← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

إن شريحاً خرج أيام الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب فيقف تجاهه فيحاكيه ويمثل بين يديه فيشغله عن صلاته. فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة وأخرج كميه وجعل قلنسوته وعمامته عليه، فأقبل الثعلب فوقف على عادته، فأتاه شريح من خلفه فأخذه بغتة فلذلك يقول هو أدهى من الثعلب. قال الشعبي قال لنا شريح: يا شعبي عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء. قلنا: وكيف؟ قال: رجعت يوماً من جنازة مظهراً، فمررت بخباء فإذا عجوز معها جارية رود فاستسقيت، فقالت: اللبن أعجب إليك أم ماء أم نبيذ؟ قال: قلت: اللبن أعجب إليّ، قالت: يا بنية، اسقيه لبناً، فإني أظنه غريباً، فسقتني، فلما شربت قلت: من هذه الجارية؟ قالت: هذه ابنتي زينب بنت جرير إحدى نساء بني تميم ثم من بني حنظلة ثم من بني طهيّة. قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم، إن كنت كفؤاً، قال: فانصرفت إلى منزلي وامتنعت عن القائلة، فلما صليت الظهر وجهت إخواني إلى الثقات: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، فصليت العصر ثم رحب إلى عمها وهو في مسجده، فلما رآني تنحى لي عن مجلسه فقلت: أنت أحق بمجلسك ونحن طالبوا حاجة فقال: مرحباً بك يا أبا أمية ما حاجتك؟ قلت: أني قد ذكرت زينب بنت أخيك، فقال: والله ما بها عنك رغبة ولا بك عنها مقصر، قال: وتكلمت فزوجني، ثم انصرفت فما وصلت إلى منزلي حتى ندمت وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ فهممت أن أرسل إليها بطلاقها ثم قلت: لا أجمع حمقتين، ولكن أضمها إليّ فإن رأيت ما أحب حمدت الله، وإن تكن الأخرى طلقتها. فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها. فلما أهديت إليّ وقام النساء عنها قلت: يا هذه؟ إن من السنة إذا أهديت المرأة إلى زوجها أن تصلي ركعتين خلفه، ويسألا الله البركة، فقمت أصلي فإذا هي خلفي. فلما فرغت رجعت إلى مكانها، ومددت يدي إليها فقالت: على رسلك فقلت: إحداهن ورب الكعبة فقالت: الحمد لله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد. فإني امرأة غريبة ولا والله ما ركبت مركباً أصعب علي من هذا، وأنت رجل لا أعرف أخلاقك فخبرني بما تحب آته، وبما تكره أزدجر عنه، أقول قولي هذا وأستغفر لله لي ولك. فقلت: الحمد لله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد. فقد قدمت خير مقدم، قدمت على أهل دار، زوجك سيّد

стр. 3607

رجالهم، وأنت إن شاء الله سيّدة نسائهم، أحب هذا وأكره هذا. قالت: فحدثني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ قال: قلت: إني رجل قاض وأكره أن يملوني وأكره أن ينقطعوا عني. قال: فأقمت معها سنة أنا كل يوم أشد سروراً مني باليوم الذي مضى، فرجعت يوماً من مجلس القضاء فإذا عجوز تأمر وتنهي في منزلي فقلت: من هذه يا زينب؟ قالت: هذه ختنك، هذه أمي. قلت: كيف حالك يا هذه؟ قالت: كيف حالك يا أبا أمية؟ وكيف رأيت أهلك؟ قال: قلت: كل الخير. قالت: إن المرأة لا تكون أسوأ خلقاً منها في حالتين: إذا ولدت غلاماً وإذا حظيت عند زوجها، فإن رابك من أهلك ريب فالسوط السوط. قلت: أشهد أنها ابنتك، قد كفيتني الرياضة وأحسنت الأدب، فكانت تجيئني في كل حول مرة فتوصي بهذه الوصية، ثم تنصرف، فأقمت معها عشرين سنة ما غضبت عليها يوماً ولا ليلة إلا يوماً وكنت لها ظالماً، وذلك إني ركعت ركعتي الفجر وأبصرت عقربا فعجلت عن قتلها، فكفأت عليها الإناء وبادرت إلى الصلاة وقلت: يا زينب، إياك والإناء فعجلت إليه فحركته فضربها العقرب، فلو رأيتني يا شعبي وأنا أمصّ أصبعها وأقرأ عليها المعوذتين، وكان لي جار يقال له قيس لا يزال يقرع مرأته فعند ذلك أقول: من الطويل رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني حين أضرب زينبا يا شعبي، فعليك بنساء بني تميم فإنهن النساء. أوصى شريح أن يصلى عليه بالجبّانة، وأن لا يؤذن به أحد، ولا تتبعه صائحة وألا يجعل على قبره نور، أن يسرع به السير، وأن يلحد له. مات شريح سنة ثمانين. وقيل: سنة ست وسبعين. وقيل: سنة ثمان وسبعين، وهو ابن مئة وعشرين سنة. وقيل: ابن مئة وعشر سنين. وقيل: مئة وثمان سنين. بعدما عزل عن القضاء لسنتين. وقيل: توفي سنة سبع وثمانين.

стр. 3608

شريح بن عبيد بن شريح ابن عبد بن عريب أبو الصلت وأبو الصواب، المقرائي الحضرمي الحمصي قدم دمشق، وكان بها حين قتل عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص. حدث عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن أول عظم يتكلم من الإنسان حين يختم على الأفواه، يعني فخذه. وذكر كلاماً لم أفهمه. وحدث عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: قال الله : " ابن آدم، صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " قال شريح بن عبيد: حضرت عبد الملك بن مروان قال لبشير بن عقربة الجهني يوم قتل عمر بن سعيد: يا أبا اليمان، اليوم احتجت إلى كلامك قم فتكلم، فقال: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من قام بخطبة لا يلتمس بها إلا رياء وسمعة أوقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة. " شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك ويقال: ابن هانئ بن يزيد بن الحارث بن كعب ويقال غير ذلك، أبو المقدام الحارثي الكوفي أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ولم يره، وكان من كبار أصحاب علي ﵇. وشهد بحكم الحكمين بدومة الجندل في صحابة عليّ، وقدم على معاوية فشفع في كثير بن شهاب الحارثي حين حبسه فأطلقه له. حدث ابن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بذلك، فأتيت علياً فسألته عن المسح على الخفين فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثاً.

стр. 3609

قال شريح: قلت لعائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع؟ قالت: كان يصلي ركعتين قبل الفجر، ثم يخرج فيصلي فإذا دخل تسوّك. وعن شريح أنه سأل عائشة: أخبريني بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا رجع إليك من المسجد؟ قالت: كان يبدأ بالسواك. وعن زياد بن النضر أن علياً بعث أبا موسى الأشعري ومعه أربع مئة رجل عليهم شريح بن هانئ ومعهم عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمرهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربع مئة من أهل الشام حتى توافوا بدومة الجندل. قتل شريح بسجستان زمن الحجاج مع عبيد الله بن أبي بكرة وهو الذي يرتجز ويقول وكان جاهلياً إسلامياً: أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا ثمّت أدركت النبي المنذرا ... وبعده صديقه وعمرا والجمع في صفينهم والنهرا ... ويوم مهران ويوم تسترا وبا خميراوات والمشقّرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا وعاش شريح بن هانئ عشرين ومئة سنة. وقيل: مئة وعشر سنين. وقتل سنة ثمان وسبعين.

стр. 3610

شريك بن الأعور واسم الأعور الحارث، الحارثي شاعر من أهل البصرة. وقد وفد على عمر بن الخطاب، وكان من أصحاب عليّ، شهد معه الجمل وصفين، ووفد على معاوية بن أبي سفيان. جلس معاوية ذات يوم، بين يديه السماطا (ن، فدخل الناس وأشراف العرب، ودخل فيمن دخل شريك بن الأعور الحارثي وافداً، فلما أن اطمأن به مجلسه نظر إليه معاوية فقال: ما اسمك؟ قال: شريك، فقال معاوية: ما لله من شريك، وإنك لأعور، الصحيح خير من الأعور، وإنك لدميم والجميل خير من الدميم، فبم سدت قومك؟ فقال له شريك: والله لقد أحميت أنفي ولا بد من إجابتك، فوالله إنك لمعاوية، وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب، السلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت فاستصغرت، فبم سدت قومك؟ فقال: يا غلام، أقمه، فقام شريك وأنشأ يقول: من الوافر أيشتمني معاوية بن صخر ... وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من ذوي يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان تعيرني الدمامة من سفاه ... وربات الحجال من الغواني ذوات الدلّ في خيرات عصب ... يحيون الهجان مع الحسان فلا تبسط لسانك يا بن حرب ... علينا إذا بلغت مدى الأماني متى ما تدع قومك أدع قومي ... وتخف الأسنة بالطعان يجيبني (ُ كلّ غطريف شجاع ... كريم قد توشح باليماني فإن تك للشقاء لنا أميراً ... فإنا لا نقرّ على الهوان وإن تك أمية في ذراها ... فإني في ذوي عبد المدان توفي شريك بالكوفة قبل مقتل الحسين بن علي ﵉ بيسير.

стр. 3611

شريك بن سلمة المرادي شهد صفين مع معاوية. وقيل أنه أحد قتلة عمار بن ياسر، وكان عمار بن ياسر قتل وهو ابن إحدى وتسعين سنة. وكان أقدم في الميلاد من رسول الله ﷺ وكان أقبل أليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني، وعمر بن الحارث الخولاني، وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه جميعاً وهو يقول: والله، لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر علمت أنا على حق، وأنتم على باطل، فحملوا عليه جميعاً فقتلوه. وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي قتل عماراً، وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان بن عفان، ويقال: بل الذي قتله عمر بن الحارث الخولاني. وقيل: إن قاتل عمار أبو الغادية يسار بن سبع الجهني، ويقال: المزني. شريك بن شداد الحضرمي الشيعي كوفي من التابعين. أحد الاثني عشر الذي قدم بهم من الكوفة مع حجر بن عدي إلى عذراء وقتل بها. حدث رجل من أهل البصرة قال: خرجت أريد بيت المقدس فآواني المطر صومعة راهب، فأشرف عليّ فقال: أين تريد؟ قلت: بيت المقدس، قال: ثم أين؟ قلت: المدينة. قال: هل أنت مبلغ عني كعب الأحبار رسالة؟ قال، فقلت: نعم، إلا أن أنسى أو أموت. قال: قل له إذا لقيته: إنّ راهب بني فلان يقول لك: ما بال مسجد العطموس؟ فقدمت بيت المقدس، فقضيت حاجتي ثم أتيت المدينة، فلقيت كعباً فبلغته رسالة الراهب فقال: إذا قضيت حاجتك وأردت الرجعة فائتني، فأتيته حين قضيت حاجتي، فقال: إذا أتيته فقل له: إن كعباً يقول لك: ما حال قتلى عذراء؟ فلما أن لقيته قلت: إن باً يقول كذا وكذا، فقال: قاتل الله كعباً، ما بقي أحد أعلم منه، ثم انقمع في صومعته فقلت: إني قد بلغتك عن كعب وأبلغت كعباً عنك، ثم أخرج من بينكما صفراً؟ والله، لا أبرح حتى تخبرني أو تأكلني السباع، فتحمل دمي. قال: فجعل يلاحظني النظر، فلما رآني لا أبرح أشرف علي فقال: إنا نجد في كتابنا أن قوماً من أهل دينكم يقتلون بعذراء لا حساب عليهم ولا عذاب، قال: فما مكثت إلا يسيراَ حتى جيء بحجر بن عدي وأصحابه فقتلوا بعذراء.

стр. 3612

شعيب بن يوبب بن عنقاء بن مدين ويقال: شعيب بن يوبب بن مدين بن إبراهيم. ويقال: شعيب بن صيعون بن عنقاء ابن ثابت بن مدين بن إبراهيم. ويقال: شعيب بن سحر ين لاوي بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم. ويقال: شعيب بن مهذم بن سحول، وسحول حمير ويقال: شعيب بن عمرو بن نصر بن الأزد. ويقال: شعيب ابن مهذم بن ذي مهذم بن المقدم بن حصور نبي الله ﷺ المذكور في القرآن، وجدته - ويقال أمه - ابنة لوط ﵇. كان ممن هاجر مع إبراهيم ﵉ من أرض بابل إلى الشام واجتاز معه دمشق. وذكر وهب بن منبه أن شعيباً وبلعم كانا من رهط آمنوا بإبراهيم ﵇ يوم أحرق بالنار، وهاجروا معه إلى الشام فزوجهم بنات لوط ﵇ وقيل: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيباً في التوراة اسمه ميكائيل، واسمه بالسريانية حرى بن يسحر، وبالعبرانية شعيب، وعن الشرقي بن القطامي وكان عالماً بالأنساب قال: هو يثروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية، ابن عنقاء بن يوبب بن إبراهيم، كل هؤلاء ينسبونه إلى إبراهيم ﵇. ويقال: شعيب بن ميكائيل، واسمه بالعبرانية تيروب بن جري. وعن أبي الحسن الدارقطني قال: يوبب أوله ياء مفتوحة معجمة باثنتين من تحتها وواو وباءان هو شعيب بن يوبب، وولد شعيب امرأتين إحداهما صفوراء امرأة موسى بن عمران ﵉. قال الكلبي: شعيب النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم ابن يوبب بن عنقاء بن مدين، ومالك بن دعر بن يوبب بن عنقاء بن مدين هو الذي استخرج يوسف من الجب.

стр. 3613

وعن ابن عباس في قوله : " واذكر في الكتاب إبراهيم إنّه كان صديقاً نبيّاً " قال: كان الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وصالح، وهود، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه. ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى فإسرائيل يعقوب، وعيسى المسيح ﵈. وعن قتادة أن نوحاً صلى الله على نبينا وعليه بعث من أرض الجزيرة، وهوداً صلى الله على نبينا وعليه وسلم من أرض الشحر أرض مهرة، وصالحاً صلى الله على نبينا وعليه وسلم من الحجر، ولوطاً صلى الله على نبينا وعليه من سدوم، وشعيباً صلى الله على نبينا وعليه وسلم من مدين، ومات إبراهيم وآدم وإسحاق ويوسف بأرض فلسطين، وقتل يحيى بن زكريا بدمشق. وعن سعيد بن عبد العزيز في قوله " فاصبروا كما صبر أولو العزم من الرسل " قال: هم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى صلى الله على نبينا وعليهم وسلم. وعن ابن عباس أنه قال: كان شعيب ﵇ نبياً رسولاً من بعد يوسف وكان من خبره وخبر قومه ما ذكره الله . يقول الله : " وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ". فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكاييلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم بنبيهم ﷺ . قال عكرمة: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.

стр. 3614

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: " إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيب النبي ﷺ " وقال قتادة: في قول الله " وأصحاب الرّسّ " قال: قوم شعيب وقيل: إن الأيكة ومدين هما واحد. والله أعلم. فأما من قال منهم إنه بعث مرتين فقال في قصة مدين " وإلى مدين أخاهم شعيباً قال: يا قوم اعبدوا الله " فبدأ فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته فذلك قوله: " ما لكم من إله غيره " وأمرهم بعد ذلك بالكف عن ظلم الناس وبخسهم مكاييلهم، فقال لهم: " قد جئتكم ببينة من ربكم " يعني بياناً من ربكم " فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم " " ولا تعثوا في الأرض مفسدين ". قال: فما دعاهم إلى ذلك كذبوه وردوا عليه نصيحته وقالوا: يا شعيب أصلواتك هذه تأمرك وكان أكثر الأنبياء صلاة فلذلك قالوا: " أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا " يعني نترك عبادة آلهة آبائنا " أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " نوفي لمن نشاء ونبخس من نشاء " إنك لأنت الحليم الرّشيد " يقولون: إنك لأنت الأحمق السفيه، يشهرون به

стр. 3615

وعن ابن عباس أنهم كانوا إذا دخل عليهم الغريب فيأخذون دراهمه، ويقولون: دراهمك هذه زيوف. فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس يعني: بالنقصان، قيل: كانوا يأخذون دراهم جياداً من الناس، فيقطعونها ثم يعطونهم بدلها من عندهم زيوفاً نفاية، فذلك بخسهم، مع ما كانوا يطففون في الكيل. وعن ابن عباس قال: قال شعيب " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين " يقول لا تعملوا في الأرض بالمعاصي. قال: كانوا يخرجون وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، قال: فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب، يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم. فذلك قوله " ولا تقعدوا بكلّ صراط توعدون " الناس إن اتبعتم شعيباً فتنكم وهو كذاب " وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً " قال ابن عباس: كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم، يعني يعشرونه. وكانوا أول من سنّ ذلك. وقال الحسن في قوله " إني أراكم بخير " قال: رخص السعر. وعن الزبرقان قال: رأيت الأحنف صلى بعد العصر. قلت يا أبا بحر، ما هذه الصلاة؟ قال: يا بن أخي، إن شعيباً يعني النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم كان كثير الصلاة. وكان سيدنا رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيباً قال: ذلك خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم

стр. 3616

إليه وفيما ردوا عليه، وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم، وتوعد كبراؤهم ضعفاءهم فقالوا: " لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون " فلم ينته شعيب أن دعاهم فقال لهم: يا قوم، اذكروا قوم نوح وعاد وثمود " وما قوم لوط منكم ببعيد " وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب، كانوا أقربهم عهداً بالهلاك " واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم " لمن تاب إليه من الذنب، " ودود " يعني: يحبه ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده، فردوا عليه فقالوا: " يا شعيب، ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً " كان أعمى ضعيفاً، وقيل: أي ضعيف الركن لا عقب له، يعني، لا ابن له وكان له ابنتان " ولولا رهطك " يعني عشيرتك التي أنت منهم " لرجمناك " يعني لقتلناك " وما أنت علينا بعزيز " فلما عتوا على الله : " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " فأما في سورة هود " في ديارهم " يعني في منازلهم " جاثمين " وأما في الأعراف " دارهم " يعني: في عساكرهم ميتين. وقوله " كأن لم يغنوا فيها " يعني: كأن لم ينعموا فيها. ولما قالوا له: " ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " قال: يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله " قالوا: بل الله. قال: أفاتخذتم الله " وراءكم ظهرياً " يعني: تركتم أمره وكذبتم نبيه، غير أن علم ربي أحاط بكم " إن ربي بما تعملون محيط " وقوله: " إنما أنت من المسحرين " أي من المخلوقين. وقوله : " وإنا لنراك فينا ضعيفاً " قال: كان أعمى. وإنما عمي من بكائه من حب الله .

стр. 3617

عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : " بكى شعيب النبي ﷺ من حب الله حتى عمي، فرد عليه بصره وأوحى إليه: يا شعيب، ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟ فقال: إلهي وسيدي، أنت تعلم أني ما أبكي شوقاً إلى جنتك، ولا خوفاً من النار، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب، إن يكن ذلك حقاً فهنيئاً لك لقائي. يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي. وعن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: يا بن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. قال: أوبلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله " لم تقولون ما لا تفعلون " أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. قال ابن عباس في قوله " فأخذتهم الصيحة " يعني قوم شعيب قال: جاءت صيحة، وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض، فخرجت أرواحهم من أبدانهم فذلك قوله " فأخذتهم الرجفة " وذلك حين سمعوا الصيحة قاموا قياماً، وفزعوا لها، فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين. يقول الله : " ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود " يقول: ألا سحقاً لهم.

стр. 3618

وبعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفك بهم مغانيهم، فألفى رجلاً قائماً يتلو كتاب الله ، فهاله أن يهلكه فيمن يهلك فرجع إلى المعراج فقال: اللهم، أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لآفك مغانيهم فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله فهالني أن أهلكه فيمن أهلك، فأوحى الله تعالى: ما أعرفني به، هو فلان بن فلان فابدأ به، فإنه لم يدفع عن محاربتي إلا موادعاً. وقيل: كان أصحاب الأيكة أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين. قال تعالى: " كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب " ولم يقل أخوهم، لأنه لم يكن من جنسهم. وقوله : " فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ". قال ابن عباس: أرسل الله عليهم سموماً من جهنم فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلهم هاربين. قال: والسموم معهم، فسلط الله عليه الشمس من فوق رؤوسهم، فبغتتهم حتى تفلقت منها جماجمهم، وسلط عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم أنشأ لهم ظلة كالسحابة السوداء. فلما رأوها ابتدروها، يستعينون بظلها، تبردهم ما هم فيه من الحر حتى إذا كانوا تحتها جميعاً أطبقت عليهم فهلكوا، ونجى الله شعيباً والذين آمنوا معه رحمة منه وحزن على قومه الذين أنزل الله بهم النقمة، ثم قال يعزي نفسه بما ذكر الله : " يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ". وقال زيد بن أسلم: قوله " عذاب يوم الظلة " قال: صارت الغمام عليهم ناراً.

стр. 3619

وعن ابن عباس أن شعيباً كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم قال: إنما أنزل الله من السماء صحفاً على آدم وإدريس ونوح وإبراهيم. وكان أنزل على شيث خمسون صحيفة. وعن أبي حازم قال: لما رجعتا إلى أبيهما " يعني ابنتي شعيب " أخبرتاه خبر موسى فقال أبوهما وهو شعيب ﵇: ينبغي أن يكون هذا رجلاً جائعاً، ثم قال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فلما أتته غطت وجهها وقالت " إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " فلما قالت " أجر ما سقيت لنا " كره موسى ذلك وأراد ألا يتبعها، ولم يجد بداً من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف فخرج معها، وكان الريح يضرب ثوبها فيصف لموسى عجيزتها، وكانت ذات عجز، فجعل موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام يعرض عنها مرة ويغض مرة، فناداها: يا أمة الله، كوني خلفي وأريني السمت بقولك. فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء تهياً، فقال له شعيب: اجلس يا شاب، فتعش، فقال له موسى: أعوذ بالله، فقال له شعيب: ول ذلك؟ ألست بجائع؟ قال: بلى. ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا يبتغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً. فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام. قال: فجلس موسى فأكل. وعن أبن عباس أنه قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل وشعيب على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فقبر إسماعيل في الحجر وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وقال وهب بن منبه: إن شعيباً مات بمكة، ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم.

стр. 3620

شعيب بن أحمد بن عبد الحميد ابن صالح بن ذريح بن يحيى بن عبد الله بن صالح بن الفتح أبو عبد الملك القرشي، مولى الزبير بن العوام حدث عن أبيه بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا معاوية، إياك والغضب، فإن الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل ". شعيب بن إسحاق بن شعيب بن إسحاق أبو محمد القرشي حدث عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس ". شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن راشد القرشي، مولاهم دمشقي. حدث عن هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقي الله يشرب به شيئاً دخل النار ". وحدث عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: " لا تتقدموا الشهر بيوم أو اثنين إلا رجل كان يصوم صياماً فليصمه ". توفي شعيب سنة تسع وثمانين ومئة، وهو ابن إحدى وسبعين. وقيل كان مولى رملة بنت عثمان بن عفان.

стр. 3621

شعيب بن دينار أبو بشر بن أبي حمزة الحضرمي مولى بني أمية. كان كاتباً لهشام بن عبد الملك بالرصافة، واجتاز بدمشق. حدث عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ما مست النار. توفي شعيب بن أبي حمزة سنة اثنتين وستين ومئة، وقيل سنة ثلاث وستين ومئة. شعيب بن رزيق أبو شيبة الشامي المقدسي سكن طرسوس. واجتاز بدمشق أو بأعمالها. حدث عن عطاء الخراساني قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: رأيت عثمان قاعداً في المقاعد، فدعا بطعام مما مسته النار فأكله، ثم قام إلى الصلاة فصلى ثم قال عثمان: قعدت مقعد رسول الله ﷺ وأكلت طعام رسول الله ﷺ وصليت صلاة رسول الله ﷺ . وحدث عنه عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يتطوع الإمام في مقامه الذي صلى فيه وللناس فيه المكتوبة ". وحدث عنه بسنده عن بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " احذروا كل مسكر، فإن كل مسكر حرام ". شعيب بن سهل بن كثير أبو صالح الرازي القاضي المعروف بشعبويه قدم دمشق مع المتوكل حدث عن الصباح بن محارب بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : " أفضلكم من علم القرآن وتعلمه ".

стр. 3622

كان شعيب بن سهل قاضي بغداد، جهمياً. قال الحارث بن أبي أسامة: سنة سبع وعشرين ومئتين، وثب قوم يوم الجمعة في مسجد الرصافة على رجلين من الجهمية فضربوهما وأذلوهما، ومضوا إلى مسجد شعيب بن سهل القاضي يريدون محو كتاب كان كتبه على مسجد يذكر فيه أن القرآن مخلوق فأشرف عليهم خادم لشعيب فرماهم بالنشاب، فوثبوا فأحرقوا باب شعيب، وانتهب ناس منزله، وأرادوا نفسه، فهرب منهم. وهو أول قاض حرق بابه وانتهب منزله، وكان جهمياً مبغضاً لأهل السنة، متحاملاً عليهم، منتقصاً لهم لا يقبل لأحد منهم صرفاً ولا عدلاً. وتوفي سنة ست وأربعين ومئتين وكان ينفي الصفات والرؤية. شعيب بن شعيب بن إسحاق أبو محمد القرشي توفي أبوه وهو حمل. فلما ولد سمي باسمه وكني بكنيته. حدث عن أبي المغيرة بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا سها أحدكم في صلاته فلا يدري أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس ". وحدث عن مروان بن محمد بسنده عن عائشة أن النبي ﷺ صلى العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها مات شعيب بن شعيب بدمشق سنة أربع وستين ومئتين. وولد في سنة تسعين ومئة. شعيب بن شعيب بن مسلم بن شعيب حدث عن جده مسلم بن شعيب بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أسرف عبد على نفسه حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من خلقه بعد، ففعل أهله ذلك. قال: فقال الله ﵎ لكل شيء أخذ منها شيئاً: ردّ

стр. 3623

ما أخذت منه، فإذا هو قائم فقال الله: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. قال: فغفر الله له. شعيب بن عبد الرحمن بن عمر ابن نصر بن محمد، أبو عبد الله الشيباني الدباغ حدث عن أبي العباس محمد بن الحسن الكلابي بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم يوم لا ظل إلا ظلي ". كان شعيب يقول: بلغني أن من حق الولد على والده أن يحسن اسمه وصنعته ومسكنه، ولم يصنع بي أبي شيئاً من لك: سماني شعيباً وأسلمني دباغاً، وأسكنن في حارة اليهود. أو كما قال. شعيب بن عمرو بن نصر ويقال: ابن عمرو بن سهل، أبو محمد الضبعي سكن دمشق. حدث عن سفيان بسنده عن ميمونة أن النبي ﷺ مر بشاة لها ميتة قال: " ألا نزعتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ " قالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. قال: " إنما حرم أكلها ". وحدث عن يزيد بن هارون بسنده عن أنس أن النبي ﷺ واصل في آخر الشهر، فواصل ناس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " لو مد لنا الشهر لواصلت وصالاً، يدع المتعمقون تعمقهم. إنكم لستم كهيئتي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ".

стр. 3624

شعيب بن محمد بن عبد الله ابن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي من أهل الحجاز. حدث عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: صم يوماً ولك عشرة أيام. قال: زدني يا رسول الله. قال: صم يومين ولك تسعة أيام. قال: زدني يا رسول الله. قال: صم ثلاثة أيام ولك ثمانية أيام. قال ثابت: فأخبرت بذلك مطرف بن عبد الله فقال: مأراه إلا يزداد في العمل وينقص من الأجر. قال: كذا ذكر وإنما هو عن جده وحدث أنه طاف مع عبد الله سبعاً. فلما فرغ قال له شعيب عند دبر الكعبة: ألا تتعوذ؟ فقال عبد الله: أعوذ بالله من النار. فلما استلم الحجر قام بين الحجر والباب فألصق وجهه وبطنه ويديه إلى الكعبة ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وحدث شعيب أيضاً أن رجلاً جاء حين قدم الحاج إلى جده عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن رجل محرم قع بامرأته، فأرسله إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذاك فسله، فلم يعرفه الرجل. قال شعيب: فذهبت معه فسأل ابن عمر عن ذلك فقال: بطل حجه. قال: فيقعد؟ قال: فقال: لا بل يخرج فيصنع ما يصنع الناس، فإذا أدركه قابل حج وأهدي فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره بذلك فقال عبد الله بن عمرو: اذهب إلى ذاك فسله، فأرسله إلى عبد الله بن عباس. قال شعيب: وذهبت معه فسأله فقال مثل قول ابن عمر ثم رجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فأخبره بقوله فقال: ماذا تقول أنت؟ قال: أقول مثل ما قالا.

стр. 3625

شعيب بن الهيثم بن إبراهيم ابن يزيد بن غيلان أبو محمد القرشي البيروتي حدث عن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي بسنده عن خزيمة بن ثابت أنه قال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن ". شقران السلاماني مولى سلامان من قضاعة، شاعر من شعراء دولة بني أمية. وفد على الوليد بن يزيد وكان مداحاً له، وهاجى ابن ميادة. ومن شعره يرثي أخاه: من الطويل ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الفراق قليل وإن افتقادي واحداً بعد واحد ... دليل على ألا يدوم خليل قال ابن الأعرابي: قوله: برد الأمور الماضيات وكيل أي أتعزى بالأسى التي أصيب بها الناس قبلي، وأقول: ما ت فلان وفلان، لأتعزى. شقيق بن إبراهيم أبو علي الأزدي البلخي الزاهد أحد شيوخ التصوف. صحب إبراهيم بن أدهم. حدث عن إبراهيم بن أدهم بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ثم كان الاثنان أحب إليكم من الواحد لم تبلغوا الاستقامة. وحدث عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالم يدعوكم من الخمس إلى الخمس، من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد ".

стр. 3626

وحدث عن إبراهيم بن أدهم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالساً، فقلت: يا رسول الله، إنك تصلي جالساً فما أصابك؟ قال: الجوع يا أبا هريرة، فبكيت، فقال: لا تبك يا أبا هريرة، فإن شدة الحساب لا تصيب الجائع إذا احتسب. وحدث شقيق بن إبراهيم، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة المداوم على عبادة ربه، عن أبي هاشم الأبلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من قضى حاجة المسلم في الله كتب له الله عمر الدنيا سبعة آلاف صيام نهاره وقيام ليله ". قال حاتم الأصم: كان شقيق بن إبراهيم موسراً، وكان يتفتى ويعاشر الفتيان، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ يحب كلاب الصيد، ففقد كلباً منها، فسُعي برجل أنه عنده، وكان الرجل في جوار شقيق، فطلب الرجل وضرب، فدخل دار شقيق مستجيراً، فمضى شقيق إلى الأمير وقال: خلوا سبيله فإن الكلب عندي أرده إليكم إلى ثلاثة أيام، فخلوا سبيله، وانصرف شقيق مهتماً لما صنع. فلما كان اليوم الثالث كان رجل غائباً عن بلخ رجع، فوجد في الطريق كلباً عليه قلادة فأخذه وقال: أهديه إلى شقيق فإنه يشتغل بالتفتي فحمله إليه، فنظر شقيق فإذا هو كلب الأمير، فسر به وحمله إلى الأمير، وتخلص من الضمان، فرزقه الله الانتباه، وتاب مما كان فيه وسلك طريق الزهد. قال خلف بن تميم: التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق بمكة فقال إبراهيم لشقيق: ما بدء أمرك الذي بلغك هذا؟ فقال: سرت في بعض الفلوات، فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فلاة من الأرض، فقلت: انظر من أين يرزق هذا، فقعدت بحذائه، فإذا أنا بطير قد أقبل في منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين، فقلت لنفسي: يا نفس، الذي قيض هذا الطائر الصحيح لهذا الطائر المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر أن يرزقني حيثما كنت، فتركت التكسب، واشتغلت بالعبادة. فقال إبراهيم: يا شقيق، ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت من النبي ﷺ : اليد العليا

стр. 3627

خير من اليد السفلى؟ ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار؟ قال: فأخذ يد إبراهيم يقبلها وقال له: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق. قال حاتم: قدم شقيق بن إبراهيم من الكوفة يريد مكة، فلقيه سفيان الثوري فقال له: أنت الذي يدعو إلى التوكيل ويمنع المكاسب؟ فقال: شقيق ما قلت كذا. قال: أيش قلت؟ قال: قلت: حلال بيّن وحرام بيّن ومتشابه فيما بين ذلك ولكن دخلت الآفة من الخاصة على العامة. وهم خمس طبقات: فأولهم العلماء، والثاني الزهاد، والثالث الغزاة، والرابع التجار، والخامس السلطان. فأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم. وإذا كان العالم طامعاً جامعاً فالجاهل بمن يقتدي؟ وأما الزهاد فهم ملوك الأرض. فإذا كان الزاهد يرغب فيما في أيدي الناس فالراغب بمن يقتدي؟ وأما الغزاة فهم أضياف الله في أرضه. فإذا كان الغازي يحب الخيلاء والتصدر في المجالس فمن يغزو؟ وأما التجار فهم أمناء الله في أرضه، فإذا كان التاجر الأمين خائناً فالخائن بمن يقتدي؟ وأما السلطان فهم الرعاة، فإذا كان الراعي هو الذئب فالذئب ما يجد ما يأكل. يا سفيان، لا تجمعن منها إلا قدر مقامك فيها، فقام سفيان ولم يردّ عليه شيئاً. قال شقيق: التوكل طمأنينة القلب بموعود الله. كان شقيق البلخي يقول: لكل واحد مقام، فمتوكل على ماله، ومتوكل على نفسه، ومتوكل على لسانه، ومتوكل على سيفه، وقيل على شرفه ومتوكل على سلطنته، ومتوكل على الله . فأما المتوكل على الله فقد وجد الاسترواح، نوّه الله به ورفع قدره. وقال: " وتوكَّلْ على الحي الذي لا يموت " وأما من كان مستروحاً إلى غيره فيوشك أن ينقطع به فيبقى.

стр. 3628

قال محمد بن عامر: قال لشقيق: متى أوفق العمل الصالح؟ قال: إذا جعلت أحداث يومك وليلتك متقدمة عند الله. قلت: فمتى أتوكل؟ قال: إن اليقين إذا تم بينك وبين الله سمي تمامه توكلاً. قلت: فمتى يصح ذكري لربي؟ قال: إذا سمجت الدنيا في عينيك، وقدمت أملك فيما بين يديك. قلت: فمتى أعرف ربي؟ قال: إذا كان الله لك جليساً ولم تر سواه لنفسك أنيساً. قلت فمتى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما أسخطه أمر عندك من الصبر. وكان ما ينزل بك هو الغنم والظفر، وجددت لذلك حمداً وشكراً. قلت: فمتى أشتاق إلى ربي؟ قال: إذا جعلت الآخرة لك قراراً ولم تسمّ لك الدنيا مسكناً. قلت: فمتى أعرف لقاء ربي؟ قال: إذا كنت تقدم على حبيب، وتصدر عن أمل قريب. قلت: متى أستلذ الموت؟ قال: إذا جعلت الدنيا خلف ظهرك، وجعلت الآخرة نصب عينيك، وعلمت أن الله ﵎ يراك على كل حال، وقد أخفي عليك الدقيق والجليل. قلت: فمتى أكتفي بأهون الأغذية؟ قال إذا عرفت وبال الشهوات غداً وسرعة انقطاع عذوبة اللذات. قلت: متى أوثر الله ولا أوثر عليه سواه؟ قال: إذا أبغضت فيه الحبيب، وجانبت فيه القريب. قال حاتم: اختلفت إلى شقيق ثلاثين سنة فقال لي يوماً: أيش تعلمت في ترددك إلينا؟ فقلت له: أربعة أشياء، استغنيت بها عن الأشياء كلها. فقال لي: ما هي؟ فقلت: رأيت أن رزقي من عند ربي فلم أشتغل إلا بربي، ورأيت أن ربي قد وكل بي ملكين يكتبان علي كل ما تكلمت به، فلم أتكلم إلا بما يرضي ربي، ولم أتكلم إلا بحق، ورأيت أن الخلق ينظرون إلى ظاهري والله ينظر إلى باطني، فرأيت مراقبته أولى وأوجب فسقط عني رؤية الخلق، ورأيت أن الله داعياً يدعوا الخلق إليه، فاستعددت له متى جاءني لا أحتاج أن يقتلني يعني ملك الموت، فقال له: يا حاتم، ما خاب سعيك. سئل شقيق البلخي: ما علامة التوبة؟ قال: إدمان البكاء على ما سلف من الذنوب، والخوف المقلق من الوقوع فيها، وهجران إخوان السوء، وملازمة أهل الخير.

стр. 3629

قيل لشقيق: ما علامة العبد المباعد المطرود؟ قال: إذا رأيت العبد قد منع الطاعة، واستوحش منها قلبه وحلا له المعصية واستأنس بها، وخفت عليه، ورغب في الدنيا، وزهد في الآخرة، وأشغله بطنه وفرجه لم يبال من أين أخذ الدنيا فاعلم أنه عند الله مباعد لم يرضه لخدمته. قال شقيق بن إبراهيم: بينا أنا ذات ليلة نائم حيال الكعبة في المسجد الحرام إذ رأيت في منامي ملكين أتياني فوقفا علي، فقال أحدهما لصاحبه: كم حج العام؟ قال له صاحبه: حج ثلاثة: فلان وفلان، وفلان يقال له شقيق. قال: لا، شقيق عليه فضل ثوب. قال: فلما كان قابل حججت في عباء، فبينا أنا راقد في المسجد الحرام رأيتهما في منامي، فقال أحدهما لصاحبه: كم حج العام فقال: ثلاثة فلان وفلان وشقيق، ألا إن الله شفعهم في كل من حج. كان شقيق يقول: تفسير الحمد على ثلاثة أوجه: أوله إذا أعطاك الله شيئاً تعرف من أعطاك، والثاني أن ترضى بما أعطاك، والثالث ما دام قوته في جسدك أن لا تعصيه. قال شقيق: من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبداً. قال حاتم الأصم: كنا مع شقيق البلخي ونحن مصافو الترك في يوم لا أرى فيه إلا رؤوساً تندر، وسيوفاً تقطع، ورماحاً تقصف، فقال لي شقيق ونحن بين الصفين: كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا اليوم؟ تراه مثله في الليلة التي زفت إليك امرأتك؟ قلت: لا، والله. قال: لكني والله، أرى نفسي في هذا اليوم مثله في الليلة التي زفت فيها امرأتي. قال: ثم نام بين الصفين ودرقته تحت رأسه حتى سمعت غطيطه. قال حاتم: ورأيت رجلاً من أصحابنا في ذلك اليوم يبكي فقلت: مالك؟ قال: قتل أخي. قال: قلت: حبط أجرك، صار إلى

стр. 3630

الله وإلى رضوانه. قال: فقال لي: اسكت، ما أبكي أسفاً عليه ولا على قتله، ولكني أبكي أسفاً ألا أكون دريت كيف كان صبه لله عند وقوع السيف به. قال حاتم: فأخذني في ذلك اليوم تركي فأضجعني للذبح فلم يكن قلبي به مشغولاً، كان قلبي بالله مشغولاً أنظر ماذا يأذن الله به في، فبينا هو يطلب السكين من خفه إذ جاءه سهم فذبحه فألقاه عني. قتل شقيق في غزوة كولان سنة أربع وتسعين ومئة. قال أبو سعيد الخراز: رأيت شقيقاً البلخي في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، غير أنا لا نلحقكم، فقلت: ولم ذلك؟ فقال: لأنا توكلنا على الله بوجود الكفاية، وتوكلتم على الله بعدم الكفاية. قال: فسمعت الصراخ: صدق صدق، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ. شقيق بن ثور بن عُفير ابن زهير بن كعب بن عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة ابن عكابة، أبو الفضل السدوسي البصري شهد صفين مع علي بن أبي طالب ﵇، ثم وفد على معاوية، وكان رئيس بكر بن وائل في الإسلام، واستشهد أبوه ثور بتستر مع أبي موسى الأشعري. حدث عاصم الأحول عن شمير أن رجلاً خطب امرأة فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق ثلاثاً، فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثاً. فلما دخل على المرأة ادعوا الطلاق فقال: كيف قلت؟ قالوا: لا نزوجك حتى تطلق ثلاثاً، فطلقت ثلاثاً، فقال: أما تعلمون أنه كانت تحتي فلانة بنت فلان فطلقتها ثلاثاً؟ حتى عد ثلاثاً. قالوا: ما هذا أردنا. وقد وفد شقيق بن ثور إلى عثمان بن عفان فأمروه أن يسأل عثمان. فلما قدم سألاه فاخبر انه سال عثمان فقال: له نيته.

стр. 3631

نازع مالك بن مسمع شقيق بن ثور فقال له مالك: إنما شرفك قبر بتستر، قال له شقيق: ولكن وضعك قبر بالمشقّر. قال: الذي دفن بالمشقر مسمع أبو مالك، قتل في الردة وكان يقال له فسل الكلب، نزل بقوم فنبح عليه كلبهم، فقتل الكلب فقتل به. وكان ثور قتل بتستر مع أبي موسى الأشعري. قال شقيق بن ثور حين حضرته الوفاة: ليته لم يكن سيد قومه، كم من باطل قد حققناه وحق قد أبطلناه. ولما احتضر شقيق بن ثور قال: هذا دَين الله في أعناقنا، لابد من أدائه على عسر أو يسر، ثم قال لبنيه: إذا أنا مت فلا تبكين علي باكية، ولا تنوحن علي نائحة، وأكثروا لي من الاستغفار. شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي أدرك النبي ﷺ . قال شقيق بن سلمة قال: قال عبد الله: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على الله دون عبارة السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا النبي ﷺ فقال: الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال أبو وائل: غزوت مع عمر بن الخطاب الشام فنزلنا منزلاً، فجاء دهقان يستدل على أمير المؤمنين حتى أتاه. فلما رأى الدهقان عمر سجد له فقال عمر: ما هذا السجود؟! فقال: هكذا نفعل بالملوك، فقال عمر: اسجد لربك الذي خلقك، فقال: يا أمير المؤمنين، إني صنعت لك طعاماً فائتني. فقال عمر: هل في بيتك شيء من تصاوير العجم؟ قال: نعم. قال:

стр. 3632

لا حاجة لنا في بيتك، ولكن انطلق فابعث إلينا بلون من الطعام، ولا تزدنا عليه. قال: فانطلق فبعث إليه بالطعام فأكل منه. قال عمر لغلامه: هل في إداوتك شيء من ذلك النبيذ؟ قال: نعم. قال: فأتاه فصبه في إناء ثم شمه فوجده منكر الريح، فصب عليه الماء ثلاث مرات ثم شربه، ثم قال: إذا رابكم شيء فافعلوا به هكذا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الديباج والحرير، ولا تشربوا في آنية الفضة والذهب، فإنها لهم في الدنيا، وهي لنا في الآخرة. سكن أبو وائل الكوفة، وورد المدائن مع علي بن أبي طالب حين قاتل الخوارج بالنهروان. وشهد صفين مع علي ﵇ وقال: بعث النبي ﷺ وأنا أمرد، فلم يقض لي أن ألقاه. قال أبو وائل: أتانا مصدق النبي ﷺ فأتيته بكبش لي فقلت: خذ صدقة هذا، قال: ليس في هذا صدقة. قال عاصم: قلت لأبي وائل: متى أدركت؟ قال: بينما أنا أرعى غنماً لأهلي إذ مرّ ركب أو فوارس ففرقوا غنمي، فوقف رجل منهم فقال: اجمعوا للغلام غنمه كما فرقتموها عليه، فتبعت رجلاً منهم فقلت: من هذا؟ قال: هذا النبي ﷺ . قال الحافظ: والأحاديث في أنه لم ير النبي ﷺ أصح. كان أبو وائل يقول: أدركت من الجاهلية سبع سنين. قال الأعمش: قال لي شقيق بن سلمة: يا سليمان، لو رأيتني ونحن هرّب من خالد بن الوليد يوم بُزاخة، فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو متّ يومئذ كانت النار. قال شقيق: كنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة.

стр. 3633

قال أبو وائل: ماتت أمي نصرانية، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: اركب دابة وسر أمام جنازتها. وقيل: إن أبا وائل لم يلق عمر. وقال شقيق: أعطاني عمر أربعة أعطية. وقال: لتكبيرة واحدة خير من الدنيا وما فيها. وعن مغيرة قال: قيل لإبراهيم حين ذكر كراهية أصحابه الصلاة على الطنفسة فقيل: إن أبا وائل يصلي على الطنفسة. قال: أما إنه خير مني. وعن إبراهيم النخعي قال: ما من قرية إلا وفيها من يدفع عن أهلها به، وإني لأرجو أن يكون أبو وائل منهم. وعن شقيق أنه تعلم القرآن في شهرين. وعن سفيان أنه أمَّهم أبو وائل، فرأى من صوته فقال: كأنه أعجبه، قال: فترك الإمامة. قال عاصم: كان أبو وائل إذا خلا ينشج، ولو جعل له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل. قال عاصم: كان لأبي وائل خص من قصب، هو فيه وفرسه، فكان إذا غزا نقضه وإذا قدم بناه.

стр. 3634

وكان عطاء أبي وائل ألفين، فإذا خرج أمسك ما يكفي أهله سنة، وتصدق بما سوى ذلك. وجاءه رجل فقال: ابنك على السوق، فقال: والله لو جئتني بموته كان أحب إلي، إن كنت لأكره أن يدخل بيتي من عمل عملهم. وكان أبو وائل يقول لجاريته: يا بركة، إذا جاء يحيى، يعني ابنه بشيء فلا تقبيله، وإذا جاءك أصحابي بشيء فخذيه، وكان يحيى ابنه قاضياً على الكناسة، وكان يقول لجاريته: يا بركة، لا تطعميني شيئاً مما يجيء به. قال عاصم: قال لي أبو وائل: يا عاصم، أيهما أكثر: القيراط أو الدانق؟ قال: وكان أبو وائل يمر في السوق فيسمع قيراط، دانق، فلا يدري كم هو. وقال عاصم: ما رأيت أبا وائل ملتفتاً في صلاة ولا في غيرها، ولا سمعته يسب دابة قط إلا أنه ذكر الحجاج يوماً فقال: اللهم، أطعم الحجاج من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم تداركها فقال: إن كان ذلك أحب إليك، فقلت: واستثنى في الحجاج! فقال: يعدها ذنباً. قال الأعمش: قال لي شقيق: ما يمنعك أن تأتينا أكثر مما تأتينا؟ قال: وكره أن يقول إني أحب أن تأتينا أكثر مما تأتينا، فيكذب. قال عاصم بن بهدلة: قلت لأبي وائل: شهدت صفين؟ قال: نعم، وبئست الصفون كانت. قال عاصم: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك علي أو عثمان؟ قال: كان علي أحب إلي من عثمان، ثم صار عثمان أحب إلي من علي.

стр. 3635

قال الأعمش: كنت آتي شقيق بن سلمة وبنو عمه يلعبون بالنرد والشطرنج، فيقول: سمعت أسامة ابن زيد وسمعت عبد الله، وهم لا يدرون فيم نحن. قال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان، ما في أمرائنا هؤلاء واحدة من اثنتين: ما فيهم تقوى أهل الإسلام، ولا فيهم عقول أهل الجاهلية. قال الأعمش: قال لي شقيق: يا سليمان، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا. قال شقيق بن سلمة: مثل قراء هذا الزمان كغنم ضوائن ذات صوف، عجاف، أكلت من الحمض وشربت من الماء حتى انتفخت خواصرها، فمرت برجل فأعجبته، فقام إليها فعبط شاة منها، فإذا هي لا تنقي، ثم عبط أخرى فإذا هي كذلك، فقال: أف لك سائر اليوم. قال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال، فأتاني رجل بصك فيه: اعط صاحب المطبخ ثماني مئة درهم، فقلت له: مكانك، فدخلت على ابن زياد فحدثته، فقلت له: إن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وعلى بيت المال، وعثمان بن حنيف على ما سقى الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة والجند، ورزقهم كل يوم شاة، فجعل نصفها وسقطها وأكارعها لمعار لأنه على الصلاة والجند، وجعل لعبد الله بن مسعود ربعها، وجعل لعثمان ابن حنيف ربعها، ثم قال: إن مالاً يؤخذ منه كل يوم شاة إن ذلك فيه لسريع، فقال لي ابن زياد: ضع المفاتيح واذهب حيث شئت. قال أبو وائل: أرسل إلي الحجاج فقال: ما اسمك؟ قال: قلت: ليالي هبطه أهله. قال: كم تقرأ من القرآن؟ قال: قلت: أقرأ منه ما إن تبعته كفاني، قال: إنا نريد أن نستعين بك على

стр. 3636

بعض أعمالنا. قال: قلت: على أي عمل الأمير؟ قال: على السلسلة. قال: قالت: إن السلسلة لا يصلحها إلا رجال يقومون عليها، ويعملون عليها، وإن تستعن بي تستعن بكبير أخرق ضعيف يخاف أعوان السوء، وإن يعفني الأمير فهو أحب إلي، وإن يقحمني أقتحم. وأيم الله إني لأتعار من الليل، فأذكر الأمير فما يأتيني النوم حتى أصبخ، ولست للأمير على عمل، فكيف إذا كنت للأمير على عمل؟ وأيم الله ما أعلم الناس هابوا أميراً قط هيبتهم إياك أيها الأمير. قال: فأعجبه ما قلت له، فقال أن أعِد علي فأعدت عليه، فقال، أما قولك: إن يعفني الأمير فهو أحب إلي، وإن يقحمني أقتحم، فإنا إن لا نجد غيرك نقحمك، وإن نجد غيرك لا نقحمك. وأما قولك: إن الناس لم يهابوا أميراً هيبتهم إياي فإني والله ما أعلم اليوم رجلاً هو أجرأ على دم مني، ولقد ركبت أشياء هابها الناس ففرج لي بها، انطلق يرحمك الله. قال: فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر، فقال: أرشدوا الشيخ: قال: فجاءني إنسان وأخذ بيدي. توفي أبو وائل في زمن الحجاج بعد الجماجم. ولما مات قبل أبو بردة جبهته. وقيل: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. قالوا: وهو وهم، فإنه لم يبق إلى خلافته. وقيل كانت وفاته سنة تسع وتسعين. شمر بن ذي الجوشن واسم ذي الجوشن شرحبيل ويقال: عثمان بن نوفل. ويقال أوس بن الأعور أبو السابغة العامري ثم الضبابي من بني كلاب كانت لأبيه صحبة، وهو تابعي، أحد من قاتل الحسين بن علي ﵉، ووفد على يزيد بن معاوية مع أهل بيت الحسين ﵈. حدث ذو الجوشن قال: أتيت رسول الله ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي، قلت، يا محمد، إني قد جئتك بابن القرحاء لتتخذه. قال: لا حاجة لي فيه، ولكن إن شئت أن أقيضك به المختارة

стр. 3637

من دروع بدر فعلت، فقلت: ما كنت لأقايضك اليوم بغيره. قال: فلا حاجة لي فيه، ثم قال: يا ذا الجوشن، ألا تسلم فتكون من أول هذا الأمر؟ قلت: لا، قال: لمَ؟ قلت: إني رأيت قومك قد ولعوا بك، قال: فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟ قال: قلت: قد بلغني. قال: قلت: إن تغلب على الكعبة وتقطنها، قال: لعلك إن عشت أن ترى ذلك ثم قال: يا بلال، خذ حقيبة الرجل فزوده من العجوة. فلما أدبرت قال: أما إنه من خير بني عامر. قال: فوالله إني لبأهلي بالعود إذ أقبل راكب فقلت: من أين؟ قال: من مكة. قلت: ما فعل الناس؟ قال: غلب عليها محمد. قال: فقلت: هبلتني أمي، فوالله لو أسلم يومئذ ثم أسله الحيرة لأقطعنيها. وإنما نسب الضبابي لأن أحد ولد عمرو بن معاوية يقال له: ضب، فنسب إلى ذلك. وإنما سمي ذو الجوشن من اجل أن صدره كان ناتئاً. قال أبو إسحاق: كان الشمر بن ذي الجوشن الضبابي يصلي معنا الفجر ثم يقعد حتى يصبح ثم يصلي ثم يقول: اللهم، إنك شريف تحب الشرف، وإنك تعلم أني شريف فاغفر لي. قلت: كيف يغفر الله لك وقد خرجت إلى ابن رسول الله ﷺ فأعنت على قتله؟! قال: ويحك، فكيف نصنع؟ إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر، فلم نخالفهم ولو خالفناهم كنا شراً من هذه الحمر السقاة. قال أبو إسحاق: رأيت قاتل الحسين بن علي شمر بن ذي الجوشن، ما رأيت بالكوفة أحداً عليه طيلسان غيره. قال محمد بن عمرو بن حسن: كنا مع الحسين ﵇ بنهري كربلاء فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: صدق الله ورسوله قال رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي. وكان شمر أبرص.

стр. 3638

حدث خليفة العصفري قال: الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك. قال مسلم بن عبد الله الضبابي: لما خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع، ووجه غلامه رزيناً في طلب شمر حتى نزل ساتيدما، ثم مضى حتى نزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل، ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجاً ثم قال: النجاء بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير وكتب عنونه للأمير مصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن، فمضى العلج حتى يدخل قريبة فيها بيوت وفيها أبو عمرة، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقي ذلك العلج علجاً من أهل تلك القرية فأقبل يشكو إليه ما لقي من شمر، فإنه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة، قرأ الكتاب مع العلج وعنوانه لمصعب من شمر، فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به وأخبرهم فإذا ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة فراسخ فأقبلوا يسيرون إليه. قال: فحدثني مسلم بن عبد الله: وأنا والله مع شمر تلك الليلة، فقلنا له: لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فإنا نتخوف به، فقال: أوكل هذا فرقاً من هذا الكذاب، والله لا أتحول منه ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعباً، قال: وكان ذلك المكان الذي كنا به فيه دباء كثير، فوالله إني لبين اليقظان والنائم إذ سمعت وقع حوافر الخيل فقلت في نفسي: هذا صوت الدباء ثم إني سمعته أشد من ذلك فانتبهت ومسحت عيني، قلت: لا والله ما هذا بالدباء. قال: وذهبت لأقوم فإذا أنا بهم قد اشرفوا علينا من التل، فكبروا ثم أحاطوا بأبياتنا، وخرجنا نشتد على أرجلنا وتركنا خيلنا. قال: فأمر على شمر وإنه لمرتد ببرد محقق وكان أبرص فكأني أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد، وإنه ليطاعنهم بالرمح قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه فما هو إلا أن مضت ساعة إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث.

стр. 3639

قال عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أنا صاحب الكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة، وأنا قتلت شمراً. قال: قلت: هل سمعته يقول شيئاً ليلتئذ؟ قال: نعم. خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم كر علينا وهو يقول: مشطور الرجز نبهتهم ليث عرين باسلا ... جهماً محياه يدق الكاهلا لم ير يوماً عن عدو ناكلا ... إلا كذا مقاتلاً أو قاتلا يبرحهم ضرباً ويروي العاملا شمعون أبو ريحانة الأزدي ويقال: الأنصاري. ويقال القرشي والأصح أنه الأزدي ويقال: شمغون بالغين المعجمة. قالوا: وهو أصح له صحبة من سيدنا رسول الله ﷺ شهد فتح دمشق، واتخذ بها داراً، وسكن بعد ذلك بيت المقدس. قال أبو الحصين الهيثم بن شفي: خرجت أنا وصاحب لي يسمى أبا عامر " رجل من المعافر " لنصلي بإيلياء، وكان قاصهم رجلاً من الأزد يقال له: أبو ريحانة من الصحابة. قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، فأدركته فجلست إلى جنبه، فسألني هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ فقلت: لا، فقال: سمعته يقول: نهى رسول الله ﷺ عن عشرة: الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريراً مثل الأعاجم، وأن يجعل على منكبيه حريراً مثل الأعاجم، وعن التهبي، وركوب النمر، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان.

стр. 3640

قال أبو ريحانة: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شدي حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها ويلقي عليه الحجفة يعني: الترس. فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ من الناس نادى: من يحرسنا في هذه الليلة وأدعو له بدعاء يكون فيه فضل؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: ادنه فدنا فقال: من أنت؟ فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ فقلت: أنا رجل آخر. قال: ادنه فدنوت فقال: من أنت؟ فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري ثم قال: حرمت النار على عين دمعت، أو بكت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، وقال: حرمت النار على عين أخرى ثالثة لم يسمها محمد بن شمير أحد رواته. وعن أبي ريحانة أن رسول الله ﷺ قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكرماً كان عاشرهم في النار. وعن أبي ريحانة الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار " ومن ولد أبي ريحانة محمد بن حكيم بن أبي ريحانة كاتب من كتاب الدمشقيين، وهو أول من طوى الطومار وكتب فيه مدرجاً مقلوباً. وعن أبي ريحانة قال: أتيت رسول الله ﷺ فشكوت إليه تفلت القرآن ومشقته علي فقال رسول الله ﷺ : " لا تحمل عليك ما لا تطيق، وعليك بالسجود ". وعن أبي ريحانة قال: قال رسول الله ﷺ : إن إبليس ليضع عرشه على البحر، ودونه الحجب يتشبه بالله ، ثم يبث جنوده فيقول: من لفلان الآدمي، فيقوم اثنان فيقول: قد أجلتكما سنة فإن أغويتماه وضعت عنكما التعب، وإلا صلبتكما. قال: فكان يقال لأبي ريحانة لقد صلب فيك كثيراً.

стр. 3641

قفل أبو ريحانة من بعث غزا فيه. فلما انصرف أتى أهله فتعشى من عشائه ثم دعا بوضوء فتوضأ منه، ثم قام إلى مسجده، فقرأ سورة ثم أخرى، فلم يزل ذلك مكانه كلما فرغ من سورة افتتح أخرى، حتى إذا أذّن المؤذّن من السّحر شد عليه ثيابه فأتته امرأته فقالت: يا أبا ريحانة قد غزوت فتعبت في غزوتك ثم قدمت، ألم يكن لي منك حظ ونصيب؟ فقال: بلى، والله، ما خطرت لي على بال، ولو ذكرتك لكان لك علي حق، فقالت: فما الذي شغلك يا أبا ريحانة؟ قال: لم يزل يهوى قلبي فيما وصف الله في جنته من لباسها وأزواجها ولذاتها حتى سمعت المؤذّن. كان أبو ريحانة مرابطاً بالجزيرة بميافارقين، فاشترى رسناً من نبطي من أهلها بأفلس، فقفل أبو ريحانة ولم يذكر الفلوس أن يدفعها إلى صاحبها حتى انتهى إلى عقبة الرستن وهي من حمص على اثني عشر ميلاً فذكرها، فقال لغلامه: هل دفعت إلى صاحب الرسن فلوسه؟ قال: لا، قال: فنزل عن دابته فاستخرج نفقة من نفقته فدفعها إلى غلامه وقال لأصحابه: أحسنوا معاونته على دوابي حتى يبلغ أهلي. قالوا: فما الذي تريد؟ قال: أنصرف إلى بيعي حتى أدفع إليه فلوسه فأودي أمانتي. فانصرف حتى أتى ميافارقين فدفع الفلوس إلى صاحب الرسن، ثم انصرف إلى أهله. ركب أبو ريحانة البحر وكان يخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي، فظهرت حتى أخذها. قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبد مثلي قال: فسكن حتى صار كالزيت.

стр. 3642

شهاب بن خراش بن حوشب ابن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُويم بن عبد الله بن سعد بن مرة بن ذهل ابن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل أبو الصلت الشيباني الكوفي الواسطي انتقل إلى الشام، وسكن فلسطين، واجتاز بدمشق. حدث عن سفيان الثوري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فتقتتلون عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون، ولا تقوم الساعة إلا نهاراً ". وحدث شهاب عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر، وتصديقاً بالنجوم. قال أبو الصلت: فلقيت أبان بن أبي عياش فسألته عن هذا الحديث هل سمعته من أنس؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي عن أنس بأثره عن النبي ﷺ قال: " فرغ الله من أربع: من الخلق والخُلُق والرزق والأجل ". ورواه الحافظ مسلسلاً عن خاله القاضي أبي المعالي بسنده إلى شهاب بن خراش عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أخوف ما أخاف على أمتي تصديق بالنجوم، وتكذيب بالقدر، ولا يؤمن عبد بالله حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأخذ رسول الله ﷺ بلحيته وقال: آمنت بالقدر كله خيره وشره، حلوه ومره، وأخذ أنس بلحيته كذلك وقال كذلك، وأخذ كل راو بلحيته، وقال مثل ذلك إلى خاله القاضي أبي المعالي أخذ بلحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. قال شهباب بن خراش حدثني شعيب بن زريق الطائفي قال: كنت جالسا عند رجل يقال له الحكم بن حزن الكلفي وله صحبة من النبي ﷺ قال: فأنشأ يحدثنا قال: قدمت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة. قال: فأذن

стр. 3643

لنا فدخلنا فقلنا: يا رسول الله، أتيناك لتدعو لنا بخير، قال: فدعا لنا بخير، وأمر بنا فأنزلنا وأمر لنا بشيء من تمر، والشأن إذ ذاك دون. قال: فلبثنا عند رسول الله ﷺ أياماً شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله ﷺ متوكئاً على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ث ((م قال: يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا، أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا. حدث شهاب بن خراش عن سعيد بن سنان قال: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة، فدخلت المسجد، وغفلت سدنة المسجد حتى أطفئت القناديل، وانقطعت الرجل، وغلقت الأبواب، فبينا أنا على ذلك إذ سمعت حفيفاً له جناحان قد أقبل وهو يقول: سبحان الدائم، القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الملك القدوس، سبحان رب الملائكة والروح، سبحان الله وبحمده، سبحان العلي الأعلى، . ثم أقبل حفيف يتلوه يقول مثل ذلك، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد، فإذا بعضهم قريب مني، فقال: آدمي؟ قلت: نعم، قال: لا روع عليك، هذه الملائكة. قلت: سألتك بالذي قواكم على ما أرى: من الأول؟ قال: جبريل. قلت: ثم الذي يتلوه؟ قال: ميكائيل. قلت: ثم الذين يلونهم من بعد؟ قال: الملائكة. قلت: سألتك بالذي قواكم لما أرى: ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها سنة، في كل يوم مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له. قال أبو الزاهرية: قلت: سنة، وسنة كثير فقلتها في يوم عدد أيام السنة، فرأيت خيرا. قال سعيد بن سنان: فقلت: سنة وسنة كثير لعلي لا أعيش، فقلتها في يوم عدد أيام السنة فرأيت خيرا. قال الحوشبي كذلك. قال محمد بن عمرو: فقلتها أنا في ثلاثة أو أربعة كل يوم مرة، فكان لا يزال الرجل يلقاني فيقول رأيت لك كذا وكذا.

стр. 3644

قال شهاب بن خراش بن حوشب ابن أخي العوام بن حوشب قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة وهيقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ ما تأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم، فتحرشوا الناس عليهم. شهاب بن محمد بن شهاب ابن يحيى بن عبد القاهر، أبو القاسم الأنصاري الصوري حدث عن أبي العلاء أحمد بن صالح بسنده عن سهل بن سعد قال: أتى جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنكم مجزيّ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. شهاب بن مسرور بن مساور ابن سعد بن أبي الغادية يسار بن سبع المزني حدث عن أبيه عن جده عن أبيه أبي الغادية قال: كان النبي ﷺ في جماعة من أصحابه جالساً إذ مرت به جنازة فقال: ممن الجنازة؟ فقالوا: من مزينة. فما جلس ملياً حتى مرت به الثانية فقال: ممن الثانية؟ فقالوا: من مزينة. فما جلس ملياً حتى مرت به الثالثة فقال: ممن الجنازة؟ فقالوا: من مزينة، فقال: سيري مزينة، ما هاجرت فتيان قط كرموا على الله إلا كان أسرعهم فناء، سيري مزينة لا يدرك الدجال منا أحد. قال: غريب جداً، لم أكتبه إلا من هذا الوجه. والله أعلم. /

стр. 3645

شهر بن حوشب أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو الجعد، ويقال أبو سعيد الأشعري مولى أسماء بنت يزيد بن السكن. من أهل دمشق، ويقال: من أهالي حمص. حدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لو كان العلم معلَّقاً بالثريا لتناوله قومٌ من أبناء فارس ". وحدث شهر أيضاً قال: سمعت أبا هريرة قال: أوصاني حبيبي أبو القاسم ﷺ : " بصيام ثلاثة أيام من كل شهر. وألاّ أنام إلا على وتر، وركعتي الفجر ". وحدث شهر عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لكل نبيٍ حرماً. وحرمي المدينة ". قال عثمان بن نويرة: دعي شهر بن حوشب إلى وليمة وأنا معه، فخلنا فأصبنا من طعامهم. فلما سمع شهر المزمار وضع إصبعَيه في أذنيه، وخرج حتى لم يسمعه. وعن شهر بن حوشب قال: من ركب مشهوراً من الدواب، أو لبس مشهوراً من الثياب أعرض الله عنه، وإن كان عليه كريماً.
следующие страницы →