قال: إنك لن تخلف بعدي فتعمل عملاً تريد به وجه الله إلا ازددت به رفعةً أو درجة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوامٌ ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة. يرثي له أن مات بمكة. قال بكير بن الأشج: سألت عامر بن سعد بن أبي وقاص عن قول النبي ﷺ لسعد: وعسى أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون قال عامر: أمر سعد على العراق فقتل قوماً على الردة فضرهم، واستتاب قوماً كانوا سمعوا سجع مسيلمة الكذاب فتابوا فانتفعوا به. وعن سعد قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه ثم لم يرد علي السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد السلام! قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال: ما يمنعك أن تكون رددت على أخيك السلام؟ فقال عثمان: ما فعلت؟ قال سعد: بلى. قال: حتى حلف وحلفت. قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى! فأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً وأنا أحدث نفسي بكلمة من رسول الله ﷺ ، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة. فقال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا: أول دعوةٍ ثم جاءه أعرابي فشغله، ثم قام رسول الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله ﷺ فقال: من هذا أبو إسحاق.؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: فمه. قال: قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا: أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي. قال: فقال: نعم دعوة ذي النون " لا إله إلا أنت

стр. 3213

سبحانك إني كنت من الظالمين ". فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له. وعن سعد بن أبي وقاص قال: وقف عمر بن الخطاب بالجابية فقال: رحم الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، أما إني رأيت رسول الله ﷺ وقف في ناسٍ كقيامي فيكم ثم قال: احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم يقولها ثلاثاً، ثم يكثر الهرج والكذب، ويشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف الرجل ولا يستحلف، فمن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن. وعن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: خرجت مع أبي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث الزهري عام أذرح، فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بسرغ خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود، وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد: أبا إسحاق! أنت صاحب رسول الله ﷺ وشهدت بدراً والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر؟ قال سعد: إني أنا أفقه منهما. وفي رواية: أنهم خرجوا إلى الشام قال: فكان سعد بن أبي وقاص يقصر الصلاة ويفطر، وكانا يتمان الصلاة ويصومان. قال: فقيل لسعد: إنك تقصر الصلاة وتفطر ويتمان!؟ فقال سعد: نحن أعلم. وعن زكريا بن عمرو: أن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهراً يقصر الصلاة. أو شهر رمضان فأفطره. وعن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر الحكمين بدومة الجندل.

стр. 3214

وعن ضمرة بن ربيعة قال: قال حفص: قدم سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال له معاوية: أين كنت في هذا الأمر؟ فقال: إنما مثلنا ومثلكم كمثل ركب كانوا يسيرون فأصابتهم ظلمة فقالوا: إخ إخ. فقال معاوية: ما في كتاب الله إخ إخ، ولكن في كتاب الله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ". قال: فبايعه وما سأله شيئاً إلا أعطاه إياه. وعن سعيد بن المسيب عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، من أنا؟ قال: أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة. من قال غير ذلك فعليه لعنة الله. قال الزبير بن بكار: من ولد أهيب بن عبد مناف بن زهرة سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالكٌ، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس. وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أول من أهراق دماً في سبيل الله، وقال بعض الناس: طليب بن عمير أول من أهرق دماً في سبيل الله. وولى عمر سعد بن أبي وقاص قتال فارس، وكان بيني داريه بالبلاط، فقال له: تشغلني عن بناء داري! فقال عمر: أنا أكفيك بناءهما. فكان عمر يحضر بناءهما حتى فرغ منهما. وأشار لي بعض المشايخ إلى بعض بناء عمر الذي بنى له على حاله، وهو إلى اليوم على حاله. وهو أحد العشرة الذين كان رسول الله ﷺ ذكر أنهم في الجنة. وفتح مدائن كسرى، وهو أحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب الشورى إليهم بعده. وكان مستجاب الدعوة. وسعد كوف الكوفة ونفى الأعاجم، وكان أهل الكوفة قد رفعوا عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلاً، وكان مما رفعوا عليه أنه لا يحسن الصلاة، فقال: نعم حين

стр. 3215

ذكر ذلك له والله إني لأركد في الأوليين وأحذف الأخريين. فقال عمر: ذاك الظن بك أبا إسحاق. وأمره أن يعود إلى الكوفة، فقال: تأمرني أن أعود إلى قوم زعموا أني لا أحسن الصلاة!؟ وأبى، فلما طعن عمر قال في وصيته حيث أسماه في أهل الشورى: إن ولي سعد الإمارة فذاك، وإلا فليستعين به الوالي من بعدي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. واعتزل اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ بعد قتل عثمان، ونزل قلهي، واحتفر فيه بئراً فأعذب، وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار الناس شيئاً، حتى تجتمع الأمة على إمام. ونظر يوماً إلى راكب يزول فقال: هذا راكب، فلما دنا قيل له: هذا ابنك عمر بن سعد. فجاء عمر، فأناخ ثم قال لأبيه: أرضيت لنفسك أن تقيم بهذا المنزل، وأصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في الخلافة؟ فقال له: إن جئتني بسيفٍ يعرف المؤمن من الكافر إذا ضربت به فعلت. فقال له: ليس إلا هذا. قال: لا. فوثب، فقال: اجلس حتى تصيب طعاماً. قال: لا حاجة لي بطعامكم. وذكر بعض أهل العلم: أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص جاءه فقال له: هاهنا مئة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر. فقال: أريد من مئة ألف سيف سيفاً واحداً، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئاً، وإذا ضربت به الكافر قطع. فانصرف من عنده إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فكان في أصحابه وقاتل معه. عن خليفة بن خياط قال: سعد بن أبي وقاص ولاه عمر وعثمان الكوفة، ومات بالمدينة سنة خمس وخمسين. قال ابن سعد: سعد بن أبي وقاص شهد بدراً وأحداً، وثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ حين ولى

стр. 3216

الناس، وشهد الخندق والحديبية وخيبر، وفتح مكة وكانت معه يومئذ إحدى رايات المهاجرين الثلاث، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله ﷺ . وأسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، وقيل: ابن تسع عشرة، وقيل: ابن أربع وعشرين سنة. وكان قصيراً، دحداحاً، غليظاً، ذا هامةٍ، شثن الأصابع. وتوفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة سنة خمس وخمسين، ويقال: سنة ثمان وخمسين. وكانت سنه يوم توفي أربعاً وسبعين سنة، ويقال: ثلاثاً وثمانين، وصلى عليه مروان بن الحكم. قال أبو بكر الخطيب: وهو من المهاجرين الأولين، حضر مع رسول الله ﷺ مشاهده، وجاهد بين يديه، وفداه النبي ﷺ بأبويه فقال له: فداك أبي وأمي، ودعا له فقال: اللهم، سدد رميته وأجب دعوته، فكان مجاب الدعوة. ولما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جيوش المسلمين إلى العراق أمر سعداً عليهم ففتح الله على يده المدائن وغيرها من بلاد الفرس، ثم ولاه عمر أيضاً الكوفة لما مصرت. وقيل: إن سعداً كان جعد الشعر، أشعر الجسد، آدم، طويلاً، أفطس. وقيل: إنه كان يخضب بالسواد، وقيل: وكان مفزور الأنف. قال سعد: اتبعت رسول الله ﷺ وما في وجهي ولا شعرة. وعن سعيد بن المسيب أن سعداً قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام. وعن سعد قال: ما أسلم أحدٌ قبلي إلا رجل أسلم في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد أتى علي يوم وإني لثلث الإسلام.

стр. 3217

وعن سعد قال: لقد أسلمت وما فرض الله الصلوات. وعن سعد قال: رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئاً إذ أضاء لي قم فاتبعته، فكأني أنظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر، وكأني أسألهم: متى انتهيتم إلى هاهنا؟ قالوا: الساعة. وبلغني أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام مستخفياً فلقيته في شعب أجياد، وقد صلى العصر، فقلت: إلام تدعو؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله. فما تقدمني أحد إلا هم. وعن سعد بن مالك قال: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد قبلي، ولقد رأيته يقول لي: " يا سعد، ارم فداك أبي وأمي، وأنا أول المسلمين رمى المشركين بسهم. " وعن سعد بن أبي وقاص قال: رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ وما لنا طعامٌ إلا ورق الحبلة، إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما يخالطه شيءٌ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام. لقد خسرت إذاً وضل سعيي!؟ وعن سعد قال: أنا أول من رمى في الإسلام بسهمٍ، خرجنا مع عبيدة بن الحارث ستين راكباً سرية. وعن جابر بن سمرة قال: خرجت أنا وسعد في سرية فانهزمنا، فالتفت سعد فإذا رجل رجلٍ خارجة من

стр. 3218

الرحل، فرماه بسهم فأصاب ساقه، فكأني أنظر إلى الدم على الرجل كأنه شراك، وكان أول من رمى بسهم في الإسلام. وفي رواية: وهو من أخوال رسول الله ﷺ . وعن محمد بن عمر الواقدي قال: وكان رجال من المشركين قد أذلقوا المسلمين بالرمي منهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشمي، فجعل النبي ﷺ يقول لسعد بن أبي وقاص: " ارم فداك أبي وأمي " ورمى حبان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن وجاءت يومئذٍ تسقي الجرحى فعقلها وانكشف عنها، فاستغرب في الضحك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهماً لا نصل له فقال: ارم، فوقع السهم في ثغرة نحر حبان، فوقع مستلقياً وبدت عورته. قال سعد: فرأيت رسول الله ﷺ ضحك يومئذٍ حتى بدت نواجذه، ثم قال: استقاد لها سعد. أجاب الله دعوتك وسدد رميتك. وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: دفع إلي رسول الله ﷺ يوم أحد ما في كنانته من السهام وقال: ارم سعد، فداك أبي وأمي، وما جمعهما رسول الله ﷺ لغيري قبلي ولا بعدي منذ بعثه الله . وعن يحيى بن حمزة: أن المشركين لما دنوا من المسلمين يوم أحد قال رسول الله ﷺ : احتتهم يا سعد. فقال سعد: فرميت بسهم فقتلت، ثم قال رسول الله ﷺ : احتتهم يا سعد، فقال سعد: فرميت بسهمٍ أعرفه حتى واليت بين سبعة نفر أو ثمانية، كل ذلك يرد علي سهمي أعرفه، فقلت: هذا سهم دم، فجعلته في كنانتي لا يفارقني.

стр. 3219

وعن عامر بن سعد: أن سعداً رمى يومئذ فقال رسول الله ﷺ : نبلوا سعداً، اللهم ارم له، وقال: ارم سعد، فداك أبي وأمي. قال عمير بن إسحاق: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله ﷺ وسعد يرمي بين يديه، وفتًى ينبل له، كلما ذهب نبل أتاه بها. قال: ارم أبا إسحاق. فلما فرغوا نظروا من الشاب فلم يروه، ولم يعرف. وحدث أيوب بن عائشة بنت سعد قال: سمعتها تقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله ﷺ يوم أحدٍ بالأبوين. وعن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً فيها سعد بن أبي وقاص إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ وهو من جانب الجحفة فانكفأ المشركون على المسلمين فحماهم سعد بن أبي وقاص يومئذ بسهامه، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان هذا أول قتال كان في الإسلام، وقال سعد في رميته: من الوافر ألا هل أتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلهم ذياداً ... بكل حزونةٍ وبكل سهل فما يعتد رامٍ في عدوٍّ ... بسهمٍ يا رسول الله قبلي

стр. 3220

وعن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني أرمي بالسهم يومئذ يعني يوم أحد فيرده علي رجلٌ أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد فظننت أنه ملك. وعن علقمة عن عبد الله قال: رأيت سعداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال. وعن سعد قال: رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن النبي ﷺ أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وإني لآراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة سروراً بما ظفره الله . وفي رواية أخرى عنه قال: لقد رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. وعن عبد الله بن مسعود قال: أشرك رسول الله ﷺ بيني وبين عمار وسعد في درقة تسلحناها، وأشركنا فيما أصبنا، فأخفقت أنا وعمار، وجاء سعد بأسيرين. وفي حديث آخر بمعناه: أنه في يوم بدر. وعن ابن شهاب: أنه خفي خبر رسول الله ﷺ يوم أحد على الناس كلهم إلا على ستة نفر: الزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، وأبي دجانة، وسهل بن حنيف. وعن أبي إسحاق قال: كان أشد أصحاب النبي ﷺ أربعة: عمر، وعلي، والزبير، وسعد، يعني ابن أبي وقاص. وعن عائشة قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني

стр. 3221

الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح فقال: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص. فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ فقال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه. فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام. وعن أنس قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأطلع سعد بن أبي وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك فطلع سعد بن أبي وقاص على مرتبته الأولى، حتى إذا كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع سعد بن أبي وقاص على مرتبته، فلما قام رسول الله ﷺ ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني عارضت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليالٍ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت. قال أنس: فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة، حتى كان مع الفجر، فلم يقم من تلك الليلة شيئاً، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره، حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه، ثم يصبح مفطراً، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليالٍ وأيامهن لا يزيد علي ذلك، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً. فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله فقلت: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك فبك ثلاث مرات في ثلاثة مجالس: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فاطلعت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟! فقال: ما هو إلا الذي قد رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت عنه، فدعاني حين وليت فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي سوءاً لأحد من المسلمين ولا أقوله. قال: هذه التي بلغت بك وهي التي لا أطيق. وعن عائشة بنت سعد عن أبيها: أن رسول الله ﷺ جلس في المسجد ثلاث ليالٍ فقال: اللهم، أخرج من هذا الباب عبداً تحبه ويحبك، فدخل منه سعد ثلاث ليال. قال عبد الرحمن بن الأخنس: شهدت المغيرة بن شعبة خطب فنال من علي، فقام سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل

стр. 3222

العدوي عدي قريش فقال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عشرة في الجنة: رسول الله ﷺ في الجنة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.... ولو شئت أن أسمي العاشر سميته. ثم سماه فقال: سعيد بن زيد ". وعن سعيد بن زيد قال: كنا جلوساً مع النبي ﷺ على حراء. فقال: اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو شهيد أو صديق، وعليه النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد. " وعن سعد بن مالك قال: نزلت هذه الآية في: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ". قال: كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت!؟ لتدعن دينك هذا أو ولا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه. قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. قال: فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب وليلة. قال: وأصبحت قد جهدت، قال: فمكثت يوماً آخر وليلةً لا تأكل، فأصبحت واشتد جهدها. قال: فلما رأيت ذلك قلت: يا أمهن تعلمين والله يا أمه، لو كانت لك مئة نفسٍ، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت هذه الآية. وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: نزلت في أربع آيات: الأنفال، و" صاحبهما في الدنيا معروفاً ". والوصية، والخمر.

стр. 3223

وعن جابر قال: كنا عند النبي ﷺ فأقبل سعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : هذا خالي فليرني امرؤٌ خاله. وعن عائشة بنت سعد عن أبيها قال: وضع رسول الله ﷺ يده على جبهتي ثم مسح وجهي وصدري وبطني ثم قال: اللهم، اشف سعداً، فما زلت أجد برد يده على صدري فيما يخيل إلي حتى الساعة. قال أبو أمامة: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء فقال: يا ليتني مت. فقال رسول الله ﷺ : يا سعد، أعندي تتمنى الموت؟ فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال: يا سعد، إن كنت خلقت للجنة فما طال عمرك أو حسن من عملك فهو خيرٌ لك. وعن عامر قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أصبت الدعوة؟ قال: يوم بدر كنت أرمي بين يدي النبي ﷺ ، فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول: اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم، وافعل بهم، وافعل ... فيقول النبي ﷺ : اللهم استجب لسعدٍ. وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يستجيب دعائي. قال: يا سعد إن الله لا يستجيب دعاء عبد حتى تطيب طعمته. قال: يا رسول الله، ادع الله أن يطيب طعمتي، فإني لا أقوى إلا بدعائك. فقال: اللهم أطب طعمة سعد. فإن كان سعد ليرى السنبلة من القمح في حشيش دوابه، حين أتي به عليه فيقول لهم: ردوها من حيث حصدتموها. وعن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله ؟ فخلوا في ناحية، فدعا سعدٌ فقال: يا رب، إذا لقينا

стр. 3224

القوم غداً فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه. قال: فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم، ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده، فأقاتله ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً قلت لي: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد بن أبي وقاص: كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه لمعلق في خيط. وعن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي. فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ صلاتي العشي لا أخرم منها، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين. فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فبعث رجالاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجداً من مساجد أهل الكوفة إلا قالوا خيراً وأثنوا خيراً، حتى أتوا مسجداً من مساجد بني عبس، فقال رجل يقال له أبو سعدة: أما إذ نشدتمونا بالله، فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية. فقال سعد: اللهم، إن كاذباً فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن. قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا سئل: كيف أنت؟ يقول: كبير قير مفتونٌ، أصابتني دعوة سعد. وعن مصعب بن سعد: أن سعداً خطبهم بالكوفة ثم قال: يا أهل الكوفة، أي أميرٍ كنت لكم؟ فقام رجل فقال: اللهم، إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسوية، ولا تغزو في السرية. قال: فقال سعد: اللهم، إن كان كاذباً فأعم بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرضه للفتن. قال: فما مات حتى عمي، فكان يلتمس الجدرات، وافتقر حتى سأل الناس، وأدرك فتنة المختار الكذاب فقتل فيها، فكان إذا قيل له: كيف أنت؟ قال: أعمى فقير، أدركتني دعوة سعدٍ.

стр. 3225

وعن سعيد بن المسيب قال: خرجت جاريةٌ لسعد يقال لها زبرا، وعليها قميصٌ جديد، فكشفتها الريح، فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعدٌ ليمنعه، فتناوله بالدرة، فذهب سعدٌ يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص. فعفا عن عمر. وعن قيس قال: وكان لابن مسعود على سعدٍ مالٌ، فقال له ابن مسعود: أد المال الذي قبلك. فقال سعد: والله إني لأراك لاقٍ مني شراً، هل أنت إلا ابن مسعود عبدٌ من هذيل؟ قال: أجل والله، إني لابن مسعود، وإنك لابن حمنة. فقال لهما هاشم بن عتبة: إنكما صاحبا رسول الله ﷺ ينظر الناس إليكما. فطرح سعدٌ عوداً كان في يده ثم رفع يده فقال: اللهم رب السموات.... فقال له عبد الله: قل قولاً ولا تلعن. فسكت، ثم قال سعد: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوةً لا تخطئك. وكان سعد قد أصابه خراج فلم يشهد يوم فتح القادسية. قال قبيصة بن جابر: فقال رجل منا: م الطويل نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعدٌ بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساءٌ كثيرةٌ ... ونسوة سعدٍ ليس فيهن أيم فبلغت سعداً فقال: اللهم، إن كان كاذباً، أو قال الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع عني لساني ويده. قال قبيصة: فوالله إني لواقف بين الصفين يومئذ، إذ أقبلت نشابةً بدعوة سعد، حتى وقعت في لسانه، ويبس شقه فما تكلم كلمة حتى لحق بالله . وعن سعيد بن المسيب: أن رجلاً كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد بن مالك ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام سعد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم، إن كان مسخطاً لك فيما
следующие страницы →