← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

قال محمد بن خالد: كان لسعيد بن عبد الله بن خالد بن أسيد قصرٌ بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فكان يزيد إذا ركب إلى الجمعة ركب سعيد فوافاه بموضع لا يخطئه، فقال له يزيد: إن لي حاجة. قال: إذن لا ترد عنها. قال: تهب لي قصرك. قال: هو لك. قال: وإن لك به خمس حوائج فاسألها. قال: أول ما أسأل أن ترد علي قصري. قال: فرده، وقضى له أربع حوائج. سعيد بن خالد بن عبد الله ابن يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثم القسري كان بدمشق مع أبيه خالد بعدما عزل عن العراق. حدث سعيد بن خالد عن جده يزيد بن أسدٍ أن النبي ﷺ قال: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ". سعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عثمان، ويقال: أبو خالد الأموي سكن بدمشق. سأل سعيد بن خالد عروة بن الزبير عن الوضوء مما مست النار، فقال عروة: سمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : " توضؤوا مما مست النار ". وعن عمرو بن حبيب: أنه قال لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان: ما علمت أن رسول الله ﷺ قال: خاب عبدٌ وخسر لم يجعل الله في قلبه رحمةً للبشر قال رجاء بن أبي سلمة: أتي عمر بن عبد العزيز بطبق فيه تمر، وعنده سعيد بن خالدٍ، فقال: يا أبا خالد،

стр. 3257

أترى الرجل يكتفي بحفنة من هذا التمر؟ قال: أما واحدة فلا. قال: فثنتين؟ قال: نعم. قال: فعلى ماذا نتهور في النار إذاً؟ سعيد بن أبي راشد حدث عن التنوخي النصراني رسول قيصر إلى سيدنا رسول الله ﷺ . قال سعيد بن أبي راشد: رأيت رجلاً على باب معاوية، فقالوا: هذا الجهني رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ . قال: فقمت إليه. قال: فقلت: أنت رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: لما نزل رسول الله ﷺ بتبوك، أو سار إلى تبوك، دعا عريفي قيصر، فقال: ابغ لي رجلاً فصيحاً يبلغ هذا الرجل عني. قال عريفي: فانطلق بي إليه. قال: فكتب معي إليه، وقال: احفظ عني ثلاثاً: لا تذكر عنده الصحيفة، ولا الليل، وانظر الذي بظهره. قال: وكتب معي. فأتيت رسول الله ﷺ بتبوك، قال: فدفعت إليه الكتاب، فدعا رجلاً يقرأ الكتاب، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: معاوية، فكتبت اسمه عندي. قال: وقال لي: أما إنك لو كنت وافقت عندنا شيئاً أعطيناك. قال: فقال رجل من القوم: عندي يا رسول الله، فكساني حلةً صفرية، فقلت: من هذا؟ قالوا: عثمان بن عفان. قال: فكتبت اسمه عندي. ثم قال: من يقوته؟ قال: فقال رجل من القوم: أنا. قال: فسألت عن اسمه، فقيل لي: سعد بن عبادة. قال: ثم قرأ الكتاب: إنك كتبت إلي تدعوني إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : إذا جاء الله بالنهار، فأين الليل؟ قال: ثم قال رسول الله ﷺ : إن صاحب فارس مزق كتابي، والله ممزق ملكه، وإن صاحبكم بلغني أنه اقتنى بكتابي، وإنه لن يزال للناس منه بأس شديد ما كان في العيش خير. قال: فلما قمت قال لي: تعاله، إنها قد بقيت واحدةٌ. قال: ثم أخذ بثوبه فألقاه عنه، فنظرت إلى التي بظهره.

стр. 3258

قال: كذا قال الجهني. وروي من غير هذا الوجه عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل. فذكر نحوه. سعيد بن زياد بن فائد ابن زياد بن أبي هند ويقال: يزيد بن عبد الله بن يزيد بن عميت بن ربيعة ابن دراع بن عدي بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نمارة بن لخم ابن عدي بن الحارث بن الدار من عمال بيت المقدس. حدث سعيد بن زياد عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من راءى بالله لغير الله فقد برىء من الله . وحدث أيضاً عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : " من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليلتمس رباً سواي ". وحدث سعيد بن زياد عن أبيه عن جده عن أبي هند الداري قال: أهدي لرسول الله ﷺ طبقٌ من زبيب مغطى، فكشف عنه رسول الله ﷺ ثم قال: كلوا بسم الله، نعم الطعام الزبيب، يشد العصب، ويذهب الوصب، ويطفىء الغضب، ويطيب النكهة، ويذهب البلغم، ويصفي اللون ... وذكر خصالاً تمام العشرة لم يحفظها سعيد. وحدث سعيد بن زياد: أنه لم دخل على المأمون بدمشق قال: أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لكم. قال: فأريته، قال: فقال، إني لأشتهي أن أدري أي شيء على هذا الغشاء على هذا الخاتم. قال: فقال له أبو إسحاق: حل العقد حتى تدري ما هو. قال: فقال: ما أشك أن

стр. 3259

النبي ﷺ عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقداً عقده رسول الله ﷺ . قال: ثم قال للواثق: خذه فضعه على عينيك لعل الله أن يشفيك، وجعل يضعه على عينيه ويبكي. سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي أبو الأعور القرشي العدوي أحد العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة. شهد اليرموك وحصار دمشق. وولاه أبو عبيدة بن الجراح دمشق، وخرج مع عمر بن الخطاب في خرجته الثانية إلى الشام التي رجع فيها من سرغ وكان أميراً على ربع المهاجرين. روى سعيد بن زيد: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكمأة فقال: هي من المن، وماؤها شفاءٌ للعين. وعن عروة: قال في تسمية أهل بدر: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قدم من الشام بعد ما رجع رسول الله ﷺ من بدر، فكلم رسول الله ﷺ فضرب له بسهمه، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال زعموا: وأجرك. وفي حديث محمد بن عمر: قال في تسمية من شهدوا بدراً من بني عدي: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: كان النبي ﷺ بعثه هو وطلحة يتحسسان العير، فضرب له بسهمه وأجره. وأم سعيد فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن المعمر من خزاعة،

стр. 3260

وقيل ابن المعمور، وقيل ابن المعمود. وهو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، كان جده عمرو بن نفيل، والخطاب بن نفيل والد عمر أخوان لأب. كان سعيد رجلاً آدم طوالاً، توفي بالعقيق، وحمل أعناق الرجال، ودفن بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين. وقال الهيثم بن عدي: توفي سعيد بالكوفة في زمن معاوية، وصلى عليه المغيرة وهو يومئذ واليها. وكان لسعيد يوم توفي ثلاث وسبعون سنة، ونزل في حفرته سعدٌ، ابن عمر. أسلم سعيد بن زيد قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها. قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني وإني لموثقي عمر بن الخطاب على الإسلام وما كان أسلم بعد. قالوا: ولما تحين رسول الله ﷺ فصول عير قريش من الشام بعث طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قبل خروجه من المدينة بعشر ليالٍ يتحسسان خبر العير فخرجا حتى بلغا الحوراء فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرت بهم العير، وبلغ رسول الله ﷺ الخبر قبل رجوع طلحة وسعيد إليه، فندب أصحابه، وخرج يريد العير، فتساحلت العير، وأسرعت، وساروا الليل والنهار فرقاً من الطلب، وخرج طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يريدان المدينة، ليخبرا رسول الله ﷺ خبر العير، ولم يعلما بخروجه، فقدما المدينة في اليوم الذي لاقى رسول الله ﷺ النفير من قريش ببدر، فخرجا من المدينة يعترضان رسول الله ﷺ فلقياه بتربان فيما بين مللٍ والسيالة على المحجة منصرفاً من بدر، فلم يشهد طلحة وسعيد الوقعة، وضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمانهما وأجورهما في بدر، وكانا كمن شهدها. وشهد سعيد أحداً والخندق والمشاهد كلها من سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 3261

وعن عبد الرحمن بن الأخنس: أن المغيرة بن شعبة خطب فنال من علي، قال: فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رسول الله ﷺ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة ... ثم قال: إن شئتم أخبرتكم بالعاشر، ثم ذكر نفسه. " وفي حديث آخر بمعناه: ثم أتبع ذلك يميناً قال: والله لمشهدٌ شهده رجل مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ أفضل من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح. وعن سعيد بن زيد: أنه كان عاشر عشرة مع رسول الله ﷺ على حراء فتحرك حراء فقال رسول الله ﷺ : " اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد ". وقال سعيد بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة....فقال المغيرة بن شعبة لسعيد: أذكرك الله من التاسع؟ قال: دعني عنك. قال: أذكرك الله من التاسع؟ قال: فلم يزل به حتى قال: أنا التاسع. يقول سعيد بن زيد ذلك لنفسه. وعن يوسف بن مالك الأنصاري: أن النبي ﷺ لما رجع من مكة إلى المدينة، قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أبا بكر الصديق لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك كله. يا أيها الناس، إني راضٍ عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد، وسعيد بن زيد، والمهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم. يا أيها الناس، إن الله تعالى قد غفر لأهل بدر والحديبية. يا أيها الناس، لا تؤذوني في أصحابي ولا في أصهاري، ولا

стр. 3262

يطالبنكم أحد منهم بمظلمة، فإنها مظلمة لا توهب في القيامة لأحد من الناس. يا أيها الناس، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات الميت فقولوا فيه خيراً. وعن سعيد بن جبير قال: كان مقام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كانوا أمام رسول الله ﷺ في القتال، وخلفه في الصلاة في الصف، وليس لأحد من المهاجرين والأنصار يقوم مقام أحد منهم غاب أم شهد. وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: وماذا سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شيئاً من الأرض طوقه إلى سبع أرضين، فقال له مروان: لا أسألك بينةً بعد هذا. فقال: اللهم، إن كانت كاذبةً فأعم بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتت. وفي حديث آخر بمعناه: وقال: اللهم، إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها، واجعل قبرها في بئرها، فعميت أروى. قالوا: وإن أروى خرجت في بعض حاجتها بعد ما عميت، فوقعت في البئر، فماتت، فقالوا: وسألت أروى سعيداً أن يدعو لها، وقالت: إني ظلمتك. فقال: لا أرد على الله شيئاً أعطانيه. وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض فيقول: أعمالك الله عمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون: أعمالك الله عمى الأروى. يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى.

стр. 3263

وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لابنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام: ما يحسبك؟ قال: حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع: فإنه سيد أهل البلد، إذا بايع بايع الناس. قال: أفلا أذهب فآتيك به؟ قال: فجاء الشامي وأنا مع أبى في الدار. قال: انطلق فبايع. قال: انطلق، فسأجيء فأبايع، فقال: لتنطلقن، أو لأضربن عنقك. قال: تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم أنا قاتلتهم على الإسلام. قال: فرجع إلى مروان، فأخبره، فقال له مروان: اسكت. قال: وماتت أم المؤمنين، أظنها، زينت، فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي: ما يحبسك أن تصلي على أم المؤمنين. قال: أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يصلي عليها. فقال الشامي: أستغفر الله. وفي حديث آخر بمعناه: فقال: يأمرني مروان أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتى أسلموا، والله ما أسلموا، ولكن استسلموا. فقال أهل الشام: مجنون. قال: ومات بعض أزواج النبي ﷺ فقالوا: أظنها ميمونة وأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد فلما حضرت الجنازة قال أهل الشام: ألا تصلي عليها أيها الأمير؟ قال: إنها أوصت أن يصلي عليها ذلك المجنون. فانتظروا حتى جاء سعيد فصلى عليها. وأنشد لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: من الخفيف ويكأن من يكن له نشبٌ يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجي ولك ... ن أخا المال محضرٌ كل سر

стр. 3264

وعن نافع: أن ابن عمر ذكر له أن سعيدٍ بن زيد بن عمرو بن نفيل وكان بدرياً مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة، وترك الجمعة. وعن نافع قال: مات سعيد بن زيد وكان بدرياً فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتحنطه بالمسك؟ قال: وأي طيبٍ أطيب من المسك؟ هلمي مسكاً. فناولته إياه. قال: ولم نكن نصنع كما تصنعون، كنا نتبع بحناطه مراقه ومغابنه. سعيد بن سويد الكلبي الحمصي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني عبد الله، والله، في أم الكتاب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى في قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين. حدث سعيد بن سويد: أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة، وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فلما فرغ جلس، وجلسنا معه، قال: فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك، فلو لبست، وصنعت. فنكس ملياً حتى عرفنا أن ذلك قد ساءه، ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند القدرة. سعيد بن سهل بن محمد ابن عبد الله أبو المظفر النيسابوري المعروف بالفلكي سمع بنيسابور، وكان وزر لصاحب خوارزم، ثم خافه، فخرج عن خوارزم، وحج، وتصدق بالحجاز بصدقات كثيرة. وقدم دمشق سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة. وكان شيخاً مسناً، حسن الاعتقاد، متواضعاً. ﵀.

стр. 3265

حدث عن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي العباس بن أبي الطيب الأخرم المديني المؤذن بسنده عن معمر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: لا يحتكر إلا خاطىء. مات سعيد الفلكي سنة ستين وخمس مئة. سعيد بن شداد أبو عثمان حدث عن محمد بن طرخان عن محمد الكلبي: في قوله الله : " لآتينهم من بين أيديهم ". قال: من قبل الآخرة. قال: يقول لهم: إنه لا جنة، ولا نار، ولا نشور، ولا حساب. " ومن خلفهم ". من قبل الدنيا يذكرهم الشح، والضن بالأموال، ولما يتركون خلفهم من الضيعة والعيال، فلا ينتفعون منه بشيء. " وعن أيمانهم ". قال: من قبل الدين، والحسب. " وعن شمائلهم ". قال: من قبل الشهوات والمعاصي " ولا تجد أكثرهم شاكرين ". سعيد بن شمر شيخ من أهل دمشق. حدث عمن حدثه عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت رجلاً قد اصطلمت أذنه، فقلت: يا عبد الله، ما الذي فعل بك ما أرى؟ قال: كنت مع علي أيام الجمل، فلما انهزم أهل البصرة خرجت، فإذا رجل يفحص برجله وهو يقول: من الطويل لقد أوردتنا حومة الموت أمنا ... فلم ننصرف إلا ونحن رواء لقد كان عن نصر ابن ضبة أمه ... وأشياعها مستبعدٌ ومناء أطعنا قريشاً ضلةً من حلومنا ... وطاعتنا أهل الحجاز شقاء

стр. 3266

كفينا بني تيم بن مرة ما جنت ... وما التيم إلا أعبدٌ وإماء قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، قل: لا إله إلا الله. قال: أوص بها أمك فهي أحقٌ بها، أتأمرني بالجزع عند الموت؟ فلما وليت ناداني فقال: يا عبد الله، قد قبلتها، فادن مني، ولقنيها، وأسمعني، فإن في أذني وقراً. قال: فدنوت منه، فجعلت ألقنه إياها، فأزم أذني فاقتطعها، ثم قال: أخبر أمك أن الذي فعل هذا بك عمير بن الأهلب الضبي. سعيد بن العاص بن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عثمان ويقال: أبو عبد الرحمن الأموي أدرك النبي ﷺ وله عنه رواية. وقتل أبوه العاص بن سعيد يوم بدرٍ كافراً. وكان سعيد عامل عثمان على الكوفة، واستعمله معاوية على المدينة غير مرة. وقدم على معاوية بعد استقرار الأمر له، ولم يدخل معه في شيء من حروبه، وكانت له بدمشق دار، كانت بعده تعرف بدار نعيم، وحمام نعيم بنواحي الديماس. ثم رجع سعيد إلى المدينة، ومات بها. وكان كريماً جواداً ممدحاً. حدث سعيد بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: " خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية ". حدث سعيد بن عمرو بن سعيد أنه سمع أباه يوم المرج يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لولا أني سمعت من رسول الله ﷺ يقول: إن الله سيعز هذا الدين بنصارى من ربيعة على شاطىء الفرات. ما تركت عربياً إلا قتلته أو يسلم.

стр. 3267

وعن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ببردٍ فقالت: إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب، فقال: أعطيه هذا الغلام، يعني: سعيد بن العاص، وهو واقف: فلذلك سميت الثياب السعيدية. ومن حديثٍ: قال عمر بن الخطاب لسعيد بن العاص: ما لي أراك معرضاً؟ كأنك ترى أني قتلت أباك! ما أنا قتلته، ولكن قتله علي بن أبي طالب، ولو قتلته ما اعتذرت من قتل مشرك، ولكني قتلت خالي بيدي: العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين، لو قتلته كنت على حق، وكان على باطل. فسر ذلك عمر منه. قالوا: ولم يزل سعيد بن العاص في ناحية عثمان بن عفان للقرابة. فلما عزل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن الكوفة، دعا سعيد بن العاص فاستعمله عليها. فلما قدم الكوفة قدمها شاباً مترفاً، ليست له سابقة، فقال: لا أصعد المنبر حتى يطهر. فأمر به فغسل، ثم صعد المنبر، فخطب أهل الكوفة، وتكلم بكلام، قصر بهم فيه، ونسبهم إلى الشقاق والخلاف، فقال: إنما هو السواد بستانٌ لأغيلمة من قريش. فشكوه إلى عثمان. فقال: كلما رأى أحدكم من أمير جفوة أرادنا أن نعزله؟! وقدم سعيد بن العاص المدينة وافداً على عثمان، فبعث إلى وجوه المهاجرين والأنصار بصلاتٍ وكسًى، وبعث إلى علي بن أبي طالب أيضاً، فقبل ما بعث به إليه، وقال علي: إن بني أمية ليفوقوني تراث محمد تفوقاً، والله لئن بقيت لهم لأنفضنهم من ذلك نفض القصاب الثراب الوذمة. ثم انصرف سعيد بن العاص إلى الكوفة، فأضر بأهلها إضراراً شديداً، وعمل عليها خمس سنين إلا أشهراً.

стр. 3268

وقال مرة بالكوفة: من رأى الهلال منكم؟ وذلك في فطر رمضان فقال القوم: ما رأيناه. فقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص: أنا رأيته. فقال له سعيد: بعينك هذه العوراء رأيته من بين القوم؟ فقال هاشم: تعيرني بعيني وإنما فقئت في سبيل الله وكانت عينه أصيبت يوم اليرموك ثم أصبح هاشم في داره مفطراً، وغدى الناس عنده فبلغ ذلك سعيد بن العاص، فأرسل إليه، فضربه، وحرق داره. فخرجت أم الحكم بنت عتبة بن أبي وقاص وكانت من المهاجرات ونافع بن عتبة بن أبي وقاص من الكوفة حتى قدما المدينة فذكرا لسعد بن أبي وقاص ما صنع سعيد بهاشم، فأتى سعد عثمان، فذكر ذلك له، فقال عثمان: سعيد لكم بهاشم اضربوه بضربه، ودار سعيد لكم بدار هاشم فاحرقوها كما حرق داره. فخرج عمر بن سعد بن أبي وقاص وهو يومئذٍ غلام يسعى حتى أشعل النار في دار سعيد بالمدينة، فبلغ الخبر عائشة ﵂، فأرسلت إلى سعد بن أبي وقاص تطلب إليه، وتسأله أن يكف، ففعل، ورحل من الكوفة إلى عثمان الأشتر مالك بن الحارث، ويزيد بن مكنف، وثابت بن قيس، وكميل بن زياد النخعي، وزيد وصعصعة ابنا صوحان العبديان، والحارث بن عبد الله الأعور، وجندب بن زهير وأبو زينب الأزديان، وأصفر بن قيس الحارثي، يسألونه عزل سعيد بن العاص عنهم. ورحل سعيد وافداً على عثمان، فوافقهم عنده، فأبى عثمان أن يعزله عنهم، وأمره أن يرجع إلى عمله، فخرج الأشتر من ليلته في نفرٍ من أصحابه، فسار عشر ليالٍ إلى الكوفة، واستولى عليها، وصعد على المنبر، فقال: هذا سعيد بن العاص قد أتاكم يزعم أن هذا السواد بستان لأغيلمةٍ من قريش، والسواد مساقط رؤوسكم، ومراكز رماحكم وفيئكم وفيء آبائكم، فمن كان يرى لله عليه حقاً فلينهض إلى الجرعة. فخرج الناس فعسكروا بالجرعة وهي بين الكوفة والحيرة وأقبل سعيد بن العاص حتى نزل العذيب، فدعا الأشتر يزيد بن قيس الأرحبي، وعبد الله بن كنانة العبدي وكانا محربين فعقد لكل واحد منهما على خمس مئة فارس وقال لهما: سيرا إلى سعيد بن العاص، فأزعجاه، وألحقاه بصاحبه، فإن أبى فاضربا عنقه، وائتياني برأسه. فأتياه، فقالا له: ارحل إلى صاحبك فقال: إبلي أنضاءٌ أعلفها أياماً، ونقدم المصر، فنشتري حوائجنا، ونتزود، ثم أرتحل. فقالا: لا والله

стр. 3269

ولا ساعةً، لترتحلن أو لنضربن عنقك. فلما رأى الجد منهما ارتحل لاحقاً بعثمان، وأتيا الأشتر فأخبراه، وانصرف الأشتر من معسكره إلى الكوفة، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: والله يا أهل الكوفة، ما غضبت إلا لله ولكم. قد ألحقنا هذا الرجل بصاحبه، وقد وليت أبا موسى الأشعري صلاتكم وثغركم، وحذيفة بن اليمان على فيئكم، ثم نزل، وقال: يا أبا موسى، اصعد. فقال أبو موسى: ما كنت لأفعل، ولكن هلموا فبايعوا لأمير المؤمنين عثمان، وجددوا له البيعة في أعناقكم. فأجابه الناس إلى ذلك، فقبل ولايتهم، وجدد البيعة لعثمان في رقابهم، وكتب إلى عثمان بما صنع، فأعجب ذلك عثمان وسره، فقال عتبة بن الوغل شاعر أهل الكوفة: من الطويل تصدق علينا يا بن عفان واحتسب ... وأمر علينا الأشعري ليالي فقال عثمان: نعم وشهوراً وسنين إن بقيت. وكان الذي صنع أهل الكوفة بسعيد بن العاص أول وهنٍ دخل على عثمان حين اجترىء عليه، ولم يزل أبو موسى والياً لعثمان على الكوفة حتى قتل عثمان، ولم يزل سعيد بن العاص حين رجع عن الكوفة بالمدينة حتى وثب الناس بعثمان فحصروه، فلم يزل سعيد في الدار معه يلزمه فيمن يلزمه، لم يفارقه، ويقاتل دونه. قالوا: فلما خرج طلحة، الزبير، وعائشة من مكة يريدون البصرة خرج معهم سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، والمغيرة بن شعبة. فلما نزلوا مر الظهران ويقال: ذات عرق قام سعيد بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان عاش في الدنيا حميداً، وخرج منها فقيداً، وتوفي سعيداً شهيداً، فضاعف الله حسناته، وحط سيئاته، ورفع درجاته: " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ". وقد زعمتم أيها الناس، أنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطي وأعجازها، فميلوا عليهم بأسيافكم، وإلا فانصرفوا إلى

стр. 3270

منازلكم، ولا تقتلوا في رضى المخلوقين أنفسكم، ولا يغني الناس عنكم يوم القيامة شيئاً. فقال مروان بن الحكم: لا بل نضرب بعضهم ببعض، فمن قتل كان الظفر فيه، ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن ضعيف. وقام المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الرأي ما رأى سعيد بن العاص، من كان من هوازن فأحب أن يتبعني فليفعل. فتبعه منهم أناسٌ، وخرج حتى نزل الطائف، فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفين، ورجع سعيد بن العاص بمن اتبعه حتى نزل مكة، فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفين. ومضى طلحة والزبير، وعائشة، ومعهم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومروان بن الحكم، ومن اتبعهم من قريش وغيرهم إلى البصرة، فشهدوا وقعة الجمل. فلما ولي معاوية الخلافة ولى مروان بن الحكم المدينة، ثم عزله وولاها سعيد بن العاص، ثم عزله، وولاها مروان بن الحكم ثم عزله وولاها سعيد بن العاص، فمات الحسن بن علي بن أبي طالب في ولايته تلك سنة خمسين بالمدينة، فصلى عليه سعيد بن العاص. قدم محمد بن عقيل بن أبي طالب على أبيه وهو بمكة فقال: ما أقدمك يا بني؟ قال: قدمت لأن قريشاً تفاخرني، فأردت أن أعلم أشرف الناس. قال: أنا، وابن أمي، ثم حسبك بسعيد بن العاص. وعن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد إلى معاوية في حوائج، فلما فرغت منها قلت له: يا أمير المؤمنين، كل ما جئت له فقد فرغت منه، وبقيت لي حاجة، أصدرها في مصادرها. قال: وما هي؟ قلت: من لهذه الأمة بعدك؟ قال: وما أنت من ذاك؟ فقلت: ولم يا أمير المؤمنين؟ فوالله إني لقريب القرابة، عظيم الشرف، ناصح الجيب، واد الصدر، فسكت ساعة، ثم قال: بين أربعة من بني عبد مناف: كرمة قريش سعيد بن العاص، وفتى قريش حياءً

стр. 3271

ودهاءً وسخاءً عبد الله بن عامر، وأما الحسن بن علي فرجل سيد كريم، وأما القارىء لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله فمروان بن الحكم، وأما رجل نفسه فعبد الله بن عمر، وأما رجل يرد الشريعة مع دواهي السباع، ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير. وعن محمد بن سيرين: أن عثمان بن عفان جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، يعني لكتابة المصحف. وعن سعيد بن عبد العزيز: أن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية لأنه كان أشبههم لهجةً برسول الله ﷺ ، قال سعيد: وقتل العاص مشركاً يوم بدر، ومات سعيد بن العاص قبل بدرٍ مشركاً. وعن عبد الله بن ساعدة قال: جاء سعيد بن العاص إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، إلى متى تمسك بأيدينا؟ قد أكلنا أكلاً هؤلاء القوم: منهم من رمى بالنبل، ومنهم من قد رمى بالحجارة، ومنهم شاهرٌ سيفه! فمرنا بأمرك. فقال عثمان: إني والله ما أريد قتالهم، ولو أردت قتالهم لرجوت أن أمتنع منهم، ولكني أكلهم إلى الله ، وأكل من ألبهم علي إلى الله، فإنا سنجمع عند ربنا، فأما قتالٌ، فوالله ما آمرك بقتال. فقال سعيد: والله لا أسأل عنك أحداً أبداً. فخرج فقاتل حتى أم. حدث محمد بن المنكدر قال: أهدى سعيد بن العاص هدايا لأهل المدينة، وقال لرسوله: لا تعذرني إلا عند علي بن أبي طالب، وقل له: ما فضلت عليك أحداً في الهدية إلا أمير المؤمنين عثمان. فقال علي لما قال له الرسول ذلك: لشد ما نفست علي أمية وضايقتني، والله لئن وليتها لأنفضنها

стр. 3272

نقض القصاب الثراب الوذمة. قال: فقال الأصمعي: التراب، فقال شعبة: ما سمعته إلا الثراب بالثاء. فتحاكما إلى أبي عمرو، فحكم كما قال شعبة. قال أبو محكم: الصواب ما قال شعبة، وحكم به أبو عمرو. قال الثوري: صحف الأصمعي وأصاب شعبة. والثراب: الكروش، يقال: هذه كروش ثربة. والوذمة: ذات زوائد شبهت بوذام الدلو، وقال أبو بكر بن دريد: قولهم التراب الوذمة خطأ، وإن أصحاب الحديث قلبوه، وإنما هو الوذام التربة: قال: وأصله أن كل سير قددته مستطيلاً فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه. قال سليمان بن زياد: كان بين سعيد بن العاص وبين قوم من بني أمية منازعة، فجاءت سعيداً ولاية المدينة من قبل معاوية، فقال: لا أنتصر وأنا والٍ، فترك منازعة القوم. كان معاوية يولي المدينة مروان بن الحكم سنة وسعيد بن العاص سنة، فلما كان في ولاية سعيد كتب إليه معاوية: بلغني أن مروان ابتنى داراً، وأنه خرج في الطريق. فإذا أتاك كتابي هذا فاهدم داره. فقال سعيد: يا جارية، خذي هذا الكتاب فضعيه في الصندوق. فلم يزل يكتب إليه في ولايته تيك، ويأمر باحتفاظ الكتب، لا ينفذ أمره فيما كتب به. ثم ولى مروان فكتب إليه بنظير الكتب التي كتب بها إلى سعيد في مروان، فمضى إلى دار سعيد بالفعلة، وسعيد قد صلى الغداة في المسجد مستقبلاً القبلة فجاء خادم له بخبر مروان، فخرج سعيد، فأخذ بيد مروان، فأدخله الدار، وأخبره مروان بالذي جاء له: فقال سعيد: يا جارية، هاتي الكتب فجاءت بكتب معاوية، فرمى بها إلى مروان. فلما قرأها قال: دواةً وقرطاساً، فكتب إلى معاوية: من الوافر كتبت إلي تأمرني بعقٍ ... كما قبلي كتبت إلى سعيد فلما أن عصاك أردت حملي ... على ملساء تزلق بالسديد لأقطع واصلاً وأخا حفاظٍ ... فرأيك ليس بالرأي الرشيد ولما مات الحسن بن علي بعث مروان بن الحكم إلى معاوية يخبره أنه مات، قال:

стр. 3273

وبعث سعيد بن العاص رسولاً آخر يخبره بذلك، وكتب مروان يخبره بما أوصى به حسن من دفنه مع رسول الله ﷺ ، وإن ذلك لا يكون وأنا حي، ولم يذكر ذلك سعيد، فلما دفن حسن بن علي بالبقيع أرسل مروان بريداً آخر يخبره بما كان من ذلك، ومن قيامه ببني أمية ومواليهم، وأني يا أمير المؤمنين عقدت لوائي ولبسنا السلاح، وأحضرت معي من اتبعني، ألفي رجل، فلم يزل الله بمنه وفضله يدرأ ذلك أن يكون مع أبي بكر وعمر ثالثاً أبداً، حيث لم يكن أمير المؤمنين عثمان مظلوم ﵀، وكانوا هم الذين فعلوا بعثمان ما فعلوا، فكتب معاوية إلى مروان يشكر له ما صنع، واستعمله على المدينة، ونزع سعيد بن العاص، وكتب إلى مروان: إذا جاءك كتابي هذا فلا تدع لسعيد بن العاص قليلاً ولا كثيراً إلا قبضته. فلما جاء الكتاب إلى مروان بعث به مع ابنه عبد الملك إلى سعيد يخبره بكتاب أمير المؤمنين، فلما قرأه سعيد بن العاص صاح بجارية له: هات كتابي أمير المؤمنين، فطلعت عليه بكتابين فقال لعبد الملك: اقرأهما، فإذا فيهما كتاب من معاوية إلى سعيد بن العاص، يأمره حين عزل مروان بقبض أموال مروان التي بذي المروة، والتي بالسويداء، والتي بذي خشب ولا يدع له عذقاً واحداً. فقال: أخبر أباك؟ فجزاه عبد الملك خيراً، فقال سعيد: والله، لولا أنك جئتني بهذا الكتاب ما ذكرت مما ترى حرفاً واحداً. قال: فجاء عبد الملك بالخبر إلى أبيه قال: هو كان أوصل لنا منا له. قال صالح بن كيسان: كان سعيد بن العاص رجلاً حليماً وقوراً، ولقد كانت المأمومة التي أصابت رأسه يوم الدار قد كاد أن يخف منها بعض الخفة، وهو على ذلك من أوقر الرجال. وكان مروان رجلاً حديداً، حديد اللسان، سريع الجواب، ذلق اللسان، قلما صبر أن يكون في صدره شيء من حب أحد أو بغضه إلا ذكره، وكان سعيد خلاف ذلك، كان من أحب صبر عن ذكر ذلك ومن أبغض فمثل ذلك، ويقول: إن الأمور تغير والقلوب تغير، فلا ينبغي للمرء أن يكون مادحاً اليوم عائباً غداً.

стр. 3274

قال عمير بن إسحاق: كان مروان بن الحكم أميراً علينا بالمدينة سنة ستين فكان يسب علياً ﵇ في الجمع كذلك، ثم عزل، فاستعمل علينا سعيد بن العاص، فكان لا يسب علياً. خطب سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي بعد عمر بن الخطاب، وبعث إليها بمئة ألف، فدخل عليها الحسين، فشاورته، فقال: لا تزوجيه. فأرسلت إلى الحسن فقال: أنا أزوجه، فاتعدوا لذلك، وحضر الحسن، وأتاهم سعيد ومن معه، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ قال الحسن: أكفيك دونه، قال: فلعل أبا عبد الله كره هذا يا أبا محمد؟ قال: قد كان وأكفيكه، قال: إذاً لا أدخل في شيء يكرهه، ورجع ولم يعرض في المال، ولم يأخذ منه شيئاً. وفي حديث آخر بمعناه: أنه لما خطبها أنعمت له، فبلغ ذلك إخوتها فكرهوه، وثقل عليهم، وكلموها كلاماً شديداً، وقد كانت وعدت سعيداً موعداً، فدعت ابنها زيد بن عمر بن الخطاب وهو يومئذ غلام صغير وبسطت دارها، ووضعت فيها سريراً، ثم قالت: إذا جاء سعيد بن العاص فزوجنيه. وقد كان سعيد وعد ناساً، وأرسل إليهم ليحضروا تزويجه، فحضروه في المسجد، فلما اجتمعوا إليه قال: إني دعوتكم لأمرٍ ثم بدا لي غيره، إني كنت خطبت أم كلثوم فأنعمت، والله ما كنت لأدخل على ابني فاطمة بأمر يكرهانه. ثم التفت إلى كعبٍ مولاه فقال: انظر إلى المئتي ألف درهم التي هيأت لابنة علي، اذهب بها إليها، وقل لها: يقول لك ابن عمك: إنا كنا هيأنا لك هذه فاقبضيها صلة منا لك. قال ابن عيينة: كان سعيد بن العاص إذا سأله سائلٌ فلم يكن عنده شيء قال: اكتب علي بمسألتك سجلاً إلى يوم ميسرتي. وكان سعيد بن العاص يدعو إخوانه وجيرته في كل جمعة يوماً، فيصنع لهم الطعام، ويخلع عليهم الثياب الفاخرة، ويأمر لهم بالجوائز الواسعة، ويبعث إلى عيالاتهم بالبر

стр. 3275

الكثير، وكان يوجه مولى له في كل ليلة جمعة، فيدخل المسجد ومعه صرر فيها دنانير فيضعها بين يدي المصلين، فكان قد كثر المصلون في كل ليلة جمعة في مسجد الكوفة. قال عبد الأعلى بن حماد: استسقى سعيد بن العاص من دار بالمدينة، فسقوه، ثم حضر صاحب الدار في الوقت مع جماعة، فعرض الدار على البيع، وكان عليه أربعة آلاف دينار، فبلغه أن صاحب الدار يريد بيع داره، فقال لغلام له: لم يبيع هذا الرجل داره؟ فقال: عليه أربعة آلاف دينار دينٌ. قال سعيد: إن له لحرمة وذماماً علينا، لسقيه إيانا. فركب إليه فخافضه، فقال له: السلام عليك، وقال لغريمه: كم لك عليه؟ قال أربعة آلاف دينار. قال: أترضى بضمانها؟ قال: نعم. قال له: فمر وهي لك علي، وقال لصاحب الدار: لتستمتع بدارك. أتى أعرابي سعيد بن العاص فسأله شيئاً، فقال: يا غلام، أعطه خمس مئة، فذهب، ورجع فقال: خمس مئة درهم، أم خمس مئة دينار؟ فقال سعيد: ويحك ما أردت إلا الدراهم! فإذا توهمت الدنانير فأعطه الدنانير. قال: فقبضها الأعرابي، ثم جلس يبكي: فقال له سعيد: ما يبكيك! أليس قد قضى الله حاجتك؟ قال: بلى، ولكن أبكي على الأرض تأكل مثلك. قدم أعرابي المدينة يطلب في أربع ديات خملها، فقيل له: عليك بحسن بن علي، عليك بعبد الله بن جعفر، عليك بسعيد بن العاص، عليك بعبيد الله بن العباس. فدخل المسجد، فرأى رجلاً يخرج ومعه جماعة، فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص. فقال: هذا أحد أصحابي الذين ذكروا لي. فمشى معه، فأخبره بالذي قدم له، ومن ذكر له، وأنه أحدهم، وهو ساكت لا يجيبه. فلما بلغ باب منزله قال لخازنه: قل لهذا الأعرابي فليأت بمن يحمل له. فقيل له: إيت بمن يحمل لك. قال: عافى الله سعيداً، إنما سألناه ورقاً، لم نسأله تمراً! قال: ويحك! إيت بمن يحمل لك. فأخرج إليه أربعين ألفاً، فاحتملها الأعرابي، ومضى إلى البادية، ولم يلق غيره.

стр. 3276

كان سعيد بن العاص والياً لمعاوية على المدينة، فأصاب الناس سنة فأقحموا، فأطعمهم سعيد حتى أنفق ما في بيت المال، فكتب إلى معاوية، فغضب وقال: لم يرض أن أنفق مالنا حتى ادان؟ فعزله، فلما احتضر دعا ابنه عمراً فقال: إني قد رضيت غيبتك وشهادتك، فانظر ديني فاقضه، واكسر فيه أموالي، ولا يعطه عني معاوية، وانظر بناتي، فلتكن قبورهن بيوتهن إلا من الأكفاء، وانظر إخواني لا يفقدوني، احفظ منهم ما كنت أحفظ. فلما بلغ معاوية موته قال: رحم الله أبا عثمان، مات من هو أكبر مني ومن هو أصغر مني: من الطويل إذا سار من دون امرىءٍ وأمامه ... وأوحش من إخوانه فهو سائر لما حضرت سعيد بن العاص الوفاة قال لبنيه: أيكم يقبل وصيتي؟ فقال ابنه الأكبر: أنا يا أبه. قال: إن فيها قضاء ديني! قال: وما دينك يا أبه؟ قال: ثمانون ألف دينار. قال: يا أبه وفيم أخذتها؟ قال: يا بني، في كريم سددت به منه خلة، وفي رجل جاءني في حاجة ودمه ينزو في وجهه من الحياء، فبدأته بحاجته قبل أن يسألنيها. قال سعيد بن العاص لابنه: يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً عن غير مسألة، فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه، ومخاطراً لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته. قال سعيد بن العاص: ما أدري كيف أكافىء رجلاً بات يقسم ظنه، فلا يقع إلا علي، أصبح يتخطى الناس، ويتخطى المجالس والأحياء حتى يكرمني بنفسه، ويؤنسني بحديثه، غدا التجار إلى تجاراتهم، وغدا إلي في حاجته، فإن كان أخسهم فأخس الله حظي يوم القيامة. قال سعيد بن العاص: يا بني، إن المكارم لو كانت سهلة يسيرة لسابقكم إليها اللئام.

стр. 3277

ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها، ورجا ثوابها، وأنشد أبو جعفر مولى بني هاشم: من الكامل كل الأمور تزول عنك وتنقضي ... إلا الثناء فإنه لك باق ولو نني خيرت كل فضيلةٍ ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق قال سعيد بن العاص: لجليسي علي ثلاث خصال: إذا أقبل وسعت له، وإذا جلس أقبلت عليه، وإذا حدث سمعت منه. قال سعيد بن العاص لابنه: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فتهون عليه. خطب سعيد بن العاص فقال في خطبته: من رزقه الله حسناً فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لأحد رجلين: إما مصلح فلا يقل عليه شيء، وإما مفسد فلا يبقى له شيء. فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. لما ولي سعيد بن العاص الكوفة أتته هند بنت النعمان مترهبةً معها جوارٍ قد ترهبن، ولبسن المسوح، فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت فأجلسها على فرشه، وكلمته في حاجات لها، فقضاها، فلما قامت قالت: أصلح الله الأمير، ألا أحييك بكلمات كانت الملوك تحيى بهن قبلك؟ قال سعيد: بلى. قالت: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجةً، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمةً فجعلك الله سبباً في ردها إليه. كان دين سعيد بن العاص ثلاثة آلاف ألف درهم، فاشترى معاوية من عمرو بن سعيد بن العاص القصر بألف ألف، والمزارع بألف ألف، والنخل بألف ألف درهم. وولد سعيد بن العاص محمداً، وعثمان الأكبر، وعمراً يقال له الأشدق، ورجالاً درجوا، وأمهم أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص أخت مروان بن الحكم لأبيه وأمه. ومات سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية في قصره بالعرصة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع وأوصى إلى ابنه عمرو الأشدق، وأمره أن يدفنه

стр. 3278

بالبقيع. قال: إن قليلاً لي عند قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم من العرصة إلى البقيع، ففعلوا، وأمر ابنه عمراً إذا دفنه أن يركب إلى معاوية فينعاه، ويبيعه منزله بالعرصة، وكان منزلاً قد اتخذه سعيد، وغرس فيه النخل، وزرع فيه، وبنى فيه قصراً معجباً، ولذلك القصر يقول أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة: من البسيط القصر ذو النخل فالجماء فوقهما ... أشهى إلى النفس من أبواب جيرون وقال لابنه عمرو: إن منزلي هذا ليس من العقد، إنما هو منزل برهة، فبعه من معاوية، واقض عني ديني ومواعيدي، ولا تقبل من معاوية قضاء ديني فتزودنيه إلى ربي. فلما دفنه عمرو وقف الناس بالبقيع، فعزوه، ثم ركب رواحله إلى معاوية، فقدم عليه، فنعاه له أول الناس، فاسترجع معاوية، ثم ترحم عليه، وتوجع لموته، ثم قال: هل ترك من دين؟ قال: نعم، قال: وكم؟ قال: ثلاث مئة ألف درهم. قال: هي علي. قال: قد أبى ذلك، وأمرني أن أقضي عنه من أمواله، أبيع ما استباع منها. قال: فعرصني ما شئت. قال: أنفسها وأحبها إلينا وإليه في حياته منزله بالعرصة، فقال معاوية: هيهات، لا، تبيعون هذا المنزل؟ انظر غيره، قال: فما نصنع؟ نحن نحب تعجيل قضاء دينه، فقال: قد أخذته بثلاث مئة ألف درهم. قال: اجعلها بالوافية، يريد دراهم فارس، الدرهم زنة المثقال الذهب، قال: قد فعلت. قال: واجعلها بالوافقة، يريد دراهم فارس، الدرهم زنة المثقال الذهب، قال: قد فعلت. قال: واحملها لي إلى المدينة. قال: وأفعل. قال: فحملها له، فقدم عمرو بن سعيد فجعل يصرفها في ديونه ويحاسبهم بمئتي الدراهم الوافية وهي البغلية وهي الدراهم الجواز وهي تنقص في العشرة ثلاثة، كل سبعة بالبغلية عشرة بالجواز حتى أتاه فتى من قريش، يذكر حقاً له في كراع أديم بعشرين ألف درهم على سعيد بن العاص بخط مولى لسعيد كان يقوم لسعيد على بعض

стр. 3279

نفقاته وشهادة سعيد على نفسه بخط سعيد، فعرف خط المولى وخط أبيه وأنكر أن يكون للفتى وهو صعلوك من قريش هذا المال، فأرسل إلى مولى أبيه، فدفع إليه الصك، فلما قرأه المولى بكى ثم قال: نعم أعرف هذا الصك، وهو حق، دعاني مولاي فقال لي وهذا الفتى عنده على بابه معه هذه القطعة الأديم: اكتب، فكتبت بإملائه هذا الحق. فقال عمرو: وما سبب مالك هذا؟ قال: رأيته وهو معزول يمشي وحدهن فقمت فمشيت معه، حتى بلغ داره، ثم وقف، فقال: هل لك من حاجةٍ: فقلت: لا إله أني رأيتك تمشي وحدك، فأحببت أن أصل جناحك. فقال: وصلتك رحمٌ يا بن أخي. ثم قال: ابغني قطعة أديم، فأتيت جزاراً عند باب داره، فأخذت منه هذه القطعة، فدعا مولاه هذا فقال: اكتب. فكتب وأملاه، وكتب فيه شهادته على نفسه، ثم دفعه إلي وقال: يا بن أخي، ليس عندنا اليوم شيء، فخذ هذا الكتاب، فإذا أتانا شيء فأتنا به إن شاء الله. فمات ﵀ قبل أن يأتيه شيء. قال عمرو: لا جرم، لا تأخذها إلا وافية، فدفعها إليه كل سبع باثنتي عشرة جوازاً. قال عوانة: لما توفي سعيد بن العاص قيل لمعاوية: توفي سعيد بن العاص، فقال معاوية: ما مات رجل ترك عمراً. وقيل له: توفي ابن عامر، فقال: لم يدع خلفاً ابن عامر، وكان سعيد وابن عامر ماتا في عام واحد في سنة ثمان وخمسين، كانت بينهما جمعة، ومات سعيد قبل ابن عامر. قال مسدد: مات سعيد بن العاص، وأبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عامر سنة سبع أو ثمان وخمسين. وقيل: توفي سعيد بن العاص سنة تسع وخمسين.

стр. 3280

سعيد بن عامر بن حذيم ابن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح الجمحي له صحبة، وروى عن سيدنا رسول الله ﷺ . حدث سعيد بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجيء فقراء المسلمين يزفون كما يزف الحمام، ويقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: والله ما أعطيتمونا شيئاً تحاسبونا به. فيقول الله : صدق عبادي. فيدخلون الجنة قبل الناس بسبعين عاماً. وفي حديث آخر بمعناه: أدخلوه الجنة بغير حساب. وعن سعيد بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت إلى أهل الأرض لملأت الأرض ريح المسك، ولأذهبت ضوء الشمس والقمر. وفي رواية: وإني والله ما كنت لأختارك عليهن ودفع يده في صدرها، يعني امرأته. وعن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعيد بن عامر الجمحي فقال: إنا مستعملوك على هؤلاء، تسير بهم إلى أرض العدو، فتجاهد بهم. فقال: يا عمر لا تفتني. فقال عمر: والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي ثم تخليتم مني! إنما أبعثك على قوم لست بأفضلهم، ولست أبعثك لتضرب أيسارهم، ولا تنتهك أعراضهم، ولكن تجاهد بهم عدوهم، وتقسم بينهم فيئهم. فقال: اتق الله يا عمر، أحب لأهل الإسلام ما تحب لنفسك، وأقم وجهك وقضاءك لمن استرعاك الله من قريب المسلمين وبعيدهم، ولا تقض في أمر واحد

стр. 3281

بقضاءين، فيختلف عليك أمرك، وتنزع عن الحق، والزم الأمر ذا الحجة يعنك الله على ما ولاك. وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تخش في الله لومة لائم. قال: فقال عمر: ويحك يا سعيد، من يطيق هذا؟ قال: من وضع الله في عنقه مثل الذي وضع في عنقك، إنما عليك أن تأمر فيطاع أمرك، أو يترك فتكون لك الحجة. قال: فقال عمر: إنا سنجعل لك رزقاً. قال: لقد أعطيت ما يكفيني دونه يعني عطاءه وما أنا بمزداد من مال المسلمين شيئاً. قال: فكان إذا خرج عطاؤه نظر إلى قوت أهله من طعامهم وكسوتهم وما يصلحهم، فيعزله، وينظر إلى بقيته فيتصدق به، فيقول أهله: أين بقية المال؟ فيقول: أقرضته. قال: فأتاه نفر من قومه فقالوا: إن لأهلك عليك حقاً، وإن لأصهارك عليك حقاً، وإن لقومك عليك حقاً. قال: ما أستأثر عليهم، إن يدي لمع أيديهم، وما أنا بطالب أو ملتمس رضاء أحد من الناس بطلبي الحور العين، لو اطلعت منهم واحدة لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس، وما أنا بمختلف عن العنق الأول بعد إذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجيء فقراء المسلمين يدفون كما يدف الحمام. فيقال لهم: قفوا للحساب. فيقولون: والله ما تركنا شيئاً نحاسب به. فيقول الله: صدق عبادي. فيدخلون الجنة قبل الناس بسبعين عاماً. وعن شهر بن حوشب قال: لما قدم عمر حمص أمرهم أن يكتبوا له فقراءهم، فرفع الكتاب فإذا فيه سعيد بن عامر، قال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، أميرنا. قال: وأميركم فقير؟ قالوا: نعم، فعجب، فقال: كيف يكون أميركم فقيراً؟ أين عطاؤه، وأين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يمسك شيئاً. قال: فبكى عمر حتى عمد إلى ألف دينار فصرها، وبعث بها إليه، وقال: أقرئوه مني السلام، وقولوا له: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فاستعن بها على حاجتك، قال: فجاء بها إليه الرسول، فنظر إليها فإذا هي دنانير، فجعل يسترجع، فقالت له امرأته: ما شأنك؟ أصيب أمير المؤمنين؟ قال: أعظم. قال: فظهرت آية؟ قال: أعظم من ذلك. قالت: فأمر من الساعة؟ قال: بل أعظم من

стр. 3282

ذلك. قالت: فما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة أتتني حتى حلت علي. قالت: فاصنع فيها ما شئت. قال لها: عندك عون؟ قالت: نعم. قال: ائتني به. قال: فأته بخمارها فصرها صرراً، ثم جعلها في مخلاة، ثم بات يصلي، حتى إذا أصبح، ثم اعترض بها جيشاً من جنود المسلمين، فأمضاها كلها، فقالت له امرأته: لو كنت حبست منها شيئاً نستعين به! فقال لها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك، فإني والله ما أختار عليهن، فسكتت. وكان عمر قد ولى سعيد بن عامر بعض أجناد الشام، فبلغ عمر أنه يصيبه لممٌ، فأمره بالقدوم عليه، فقدم عليه، وكان زاهداً، فلم ير معه إلا مزوداً، وعكازه، وقدحا، ً فقال له عمر: ما معك إلا ما رأى؟ قال له سعيد: وما أكثرها من هذا! عكازٌ أحمل به زادي، وقدح آكل فيه. قال له عمر: أبك لمم؟ قال: لا، قال: فما غشية بلغني أنها تصيبك؟ قال: حضرت خبيب بن عدي حين صلب، فدعا على قريش، وأنا فيهم، فربما ذكرت ذلك فأجد فترةً حتى يغشى علي، فقال له عمر: ارجع إلى عملك. فأبى، وناشده إلا أعفاه. أسلم سعيد بن عامر قبل خيبر، وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبي ﷺ خيبر، وما بعد ذلك من المشاهد. ومات سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب. وقيل: سنة إحدى وعشرين بحمص. وقيل: مات بالرقة سنة ثماني عشرة وقبره بها. وقيل: مات وهو أمير قيسارية سنة تسع عشرة، وكان حضر قتل خبيب بن عدي بالتنعيم، وكان يصيبه من ذكره غشية. بلغ سعيد بن عامر أن أبا بكر يريد أن يبعثه، وأنه قد كتب ذلك إلى يزيد بن أبي سفيان، فلما أبطأ عليه ذلك، ومكث أياماً لا يذكر ذلك له أبو بكر، فقال: يا أبا بكر،

стр. 3283

والله لقد بلغني أنك أرددت أن تبعثني في هذا الوجه، ثم رأيتك قد سكت، فما أدري ما بدا لك، فإن كنت تريد أن تبعث غيري فابعثني معه، فما أرضاني بذلك. وإن كنت لا تريد أن تبعث أحداً فما أرغبني في الجهاد، إيذن لي رحمك الله حتى ألحق بالمسلمين، فقد ذكر لي أنه قد جمعت لهم جموع عظيمة. فقال له أبو بكر: رحمك الله، الله أرحم الراحمين يا سعيد، فإنك ما علمت من المتواضعين، المتواصلين، المخبتين، المتجدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيراً. فقال سعيد: يرحمك الله، نعم الله علي أفضل، له الطول والمن، وأنت ما علمتك يا خليفة رسول الله ﷺ صدوقٌ بالحق، قوام بالقسط، رحيمٌ بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، ولا تستأثر بالقسم. فقال له: حسبك يا سعيد، اخرج، رحمك الله فتجهز، فإني باعثٌ إلى المؤمنين جيشاً ممداً لهم، ومؤمرك عليهم، وأمر بلالاً فنادى في الناس: ألا انتدبوا أيها الناس مع سعيد بن عامر إلى الشام. قال: فانتدب معه جيش من المسلمين في أيام. قال: وجاء سعيد بن عامر، ومعه راحلته، حتى وقف على باب أبي بكر، والمسلمون جلوس، فقال لهم سعيد، أما إن هذه الوجه وجه رحمةٍ وبركة، اللهم فإن قضيت لنا يعني البقاء فعلى عادتك، وإن قضيت علينا الفرقة فإلى رحمتك، وأستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام. ثم ولى سائراً. قال: وأمره أبو بكر أن يسير حتى يلحق بيزيد بن أبي سفيان. قالوا: فقال أبو بكر: عباد الله، ادعوا الله أن يصحب صاحبكم وإخوانكم معه، ويسلمهم، فارفعوا أيديكم رحمكم الله أجمعين. فرفع القوم أيديهم، وهم أكثر من خمسين، فقال علي: ما رفع عدة من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئاً إلا استجاب لهم، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم. وقال حسين بن ضمرة: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما رفع أربعون رجلاً أيديهم إلى الله يسألونه شيئاً إلا أعطاهم إياه. قال: فبلغ ذلك سعيداً بعدما وقع إلى الشام ولقي العدو، فقال: حم الله إخواني، ليتهم لم يكونوا دعوا لي، قد كنت خرجت، وإني على الشهادة لحريص، فما هو إلا أن لقيت العدو فعصمني الله من الهزيمة والفرار، وذهب من نفسي ما كنت أعرف من حبي الشهادة، فلما أن أخبرت أن إخواي دعوا لي بالسلامة علمت أني قد استجيب لهم. قالوا: وكان مع يزيد بن أبي سفيان كما أوصاه أبو بكر، فشد الله به وبمن كان معه أعضاد المسلمين، وفت بهم أعضاد المشركين. سأل عمر بن الخطاب ﵁ عاملاً له على حمص يقال له سعيد بن عامر، فقال

стр. 3284

له عمر: مالك من المال؟ قال: سلاحي، وفرسي، وأبغل أغزو عليها، وغلام يقوم علي، وخادم لامرأتي، وسهم يعد في المسلمين. فقال له عمر: مالك غير هذا؟ قال حسبي هذا، هذا كثير. فقال له عمر: فلم يحبك أصحابك؟ قال: أواسيهم بنفسي، وأعدل عليهم في حكمي. فقال له عمر: خذ هذه الألف دينار، فتقو بها. قال: لا حاجة لي فيها، أعط من هو أحوج إليها مني. فقال عمر: على رسلك حتى أحدثك ما قال رسول الله ﷺ ، ثم إن شئت فاقبل، وإن شئت فدع: إن رسول الله ﷺ عرض علي شيئاً، فقلت مثل الذي قلت، فقال رسول الله ﷺ . من أعطي شيئاً من غير سؤال ولا استشراف نفسٍ فإنه رزق من الله، فليقبله ولا يرده. فقال الرجل: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فقبله الرجل، ثم أتى امرأته فقال: إن أمير المؤمنين أعطانا هذه الألف دينار، فإن شئت أن نعطيه من يتجر لنا به، ونأكل الربح، ويبقى لنا رأس مالنا. وإن سئت أن نأكل الأول فالأول: فقالت المرأة: بلأعطة من يتجر لنا به ونأكل الربح ويبقى لنا رأس المال قال: ففرقيه صرراً، ففعلت، فجعل كل ليلة يخرج صرةً، فيضعها في المساكين ذوي الحاجة، فلم يلبث الرجل إلا يسيراً حتى توفي، فأرسل عمر يسأل عن الألف، فأخبرته امرأته بالذي كان يصنع، فالتمسوا ذلك، فوجدوا الرجل قدمها لنفسه، ففرح بذلك عمر، وسر، وقال: يرحمه الله، إن كان ذلك الظن به. قال خالد بن معدان: استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر، فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه وكان يقال لأهل حمص: الكويفة الصغرى لشكايتهم العمال قالوا: نشكو أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها! قال: وماذا؟ قال: لا يجيب أحداً بليل. قال: وعظيمة! قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: وعظيمة! وماذا؟ قالوا: يغبط الغبطة بين الأيام. يعني: تأخذه موته.

стр. 3285

قال: فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم، لا تفيل رأي فيه اليوم، ما تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار. قال: والله إن كنت لأكره ذكره، ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشكو منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بالليل. قال: ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله . قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه. قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى يجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغبط الغبطة بين الأيام. قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمداً يشيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد. فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت أن الله تعالى لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً. قال: فتصيبني تلك الغنطة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيل فراستي، فبعث إليه بألف دينار، فقال: استعن بها على أمرك، فقالت امرأته: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك. فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها. قالت: نعم. فدعا رجلاً من أهل يثق به، فصرها صرراً، ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان، فبقيت منها ذهبية فقال: أنفقي هذه. ثم عاد إلى عمله، فقالت: ألا تشتري لنا خادماً، ما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيك أحوج ما تكونين إليه. حدث عطية بن قيس: أن عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر على جند حمص، فقدم عليه، فعلاه بالدرة، فقال سعيد: سبق سيلك مطرك، إن تستعتب نعتب، وإن تعاقب نصبر، وإن تعف نشكر. قال: فاستحيى عمر، وألقى الدرة، وقال: ما على المؤمن أو المسلم أكثر من هذا، إنك تبطىء بالخراج. فقال سعيد: إنك أمرتنا أن لا نزيد الفلاح على أربعة دنانير،

стр. 3286

فنحن لا نزيد، ولا ننقص، إلا أنا نؤخرهم إلى غلاتهم. فقال عمر: لا أعز لك ما كنت حياً. وعن أبي مريم الغساني: أن رجالاً من الجند خرجوا ينتضلون فيهم سعيد بن عامر، فبينما هم كذلك إذ أصابهم الحر، فوضع سعيد قلنسوته عن رأسه، وكان رجلاً أصلع، فلما رمى سعيد، صاح به الواصف في شيء ذكره من رميته: يا أصلع وهو لا يعرفه فقال له سعيد: إن كنت لغنياً أن تلعنك الملائكة. فقال رجل منهم: وعم تلعنه الملائكة. قال: من دعا امرأ بغير اسمه لعنته الملائكة. سعيد بن عامر أبي بردة ابن عبد الله أبو موسى بن قيس بن سليم الأشعري الكوفي وفد مع أبيه على عمر بن عبد العزيز. حدث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: " ما من مسلم يموت إلا جعل الله مكانه رجلاً من اليهود أو النصارى في النار ". وحدث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: على كل مسلمٍ صدقة، قالوا: يا رسول الله، إن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق، قالوا: أرأيت إن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: يعين ذا الحاج والملهوف، قالوا: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يأمر بالمعروف أو بالخير قالوا: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها له صدقة. سعيد بن عبد الله بن دينار أبو روح البصري التمار سكن دمشق. حدث عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إذا استقر أهل الجنة في الجنة اشتاق الإخوان إلى الإخوان، فيسير سرير ذا إلى ذا،

стр. 3287

فيلتقيان فيتحدثان ما كان بينهما في دار الدنيا، فيقول: يا أخي، تذكر يوم كنا في دار الدنيا في مجلس كذا، فدعونا الله فغفر لنا. وبسنده عن رسول الله ﷺ قال: إذا سمعت النداء فأجب، وعليك السكينة، فإن أصت فرجةً، وإلا فلا تضيق على أخيك، واقرأ ما تسمع أذناك، ولا تؤذ جارك، وصل صلاة مودع. وبسنده عن النبي ﷺ قال: من أكرمه أخوه المسلم فليقبل كرامته، فإنما هي كرامة الله، فلا تردوا على الله كرامته. وبسنده قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الجهاد أن يضرب بسيفه في سبيل الله، إنما الجهاد من عال والديه، وعال ولده، فهو في جهاد، ومن عال نفسه فكفها عن الناس فهو في جهاد. سعيد بن عبد الله بن محمد ابن عجب أبي رجاء أبو عثمان الأنباري سمع بدمشق. حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق صلاته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها. توفي سعيد بن عبد الله بن أبي رجاء الأنباري سنة ثمان وسبعين ومئتين.

стр. 3288

سعيد بن عبيد الله بن أحمد ابن محمد بن سعيد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أبي مريم أبو عثمان، ويقال: أبو القاسم القرشي المعروف بابن فطيس الوراق من موالي جويرية بنت أبي سفيان. حدث سعيد بن عبيد الله عن يوسف بن القاسم الميانجي بسنده إلى ابن عباس: أن رجلاً وقع في قرابة للعباس، كان في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء قومه، فقالوا: لنلطمنه كما لطمه، فقال النبي ﷺ : العباس مني وأنا منه، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا. توفي سعيد بن عبيد الله بن فطيس الوراق في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. سعيد بن عبد الرحمن بن حسان ابن ثابت أبو عبد الرحمن الأنصاري شاعر ابن شاعر ابن شاعر، وفد على يزيد بن عبد الملك، وعلى هشام بن عبد الملك. حدث سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه، قال: مر حسان بن ثابت برسول الله ﷺ ومعه الحارث المري، فلما عرفه حسان قال: من الكامل يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدر وأمانة المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر إن تغدروا فالغدر منكم عادةٌ ... والغدر ينبت في أصول السخبر

стр. 3289

فقال الحارث للنبي ﷺ : إني أعوذ بالله وبك من هذا، لو أن شعر هذا مزج بماء البحر لمزجه. حدث سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: رأى ابن عمر علي أوضاح فضة فقال: إنك قد بلغت، أو كبرت، فألقها عنك. حدث بعضهم قال: سمعت حسان بن ثابت في جوف الليل وهو ينوه بأسمائه ويقول: أنا حسان بن ثابت، أنا ابن الفريعة، أنا الحسام. فلما أصبحت غدوت عليه فقلت له: سمعتك البارحة تنوه بأسمائك، فما الذي أعجبك؟ قال: عالجت شيئاً من الشعر، فلما أحكمته نوهت بأسمائي. فقلت: وما البيت؟ قال: قلت: من الطويل وإن امرأ يمسي ويصبح سالماً ... من الناس إلا من جنى لسعيد قال: فلما مات حسان بن ثابت، قال عبد الرحمن بن حسان بعد موت أبيه، أوقد ناراً حتى اجتمع إليه الحي ثم قال: أنا عبد الرحمن بن حسان، وقد قلت بيتاً، فخفت أن يسقط بحدث يحدث علي، فجمعتكم لتسمعوه، فأنشدهم: من الطويل وإن امرأ نال الغنى ثم لم ينل ... صديقاً ولا ذا حاجةٍ لزهيد فلما مات عبد الرحمن فعل سعيد بن عبد الرحمن مثل ذلك وأنشدهم: من الطويل فإن امرأ لاحى الرجال على الغنى ... ولم يسأل الله الغنى لحسود سعيد بن عبد الرحمن البصري أخو أبي حرة واصل بن عبد الرحمن حدث سعيد بن عبد الرحمن عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر، فصلى ركعتين، ثم

стр. 3290

سلم، ثم قام، فوضع إحدى يديه على الأخرى على خشبة في المسجد، وخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله ﷺ يسميه ذات اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: لم تقصر، ولم أنس، قال: بلى، نسيت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : صدق ذو اليدين. قال: فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، وسجد سجدتين أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبر. وحدث سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حمزة عن ابن عباس قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك كفار مضر، ولا نصل إليك إلا في أشهر الحرم، فمرنا بأمر ننتهي إليه، وندعو إليه من وراءنا. فقال رسول الله ﷺ : " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وخمس ما غنمتم. ونهاهم عن الدباء، والحنتم، والمزفت، والنقير ". وحدث سعيد بن عبد الرحمن عن محمد بن سيرين عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يسافر بين مكة والمدينة يصلي ركعتين، لا يخاف إلا الله . حدث سعيد قال: وقف مكحول علي بالشام، وأنا أبيع مصحفاً فقال: يا أهل العراق! ما أجرأكم على بيع المصاحف! قال: قلت: إن صاحبنا الحسن لا يرى بذلك بأساً. قال: أحسن أهل العراق، أو حسن البصرة؟ لا تكذبوا على الحسن. قال: قلت: والله ما كذبت عليه.

стр. 3291

سعيد بن عبد العزيز بن مروان أبو عثمان الحلبي الزاهد نزيل دمشق، وكان من عباد الله الصالحين، وصحب سري السقطي. تخرج به جماعة من الأعلام. حدث عن أبي نعيم عبيد بن هشام بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً " توفي سعيد بن عبد العزيز سنة ثمان عشرة وثلاث مئة. سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد. ويقال: أبو عبد العزيز التنوخي فقيه أهل دمشق ومفتيهم بعد الأوزاعي. حدث سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة قال: رؤي عبادة بن الصامت وهو على سور بيت المقدس الشرقي وهو يبكي. قال: فقيل: ما يبكيك يا أبا الوليد؟ قال: من هاهنا، أخبرنا رسول الله ﷺ ، أنه رأى جهنم. ولد سعيد بن عبد العزيز سنة تسعين، وكان الحاكم أبو عبد الله يقول: سعيد بن عبد العزيز لأهل الشام كمالك بن أنس لأهل المدينة في التقدم، والفضل، والفقه، والأمانة. قال إسحاق بن إبراهيم: كنت أرى سعيد بن عبد العزيز مستقبل القبلة يصلي، قال: وكنت أسمع لدموعه وقعاً على الحصير. قال أبو عبد الرحمن الأسدي: قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد! ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟

стр. 3292

فقال: يا بن أخي! وما سؤالك عن ذلك!؟ قلت: لعل الله أن ينفعني به. فقال سعيد: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم. قال الوليد بن مسلم: رأيت سعيد بن عبد العزيز شيخاً كبيراً إذا فاتته الصلاة في جماعة أخذ بلحيته وقعد يبكي. قال عبد الواحد بن بسر النصري، من ولد عبد الله عامل المدينة ومكة، قال: خرجت في آخر الليل أريد المسجد، فوجدت باب البريد مغلقاً، فدنوت من الباب، فإذا هو لم يفتح، فاعتزلت ناحيةً، فأقبل شيخ يهلل ويكبر، حتى صار إلى باب المسجد، فدفعه فانفتح، قال: فلحقت به، فإذا الباب مغلق، فجلست ناحية أنتظر الفتح، فأذن المؤذن للفجر، وفتح الباب، فدخلت، فلم يكن لي همٌّ إلا أن أعرف من الشيخ، فإذا هو سعيد بن عبد العزيز يحيي الليل، فإذا طلع الفجر جدد وضوءه وخرج إلى المسجد. قال أبو مسهر: ما رأيت سعيد بن عبد العزيز ضحك قط ولا تبسم ولا رأيته شكا شيئاً قط ولا رأيته سأل إنساناً شيئاً قط. زاد غيره ولا عاب شيئاً قط. قال أبو مسهر: ينبغي للرجل أن يقتصر على علم بلده وعلى علم عالمه، فلقد رأيتني أقتصر على سعيد بن عبد العزيز، فما أفتقر معه إلى أحد. قال أبو مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه قبل أن يموت، وكان يقو: لا أجيزها. وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: ذكر الله شفاء يبرىء من الداء، وذكر الناس داء لا يقبل الشفاء. قال سعيد بن عبد العزيز: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واعٍ، وناطق عارف.

стр. 3293

وقال سعيد بن عبد العزيز: من أحسن فليرج الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزاً بغير حق أورثه الله ذلاًّ بحق، ومن جمع مالاً بظلم أورثه الله فقراً بغير ظلم. قال سعيد بن عبد العزيز: من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم. وقال: الدنيا غنيمة الآخرة. وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفاف من الرزق: ما هو؟ قال: شبع يوم وجوع يوم. قال سعيد بن عبد العزيز: من استخار واستشار فقد قضى ما عليه. قال حبيب بن أوس: تذوكر الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز وحسنه، والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر، إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولن تمدح الكلام بالسكوت، وما نبأ عن شيء فهو أكبر منه. روي عن ابنٍ لسعيد بن عبد العزيز الأصغر أنه قال: رأيت في المنام من قبل أن يموت أبي بأربع أني دخلت من باب الخضراء، فإذا أنا بالنبي ﷺ جالس في مجلس ابن جابر، وإذا رأس أبي في حجر النبي ﷺ ، قال: فقال لي النبي ﷺ : ارفق بهذا الشيخ، فكأنه قد فارقك. قال: فما لبث بعد ذلك إلا أربعاً حتى مات. ولد سعيد سنة سبع وستين. ومات سنة تسع وخمسين ومئة. وقيل سنة ثلاث وستين ومئة، وهو وهم، قال: والصواب أنه توفي سنة سبع وستين. وقيل: توفي سنة أربع وستين، وهو وهم أيضاً. وقيل: توفي سنة سبع وخمسين ومئة، وقيل سنة تسع وستين.

стр. 3294

وقيل: ولد سنة ثلاث وثمانين، وتوفي سنة سبع وستين، فكانت وفاته وهو ابن أربع وثمانين، وقيل: توفي سنة ثمان وستين. قال مروان بن محمد: رأيت ابن حلبس في النوم، قال: فقلت: إلى شيء صرت؟ قال: إلى خير. قال: قلت: فسعيد بن عبد العزيز؟ قال: هيهات، رفع ذاك إلى عليين. سعيد بن عبد العزيز البيروتي قال سعيد بن عبد العزيز البيروتي: كان عندنا قاضٍ قال للناس: احلقوا لحاكم، فإنها نبتت على الضلالة، حتى تنبت على الطاعة. قال: فحمل الناس كلهم على حلق اللحى، فكنت لا تلقى أحداً إلا محلوق اللحية. سعيد بن عبد الملك الدمشقي روى عن سفيان الثوري عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: خرج علي بن أبي طالب يوماً بالكوفة، فوقف على باب، فاستسقى ماءً، فخرجت إليه جارية بإبريق ومنديل، فقال لها: يا جارية، لمن هذه الدار؟ فقالت: لفلان القسطال. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تشرب من بئر قسطال، ولا تستظلن في ظل عشار ".

стр. 3295

سعيد بن عثمان بن سعيد ابن السكن بن سعيد بن مصعب بن رستم بن برثنة بن كسرى أنوشروان سمع بدمشق، وببغداد، وبمصر. حدث عن عبد الله بن محمد الوراق بسنده عن ثابت قال: حججت فدفعت إلى حلقة فيها رجلان أدركا نبي الله ﷺ أخوان، أحسب أن اسم أحدهما محمد، وهما يتذاكران الوسواس، لم يرد على هذا واردٌ غيره في حديث بمعناه، قال: وهما يتذاكران أمر الوسواس: لأن يقع أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم بما يوسوس إليه. قال: وقد أصابكم ذلك؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإن ذلك محض الإيمان. قال ثابت: فقلت أنا: يا ليت الله أراحنا من ذلك المحض. قال: فانتهراني، وزبراني، فقالا: نحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول يا ليت أن الله أراحنا؟! توفي سعيد بن عثمان أبو علي الحافظ سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة. سعيد بن عثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عثمان القرشي الأموي قدم دمشق على معاوية وولاه خراسان، وهو الذي فتح سمرقند، وفتح الله على يديه فتحاً عظيماً، وأصيبت عينه بها، وخرج إليه الصغد، فقاتلوه، فألجأهم إلى مدينتهم، فصالحوه، وأعطوه رهائن، وأخذ الرهون، وقدم على معاوية. وانصرف سعيد بن عثمان بعد موت معاوية إلى المدينة، فقتله أعلاج كان قدم بهم من سمرقند. حدث سعيد بن عثمان قال: قال عثمان: الربا سبعون باباً، أهونها مثل نكاح الرجل أمه.
следующие страницы →