Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
معه وصيفة تناغيه، ثم أمر الريح أن تحمله فكانت السحاب تنحدر به كل يوم مرتين غدوة وعشية إلى أمه ترضعه وتغسله وتطيبه ثم تضعه في السحاب، فتحمله الريح بين السماء والأرض، فكانت إذا حنت إليه أأراده سليمان تكلما أو أحدهما، فتحمل الريح كلامهما إلى السحاب فينقض السحاب به إليهما حتى ينظرا إليه، ثم يأمر سليمان ﵇ برده إلى موضعه، وإنما فعل ذلك شفقة عليه، قال: فأمر الله ملك الموت بقبض روحه، فقبضه ثم قال للسحاب: أرسليه فإنك تكفلت به وهو حي، فأرسلته، فوقع على كرسيه ميتاً، فذلك قوله : " ولقد فتنّا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ".
قال الشعبي: قالت الجن:
لئن ولد لسليمان ذكر لنلقين منه مثل ما لقينا من أبيه، فتعالوا حتى نرصد أرحام نسائه حتى لا يولد له. قال: فولد له غلام، فلم يأمن عليه الإنس ولا الجن فاسترضعه في المزن يعني السحاب. وكان يزيد في السنة كذا وكذا، وفي الشهر كذا وكذا وفي الجمعة كذا وكذا، قال: فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه، وقد مات. فذلك قوله " وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ".
وقال غيره: الشيطان الذي كان أخذ خاتمه.
وقال ابن عباس: قوله: " وألقينا على كرسيه " يعني الجسد: صخراً المارد حين غلب على ملكه، وجلس على كرسي سليمان أربعين يوماً، فالله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن عباس:
وإنما ابتلي سليمان بذهاب ملكه للصنم الذي صُور في داره. قال: كان سليمان رجلاً غزّاء، يغزو البحر والبر، فسمع بملك في جزيرة من جزائر البحر يقال لها: صندور، بها ملك عظيم لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه من البحر، وكان الله أعطى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع منه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب الريح فتخرج به حيث يريد
стр. 3432
قال: فركب سليمان الريح وجنوده من الجن والإنس حتى نزل تلك الجزيرة، فقتل ملكها، وسبى من فيها، وأصاب جارية لم ير مثلها حسناً وجمالاً، وكانت ابنة ذلك الملك، فاصطفاها لنفسه، فكان يجد بها ما لا يجد بأحد، ويؤثرها على نسائه، فلما رأى ذلك إبليس قال: لأنتهزن فرصتي من سليمان بهذه المرأة، فدس إليها صخراً المارد، فأتاها في صورة حاضنها إلى الباب، ثم قال للحاجب: قل لفلانة إن حاضنك فلاناً بالباب، فأرسلت إلى سليمان، وسألته أن يأذن له عليها، فأذن له فدخل عليها، وهي لا تشك إلا أنه أخوها من الرضاعة، فبكت وبكى وقال لها: قد رضيت من سليمان بما صنع بأبيك وأهل بيتك، فصرت مملوكة بعد أن كنت ملكة بنت ملك! فقالت له: كيف لي بذلك؟ فقال لها: أما تشتاقين إلى أبيك؟ فقالت: وكيف لي وقد سلى الحزن علي جسمي؟ فقال لها: فإني سأرشدك إلى أمر يكون لك فيه فرج، وتسل عن حزنك، إذا دخل سليمان عليك فلا تكلميه إلا نزراً ولا تنظري إليه إلا شزراً، فإذا قال لك: ما لك؟ وما تريدين؟ فقولي له: إني أحب أن تأمر بعض الشياطين، فيصوروا لي أبي في داري التي أنا فيها، فأراه بكرة وعشية، فيذهب عني حزني ويسلى عني بعض ما أجد، قال: فلما دخل سليمان فعلت ما أمرها الشيطان، فقال لها: ما لك؟ قالت: إني أذكر أبي، وأذكر ملكه، وما أصابه فيحزنني ذلك، فقال لها: فقد أبدلك الله ملكاً وسلطاناً أعظم من ملكه وسلطانه، وهداك إلى دينه، فهو أعظم من ذلك كله، قال: إن ذلك كذلك ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى، فإن رأيت أن تأمر بعض الشياطين فيصوروا لي صورة أبي في داري التي أنا فيها، فأراه بكرة وعشية رجوت أن يذهب عني حزني ويسلى عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان صخراً المارد فمثل لها أباها في هيئته في ناحية دارها حتى لا تنكر منه شيئاً، فمثل لها حتى نظرت إلى أبيها لا تنكر في نفسها شيئاً غلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه، فزينته وألبسته، حتى تركته كهيئة أبيها ولباسه، فإذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه كل غدوة مع جواريها، فتطيبه وتسجد له وتسجد جواريها، وتروح بمثله، وسليمان لا علم له بشيء من ذلك، وأتاها الشيطان من حيث لا يعلم سليمان، حتى أتى لذلك أربعون يوماً، وبلغ ذلك الناس، وبلغ آصف بن برخيا، وكان صديقاً، فقال له الناس هل بلغك
стр. 3433
ما بلغنا؟ قال: نعم. قالوا: كيف لنا أن نعلم سليمان؟ قال: أنا أكفيكم ذلك، فدخل عليه فقال: يا نبي الله، إني ((قد كبرت ودق عظمي، ونفد عمري، وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل أن أموت، أذكر فيه من مضى من أنبياء الله ، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما يجهلون من كثير من أمرهم، قال: فافعل. قال: فجمع الناس سليمان، فقام فيهم خطيباً، فذكر من مضى من أنبياء الله ، وأثنى على كل نبي بما فيه، وذكر ما فضلهم الله به، حتى انتهى إلى سليمان، فذكر فضله وما أعطاه الله في حداثة سنه وصغره، وما كان أعطي في حياة أبيه داود من الفضل ثم سكت فامتلأ سليمان غيظاً، فلما دخل أرسل إليه فدعاه فقال: يا آصف، ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم، بما كانوا في زمانهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فما هذا الذي أحدثت من أمري في كبري؟ قال: أحدثت أن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوماً في هوى امرأة، قال: في داري؟! قال في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون عرفت، ما قلت هذا إلا عن شيء بلغك، ثم رجع إلى داره فكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهر فأتي بها، لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولم تمسها امرأة ذات الدم، فلبس ثم خرج إلى فلاة من الأرض، ففرش له الرماد ثم أقبل دائباً إلى الله ، فجلس على ذلك الرماد يتمعك في ذلك الرماد في ثيابه متذللاً متضرعاً يبكي ويستغفر مما كان في داره، يقولك يا رب، ما هذا بلاؤك عند داود أن يعبدوا غيرك، وأن
يقروا في دارهم وليهم عبادة غيرك. فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع، وكانت له جارية سماها الأمينة، فكان إذا الخلاء أو أراد إتيان امرأة وضع خاتمه عندها، وكان لا يمس خاتمه، إلا وهو طاهر، وكان الله جعل ملكه في خاتمه. قروا في دارهم وليهم عبادة غيرك. فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع، وكانت له جارية سماها الأمينة، فكان إذا الخلاء أو أراد إتيان امرأة وضع خاتمه عندها، وكان لا يمس خاتمه، إلا وهو طاهر، وكان الله جعل ملكه في خاتمه.
قال وهب بن منبه: إن خاتم سليمان ﵇ كان أتي به من السماء له أربع نواح، في ناحية منه: لا إله غلا اله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله، وفي الثانية: اللهم، مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، وفي الثالثة: كل شيء هالك إلا الله، وفي الرابعة: تباركت إلهي لا شريك لك. وكان له نور يتلألأ، إذا تختم به اجتمع إليه الجن والإنس والطير والريح والشياطين والسحاب.
стр. 3434
قال: فجاء يوماً يريد الوضوء فدفع الخاتم إليها، صخر المارد حتى سبق سليمان فدخل المتوضأ، فقام خلف الباب فدخل سليمان لحاجته، وخرج الشيطان على صورة سليمان ينفض لحيته من الوضوء، لا تنكر من سليمان شيئاً، فقال: خاتمي يا أمينة، فناولته إياه، ولا تحسب إلا أنه سليمان، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فقال للأمينة: خاتمي، قالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، وقد تغير عن حاله وذهب عنه بهاؤه، قالت: كذبت إن سليمان قد أخذ خاتمه وهو جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته.
وقال وهب بن منبه:
إنه كان في جزيرة من جزائر البحر ملك عظيم السلطان، فبعث إليه سليمان يدعوه إلى ما قبله، فأبى عليه لعظم سلطانه، فبعث إليه بالريح، فنسفته وملكه وجميع ما قبله حتى وضعته بين يديه، وكان لذلك الملك ابنة تدعى أبرهة، فأعجب سليمان بها فعرض عليها الإسلام فكرهته، فخوفها بالقتل، فأصرت فخوفها بقتل أبيها، فقالت: إن قتلته قتلت نفسي، فخاف سليمان أن يكرهها فتقتل نفسها وأحبها حباً شديداً، وهي يومئذ على دينها فتركها، فلما غلبته تزوجها، وكانت تعتكف على صنم من ياقوت وكان الصنم من الفيء الذي نسفته الريح، فسألته سليمان فوهبه لها، وكان لا يصبر عنها وكان يتودد لها، ويرفق بها، رجاء أن تسلم، فظل معها ذات يوم. فلما أراد الانصراف وثبت إليه فاعتنقته وقالت له: أسألك بحياتي وبحبي وبحقي إلا ما جزرت لإلهي، فقال سليمان: إن ذلك لا يحل لي وما زيارتي إياك وأنت معتكفة على الشرك إلا رجاء أن تسلمي، ثم قالت: لئن لم تجزر لصنمي لأقتلن نفسي، وكان ذلك من تعليم أبيها. فلما سمع سليمان قولها خافها على نفسها وخدعها وقال لها: إني إن جزرت لصنمك على رؤوس الناس خلعت ملكي، وانخلعت من ديني، قالت: فإني قد حلفت بإلهي لئن لم تفعل لأقتلن نفسي، فابرر يميني فدعا سليمان بجرادة وسكين فذبحها، فبساعة قطع رأسها أنكر نفسه وأنكرته هي، وانقشعت عنه هيبة الملك والسلطان، ثم خرج من عندها فوجد ماله من الشياطين عوداً على منبره، وكان قبل ذلك لا يرام، ووجد على كرسيه أشبه الناس صورة به، ويقال إن ذلك معنى
стр. 3435
قوله: " وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ". قال: ثم قام إليه خادم له من الجن فاستل خاتمه من أصبه فأبق به، وكانت الجن قبل ذلك لا يرومونه. فلما أخذ الجني الخاتم وكان عفريتاً مارداً ذا رأي في نفسه فقال: ما أخذت خاتم سليمان ولا وصلت إليه إلا بذنب بينه وبين الله ، وما آمن أن يرد اله ملكه فلأطرحن هذا الخاتم مطرحاً لا يقدر عليه أبدً ثم انطلق سريعاً حتى ألقاه في اللجة الخضراء. وأوحى الله إلى سليمان لمن ذبحت الجرادة التي قربتها لامرأتك؟ فإن كنت ذبحتها لي فقد صغرت أمري، وما سبقك إلى ذلك أحد، وقد علمت أنه لا يذبح لي إلا رُغاء أو خوار أو ثغاء، وإن كنت قد ذبحتها لصنم امرأتك فلأقلبك من العزة بي، أما كفاك أنك تزوجتها وهي مشركة فلم أعاتبك فيها! فلما فرغ إليه من القول شذ من أهله مرعوباً أربعين ليلة، يعير كما تعير الدابة، يبكي على نفسه، ويعدد على خطيئته، ويستغفر ربه. فلما أخبرته امرأته بالذي أصابه في سببها أحزنها ذلك وأبكاها، فأسلمت رجاء أن يرد الله إليه ملكه، فلما مضت لسليمان أربعون ليلة تاب الله عليه، وغفر له، وانصرف وقد أجهده الجوع، فمر بساحل من سواحل البحر، وإذا بحوت يضطرب فضرب بيده إلى الحوت، فأخذه ليأكله فلما فرى بطنه وجد فيه خاتمه فازداد بذلك خوفاً وعجباً ووجلاً فعاد إليه ملكه.
وقيل: إن سليمان كان عنده مجوسية امرأة، فقالت له يوماً في عيد كان لها: أعطني بقرة أذبحها لعيدنا، قال: لا، قال: فأعطني شاة، قال: لا، قالت: فأعطني دجاجة، قال: لا، قالت: فأعطني حمامة، قال: لا. فبينما هو كذلك إذ وقعت على يده جرادة، فقالت: أعطني هذه الجرادة، قال: نعم، ثم قطع رأسها بيده، فسال منها دم كثير حتى أفزع سليمان، ثم أنساه الله إياه، حتى أصابه بعدما سلب ملكه.
وقيل عن عباس أنه اختصم إلى سليمان فريقان أحدهما من أهل جرادة " امرأة كانت له يعجب بها -
стр. 3436
وهوي أن يكون الحق لهم، ثم إن الحق كان للآخرين، فقضى لهم به، فإنما أصابه الذي أصابه لذلك الهوى الذي سبق إلى قلبه.
وقيل إنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوماً من ظالم. وكان ملكه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه، فدخل ذات يوم الحمام والخاتم تحت فراشه، فجاء الشيطان فأخذه وألقاه في البحر، فأقبل الناس نحو الشيطان، فأقبل سليمان يقول: يا أنها الناس، أنا نبي الله، فدفعوه أربعين يوماً، فأتى أهل سفينة فأعطوه حوتاً فشقها فإذا هو بالخاتم فيها، فتختم به ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، وعند ذلك " قال: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب " وكان أول من أنكره نساؤه فقلن بعضهن لبعض تنكرن ما ينكرن؟ فقلن: نعم، فكان يأتيهن وهن حيض.
قال علي بن زيد ﵁: فذكرت ذلك للحسن ﵀ فقال: ما كان الله ليسلطه على نسائه.
وذكر ابن إسحاق وابن سمعان وغيرهما على فتنة سليمان ﵇ أن الناس شكوا إلى سليمان شدة ما يلقون من شدة الطحن بأيديهم. فجمع سليمان الجن والشياطين فذكر ذلك لهم وقال لهم: هل من حيلة في هذا الطحن،، وفي أن تتخذوا لي آنية أشرب فيها أرى من حولي، فإنه قد بلغني أن بعض الجن إذا أنا شربت وسترن الإناء منهم غمز بي، قالوا: يا رسول الله، إن هذا لشيء ما نطيقه، ولكنه قد تمرد عفريت، وهو في جزيرة من جزائر البحر فإن قدرنا عليه صنع هذا كله، قال: احتالوا حيلة تأتوني به. فانطلقوا إليه وأعلموه أن سليمان قد هلك، وأن الأرض قد بقيت لهم. فلما اطمأن إليهم أخذوه فأوثقوه بالحديد، ثم جاؤوا به سليمان. فلما أدخل عليه أراه الخاتم، فأذله اله له، فقال له سليمان: يا صخر، إني هممت بقتلك لفرارك مني، وبلغني رفقك وصنائعك، فأنا أحب أن يتخذ الناس شيئاً يستريحون به مما يلقون من الطحن بأيديهم،
стр. 3437
وأتخذ لي آنية اشرب فيها ولا تحول بيني وبين النظر إلى الناس. قال: نعم يا رسول الله، أعنّي بطائفة من الجن فأعانه بما أراد. فلم يدع قرية إلا نصب فيها رحاً يطحن أهل البيت في اليوم والليلة ما يكفيهم سنة، ووجد الناس من ذلك راحة فسموها لمكان الراحة الرحا، وعمل لسليمان الزجاج فجاء على ما أراد، فأكرمه سليمان، وقربه حتى كان يشاوره في الأمر، وركب سليمان ذات يوم حتى أتى ساحل البحر فأدركه المساء، وغابت الشمس، وبدت النجوم، فاطلع كوكب فقال سليمان: يا صخر، ما هذا الكوكب؟ قال: هذا نجم كذا وكذا، ثم لم يزل يسأله عن النجوم. فقال سليمان: لقد أعطيت من أمر النجوم علماً، فصف لي كيف علمت ذلك، فقال: يا رسول اله، إن خاتم المملكة في يديك، وإني أفرق أن أدنو منك، ولولا ذلك لأخبرتك بأشياء تعجب، فنزع سليمان الخاتم، ثم قال: امسكه معك، وأخبرني. فلما وقع الخاتم في يده قذفه في البحر فالتقمه حوت، وتمثل صخر مكانه على تمثال سليمان، وقعد على كرسيه. فاجتمع له الجن والإنس والشياطين، وملك كل شيء كان يملكه سليمان، إلا أنه لم يسلّط على نسائه، وخرج سليمان يسأل الناس ويتضيفهم ويقول: أطعموني، فإني سليمان بن داود، فيطردونه ويقولون له: ما يكفيك ما أنت فيه من البلاء حتى تكذب على سليمان، وهذا سليمان على ملكه؟ حتى أصابه الجهد وطال عليه البلاء، فلما تم أربعون يوماً جاء إلى ساحل البحر فإذا بقوم يصيدون السمك فقال لهم: أطعموني، فأبوا فقال لهم: لو تعلمون من أنا لأطعمتموني، أنا سليمان بن داود، فخرج صاحب السفينة فطرده وضربه بمردي في يده وقال: ما يكفيك ما أنت فيه حتى تكذب على سليمان؟ إن كنت جائعاً فخذ من هذا السمك الذي أروح، فأخذ سليمان سمكتين، فدنا من ساحل البحر، فشق بطنهما فإذا في جوفها خاتمه فأخذه فلبسه، ورد الله عليه ملكه، وجاءت الوحوش والطير فقامت الوحوش حوله والطير فوق رأسه، فقال أهل السفينة: هذا والله سليمان فقفزوا بين يديه وقالوا:
стр. 3438
يا نبي الله، إنما فعلنا ما فعلنا غضباً لك قال: أما إني لا أعاتبكم على ما صنعتم قبل، ولا أحمدكم على ما تصنعون بي لأن الأمر من السماء.
وقيل: إن صخراً أمسك الخاتم أربعين يوماً، فمن ثم دانت له الإنس والجن، وعطفت عليه الطير والوحش. فلما أنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يماً قال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من خلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، فعند عند ذلك صخر فألقى بالخاتم في البحر فاستقبله جري فابتلع الخاتم فصار في جوفه مثل الحريق من نور الخاتم، فاستقبل جريه الماء فوقع في شبك الصيادين الذين كان سليمان معهم، فلما أمسوا قسموا السمك، فأسقطوا الجري فجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله فأمرهم أن يصنعوه، فلما شقوا بطنه أضاء البيت نوراً من خاتمه، فدعت المرأة سليمان فأرته الخاتم فتختم به، وخر لله ساجداً فقال: إلهي، لك الحمد على قديم بلائك وحسن صنيعك إلى آل داود، إلهي، أنت الذي ابتدأتهم بالنعم وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير وتلطف بالصغير، إلهي، فلك الحمد، نعمائك ظهرت فلا تخفى، وبطنت فلا تحصى، فلك الحمد، إلهي لم تسلمني بذنوبي، فلك الحمد، تغفر الذنوب وتستجيب الدعاء، ولك الحمد، إلهي، لم تسلمني بجريرتي، فلك الحمد، ولم تخذلني بخطيئتي، فلك الحمد، فتمم إلهي نعمتك علي، واغفر لي ما سلف " وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي " فذلك قوله: " ولق فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ".
وقيل إن سليمان ﵇ قال للشياطين: كيف تضلون الناس؟ فقال له شيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه، فذهب به حتى ألقاه في البحر وذهب ملك سليمان، فصار يطوف ويؤاجر نفسه، ويأتي المرأة من بني إسرائيل فيقول لها: أنا سليمان، أطعميني، فتبصق في وجهه، حتى وجد الخاتم في بطن حوت، فرد الله إليه ملكه وله الحمد.
стр. 3439
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " كان في نقش خاتم سليمان لا إله إلا الله محمد رسول الله ".
وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : " كان فص خاتم سليمان بن داود سماوي، فألقي إليه فأخذه فوضعه في خاتمه، وكان نقشه: أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي ".
وعن الحسن
أن سليمان لما غلبه صخر المارد على ملكه خرج هارباً مخافة على نفسه أن يقتله، بغير حذاء ولا قلنسوة في قميص وإزار. قال: فمر بباب شارع على الطريق وقد جهده الجوع والعطش والحر، فقرع الباب، فخرجت امرأة فقالت: ما حاجتك؟ قال: ضيافة ساعة، فقد ترين ما أصابني من الحر والرمضاء، وقد احترقت رجلاي وبلغ مجهودي من الجوع والعطش. قالت المرأة: إن زوجي لغائب وليس يسعني أن أدخل رجلاً غريباً علي، وهذا أوان انصراف زوجي، فادخل البستان فإن فيه ماء وثماراً، فأصب من ثماره، وتبرد فيه، فإذا جاء وزجي استأذنته في ضيافتك،، فإن أذن لي فذاك، وإن أبى أصبت مما رزق الله ومضيت، فعلم أنها تكلمت بعقل، فدخل البستان، فاغتسل ووضع رأسه فنام، فأذاه الذباب، فجاءت حية سوداء فمرت بسليمان فعرفته، فانطلقت فأخذت ريحانة من البستان بفيها يقال لها العبهر، فجاءت إلى سليمان عند رأسه، فجعلت تذب عنه حتى جاء زوج المرأة، فقصت عليه القصة، فدخل الزوج إلى سليمان. فلما رأى الحية وصنيعها دعا امرأته، فقال لها: تعالي فانظري العجب، فنظرت ثم مشت إليه، فلما رأتها الحية تنحت عن سليمان، فأيقظاه وقالا له: يا فتى، هذا منزلنا فهو لك لا يسعنا شيء يعجزك، وهذه ابنتي وقد زوجناكها، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، قال: فتزوجها وأقام عندهم ثلاثة أيام، ثم قال: لا يسعني إلا طلب المعيشة لي ولأهلي، فانطلق إلى الصيادين، فقال لهم: هل لكم في رجل يعينكم وترضخون له شيئاً من صيدكم، وكل يأتيه الله برزقه، فقالوا: قد انقطع عنا الصيد، وليس عندنا فضل نعطيكه، فمضى إلى غيره، فقال لهم مثل هذه المقالة، فقالوا: نعم، وكرامة، نواسيك بما عندنا، فأقام معهم يختلف
стр. 3440
كل ليلة إلى أهله بما أصاب من الصيد، حتى أنكر الناس قضاء سليمان وأفعاله، فقالوا لآصف: هل تنكر من سليمان الذي أنكرنا؟ قال: نعم، ولكن دعوني أعلم علم نسائه، فانطلق آصف، وكان لا يحتجب عنهن، فسألنه عن فعاله قلن: أنكرنا جميع فعاله، ولا يطلب النساء إلا عند الحيض، فقال: هل تواتينه؟ قلن: لا. قال ابن عباس ﵀: من زعم أنه أتى نساءه فقد كذب. كان سليمان ﵇ أكرم على الله تعالى وتقدس من أن يسلط الشيطان على نسائه. قال فختم الله عليه، ولم يردهن. قال واحترس نساؤه، واجتمع الناس يدعون الله أن يفرّج ما بسليمان. قال: فلما رأى الخبيث أن الناس قد فطنوا له عمد فكتب كتاب السحر وختمه بخاتم سليمان ودفنه من تحت قائمة سرير سليمان وانطلق بالخاتم فألقاه في البحر.
وعن قتادة قال: كتبت الشياطين كتباً فيها سحر وشرك، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان، فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علم كتمناه سليمان فقال الله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت ".
وعن عمران بن الحارث قال: بينا نحن عند ابن عباس إذ دخل عليه رجل، فقال له ابن عباس: من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أين؟ قال من الكوفة، قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن علياً خرج إليهم. قال: ففزع ثم قال: ما يقولون لا أبا لك؟! لو شعرنا ما نكحنا نساؤه ولا قسمنا ميراثه سأحدثكم عن ذلك: كانت لشياطين يسترقون السمع من السماء فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جربت صدق، وكذب معها سبعين كذبة، فتشربتها قلوب الناس، فأطلع الله عليها سليمان ﵇، فأخذها فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنزه الممتنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه فقالوا: هذا سحر، فتناسختها الأمم حتى
стр. 3441
بقاياها ما يحدث به أهل العراق فأنزل الله في عذر سليمان ﵇ " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولك الشياطين كفروا " إلى آخر الآية.
وعن الحسن
أن صخراً المارد حين كان غلب على ملك سليمان. فلما فطن له الناس كتب كتاب السحر، ودعا الشياطين، فأخبرهم أنه قد غلب سليمان على ملكه، وأنه ألقى خاتمه في البحر، فلا يقدر عليه ويستريحوا منه، وأن هذا كتاب كتبته فيه أصناف السحر، وختمته بخاتم سليمان، وإني أدفنه تحت كرسيه، وكتب في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من العلم. فلما مات سليمان جاءت الشياطين في صورة الإنس فقالوا لبني إسرائيل: إن لسليمان كنزاً من دفاتر من كنوز العلم، وكان يعمل به هذه العجائب فهل لكم فيه؟ قالوا: نعم، فحفروا ذلك الموضع واستخرجوا ذلك الكتاب. فلما نظروا فيه أنكر الأحبار ذلك، وقالوا: ما هذا من أمر سليمان. وأخذه قوم وقالوا: والله ما كان سليمان يعمل إلا بهذا، ففشا فيهم السحر، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود. فلما ذكر الله لرسوله أمر سليمان وأنزل عليه في سليمان وفي المرسلين وعده فيهم، قال من كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد ﷺ يزعم أن سليمان كان نبياً. والله ما كان إلا ساحراً فأنزل الله فيما قالوا: " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان " يقول: ما كتبت الشياطين يعني أيام غلب صخر سليمان على ملكه " ولكن الشياطين كفروا " هم كتبوا السحر، وما عمل سليمان بالسحر " وما أنزل " السحر " على الملكين ببابل هاروت وماروت " حين فرغ من قصتهما.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلها تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل، فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الذي نفسي بيده إنه لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون.
стр. 3442
وفي رواية: لأطوفن الليلة على مئة امرأة.
وفي حديث عن أبي هريرة أيضاً أن سليمان كان له أربع مئة امرأة وست مئة سرية. فقال يوماً: لأطوفن الليلة على ألف امرأة، فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن، فطاف عليهن، فلم تحم واحدة منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق إنسان، فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لو استثنى فقال: إن شاء الله لولد له ما قال، فرسان ولجاهدوا في سبيل الله ".
وعن ابن عباس قال: كان لداود تسع وأربعون امرأة وكان لسليمان مئتا امراة.
وعن أبي هريرة قال: كان اليوم الذي رد الله تعالى إلى سليمان بن داود خاتمه يوم النيروز، فجاءت الشياطين بالتحف، وكانت تحفة الخطاطيف أن جاءت بالماء في مناقيرها فرشته بين يدي سليمان فاتخذ البعض رش الماء من ذلك اليوم.
وقال سفيان الثوري: بلغني أن سليمان يوم رد الله عليه ملكه، أمر الريح أن تحمله، فحملته فانتهى إلى مفرق الطريقين، استقبله خطاف فقال: أيها املك، إن لي عشاً فيه بيضات قد حضنتهن، وأنا أرجو إفراخي أيامي، فاعدل رحمك الله، فإنك إن مررت بالعش حطمت بيضات، فشفقه وترك ذلك الطريق، فانطلق الخطاف إلى البحر حين نزل سليمان فحمل ماء في منقاره، فنضح بين يديه، فسأله أصحابه عن ذلك فقال: إنه سألني أن أعدل عن الطريق الذي فيه عشه، فهو يحمل الماء من البحر بمنقاره ينضحه بين يدي شكراً لي.
وفي حديث آخر: أتاه برجل جرادة فوضعه بين يدي سليمان، فقال له سليمان: ما هذا؟ قال: هدية لك فقال سليمان: لقد شكر هذا، ومن لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة فقال: " إن الشيطان عرض ليفسد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله
стр. 3443
منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه في سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان: رب هب لي ملكا لا يبغي لأحد، فرده الله خائباً ".
قال الضحاك:
لما رد الله ملك سليمان بعث سليمان إلى صخر، فأتي به، فلما أدخل عليه أمر بوثاقه، فأوثقوه حديداً، ثم سأل الجن: أي قتلة أشد حتى أقتله؟ قالوا: نأتيك بصخرة ثم نجوفها ثم نوثقه فنضعه فيها ونسدها عليه ونطبقها بالحديد ثم نلقيه في البحر، ففعلوا ذلك به، فألقوه في أعمق مكان في البحر، فهو فيه إلى يوم القيامة فذلك قول الله " وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن " يعني سليمان على من شئت من الشياطين " أو أمسك يعني أقره في الوثاق في البحر " بغير حساب " يعني لا تبعة عليك فيه إلى يوم القيامة.
قال عبد الله بن عبيد بن عمير: بعث سليمان إلى مارد من مردة الجن كان في البحر، فأتي به. فلما كان على باب داره أخذ عوداً فذرعه بذراعه، ثم ألقاه من وراء الحائط فوقع بين يدي سليمان فقال سليمان: ما هذا؟ فأخبر بالذي صنع المارد، فقال: تدرون ما أراد؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول اصنع ما شئت فإنما تصير إلى مثل هذا من الأرض.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبع مئة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والأنس والشياطين والدواب والطير والسباع، وأعطي علم كل شيء ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة التي سمع بها الناس وذلك قوله: " علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ".
стр. 3444
قالوا: وكان سليمان غزاء، يغزو البر والبحر ولا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب، وكان اتخذ ألواحاً من خشب وضم بعضها إلى بعض وعمل لها عمداً من تحتها وسددها بالمسامير الحديد على قدر عسكره، فربما كان عسكره فرسخاً في فرسخ أو أقل أو اكثر، ثم تجيء الشياطين فتدخل تحت الخشب، فتحمل تلك العمد، ثم يأمر الريح وعسكره مسيرة شهر، وكانت الريح تغدو به شهراً، وتروح به شهراً وبعسكره، فذلك قول الله : " رخاء حيث أصاب " مطيعة حيث أراد، وكان الرخاء ريحاً تحمل عسكره إلى حيث أراد سليمان، وإنه ليمر بالزراعة فما تحركها الريح.
وقيل: كانت الشياطين عملوا لسليمان مدينة من قوارير، إذا خرج في المغازي كان يحمل تلك المدينة معه وحشمه وأهل بيته، وكانت ألف ذراع في عشرة آلاف ذراع، فيها ألف سقف كل سقف ألف ذراع، بين كل سقفين عشرة أذرع على كل سقف ما يحتاج إليه من المساكن والقباب والمرافق، فجعل الأعلى قبة فيها مجلسه، على قبتها علم أخمر يضيء منه بالليل للعسكر، وترى بالليل من الأرض البعيدة كما ترى النار، ولتلك المدينة ألف ركن على مناكب الشياطين، تحت كل ركن عشرة من الشياطين.
قال كعب:
وكان سليمان إذا ركب حمل أهله وسار بجيشه وخدمه وكتائبه، وتلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتخذ مطابخ ومخابز، يحمل فيها تنانير الحديد وقدوراً عظاماً، يسع كل قدر عشر جرائر وقد اتخذ فيه ميادين للدواب أمامه فيطبخ الطباخون، وخبز الخبازون، وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض ولريح تهوي بهم، فسار من إصطخر إلى اليمن فسلك المدينة مدينة سيدنا رسول الله ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، وطوبى لمن اقتدى به. ثم مضى حتى مر بمكة فقال: هذا مولد نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناماً تعبد من دون الله. فلما جاوز
стр. 3445
سليمان البيت بكى البيت، فأوحى الله إلى البيت فقال: ما يبكيك؟ قال: يا رب، أبكاني هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا علي، فلم يهبطوا في، ولم يصلوا عندي، ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أن لا بتك، فإني سوف أملؤك وجوهاً سجوداً، وأنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك نبياً في آخر الزمان، أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارً من خلقي يعبدوني، وأفرض على عبادي فريضة يدفون إليك دفوف النسور إلى وكورها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين. ثم مضى سليمان حتى مر بوادي النسرين من الطائف فأتى على وادي النمل فقالت نملة تسمى جيرين من قبيلة تسمى الشيصبان وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل الذئب العظيم فنادت النمل " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحكمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون " يعني أن سليمان يفهم مقالها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك، فألقته في مسامع سليمان قال: " فتبسم سليمان ضاحكاً من قولها وقال: رب أوزعني " يعني ألهمني " أن أشكر نعمتك " يعني: أن أؤدي شكر ما أنعمت " علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " يعني مع الصالحين.
ذكر وهب بن منبه سليمان وتعظيم ملكه: أنه كان في رباطه اثنا عشر ألف حصان، وكان يذبح لغذائه كل يوم سبعين ثوراً معلوفاً وستين كراً من الطعام سوى الكباش والصيد والطير، فقيل لوهب: يا أبا عبد الله، أكان يسع هذا ماله؟ قال: كان إذا ملك الملك على بني إسرائيل اشترط عليهم أنهم رقيقه وأن أموالهم له، ما شاء أخذ منها، وما شاء ترك.
قال ابن عباس: كان سليمان بن داود يوضع له ست مئة ألف كرسي، ثم يجيء بأشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء بأشراف الجن حتى يجلسوا مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم ثم يدعو
стр. 3446
الريح، فتحملهم فيسيرون. وقيل: يسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر. فبينا هو ذات يوم يسير إذ احتاج إلى الماء، وهو في فلاة من الأرض، فدعا الهدهد فنقر الأرض، فأصاب موضع الماء، فجاءت الشياطين إلى المكان فيسلخونه كما يسلخ الإهاب حتى استخرجوا الماء: فكيف يعرف هذا ولا يعف الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال ابن عباس: ويحك إن القدر حال دون البصر.
حدث إدريس بن سنان أبو إلياس قال:
بلغنا " والله أعلم " عن صفة كرسي سليمان بن داود بحكمته أنه صنع دفوف الكرسي من عظام الفيلة، وفصصها بالدر وبالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، صنعت صنعة لم يصنع مثلها من مضى، ولا صنعها من بقي بعده، ثم جعل له ست درجات بعضها فوق بعض، وجعل بين كل درجتين شبراً، وجعل كل درجة منها مفصصة بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وحفف الكرسي من جانبيه كليهما بنخل من ذهب، وعناقيدها ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل رؤوس النخل من أحد جانبي الكرسي طواويس من ذهب، وجعل من جانبه الآخر سوراً من ذهب مقابلة للطواويس، وجعل عن يمين الدرجة الأولى شجرة صنوبر من ذهب، وعن يسارها أسداً من ذهب، وعلى رؤوس الأسدين عموداً من زبرجد، ومن جانبي الأسدين شجرتين كلتاهما كرم من ذهب معرشتين، فأظلتا الكرسي كله بتعريشها وورقها، وفوق أعلى درج الكرسي أسدين عظيمين من ذهب مجوفين محشوين مسكاً وعنبراًً، فإذا أراد سليمان بن داود الملك أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان كما يستدير المنجنون فينفخان ما في أجوافهما من الطيب، ومن جانبي الكرسي منبران من ذهب أحدهما مجلس خليفة سليمان، والآخر مجلس الأحبار والقضاة، وسبعين منبراً من ذهب لسبعين قاضياً من أحبار بني إسرائيل وعلمائهم وكهولهم، من كل جانب من الكرسي خمسة وثلاثون منبراً، فإذا أراد الملك أن يصعد إلى كرسيه وضع قدميه على الدرجة الأولى من الكرسي استدار الكرسي كما يستدير المنجنون، فيبسط الأسد يده اليمنى والنسر جناحه الأيسر، فيتكئ سليمان عليها إلى الدرجة التي تليها وكذلك تصنع الأسد والنسور من كل درجة إلى درجة
стр. 3447
حتى يستوي إلى أعلى الكرسي، فإذا استوى سليمان على كرسيه جالساً أخذ التنين العظيم تاج الملك فوضعه على راس سليمان، وكان الذي يستدير بالكرسي وما فيه من العجائب تنين عظيم حتى تمر الأسود والنسور والطواويس التي على الدرجة السفلى إلى أعلى الكرسي فيظلون من فوق رأس سليمان، وهو جالس على الكرسي، فينضحون ما في أجوافها من الطيب على رأس سليمان، وكانت حمامة على عمود جوهر تأخذ التوراة، حتى تجعلها في يد سليمان فيقرأها على الناس فإذا جلس سليمان على كرسيه للقضاء، وجلس قضاة بني إسرائيل على كراسيها عن يمينه وشماله جانبي الكرسي فدخلت الشهود للشهادات استدار منجنون الكرسي، فيزأر الأسد، وتخفق النسور بأجنحتها، وترجع الطواويس لترعب قلوب الشهود أن لا يشهدوا بالزور، ويقول الشهود عندما يرون من العجائب وما دخلهم من الرعب: لا نشهد إلا بالحق، فإنا إن نشهد بالزور يهلك العالم، فلم يكن مثل كرسي سليمان في الأولين ولا يكون مثله في الآخرين.
فلما قبض الله سليمان وجاء بخت نصر، فأخذ ذلك الكرسي فحمله معه إلى أنطاكية، فأراد أن يصعد فيه ليقعد عليه، ولم يكن له علم كيف يصعد فيه، فلما وضع قدمه على الدرجة الأولى ولم تصب موضعها رفع الأسد يده اليمنى فكسر ساق بخت نصر الأيسر فعرج فلم يزل بخت نصر يعرج منها حتى مات، ثم بعث الله ملكاً من ملوك فارس يقال له: كارس بن سورس ويقال الفرريا بن يساريا فحمل الكرسي من بابل حتى رده إلى بيت المقدس، فوضعوه تحت الصخرة فلم يقعد أحد على كرسي سليمان من بعده، ولم يقدر عليه منذ وضع تحت الصخرة.
فذلك ما يذكر من حديث الكرسي وما فيه من العجائب.
قال إسحاق بن بشر: وكان سليمان إذا ركب يسمع حفيف قبته من اثني عشر ميلاً، فلا يبقى غلام ولا جارية ولا رجل ولا امرأة إلا وهم متشوفون ينظرون إلى مركب سليمان ويتعجبون. فبينا سليمان في مسيره بهذه الحال، وقد اشرفوا عليه من كل جانب، غذ مر
стр. 3448
على رجل من بين إسرائيل يعمل بالمسحاة في حرث له يقال له: مرعبدا، فقال مرعبدا ولم يرفع طرفه إليه: لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، ثم أقبل على مسحاته، فلم يلتفت له، ولم ينظر إليه، والناس متشوفون من كل جانب، فلما رأى سليمان ذلك رفع رأسه فنظر إلى الطير فوقفن، فإذا وقفت الطير تركت الشياطين الأركان، وتجيء الريح فتحمل له البيت بقدرة الله. فلما نظر سليمان إلى العابد وهو مرعبدا قطع به فقال: والله ما هذا إلا رجل في قلبه إيمان ومعرفة ليس في قلب أحد.
قال عبد الله بن عمر: قال لنا النبي ﷺ : " إن الله لينظر إلى الكافر ولا ينظر إلى المزهي، ولقد حملت سليمان بن داود الريح وهو متكئ، فأعجب واختال بنفسه فطرح على الأرض.
وعن الفضيل بن عياض قال: كان سليمان بن داود إذا أراد أن يركب وُضع له ست مئة ألف كرسي، تحتمله الريح، وتظله الطير والغمام فوق ذلك، فبينا هو يسير إذ مر بحرّاث يعمل في زرعه، فاستوقفه فوقف غير مستكبر، فإما أتاه أو ساءله فقال له: يا نبي الله، حك في نفسي شيء، لم أجد له موضعاً غيرك، قال: وما هو؟ قال: أرأيت ما مضى من ملكك هذا هل تجد لشيء منه لذة؟ قال: لا. قال: فما بقي؟ قال: ولا. قال: ما أراك سبقتني من الدنيا إلا باليسير، قيل: فقال له سليمان: هل لك أن تصحبني؟ قال: فما تصنع بي؟ قال: أصنع بك خيراً، قال: هل تزيد في رزقي؟ قال: لا، قال: فهل تزيد في عمري؟ قال: لا، قال: فما أصنع بصحبتك!! وعن ابن كعب القرظي في قوله " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلا من قبل " الآية قال: يعني يتزوج ما يشاء من النساء، هذا فريضة، وكان من الأنبياء هذا سننهم، وقد كان لسليمان بن داود ألف امرأة، سبع مئة مهيرة
стр. 3449
وثلاث مئة سرية، وكان لداود مئة امرأة فيهن أم لسيمان امرأة أورياء تزوجها داود بعد الفتنة. فهذا أكثر مما كان لمحمد ﷺ .
قال وهب بن منبه: أمر الله الريح فقال: لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض بينهم إلا حملته فوضعته في أذن سليمان، فلذلك سمع كلام النملة.
قيل: إن سليمان النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، كان جالساً، فرأى عصفوراً، يدير زوجته على السفاد وهي تمتنع منه، فضرب بمنقاره في الأرض ثم رفعه إلى السماء، فقال سليمان: هل تدرون ما قال لها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال لها: ورب السماء والأرض ما أريد السفاد لك، ولكن أردت أن يكون من نسلي ونسلك من يسبح الله في الأرض.
قال مالك بن دينار: صنع سليمان بن داود قبة من ذهب أربعين ذراعاً في أربعين ذراعاً، وركب فيها من صنوف الجوهر، فبينا سليمان جالس فيها غذ سقط فيها خطافان، فراود الذكر الأنثى فامتنعت عليه فقال لها: لم تمنعين نفسك؟ فوالله لو كلفتني حمل هذه القبة لحملتها، فسمع سليمان قوله فأمر فأتي بهما فقال: من القائل كذا وكذا؟ قال الذكر: أنا يا نبي الله، قال فما حملك على ذلك؟ قال: يا نبي الله، أنا محب والمحب لا يلام.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أرأيتم ما أعطي سليمان من ملكه، فإن ذلك لم يزده إلا تخشعاً، وما كان يرفع طرفه إلى السماء تخشعاً من ربه .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : خُير سليمان بين المال والملك والعلم فاختار العلم، فأعطي الملك والمال لاختيار العلم.
حدث أبو عمران الجوني قال: مر سليمان بن داود في موكبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه وعن
стр. 3450
شماله، فمر بعابد من عباد بني إسرائيل. قال: فقال: لقد آتاك الله يا بن داود ملكاً عظيماً فسمع كلامه فقال: تسبيحة في صحيفة مؤمن أفضل مما أوتي آل داود، وما أوتي ابن داود يذهب وتسبيحته تبقى.
قال الفضيل بن عياض: كان عسكر سليمان مئة فرسخ، وكان يذبح في كل يوم ألف شاة وثلاثين ألف بقرة سوى ما يلقى الطير من نواهضها، ويطعم الناس الحوارى، ويطعم أهله الخشكار، ويأكل هو الشعير قال: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ".
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " قالت أم سليمان لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن من كثر نومه بالليل يلقى الله يوم القيامة فقيراً ".
وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: إن أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود، فلما دخله وجد حره وغمه، قال: أوه من عذاب بالله أوه قبل أن لا يكون أوه.
وفي رواية: أول من صنع له الحمام سليمان بن داود.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: بينما امرأتان ومعهما أبناهما إذ جاء الذئب فذهب بأحدهما، فقالت هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنكن، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فاختصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فمرتا على سليمان، فأخبرتاه فقال ائتوني بسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى.
قال أبو هريرة: فوالله إن سمعت بالسكين قبل ذلك اليوم، ما كنت أقول إلا المدية.
стр. 3451
وعن محمد بن كغب القرظي قال:
جاء رجل إلى سليمان النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، إن لي جيراناً سرقوني إوزاً، فنادى: الصلاة جامعة ثم خطبهم فقال في خطبته: واحد كم يسرق إوزة جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح رجل رأسه، فقال سليمان: خذوه فإنه صاحبكم.
وعن الحسن قال: بلغني أن داود قال لابنه: يا بني، أي شيء أبرد؟ قال: عفو الله عن العباد وعفو العباد بعضهم عن بعضهم. قال: فأي شيء أحلى؟ قال: روح الله بين عباده.
وعن داود النبي ﷺ أنه قال لسليمان حين استخلفه: يا بني، أي شيء أحسن؟ قال: روح الله بين عباده، وصورة حسنة في عمل صالح وخلق حسن.
وعن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا، وعُلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئاً أفضل من خشية الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى.
وعن قتادة قال: ذُكر لنا أن سليمان بن داود كان يقول: اذكر الجائع إذا شبعت، واذكر الفقير إذا استغنيت.
وعن يحيى بن كثير أن سليمان بن داود قال: يا بني إسرائيل، من خشي الله في السر والعلانية، وقصد في الغنى والفقر، وعدل في الغضب والرضا، وذكر الله على كل حال فقد أعطي مثل ما أعطيت أو أفضل منه.
وعن سعيد بن عبد العزيز قال سليمان بن داود: نظرت في الحكمة فكثر همي، ونظرت في العلم فكثر شيبي، فذهبت أنظر في الأمر
стр. 3452
فإذا مع الشباب كبر، وإذا مع الغنى فقر، وإذا مع الصحة سقم، وإذا مع الحياة موت، وإذا تربتي وتربة السفيه الأحمق يصيران إلى أن يكونا سواء، إلا أن أفضله يوم القيامة بعمل صالح، فكيف يهنأني مع هذا طعام أو شراب؟ وعن خيثمة قال: قال سليمان بن داود النبي صلى الله على نبينا وعليهما وسلم: كل العيش قد جربناه، ليّنه وشديده فوجدناه يكفي منه أدناه.
وعن الحسن قال: بلغني أن سليمان بن داود قال: العقل نجاة العاقل بطاعته ربه، وحجته على معصية الله، وإن العمل القليل من العاقل أرجح من الكثير من الجاهل، ومجامعة العاقل على البرادع خير للمؤمن من مجامعة الجاهل على حشايا السندس والاستبرق، ومجامعة المرء العاقل على المزابل خير من مجامعة الجاهل على الزرابي.
قال سليمان بن داود: يا معشر الجبابرة، كيف تصنعون إذا وضع المنبر للقضاء؟ يا معشر الجبابرة، كيف تصنعون إذا لقيتم ربكم الجبار فرادى؟ وقال سليمان بن داود: يا بني، إياك وكثرة الغضب، فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم.
وعن الأوزاعي قال: قال سليمان: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
وعن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه: يا بني، عليك بخشية الله فإنها غاية كل شيء، يا بني، لا تقطع أمراً حتى تشاور فيه مرشداً، يا بني، عليك بالحبيب الأول فإن الأخير لا يعدله.
وعنه قال: قال سليمان لابنه: يا بني، لا تقطعن أمراً حتى تؤامر مرشداً، فإنك إذا فعلت ذلك لم تحزن عليه يا بني، إياك وكثرة الغيرة من غير سوء تراه على أهلك فترمى بالسوء من أجلك.
стр. 3453
قال سليمان: من أراد أن يغيظ عدوه فلا يرفع العصا على ولده.
وعن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه: يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك، فترمى بالشر من أجلك، وإن كانت بريئة، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تستخف فؤاد الرجل الحليم، قال: وعليك بخشية الله فإنها غلبت كل شيء.
وعنه أن سليمان قال لابنه: يا بني، إياك والمراء، فإن نفعه قليل وهو يهيج العداوة بين الإخوان.
وعن مالك بن دينار قال: خرج سليمان في موكبه فمر ببلبل على غصن شوك يصفر ويضرب بذنبه فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه يقول: قد أصبت اليوم نصف تمرة فعلى الدنيا السلام.
وعن كعب الأحبار قال: خرج سليمان بن داود نبي الله ﵊ يستقي لقومه فإذا نملة قائمة على رجليها رافعة يديها تقول: اللهم، إنا خلق من خلقك ولا غنى لنا عن رزقك، فأنزل علينا غيثك، ولا تؤاخذنا بذنوب عبادك، فقال سليمان ﵇: أرجعوا، فقد استجاب الله لكم بدعاء غيركم فرجعوا يخوضون الماء إلى الركب.
وفي حديث آخر: فلا تهلكنا بذنوب بني آدم.
وقيل: إن داود كان له صديق من بني إسرائيل يُدني مجلسه ويشاوره، فمات داود وولي سليمان. قال: فنظر من أحق الناس أن يشاوره ويُدني مجلسه منه؟ قال: ما أعلم أحداً أحق من الشيخ الذي مات نبي الله وهو عنه راض، فأرسل إليه فأدنى مجلسه، وكان الله وكل بسليمان ملك الموت أن يدخل إليه كل يوم دخلة، فيسأله كيف هو، ويقول له: هل لك من حاجة أقضيها لك؟ فإن قال: نعم لم يبرح ملك الموت حتى يقضيها، ثم
стр. 3454
لا يعود إليه من الغد، فدخل عليه يوماً والشيخ مسند ظهره إلى سرير سليمان فقال له: كيف كنت الليلة؟ قال: بخير، قال: ألك حاجة؟ قال: لا، فانصرف ملك الموت والناس يحسبون أنه رجل من الناس، فلما خرج أقبل الشيخ على رجل سليمان، فجعل يقبلها، ويقول: يا نبي الله، كيف رضي رسول الله ﷺ عني؟ قال: حسن، قال: وكيف رضاك عني منذ صحبتك؟ قال: حسن إني أسألك بحق الله إلا ما أمرت الريح أن تحملني فتلقيني بأقصى مدرة من أرض الهند، قال: فأخذه أفكل شديد، قال سليمان: ولم؟ قال: هو ما أقول لك، قال: فاخبرني فإني فاعل، قال أم تر إلي الرجل الذي دخل عليك، فإنه لحظ إلي لحظة، فما أتمالك رعدة، فقال سليمان: سبحان الله، وهل إلا رجل نظر إليك؟ قال: هو ما أقول لك، قال: وأراده سليمان على ألا يفعل فأبى، قال: فدعا الريح، فقال: احمليه فألقيه بأقصى مدرة بالند، وظل سليمان لا ينتفع بشيء حزناً على الشيخ، قال: فقعد على سريره قبل ساعته التي كان يقعد فيها حزناً على الشيخ، ودخل عليه ملك الموت ثم قال: ألك حاجة؟ قال: الحاجة غدت بي إلى هذا المكان، قال: مه. فذكر الشيخ ومنزلته، وذكر ما سأله. وذكر ما سأله. قال له ملك الموت: يا رسول الله، منذ جئتك ما ينقضي عجبي منه، إنه سقط إلي أمس كتاب أن أقبض روحه مع طلوع الفجر بأقصى مدرة بأرض الهند، فهبطت وما أحسبه إلا هناك، فدخلت عليه فإذا هو قاعد، وقد أمرت أن أقبض روحه مع طلوع الفجر بأقصى مدرة بأرض الهند، فجعلت أتعجب، فوا للذي بعثك بالحق إني هبطت عليه مع طلوع الفجر، فوجدته بأقصى مدرة من أرض الهند فقبضت روحه، وتركت جسده هنالك.
قال كعب: أمر داود ببناء بيت المقدس، فبنى فيه قدر قعدة، ثم أحدث شيئاً، فقيل له: إنك لست بصاحبه. قال: رب، فمن ذريتي؟ قال: نعم، فبناه سليمان حتى فرغ من بناه جعل عليه مأدبة، ذبح أربعة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة، ودعا بني إسرائيل فأكلوا حتى قام فدخله فقال: اللهم، أما عبد لك دخل بيتك هذا مستجيراً فأجره،
стр. 3455
فأوحى الله إليه أن قد استجبت لك. فلما أوحى إليه أن قد استجبت لك، أن خلص الدعوة لآل داود ﵇.
قال قرة: أمر سليمان ببناء بيت المقدس فقالوا لسليمان: إن زوبعة الشيطان له عين في الجزيرة، يردها كل سبعة أيام، فأتوها فنزحوها فصبوا فيها خمراً، فجاء لورده، فلما أبصر الخمر قال كلاماً له: أما علمت أنك إذا شربك صاحبك ظهر عليه عدوه " في أساجيع " ألا لا وردتك اليوم، فذهب ثم رجع لظمأ آخر. فلما رآها قال كما قال أول مرة، ثم ذهب ولم يشرب، ثم جاء لورده لإحدى وعشرين ليلة، وقال: ما علمتك إنك لتذهبن الهم " في أساجيع له " فشرب فسكر فجاؤوا إليه، فأروه خاتم السحر فانطلق معهم إلى سليمان، فأمره ببناء بيت المقدس، فقال دلوني على بيض الهدهد فدل على عشه فأكب عليه بحمحمة، فانطلق الهدهد فجاء بالماس الذي يثقب به اللؤلؤ والياقوت فغط الزجاجة، فذهب ليأخذه فأزعجوه عنه فجاء بالماس إلى سليمان، فجعلوا يستعرضون له الجبال كأنما يخطون في الطين.
وحدث كعب:
أن الله أوحى إلى سليمان أن ابن بيت المقدس، فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجن وعظما الشياطين، ثم فرق الشياطين فجعل منهم فريقاً يبنون، وفريقاً يقطعون الصخر والعمد من معادن الرخام، وفريقاً يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان، الدرة منها مثل بيضة النعام، ومثل بيض الدجاج، وأخذ في بناء المسجد، فلم يثبت البناء، وكان عليه حين بناه داود، فأمر بهدمه، ثم حفر الأرض حتى بلغ الماء، فقال: أسسوا على الماء فألقوا فيه الحجارة، فكان الماء يلف، فدعا سليمان الحكماء والأحبار، ورأسهم آصف فقال: أشيروا علي، فقال آصف ومن قال منهم: إنا نرى أن نتخذ قلالاً من نحاس، ثم نملأها حجارة، ثم نكت عليها هذا الكتاب الذي في خاتمك لا إله إلا الله وحده لا شريك له ومحمد عبده ورسوله، ثم نلقي تلك القلال عليه في الماء، فيكون أساس البناء عليه ففعل
стр. 3456
فثبتت القلال، وألقوا الصخر والحجارة عليها، وبنى حتى ارتفع البناء وفرق الشياطين في أنواع العمل، فكانت الشياطين دأبوا في عمله وجعل فرقة منهم يقطعون معادن الياقوت والزمرد وألوان الجوهر، فجعل الشياطين صفاً مرصوصاً ما بين معدن الرخام إلى حائط المسجد، فإذا قطعوا من المعدن حجراً أو اسطوانة يلقاه الأول منهم الذي يلي المعدن ثم الذي يليه، فيلقى بعضهم بعضاَ حتى ينتهي إلى المسجد، وجعل يقطع الرخام الأبيض منه مثل بياض اللبن من معدن يقال له السامور ليس بهذا السامور الذي في أيدي الناس، ولكن هذا به سمي، وإنما دل على معدن السامور عفريت من الشياطين كان في جزيرة من جزائر البحر، فدلوا سليمان عليه، فأرسل إليه بطابع من حديد، وكان خاتمه يرسخ في الحديد والنحاس فيطبع إلى الجن بالنحاس، ويطبع على الشياطين بالحديد فلا يجيبه أقاصيهم إلا بذلك، وكان خاتمه أنزل عليه من السماء، حلقته بيضاء، وطابعه كالبرق لا يستطيع أحد يملأ منه بصره.
فلما بعث إلى العفريت وجاءه قال له: هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا وصريره للذي أمرنا به من الوقار والسكينة، فقال له العفريت: ابغني وكر عقاب، فإني لا أعلم في الطير أشد من العقاب فنفحه برجله ليقطعه فلم يقدر عليه، فحلق في السماء متلطفاً، فلبث يومه وليلته، ثم أقبل ومعه خصين من السامور معترض، فتفرقت الشياطين حتى أخذوه منه، وأتوا به على سليمان فكان به يقطع الصخر، وعمل سليمان بيت المقدس عملاً لا يوصف ولا يبلغ كنهه أحد، وزينه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمرجان وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجدره وأركانه شيئاً لم ير مثله، ولم يعلم يومئذ كان على ظهر الأرض موضع كان أعظم منه، ولا عرض من عرض الدنيا أكبر منه، فتسامعت به الخلائق، وشهدته ملوك الأرض، وكان نصب أعينهم، ولكنهم لم يكونوا يرومونه مع سليمان.
стр. 3457
فلما فرغ سليمان منه جمع الناس، وأخبرهم أنه مسجد لله تعالى هو أمر ببنائه، وأن كل شيء فيه لله ، وأن من انتقصه شيئاً قد خان الله، وأن داود كان الله عهد إليه بذلك من قبل، وأوصى سليمان بذلك من بعده، فلما انتهى عمله اتخذ طعاماً وجمع سليمان الناس فلم يُر قط جمع في موضع أكبر منه يومئذ ولا طعام اتخذ أكثر منه ثم أمر بالقربان فقرب لله قبل أن يطعم الناس، فوضع القران في رحبة المسجد وبين ثورين، فأوقفهما قريباً من الصخرة، ثم قام على الصخرة فقال: اللهم، أنت وهبت لي هذا الملك مَناً منك علي وطولاً علي وعلى والدي من قبلي، وأنت الذي ابتدأتني وإياه بالنعمة والكرامة، وجعلته حكماً بين عبادك وخليفة في أرضك، وجعلتني وارثه من بعده وخليفته في قومه، وأنت الذي خصصتني بولاية مسجدك هذا قبل، وأكرمتني به قبل أن تخلقني، فلك الحمد على ذلك والمن والطول، اللهم، وأسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخل إليه مذنب لم يتعمده إلا طلب التوبة أن تتقبل منه وتتوب عليه وتغفر له، ولا يدخل إليه خائف لم يتعمده إلا طلب الأمن أن تؤمنه من خوفه وتغفر له ذنبه، ولا يدخل إليه مقحط لم يتعمده إلا طلب الاستسقاء أن تسقي بلاده، ولا يدخل إليه سقيم لم يتعمده إلا طلب الشفاء أن تشفيه من سقمه وتغفر ذنبه، وأن لا تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه، اللهم إن أجبت دعوتي وأعطيتني مسألتي فاجعل علامة ذلك أن تتقبل قرباني. قال: فنزلت نار من السماء فأخذت ما بين الأفقين ثم امتد منها عنق فاحتمل القربان ثم صعد به إلى السماء.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " لما بنى سليمان البيت سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله ملكاً لا يبغي لأحد من بعده فأعطاه ذلك، وسأله حكماً أو علماً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يأتي أحد هذا البيت فيصلي فيه إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن قد أعطاه ذلك.
وعن جابر بن عبد الله قال:
وجد في حكمة سليمان أن الله كان مثّل لسليمان بناء ثلاثين ميلاً
стр. 3458
في مثل حائط البيت، أرق من قشر البيض، وليس للبيت سقف، وله سبعون باباً على كل باب حاجب قائم، وكان الله علم سليمان منطق الطير، وكان لا يقدر أحد من ولد آدم أو من بني الجان أو من دواب الأرض أو من هوام الأرض يدخ على سليمان حتى يستأذن سبعين حاجباً، وفي صدر البيت سرير من ذهب مكلل بالجوهر واللؤلؤ والمرجان، ووجه السرير مكلل باللؤلؤ والجوهر، وقوائمه مثل ذلك، والسرير سبعة أميال، وهو في السماء سبعة أميال، وعلى السرير سبعون فراشاً من ألوان السندس والإستبرق والديباج، وفي كل زاوية من زوايا السرير سبعون مرفقة على لون صاحبتها، وكل واحدة من ألوان شتى، وعن يمين السرير أسد من ذهب طوله سبعة أميال، وعن يسار السرير أسد من ذهب طوله سبعة أميال، وصدر الأسدين وقوائمهما مكلل باللؤلؤ والجوهر من ألوان شتى، وفي عين كل أسد ياقوتتان حمراوان يضيء البيت منهما، وخلف السرير صقر من ذهب إذا بسط جناحيه غطى السرير والأسدين، وإذا ضمهما كان قائماً جناحه مكلل بألوان الجوهر والدر، وعن يسار السرير عشرة آلاف كرسي من ذهب مكلل بألوان الدر والجواهر، وعلى الكراسي أحبار بني إسرائيل وعلماؤهم وألو الألباب من أهل الفهم والبصر والمعرفة بالله ، وخلف السرير ألف مسجد، في كل مسجد رجل قائم يضج إلى الله ويضرع بالبكاء عليه المسوح لا يفترون، وبين يدي السرير سلم عارضته من ذهب وقوائمه من فضة، وكان سليمان إذا جلس على هذا المجلس يضطجع الناس سبعة أميال، فيكون خطما الأسدين مقابل خديه ومنقار الصقر مقابل أنفه. فإذا نشر جناحيه يضيء البيت طرائق من نور بين أحمر وأخضر وأصفر وألوان شتى، وكان الريح يدخل في الصقر فينشر جناحيه، فإذا أراد أن يضمهما خرجت الريح عنه، وكان سليمان إذا نظر بين يديه نظر للأسدين إلى جانبيه ونظر إلى منقار الصقر مقابل أنفه ونظر إلى بني إسرائيل وهم جلوس على الكراسي، فازداد لله رغبة وشوقاً، وإذا نظر إلى خلفه نظر إلى أولئك العباد وبكائهم، فازداد من الله رهبة وله خشية، فكان يسمي مجلسه ذلك مجلس رغبة ورهبة، وكان للبيت ألف ركن، يحمل كل ركن مئة ألف شيطان، وهم يعملون أعمالاً شتى. وكان سبعون ألف طير يظلون سقف ذلك البيت.
стр. 3459
وعن خيثمة قال: قال سليمان بن داود لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا بأعلم بذلك منك، إنما هي كتب تلقى إلي فيها تسمية من يموت.
وعن الحسن أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس وأراد الله تعالى قبضه دخل المسجد فإذا أمامه في القبلة شجرة خضراء بين عينيه. فلما فرغ من صلاته تكلمت الشجرة فقالت: ألا تسألني ما أنا؟ فقال سليمان: ما أنت؟ قالت: أنا شجرة كذا وكذا دواء كذا من داء كذا، فأمر سليمان بقطعها. فلما كان من الغد فإذا بمثلها قد نبتت، فسألها سليمان فقال: ما أنت؟ قالت أنا شجرة كذا وكذا دواء كذا من داء كذا، فأمر بقطعها. فكان كل يوم إذا دخل المسجد يرى شجرة قد نبتت، فيسألها فتخبره، فوضع عند ذلك كتاب الطب حتى وضعوا الطب وكتبوا الأدوية وأسماء الشجر التي نبتت في المسجد، فلما فرغ من ذلك نبتت شجرة فدخل المسجد. فلما صلى قال لها: ما أنت؟ قالت: أنا الخرنوب قال: وما الخرنوب؟ قالت: لا أنبت في بيت غلا كان سريعاً خرابه، فقال سليمان: الآن قد علمت، إن الله قد أذن في خراب هذا المسجد وذهاب هذا الملك، فقطع سليمان تلك الشجرة فاتخذ منها عصاً يتوكأ عليها، فكانت تلك منسأته.
وكان سليمان يتعبد في كل سنة أربعين يوماً لا يخرج من محرابه إلى الناس عدة الأيام التي كلم الله تعالى موسى وعدة أيام توبة داود النبي صلى الله على نبينا وعليهم وسلم، فكان يلبس الصوف ويصوم ويقوم في محرابه، فيصف بين رجليه، وربما اتكأ على عصاه يواصل فيها الصوم، ثم يخرج بعد الأربعين. فلما افتنن وغفر الله له، ورد عليه ملكه اجتهد في العبادة، فكان يتعبد كل سنة ثمانين يوماً، فلما أراد الله قبضه دخل محرابه فقام يصلي واتكأ على عصاه، فبعث الله ملك الموت، فقبض روحه، فبقي سنة على عصاه، فانتظره الناس ثمانين يوماً فلم يخرج فقالوا: قد اجتهد في العبادة، إنه كان مدتهاً أربعين يوماً، ثم زاد حتى بلغ ثمانين يوماً فلم يخرج، وإنه قد اجتهد أيضاً فكانوا لا يعلمون بموته، لا الجن ولا الإنس، وكانت الجن والشياطين متفرقين في أصناف الأعمال وليس أحد يعلم بموته حتى سلط الله الأرَضَة على عصاه التي كان يتوكأ عليها فأكلتها فوقع سليمان والعصا فذلك قول الله عزّ
стр. 3460
وجلّ: " فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته " يعني عصاه " فلما خرّ تبينت الجن " أنه ميت " أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ".
وفي رواية أخرى أن سليمان قال: اللهم، عمّ على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب. فلما أكلتها الأرضة وتبينوا موته شكرت الجن ذلك للأرضة، فأينما كانوا يأتونها بالماء حيث تبني شكراً لما صنعت بعصا سليمان.
وفي رواية: وقدروا مقدار أكلها للعصا فكان سنة.
وقوله تعالى: " وإن عندنا لزلفى وحسن مآب " قال: يُسقي شربة يوم القيامة في الموقف على رؤوس الخلائق.
وقيل: لا يزال يدنيه ويدنيه حتى يمس بعضه.
وعن عبيد بن عمير: " وإن له عندنا لزلفى ". قال: ذكر الدنو منه يوم القيامة حتى ذكر أنه يمس بعضه. هذا في حق داود ﵇ لأنه يوافي القيامة خائفاً من ذنبه، فيؤمنه الله بإكرامه بقربه. وقد روي أنه يدنيه حتى يلصق بقائمة من قوائم عرشه فحينئذ يأمن من أليم بطشه.
وعن الزهري وغيره: أن سليمان عاش اثنتين وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة.
وعن ابن عباس: أن ملكه عاش عشرين سنة. والله أعلم.
стр. 3461
سليمان بن داود بن أبي حفص
أبو الربيع الجيلي سمع بدمشق.
حدث عن أبي صالح محمد بن أبي عدي بن الفضل السمرقندي بسنده عن حفص بن عمر المربعي قال: خرجنا من بغداد نريد شعيب بن حرب الواسطي بمدائن كسرى، فضاق علينا منزله، فخرج إلى شط دجلة، إلى موضع يقال له الرقة، فقلنا له: يا أبا صالح، معنا أحاديث نريد أن نسألك عنها، فقال: كما أنت حتى أحدثكم حديثين في الورع: أما أحدهما فرأيته بعين، وصحبته برجلي، وأما الآخر فحدثني به حبيبي سفيان بن سعيد بن مرزوق الثوري:
خرجت حاجاً، فلما كنت على سيف البحر أقبل رجلان كأنما ركضا في رحم، يعظم كل واحد منهما صاحبه، فقالا لي: ما يحبسك ها هنا؟ فقلت: سفينة أركب فيها إلى الحج، فبينا نحن كذلك، إذ أقبلت سفينة فيها قمح مصبوب، فركبنا فيها والقلع مشرع، فمد أحد الفتيين يده إلى حبة قمح، فألقاها فيه، فنظر إليه صاحبه فقال له: مه ما صنعت!؟ قال: سهوت، قال: وأنا أصحب من يسهو عن الله! ثم قال: يا ملاح، قرب أنزلني، وإلا قذفت نفسي قي البحر، فتهاون به الملاح فقلت أنا بجهلي به: يا هذا، من حبة قمح ألقاها صاحبك إلى فيه تلقي نفسك في البحر؟! فلم ينظر إلى صاحبه ونظر إلي، فقال لي هيه، استصغرت الذنب، ولم تنر من عصي! ثم صاح صيحة حتى بلغ رأسه سقف السفينة، ثم وقع يضطرب مثل الفرخ المذبوح، فرششنا على وجهه الماء، حتى أفاق فقال: يا ملاح قرب أنزلني، وإلا قذفت نفسي في البحر، فتهاون به الملاح، فاجتمع بأثوابه ثم زج نفسه في البحر، فما كانت إلا غوصة حتى علا الماء إلى صدره ثم غاب عنا، فلمن نره، فقلت أنا لصاحبه: يا هذا، من حبة قمح ألقيتها إلى فيك، طرح صاحبك نفسه في الماء! فقال: والله إني لرفيقه منذ ثلاثين عاماً، ما رأى مني زلة غيرها. فقلت في نفسي: هذا والله يدل على فحوى قوله: إنه ما عصى الله منذ ثلاثين
стр. 3462
عاماً، فقلت له: هل لك في الصحبة رحمك الله؟ فقال لي: هو ذا نحن وأنت على هذا العود، فكنت معه أخدمه، فأنصت لحديثه، وأفطر معه، ويذكر صاحبه ولا ذكره، كأنه لا يشك إلا أنه سيسبقه إلى الموضع الذي يريد، فلم نزل حتى أتينا جدة ثم أتينا مكة، فبينا يدي في يده في الطواف، إذ بصرت بصاحبه فقلت في نفسي: لا ينكر لأوليا الله أن يسبقوا السفن، يا فلان، هذا رفيقك، فجعل يريد أن يسلم عليه فيهابه، ثم جسر فسلم عليه، فرد ﵇، وقال له: لبّ الله بالتوبة من ذنبك، ثم قال: هو لبيك اللهم بالتوبة من ذنبي وذنب صاحبي، ثم التفت إليه فقال: من هذا معك؟ قال: هذا رفيقنا الذي وجدناه على سيف البحر، فالتفت إلي بوجه طلق، فقال: أما إنه جزاك الله عن رفيقي خيراً، قد كنت له أنساً ومستراحاً، فقلت له: هل لك في الصحبة رحمك الله فقال لي: نهى رسول الله ﷺ عن صحبة الثلاثة لئلا يتناجى اثنان دون الثالث، فقلت: فما دمتما بمكة، فلما كان الغد حال بيني وبين قطار جمال فالتفت أطلبهما، فلم أجدهما، فلم أزل أسأل عنهما، فلم أجد أحداً يعطيني لهما خبراً فإن يكن أحد من الأبدال فهما ذانك الفتيان.
وأما الآخر فحدثني سفيان الثوري قال: بينا أمشي يوماً ضرب بيده على كتفي فقال لي: يا أبا صالح، ألا أحدثك حديثاً في الورع؟ فقلت: بلى. قال: بلغني أن المسيح عيسى بن مريم صلوات الله على نبينا وعليه وسلامه مر بمقبرة، فناداها يا أهل القبور، تخبرونا أم نخبركم، أم عن جوابنا مُنعتم؟ أما نحن فنخبركم: أما أزواجكم فقد استبدلوا بعدكم أزواجاً، وأما أولادكم فقد حشروا في زمرة اليتامى، وأما منازلكم التي بنيتم وشيدتم فقد سكنها غيركم، وأما أموالكم التي اكتسبتموها فقد أخذها غيركم، هذا خبر ما عندنا فما عندكم؟ ثم دنا إلى قبر منها مفرد فضربه برجله وقال: أقسمت عليك إلا قمت بإذن الله ، فخرج من القبر رجل، فقال: ما الذي أردت منه يا روح الله؟ فإني لواقف في الحساب منذ سبعين سنة. حتى أتتني الصيحة الساعة: أجب روح الله، فقال له: يا هذا، لقد كنت كثير الذنوب في الدنيا، فقال: والله يا روح الله ما كنت إلا حمالاً أحمل على رأسي، فأكتسب حلالاً، وأنفق قصداً، وأتصدق فضلاً، فقال: سبحان الله! حمال على رأسه يكسب حلالاً. وينفق قصداً، ويتصدق فضلاً، وأنت في الحساب منذ سبعين عاماً! فقال له: وتعجب من ذلك يا روح الله، إنه مما وبخني
стр. 3463
به ربي وعيرني أن قال لي: عبدي، اكتراك جارك فلان لتحمل له حزمة من قصب فأخذت منها شظية، فتخللت بها، وألقيتها في غير موضعها، استهانة منك بي وأنت تعمل أني أنا الله فوقك أطلع وأرى. قال: فشاب مقدم رأس عيسى بن مريم من هول ما سمع ثم قال: هؤلاء الشظايا فما بالكم بأصحاب الجذوع؟
سليمان بن داود أبو داود الخولاني
الداراني أخو عثمان بن داود
حدث سليمان بن داود قال: سمعت أبا قلابة الجرمي يقول: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين يعني عمر بن عبد العزيز، قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده، وإذا كبّر فركع لم يرفع رأسه حتى يرى أن كل من خلفه قد ركع، ثم يرفع رأسه، ويعتدل قائماً حتى يرى أن كل من خلفه قد رفع، ثم يسجد فلا يرفع رأسه حتى يرى أن كل من خلفه قد سجد، ثم إذا رفع رأسه للقيام رجع على صدور قدميه حتى يعتدل قائماً، وإذا سلم لم يقم حتى يأخذ عمامته فيمسح بها وجهه.
وحدث عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل ذي رُعين ومعافر وهمدان. أما بعد. فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم: خمس الله ، وما كتب على المؤمنين من العُشر في العقار ما سقت السماء أو كان سيحاً وإن كان بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد
стр. 3464
بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون إلى أن تبلغ خمساً وأربعين، فإذا زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت واحدة على ستين ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمساً وسبعين، فإذا زادت واحدة على خمس وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل، وفي كل ثلاثين باقورة بقرة بيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فإذا زادت على عشرين ومئة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإذا زادت واحدة فثلاث إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فما زاد ففي كل مئة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، فما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ديناراً دينار، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ﵇ ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة التي تزكو بها أنفسكم ولفقراء المؤمنين وفي سبيل الله تعالى، وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالة شيء إذا كانت تؤدى صدقاتها من العشر، وليس في عبد ".
قال يحيى لفضل: وكان في الكتاب أن أكر الكبائر عند الله يوم القيامة الشرك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. وأن العمرة حج
стр. 3465
الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق حتى يبتاع، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء، ولا يحتبي في ثوب واحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء، ولا يصلي أحكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحد منكم عاقصاً شعره، وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمنا ً قَتلاً عن بينه فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن النفس الدية مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعب جدعه الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع في اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل، والرجل يقتل، وقال أبو المظفر: يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وزاد غيره: وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، في البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية.
وقيل: إن حديث الصدقات لعمرو بن حزم إنما هو عن سليمان بن أرم، وقيل إن سليمان بن داود هو سليمان ضعف قوم سليمان بن داود.
بن أرقم. والله أعلم.
стр. 3466
سليمان بن داود الدمشقي
حدث شيبان أبي معاوية عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار.
سليمان بن سعد الخشني مولاهم
كاتب عبد الملك بن مروان والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز. من أهل الأردن. وذُكر أنه أول من نقل الديوان من الرومية إلى العربية.
حدث سليمان بن سعد عن ابن شهاب أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب فقال: كيف تأمرني أن لا أبالي في الله لومة لائم أم أقبل على خويصة نفسي؟ فقال له عمر: إن وُليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال في الله لومة لائم، وإن لم تل شيئاً فأقبل على نفسك وأمُر بالمعروف وانه عن المنكر. قال أبن شهاب: فذكرتها لعمر بن عبد العزيز فقام بها إلى المنبر، فقلت له: ما حمل على هذا؟ فقال: إني لم أسمّك.
كان سليمان بن سعد الشامي حازماً ذي رأي، فكان يقول: لو صحبني رجل، فقال: اشترط علي خصلة واحدة، وجع ما سواها لقلت: لا تكذبني.
حدث سليمان بن سعد أن عبد الملك دعاه وسليمان بن سعد على ديوان الأردن، قد ولي مكان رجل من النصارى، وسرجون على جماعة من دواوين العرب والعجم. قال سليمان: فخلا بي عبد الملك فقال: إن ما يلي النصارى من أمور المسلمين لم يزل يغيظني، وإني لغلام أفد إلى معاوية. ثم قال: لقد كنت أردت أن أذكر ذلك أيام مروان فذكر شيئاً منعه منه، ثم دعاني إلى أن يوليني عمل سرجون. قال: فهِبت ذلك ولم أجبه إليه، وذكرت بعض ما أتخوف ألا أعرف عمله. قال: إني بعون الله أوثق مني لك بعملك، فبينا هو يذكر ذلك إذ سمع تنحنح روح بن زنباع، وكان لا يحجب فقال لي: تنحّ فإن روحاً لا يكتم شيئاً، قال: ثم إنه قال لروح: إني كلمت كاتب جندكم هذا، وروح يومئذ على الأردن فذكر له ما ذكر لي من
стр. 3467
أمر سرجون، ثم دخل وتركني وروحاً، فأقبل علي روح، يحثني أن أقبل ما عرض علي من ذلك، حتى كان من قوله: إن أمير المؤمنين قد اهتم من هذا بما تركه غيره من الخلفاء، فإن أنت تركت أن تقبل ذلك تخوفت أن يدوم الأمر على ما كان عليه من تولية النصارى. قال: واشتكى سرجون بعد ذلك مرضه الذي مات فيه، فأرسل إليه عبد الملك: من ترى لعملك الذي أنت فيه؟ قال: إن كان من المسلمين فسليمان بن سعد، وإن كان من النصارى ففلان، رجل من أهل بعلبك " فمات سرجون، وولي عبد الملك سليمان بن سعد فهو أول مسلم ولي الدواوين كلها وحولها بالعربية.
وهو أول من ترجم ديوان الشام بالعربية.
قال عمر بن عبد العزيز لسليمان بن سعد: وقد بلغني أن أبا فلان عاملنا كان زنديقاً قال: وما يضرك يا أمير المؤمنين؟ كان أبو النبي ﷺ كافراً فما ضره. فغضب غضباً شديداً وقال: ما وجدت له مثلاً إلا النبي ﷺ فعزله.
سليمان بن سلمة بن عبد الجبار
أبو أيوب الخبائري الحمصي ابن أخي عبد الله بن عبد الجبار أو ابن أخته سمع بدمشق وغيرها حدث عن بقية بن الوليد بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : طلب العلم فريضة على كل مسلم.
ضعفه قوم.
قال ابن ما كولا: الخبائر بطن من الكلاع، وهو خبائر بن سواد بن عمرو بن الكلاع بن شرحبيل.
стр. 3468
سليمان بن سُليم أبو سلمة
الكناني الكلبي قيل إنه دمشقي، والصحيح أنه حمصي.
حدث عن يحيى بن جابر عن المقدام بن معدي كرب الكناني قال: قال رسول الله ﷺ : " ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن. حسب ابن آدم آكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثاً طعاماً وثلثاً شراباً وثلثاً لنفسه ".
وحدث عن يحيى بن جابر الطائي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " نعوذ بالله، يعني من طمع يؤدي إلى طبع ومن طمع إلى غير مطمع ".
توفي سليمان بن سليم وهو يلبس الصوف زاهداً في الدنيا، وكان ثقة.
وعن سليمان بن سليم أنه قال: الكذب يسقي باب كل شي، كما يسقي الماء أصول الشجر.
قال أحمد بن نصر: سليمان بن سليم ليس فوق سليم أب. أحسبه كان معتقاً. قيل إنه مولى لكنانة كلب. مات سنة سبع وأربعين ومئة.
سليمان بن سُليم بن كيسان
مولى كلب والد أبي نوفل علي بن سليمان الكيساني الكابت. ارتضاه هشام بن عبد الملك لتأديب ابنه محمد بن هشام، وأوصاه بما ينبغي أن يأخذه به؟ قال سليمان الكلبي: بعث إلي هشام بن عبد الملك وهو بالرصافة فأتيته، فلما دخلت عليه أومأ إلي أن اجلس، فجلست، فأضرب عني حتى سكن جانبي، ثم قال: إنه قد بلغني عنك فضلٌ، وإذا بلغني عن رجل من رعيتي مثل الذي بلغني عنك سارعت إليه بكل ما يحب، واستعنت به على فهم أموري، وإن محمداً ابن أمير المؤمنين بالمكان الذي بلغك وهو جلدة ما بين عيني، وأنا أرجو أن يبلغ الله به أفضل ما بلغ من أهل بيته، وقد ولاك أمير المؤمنين بأديبه وتعليمه والنظر فيما يصلح الله به أمره، فعليك بتقوى الله وأداء الأمانة فيه، لخصال لو لم تكن إلا
стр. 3469
واحدة لكنت حقيقاً ألا تضيعها، فكيف إذا اجتمعت، أما أولها فأنت مؤتمن عليه فحق عليك أداء الأمانة فيه. وأما الثانية فأنا إمام ترجوني وتخافني. وأما الثالثة فكلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه ففي هذا ما يرغبك فيما أوصيك به.
إن أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشراً، يحفظ القرآن حفظ رجل يريد الكسب به. وروه من الشعر أحسنه، وتخلل به في أحياء العرب فخذ من صالح شعرهم من هجاء ومدح، فإنه ليس من قوم إلا وقد هجوا ومُدحوا. وروه جماهير أحياء العرب، ثم تخلل به في مغازي النبي ﷺ وحفظ من كان معه وحسن بلائهم، وبصّره طرفا من الحلال والحرام والخطب وما يحتاج إليه في قدره وموضعه. ثم أجلسه للناس في كل يوم وأدخل عليه أشراف قريش والعرب وعلية الناس، وأطيبوا لهم الطعام وعجلوا بالغداء فمن أحب بعد الغداء أقام، ومن أحب أن ينصرف فإن للناس حوائج. وأدخل عليه أهل الفقه والدين فإنهم إذا خرجوا من عنده فرآهم الناس ظنوا أنه مثلهم، وإن لم يكن مثلهم، ولا تدخل عليه أهل الفسق والدعارة وشرّاب الخمر، فإنهم إذا خرجوا من عنده ظن الناس أنه مثلهم، وإن لم يكن مثلهم، وإذا سمعت منه الكلمة الحسنة فنبه القوم لها، فلعلهم لم يفطنوا لما جاء به، وفطنت له لاهتمامك بأمره، لأنهم إذا خرجوا أذاعوا ذلك عنه، وإذا سمعت عنه الكلمة العوراء فاصمت عنها، فلعل القوم لم ينتبهوا لها، فإذا خرجوا من عنده فانقله منها إلى غيرها، وخبره بفسادها، ثم انظر إليه في بدنه فمره فليتسن عرضاً، وليحلق شعره، تغلظ قصرته، وعلمه شعر حاتم يسخُ ويمجد، ولا يجعلن ثيابه طوالاً فإنها لباس النوكى، ولا سيما أبناء الملوك، ولا تحملنه على سرج صغير فتبدو منه أليتاه وإن فعل الفساق، ولا تجلسه مع حشمة فإنهم لهم مفسدة وإياك والسوقة فإنهم أسوأ شيء آداباً، وخذ خدمه باللين وطلاقة الروجه على بابه والبشاشة بالناس والتآلف بهم، وإذا أعطيتم فأعطوا حملة القرآن وحملة العلم وأهل الفضل فإنكم تؤجرون على تقريبهم، ويحمدكم الناس على عطيتهم إلا أن يكون في سبب تجده أو وسيلة تكون لأحدهم يقضي ذمامه، وابسطوا أيديكم بالفضل ووجوهكم بالبشر، فإنكم ملوك والناس سوقة، وإنهم يطؤون
стр. 3470
أعقابكم بنازع الفضل ولين الجناح، ولا يخرجن إلا معتماً، ولا يركبن محذوفاً ولا مهلوباً، ولا تعقدن له ذنب دابة إلا في لثق، ولا يسيرن ملتفتاً ولا طامحاً، وإياك أن تكتم عيبه فيؤدي لك ذلك غيرك، فانزل لك عما يسرك إلى ما يضرك، فإن قصر عن شيء فيما أمرته به في أدبه أو تقاعس لك لكزة في نفسه أو قدرة فأدخل عليه بعض أهله حتى يجره برجله إلى مجلس أدبه، خذه بهذا كله وزده من عندك ما استطعت، فإني قد تبينت عقله اليوم وبعد اليوم، فإن رأيته ازداد خيراً إلى ما كان عليه رُئي أثر أمير المؤمنين عليك، وإن كانت الأخرى فلا تلم إلا نفسك. وقد أجريت لك في كل شهر ألف دينار.
سليمان بن عبد الله المنصور
ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو أيوب الهاشمي أمه فاطمة من ولد طلحة بن عبيد الله التيمي. كان أمير دمشق من قبل الرشيد ووليها أيضاً من قبل الأمين مرتين.
حدث سليمان بن المنصور عن أبيه عن جده قال: قال لي ابن عباس: يا بني إذا أفضى هذا الأمر إلى ولدك، فسكنوا السواد ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان لم يخرج هذا الأمر منهم إلا عيسى بن مريم.
لما شخص سليمان بن أبي جعفر إلى دمشق والياً عليها قال لإبراهيم بن المهدي: خلا لك الجو فبيضي واصفري فقال له إبراهيم: لك والله خلا الجو لأنك تقعد في صدر مجلسك وتأكل إذا اشتهيت ليس مثل من هو في السماط يأكل على شبع، ويكف على جوع، ويخدم في وقت كسل.
توفي سليمان بن أبي جعفر سنة تسع وتسعين ومئة، وهو ابن خمسين سنة.
следующие страницы →