← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وبسندها عن أبي بكر الدقي قال: حكى لنا الزقاق أنه قيل لذي النون: لمن أصحب؟ قال: لمن يسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ، ثم سألته ثانية: لمن أصحب؟ قال: لمن إذا أذنبت أنت تاب هو، وإذا مرضت عادك. وسئل مرة أخرى: لمن أصحب؟ فقال: لمن يعلم فيك ما يعلمه الله منك، فتأمنه على ذلك. سيدة بنت عبد الله امرأة أبي الحسين البلوطي قالت: سمعت أبا إسحاق البلوطي يُحرّض على قراءة سورة القدر أسماء الرجال على

стр. 3572

حرف الشين المعجمة شافع بن محمد بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو النصر النيسابوري الإسفراييني سمع بدمشق. وجده يعقوب هو أبو عوانة الإسفراييني المحدث المعروف بالحافظ. حدث شافع عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " نعم الإدام الخل " وحدث عن أبي جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من بات كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له. وحدث عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الهروي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل يموت والداه أو أحدهما وإنه لعاق لهما، فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله براً. روى بجرجان سنة سبع وسبعين وثلاث مئة

стр. 3573

شاكر بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان ابن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم ابن أسحم بن النعمان، وهو الساطع " وسمي بذلك لجماله " ابن عدي ابن عبد غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله وهو مجمع تنوخ بن أسد ابن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير أبو اليسر التنوخي المعري كاتب الإنشاء للملك العادل أبي القاسم محمود بن زنكي ﵀. فاضل من أهل بيت فضل. ولد سنة ست وتسعين وأربع مئة. سكن دمشق. حدث عن جده محمد بن المهذب بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إنه لينادي المنادي يوم القيامة: أين فقراء أمة محمد؟ قوموا فتصفحوا صفوف القيامة، ألا من أطعمكم في أكلة أو سقاكم في شربة أو كساكم في خلقاً أو جديداً خذوا هذه فأدخلوه الجنة، فلا يزال صاحب قد تعلق بصاحبه وهو يقول: يا رب العالمين، هذا أشبعني، ويقول الآخر: يا رب العالمين، هذا أرواني، فلا يبقى من فقراء أمة محمد صغير ممن فعل ذلك ولا كبير إلا أدخلهم الله جميعاً الجنة ". وله شعر حسن. توفي أبو اليسر سنة إحدى وثمانين وخمس مئة. شبل بن الحسين بن علي ابن عبد الواحد أبو طاهر الحارثي حدث عن سهل بن بشر بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة يجاء بالأعمال في صحف محكمة، فيقول الله : اقبلوا هذا وردوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك، ما كتبنا إلا ما عمل فيقول: صدقتم، إن عمله كان لغير وجهي، وإني لا أقبل اليوم إلا ما كان لوجهي.

стр. 3574

ولد أبو طاهر سنة إحدى وأربعين وأربع مئة أو قبلها. وتوفي سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وذكر ولده أبو البركات عنه أنه لم تفته صلاة في مرضه، وكان يقول حين يصلي بالليل: كل من ذكرني بسوء في حل إلا من رماني بالرفض فإنه يخرجني عن الإسلام. شبل بن علي بن شبل ابن عبد الباقي أبو القاسم الصوتي العاقوني سمع بدمشق. حدث عن أبي الحسن محمد بن عوف بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي عوف بسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " شبلي بن عبد الملك بن أحمد أبو الحسن البلخي الصوفي قدم دمشق وسمع بها. حدث عن تمام بن محمد بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " شبة بن عقال بن صعصعة ابن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم بن مر بن طابخة، التميمي الدارمي البصري لجده صعصعة صحبة. حدث عن أبيه عن جده صعصعة قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ربما فضلت الأنملة خبأتها للنائبة وابن السبيل فقال: رسول الله ﷺ : " أمك، أباك، أخاك أختك، أخاك: أدناك أدناك "

стр. 3575

وبه قال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: " املك ما بين لحييك ورجليك ". ومن ولد صعصعة بن ناجية الفرزدق. شبيب بن شيبة بن عبد الله ابن عمرو بن الأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس ابن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مرّ، أبو معمر التميمي المنقري الأهتمي البصري الخطيب حدث عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لأبيه حصين: " كم تعبد اليوم إلهاً؟ قال: سبعة: ستة في الأرض وواحداً في السماء قال: أيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، إن أسلمت علمتك كلمتين، فأسلم حصين فجاء إلى النبي ﷺ فقال: علمني الكلمتين. قال: قل: اللهم، ألهمني رشدي وقني شر نفسي. وحدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فهي خداج. وحدث شبيب أنه سمع عطاء عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " ما أنزل الله داء إلا أنزل معه دواء، إلا السام، يعني الموت ". قال شبيب: كنت أسير في موكب أبي جعفر أمير المؤمنين فقلت: يا أمير المؤمنين، رويداً فإني أمير عليك فقال: ويلك أمير علي؟! فقلت: نعم. حدثني معاوية بن قرة قال: قال رسول الله ﷺ : أقطف القوم دابة أميرهم، فقال أبو جعفر: أعطوه دابة فهو أهون علينا من أن يتأمر علينا.

стр. 3576

قال شبيب: قال لي أبو جعفر " كنت في سماره -: عظني وأوجز. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرض من نفسه أن جعل فوقك أحداً من خلقه، فلا ترض له من نفسك بأن يكون عبد هو أشكر منك. قال: والله، لقد أوجزت وقصرت قال: قلت: والله، لئن كنت قصرت فما بلغت كنه النعمة فيك. دخل شبيب يوماً على الهدي فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، إن الله لما قسم الأقسام لم يرض لك من الدنيا إلا أسناها وأعلاها، فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا مثل ما رضي الله لك به من الدنيا، وعليك يا أمير المؤمنين بتقوى الله، فإنها عليكم نزلت، ومنكم قبلت، وإليكم ترد. قال شبيب: كان لي مجلس من المهدي في عشية كل خميس خامس خمسة، فذكر يوماً عيسى بن زيد حين توارى، فقال: غمض علي أمره فما ينجم لي منه شيء، ولقد خفته على المسلمين أن يفتنهم فلما سكت قلت: وما يعنيك من أمره؟ فوالله لا يجتمع عليه اثنان، وما هو لذلك بأهل. قال: فرأيته يكره ما أقول، فقطعت كلامي. فلما سكت قال: والله، ما هو كما قلت، هو والله المحقوق أن يتبع وأن يشق العصا. فلما فرغ قمت وخرجت، فقال للفضل بن الربيع: احجبه عن هذا المجلس. فحجبني أشهراً ثم حضرت فقال الفضل بن ربيع: يا أمير المؤمنين، هذا شبيب بالباب فقال: ائذن له. فلما دخلت قال: مرحباً بابي المعتمر - وكذا كان يكنيني " وكان يكنى أبا معمر " أبقاك الله طويلاً، فإن في بقاء مثلك صلاحاً للعامة والخاصة. فلما سكت قلت: يا أمير المؤمنين، إني وإياك كما قال رؤبة لبلال بن أبي بردة: إني وقد تعنى أمور تعتني ... على طريق العذر إن عذرتني فلا وربّ الآمنات القطّن ... ما آيب سرك إلا سرني شكراً وإن عزّك أمر عزني ... ما الحفظ أما النصح إلا أنني أخوك والراعي لما استرعيتني ... إ، ي وإن لم ترني كأنني أراك بالغيب وإن لم ترني ... من غشّ أو ونى فإني لا أني عن رفدكم خيراً بكل موطن

стр. 3577

قال: صدقت يا فضل، ردوه إلى مجلسه وأمر له بعشرة آلاف درهم. خرج شبيب بن شيبة من دار المهدي فقيل له: كيف تركت الناس؟ قال: تركت الداخل راجياً والخارج راضياً. قال موسى بن إبراهيم: كان شبيب بن شيبة يصلي بنا في المسجد الشارع في مربعة أبي عبيد الله، فصلى بنا يوماً الصبح فقرأ بالسجدة: و" هل أتى على الإنسان " فلما قضى الصلاة قام رجل فقال: لا جزاك الله عني خيراً، فإني كنت غدوت لحاجة. فلما أقيمت الصلاة دخلت أصلي، فأطلت حتى فاتتني حاجتي. قال: وما حاجتك؟ قال: قدمت من الثغر في شيء من مصلحته وكنت وعدت البكور إلى دار الخليفة لأتنجز ذلك. قال: فأنا أركب معك. فركب معه ودخل على المهدي فأخبره الخبر. قال: فتريد ماذا؟ قال: قضاء حاجته، فقضى حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم، فدفعها إلى الرجل، ودفع إليه شبيب من ماله أربعة آلاف درهم قال له: لم تضرك السورتان. قال الأصمعي: أخبرني من رأى شبيب بن شيبة المنقري وقد اشتد حجاب المهدي عليه، وهو يطلب الوصول فلا يصل فقال: يا أبا معمر، جاهك وقدرك وشرفك تذل نفسك هذا الذل؟؟؟؟؟؟؟! قال: اسكت نذلّ لهم لنعز عند غيرهم، فإنه من رفعوه ارتفع، ومن وضعوه اتضع. كان شبيب بن شيبة رجلاً شريفاً يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، فكان يغدو في كل يوم ويركب، فإذا أراد أن يغدو أكل ن الطعام شيئاً قد عرفه، فنال منه ثم ركب فقيل له: إنك تباكر للغداء، فقال: أجل أطفئ به فورة جوفي وأقطع به خلوف فمي، وأبلغ به في قضاء حوائجي، فإني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام يقطعان الحليم عن بلوغه في حاجته، ويحمله ذلك على التقصير فيما به إليه الحاجة، فإني رأيت النهم لا مروءة له، ورأيت الجوع داء من الداء، فخذ من الطعام من يذهب به عنك النهم، وتداو به من داء الجوع. قال شبيب بن شيبة لرجل من قريش كلمة فلم يحمد أدبه فقال: يا بن أخي، الأدب الصالح خير من النسب المضاعف وعز الشريف أدبه.

стр. 3578

كان شبي يقول: اطلبوا العلم بالأدب، فإنه دليل على المروءة وزيادة في العقل وصاحب في الغربة. قال شبيب: إخوان الصدق خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، ومعونة على حسن المعاش والمعاد. قال شبيب بن شيبة: من سمع كلمة يكرهها فسكت انقطع عنه ما يكره، وإن أجاب سمع أكثر مما يكره. قال شبيب بن شيبة: خطبت إلى بعض أحياء بني تميم بالبادية فوافى ذلك مي نشاطاً فقلت وأطنبت حتى ظننت أني قد أبلغت، فرد علي أعرابي ملتحف بعباءة له، فأخرج يده منها وقال: توسلت بحرمة، واستقربت برحم ماتة، وأدللت بحق واجب، وحضضت على خير، ودعوت إلى سنّة وأنت كفؤ كريم، فمرحباً بك وأهلاً، فرضك مقبول والذي سألت مبذول، وبالله التوفيق. قال شبيب: فلو كان قدم في صدر كلامه حمد الله والصلاة على النبي ﷺ لكان قد فضحني. قال شبيب بن شيبة: سمعت ابن سرين يقول: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف. قال عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي: دخل أبي إلى عيسى بن جعفر بن المنصور وهو أمير البصرة فعزاه عن طفل مات له، ودخل بعده شبيب بن شيبة المنقري فقال: أبشر أيها الأمير، فإن الطفل لا يزال محبنظياً على باب الجنة، يقول: لا أدخل حتى يدخل والداي، فقال له أبي: يا أبا معمر، دع الظاء والزم الطاء، فقال له شبيب: أتقول هذا وما بين لابتيها أفصح مني! فقال له أبي: وهذا خطأ ثان، من أين للبصرة لابة؟ واللابة الحجارة السود، والبصرة الحجارة البيض، فكان كلما انتعش انتكس. المحبنطي: هو الممتنع، وقيل: هو الممتلئ غضباً، وقيل: هو الساكت حياء.

стр. 3579

لما مات شبيب بن شيبة أتى عمي صالح المري للتعزية فيه فقال: رحمة الله على أديب الملوك، وجليس الفقراء، وحياة المساكين. وكان شبيب أعلم الناس بمعاني الكلام مع بلاغة حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل من الكلام ما لا يبلغه الخطباء بكثيره. شجاع بن بكر بن محمد أبو محمد التميمي الدومي حدث عن أبي محمد عبد الله الكوفي بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، قالوا: يا رسول الله، وما الغرباء؟ قال: الفرّارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم. شجاع بن علي بن أحمد بن علي أبو الفتح الإمام حدث عن أبي جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي بسنده عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " لما أدخلت الجنة رأيت في العرش - أو تحت العرش - إفرندة خضراء مكتوب فيها بقلم من نور ابيض: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق. شجاع بن وهب ويقال: ابن أبي وهب بن ربيعة ويقال: زمعة بن أسد بن صهيب بن مالك بن كثير ابن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، أبو وهب، ويقال: أبو عقب الأسدي. صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ورسوله إلى الحارث بن أبي شمر إلى غوطة دمشق ويقال إلى جبلة بن الأيهم الغساني، ويقال إلى هرقل مع دحية بن خليفة الكلبي إلى ناحية بصرى، وهو من مهاجرة الحبشة، وشهد بدراً مع سيدنا رسول الله ﷺ . روى عن جماعة دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب الأسدي وهو أحد الستة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتاباً. قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة

стр. 3580

دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: أني رسول رسول الله ﷺ ، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا وجعل حاجبه - وكان رومياً اسمه مري - يسلني عن رسول الله ﷺ فكنت أحدثه عن صفة رسول الله ﷺ وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول: أني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، وأنا أؤمن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني، وكان يكرمني ويحسن ضيافتي، وخرج الحارث يوماً فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، عليّ بالناس، فلم يزل يعرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره بخبري، وما عزم عليه، فكتب إليه ألا تسير إليه ووافني بإيلياء، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غداً، فأمر لي بمئة مثقال ذهب، ووصلني بنفقة وكسوة وقال: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام فقدمت النبي ﷺ فأخبرته فقال: باد ملكه. وأقرأته من مري السلام وأخبرته بما قال، فقال رسول الله ﷺ : صدق. ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح. كان شجاع بن وهب نحيفاً طويلاً أجنأ، وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن خولي. وقتل شجاع بن وهب يوم اليمامة سنة اثنتي عشر، وهو ابن بضع وأربعين سنة. وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد مع سيدنا رسول الله ﷺ . حدث جابر أن عبداً لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو خاطباً فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ : كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية. شجرة بن مسلم حدث عن ابن حلبس وغيره أنه سمعهم يقولون: إذا تمت زينة دمشق فمن كان خارجاً منها سلم ومن كان داخلها هلك، ثم لا يصيبها عذاب بعد ذلك. فقالوا: زينتها بناء المسجد.

стр. 3581

شداد بن أوس بن ثابت ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو يعلى ويقال: أبو عبد الرحمن بن أخي حسان بن ثابت الأنصاري، من بني مغالبة وهم بنو عمرو ابن مالك له صحبة. روى عن سيدنا رسول الله ﷺ قدم دمشق والجابية، وسكن بيت المقدس، وكان شهد اليرموك. حدث شداد عن النبي ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته. وعن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: خرجنا مع شداد بن أوس فنزلنا مرج الصفر، فقال: ائتونا بالسفرة نعبث بها فكان القوم يحفظونها منه فقال: يا بن أخي، لا تحفظوها علي، ولكن احفظوا مني ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: سمعته يقول: " إذا كنز الناس الدنانير والدراهم فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم أني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، واستغفرك لما تعلم أنك أنت علام العيوب. وهو في رواية أخرى: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم أني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك يقيناً صادقاً، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، واستغفرك لما تعلم، إنك علاّم الغيوب. قال شداد: وقال رسول الله ﷺ : إذا أخذ أحدكم مضجعه ليرقد فليقرأ بأم الكتاب وسورة، فإن الله يوكل به ملكاً يهب معه إذا هب.

стр. 3582

وعن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر في الرواح فلقي شداد بن أوس والصنابحي. قال: قلت: أين تريدان رحمكما الله؟ قالا: نريد ها هنا، إلى أخ لنا نعوده، فانطلقت معهما حتى دخلنا على ذلك الرجل فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة من الله وفضل، فقال له شداد: ابشر بكفارات السيئات وحط الخطايا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يعني: قال الله : إني إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً فحمدني وصبر على ما ابتليته به فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا. قال: ويقول الرب للحفظة: أني أنا قيدت عبدي وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح. قال عبد الرحمن بن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية، أنا وأبو الدرداء، فلقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا، فقال عبادة: إن طال بكما عمر أحدكما أو كلاكما فيوشك أن تريا الرجل من ثبج المسلمين قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ أعاده وأبداه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، ونزل عند منازله، أو قرأ به على لسان أحد لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت. فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس وعون بن مالك فجلسا إلينا فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت من رسول الله ﷺ يقول: من الشهوة الخفية والشرك. فقال عبادة وأبو الدرداء: اللهم غفراً، أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟ فأما الشهوة الخفية فقد عرفناها فهي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ قال شداد: أرأيتكم لو رأيتم أحداً يصلي لرجل، أو يصوم له، أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم. قال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من

стр. 3583

صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " فقال عوف: ولا يعد الله إلا ما ابتغي فيه وجهه من ذلك العمل كله، فيتقبل منه ما خلص له، ويدع ما أشرك به فيه؟ فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا خير قسيم، فمن أشرك بي شيئاً فإن جدّه وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك بي، أنا عنه غنيّ " وعن شداد بن أوس أنه لما دنت وفاة رسول الله ﷺ قام شداد ثم جلس، ثم قام ثم جلس فقال رسول الله ﷺ : ما قلقك يا شداد؟ فقال: يا رسول الله، ضاقت بي الأرض، فقال: ألا أن الشام إن شاء الله وبيت المقدس ستفتح إن شاء الله، وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة إن شاء الله. كان لشداد أربعة بنين وبنت، وكان أكبرهم يعلى، ثم محمد، وعبد الوهاب، والمنذر، فمات شداد، وعبد الوهاب والمنذر صغيران، ولم يعقب يعلى وأعقبوا كلهم. وكانت البنت اسمها خزرج، تزوجت في الأزد، وتوفي شداد سنة أربع وستين، ونشأ لأبنته نسل إلى سنة ثلاثين ومئة. وكان فيها خروج أبي مسلم، وزوال أمر بني أمية، فرجفت الشام، وكان أكثر ذلك ببيت المقدس، ففني كثير ممن كان فيها من الأنصار وغيرهم، ووقع المنزل الذي كان فيه محمد بن شداد على كل من كان فيه من أهله وولده ففنوا جميعاً، وسلم محمد قد ذهبت رجله تحت الردم، فعمر بعد ذلك إلى قدوم المهدي. وكانت النعل وزجاً، خلفها شداد عند ولده، فصارت إلى محمد بن شداد، فلما أن رأت أخته خزرج ما نزل به وبأهله، وأنه لم يبق منهم أحد جاءت فأخذت فرد النعلين،

стр. 3584

وقالت: يا أخي، ليس لك نسل، وقد رزقت ولداً، وهذه مكرمة رسول الله ﷺ أحب أن تشرك فيها ولدي، فأخذتها منه، وكان ذلك في أوان الرجفة فمكثت النعل عندها حتى أدرك أولادها. فلما أن صار المهدي إلى بيت المقدس، أتوه بها، وعرفوه نسبها من شداد، فعرف ذلك، وقبل النعل منهما، وأجاز كل واحد منهم بألف دينار، وأمر لكل واحد منهما بضيعة، وكتب كل واحد منهما في مئة من العطاء، ثم بعث إلى محمد بن شداد فأتي به يحمل على أيدي الرجال للزمانة التي كانت به، أصابته الرجفة، فسأله عن خبر النعل، فصدق مقالة الرجلين فيها، وقال له المهدي: ائتني بالأخرى، فبكى محمد بن شداد، واسترحمه، وناشده بقرابته من رسول الله ﷺ وقال: إن الأمر قد قرب مني فلا تفجعني بها، ولا تسلبني مكرمة اختصنا بها ابن عمك رسول الله ﷺ نبي الرحمة، فرق المهتدي للشيخ، وأقرها على حالها. فحدث جماعة من مشايخ الأنصار من ولد شداد وغيره: أن الرجلين هلكا وهلك ما كان لهما ولم يعقبا. كان أبو الدرداء يقول: إن لكل أمة فقيها، إن فقيه هذه الأمة شداد بن أوس. قال عبادة: من الناس من أوتي علماً ولم يؤت حلماً، ومنهم من أوتي حلماً ولم يؤت علماً، وإن شداد بن أوس من الذين أوتوا العلم والحلم. قال سعيد بن عبد العزيز: فضل شداد بن أوس الأنصار بخصلتين: ببيان إذا نطق، بكظم إذا غضب. شيع شداد بن أوس رجالاً غزوا في سبيل الله فقالوا: يا أبا يعلى، انزل كل معنا، قال: لو كنت أكلت الطعام قبل أن أعلم من أين أصله منذ بايعت رسول الله ﷺ لأكلت معكم.

стр. 3585

كان شداد بن أوس إذا أخذ مضجعه من الليل كان كالحبة على المقلى فيقول: اللهم، إن النار قد حالت بيني وبين النوم، ثم يقوم فلا يزال يصلي حتى يصبح. وعن شداد بن أوس أنه قال: الموت أفظع هولاً في الدنيا والآخرة على المؤمن، والموت أشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض وغلي في القدور، ولو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا لذوا بنوم. قال معاوية لشداد بن أوس: أنا أفضل أم علي؟ وأيّنا أحب إليك؟ قال: عليّ أقدم هجرة وأكثر مع رسول ﷺ إلى الخير سابقة، وأشجع منك نفساً، وأسلم منك قلباً، وأما فقد مضى عليّ، وأنت اليوم عند الناس أرجى منه. توفي أبو يعلى بفلسطين سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين. شداد بن عبد الله أبو عمار القرشي الأموي مولاهم حدث شداد بن عبد الله عن أبي أمامة قال: بينما أنا قاعد مع النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أني أصبت حداً فأقمه عليّ فسكت عنه النبي ﷺ ثم أعاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقمه عليّ فسكت عنه النبي ﷺ ثم أعاد فقال: يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه عليّ فسكت عنه النبي ﷺ ثم أعاد فقال: يا رسول الله، أني أصبت حداً فأقمه عليّ، فأقيمت الصلاة، فلم يرد عليه شيئاً حتى صلى النبي ثم انصرف. قال شداد: فحدثني أبو أمامة قال: أني مع النبي ﷺ والرجل يتبع ويقول: أني أصبت حداً فأقمه عليّ فقال رسول الله ﷺ أرأيت حين خرجت من بيتك أليس توضأت فأحسنت الوضوء قال: بلى يا رسول الله. قال: فإن الله قد غفر لك حدّك أو قال: غفر لك ذنبك. وحدث شداد عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 3586

وحدث شداد عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا خلاق له في الآخرة. قال شداد: صحبت أنساً وهو وافد إلى عبد الملك بن مروان، فكان يصلي على بعيره، حدث شداد أبو عمار القارئ قال: مر موسى ﵇ برجل رافع يديه يدعو الله، فقال موسى: يا رب، عبدك يدعوك فاستجب له، افعل به، فأوحى الله إليه: يا موسى، لو رفع إلي يديه حتى تنقطعا من آباطهما ما استجبت له حتى يرد غرباليّ اللتين الذين غصبهما. قال الحافظ: شداد القارئ لا يكنى أبا عمار، وشداد أبو عمار لا يعرف بالقارئ شداد بن عبيد الله بن شداد أبو محمد ويقال: أبو هند الخولاني القارئ الضرير من أهل دمشق، يعرف بابن الأحنف. حدث عن أبي سلام الأسود قال: بعث إلي عمر بن عبد العزيز. قال: فقدمت عليه. فلما دخلت قال لي: ادنه حتى كادت ركبتي تلزق بركبته فقال: حدثني حديث ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: حوضي كما بعد عدن إلى عمان، أحلى من العسل، أشد بياضاً من اللبن، أكاويبه كنجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. وأول الناس وروداً المهاجرون، الشعث رؤوساً والدنس ثياباً الذين لا يفتح لهم السدد، ولا ينكحون الممنعات، الذين يعطون كل الذي عليهم، ولا يعطون كل الذي لهم، فقال عمر بن عبد العزيز: أما الممنعات فقد نكحت بنت عبد الملك، وأما السدد فقد فتحت لي، والله لأشعثن رأسي ولأدنسن ثيابي.

стр. 3587

وعن إسماعيل بن عبيد الله وسمع شداد بن عبيد الله الخولاني، وكان رأس الحلقة التي في المسجد. قال شداد: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: " ما أنا وأمة سوداء سعفاء الخدين عملت بطاعة الله إلا سواء، فقال إسماعيل: كذبت لم يجعل الله ﵎ لنبيه عدلاً من أمته. شداد بن قيس كان كاتب معاوية عن أبي بكر الهذلي أن علياً لما استخلف عبد الله بن عباس على البصرة سار إلى الكوفة فتهيأ منها إلى صفين، فاستشار الناس في ذلك، فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير، فأبى إلا المباشرة فجهز الناس، فبلغ ذلك معاوية فدعى ابن العاص فاستشاره فقال: أما إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. قال: أما إذاً يا أبا عبد الله، فجهز الناس فجاء عمرو فحضض الناس وضعّف علياً وأصحابه وقال: إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم، وقطعوا حدهم ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي قد قتلهم ووترهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار علي في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تبطلوه، وكتب في أجناد الشام وعقد لواءه فعقد لوردان غلامه فيمن عقد وابنيه عبد الله ومحمد وعقد علي لغلامه قنبر ثم قال عمرو: من الرجز هل يغنين وردان عني قنبراً ... وتغني السكن عني حميرا إذا الكماة لبسوا السنورا فبلغ ذلك علياً فقال: لأصبحن العاصي ابن العاصي ... سبعين ألفاً عاقدي النواصي مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابن أبي طالب إلا وقد وفى لك، فجاء معاوية

стр. 3588

يتأنى في مسيره، وكتب إلى من كان يرى أنه يخاف علياً أو طعن عليه ومن أعظم دم عثمان، فاستغواهم إليه. فلما رأى ذلك الوليد بعث إليه: من الوافر ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق وما تريم وإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم يمنيك الإمارة كل ركب ... لا يفاض العراق بها رسيم وليس أخو الترات بمن توانى ... ولكن طالب الترة الغشوم ولو كنت القتيل وكان حياً ... لجرّد لا أليف ولا سؤوم ولا نكلٌ على الأوتار حتى ... يسيرها ولا برم جثوم وقومك بالمدينة قد أبيروا ... فهم صرعى كأنهم الهشيم فدعا معاوية شداد بن قيس كاتبه فقال: ابغني طوماراً، فأتاه شداد بطومار فأخذ القلم يكتب، فقال: لا تعجل. اكتب: من الطويل ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زينته الحرب لم يترمرم وقال: أطوِ الطومار فأرسل به إلى الوليد. فلما فتحه لم يجد فيه غير هذا البيت. شراحيل بن آدة ويقال: شراحيل بن شراحيل. ويقال: شراحيل بن كلب بن كلب بن آدة ويقال: شرحبيل، أو الأشعث الصنعاني - صنعاء الشام حدث عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا يعضه بعضكم بعضاً، ولا تعصوني في معروف آمركم به، فمن أصاب منكم حداً فعجلت له العقوبة فهو كفارة له، ومن أخرت عقوبته فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

стр. 3589

شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي شهد غزو القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك. وقيل: أمد به سليمان بن عبد الملك مسلمة. حدث الليث بن تميم الفارسي وغيره: أن ليون لما رأى ما قد لزمه من الحصار، وأشفق من الغلبة كتب إلى صاحب برجان: أما بعد. فقد بلغك نزول العرب بنا وحصارهم إيانا، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، فما كنت صانعاً يوم نعطيهم الجزية أو يدخلوا علينا عنوة ثم يفضون إليك وإلى غيرك فاصنعه يوم يأتيك كتابي هذا. فكتب صاحب برجان إلى مسلمة: أما بعد. فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكل ما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو عدة أو مرفق فأعلمناه فآتيك منه ما أحببت. فكتب إليه مسلمة: أنه لا حاجة لنا بمدد ولا عدة، ولكنا نحتاج إلى الميرة والتسوّق، فابعث إلينا ما استطعت. فكتب إليه صاحب برجان: إني ققد وجهت إليك سوقاً عظيما فيه من كل ما أحببت من باعة يضعفون عن النفوذ إليكم به ممن يمرون به من حصون الروم، فابعث من يحرزه إليك. قال: فوجه إليهم خيلاً عظيمة وولي عليهم رجلاً ونادي في العسكر: ألا من أراد البيع والشرى فليخرج مع فلان حتى تلقوا هذا السوق، فخرج بشرّ عظيم يبيع بعضهم بعضاً على غير حذر ولا خوف من عدو حتى أفضوا إلى عسكر السوق في مرج واسع قد أطافت به الجبال وكتائب برجان في شعاب تلك الجبال وغياضه. فلما نزل والي الجيش بعسكره وانتشر الناس في السوق وشغلهم البيع والشرى شدت عليهم الكتائب فقتلوا ما شاؤوا وأسروا ما شاؤوا إلا من أعجزهم. ثم والت برجان إلى بلادها، وبلغ مسلمة ومن معه فأعظمهم

стр. 3590

ذلك وكتب به مسلمة إلى سليمان بن عبد الملك يخبره بما كان، فقطع بعثاً على أهل الشام إلى برجان وولى عليهم شراحيل بن عبيدة فسار بهم حتى أجاز الخليج ثم مضى إلى بلاد برجان فساح في أهلها، وأتوه فقاتلوه فهزمهم الله ثم قفل إلى مسلمة فكان عنده. شراحيل بن عمرو أبو عمر العنسي من أهل دمشق حدث عن عبادة بن نسي بسنده عن معاذ من جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حافظ على سبع تسبيحات في كل ركعة وسجدة من الصلاة المكتوبة أدخله الله الجنة. وحدث عن أيوب بن مسيرة بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: قيام الساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة. وبه عن رسول الله ﷺ : " أن رجلاً سأله عقالاً من المغنم فأعرض عنه، ثم عاد فأعرض عنه فلما كثر عليه قال: من لك بعقال من نار؟! شراحيل بن مرثد أبو عثمان الصنعاني شهد قتال خالد بن الوليد مسيلمة وشهد فتح دمشق. حدث أبو عثمان الصنعاني قال: لما فتح الله علينا دمشق خرجنا مع أبي الدرداء في مسلحة ببرزة، ثم تقدمنا مع أبي عبيدة بن الجراح ففتح الله بنا حمص ثم تقدمنا مع شرحبيل بن السمط فأوطأ الله بنا ما دون النهر يعني الفرات، وحاصرنا عانات، وأصابنا عليه لأواء. وقدم علينا سلمان الخير في مدد لنا فقال: ألا أحدثكم بشيء سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 3591

عسى أن ييسر الله بعض ما أنتم فيه؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه صائماً لا يفطر وقائماً لا يفتر، فإن مات مرابطاً جرى له صالح ما كان يعمل حتى يبعث، ووقي عذاب القبر. حدث أبو عثمان أنه سمع أبا الدرداء يقول: إذا ليعقبن الله المشائين إلى المساجد في الظلم نوراً تاماً يوم القيامة. شراحيل بن مسلمة بن عبد الله ويقال: شراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي حدث المهلهل بن صفوان قال: كنت أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وكانوا يتزاورون، وخص الذي بين إبراهيم وشراحيل، فأتاه رسوله يوماً بلبن فقال: يقول لك أخوك: إني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، فتناوله فشرب فتوصب من ساعته وتكسر جسده، وكان يوماً يأتي فيه شراحيل فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جعلت فداك قد أبطأت، فما حبسك؟ فأرسل إليه إني لما شربت من اللبن الذي أرسلت به إلي أخلقني، فأتاه شراحيل مذعوراً فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو ما شربت اليوم لبناً، ولا أرسلت به إليك فإنا لله وإنا إليه راجعون، احتيل عليك والله. فما بات إلا ليلته وأصبح من الغد ميتاً. شرحبيل بن السمط بن شرحبيل ابن الأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور ابن مرتع ابن كندة، أبو يزيد، ويقال: أبو السمط الكندي يقال إن له صحبة، ويقال لا صحبة له. استعمله معاوية على بعض جيوشه وكان يسكن حمص، واستقدمه معاوية إلى دمشق قبل صفين ليستشيره.

стр. 3592

روي أن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان: لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة. وذلك أن رسول الله ﷺ قال: لا تزال طائفة قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها. قال ابن مندة: هذا حديث لا يعرف إلا من حديث الحمصيين. حدث ابن السمط أنه خرج مع عمر إلى ذي الحليفة يريد مكة، فصلى ركعتين فسألته عن ذلك فقال: إنما أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ صنع. وعن شرحبيل بن السمط قال: طال رباطنا أو إقامتنا على حصن، فاعتزلت من العسكر أنظر في ثيابي لما آذاني مه. قال: فمر بي سلمان فقال: ما تعالج يا أبا السمط؟ فأخبرته، فقال: إني لأحسبك تحب أن تكون عند أم السمط، فكانت هي تعالج هذا منك. قلت: إي والله. قال: لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة، أو يوم أو ليلة كصيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً أجري عليه مثل ذلك من الأجر وأجري عليه الرزق وأمن من الفتان، واقرؤوا إن شئتم: " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً " إلى آخر الآيتين. ولما بُغت معاوية، أطبقوا على منع الصدقة، وأجمعوا على الردة قام شرحبيل بن السمط وأبوه في بني معاوية وقالا: والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل، وإن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن ينتقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار، فكيف بالرجوع عن الجميل وعن الحق إلى القبيح والباطل؟ اللهم، إنا لا نمالئ قومنا على هذا،

стр. 3593

وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا، وخرج شرحبيل والسمط حتى أتيا زياد بن لبيد فانضما إليه. كان عمر بن الخطاب ﵁ استعمل شرحبيل بن السمط على المدائن وأبوه بالشام، فكتب إلى عمر إنك تأمر ألا يفرق بين السبايا وبين أولادهن فإنك قد فرقت بيني وبين ابني، فكتب إليه فألحقه بابنه. كان شرحبيل بن السمط على جيش فقال إنكم نزلتم أرضاً فيها نساء وشراب فمن أصاب منكم حداً فليأتنا حتى نطهره. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فكتب إليه: لا أم لك تأمر قوماً ستر الله عليهم أن يهتكوا ستر الله عليهم؟! حدث بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس إنما هو وحده، فأتاه أبو الدرداء فقال: ما يحملك على هذا؟! فقال: أخاف أن أسلب ديني ولا أشعر. قال: فحدثت بذلك رجلاً من أهل الشام فقال: ذاك شرحبيل بن السمط. كتب معاوية إلى شرحبيل يسأله القدوم عليه وهيأ له رجالاً يخبرونه أن علياً قتل عثمان، منهم يزيد بن أسد البجلي وبسر بن أرطأه وأبو الأعور السلمي فقدم إليه. قال الأصمعي: بينما معاوية بن أبي سفيان يساير شرحبيل بن السمط إذ راثت دابة شرحبيل، وكان عظيم الهامة، وفطن معاوية بروث الدابة وساء ذك شرحبيل فقال له معاوية: إنه يقال: إن الهامة إذا عظمت دل ذلك على وفور الدماغ وصحة العقل قال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص، فتبسم معاوية قال: كيف ذلك لله أنت؟ قال: لإٌطعامي هذا البارحة مكوكي شعير. قال: فضحك معاوية وحمله على دابة من مراكبه. توفي شرحبيل بن السمط سنة أربعين، وصلى عليه حبيب بن مسلمة الفهري. ولما تقدم حبيب قال: صلوا على أخيكم واجتهدوا له في الدعاء، وليكن من دعائكم: اللهم، اغفر لهذه النفس الحنيفة المسلمة، واجعلها من الذين تابوا واتبعوا سبيلك وقها عذاب الجحيم. واستنصروا الله على عدوكم.

стр. 3594

شرحبيل بن عبد الله بن المطاع ابن عمرو ويقال: المطاع بن عبد العزى بن قطن بن الغوث بن مرّ وهو شرحبيل بن حسنة أبو عمار، ويقال: أبو عبد الرحمن ويقال: أبو واثلة الكندي حليف بني زهرة، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ وأحد أمراء الأجناد الذين وجههم أبو بكر لفتح الشام. وهو أخو عبد الرحمن بن حسنة. وحسنة أمهما. حدث أبو صالح الأشعري عن عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ نظر إلى رجل يصلي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده فقال رسول الله ﷺ : " لو مات هذا على حاله مات على غير ملة محمد " ثم قال رسول الله ﷺ : " الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً ". قال أبو صالح: فقلت لأبي عبد الله: من حدثك هذا عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: أمراء الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان. قال الواقدي: شرحبيل بن حسنة من كندة قال الزبيري: حسنة ليست أمه وهي من أهل عَدَولي ساحل اليمن، وهي من المهاجرات وهي مولاة. وكانت تحت سفيان بن معمر بن حبيب الجمحي. قالوا: وولاؤها لمعمر بن حبيب بن وهب بن حُذافة. وعن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علي النبي ﷺ فسألته وشكوته إليه، فجعل يعتذر إلي، وجعلت ألومه.

стр. 3595

قالت: ثم إنه حانت صلاة الأولى فدخلت بيت ابنتي وهي عند شرحبيل بن حسنة، فوجدت زوجها في البيت فوقعت به، ألومه: حضرت الصلاة وأنت هاهنا؟ فقال: يا عمة لا تلوميني، كان لي ثوبان استعار أحدهما رسول الله ﷺ فوجدت في نفسي من ذلك، فقلت: ومن يلومه وهذا شأنه؟ قال شرحبيل: إنما كان أحدهما ثوب درع فرقعنا جيبه. توفي شرحبيل بن حسنة في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة في خلافة عمر بن الخطاب. وهو ابن سبع وستين سنة. وكان شرحبيل قدم مصر رسولاً من النبي ﷺ إلى ملكها، وتوفي سيدنا رسول الله ﷺ وهو بمصر. وافتتح شرحبيل ابن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه وذلك بأمر أبي عبيدة بن الجراح. قال ابن شهاب: لما استخلف عمر بن الخطاب نزع خالد بن الوليد وأمر أبا عبيدة بن الجراح. قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل بن حسنة وأمر جنده أن يتفرقوا على الأمراء الثلاثة، فقال له شرحبيل: يا أمير المؤمنين، أعجزت أم خنت؟ قال: لم تعجز ولم تخن قال: فلم عزلتني؟ قال: تحرجت أن أؤمرك وأنا أجد أكفأ منك. قال: فاعذروني يا أمير المؤمنين في الناس قال: سأفعل ولو علمت غير ذلك لم أفعل، فقام عمر فعذره، ثم أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر وبقي الشام على أميرين أبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن سفيان. قال عبد الرحمن بن غنم: وقع الطاعون في الشام فخطب عمرو بن العاص فقال: إن هذا الطاعون رجس ففروا منه في الأودية والشعاب، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة فغضب، فجاء يجر ثوبه، ونعلاه في يده فقال: كذب عمرو بن العاص، صحبت رسول الله ﷺ وعمرو أضل من جمل أهل، ولكنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم ووفاة الصالحين قبلكم، فبلغ ذلك معاذاً فقال: اللهم، اجعل نصيب آل معاذ الأوفر فماتت ابنتاه فدفنهما في قبل واحد، وطعن ابنه عبد

стр. 3596

الرحمن فقال: " الحق من ربك فلا تكونن من الممترين " فقال: " ستجدني إن شاء الله من الصابرين " وطعن معاذ في ظهر كفه فجعل يقبله ويقول: هي أحب إلي من حمر النعم، فإذا سُري عنه قال: رب غم غمك فإنك تعلم أني أحبك. ورأى رجلاً يبكي عنده يقال له عميرة فقال: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنيا كنت أصبتها منك ولكنني أبكي على العلم الذي كنت أصبته منك. قال: فلا تبك فإن إبراهيم كان في الأرض وليس بها عالم فأتاه الله علماً، فإذا أنا مت فاطلب العلم عند أربعة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وسلمان وعويمر أبي الدرداء. وفي حديث آخر: فقام شرحبيل بن حسنة وهو أحد الغوث فقال: والله لقد أسلمت وإن أميركم هذا أضل من جمل أهله، فانظروا ما يقول: قال رسول الله ﷺ : " إذا وقع بأرض وأنت بها فلا تهربوا فإن الموت في أعناقكم، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرف القلوب ". شرحبيل بن محمد الداراني حدث عن محمد بن عثمان بن مرة الداراني عن أبيه عن جده أن أبا مسلم الخولاني حضره العيد فقالت له امرأته نائلة: يا أبا مسلم، لو أنك أتيت معاوية فسألته أن يبعث لنا سكراً وجوزاً ويبعث لنا كذا وكذا، وكان أبو مسلم يدلج من داريا فيصلي في مسجد دمشق، فكان ربما يجيء إلى الباب قبل أن يفتحه المؤذنون فينفتح له الباب فيعلم المؤذنون أن أبا مسلم قد دخل، وأن معاوية بعث رجلاً فقال: اذهب حتى تقف خلف أبي مسلم حتى تسمع ما يقول. فلما أن دخل أبو مسلم المسجد وقف مقامه الذي كان يقف فيه فقال: اللهم، إن نائلة سألتني أن أسأل معاوية كذا وكذا وإني لا أسأله، ولكني أسألك إياه من خزائنك، فذهب الرجل فأخبر معاوية فأرسل له كل ما ذكر من لجوز وغيره. فلما انصرف أبو مسلم إلى منزله لقيته نائلة فقالت له: قد جاءنا كذا وكذا وجاءنا كذا، ولكنك ليس تطيعني، فحمد الله على ذلك ولم يخبرها.

стр. 3597

شريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر ابن حرّ بن شيطان بن حذيم بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة ابن مازن بن الحارث بن قطيعة ابن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعيد بن قيس عيلان العبسي الكوفي كان في المسيرين الذين سيرهم عثمان بن عفان في خلافته من الكوفة إلى دمشق، ثم إن شريح بن أوفى خرج على علي بن أبي طالب ﵇ وأنكر تحكيمه الحكمين، فقتل بالنهروان. روى الضحاك بن عثمان الحزامي قال: كان هوى محمد بن طلحة بن عبيد الله مع علي بن أبي طالب، فنهى علي عن قتله، وقال: من رأى صاحب البرنس الأسود فلا يقتله، يعني محمداً. فقال لعائشة يومئذ: يا أماه، ما تأمريني؟ فقالت: أرى أن تكون كخير ابني آدم: أن تكف يدك فكف يده، فقتله رجل من بني أسد بن خزيمة يقال له كعب بن مدلج من بني منقذ بن طريف. ويقال: قتله شداد بن معاوية العبسي. ويقال: بل قتله عصام بن مبشر البصري. وعليه كثرة الحديث وهو الذي يقول في قتله: من الطويل وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم دلفت له بالرمح من تحت بزه ... فخر صريعاً لليدين وللفم شككت إليه بالسنان قميصه ... فأرديته عن ظهر طرف مسوم أقمت له في دفعة الخيل صلبه ... بمثل قدامى النسر حران لهذم يذكرني حاميم لما طعنته ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم على غير شيء غير أن ليس تابعاً ... علياً ومن لا يتبع الحق يندم قال: فقال علي حين رآه صريعاً: صرعه هذا المصرع برّ أبيه. وقال يحيى الأموي: قتل محمد بن طلحة كعب بن مدلج.

стр. 3598

وقال غيره: شريح بن أوفى، فقال في قتله وذكر له بعض هذه الأبيات قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري: شريح بن أوفى من أصحاب علي بن أبي طالب. ذكر أبو حسان الزيادي أنه هو قاتل محمد بن طلحة الذي يقال له السَجاد وعن أبي حسان يقول: قتله الأشتر. حدث أبو مخنف عن أبي حباب قال: ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار، يعني: يوم النهر فقاتل على ثلمة فيه طويلاً من نهار، وكان جل من يليه من همدان، فأخذ يرتجز ويقول: قد علمت دارية عبسية ... ناعمة في أهلها كفيه إني سأحمل ثلمتي العشية فشد عليه قيس بن معاوية المرهبي فقطع رجله فجعل يقاتلهم وهو يقول: القرم يحمي شلوه معقولا ثم شد قيس بن معاوية فقتله. قال أبو عبيد: سنة تسع وثلاثين فيها قتلت الخوارج من أهل النهر، منهم عبد الله بن وهب الراسبي، وزيد بن حصن الطائي، وشريح بن أوفى العبسي، وأبي بن قيس النخعي. وكانوا هم القراء من أصحاب علي قبل الحكمين.

стр. 3599

شريح بن الحارث بن قيس ابن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور ابن مرتع أبو أمية الكندي القاضي ويقال: شريح بن شرحبيل ويقال: ابن شراحيل ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن. أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ولم يلقه. ويقال: بل لقيه. واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، وأمّره علي وأقام على القضاء بها ستين سنة. وقضى بالبصرة سنة، وقدم دمشق في ولاية معاوية، وحاكم إلى قاض كان بها. حدث شريح القاضي قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول على المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم أنا، رضوان الله عليهم أجمعين. حدث قاضي المصرين شريح بعن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ قال: إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا بن آدم، فيم أضعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب، لم أفسده، ولكني أصبت به إما غرقاً وإما حرقاً. قال: فيقول ﵎: أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة. جاء شريح إلى النبي ﷺ فأسلم ثم قال: يا رسول الله، إن لي أهل بيت ذوي عدد باليمن، فقال له جئ بهم، فجاء بهم والنبي ﷺ قد قبض. قال عطاء بن مصعب: تقدم شريح إلى قاضٍ لمعاوية يطالب رجلاً بحق له، فقال القاضي لشريح: أرى حقك قديماً. قال شريح: الحق أقدم منك ومنه، فقال: إني أظنك ظالماً، قال: ما على ظنك رحلت من العراق. قال: ما أظنك تقول الحق. قال: لا إله إلا الله. قال: فنمي الخبر إلى معاوية فقال: هذا شريح فأمر أن يفرغ من أمره ويعجل رده إلى العراق. وعاش شريح بن الحارث عشرين ومئة سنة. وعاش عدي بن حاتم عشرين ومئة سنة، وعاش سويد بن غفلة عشرين ومئة سنة.

стр. 3600

وكان شريح إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: ممن أنعم الله علي بالإسلام ثم عديد لكندة. ويقال إنه إنما خرج إلى المدينة لأن أمه تزوجت بعد أبيه فاستحيا من ذلك فخرج، وكان شاعراً عائفاً زاجراً قائفاً كوسجاً، لا لحية له. العائف: الذي يعيف الطير أن يزجرها. ولم يرد من قال: إنه عائف: هذه العيافة، وكيف يريد هذا؟ وقد روي أن العيافة من الجبت ولكنه أراد أنه مصيب الظن صادق الحدس، فكأنه عائف. وهذا كما يقال: ما أنت إلا ساحر إذا كان رقيقاً لطيفاً، وما أنت إلا كاهن إذا أصاب بظنه. والقائف الذي يعرف الآثار ويتبعها ويعرف شبه الرجل في ولده وأخيه. كان مالك بن أنس يقول: كان أهل البصرة عندنا هم أهل العراق وهم الناس. ولقد كان بالكوفة رجال: علقمة والأسود وشريح، حتى وثب إنسان يقال له حماد فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه ففسد الناس، فالله المستعان " وللبسنا عليهم ما يلبسون ". قيل لشريح: بأي شيء أصبت هذا العلم؟ قال: بمفاوضة العلماء، آخذ منهم وأعطيهم. قال الشعبي: أخذ عمر بن الخطاب فرساً من رجل على سوم فحمل عليه رجلاً فعطب عنده فخاصمه فقال: اجعل بيني وبينك رجلاً. فقال الرجل: فإني أرضى بشريح العراقي، فأتوا شريحاً فقال شريح لعمر: أخذته صحيحاً سليماً فأنت له ضامن حتى ترده صحيحاً سالماً، فأعجب عمر بن الخطاب فبعثه قاضياً. حدث شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن

стр. 3601

جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن به سنة من رسول الله ﷺ فانظر ما أجمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن به سنة من رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن أتأخر فتأخر. ولا أرى التأخير إلا خيراً لك. وعن هبيرة بن يريم أن علياً جمع الناس في الرحبة وقال: إني مفارقكم فاجتمعوا في الرحبة، رجال أيما رجال، فجعلوا يسألونه حتى نفد ما عندهم ولم يبق إلا شريح فجثا على ركبتيه وجعل يسأله، فقال له علي: اذهب فأنت أقضى العرب. قال الشعبي: خرج علي بن أبي طالب ﵇ إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعاً فعرف علي الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين. ((وكان قاضي المسلمين شريح، كان علي استقضاه. فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس علياً في مجلسه وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني، فقال علي: أما يا شريح لو كان خصمي مسلماً لقعدت معه مجلس الخصم ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصافحوهم ولا تبدؤوهم بالسلام ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، وألجئوهم إلى مضائق الطريق، وصغروهم كما صغرهم الله. اقض بيني وبينه يا شريح. قال: فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان. قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين، الدرعي هي درعي. قال: فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي: صدق شريح. قال: فقال النصراني: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك اتبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: فقال علي ﵇: أما إذ أسلمت فهي لك وحمله على فرس عتيق. قال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين. وفي رواية: وفرض له ألفين وأصيب معه يوم صفين.

стр. 3602

وفي رواية: أنه ضاع لعلي ﵇ درع يوم الجمل فأصابها رجل من بني قفل فباعها، فعرفت عند رجل من اليهود، فقال: اشتريتها من بني قفل فخاصمه علي إلى شريح، فشهد لعلي الحسن بن علي ومولاه قنبر، فقال شريح لعلي: زدني شاهداً مكاالحسن، فقال: أترد شهادة الحسن؟ قال: لا ولكني حفظت عنك أنك قلت: لا تجوز شهادة الولد لوالده، فقال علي ﵇: الحق ببانقيا واقض عليها، واستعمل على الكوفة محمد بن يزيد بن خليدة الشيباني ثم عزله وأعاد شريحاً. قال علي ﵇ لشريح: لسانك عبدك ما لم تتكلم، فإذا تكلمت فأنت عبده فانظر ما تقضي، وفيم تقضي، وكيف تقضي، وفيم تمضي، وإليه تفضي. وعن عامر قال: جاءت امرأة إلى علي تخاصم زوجها طلقها، فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين، وأنت هاهنا؟! قال: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن ترضى دينه وأمانته يزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها، وإلا فلا. فقال علي: قالون. وقالون بلسان الروم: أحسنت. وقيل: قالون بالرومية جيد. أتي شريح ابني عم أحدهما زوج والآخر أخ لأم، فقال شريح: للزوج النصف وما بقي فللأخ من الأم. وقال علي: أخطأ العبد الأبظر: للزوج النصف وللأخ من الأم السدس، وما بقي بينهما نصفان. نظر شريح إلى رجل يقوم على رأسه وهو يضحك وهو في مجلس القضاء، فنظر إليه شريح فقال له: ما يضحكك وأنت تراني أتقلب بين الجنة والنار؟! حدث سالم أبو عبد الله قال: شهدت شريحاً وتقدم إليه رجل قال: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، فقال:

стр. 3603

إني رجل من أهل الشام. قال: بعيد سحيق. قال: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين. قال: إني اشترطت لها دارها. قال: الشرط أملك. قال: اقض بيننا قال: قد فعلت. قال أبو عمرو الشيباني: كنت عند شريح فأتاه قوم برجل عليه صك بخمس مئة درهم ديناً فقالوا: إن مولى لنا مات وترك على هذا خمس مئة درهم ديناً، ونحن وارثو مولانا، فقال له شريح: ما تقول؟ فقال: كان أخير رجلاً حراً مولى لهؤلاء وكان موسراً، وأنا عبد مملوك لقوم آخرين، وكان أعطاني هذه الدراهم أنتفع بها، فمات أخي وترك مالاً كثيراً ورثه هؤلاء عنه، فقلت لهم: دعوا لي هذه الدراهم فإني معيل. قال: فكلمهم شريح، وقال لهم: لا عليكم أن تدعوا له هذه الدراهم وسائر ميراث أخيه لكم فقد ذكر عياله، فأبوا وقالوا خذ لنا بحقنا. قال: فقال لهم شريح: اتقوا الله، وافعلوا. فأبوا وقالوا: خذ لنا بحقنا، فقال له شريح: ادفعها إليهم فإنك عبد لا ميراث لك، فأقيموا من بين يديه على ذلك. قال أبو عمرو الشيباني: فلما رأيت جزعه وشدة همه قلت له: ويحك، ذكرت أنك معيل فما عيالك؟ قال: زوجة وأولاد ذكور وإناث، فقلت: فما زوجتك؟ حرة أو أمة؟ فقال: حرة، فرجعت إلى شريح فقلت: يا أبا أمية، ألا ترى ما يقول هذا الرجل؟ قال: وما يقول؟ قلت: يقول: لي أولاد أحرار من امرأة حرة. قال: ردهم علي، فرددتهم فأعاد الكلام فاعترفوا به، وقالوا: نعم، له أولاد أحرار، فقال: ولد حر من امرأة حرة فقال شريح: فابن الأخ الحر أولى بالميراث منكم، والله، لا تبرحوا حتى تعطوه ما في أيديكم من ميراث أخيه. قال: فانتزع ذلك منهم فدفعه إليه. قال محمد بن سيرين: جاء رجل إلى شريح فقال: إن امرأتي توفيت ولم تترك ولداً فما لي من ميراثها؟ قال: النصف. قال: فمضى، ثم عاد وله خصوم له في هذه المسألة، فإذا هي عشرة أسهم يجب له منها ثلاثة أسهم. قال الوليد بن مسلم: يفسر ذلك أنها تركت زوجها وأمها وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأمها فأعطاه ثلاثة اسهم من عشرة، وكان الرجل بعد ذلك يقول: انظروا إلى قاضيكم هذا، أتيته فقلت: إن امرأتي توفيت ولم تترك ولداً فما لي من ميراثها

стр. 3604

فقال النصف، فلما تحاكمنا إليه ما أعطاني النصف ولا الثلث، فكان شريح يقول له: يا عدو نفسه، إذا رأيتني ذكرت حكماً جائراً، وإذا رأيتك ذكرت رجلاً فاجراً تظهر الشكوى وتكتم حقيقة القضاء. قال مجاهد: اختصم إلى شريح في ولد هرة فقالت امرأة: هو ولد هرتي، وقالت الأخرى: هو ولد هرتي، فقال شريح: ألقها مع هذه فإن هي قرّت ودرّت واسبطرت فهي لها، وإن هي فرت وهرت واقشعرت فيلس لها. أتى شريحا ًالقاضي قوم برجل فقالوا: إن هذا خطب النساء فسألناه عن حرفته فقال: أبيع الدواب. فزوجناه فإذا هو يبيع السنانير. قال: أوَلا قلتم أي الدواب؟ وأجاز شريح نكاحه. حدث ابن عوف أن شريحاً أقر عنده رجل بشيء ثم ذهب لينكر فقال: قد شهد عليك ابن أخت خالتك. وعن الشعبي أن عبد الله بن شريح كان بينه وبين رجل خصومه فقال لأبيه إن بيني وبين فلان خصومة، فإن كان الحق لي فأعلمني ذلك حتى أخاصمه إليك وإن كان الحق علي لم أخاصمه قال: فقال: خاصمه. قال: فجاءه بخصم فقضى عليه، فلقيه بعدما انصرف فقال: ما رأيت مثلك، إني لو لم أكن تقدمت إليك عذرتك، ولكن قد أعلمتك الأمر وسألتك أن بيني وبين فلان خصومة، فإن كان القضاء علي لم أخاصمه إليك فأمرتني أن أخاصمه! فقال: يا بنيّ، إنك لما تقدمت على أمرك كان القضاء عليك فكرهت أن أخبرك فتذهب إلى خصمك، فتصالحه وتقطع من ماله شيئاً لا حق لك فيه، فلذلك لم أخبرك. خرجت قرحة بإبهام شريح فقيل له: ألا أريتها طبيباً قال: هو الذي أخرجها.

стр. 3605

قال شريح: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد الله رزقني الصب عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني. وعن شقيق قال: قال شريح في فتنة ابن الزبير: ما استخبرت ولا أخبرت، ولا ظلمت مسلماً ولا معاهداً ديناراً ولا درهماً. قال: قلت له: لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قد مت، فأومأ إلى قلبه فقال: كيف بهذا؟ وفي رواية قال: كيف بما في صدري. تلتقي الفئتان إحداهما أحب إلي من الأخرى. قال الشعبي: شهدت شريحاً وجاءته امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينيها فبكت فقلت: يا أبا أمية، ما أظنها إلا مظلومة فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون قال عامر: سئل شريح القاضي عن الجراد: فقال: قبح الله الجرادة فيها خلقه سبعة جبابرة: رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب. قال المدائني: عرض شريح ناقة ليبيعها فقال له رجل: ما هذه؟ قال: ناقة تمشي على أربع. قال: أتبيع؟ قال: لذلك أخرجتها. قال: وبكم تبيعها؟ قال: بكذا وكذا. قال: كيف لبنها؟ قال: احلب في أي إناء شئت، قال: كيف الوطاء؟ قال: افرش ونم. قال: فكيف قوتها؟ قال: احمل على حائط أو دع. قال: فكيف نجاؤها؟ قال: علق سوطك وسر، فاشتراها منه، فقال له شريح، إن عرضت لك حاجة فسل عن أبي أمية في مسجد الكوفة، فسار بها الرجل، قال: فإذا أخبث ما سخر لأدمي، فأتى مسجد الكوفة وشريح في مجلس القضاء فقال: لم أر فيها شيئاً مما وصفت، فأدناه شريح وأفهمه ما قال له ثم أقاله. قيل للشعبي: يقال في المثل: إن شريحاً أدهى من الثعلب وأحيل. فما هذا؟ فقال

стр. 3606

إن شريحاً خرج أيام الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب فيقف تجاهه فيحاكيه ويمثل بين يديه فيشغله عن صلاته. فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة وأخرج كميه وجعل قلنسوته وعمامته عليه، فأقبل الثعلب فوقف على عادته، فأتاه شريح من خلفه فأخذه بغتة فلذلك يقول هو أدهى من الثعلب. قال الشعبي قال لنا شريح: يا شعبي عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء. قلنا: وكيف؟ قال: رجعت يوماً من جنازة مظهراً، فمررت بخباء فإذا عجوز معها جارية رود فاستسقيت، فقالت: اللبن أعجب إليك أم ماء أم نبيذ؟ قال: قلت: اللبن أعجب إليّ، قالت: يا بنية، اسقيه لبناً، فإني أظنه غريباً، فسقتني، فلما شربت قلت: من هذه الجارية؟ قالت: هذه ابنتي زينب بنت جرير إحدى نساء بني تميم ثم من بني حنظلة ثم من بني طهيّة. قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم، إن كنت كفؤاً، قال: فانصرفت إلى منزلي وامتنعت عن القائلة، فلما صليت الظهر وجهت إخواني إلى الثقات: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، فصليت العصر ثم رحب إلى عمها وهو في مسجده، فلما رآني تنحى لي عن مجلسه فقلت: أنت أحق بمجلسك ونحن طالبوا حاجة فقال: مرحباً بك يا أبا أمية ما حاجتك؟ قلت: أني قد ذكرت زينب بنت أخيك، فقال: والله ما بها عنك رغبة ولا بك عنها مقصر، قال: وتكلمت فزوجني، ثم انصرفت فما وصلت إلى منزلي حتى ندمت وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ فهممت أن أرسل إليها بطلاقها ثم قلت: لا أجمع حمقتين، ولكن أضمها إليّ فإن رأيت ما أحب حمدت الله، وإن تكن الأخرى طلقتها. فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها. فلما أهديت إليّ وقام النساء عنها قلت: يا هذه؟ إن من السنة إذا أهديت المرأة إلى زوجها أن تصلي ركعتين خلفه، ويسألا الله البركة، فقمت أصلي فإذا هي خلفي. فلما فرغت رجعت إلى مكانها، ومددت يدي إليها فقالت: على رسلك فقلت: إحداهن ورب الكعبة فقالت: الحمد لله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد. فإني امرأة غريبة ولا والله ما ركبت مركباً أصعب علي من هذا، وأنت رجل لا أعرف أخلاقك فخبرني بما تحب آته، وبما تكره أزدجر عنه، أقول قولي هذا وأستغفر لله لي ولك. فقلت: الحمد لله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد. فقد قدمت خير مقدم، قدمت على أهل دار، زوجك سيّد

стр. 3607

رجالهم، وأنت إن شاء الله سيّدة نسائهم، أحب هذا وأكره هذا. قالت: فحدثني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ قال: قلت: إني رجل قاض وأكره أن يملوني وأكره أن ينقطعوا عني. قال: فأقمت معها سنة أنا كل يوم أشد سروراً مني باليوم الذي مضى، فرجعت يوماً من مجلس القضاء فإذا عجوز تأمر وتنهي في منزلي فقلت: من هذه يا زينب؟ قالت: هذه ختنك، هذه أمي. قلت: كيف حالك يا هذه؟ قالت: كيف حالك يا أبا أمية؟ وكيف رأيت أهلك؟ قال: قلت: كل الخير. قالت: إن المرأة لا تكون أسوأ خلقاً منها في حالتين: إذا ولدت غلاماً وإذا حظيت عند زوجها، فإن رابك من أهلك ريب فالسوط السوط. قلت: أشهد أنها ابنتك، قد كفيتني الرياضة وأحسنت الأدب، فكانت تجيئني في كل حول مرة فتوصي بهذه الوصية، ثم تنصرف، فأقمت معها عشرين سنة ما غضبت عليها يوماً ولا ليلة إلا يوماً وكنت لها ظالماً، وذلك إني ركعت ركعتي الفجر وأبصرت عقربا فعجلت عن قتلها، فكفأت عليها الإناء وبادرت إلى الصلاة وقلت: يا زينب، إياك والإناء فعجلت إليه فحركته فضربها العقرب، فلو رأيتني يا شعبي وأنا أمصّ أصبعها وأقرأ عليها المعوذتين، وكان لي جار يقال له قيس لا يزال يقرع مرأته فعند ذلك أقول: من الطويل رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني حين أضرب زينبا يا شعبي، فعليك بنساء بني تميم فإنهن النساء. أوصى شريح أن يصلى عليه بالجبّانة، وأن لا يؤذن به أحد، ولا تتبعه صائحة وألا يجعل على قبره نور، أن يسرع به السير، وأن يلحد له. مات شريح سنة ثمانين. وقيل: سنة ست وسبعين. وقيل: سنة ثمان وسبعين، وهو ابن مئة وعشرين سنة. وقيل: ابن مئة وعشر سنين. وقيل: مئة وثمان سنين. بعدما عزل عن القضاء لسنتين. وقيل: توفي سنة سبع وثمانين.

стр. 3608

شريح بن عبيد بن شريح ابن عبد بن عريب أبو الصلت وأبو الصواب، المقرائي الحضرمي الحمصي قدم دمشق، وكان بها حين قتل عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص. حدث عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن أول عظم يتكلم من الإنسان حين يختم على الأفواه، يعني فخذه. وذكر كلاماً لم أفهمه. وحدث عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: قال الله : " ابن آدم، صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " قال شريح بن عبيد: حضرت عبد الملك بن مروان قال لبشير بن عقربة الجهني يوم قتل عمر بن سعيد: يا أبا اليمان، اليوم احتجت إلى كلامك قم فتكلم، فقال: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من قام بخطبة لا يلتمس بها إلا رياء وسمعة أوقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة. " شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك ويقال: ابن هانئ بن يزيد بن الحارث بن كعب ويقال غير ذلك، أبو المقدام الحارثي الكوفي أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ولم يره، وكان من كبار أصحاب علي ﵇. وشهد بحكم الحكمين بدومة الجندل في صحابة عليّ، وقدم على معاوية فشفع في كثير بن شهاب الحارثي حين حبسه فأطلقه له. حدث ابن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بذلك، فأتيت علياً فسألته عن المسح على الخفين فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثاً.

стр. 3609

قال شريح: قلت لعائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع؟ قالت: كان يصلي ركعتين قبل الفجر، ثم يخرج فيصلي فإذا دخل تسوّك. وعن شريح أنه سأل عائشة: أخبريني بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا رجع إليك من المسجد؟ قالت: كان يبدأ بالسواك. وعن زياد بن النضر أن علياً بعث أبا موسى الأشعري ومعه أربع مئة رجل عليهم شريح بن هانئ ومعهم عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمرهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربع مئة من أهل الشام حتى توافوا بدومة الجندل. قتل شريح بسجستان زمن الحجاج مع عبيد الله بن أبي بكرة وهو الذي يرتجز ويقول وكان جاهلياً إسلامياً: أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا ثمّت أدركت النبي المنذرا ... وبعده صديقه وعمرا والجمع في صفينهم والنهرا ... ويوم مهران ويوم تسترا وبا خميراوات والمشقّرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا وعاش شريح بن هانئ عشرين ومئة سنة. وقيل: مئة وعشر سنين. وقتل سنة ثمان وسبعين.

стр. 3610

شريك بن الأعور واسم الأعور الحارث، الحارثي شاعر من أهل البصرة. وقد وفد على عمر بن الخطاب، وكان من أصحاب عليّ، شهد معه الجمل وصفين، ووفد على معاوية بن أبي سفيان. جلس معاوية ذات يوم، بين يديه السماطا (ن، فدخل الناس وأشراف العرب، ودخل فيمن دخل شريك بن الأعور الحارثي وافداً، فلما أن اطمأن به مجلسه نظر إليه معاوية فقال: ما اسمك؟ قال: شريك، فقال معاوية: ما لله من شريك، وإنك لأعور، الصحيح خير من الأعور، وإنك لدميم والجميل خير من الدميم، فبم سدت قومك؟ فقال له شريك: والله لقد أحميت أنفي ولا بد من إجابتك، فوالله إنك لمعاوية، وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب، السلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت فاستصغرت، فبم سدت قومك؟ فقال: يا غلام، أقمه، فقام شريك وأنشأ يقول: من الوافر أيشتمني معاوية بن صخر ... وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من ذوي يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان تعيرني الدمامة من سفاه ... وربات الحجال من الغواني ذوات الدلّ في خيرات عصب ... يحيون الهجان مع الحسان فلا تبسط لسانك يا بن حرب ... علينا إذا بلغت مدى الأماني متى ما تدع قومك أدع قومي ... وتخف الأسنة بالطعان يجيبني (ُ كلّ غطريف شجاع ... كريم قد توشح باليماني فإن تك للشقاء لنا أميراً ... فإنا لا نقرّ على الهوان وإن تك أمية في ذراها ... فإني في ذوي عبد المدان توفي شريك بالكوفة قبل مقتل الحسين بن علي ﵉ بيسير.
следующие страницы →