Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
سليمان بن داود الدمشقي
حدث شيبان أبي معاوية عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار.
سليمان بن سعد الخشني مولاهم
كاتب عبد الملك بن مروان والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز. من أهل الأردن. وذُكر أنه أول من نقل الديوان من الرومية إلى العربية.
حدث سليمان بن سعد عن ابن شهاب أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب فقال: كيف تأمرني أن لا أبالي في الله لومة لائم أم أقبل على خويصة نفسي؟ فقال له عمر: إن وُليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال في الله لومة لائم، وإن لم تل شيئاً فأقبل على نفسك وأمُر بالمعروف وانه عن المنكر. قال أبن شهاب: فذكرتها لعمر بن عبد العزيز فقام بها إلى المنبر، فقلت له: ما حمل على هذا؟ فقال: إني لم أسمّك.
كان سليمان بن سعد الشامي حازماً ذي رأي، فكان يقول: لو صحبني رجل، فقال: اشترط علي خصلة واحدة، وجع ما سواها لقلت: لا تكذبني.
حدث سليمان بن سعد أن عبد الملك دعاه وسليمان بن سعد على ديوان الأردن، قد ولي مكان رجل من النصارى، وسرجون على جماعة من دواوين العرب والعجم. قال سليمان: فخلا بي عبد الملك فقال: إن ما يلي النصارى من أمور المسلمين لم يزل يغيظني، وإني لغلام أفد إلى معاوية. ثم قال: لقد كنت أردت أن أذكر ذلك أيام مروان فذكر شيئاً منعه منه، ثم دعاني إلى أن يوليني عمل سرجون. قال: فهِبت ذلك ولم أجبه إليه، وذكرت بعض ما أتخوف ألا أعرف عمله. قال: إني بعون الله أوثق مني لك بعملك، فبينا هو يذكر ذلك إذ سمع تنحنح روح بن زنباع، وكان لا يحجب فقال لي: تنحّ فإن روحاً لا يكتم شيئاً، قال: ثم إنه قال لروح: إني كلمت كاتب جندكم هذا، وروح يومئذ على الأردن فذكر له ما ذكر لي من
стр. 3467
أمر سرجون، ثم دخل وتركني وروحاً، فأقبل علي روح، يحثني أن أقبل ما عرض علي من ذلك، حتى كان من قوله: إن أمير المؤمنين قد اهتم من هذا بما تركه غيره من الخلفاء، فإن أنت تركت أن تقبل ذلك تخوفت أن يدوم الأمر على ما كان عليه من تولية النصارى. قال: واشتكى سرجون بعد ذلك مرضه الذي مات فيه، فأرسل إليه عبد الملك: من ترى لعملك الذي أنت فيه؟ قال: إن كان من المسلمين فسليمان بن سعد، وإن كان من النصارى ففلان، رجل من أهل بعلبك " فمات سرجون، وولي عبد الملك سليمان بن سعد فهو أول مسلم ولي الدواوين كلها وحولها بالعربية.
وهو أول من ترجم ديوان الشام بالعربية.
قال عمر بن عبد العزيز لسليمان بن سعد: وقد بلغني أن أبا فلان عاملنا كان زنديقاً قال: وما يضرك يا أمير المؤمنين؟ كان أبو النبي ﷺ كافراً فما ضره. فغضب غضباً شديداً وقال: ما وجدت له مثلاً إلا النبي ﷺ فعزله.
سليمان بن سلمة بن عبد الجبار
أبو أيوب الخبائري الحمصي ابن أخي عبد الله بن عبد الجبار أو ابن أخته سمع بدمشق وغيرها حدث عن بقية بن الوليد بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : طلب العلم فريضة على كل مسلم.
ضعفه قوم.
قال ابن ما كولا: الخبائر بطن من الكلاع، وهو خبائر بن سواد بن عمرو بن الكلاع بن شرحبيل.
стр. 3468
سليمان بن سُليم أبو سلمة
الكناني الكلبي قيل إنه دمشقي، والصحيح أنه حمصي.
حدث عن يحيى بن جابر عن المقدام بن معدي كرب الكناني قال: قال رسول الله ﷺ : " ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن. حسب ابن آدم آكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثاً طعاماً وثلثاً شراباً وثلثاً لنفسه ".
وحدث عن يحيى بن جابر الطائي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " نعوذ بالله، يعني من طمع يؤدي إلى طبع ومن طمع إلى غير مطمع ".
توفي سليمان بن سليم وهو يلبس الصوف زاهداً في الدنيا، وكان ثقة.
وعن سليمان بن سليم أنه قال: الكذب يسقي باب كل شي، كما يسقي الماء أصول الشجر.
قال أحمد بن نصر: سليمان بن سليم ليس فوق سليم أب. أحسبه كان معتقاً. قيل إنه مولى لكنانة كلب. مات سنة سبع وأربعين ومئة.
سليمان بن سُليم بن كيسان
مولى كلب والد أبي نوفل علي بن سليمان الكيساني الكابت. ارتضاه هشام بن عبد الملك لتأديب ابنه محمد بن هشام، وأوصاه بما ينبغي أن يأخذه به؟ قال سليمان الكلبي: بعث إلي هشام بن عبد الملك وهو بالرصافة فأتيته، فلما دخلت عليه أومأ إلي أن اجلس، فجلست، فأضرب عني حتى سكن جانبي، ثم قال: إنه قد بلغني عنك فضلٌ، وإذا بلغني عن رجل من رعيتي مثل الذي بلغني عنك سارعت إليه بكل ما يحب، واستعنت به على فهم أموري، وإن محمداً ابن أمير المؤمنين بالمكان الذي بلغك وهو جلدة ما بين عيني، وأنا أرجو أن يبلغ الله به أفضل ما بلغ من أهل بيته، وقد ولاك أمير المؤمنين بأديبه وتعليمه والنظر فيما يصلح الله به أمره، فعليك بتقوى الله وأداء الأمانة فيه، لخصال لو لم تكن إلا
стр. 3469
واحدة لكنت حقيقاً ألا تضيعها، فكيف إذا اجتمعت، أما أولها فأنت مؤتمن عليه فحق عليك أداء الأمانة فيه. وأما الثانية فأنا إمام ترجوني وتخافني. وأما الثالثة فكلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه ففي هذا ما يرغبك فيما أوصيك به.
إن أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشراً، يحفظ القرآن حفظ رجل يريد الكسب به. وروه من الشعر أحسنه، وتخلل به في أحياء العرب فخذ من صالح شعرهم من هجاء ومدح، فإنه ليس من قوم إلا وقد هجوا ومُدحوا. وروه جماهير أحياء العرب، ثم تخلل به في مغازي النبي ﷺ وحفظ من كان معه وحسن بلائهم، وبصّره طرفا من الحلال والحرام والخطب وما يحتاج إليه في قدره وموضعه. ثم أجلسه للناس في كل يوم وأدخل عليه أشراف قريش والعرب وعلية الناس، وأطيبوا لهم الطعام وعجلوا بالغداء فمن أحب بعد الغداء أقام، ومن أحب أن ينصرف فإن للناس حوائج. وأدخل عليه أهل الفقه والدين فإنهم إذا خرجوا من عنده فرآهم الناس ظنوا أنه مثلهم، وإن لم يكن مثلهم، ولا تدخل عليه أهل الفسق والدعارة وشرّاب الخمر، فإنهم إذا خرجوا من عنده ظن الناس أنه مثلهم، وإن لم يكن مثلهم، وإذا سمعت منه الكلمة الحسنة فنبه القوم لها، فلعلهم لم يفطنوا لما جاء به، وفطنت له لاهتمامك بأمره، لأنهم إذا خرجوا أذاعوا ذلك عنه، وإذا سمعت عنه الكلمة العوراء فاصمت عنها، فلعل القوم لم ينتبهوا لها، فإذا خرجوا من عنده فانقله منها إلى غيرها، وخبره بفسادها، ثم انظر إليه في بدنه فمره فليتسن عرضاً، وليحلق شعره، تغلظ قصرته، وعلمه شعر حاتم يسخُ ويمجد، ولا يجعلن ثيابه طوالاً فإنها لباس النوكى، ولا سيما أبناء الملوك، ولا تحملنه على سرج صغير فتبدو منه أليتاه وإن فعل الفساق، ولا تجلسه مع حشمة فإنهم لهم مفسدة وإياك والسوقة فإنهم أسوأ شيء آداباً، وخذ خدمه باللين وطلاقة الروجه على بابه والبشاشة بالناس والتآلف بهم، وإذا أعطيتم فأعطوا حملة القرآن وحملة العلم وأهل الفضل فإنكم تؤجرون على تقريبهم، ويحمدكم الناس على عطيتهم إلا أن يكون في سبب تجده أو وسيلة تكون لأحدهم يقضي ذمامه، وابسطوا أيديكم بالفضل ووجوهكم بالبشر، فإنكم ملوك والناس سوقة، وإنهم يطؤون
стр. 3470
أعقابكم بنازع الفضل ولين الجناح، ولا يخرجن إلا معتماً، ولا يركبن محذوفاً ولا مهلوباً، ولا تعقدن له ذنب دابة إلا في لثق، ولا يسيرن ملتفتاً ولا طامحاً، وإياك أن تكتم عيبه فيؤدي لك ذلك غيرك، فانزل لك عما يسرك إلى ما يضرك، فإن قصر عن شيء فيما أمرته به في أدبه أو تقاعس لك لكزة في نفسه أو قدرة فأدخل عليه بعض أهله حتى يجره برجله إلى مجلس أدبه، خذه بهذا كله وزده من عندك ما استطعت، فإني قد تبينت عقله اليوم وبعد اليوم، فإن رأيته ازداد خيراً إلى ما كان عليه رُئي أثر أمير المؤمنين عليك، وإن كانت الأخرى فلا تلم إلا نفسك. وقد أجريت لك في كل شهر ألف دينار.
سليمان بن عبد الله المنصور
ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو أيوب الهاشمي أمه فاطمة من ولد طلحة بن عبيد الله التيمي. كان أمير دمشق من قبل الرشيد ووليها أيضاً من قبل الأمين مرتين.
حدث سليمان بن المنصور عن أبيه عن جده قال: قال لي ابن عباس: يا بني إذا أفضى هذا الأمر إلى ولدك، فسكنوا السواد ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان لم يخرج هذا الأمر منهم إلا عيسى بن مريم.
لما شخص سليمان بن أبي جعفر إلى دمشق والياً عليها قال لإبراهيم بن المهدي: خلا لك الجو فبيضي واصفري فقال له إبراهيم: لك والله خلا الجو لأنك تقعد في صدر مجلسك وتأكل إذا اشتهيت ليس مثل من هو في السماط يأكل على شبع، ويكف على جوع، ويخدم في وقت كسل.
توفي سليمان بن أبي جعفر سنة تسع وتسعين ومئة، وهو ابن خمسين سنة.
стр. 3471
سليمان ويقال سُليم بن عبد الله
أبو عمران الأنصاري قائد أم الدرداء ومولاها حدث عن ذي الأصابع قال: قلنا يا رسول الله، إن ابتُلينا بعدك بالبقاء فما تأمرنا؟ وفي رواية: أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون.
قال أبو عمران: كنت أقود بأم الدرداء من دمشق إلى بيت المقدس، فكانت تقول لي: يا سليمان، أسمع الجبال وما وعدها الله، فأرفع صوتي بهذه الآيات: " ويوم نسير الجبار " " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ".
سليمان بن عبد الحميد بن رافع
أبو أيوب البهراني الحمصي سمع بدمشق.
حدث عن أبي اليمان الحكم بن نافع بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " أيها الناس، إن صريح ولد آدم من الأولين والآخرين ابنا كلاب بن مرة: قصي وزُهرة، لفاطمة بنت سعد بن سيل الأزدي، وهو أول من جدر البيت بعد كلاب بن مرة.
وحدث عن محمد بن إسماعيل بن عباس بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من دعاكم على كراع فأجيبوه ".
ضعَّفوه.
стр. 3472
سليمان بن عبد الرحمن بن أحمد
ابن عطية وهو سليمان بن أبي سليمان الداراني العنسي من جلة المشايخ، كان له لسان عال في علوم القوم وكان عبداً صالحاً.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت سليمان بن أبي سليمان يقول: إن من لم يُعطَ من يشتهي من الآخرة في الدنيا إنه يعطاه في الآخرة، وأحسب أن عملاً لا يوجد له لذة في الدنيا أنه لا يكون له ثواب في الآخرة.
حدث أحمد بن موسى عن أبي مريم قال: يقول أهل النار: إلهنا ارض عنا، وعذبنا بأي نوع شئت من العذاب، فإن غضبك أشد علينا من العذاب الذي نحن فيه. فحدثت به سليمان بن أبي سليمان فقال: ليس هذا من كلام أهل النار هذا كلام المطيعين لله. فحدثت به سليمان فقال صدق سليمان بن أبي سليمان.
قال بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يعني الداراني يقول: ما أعرف للرضى حداً، ولا للورع حداً، ما أعرف من كل شيء إلا طريقه. قال أحمد: فحدثت به سليمان ابنه فقال: لكني أعرفه: من رضي في كل شيء فقد بلغ حد الرضى، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حد الزهد، ومن تورع في كل شيء فقد بلغ حد الورع. قال أحمد: وسمعت أبا سليمان يقول: الورع من الزهد بمنزلة القناعة من الرضى.
قال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان: إن في هذا القرآن خانات إذا مرا بها المريدون نزلوا فيها. فذكرت الحكاية لسليمان بن أبي سليمان فقال: إذا تكاملت معرفته صار القرآن كله له خانات، فقيل له: أي وقت تتكامل معرفته؟ فقال: إذا عرفت مقدار من خاطبه به.
стр. 3473
وقال أيضاً: سمعت أبا سليمان يقول: إن في خلق الله خلقاً لو ذم لهم الجنان ما اشتاقوا إليها، فكيف يحبون الدنيا وهو قد زهدهم فيها؟! فحدثت به سليمان ابنه قال: لو دمّها لهم؟ قتل: كذا قال أبوك، قال: والله لقد شوقهم إليها فما اشتاقوا فكيف لو ذمها؟! قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إنما رجع إلى الكسب يعني سليمان وطلب الحلال والسنة فقال لي: ليس يفلح قلب يهتم بجمع القراريط.
قال أحمد بن أبي الحواري: اجتمعت أنا وأبو سليمان ومضاء في المسجد، فتذاكرنا الشهوات، من أصابها عوقب ومن تركها أثيب، وسليمان ساكت، فقال لنا: أكثرتم منذ العشية في ذكر الشهوات، أما أنا فأزعم أن من لم يكن في قلبه من الآخرة ما يشغله عن الشهوات لم يُعَن على تركها.
مات أبو سليمان سنة خمس ومئتين، وعاش ابنه سليمان بعده سنتين وأشهراً. وقيل: مات أبو سليمان سنة خمس وثلاثين ومئتين وعاش ابنه سليمان بعده سنتين وشهراً.
سليمان بن عبد الرحمن
ويقال ابن إنسان. ويقال ابن يسار بن عبد الرحمن أبو عمر، ويقال: أبو عمرو مولى بني أمية ويقال: مولى بني أسد ين خزيمة ويقال: مولى بني شيبان من أهل دمشق.
حدث عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء: ما كره رسول الله ﷺ أو ما نهى عنه من الأضاحي؟ قال: قال رسول الله ﷺ ويدي أقصر من يده: " أربع لا تجزى: العوراء البيّن عورها، والعرجاء البيّن عرجها، والمريضة البيّن
стр. 3474
مرضها، والكسيرة التي لا تنقي وفي رواية: والعجفاء التي لا تنفي قال: قلت: فإني أكره أن يكون في الأذن نقص أو في السن نقص أو في القرن نقص قال: إن كرهت شيئاً فدعه ولا تُحرّمه على أحد ".
وحدث سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم أبي عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ﵁ نذر أن لا يعتق غلاماً له، فأعتقه ثم كفر عن يمينه بعتق آخر.
سليمان بن عبد الرحمن عيسى
ابن ميمون أبو أيوب التميمي، المعروف بابن بنت شرحبيل حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي عمرة الأنصاري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول اله ﷺ في نحر بعض ظهورهم، وقالوا: يبلغنا الله به. فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ قد هم أن يأذن لهم، قال: يا رسول الله، كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غداً جياعاً رجالاً؟ ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فيجمعوا فتدعوا فيها بالبركة، فإن الله سيبلغنا بدعوتك، أو قال سيبارك لنا في دعوتك، فدعا رسول الله ﷺ ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وكان أعلاهم من جاء بصاع فجمعه ثم قام، فدعا بما شاء الله أن يدعوا، ثم دعا الجيش بأوعيتهم، وأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملأه وبقي مثله، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله، لا يلقى الله عبدُ مؤمن بهما إلا حجبتا عنه يوم القيامة.
وحدث سليمان بن عبد الرحمن عن عيسى بن يونس بسنده عن مريم بنت طارق قالت: دخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن الظروف التي ينبذ فيها، فقالت: يا نساء المؤمنين، إنكن لتسألن عن ظروف ما كان كثير منها على عهد رسول
стр. 3475
الله ﷺ فاتقين الله، ما أسكر إحداكن فلتجتنبه، وإن أسكرها ماء حبها فلتجتنبه، فإن كل مسكر حرام.
قال سليمان بن عبد الرحمن: ولدت سنة ثلاث وخمسين ومئة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، أو ثلاث وثلاثين ومئتين.
سليمان بن عبد الملك بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو أيوب القرشي الأموي بويع له بالخلافة بعد أخيه الوليد بن عبد الملك بعهد من أبيه في سنة ست وتسعين، كانت داره بدمشق موضع ميضاءة جيرون الآن. كان فصيحاً مؤثراً للعدل، محباً للغزو، ونفذ الجيش لحصار القسطنطينية حتى صالحوهم على بناء الجامع بها.
قال سليمان: حدثني أبي عبد الملك قال: حدثني أبو مروان بن الحكم قال: سألت عائشة ليالي سرنا إلى البصرة عن حديث أهل الإفك من هم؟ فقالت رجال من أصحاب النبي ﷺ ، فقلت: ونساء؟ فقالت ونساء إلا زينب بنت جحش، فإن الله عصمها بالورع ثم ضحكت. وذكر الحديث.
ونعن سليمان بن عبد الملك أن عبد الرحمن بن هنيدة أخبره أن عبد الله بن عمر ركب إلى الغابة، فمر على ابن هنيدة، وهو في بيته، فقال له أتركب؟ قال: فركبت معه حماراً، فسرنا، حتى إذا كنا ببعض الطريق، قال: سكت أحدث نفسي، فقال عبد الله بن عمر: ما لك؟ قلت: سكت أتمنى، هل تتمنى يا أبا عبد الرحمن؟ قال عبد الله: لو أن لي أحداً هذا ذهباً أعلم عدده، وأخرج زكاته، ما كرهت ذلك أو ما خشيت أن يضرني.
ولد سليمان في سنة ستين.
قال أبو سلمة يوسف بن يعقوب الماجشون: فرض لي سليمان بن عبد الملك وقد أتى علي سنتان أو نحوه، وولي
стр. 3476
سليمان يوم توفي الوليد سنة ست وتسعين، وولي عمر بن عبد العزيز في صفر سنة تسع وتسعين، وهو أخو سعيد ومحمد ويزيد وهشام والوليد ومسلمة.
وتوفي سليمان بدابق في صفر، وقيل في رمضان سنة تسع وتسعين، فكانت ولايته ثلاث سنين وثلاثة أشهر، وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وكان سليمان عظيم الوجه، أبيض، مقرون الحاجبين، وشعره يضرب منكبيه، ما رُئي أجمل منه.
حدث عامر بن صالح
أن عبد الملك بن مروان جمع ببيته ذات يوم الوليد وسليمان ومسلمة، فاستقرأهم، فقرؤوا فأحسنوا، واستنشدهم فأنشدوا، فأجادوا لكل شاعر غير الأعشى، فقال لهم: قرأتم فأحسنتم وأنشدتم فأجدتم لكل شاعر غير الأعشى فمالكم تهجرونه؟! قد أخذ من كل جنس فأحسن، وما امتدح رجلاً قط إلا تركه مذكوراً، وإن كان خاملاً، ولا حجا رجلاً قط إلا وضعه، وإن كان مذكوراً، هذا عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة، وهما من بيت واحد هجا علقمة فأخمله، وكان شريفاً مذكوراً، ومدح عامر بن الطفيل فرفعه، ثم قال عبد الملك: يا بني لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب، ولا يفحشن ولا يستحين إنشاده، هات يا وليد فقال الوليد: من البسيط
ما مركب وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال
قال عبد الملك: وهل يكون من الشعر أرفث من هذا: هات يا سليمان فقال: من الخفيف
حبذا رجعها يهديها إليها ... في يدي درعها تحل الإزارا
قال: لم تصب، هات يا مسلمة، قال مسلمة:
وما ذرّفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال: كذب ولم يصب، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء، وإنما ينبغي
стр. 3477
للعاشق أن يقتضي منها الجفاء ويكسوها المودة، أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام على أن لا تسألوا عنه أحداً فمن أتاني به فله حكمه، فنهضوا وخرجوا عنه، فبينا سليمان في موكب له إذا هو بأعرابي يسوق إبلاً له، وهو يقول:
لو حُزّ بالسيف رأسي في مودتها ... لمال يهوي سريعاً نحوها رأسي
قال سليمان: عليّ بالأعرابي، فأُتي به فوكل به ثم انصرف إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: ما وراءك يا سليمان؟ قال: قد أجبتك عما سألت، وأنشده البيت فقال عبد الملك: أحسنت أنى لك هذا؟ فقص عليه خبر الأعرابي فقال: حاجتك! ولا تنس حظ صاحبك، قال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن عهد العهد ليس بمقرب أجلاً، ولا تركه بمباعد حتفاً، وقد عهد أمير المؤمنين إلى الوليد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعهد إلي بعده فعل، قال: نعم. فأقام الحج للناس بمكة، ووصله ثمانية آلاف درهم، فجعلها للأعرابي، وهي سنة إحدى وثمانين.
قال ابن شوذب: قال الوليد لعمر بن عبد العزيز: اخلع سليمان، قال: وكيف نخلعه ونتركك، وإنما بايعنا لك وله في عقد واحد؟! حدث جماعة من مشيخة الجند: أن الوليد لما مات وبويع لسليمان أتته بيعة الأجناد وهو بمشارف البلقاء، فأتى بيت المقدس، وأتته الوفود بالبيعة، فلم يروا وفادة كانت أهنأ من الوفادة إليه، كان يجلس في قبلة من صحن مسجد بيت المقدس مما يلي الصخرة، قد بسطت البسط بين يدي قبته، عليها النمارق والكراسي، فيجلس ويأذن للناس، فيجلس الناس على الكراسي. والوسائد والكساء آنية الذهب والفضة وكتاب الدواوين فيدخل وفد الجند، ويتقدم صاحبهم فيتكلم عنهم وعمن قدموا من عنده، فيقول: إن رجال جندنا كذا وكذا، ومن حاجتهم كذا ومما يصلحهم كذا، فيأمر بذلك كله فيكتب قبل أن يبرح، ثم يقبل على حاجته، فإن سأل زيادة في عطائه أو بلاغاً في شرف أمر الكتاب فكتبوا، وإن سأل ديناً أمره فسماه، وأمر بدفعه إليه من ذلك المال، ثم يقوم من كان معه، كل يتكلم بحاجته فتُقضَى.
حدث سعيد بن عبد العزيز
أن سليمان بن عبد الملك ولي وهو إلى الشباب والرقة ما هو، فقال لعمر بن عبد
стр. 3478
العزيز: إنا قد ولينا ما قد ترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به يكتب. قال: فكان من ذلك عزل عمال الحجاج، وإخراج من كان في سجن العراق، وإخراج أعطية العراقيين، ومن ذلك كتابه أن الصلاة قد كانت أُميتت فأحيوها، وردوها إلى وقتها، مع أمور حسنة، كان يسمع من عمر بن عبد العزيز فيها، قال: فحدثت من أدرك ذلك أن سليمان هم بالإقامة ببيت المقدس، واتخذها منزلاً، وجمع الناس الأموال بها، قال: وقدم عليه موسى بن نصير من ناحية المغرب، ومسلمة بن عبد الملك، فبينا هو على تلك إذ جاءه الخبر أن الروم خرجت على ساحل حمص فسبت امرأة وجماعة، وللمرأة فيهم ذكر إذ ذاك، فغضب سليمان وقال: ما هو إلا هذا نغزوهم ويغزونا، واله لأغزونهم غزوة أفتح فيها القسطنطينية، أو أموت دون ذلك، ثم التفت إلى مسلمة وموسى فقال: أشيرا علي، فقال موسى: يا أمير المؤمنين، إن أردت ذلك فسر بسيرة المسلمين فيما فتحوه من الشام ومصر إلى إفريقية، ومن العراق إلى خراسان، كلما فتحوا مدينة اتخذوها داراً، وحازوها للإسلام وأهله حتى بلغوا ما رأيت، فابدأ بالدروب فافتح ما فيها من الحصون ومطاميرها ومسالحها حتى تجعله في حوز المسلمين وملكهم حتى تبلغ القسطنطينية، وقد هدمت حصونها وأوهنت قوتها، فإنهم سيعطون بأيديهم فالتفت إلى مسلمة فقال: ما تقول؟ فقال: هذا الرأي إن طال عمر إليه أو كان الذي يلي يثني على رأيك ولا ينقضه، رأيت أن تعمل منه ما عملت، وتبلغ منه ما بلغت، ولا تأتي على ما قاله خمس عشرة سنة، ولكني أرى أن تُغزي جماعة من المسلمين في البر والبحر القسطنطينية فيحاصروها، فإنهم ما دام عليهم البلاء أعطوا الجزية أو فتحوها عنوة، ومتى ما يكن ذلك فإن ما دونها من الحصون بيدك، فقال سليمان: هذا الرأي، فأغزي جماعة أهل الشام والجزية والموصل في البر في نحو عشرين ومئة ألف، أغزى أهل مصر وأهل إفريقية في البحر في ألف مركب عليهم عمر بن هبيرة الفزاري، وعلى جماعة من الناس مسلمة بن عبد الملك، وأغزى داود بن سليمان في جماعته من أهل بيته.
وحدث جماعة أن سليمان بن عبد الملك أخرج لهم الأعطية، وأعلمهم أن غزو القسطنطينية والإقامة
стр. 3479
عليها ما قدروا لذلك قدره، فأخذ الناس العطاء وتجهزوا، وقدم سليمان دمشق، فصلى الجمعة، ثم عاد إلى المنبر فكلم الناس وأخبرهم بيمينه التي حلف عليها من حصار القسطنطينية، فانفروا على بركة الله، واعلموا أنه المقام عليها، فعليكم بتقوى الله ثم الصبر ثم الصبر، فقام رجل من تحت القبة من أشراف الناس ممن اكتتب في البعث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد سمعنا يمين أمير المؤمنين فنحن مطيعون صابرون حتى يفتحها اله ويبر قسم أمير المؤمنين، فليقطعني أمير المؤمنين دار فلان البطريق إن شاء الله، قال سليمان: نعم ومضى سليمان حتى نزل دابق، فاجتمع الناس إليه فأمضى مسلمة بالبعث فأدرب، وأقام سليمان بدابق فذكر يمينه أن لا ينتقل من دابق حتى يفتح القسطنطينية فأقام بها.
قال الشعبي حج سليمان بن عبد الملك فرأى الناس بالموسم فقال لعمر بن عبد العزيز: أما ترى هذا الخلق الذي لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يسع رزقهم غيره؟ فقال عمر: يا أمير المؤمنين، هؤلاء رعيتك اليوم، وهم غداً خصماؤك. فبكى سليمان بكاء شديداً ثم قال: بالله أستعين.
قال عطاء بن السائب: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابته السماء برعد وبرق وظلمة وريح شديدة حتى فزعوا لذلك، وجعل عمر بن عبد العزيز يضحك، فقال له سليمان: ما أضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ قال له: يا أمير المؤمنين، هذه آثار رحمته فيه شدائد ما ترى فكيف بآثار سخطه وغضبه؟! قال يزيد بن حازم: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة، لا يدع أن يقول في خطبته: وإنما أهل الدنيا على رحيل لم تمضِ بهم نية ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر وعد الله وهم على ذلك، كذلك لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يتقى من شر أهلها، ثم يتلو " أفرأيت إن متعناهما سنين ثم جاؤهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يُمتعون ".
стр. 3480
قال محمد بن سيرين:
رحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بخير، وختمها بخير، افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
وسُمي سليمان بن عبد الملك مفتاح الخير لأنه استخلف عمر بن عبد العزيز.
نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الآذان، قال: فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال: أنا سليمان فما يوم الأذان؟ قال: " فأذّن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " قال: فما مظلمتك؟ قال: أرضي وأرض آبائي أخذها وكيلك. قال: فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه.
حكي أن سليمان لبس يوماً الخضرة، وهو يريد أن يركب، فلما نظر إلى نفسه أعجبته فقال: إني أنا الملك الشاب، فقالت مغنيته: أنت والله يا أمير المؤمنين أحق ببيتي الشاعر حين يقول: من الخفيف
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
فقال: ويحك جنيت علي. فنزع ثيابه ولم يركب حتى مات.
قال سليمان بن عبد الملك: العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه.
ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس فقال سليمان: كلا، إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن.
أنشد المدائني لسليمان بن عبد الملك: من الطويل
وهوّن وجدي في شراحيل أنني ... متى شئت لاقيت امرءاً مات صاحبه
стр. 3481
ولسليمان بن عبد الملك: من الطويل
ومن شيمتي أن لا أفارق صاحبي ... وإن ملّني إلا سألت له رشداً
وإن دام لي بالود دمت ولم أكن ... كآخر لا يرعى ذماماً ولا عهدا
حدث أبو الزناد قال: كان سليمان ليلة في بادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرق جلساؤه، ودعا بوضوء، فجاءته جارية له فبينا هي تصب عليه أنكر أمرها، فرفع رأسه إليها فإذا هي مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر، فأمرها فتنحت، فاستمع للصوت فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يغني به من الشعر، ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ، فلما أصبح أذن للناس، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء، ومن كان يسمعه وليّن فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك بالتليين والتسهيل، وذكر من كان يسمعه من سروات الناس، فقال: هل بقي أحد يُسمع منه؟ فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، عندي رجلان من أهل أُبُلّة محكمان. قال: وأين منزلك من العسكر؟ فأومأ له إلى الناحية التي كان الغناء منها. قال سليمان: فابعث إليهما، ففعل فوجد الرسول أحدهما فأقبل به إليه. فقال: ما اسمك؟ قال سمير. فسأله عن الغناء وكيف هو فيه؟ فقال: حاذق محكم، قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذا الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر الناحية التي سمع منها سليمان الصوت، قال: فما غنيت؟ فذكر الشعر الذي سمعه سليمان، فأقبل سليمان على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة ونب التيس فكشرت العنز وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخُصي. وسأل عن الغناء أين أصله
стр. 3482
وأكثر ما يكون؟ قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين، وهم الحذاق به، فكتب إلى عامله بالمدينة وهو أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري أن أخصِ من قِبلك من المخنثين المغنين.
دخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك بن مروان، وسليمان يأكل الفالوذج، فقال له سليمان: ادن يا أعرابي فكل من هذا الفالوذج، فإنه يزيد في الدماغ، فقال له الأعرابي: لو كان الأمر على ما تقول فينبغي أن يكون رأسك مثل رأس البغل، قال: فضحك سليمان.
قال هشام بن سليمان: أكل سليمان بن عبد الملك أربعين دجاجة تشوى له على النار على صفة الكباب، وأكل أربعاً وثمانين كلوة بشحومها وثمانين جردقة من غير الماء، ثم أكل مع الناس.
حج سليمان بن عبد الملك فتأذى بحر مكة، فقال له عمر بن عبد العزيز: لو أتينا الطائف، فأتاها فلقيه ابن أبي زهير أحد بني أبان بن سالم فقال: يا أمير المؤمنين، انزل علي قال: إني أخاف أن أنهضك، قال: كلا، إن الله قد رزق خيراً، فنزل فأُتي بخمس رمانات فأكلهن، فجعلوا يأتونه بخمس خمس حتى أكل سبعين رمانة، ثم أتي بخروف وست دجاجات فأكلهن ثم أُتي بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع، وقال يعني: نام فانتبه من القائلة فأكل مع الناس.
قال عبد الله بن عبد الله بن الحارث: كان سليمان بن عبد الملك أكولاً، وكان بينه وبين عبد الله بن عبد الله وصلة، قال لنا سليمان يوماً: إني قد أمرت قيم بستاني أن يحبس علي الفاكهة، ولا يجتني منها شيئاً حتى تدرك، فاغدوا علي مع الفجر يقول لأصحابه الذين يأنس بهم لنأكل الفاكهة في برد النهار، فغدونا في ذلك الوقت فصلينا الصبح ودخلنا معه، فإذا الفاكهة متهدلة على أغصانها، وإذا كل فاكهة مختارة، قد أدركت كلها، فقال: كلوا ثم أقبل عليها، فأكلنا بمقدار الطاقة وأقبلنا نقول: يا أمير المؤمنين، هذا العنقود فيخرطه في فيه، يا أمير المؤمنين، هذه التفاحة، كلما رأينا شيئاً نضيجاً أومأنا إليه فيأخذه فيأكله، ويحطمه
стр. 3483
حطماً حتى ارتفع الضحى ومتع النهار، ثم أقبل على قيم البستان فقال: ويحك يا فلان، إني قد استجعت، فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين: عتاق حولية حمراء، قال: ائتني بها، ولا تأتين معها بخبز، فجاء بها على خوان لا قوائم لها، وقد شصيت بأربعها، وقد انتفخت وملأت الخوان، وجاء بها غلمة يحملونها فأدنوها منه، وهو قائم، فأقبل يأخذ العضو فيجيء معه ليفتحه، فيطرحه في فيه، ويلقي العظم حتى أتى عليها، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل فأكثر، ثم قال للقيم: ويحك ما عندك شيء تطعمنيه؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، دجاجتان بحريتان قد عمتتا شحماً قال: ائتني بهما، ففعل بهما كما فعل بالعتاق، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل ملياً، ثم قال للقيم: هل عندك شيء تطعمنيه؟ فإني قد جعت ويحك، قال: عندي سويق جديدة يعني الحنطة، كأنه قطع الأوتار، وسمن بسلاء وسكر، قال: أفلا أعلمتني بهذا قبل؟ ائتني به. وأكثِر فجاء بقعب يقعد فيه الرجل، وقد ملأه من السويق قد خلطه بالسكر وصب عليه سمن سلاء، وأتي بجرة ماء بارد وكوز، فأخذ القعب على كفه وأقبل القيم يصب عليه الماء فيحركه حتى كفأه على وجهه فارغاً، ثم عاد لأكل الفاكهة فأكل ملياً حتى جرت عليه الشمس، ودخل، وأمرنا أن ندخل إلى مجلسه، فدخلنا وجلسنا، فما مكث أن خرج علينا. فلما جلس قام كبير الطباخين حياله يؤذنه بالغداء فأومأ إليه أن ائت بالغداء، فوضع يده فأكل، فما فقدنا من أكله شيئاً.
وفي حديث آخر بمعناه وفيه: ثم إن سليمان بن عبد الملك بعد فراغه من أكله هذا عرضت له حمى أدته إلى الموت.
كان سليمان بن عبد الملك يأخذ المرآة، فينظر فيها من فرقه إلى قدمه، ويقول: أنا الملك الشاب، فلما نزل بمرج دابق حمّ وفشت الحمى في عسكره فنادى بعض خدمه، فجاءت بطست فسقطت، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: محمومة. قال: فأين فلانة؟ قالت: محمومة. فلم يعد أحداً إلا قالت محموم، فقال سليمان: الحمد لله جعل
стр. 3484
خليفته في الأرض ليس له من يُوضيه، ثم التفت إلى خاله الوليد بن القعقاع العنسي فقال: من الكامل
قرب وضوءك يا وليد فإنما ... هذي الحياة تعلة ومتاع
فاعمل لنفسك في حياتك صالحاً ... فالدهر فيه فرقة وجماع
ومات في مرضه.
قال يحيى ين يحيى: جلس سليمان بن عبد الملك في بيت أخضر على وطاء أخضر عليه ثياب خضر ثم نظر إلى وجهه في المرآة، فأعجبه شبابه وجماله، فقال: كان محمد ﷺ نبياً، وكان أبو بكر صديقاً، وكان عمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، وكان معاوية حليماً، وكان يزيد صبوراً، وكان عبد الملك سائساً، وكان الوليد جباراً، وأنا الملك الشاب. فما دار عليه الشهر حتى هلك.
قال عبد الرحمن بن حسان الكناني:
لما مرض سليمان بن عبد الملك المرض الذي توفي فيه، وكان مرضه بدابق ومعه رجاء بن حيوة، فقال لرجاء بن حيوة: يا رجاء، من لهذا الأمر بعدي: أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب، قال: فالآخر؟ قال: صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتاباً، وتختم عليه، وتدعوهم إلى بيعته مختوماً عليه، قال: لقد رأيت، ائتني بقرطاس فكتب العهد لعمر بن عبد العزيز، ثم من بعده يزيد بن عبد الملك، ثم ختمه. ودفعه إلى رجاء، وقال اخرج للناس فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوماً، فجمعهم فقالوا له: ومن في هذا الكتاب؟ قال: مختوم لا تُخبروا بمن فيه حتى يموت. قالوا: لا نبايع حتى نعلم ما فيه فرجع إلى سليمان فقال: انطلق إلى صاحب الشرطة والحرس وناد للصلاة جامعة ومُر الناس، فليجتمعوا، ومرهم بالبيعة على ما فيه. قال: رجاء: فلما فرغت خرجت إلى منزلي، فسمعت
стр. 3485
جلبة موكب، فالتفت فإذا هشام فقال لي: يا رجاء، قد علمت موقعك منا، وإن أمير المؤمنين صنع شيئاً ما أدري ما هو، وأنا أتخوف أن يكون قد أزالها عني، فإن يك عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمير نفس حتى أنظر في هذا الأمر قبل أن يموت. قال: قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه؟! لا يكون ذلك أبداً، فأدارني فأبيت عليه فانصرف. فبينا أنا أسير سمعت جلبة خلفي، فإذا عمر بن عبد العزيز، فقال: يا رجاء، إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل، أتخوف أن يكون جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشأن، فأعلمني ما دام في الأمير نَفَس لعلي أتخلّص منه ما دام حياً، قال: قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه؟! فأدارني وألاصني فأبيت عليه. قال رجاء: وثقل سليمان وحجب الناس عنه حتى مات. فلما مات أجلسته في مجلسه، وأسندته، وهيأته، وخرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين قلت: أصبح ساكناً، وقد أحب أن تسلموا عليه، وتبايعوا على ما في هذا الكتاب بين يديه، والكتاب بين يديه، وأذنت للناس فدخلوا عليه وأنا قائم عنده، فلما دنوا منه قلت: إن أميركم يأمركم بالوقوف، ثم أخذت الكتاب من عنده، ثم تقدمت إليهم، فقلت: أمير المؤمنون يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب، قال: فبايعوا وبسطوا أيديهم. فلما بايعتهم على ما فيه أجمعين، وفرغت من بيعتهم قلت له: آجركم الله في أمير المؤمنين، قالوا: فمن؟ قال: فافتح الكتاب، فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فلما نظرت بنو عبد الملك تغيرت وجوههم، فلما قرؤوا من بعده يزيد بن عبد الملك، فكأنهم تراجعوا، فقال: أين عمر بن عبد العزيز، فطلبوه فلم يوجد في القوم، فنظروا فإذا هو في مؤخر المسجد. قال: فأتوه فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فدنوا به إلى المنبر، فلم يقدر على الصعود حتى أصعدوه فأجلسوه، فجلس طويلاً لا يتكلم، فلما رآهم رجاء جلوساً قال: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم إليه، فبايعوه، ومد يده إليهم فصعد إليه هشام، فلما يد يده إليه قال: يقول هشام إنا لله وإنا إليه راجعون، حتى صار يلي هذا الأمر أنا أن أنت، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني لست بقاض ولكني منفذ،
стр. 3486
ولست بمبتدع ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم نفثوا فلست لكم بوالٍ، ثم نزل يمشي، قال: فأتاه صاحب المراكب بمركب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب للخليفة، قال: لا حاجة لي فيه، ائتوني بدابتي، فأتوه بدابته، فركبها. ثم خرج يسير، وخرجوا معه، فمالوا به إلى طريق، فقال: إلى أين؟ قالوا: البيت الذي هيأنا للخليفة. قال: لا حاجة لي فيه، انطلقوا بي إلى منزلي. قال رجاء: فأتى منزله، فنزل عن دابته، ثم دعا بداوة وقرطاس، فجعل يكتب بيده إلى العمال في الأمصار، ويملي على نفسه، قال رجاء: فلقد كنت أظن أنه سيضعف. فلما رأيت صنيعه في الكتاب علمت أنه سيقوى بهذا أو نحوه.
لما احتضر سليمان بن عبد الملك جعل يقول:
إن بني صبية صغارُ ... أفلح من كان له كبار
فيقول عمر بن عبد العزيز: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين، فيقول سليمان:
إن بني صبية صيفيون ... أفلح من كان له شتويون
فيقول عمر: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين.
وقال بعض أهل العلم: إن آخر ما تكل به سليمان قال: أسألك منقلباً كريماً.
قال الأوزاعي: أخرجت جنازة سليمان بن عبد الملك، وحضرت صلاة المغرب، فبدأ عمر بن عبد العزيز بصلاة المغرب ثم صلى على سليمان.
ومات سليمان من ذات الجنب بدابق من أرض قنسرين، وهو ابن خمس وأربعين سنة.
وقيل: ثلاث وأربعين سنة، وقيل: إنه لم يبلغ الأربعين.
стр. 3487
سليمان بن عتبة بن ثور بن يزيد
ابن الأخنس أبو الربيع السلمي، وقيل الغساني الداراني حدث عن يونس عن أبي ادريس عن أبي الدرداء قالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، أمر قد فُرغ منه، أم شيء نستأنفه؟ فقال: بل أمر قد فرغ منه، قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: كل أمر مهياً لما خلق له.
وحدث أيضاً بالسند عن أبي الدرداء قال: لئن غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لقد غفر لكم كثيراً، أو قال: ذنباً.
قيل لأبي مسهر: ما تقول في سليمان بن عتبة؟ قال ثقة، قيل له: إنه يسند أحاديث عن أبي الدرداء قال: هي يسيرة، وهو ثقة، لم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان.
حدث سليمان بن عتبة الدمشقي أن أبا جعفر عبد الله بن محمد أمير المؤمنين سأله في مقده الشام في ثلاث أو أربع وخمس مئة عن ست الأرضين التي بأيدي أولاد الصحابة، يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لما أظهر المسلمين على بلاد الشام، وصالحوا أهل دمشق كرهوا يعني أن يقيموا بالبلدان دون أن يتم ظهورهم وإثخانهم في عدو الله، فعسكروا في مرج بردى، ما بين المزة إلى مرج شعبان، جنبي بردى مروجاً كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها، ليست لأحد منهم، فأقاموا بها حتى أوطأ الله بها المشركين ذلاً وقهراً، فأحيا كل قوم محلهم، وبنوا فيها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأمضاه لهم فبنوا الدور ونصبوا الشجر، ثم أمضاه عثمان بن عفان، فقال أبو جعفر: قد أمضيناه لأهله.
توفي سليمان بن عتبة سنة خمس وثمانين ومئة.
стр. 3488
سليمان بن علي بن عبد الله
ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو أيوب، ويقال أبو محمد الهاشمي ولد سنة اثنتين وثمانين وعاش ستين سنة.
حدث عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: " أهل الجنة عشرون ومئة صنف. ثمانون منها أمتي ".
وحدث عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفوراً له ".
قال القاسم بن موسى: مر على سليمان بن علي ممن يصلح القدور والقصاع، فقال له سليمان: مسلم أنت أو يهودي؟ قال: لا، بل مسلم، قال: يا جارية، أخرجي إلينا ما كان من قصاع وقدور، تحتاج إلى الإصلاح، فأخرج إليه، فقال: انصحني حتى أحدثك بحديث لو مشيت ألف فرسخ لكان قليلاً، فحدث بهذا الحديث.
وحدث عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الولاء ليس بمتحوّل ولا بمتنقل ".
كان سليمان كريماً جواداً. مر برجل يسأل قد تحمل عشر ديات، فأمر له بها كلها، وسع وهو في سطح له نسوة كن يغزلن فقلن: ليت الأمي اطلع علينا فأغنانا، فقام فجعل يدور في قصره، فجمع حلياً من ذهب وفضة وجوهر، وصير ذلك في منديل ثم أمر فالقي إليهن، فماتت إحداهن فرحاً. ورأى عبد الله أخوه رجلاً من آل زياد راكباً على بغل، وعليه شارة حسنة، فقال: من هذا؟ فقال سليمان: مسلم بن حرب بن زياد، فقال: وقد بقي من آل زياد مثل هذا؟ فقال سليمان: نعم، لم أجد إليهم سبيلاً، منعني منهم الحق، قال: أما والله لئن بقيت لهم لأبيدنهم، فبلغ ذلك مسلماً فهرب عن البصرة، فلم يدخلها حتى شخص بعبد الله.
وكان يعتق في كل موسم عشية عرفة مئة نسمة، وبلغت صلاته في الموسم وقريش والأنصار وسائر الناس خمسة آلاف ألف.
стр. 3489
قال سليمان بن علي لبعض أصحابه:
ويحك، أين عتبة هذا الذي اقتدى به أهل البصرة؟ قال: فخرج به في الجيش حتى أتى به الجنان فوقف به على عتبة وهو لا يعلم، منكس رأسه، بيده عود ينكت الأرض، فوقف عليه فسلم فرفع رأسه، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله. قال: كيف أنت يا عتبة؟ قال: بحال بين حالين، قال: ما هما؟ قال: قدوم على الله بخير أم بشر، ثم نكس رأسه وجعل ينكت الأرض، فقال سليمان بن علي: أرى عتبة قد أحزن نفسه، ولا يبالي ما أصبحنا فيه وأمسينا، ثم قال: يا عتبة، قد أمرت لك بألفي درهم قال: أقبلها منك أيها الأمير على أن تقضي لي معها حاجة، قال: نعم، وسرّ سليمان قال: وما حاجتك؟ قال: تعفيني منها. قال: قد فعلت ثم ولى عنه، وهو يبكي ويقول: قصر إلينا عتبة ما نحن فيه.
لما قدم سليمان بن علي البصرة والياً عليها قيل له إن بالمربد رجلاً من بني سعد مجنوناً سريع الجواب، لا يتكلم إلا بالشعر، فأرسل إليه سليمان بن علي قهرمانه فقال له: أجب الأمير، فامتنع فجره وزبره وخرق ثوبه، وكان المجنون يستقي على ناقة له، فاستاق القهرمان الناقة، وأتى بها سليمان بن علي. فلما وقف بين يديه قال له سليمان: حياك الله يا أخا بني سعد، فقال:
حياك رب الناس من أمير ... يا فاضل الأصل عظيم الخير
إني أتاني الفاسق الجلواز ... والقلب قد طار به اهتزاز
فقال سليمان: إنما بعثنا إليك لنشتري ناقتك. فقال:
ما قال شيئاً في شراء الناقه ... وقد أتى بالجهل والحماقة
فقال: ما أتى؟ فقال:
خرّق سربالي وشق بردتي ... وكان وجهي في الملا وزينتي
стр. 3490
قال: أمعتزم على بيع الناقة؟ فقال:
أبيعها من بعد ما لا أوكسُ ... والبيع في بعض الأوابد أوكسُ
فقال: كم شراؤها عليك؟ فقال:
شراؤها عشر ببطن مكه ... من الدنانير الفيام السكة
ولا أبيع الدهر أو أزداد ... إني لربح في الورى معتاد
فقال: بكم تبيعها؟ فقال:
خذها بعشر وبخمس وازنه ... فإنها ناقة صدقٍ مارنه
فقال: فحَطّنا. فقال:
تبارك الله العلي العالي ... تسألني الحطّو أنت العالي
قال: فنأخذها ولا نعطيك شيئاً. فقال:
فأين ربي ذو الجلال الأفضل ... إن أنت لم تخش الإله فافعل
قال: فكم أزن لك فيها؟ فقال:
والله ما ينعشني ما تعطي ... ولا يداني الفقر مني حطي
خذها بما أحببت يا بن عباس ... يا بن الكرام من قريش الراس
فأمر له سليمان بألف درهم وعشرة أثواب. فقال:
إني رمتني نحوك الفجاج ... أبو عيال معدم محتاج
طاوي المطي ضيق المعيش ... فأنبت إن لديك ريشي
ربحتني منك بألف فاخره ... شرفك الله بها في الآخرة
وكسوة طاهرة حسان ... كساك ربي حلل الجنان
فقال سليمان: من يقول إن هذا مجنون! ما كلمت أعرابياً أعقل منه.
стр. 3491
سليمان بن أبي كريمة
أبو سلمة الصيداوي حدث عن الزهري بسنده عن عائشة أن رسول الله ﷺ ما أوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة ولا قصر عن سبعة.
وحدث عن مكحول بسنده عن حبيب بن مسلمة قال: قال رسول الله ﷺ : زُر غباً تزداد حباً ".
وحدث عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنّة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي بكم رحمة.
سليمان بن محمد بن إسماعيل
ابن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن يزيد بن مشكم، أبو أيوب الخزاعي حدث عن هشام بن خالد الأزرق بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يمنعن أحدكم جاره أن يجعل خشبة في جداره ".
توفي أبو أيوب سنة تسع عشر وثلاث مئة.
سليمان بن محمد بن سلمة
أبو القاسم الحراني حدث عن عمر بن أحمد بن سنان عن الربيع عن روح عن صفوان بن صالح قال:
ذكرت للوليد بن مسلم خبر امرأة بخراسان وقد والت على عشر بنات، فقيل لها: إن جاءتك بنت تحمدين الله؟ قالت: لا، فولدت قردة. فقال لي الوليد: قد كان عندنا شبيه بهذا: كان رجل من أهل الأوزاع ولدت له امرأته تسع بنات فقال لها وقد حملت منه: إن ولدت جارية لأطلقنك، وخرج إلى المسجد فولدت جارية فلفتها في رقاعها،
стр. 3492
وحملتها وألقتها في كنيسة توما، وجاء الرجل فدخل عليها فنكر إلى حالها، فلم يزل بها حتى أقرت له وأعلمته بمكانها فذهب ليجيء بها فوجدها ومعها أخرى فحملها إليها فقال لها: أيتهن بنتك؟ قالت: لا أدري، فسئل الأوزاعي، فقال: ترثان منه ومنها ميراث جارية، وترث منهما ميراث جارية ولا تتوارثان، إذا ماتتا لأنهما ليستا بأختين.
سليمان بن محمد بن الفضل بن جبريل
أبو منصور البجلي النهرواني من ولد جرير بن عبد الله البجلي الصحابي سمع بدمشق.
حدث عن محمد بن سليمان بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الأعمال تُعرض يوم الخميس ويوم الجمعة، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلين فإنه يقول: أخّروا هذين حتى يصطلحا ".
وحدث عن هشام بن خالد بسنده عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " لو أن عبداً هرب من رزقه لطلبه رزقه كما يطلبه الموت ".
وحدث عن أبن أبي عمر بسنده عن أبي عثمان النهدي أن بلالاً قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين.
توفي أبو منصور سنة سبع وثمانين ومئتين.
سليمان بن مجالد بن أبي المجالد
من أهل الأردن، أخو المنصور من الرضاعة، وكان معهم بالحميمة. فلما أفضى الأمر إلى المنصور ولاه الري. وكان يلي له الخزائن أيضاً.
стр. 3493
حدث سليمان بن مجالد قال: خرجت مع أبي جعفر المنصور نريد هشام بن عبد الملك، وأبو جعفر على حمار، وأنا أسوق به، منصرفاً إلى الرصافة، فنزلنا على مسلمة لنأخذ رأيه، فأمر لنا بخمس مئة درهم، وقال له مسلمة: لا تبت بها، واتخذ لنا مسلمة سفرة فيها طعاما فعلقتها على الحمار ورحلنا، فلما انفلق الصبح وأصاب الدنيا، إذا هشام قد أدركنا، فقال لي أبو جعفر: اعدل عن طريقه لئلا يرانا، فعدلنا، وقام يصلي الغداة، وبصر بنا هشام، فقال لمسلمة: من صاحب الحمار والرجل الذي معه؟ فقال: هذا ابن عمك عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أوصلت إليه صلتك وأمرته بالخروج في الليل فسمع لأمرك، رق له هشام، ونزل عن فرسه، وقال لبعض أصحابه: امضِ به وادفعه إلى ذلك الفتى، ومضى وأخذنا الفرس، فركبه أبو جعفر وركبت الحمار، حتى إذا انبسطت الشمس نزل أبو جعفر وأنا أمسك الفرس، فصلى ركعتين ودعا ثم قال: اللهم، كما حملتني على فرسه فأجلسني مجلسه، ثم التفت إلي فقال: هات شيئاً حتى نأكل، فقربت السفرة، وفيها طعام حسن من طعام مسلمة، وجعلنا نأكل منها، فوقف علينا سائل، وعليه فروة حمراء وبيده عصا، فقال: تصدقوا رحمكم الله فقال له أبو جعفر: صنع الله لك، فمر الشيخ، ثم ندم أبو جعفر وقال أستغفر الله، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم سبقني لساني إلى الرد عليه، خذ السفرة فادفعها إليه بما فيهنا، فأخذت السفرة، فأتيت الشيخ بها، فقلت: إن هذا الفتى ابن عم رسول الله ﷺ ، وإنه فكر في أمرك وأنت بمقطعة ودار مضيعة، فبعث بسفرته وجميع طعامه إليك، فقال لي: أقرئه السلام، وقل له لا حاجة لنا في طعامك، إن الله قد سمع دعاءك، وأنت تقول: اللهم، كما حملتني على فرسه فأجلسني مجلسه، وإن الله وله الحم سيفعل ذلك، قال: فرجعت إلى أبي جعفر بالجواب فقال: قرّب لي فرسي ما هذا إلا الخضر ﵇، فركب الفرس ودار في الصحراء فلم ير له أثراً.
كان على أبواب مدينة أبي جعفر مما يلي الرحاب ستور وحجاب، وعلى كب باب قائد، فكان على باب الشام سليمان بن مجالد في ألف، وعلى باب البصرة أبو الأزهر التيمي في ألف، وعلى باب الكوفة خالد العكّي في ألف، وعلى باب خراسان مسلمة بن صهيب الغساني في ألف، وكان لا يدخل أحد من عمومته، يعني عمومة المنصور، ولا غيرهم من هذه الأبواب إلا راجلاً إلا داود بن علي عمه فإنه كان منقرساً، فكان يُجعل في محفة
стр. 3494
ومحمد المهدي ابنه. وكان يكنس الرّحاب في كل يوم يكنسها الفراشون، ويُحمل التراب إلى خارج المدين، فقال له عمه عبد الصمد: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب فلم يأذن له، فقال: يا أمير المؤمنين، عدني بعض بغال الروايا التي تصل إلى الرحاب، فقال يا ربيع، بغال الروايا تصل إلى رحابي؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: تتخذ الساعة قنى بالساح من باب خراسان حتى تجيء إلى قصري، ففعل.
سليمان بن موسى
أبو الربيع، ويقال أبو أيوب الأشدق الفقيه، مولى آل أبي سفيان بن حرب حدث عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : " كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن مُحسّر وكل فجاج مني " وقال الحربي: مكة منحر، وفي كل أيام التشريق ذبح.
وحدث سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر: سئل عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: أمرنا به رسول الله ﷺ .
وحدث سليمان بن موسى عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ولها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ".
وعن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ".
قال سليمان بن موسى " بينا أنا في سوق حمص في بعض ما كنت أغزو إذا أنا بعبد الله بن أبي زكريا وأبي مخرمة قال: أين تريدان؟ قال: نريد أن نأتي أبا أمامة، قلت: فأجيء معكما؟ قالا: إن شئت، فانطلقنا إليه، فذكر الكذب فعظمه، ثم قال: لأنتم أبخل من أهل الجاهلية، إن الله أمركم بالنفقة في سبيل الله وجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف
стр. 3495
كثيرة فقال: " وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين " والله، لقد فتحت الفتوح بسيوف ما حليتها الذهب ولا الفضة ولا حليتها إلا الآنك والعلابي والحديد.
كتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى أبي بكر بن عمر بن حزم أنه مُر قبلك الذين ينقلون العذرة إذا صليت الظهر ألا يعالجوا منها شيئاً حتى يمسوا.
قال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الحجاز ابن جريج، وسيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى، وسيد شباب أهل العراق حجاج بن أرطأة.
قال زيد بن واقد: كنا نأتي سليمان بن موسى نجلس إليه، فكان يحدثنا في نوع من العلم يومنا ذاك، ثم نأتيه من الغد فيحدثنا بنوع آخر من العلم يومنا ذاك. قال: فقلت: يا أبا الربيع، جزاك الله خيراً إنك تحدثنا بما نعلم وبما لا نعلم.
قال سليمان بن موسى: حسن المسألة نصف العلم.
قال سليمان بن موسى: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، وجع عنك أذى الخادم، وليكن عليك سكينة ووقار ولا تجعل يوم صومك ويوم إفطارك سواء.
قال سليمان بن موسى: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبرُّ من فاجر، وشريف من دنيء.
مات سليمان بن موسى في إمرة هشام بن عبد الملك.
قدم سليمان بن موسى على هشام الرصافة، فسقاه طبيب لهشام شربة فقتله، فسقى هشام ذلك الطبيب من ذلك الدواء فقتله.
وكان موت سليمان بن موسى سنة خمس عشرة ومئة. وقيل: سنة تسع عشرة ومئة.
стр. 3496
سليمان بن موسى
أبو داود الزهري حدث عن إسماعيل بن عبد الملك عن رزين قال: قال علي بن أبي طالب في قول الله : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ".
قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أصاب عبد في الدنيا ذنباً فأقيم عليه حده إلا كان كفارة له، وكان الله أكرم من أن يثني العقوبة في الآخرة، ولا ستر الله على عبده في الدنيا إلا كان أكرم من أن يفضحه يوم القيامة.
وحدث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة.
سليمان بن هشام بن عبد الملك
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو أيوب ويقال أبو الغمر الأموي وأمه أم حكيم بنت يحيى بن أبي العاص، كان قد سجنه الوليد بن يزيد بعد موت أبيه بعمان، فلما قتل الوليد خرج من السجن، ولحق بيزيد بن الوليد فولاه بعض حروبه إلى أن كسره مروان بن محمد بعين الجر، فهرب إلى تدمر ثم استأمن إلى مروان بن محمد، وبايعه ثم خلعه، واجتمع إليه نحو سبعين ألفاً وطمع في الخلافة فبعث إليه مروان عسكراً، فهزم سليمان، ومضى إلى حمص فتحصن بها، فتوجه إليه مروان فهرب، ولحق بالضحاك بن قيس الخارجي وبايعه، فقال بعض شعراء الخوارج: من الطويل
ألم تر أن الله أظهر دينة ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
قال قتادة: قال لي سليمان بن هشام: إن هذا يعني الزهري لا يدعنا نأكل شيئاً إلا أمرنا أن
стр. 3497
نتوضأ منه يعني ما مسته النار قالت له: سألت سعيد بن المسيب فقال: إذا أكلت فهو طيب وليس فيه وضوء، فإذا خرج فهو خبيث عليك فيه الوضوء قال: فهل بالبلد أحد؟ قلت: نعم، أقدم رجل في جزيرة العرب علماً، قال: من؟ قال: عطاء بن أبي رباح، فبعث إليه فقال: حدثني جابر بن عبد الله أنهم أكلوا مع أبي بكر الصديق خبزاً ولحماً فصلى ولم يتوضأ، فقال لي: ما تقول في العمري فقلت: حدثني النضر بن أنس عن بشير بن نُهيك عن أبي هريرة رسول الله ﷺ قال: العمري جائزة. قال الزهري: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: العمري جائزة، قال الزهري: إن الأمراء لا يقضون بذلك. قال عطاء: بل قضى به عبد الملك بن مروان في كذا وكذا.
قال الزبير بن بكار: سليمان بن هشام لأم ولد قتلته المسودة. ومن شعره قال وهو مع الضحاك بن قيس الشيباني الحروري حين خرج على هشام بن عبد الملك: الطويل
يا عيش لو أبصرتنا لترقرقت ... دموعك لما خف أهل البصائر
عشيرة رحنا واللواء كأنه ... إذا زعزعته الريح أشلاء طائر
يعني بذلك أخته عائشة بنت هشام امرأة عبيد الله بن مروان بن محمد.
كان عند سليمان بن هشام بن عبد الملك فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب الكبرى، وأمها زينب بنت علي الكبرى، فقال لها سليمان يوماً: إنما أنت بغلة لا تلدين، فقالت له: ليس الأمر كما ظننت، ولكن يأبى كرمي أن يدنسه لؤمك.
سليمان بن يسار أبو عبد الرحمن
ويقال: أبو عبد الله. ويقال: أبو أيوب أخو عطاء، وعبد الملك، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، من أهل المدينة، قدم دمشق على الوليد بن عبد الملك.
стр. 3498
حدث سليمان بن يسار عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي.
كان لسليمان بن يسار مقدماً في الفقه والعلم، وكان نظير سعيد بن المسيب، وكان مكاتباً لميمونة ابنة الحارث بن حزن زوجة سيدنا رسول الله ﷺ فأدى وعتق، ووهبت ميمونة ولاءه لعبد الله بن العباس. وهي خالة عبد الله بن عباس.
وبنو يسار ثلاثة: عطاء، وسلمان، وعبد الملك. وهم فرس.
حدث سليمان بن يسار عن عائشة قال: استأذنت عليها فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان، فقالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشرة أواق. قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم.
قال عبد الله بن يزيد الهذلي. سمعت سليمان بن يسار يقول: سعيد بن المسيب بقية الناس، وسمعت السائل يأتي سعيد بن المسيب فيقول: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم.
وكان سليمان بن يسار يصوم الدهر وكان عطاء بن يسار يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال مصعب بن عثمان: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهاً.
قال أبو حازم:
خرج سليمان بن يسار حاجاً من المدينة، ومعه رفيق له، حتى نزلوا بالأبواء، فأخذ رفيقة السفرة، وانطلق يبتاع لهم قعد سليمان في الخيمة وكان من أجمل
стр. 3499
الناس وجهاً وأروعهم، فبصرت به أعرابية من قلة الجبل، فلما رأت حسنه وجماله انحدرت عليه وعليها البرقع والقفازان، فوقفت بين يديه، وأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر، فقالت: أهيئني، فظن أنها تريد طعاماً، فقام إلى فضل السفرة ليعطيها، فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله، فقال: جهزك إلي إبليس، ثم وضع رأسه بين كميه، وأخذ في النحيب، فلما رأت ذلك سدلت البرقع على وجهها، ورجعت إلى خيمتها، فجاء رفيقه وقد ابتاع لهم ما يرفقهم، فلما رآه قد انتفخت عينه من البكاء، وانقطع حلقه، قال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ضيعتي، قال: لا، ألا إن لك قصة، إنما عهدك بضيعتك منذ ثلاث أو نحوها، فلم يزل به حتى أخبره بشأن الأعرابية فوضع السفرة وجعل يبكي بكاء شديداً، فقال له سليمان أنت ما يبكيك؟ قال: أنا أحق بالبكاء منك، قال: ولم؟ قال: لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها، فلما انتهى سليمان إلى مكة وطاف وسعى، أتى الحجر واحتبى بثوبه فنعس، فإذا رجل وسيم جميل طوال، له شارة حسنة ورائحة طيبة، فقال له سليمان: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا يوسف بن يعقوب، قال يوسف الصديق؟ قال: نعم، قال: أن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجباً، فقال له يوسف: شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب.
قال سليمان بن يسار: تودد الناس واستعطافهم نصف الحلم.
توفي سليمان بن يسار سنة مئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: توفي سنة أربع ومئة، وقيل: توفي سنة أربع وتسعين، وقيل: توفي سنة تسع ومئة.
سليمان أبو أيوب الخوّاص
أحد الزهاد المعروفين والعُباد الموصوفين. سكن الشام، وكان أكثر مقامه ببيت المقدس، ودخل بيروت.
قال سري بن المغلس السقطي: أربعة كانوا في الدنيا، اعملوا أنفسهم في طلب الحلال، ولم يدخلوا أجوافهم إلا
стр. 3500
الحلال، فقيل له: من هم يا أبا الحسن؟ قال: وهيب بن الورد، وشعيب بن حرب، ويوسف بن أسباط، وسليمان الخواص.
وقال: كان أهل الورع في وقت من الأوقات أربعة: حذيفة المرعشي، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسليمان الخواص، فنظروا إلى الورع، فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلى التقلل أو قال التذلل.
قال الفريابي: كنت في مجلس فيه الأوزاعي وسعيد بن عبد لعزيز وسليمان الخواص، فذكر الأوزاعي الزهاد فقال الأوزاعي: ما نريد أن نرى في دهرنا مثل هؤلاء، فقال: سعيد بن عبد العزيز: سليمان الخواص ما رأيت أزهد منه، وكان سليمان في المجلس ولا يعلم سعيد فقنع سليمان رأسه، وقام فأقبل الأوزاعي على سعيد فقال: ويحك لا تعقل ما يخرج من رأسك! تؤذي جليسنا، تُزكيه في وجهه؟! قال سعيد بن عبد العزيز: دخلت على سليمان الخواص فرأيته جالساً في الظلمة وحده، فقلت له: ما لي أراك جالساً في الظلمة وحدك؟! قال: ظلمة القبر أشد يا سعيد. فقال: ألا تطلب لك رفيقاً؟ قال: أكره أن أطلب رفيقاً، ولا أقوم بحقه الذي يجب له علي، قلت له: هذا مال صحيح قد أصبته، وأنا لك به يوم لقيامة، خذه تنفق منه على نفسك وتستر به عورتك، فقال: يا سعيد، إن نفسي لم تجبني إلى ما رأيت حتى خشيت أن لا تفعل، فإن أخذت مالك هذا ثم نفد فمن لي بمثله صحيح، فتركته ثم عدت إليه من الغد، فقلت له: رحمك الله إنه بلغني في الحديث أن الرجل لا تستجاب دعوته في العامة حتى يكون نقي المطعم نقي الملبس، فادع لهذه الأمة دعوة، فابتدر الباب مغضباً ثم قال: يا سعيد، أنت بالأمس تفتنني، وأنت اليوم تشهرني، قال: فأتيت الأوزاعي فأخبرته بما قلت له، وما قال لي، فقال لي الأوزاعي: يا سعيد، دع سليمان الخواص، ودع إبراهيم بن أدهم، فإنهما لو أدركا محمداً ﷺ لكانا من خيار أصحاب محمد ﷺ .
стр. 3501
قال أبو محمد قدامة الرملي:
قرأ رجل هذه الآية " وتوكّل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً " فأقبل علي سليمان الخواص فقال: يا أبا قدامة، ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره، ثم قال: انظر كيف قال تعالى " وتوكل على الحي الذي لا يموت " فأعلمك أنه لا يموت وأن جميع خلقه يموتون، ثم أمرك بعبادته فقال " وسبح بحمده " ثم أخبرك أنه خبير بصير، ثم قال: والله، يا أبا قدامة، لو عامل عبدُ لله بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته لاحتاجت إليه الأمراء، فمن دونهم، فكيف يكون هذا محتاجاً؟ اجتمع حذيفة المرعشي وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط ﵃ فتذاكروا الفقر والغنى، وسليمان ساكت، فقال بعضهم: الغني من كان له بيت يسكنه، وثوب يستره، وسداد من عيش يكفه عن فضول الدنيا. قال بعضهم: الغني من لم يحتج إلى الناس. فقيل لسليمان: ما تقول أنت يا أبا أيوب؟ فبكى ثم قال: رأيت جوامع الغنى في التوكل، ورأيت جوامع الشر في القنوط، والغنى حق، الغني من أسكن الله في قلبه من غناه يقيناً، ومن معرفته توكلاً، ومن عطاياه وقسمه رضي، فذاك الغني حق الغني وإن أمسى طاوياً، وأصبح معوزاً، فبكى القوم جميعاً من كلامه.
مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه فقال: يا أبا إسحاق، نعم الشيء هذا إن لم تكن تكرمه على دين.
قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه المؤمن فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما يبكته.
قال أبو بشر الفقيمي: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن منادياً ينادي: ليقم السابقون الأولون،
стр. 3502
فقام سفيان الثوري، ثم قال: ليقم السابقون الأولون، فقام سليمان الخواص، ثم قال: ليقم السابقون الأولون فقام إبراهيم بن أدهم.
سُليم بن أسود بن حنظلة
أبو الشعثاء المحاربي الكوفي حدث عن أبي هريرة أن رجلاً خرج من المسجد، والمؤذن يؤذن أو يقيم، فقال: قد عصى هذا أبا القاسم ﷺ إذا كنت ف المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرجن أحد حتى يصلي.
حدث أبو الشعثاء المحاربي قال: أوصى طارق بن عبد الله المحاربي بنيه أن ينتقلوا من الكوفة، وينزلوا دمشق، ونهاهم أن ينزلوا الفراديس. قال أبو الشعثاء. فخرجت لوصية طارق حتى أقدم دمشق، فلقيت بها أبا هريرة، فأخبرته الخبر ومعه زياد النميري، فقال: ليس منزل اليوم أحب إلي من برذوني، فإذا قلّت الصفراء والبيضاء وانقطعت لقحة المسلمين فخير الحلل دمشق.
توفي أبو الشعثاء سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم.
سليم بن أيوب بن سليم
أبو الفتح الرازي الفقيه الشافعي الأديب سكن الشام مرابطاً محتسباً لنشر العلم والسنة.
حدث عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين الجعفي بأيلة بسنده عن جرير بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ فحثنا على الصدقة، فأمسك الناس حتى رأيت في وجهه الغضب، ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرّة فأعطاها إياهن ثم تتابع الناس حتى رُئي في وجهه السرور، فقال رسول الله ﷺ : من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء.
стр. 3503
حدث أبو الفتح سليم أنه كان في صغره بالري، وله نحو من عشر سنين، قد حضر بعض الشيوخ، وهو يُقرئ القرآن. فلما قرئ عليه قال لي: تقدم فاقرأ فجهد أن أقرأ الفاتحة، فلم أقدر على ذلك لانغلاق لساني، فقال: يا بني، ألك والدة؟ قالت: نعم. قال: قل لها تدعو لك يرزقك الله قراءة القرآن ومعرفة العلم، قالت: نعم. ثم رجعت إلى والدتي فسألتها الدعاء، ففعلت، ثم إني كبرت واشتهيت العربية، فدخلت بغداد، وقرأت بها العربية، وتفقهت. ثم عدت إلى الري، فبينا أنا يوماً في الجامع وقد كتبت مختصر المزني، وأنا أقابل عليه صديقاً لي، وإذا الشيخ قد حضر، وسلم علينا وهو لا يعرفني، وسمع مقابلتنا، وهو لا يعلم ما نقول، ثم قال: متى نتعلم مثل هذا؟ فأردت أن أقول له: إن كان لك والدة قل لها تدعو لك، فاستحييت منه. أو كما قال.
كان سليم ببغداد في حال طلبه العلم ترد عليه كتب من الري، فلا يقرأ شيئاً منها، ولا ينظر فيها، ويجمعها عنده، إلى أن فرغ من تحصيل ما أراد، ثم فتحها فوجد في بعضها ماتت أمك، وفي بعضها ما يضيق له صدره، فقال: لو كنت قرأتها قطعتني عن تحصيل ما أردت. وتفقه بعد أن جاء الأربعين.
صنف سليم الكثير في الفقه وغيره، ودرّس. وهو أول من نشر هذا العلم بصور، وانتفع به جماعة. وكان يحاسب نفسه على الأنفاس، ولا يدع وقتاً يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ. ونسخ شيئاً كثيراً.
حدث عنه أبو الفرج الإسفراييني أنه نزل يوماً إلى داره ورجع فقال: قرأت جزءاً في طريقي.
وحدث المؤمل بن الحسن أنه رأى سليماً وقد جفا عليه القلم، فإلى أن قطّه جعل يحرك شفتيه، فعلم أنه يقرأ أثناء إصلاحه القلم، لئلا يمضي عليه زمان وهو فارغ، أو كما قال.
غرق الفقيه سليم في بحر القلزم عند ساحل جدة بعد عودته من الحج في صفر سنة سبع وأربعين وأربع مئة، وكان نيف على الثمانين.
стр. 3504
ودفن في جزية بقرب الجار عند المخاضة. وقيل: غرق على ساحل جار.
سليم بن عامر أبو يحيى
الخبائري الكلاعي من أهل حمض شهد فتح القادسية واستسقاء معاوية بدمشق.
حدث سليم بن عامر عن تميم الرازي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز يعزّ به الإسلام، وذلّ ذليلٍ يذل به الكفر.
قال سليم بن عامر خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلي على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: يا أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، ويوشك أن تظعنوا منه إلى المنزل الآخر، وهو هذا يشير إلى القبر بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من أمر الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً، وهو المثل الذي ضر الله في كتابه " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " لا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير. يقول المنافقون للذين آمنوا " انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً " وهي خدعة التي خدع بها المنافق، قال الله "
стр. 3505
يخادعون الله وهو خادعهم " فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً، فيصرفون إليه وقد ضرب " بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم " نصلي بصلاتكم ونغزو مغازيكم " قالوا: بلى ولكنكم فتنتف أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور " تلا إلى قوله " وبئس المصير ".
قال سليم بن عامر: خرجت أريد بيت المقدس فمررت بأم الدرداء فسقتني طلاء وأمرت لي بدينار.
قال سليم بن عامر: قال أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل المسلم بيته، يكف فيه نفسه وبصره وفرجه، وإياكم والمجالس في السوق فإنها تلغي وتلهي.
قال سليم بن عامر: رأيت غلاماً يمشي إلى وراء. قال: قلت: لم تفعل هذا يا غلام؟ قال: لانقلاب الزمان.
مات سليم بن عامر سنة ثلاثين ومئة.
سُليم بن عتر بن سلمة بن مالك
ابن عتر بن وهب بن عوف بن معاوية بن الحارث بن أيدعان بن سعد ابن تجيب بن الأشرس بن شبيب بن السكون بن الأشرس بن كندة أبو سلمة التجيبي المصري قاضي مصر وقاصّها، كان يسمى الناسك لشدة عبادته. شهد خطبة عمر بالجابية. وعتر بكسر العين المهملة وسكون التاء باثنتين فوقها.
следующие страницы →