Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
حدث عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال: " لأن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومئة جرو كلب خير له من أن يربي ولداً لصلبه ".
وقال في أثناء حديثه: إن أبا جعفر أغزى صالح بن علي في سنة ثلاث وأربعين ومئة بمن معه من أهل خراسان، وبعثاً ضربه على أهل الشام ليس بالكثيف، وأمره أن يعسكر بهم بدابق، ففعل. ووجه هلال بن ضيغم السلامي من أهل دمشق في جماعة من أهل دمشق، فبنوا على جسر سَيحان حصن أذنة.
ولد صالح سنة ست وتسعين. ومات سنة إحدى وخمسين ومئة. وقيل: سنة اثنتين وخمسين ومئة. وقيل: إنه ولد بعين أُباغ من ناحية الشام. وقد بلغ ثمانياً وخمسين سنة.
صالح بن علي الدمشقي
حدث بدمشق عن محمد بن عمرو السوسي بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " طعام الرجل يكفي الرجلين، وطعام الرجلين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ".
صالح بن كيسان
أبو محمد، ويقال: أبو الحارث مولى امرأة من دَوْس، ويقال: مولى بني غفار.
стр. 3677
حدث عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا قفل من حج أو عمرة أو غزو فأوفى على فدفد من الأرض قال: " لا إله إلى الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، آيبون إن شاء الله تائبون، عابدون لربنا حامدون ".
وحدث عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
وحدث صالح قال: رأيت ابن عمر يصلي في جَوف الكعبة، فكان لا يدع أحداً يمر بين يديه، فإذا مر رجل خدبه حتى يرده.
قال صالح بن كيسان: اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العمل، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء سمعنا عن النبي ﷺ ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت: لا، ليس بسنّة، فقال: بل هو سنّة. قال: فكتب، ولم أكتب. فأنجح، وضيّعتُ.
قال سفيان: قال لنا عمرو بن دينار: اذهبوا إلى صالح فإنه يحدث بحديث حسن، فأتيناه فقال: حدثني سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: ضربتُ قبة النبي ﷺ بالأبطح، ولم يأمرني، فجاء فنزل، يعني: بالمحصَّب.
стр. 3678
صالح بن محمد بن زائدة
أبو واقد الليثي المدني قدم دمشق غازياً.
حدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها ".
وحدث عن نافع بن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حضر إماماً فليقل خيراً أو ليسكت ".
وحدث عن سالم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " من وجدتموه غلّ فاضرِبوه، أو حرّقوا متاعه ".
قال: فدخلت على مسلمة بن عبد الملك فأخذ رجلاً قد غلّ. فدعا سالماً فحدثه - الحديث. قال: فأحرق متاعه. ووجد في متاعه مصحفاً فقوم المصحف وتصدّق بقيمته.
قالوا: صالح هذا منكر الحديث.
وروي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغالّ، ولم يأمر فيه بحرق متاعه.
وعن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز ومحكول، فغلّ رجل متاعاً، فأمر الوليد بمتاعه فحرق وضرب، ولم يُعط سهمه.
توفي بعد خروج محمد بالمدينة. وكان خروج محمد سنة خمس وأربعين ومئة.
стр. 3679
صالح بن محمد بن شاذان
أبو الفضل الكرخي الأصبهاني سكن أصبهان، وسمع بدمشق وحمص وبغيرها.
حدث بمكة وبمصر عن أحمد بن مهران بسنده عن ابن برية عن أبيه.
أن النبي ﷺ بعث سريّة، وبعث معها. رجلاً يكتب إليه بالأخبار.
وحدث محمد بن علي الخلال بسنده عن أنس قال: بارك رسول الله ﷺ على الثريد والسحور والطعام لا يُكال.
توفي بمكة سنة أربع وعشرين وثلاث مئة.
صالح بن محمد بن صالح
أبو علي الجلاب البغدادي، يعرف بابن روزبة التَّوَّزي قدم دمشق.
حدث عن أبي حفص عمور بن علي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. والحج المرور ليس له جزاء إلا الجنة ".
وحدث عن عمرو بن علي بسنده عن ابن عباس في قوله : " عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ " قال: الدّعيّ. ألم تسمع الشاعر بقول: " الطويل ":
زنيمٌ تداعتهُ الرجالُ زيادةً ... كما زيدَ في عرض الأديم أكارعه
قدم صالح مصر بعد الثلاث مئة، وحدث بها.
стр. 3680
صالح بن محمد بن صالح
ابو شعيب الحجازي المطوعي المستملي سمع بدمشق.
حدث عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من رآني في المنام فإنه لا يدخل النار ".
صالح بن محمد بن عمرو
ابن حبيب. أبو علي الأسدي البغدادي الحافظ، المعروف بِجَزَرة سكن خراسان، وسمع بدمشق.
حدث عن هشام بن عمار بسنده عن معاوية عن النبي ﷺ قال: " ألا لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة ".
وحدث عن محمد بن الصباح بسنده عن أبي موسى قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يُثني على رجل ويُطريه في المدحة فقال: لقد أهلكتم الرجل، أو قطعتم ظهر الرجل.
ولد صالح بن محمد بالكوفة سنة عشر ومئتين، وقد بخارى سنة ست وستين ومئتين، وأقام بها حتى مات وكان ثقةً، صدوقاً، حافظاً، عارفاً، وهو من ولد حبيب بن الأشرس. وروى عنه مسلم بن الحجاج القشيري، ودخل خراسان وماوراء النهر، وحدث بها مدة طويلة من حفظه من غير كتاب أو أصل يصحبه، وما أُخذ عنه فيما حدث خطأ أو شيء يُنقَم عليه. وكان ذا مزاح ودعابة، مشهوراً بذلك.
ولقب جَزَرَة لأنه صحف في حديث عبد الله بن بشر أنه كانت له خَرَزة يداوي بها المرضى فقال: جزرة.
стр. 3681
وقيل: ولد سنة خمس ومئتين، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومئتين في بخارى. وقيل سنة أربع وتسعين. وكان يطنز كما يكون في البغداديين.
كان ببخارى رجل حافظ يلقب بجمل، فكان صالح وهذا الحافظ يمشيان ببخارى، فاستقبلهما جمل عليه وقر جَزر، فأراد ذلك الحافظ أن يخجل صالحاً فقال: يا أبا علي، ما هذا الذي على البعير، فقال له صالح: أما تعرفه؟! قال: لا. قال: هذا أنا عليك، أراد: جزر على جمل.
قال إسحاق بن عبد الرحمن القاري: أعطاني صالح الحافظ الملقب جزرة جزءاً، فكنت أكتبه، فرأى الجزء في يدي أبو ذر القاضي، فقال لي: اشتر لي قليلَ فستق، وأعطاني ثمنه. فلما ذهبت أخذ الجزء، غير فيه أشياء. ولما جئت إلى صالح قرأت عليه الجزء رأى موضعاً فأصلح، وموضعاً آخر فاصلح. فلما كان الثالث تغير وقال: أما سمعت بي؟! أما عرفتني؟! قلت: يا سيدي، أنا لا أعلم شيئاً من ذلك، فقال: إلى مَن دفعتَ الجزء؟ فقلت: أخذ مني الجزءأبو ذر القاضي، فقال: هذا من فِعل ذلك العيّار. أرادأن يُجرِّبني.
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفراييني: كنا على باب أبي حاتم الرازي إذ خرج وفي يده كتاب فقال: هذا كتاب أخينا أبي علي صالح بن محمد البغدادي، ولا يزال يضحكنا شاهداً وغائباً، يقول فيه: أعظم الله أجرك في محمد بن يحيى الذهلي، فقد مات، وقعد مكانه محمد بن يزيد، ويعرف بمخمس.
стр. 3682
حدث عن علي بن عاصم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جَرس ".
وحدث بحديث أبي التياح عن أنس أن النبي ﷺ قال: يا أبا عمير، ما فعل البَعير. فأعظم الله أجركم في ذلك الإمام وأقر أعينكم بهذا المحدث الجديد.
وحدث صالح أنه سمع بعض المشايخ يقول: إن السين والصاد يتعاقبان، فسأل بعض تلامذته عن كنية الشيخ فقال له: أبو صالح. قال: فقلت للشيخ: يا أبا سالح، أسلحك الله، هل يجوز أن يقرأ: نحن نقسّ عليك أحسن القسس؟ قال: فقال لي بعض تلامذته: أتواجه الشيخ بهذا؟ فقلت: لأنه يكذب، إنما يتعاقب السين والصاد في بعض المواضع، هذ١ يذكره على الإطلاق.
وعن صالح قال: الأحول في المنزل مبارك، يرى الشيء شيئين.
قال صالح جزرة: كان عبد الله بن عمر بن أبان يمتحن كل من يجيئه من أصحاب الحديث، فإنه كان غالياً في التشيع، فدخلت عليه فقال: من حفر بئر زمزم؟ قلت: معاوية بن أبي سفيان. قال: فمن نقل ترابها؟ قلت: عمرو بن العاص، فصاح وزبرني، ودخل منزله.
قال أبو النضر الفقيه:
كنا نقرأ على صالح جزرة، وهو عليل، فتحرك فبدت عورته، فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه ثيابه فقال: رأيته؟ لا ترمّد عينك أبداً.
стр. 3683
صالح بن هبة الله بن محمد
ابن عفان أبو محمد البغدادي الواعظ قدم دمشق بعد العشرين وخمس مئة، وعقد بها مجلس الوعظ في المسجد الجامع. ولم يحدث بدمشق.
حدث عن محمد بن عبد السلام بسنده عن يزيد الأصم عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجرّ المزقت والدُّباء والنقير. قال يزيد: فأنا أشهد لسمعت هذا من ابن عمر يذكره عن النبي ﷺ ، ليس بيني وبين النبي ﷺ إلا ابن عمر.
صالح مولى بني أم حكيم
قال صالح: تزوجت امرأة من صليبة غسان، فأرسل إلي محمد بن سويد - وهو عامل سليمان بن عبد الملك على دمشق - فقال: إنه ليس لك أن تزوّج امرأة من صليبة العرب، فطلِّقها. قال: قلت: ما أتيت حراماً، ولا أفعل. قال: فألزمني إلى عمود من عمد الخضراء، فضربني عشرة أسواط، ثم قال: طلِّقها، فأبيت. فلم يزل يصنع بين ذلك حتى ضربني ثمانين سوطاً. قال: فأذلقني الضرب، فطلقتها البتة. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز أتيته مستعدياً عليه. قال: ما الذي تريد؟ قلت: أريد أن ترد علي
стр. 3684
امرأتي. قال: ابتليت بجبار ظالم، فما أصنع بك؟ إنما الطلاق والعتاق كلام، فإذا فاته صاحبه نفذ عليه. فراددتُه، فقال: ما عندي غير هذا، فقلت: يا أمير المؤمنين، فالمهر ترده إلي، قال: فبم استحللت فرجها؟ قال: فألزمني الطلاق.
صبح أبو صالح الخراساني
أحد الزهاد. جالس أبو سليمان الداراني وقال له يوماً: يا أبا سليمان، طوبى للزاهدين، فقال له سليمان؛ طوبى للعارفين.
حدث صبح بسنده إلى إسماعيل الكندي قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى طاوس ليسمع منه. قال: فوافاه مريضاً، فجلس عند رأسه يبكي، فقال: ما يبكيك يا شاب؟! قال: والله، ما أبكي على قرابة بيني وبينك ولا على دنيا جئت أطلبها منك، ولكن على العلم الذي جئت أطلب منك يفوتني. قال: فقال له طاوس: إن موصيك بثلاث كلمات، إن حفظتهن علمت علم الأولين والآخرين، وعلِم ما كان، وعلم ما يكون: خَفِ الله حتى لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجُ الله حتى لا يكون عندك شيء أرجا منه، وأحبب الله حتى لا يكون شيء أحبّ إليك منه. فإذا فعلت ذلك علمت على الأولين والآخرين، وعلم ما كان، وعلم ما يكون، قال: فقال له الشاب: لا جرم والله، ولا سألت أحداً بعدك عن شيء ما بقيت.
стр. 3685
صَبِيغ بن عسل
ويقال ابن عُسَيل - الصَاد مفتوحة والباء مكسورة وعِسل بكسر العين وسكون السين ويقال: صَبيغ بن شريك، من بني عسل بن عمرو بن يربوع ابن حنظلة التميمي اليربوعي البصري الذي سأل عمر بن الخطاب عما سأله، فجلده، وكتب إلى أهل البصرة ألاّ يُجالسوه.
واسمه مشتق من الشيء المصبوغ. قيل: أنه كان يحمَّق. وفد على معاوية. ولم يزل بشرّ بعد جَلْد عمر حتى قتل في بعض الفتن، وهو الذي كان يتتبع مشكل القرآن.
قال
صبيغ بن عسل: جئت عمر بن الخطاب زمان الهدنة، وعليّ غديرتان وقَلَنْسِيَة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج من المشرق حلقان الرؤوس يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، طوبى لمن قتلوه، وطوبى لمن قتلهم. ثم أمر عمر ألاّ أُؤوى ولا أُجالس.
قال سعيد بن المسيب: جاء الصبيغ التميمي إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن " الذَارِيَاتِ ذَرْواً " قال: هي الريح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن " الْحَامِلاَتِ وِقرْاً " قال: السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قلته. قال: فأخبرني عن " الْمُقَسِّماتِ أَمْراً " قال: هي الملائكة، ولولا أني
стр. 3686
سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قلته، قال: فأخبرني عن " الْجَارِيَاتِ يُسْراً " قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته.
قال: فأمر به عمر رضي الله فضُرب مئة، وجُعل في بيت، فإذا برىء دعا به فضربه مئة أخرى. ثم حمله عل قتب، وكتب إلى أبي موسى: حرِّم على الناس مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان شيئاً. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: ما إخاله إلا قد صدق، فخلِّ بينه وبين مجالسته الناس.
وفي رواية أخرى بمعناه: واحملوه على قتب، وابلغوا به حيّه. ثم ليقم خطيب فيقُلْ: إن صَبيغاً طلب العلم وأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم.
وفي حديث آخر أنه لما سأله قال له عمر: ضع عن رأسك، فإذا له وفرة فقال عمر: أما والله، لو رأيتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك، ثم كتب إلى أهل البصرة - أو إلينا - لا تجالسوه. قال: فلو جاء ونحن مئة لتفرقنا.
قال محمد بن سيرين: كتب عمر بن الخطاب إلى ابي موسى الأشعري ألا يُجالس صَبيغ، وأن يُحرم عطاءَه ورزقه.
وكان صَبيغ بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة، ويجلس، وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين عمر، فيقومون ويدَعونه.
стр. 3687
صخر بن جندل
ويقال ابن جندلة أبو المعلى - ويقال أبو العلاء - البيروتي القاضي من ساحل دمشق.
حدث عن يونس بن مَيْسَرة بن حَلبَس عن أبي إدريس قال: سمعت أبا الدرداء يقول: والله، وايم الله - ما سمعته حلف قبلها ولا بعدها - ما من عمل أحبّ إلى الله من إصلاح ذات البين، والمشي إلى المساجد، وخلق جائز.
وحدث عنه أيضاً قال: سمعت أبا إدريس يقول: ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحبّ ان يحمده أحد على شيء من عمل الله .
وحدث عنه قال: كان أبو عبيدة بن الجراح وهو والٍ يحمل سطلاً من خشب حتى يأتي حمام أبان.
وعن صخر قال: قال معاوية: الخلافة: العلم بالحق، والحكم بالمعدلة، وأخذ الناس بأمر الله.
صخر بن حرب بن أمية
ابن عبد شمس بن عبد مناف. أبو سفيان وأبو حنظلة الأموي أسلم يوم الفتح، وشهد اليرموك، وكان القاضي يومئذ.
عن عبد الله بن عباس قال: حدثني أبو سفيان حرب مِن فيه قال: كنا قوماً تجاراً، فكانت الحرب قد حضرتنا حتى نهكت أموالنا. فلما كانت الهدنة، هدنة الحديبية، بيننا وبين رسول الله ﷺ لم نأمن أن وجدنا أمناً، فخرجت تاجراً
стр. 3688
إلى الشام مع رهط من قريش. فوالله، ما علمت امرأة بمكة ولا رجلاً إلا قد حمّلني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام عزَّةَ من أرض فلسطين. فخرجنا حتى قدمناها، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس، وأخرجهم منها، وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كان استلبوه إياه. فلما بلغه ذلك، وكان منزله بحمص من أرض الشام، فخرج منها يمشي متشكراً إلى بيت المقدس ليصلي فيه، فبسط له البسط، وتطرح له عليها الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء، فصلى بها، فأصبح ذات ليلة وهو مهموم، يقلب طرفه إلى السماء فقالت له بطارقته: أيها الملك، لقد أصحبت مهموماً، فقال: أجل، فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أُريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا: فوالله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود، وهم تحت يدك وفي سلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم فابحث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يُديرونه إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل ن العرب قد دفع إليهم فقال: أيها الملك، هذا رجل من العرب، من أهل الشاء والإبل يحدثك عن حدث كان ببلاده، فسله عنه، فلما انتهى إليها قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فقال:
كان رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبيّ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم من مواطن، فخرجت من بلادي، وهم عن ذلك. فلما أخبره الخبر قال: جرِّدوه، فإذا هو مختون، فقال: هذا والله الذي رأيت، لاماتقولون، أعطه ثوبه. انطلق لشأنك. ثم دعا صاحب شرطته وقال له: قلب في الشام ظهراً وبطناً حتى تأتيني برجل من قوم هذا لنسأله عن شأنه. فوالله إني وأصحابي لبغرّة إذ هجم علينا فسألنا: ممن أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعاً. فلما انتهينا إليه - قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف، يريد هرقل ح فلما انتهينا إليه قال: أيّكم أمسّ به رحماً فقلت: أنا. فقال: أدنوه مني، فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذبٍ فردُّوا عليه - قال أبو سفيان: ولقد عرفت أن لو كذبت ما ردوا علي، ولكني كنت امرأ سيداً أتكرم وأستحي من الكذب،
стр. 3689
وعرفت أن أدنى ما يكون أن يرووه عني ثم يتحدثوا به عني بمكة، فلم أكذبه - فقال: أخبروني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم، فزهدت له شأنه، وصغرت له أمره، فوالله ما التفت إلى ذلك مني وقال: أخبروني عما أسألك عنه من أمره، فقلت: سلني عما بد لك. قال: يكف نسبه فيكم؟ فقلت: محضاً، من أوسطنا نسباً. قال: فأخبروني: هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني: هل كان له فيكم مثلك فاستلبتموه إياه، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه؟ قلت: لا. قال: فأخبروني عن أتباعه! مَن هم؟ فقلت: الأحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشراف قومه وذوو الأسنان منهم فلا. قال: فأخبروني عمن يصحبه: أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قلّما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه. فقلت: سِجال، يُدال علينا وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدِر؟ فلم أجد شيئاً أغمز فيه إلا هي. قلت: لا، ونحن منه في مدّة، ولا نأمن غدر، فوالله ما التفت إليها مني، وأعاد علي الحديث فقال: زعمت أنه من أمحضكم نسباً، وكذلك يأخذ الله النبي، إذا أخذه لا يأخذه إلا من أوسط قومه. وسألتك: هل كان من هل بيته يقول مثل قوله فهو يتشبّه به؟ فقلت: لا. وسألتك: هل كان له ملك فاستلبتموه إياه، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملك؟ فقلت: لا. وسألتك عن أتباعه فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان. وسألتك عمن يتبعه: أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟ فزعمت أنه قلَّ من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان، لا تدخل قلباً فتخرج منه. وسألتك: كيف الحرب بينكم، فزعمت أنها سجال، يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك تكون حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة. وسألتك: هل يغدِر؟ فزعمت أنه لا يغدر. فلئن كنت صدقتني ليغلبني على ما ملكت قدماي هاتان، ولوددتُ أني عنده فأغسل قدميه. الحق لشأنك، فقمت وأنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى أقول: يا آل عباد الله، لقد أمر أمرُ ابن أبي كبشة. أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم.
стр. 3690
أبو كبشة وَجز بن غالب بن عامر بن الحارث - وهو غُبْشان - ووَجْز أبو كبشة أول من عبد الشعري، وكان وجز يقول: إن الشعري يقطع السماء عرضاً ولا أرى في السماء شيئاً، شمساً ولا قمراً، ولا نجماً يقطع السماء عرضاً غيرها. والعرب تسمي الشعرى العَبُور، لأنها تعبر الماء عرضاً. وجز هو أبو كبشة الذي قريش تنسب رسول الله ﷺ إليه، لأنه جده من قِبَل أمه. لأن آمنة بنت وهب وأم وهب قيلة بنت أبي قيلة. واسم أبي قيلة وجز بن غالب، والعرب تظن أن أحداً لا يعمل شيئاً إلا بعرق ينزعه شبهه. فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش، وهدى الله به من الضلالة قال مشركو قريش: نزعة أبي كبشة، لأن أبا كبشة خالف الناس بعبادة الشعرى، فكانوا ينسبون رسول الله ﷺ إليه. وكان أبو كبشة سيداً في خزاعة، لم يعيّروا رسول الله ﷺ به من تقصير كان فيه، ولكن لما خالف دينهم نسبوه لخلاف أبي كبشة، فقالوا: خالف كما خالف أبو كبشة.
وأم أبي سفيان صفية بنت حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر.
وشهد أبو سفيان مع سيدنا رسول الله ﷺ الطائف. ورُمي يومئذ فذهبت إحى عينيه. وشهد يوم حنين فأعطاه سيدنا رسول الله ﷺ من غنائم حنين مئة من الإبل وأربعين أوقية، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية، فقال أبو سفيان: فداك أبي وأمي والله إنك لكريم، ولقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت. فجزاك الله خيراً وتوفي سيدنا رسول الله ﷺ وأبو سفيان عامله على نجران. وكان أبو سفيان ذهب بصره في آخر عمره. ونزل المدينة آخر عمره. ومات بها سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وولدَ حرب بن أمية با سفيان، والفارعة، وفاختة بني حرب. واسم أبي سفيان صخر. ولم يزل أبو سفيان على الشرك حتى أسلم يوم فتح مكة. وهو كان في عير قريش التي أقبلت من الشام. وخرج سيدنا رسول الله ﷺ يعترض لها حتى ورد بدراً. وساحل
стр. 3691
أبو سفيان بالعير، وهو كان رأس المشركين يوم أحد، وهو كان رئيس الأحزاب يوم الخندق. ولم يزل أبو سفيان بعد انصرافه عن الخندق بمكة لم يلق سيدنا رسول الله ﷺ في جمع إلى أن فتح ﷺ مكة. وأسلم أبو سفيان، وشهد الطائف مع سيدنا رسول الله ﷺ ورُمي يومئذ، فذهبت إحدى عينيه، وشهد يوم حنين. ولم أصيبت عينه يوم الطائف مع النبي ﷺ قال له سيدنا رسول الله ﷺ وعينه في يده: أيما أحبّ إليك: عين في الجنة أو أدعو الله أن يردها عليك؟ قال: بل عين في الجنة. ورمى بها، وأصيبت عينه الأخرى يوم اليرموك تحت راية يزيد ابنه. وقيل: توفي سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع. وولد قبل الفيل بعشر سنين. وكان ربعاً، عظيم الهامة.
وعن مجاهد " فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفّرِ " قال: أبو سفيان. وقال مالك: أبو سفيان، وأبو جهل وابنه، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة. وقيل بدل وابنه: وأمية بن خلف.
وعن سعيد " إِنَّ الذيْنَ كَفَرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالَهُمْ " قال: نزلت في أبي سفيان.
وعن أبي سفيان أن أمية بن أبي الصلت كان معه بغزة - أو قال: بإيلياء - فلما قفلنا قال لي أمية: يا أبا سفيان، هل لك أن نتقدم عن الرفقة فنتحدث؟ قلت: نعم. قال: ففعلنا. فقال له: يا أبا سفيان، إيهٍ عن عتبة بن ربيعة قال: كريم الطرفين ويجتنب المظالم والمحارم. قلت: نعم. قال: وشريف مِسَنّ. قال: السنّ والشرف أزريا به. فقلت له: كذبت، ما ازداد سنّاً إلا ازداد شرفاً. قال: يا أبا سفيان، إنها لكلمة ما سمعت أحداً يقولها لي منذ تنصّرت، لا تعجل علي حتى أخبرك، قال: هات. قال: إني كنت أجد في كتبي نبياً يبعث من حرّتنا هذه، فكنت أظن بك، كنت لا أشك أني هو. فلما دارست أهل
стр. 3692
العراق إذ هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحداً يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة. فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس له حين جاوز الأربعين، ولم يوح إليه. قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربه، وأوحي إلى رسول الله ﷺ . وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية بن أبي الصلت فقلت له كالمستهزىء به: يا أمية، قد خرج النبي الذي كنت تنتظر، قال: أما إنه حق فاتبعه. قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما يمنعني إلا استحياء من نُسَيّات ثقيف. إني كنت أحدثهن أني هو، ثم يرونني تابعاً لغلام من بني عبد مناف، ثم قال أمية: وكأني بك يا أبا سفيان إن خالفته قد ربطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك إليه، فيحكم فيك ما يريد.
بلغ معاوية أن ابن الزبير يشتمه أبا سفيان فقال: بئس لعمر الله ما يقول في عمه. لكني لا أقول في أبي عبد الله رحمة الله عليه إلا خيراً، أن كان لامرأ صالحاً. خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفاً هنداً، وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي إذ لحقنا رسول الله ﷺ فقال أبو سفيان: انزل يا معاوية حتى يركب محمد، فنزلت عن الحمارة، وركبها رسول الله ﷺ فسار أمامهما هنيهة ثم التفت إليهما فقال: يا أبا سفيان بن حرب ويا هند بنة عتبة، والله لتموتن ثم لتبعثن ثم ليدخلن المحسن الجنة والمسيىء النار. ون ما أقول لكم لَحقّ، وإنكم لأول ن أنذرتم، ثم قرأ ﷺ : " حم تَنْزِلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيم " حتى بلغ " قَالَتا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " فقال له أبو سفيان: أفرغت يا محمد؟ قال: نعم، ونزل رسول الله ﷺ عن الحمارة وركبتها، وأقبلت هند على أبي سفيان وقالت: ألهذا الساحر الكذاب أنزلت ابني؟ قال: لا، والله ما هو بساحرا ولا كذاب.
حدث أبو ميسرة أن غلاماً من بني المغيرة شدّ فاطمة بن رسول الله ﷺ وهي جويرية - فنادت: يا آل عبد مناف فخرج أبو سفيان يشتد أول الناس.
стр. 3693
وعن ثابت البُناني قال: إنما قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن لأن رسول الله ﷺ كان إذا أوذي وهو بمكة فدخل دار أبي سفيان أمن، فقال النبي ﷺ يوم فتح مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
عن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلاً - عبد الله بن جبير. قال: ووضعهم موضعاً وقال: إن رأيتمونا تخطّفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. قال: فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت أسواقن وجلاجلهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمةَ، أي قومِ الغنيمةَ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟! قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنمية. فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك قوله: يدعوهم الرسول في أخراهم. فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلاً، فأصابوا منها سبعين رجلاً وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يم بدر أربعين ومئة، سبعين اسيراً وسبعين قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثاً. قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي حقافة، أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وقد كُفيتموهم، فما مالك عمر ﵁ نفسه أن قال: كذبتَ والله يا عدو الله، إن الذي عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك فقال: يم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مُثلة، لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز:
اعل هُبَل اعل هُبَل
стр. 3694
فقال رسول الله ﷺ : " ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله: ما نقول؟ قال: " الله أعلى وأجلّ ". قال: أن لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : " الا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسلو الله، وما نقول؟ قال: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم ".
وعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب
أن رجلاً قال لحذيفة: نشكو إلى الله صحبتكم رسول الله ﷺ وأنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا ندري يا بن أخي لو أدركَته كيف كنت تكون. لقد رأيتَنا مع رسول الله ﷺ ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة وقد نزل أبو سفيان وأصحابه بالعرصة، فقال رسول الله ﷺ : مَن رجل يذهب فيعلم لنا عِلم القوم أدخله الله الجنة؟ ثم قال: مَن رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟ فوالله ما قام منا أحد، فقال: مَن رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم جعله الله رفيقي يوم القيامة؟ فوالله ما قام منا أحد، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ابعث حذيفة، فقلت: دونك والله، فقال رسول الله ﷺ : يا حذيفة، فقلت: لبيك، بأبي أنت وأمي، فقال: هل أنت ذاهب؟ فقتل: والله، ما بي أن أقتل، ولكين أخشى أن أؤسر، فقال: إنك لن تؤسر، فقلت: مُرني يا رسول الله بما شئت، فقال ﷺ : اذهب حتى تدخل بين ظهراني القوم، فائت قريشاً فقل: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غداً أن يقولوا: أين قريش؟ أي قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم ائت بني كنانة، فقل: يا معشر كنانة، إنما يريد الناس إذا كان غداً أن يقولوا: أين بني كنانة؟ أين رماة الخندق؟ فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتال فيكم، ثم أئت قيساً فقل: يا معشر قيس، إنما يريد الناس إذا كان غداً أن يقولوا: أين قيس؟ أين أحلاس الخيل: أين الفرسان؟ فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتال فيكم، وقال لي لا تحدث شيئاً في سلاحك حتى تأتيني فتراني، فانطلقت حتى دخلت بين ظهراني القوم، فجعلت أصطلي معهم على نيرانهم، وجعلت ابث ذلك
стр. 3695
الحديث الذي أمرني به رسول الله ﷺ حتى إذا كان وجه السحر قام أبو سفيان فدعا اللات والعزى وأشرك. ثم قال: لينظر رجال مَن جليسه؟ ومعي رجل منهم يصطلي على النار، قال: فوثبت إليه، فأخذت بيده مخافة أن يأخذني، فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان ابن فلان، فقلت: أولى، فلما دنا الصبح نادّوا: أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟ فقالوا: أيْهات، هذا الذي أُتينا به البارحة. أين بنو كنانة؟ أين الرماة؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ أين الفرسان؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أُتينا به البارحة، فتخاذلوا. وبعث الله عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته، حتى لقد رأيت أبا سفيان وثبت على جمل له معقول فجعل يستحثه ولا يستطيع أني قوم. فولا ما أمرني به رسول الله ﷺ في سلاحي لرميته أدنى من تلك. قال: فجئت رسول الله ﷺ فجعلت أخبره عن أبي سفيان. قال: فجعل يضحك حتى جعلت أنظر إلى أنيابه.
قال مجاهد في قول الله " عَسَى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً " قال: مصاهرة النبي ﷺ إلى أبي سفيان بن حرب.
قال الزبير: وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان. زوجه إياها النجاشي، فقيل لأي سفيان وهو يومئذ مشرك يحارب رسول الله ﷺ : إن محمداً قد نكح ابنتك قال: ذاك الفحل لا يُقرَع أنفه.
وعن ابن عباس قال:
لما نزل رسول الله ﷺ بمرّ الظهران قال العباس بن عبد المطلب - وقد خرج مع
стр. 3696
رسول الله ﷺ من المدينة -: يا صباح قريش، والله لئن بغَتَها رسول الله ﷺ في بلادها فدخل مكة عَنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطاباً أو صاحب لبن أو داخلاً يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليأتوه فيستأمنوه، فخرجت، فوالله إن لأطوف بالأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حِزام وبُديل بن ورقاء وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله ﷺ قال: فسمعت أبا سفيان وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً، فقال بديل بن ورقاء: هذه والله نيران خزاعة، حشَّتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذلَ، فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة وهو أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله ﷺ في الناس قد دلف إليكم بما لا قِبَل لكم به، في عشرة آلاف من المسلمين، قال: فكيف الحيلة، فداك أبي وأمي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البلغة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ فإنه والله لئن ظفر بك ليضربَنّ عنقك، فردفني، فخرجت أركض به بغلة رسول الله ﷺ نحو رسول الله ﷺ . فكلما مررت بنارٍ من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا: عّم رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله ﷺ حى مررت بنار عمر بن الخطاب فنظر فرآه خلفي فقال عمر: أبو سفيان؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتد نحو رسول الله ﷺ وركضتُ البغلة حتى اقتحمت على باب القبة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إن قد أمنته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما كثر فيه عمر قلت: فهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال عمر: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله ﷺ : اذهب به،
стр. 3697
فقد آمنّاه حتى تغدو به علي بالغداة. فرجع به إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ . فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان!. ألم يأنِ لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟! فقال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأرحمك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً بعد، فقال: ويحكم يا أبا سفيان! أولم يأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟! فقال: بابي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمكَ! أما والله هذه فإن في النفس منها شيئاً. فقال العباس: فقلت: ويلك تشهد بشهادة الحق قبل - والله - أن تضرب عنقك. فتشهد. فقال رسول الله للعباس حين تشهد أبو سفيان: انصرف به يا عباس فاحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه جنود الله، فقلت له: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً يكون له في قومه فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن.
فخرجت به حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي فمرّت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سُليم، فيقول: ما لي ولسُليم. وتمر به القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: مالي ولأسلم، وتمر جهينة فيقول: مالي ولجهينة، حتر مرّ به رسول الله ﷺ في الخضراء، إذ به رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار في الحديد لا يُرى منهم إلا الحدّق، فقال: يا ابا الفضل، من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، فقال: يا أبا الفضل، لقد اصبح ملك ابن أخيك عظيماً، فقلت: ويحك! إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: إلحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعاً حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد! يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به. قالوا: فمه، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالوا: ويحك: وما دارك وما تغني عنا؟! قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أعلق عليه داره فهو آمن.
стр. 3698
وفي حديث آخر: قال رسول الله ﷺ للعباس بعدما خرج: " احبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ". قال العباس: فعدلت به في مضيف الوادي إلى خطم الجبل. فلما حبست أبا سفيان قال: غدراً يا بني هاشم؟! فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون، ولكن لي إليك حاجة. فقال أبو سفيان؛ فهلا بدأت بها أوّلاً، فقلتَ: إن لي إليك حاجة فكان أفرخ لروعي؟ قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب.
وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه، ومرت القبائل على قادتها، والكتائب على راياتها. فكان أول من قدم رسول الله ﷺ خالدُ بن الوليد في بني سُليم، وهم ألف، فيه لواء يحمله عباس بن مرداس، ولواء يحمله خُفاف بن نُدبة، وراية يحملها الحجاج بن عِلاط. قال أبو سفيان: من هؤلاء، قال العباس: خالد بن الوليد. قال: الغلام؟ قال: نعم. فلما حاذى خالد بالعباس وإلى جنبه أبو سفيان كبروا ثلاثاً ثم مضَوا. ثم مر على إثره الزبير بن العوام في خمس مئة، منهم مهاجرون وأفناء الناس، ومعه راية سوداء. فلما حاذى أبا سفيان كبر ثلاثاً، وكبر أصحابه، فقال: من هذا؟ قال: الزبير بن العوام. قال: ابن أخيك؟ قال: نعم. ومرت بنو غفار في ثلاث مئة، يحمل رايتهم أبو ذر الغفاري - ويقال: إيماء بن رَحْضة - فلما حاذوه كبروا ثلاثاً. قال: يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ قال: بنو غفار: قال: ما لي ولبني غفار. ثم مضت أسلم في أربع مئة فيها لواءان، يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب، والآخر ناجية بن الأعجم. فلما حاذوه كبروا ثلاثاً. فقال: من هؤلاء؟ قال: اسلم. قال: يا ابا الفضل، مالي ولأسلم، وما كان بيننا وبينها تِرَة قط. قال العباس: هم قوم مسلمون، دخلوا في الإسلام. ثم مرت بنو كعب بن عَمرو في خمس مئة، يحمل رايتهم بشر بن سفيان. قال: من هؤلاء؟ قال: بنو كعب بن عمرو. قال: نعم، هؤلاء حلفاء محمد. فلما حاذَوه كبّروا ثلاثاً. ثم مرت مزينة في ألف، فيها ثلاثة ألوية، وفيها مئة فرس، يحمل ألويتها النعمان بن مَقرِّن، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو. فلما حاذوه كبروا، فقال: من هؤلاء؟ قال: مزينة. قال: يا أبا الفضل، مالي ولمزينة، قد جاءتني تُقعقع من شواهقها. ثم مرت جهينة في ثمان مئة مع قادتها، فيها أربعة ألوية: لواء من أبي رَوْعة معبد بن خالد، ولواء من سويد بن صخر،
стр. 3699
ولواء مع رافع بن مَكِيث، ولواء مع عبد الله بن بدر. قال: فلما حاذوه كبروا ثلاثاً. ثم مرت كنانة، بنو ليث وضمرة وسعد بن بكر في مئتين يحمل لواءهم أبو واقد الليثي. فلما حاذوه كبروا ثلاثاً، فقال: من هؤلاء؟ قال: بنو بكر. قال: نعم، أهل شؤم، والله. هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم. أما والله ما شُوورت فيه، ولا علمته، ولقد كنت له كارهاً حيث بلغني، ولكنه أمرٌ حُمّ. قال العباس: قد خار الله لك في غزو محمد ﷺ لكم ودخلتم في الإسلام كافة.
وفي حديث آخر قال:
مرت بنو ليث وحدها، وهم مئتان وخمسون، يحمل لواءها الصعب بن جثامة. فلما مر كبروا ثلاثاً، فقال: من هؤلاء قال: بنو ليث. ثم مرت أشجع وهم آخر من مرّ، وهم ثلاث مئة، معهم لواءان: لواء يحمله مَعْقِل بن سنان، ولواء من نُعَيم بن مسعود، فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا شدَّ العرب على محمد، فقال العباس: أدخل الله الإسلام قلوبهم، فهذا من فضل الله، فسكت ثم قال: ما مضى بعد محمد؟ قال العباس: لم يمض بعد. لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد ﷺ رأيت الحديد والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة. قال: أظن - والله - يا أبا الفضل، ومن له بهؤلاء طاقة؟ فلما طلعت كتيبة رسول الله ﷺ الخضراء طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون. كل ذلك يقول: ما مرّ محمد؟ فيقول العباس: لا حتى مرّ يسير على ناقته القصواء بين أبي بكر وأُسيد بن حَضير وهو يحدثهما، فقال العباس: هذا رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، فيها الرايات والألوية، مع كل بطن من الأنصار راية ولواء، في الحديد، لا يُرى منهم إلا الحدق، لعمر بن الخطاب ﵁ فيها زجل - وعليه الحديد - بصوت عال، وهو يَزعها، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، من هذا المتكلم؟ قال: عمر بن الخطاب. فقال: لقد أمر أمْرُ بن عدي بعدّ - والله - قلةٍ وذلّة، فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإسلام. ويقال: في الكتيبة، ألفا دارع واعطى رسول الله ﷺ رايته سعد ابن عبادة فهو أمام الكتيبة كلما مرّ سعد براية النبي ﷺ نادى: يا ابا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً. فأقبل رسول الله ﷺ حتى إذا حاذى بأبي سفيان، ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين
стр. 3700
مر بنا قال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً. وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبر الناس، وأفضل الناس. قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: يا رسول الله، ما نأمن سعداً أن يكون منه في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشاً. قال: وأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فعزله، وجعل اللواء إلى قيس بن سعد، ورأى رسول الله ﷺ أن اللواء لم يخرج من سعد حين صار لابنه، فأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بالأمارة من النبي ﷺ ، فأرسل النبي ﷺ إليه بعمامته، فعرها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
وعن أبي الوليد سعيد بن مينا قال:
لما نزل رسول الله ﷺ عام الفتح بمرّ قال رسول الله ﷺ : إن أبا سفيان يحضركم فانتشروا له، فخرجوا فاصابه عمر بن الخطاب فجاء به ملبَّباً، فقال العباس: يا بن الخطاب، ما حملك على الذي صنعت، لقد علمتَ أنه قد دار بيني وبينه لَوْث، ولولا ذلك ما جاء، فقال عمر: لولا أنك عم رسول الله ﷺ علمت ما أقول لك، دونكه، فجاء به إلى رسول الله ﷺ فخلاّه. فلما ولّى راجعاً قال: اجعل لي شيئاً آتِ به قومي، قال: تؤمِن من دخل دارك. فانطلق يسير والناس متفرقون في الأراك والسَّمُر، فقال رسول الله ﷺ للعباس: الحق صاحبك، فإني لا آمن أن يكون قد أحسّ في قلبه قلة القوم، أو رآهم متفرقين في السَّمُر والأراك، فيرجع إلى قومه فيخبرهم بذلك، فيرجع كافراً. فانطلق العباس يسير حتى إذا كان حيث ينظر إليه قال: أبا سفيان، قف. فإن لي إليك حاجة. قال: فأخبرني بها أقضها لك. قال: قف حتى أنتهي إليك. قال: غدراً يا بني هاشم؟ قال: ستعمل في آخر يومك أنا لسنا نغدِر، وأمر رسول الله ﷺ الناس فساروا، وأقبل خالد بن الوليد في كتيبة.، فقال أبو سفيان: ابن أخي هذا يا عباس؟ قال: لا، ولكن هذا خالد بن الوليد. ثم جاءت كتيبة أخرى
стр. 3701
فقالوا أبو سفيان: ابن أخيك هذا؟ قال: لا، ولكن فلان. ثم جاء رسول الله ﷺ في جماعة الناس، فقال أبو سفيان: إني لأظن هذا ابن أخيك؟ فقال: أجل، إي والله، لقد علمت ما حملك على الذي صنعت، إنما أردت أن تريني هؤلاء قال: أجل، إني حسبت أن يكون في نفسك قلة القوم وهم متفرقون في السَّمُر والأراك، فترجع إلى قومك فتخبرهم بذلك، ثم ترجع كافراً، فقال: أجل والله، لقد كان ذلك في نفسي، فوالله ما زالت أرى الكتائب والقبائل حتى رأيت أن جبال مكة ستسير معهم. فهذا حين أيقنت. فانطلق حتى انتهى إلى الأبطح، وعكرمة أبي جهل واقف في الناس، فقال: يا أبا سفيان، ما وراءك؟ فقال: مالا يدان والله لك به ولا قومك، فقال: إني لأظنك قد صبوت، فقال: وقد كان بعض ذلك، فقال: لعنك الله من رئيس قوم، فوالله لقد هممت أن أبدأ بك. فانطلق، فجاءت العجوز هند كاشفة عن ساقها تقول: أبا سفيان، ما وراءك؟ فقال: يا بنت عم، الخيل، فقالت: ثكل قِبن من وافد قوم، قتلت فلاناً - فسمت ابناً لها - وأكلت لحم معاوية. ونادى مناديه: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فدخلوا داره حتى ملأوها عليه، حتى لاذوا بالحيطان، وأقبل رسول الله ﷺ في الناس، وبعث خالد بن الوليد من قِبل اليمين، فالتفوا، وصرخ صارخ لقريش: لا قريش، هلكت قريش بعد اليوم، فشار رسول الله ﷺ فأمر مناديه: مَن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن.
قال يزيد الرقاشي: لما أتي رسول الله ﷺ بأبي سفيان عرض عليه الإسلام، فقال له أبو سفيان: وتحملني على بغلتك، وتكسوني بردتك، وتتخذ معاوية كاتباً - وأراه قال: وتزوج أم حبيبة - ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن؟ كل ذلك يقول رسول الله ﷺ : نعم. فأسلم. فسرحة ومشى رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى مكة، فالتقى القوم فاقتتلوا، ونفذ رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، فجعل يطعن بسية قوسه في عين الصنم، ويقول: " جَاءَ الحقُّ وزهق الباطلُ إن الباطلَ كان زهُوقاً ".
стр. 3702
وعن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: من دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم وكف يده فهو آمن. ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودارُ حكيم بأسفل مكة.
وعن سعيد بن المسيب قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أترين هذا من الله؟ قال: ثم أصبح فغدا أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : قلت لهند: أترين هذا من الله؟ نعم، هو من الله، فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به أبو سفيان ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند.
وعن ابن عباس قال:
رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطؤون عقبيه فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال، فجاء رسول الله ﷺ حتى ضرب بيده في صدره فقال: إذن يخزيك الله. قال: أتوب إلى الله وأستغفر الله، فما تفوهت به.
وفي حديث آخر بمعناه: فقال: ما أيقنت أنك نبيّ حتى الساعة، إن كنتُ لأحدث نفسي بذلك.
وعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: خرج النبي ﷺ ملتحفاً بثوب من بعض بيوت نسائه، وأبو سفيان جالس في المسجد، فقال أبو سفيان: ما أدري بم يغلبنا محمد، فأتى النبي ﷺ حتى ضرب في ظهره وقال: بالله يغلبك، فقال أبو سفيان: أشهد أنك رسول الله ﷺ .
وعن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله، ثلاث أسالك أن تعطيَنيهِنّ، قال: وما هنّ؟ قال: عندي أحسن الحرب
стр. 3703
وأجملهن أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك. قال: نعم، " قال " وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. قال أبو زُمَيل: ولولا أنه طلب من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يُسأل شيئاً إلا قال نعم.
وعن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ سبى يوم حنين ستة آلاف بين غلام وامرأة، فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب.
وعن عبد الله بن يزيد الهذلي قال: كان بين أبي سفيان وبين معقل بن خويلد في سَلَبِ رجل يوم حنين كلام. فقال رسول الله ﷺ : يا معقل اجتنب مغاضبة قريش.
حدث أبو الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب يمازح النبي ﷺ في بيت ابنته أم حبيبة ويقول: والله، إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب إن انتطحت جماء ولا ذات قرن، ورسول الله ﷺ يضحك ويقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟! وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار من تزوج إلي أو تزوجي إليه.
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ .
" شرط من ربي شروط ألا أصاهر إلى أحد، ولا يصاهر إلى أحد إلا كانوا رفقائي في الجنة، فاحفظوني في أصهاري وأصحابي، فمن حفظني فيهم كان عليهم من الله حافظ، ومن لم يحفظني فيهم تخلَّ الله منه. ومن تخلّى الله منه هلك ".
قال محمد بن عمر الواقدي: وكان رسول الله ﷺ قد غنم يوم حنين فضة كبيرة، أربعة آلاف أوقية،
стр. 3704
فجمعت الغنائم بين يدي النبي ﷺ ، فجاء أبو سفيان بن حرب، وبين يديه الفضة، فقال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريش مالاً، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: أعطني من هذا المال يا رسول الله، قال: يا بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية، وأعطوه مئة من الإبل. قال أبو سفيان: ابني يزيد أعطه. قال رسول الله ﷺ : زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مئة من الإبل. قال أبو سفيان: ابني معاوية يا رسول الله، قال: زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطوه مئة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم، فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيراً.
قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره: كان من إعطاء رسول الله ﷺ من أصحاب المئين من المؤلفة قلوبهم، من قريش وسائر العرب من بني عبد شمس أبو سفيان بن حرب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير.
وعن إسماعيل بن أمية قال: أفاض رسول الله ﷺ عن يمينه أبو سفيان بن حرب وعن يساره الحارث بن هشام، وبين يديه يزيد ومعاوية ابنا أبي سفيان على فرسين.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " احفظوني في أصحابي، فمن حفظني في أصاحبي رافقني، وورد على حوضي، ومن لم يحفظني فيهم لم يرد على حوضي، ولم يرني إلا من بعيد ".
عن سفيان الثوري في قوله تعالى: " وَسَلامٌ على عبادهِ الذينَ اطصفَى " قال: هم أصحاب محمد ﷺ .
стр. 3705
وعن سويد بن غفلة قال:
دخل أبو سفيان بن حرب " على علي والعباس فقال: يا علي وأنت يا عباس ": ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش، في تيم؟! أما والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً، فقال علي: يا أبا سفيان، طالما غششت الإسلام.
كان أبو سفيان بن حرب قاضي الجماعة يوم اليرموك يسير فيهم، ويقول: الله، الله، عباد الله انصروا الله ينصركم، اللهم، هذ١يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.
قال عبد الله بن الزبير: كنت مع أبي عام اليرموك. فلما تعبأ المسلمون للقتال لبس الزبير لأمته، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليين له: احبسا عبد الله بن الزبير معكما في الرحل، فإنه غلام صغير، ثم توجه، ودخل في الناس. فلما اقتتل الناس والروم نظرتُ إلى ناس وقوف على تل لا يقاتلون مع الناس. فأخذت فرساً للزبير خلّفه في الرحل، فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك الناس، فوقفت معهم وقلت: أنظر ما يصنع الناس. قال: فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخة من قريش من مهاجرة الفتح وقوفاً لايقاتلون. فلما رأوني رأوا غلاماً حدثاً لم يتقوني. قال: فجعلوا - والله - إذا مال المسلمون وركبهم الروم يقولون: إيهٍ بَلْ أصفر، وإذا مالت الروم وركبهم المسلمون قالوا: يا ويح بَلَ أصفر، فجعلت أعجب من قولهم. فلما هزم الله الروم، ورجع الزبير جعلت أخبره خبرهم. قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبَوا إلا ضغناً وماذا لهم في أن يظهر علينا الروم، ولَنحن خير لهم منهم؟! وعن جويرية بنت أسماء أن عمر بن الخطاب قدم مكة فجعل يجتاز في سككها. فيقول لأهل المنزل: قُمّوا أفنيتكم. فمر بأبي سفيان فقال: يا أبا سفيان، قموا فناءكم، فقال: نعم
стр. 3706
يا أمير المؤمنين، يجيء مُهّاننا، ثم إن عمر أجتاز بعد ذلك فرأى الفناء كما كان، فقال: يا ابا سفيان، ألم آمرك أن تقموا أفناءكم، قال: بلى، يا أمير المؤمنين، ونحن نفعل إذا جاء مهاننا. قال: فعلاه بالدِّرَّة بين أذنيه، فضربه، فسمعت هند فقالت: أتضربه؟! أما والله لرُب يوم لو ضربته لاقشعر بك بطن مكة، فقال عمر: صدقت، ولكن الله رفع بالإسلام أقواماً، ووضع به آخرين.
وعنه قال: أغلظ أبو بكر يوماً لأبي سفيان أبو قحافة له: يا أبا بكر لأبي سفيان تقول هذه المقالة؟! قال: يا أبه، إن الله رفع بالإسلام بيوتاً، ووضع بيوتاً. فكان بيتي فيما رفع، وبيت أبي سفيان فيما وضع الله.
قدم عمر بن الخطاب مكة، فوقف على الردم فقال له أهل مكة: إن أبا سفيان قد سدّ علينا مجرى السيل بأحجار وضعها هناك، فقال: عليَّ بأبي سفيان، فجاء فقال: لا أبرح حتى تنقل هذه الحجارة، حجراً حجراً بنفسك، فجعل ينقلها، فلما رأى ذلك عمر قال: الحمد لله الذي جعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه.
قال زيد بن اسلم: لما ولي عمر بن الخطاب معاوية الشام خر معه بأبي سفيان بن حرب. قال: فوجّه معاوية مع أبي سفيان إلى عمر بكتاب ومال وكبل. قال: فدفع إلى عمر الكتاب والكبل، وحبس المال. قال عمر: ما أرى نضع هذا الكبل في رجل أحد قبلك. قال: فجاء بالمال، فدفعه إلى عمر.
وعن عبد الله بن عمر قال: لما هلك عمر بن الخطاب وجد عثمان بن عفان في بيت مال المسلمين ألف دينار مكتوباً عليها: عزل ليزيد بن أبي سفيان، وكان عاملاً لعمر. فأرسل عثمان إلى أبي سفيان أنا وجدنا لك في بيت مال المسلمين ألف دينار، فارسل فاقبضها، فأرسل إليه أبو سفيان فقال: لو علم ابن الخطاب لي فيها حقاً لأعطانيها، وماحبسها عني، وأبى أن يأخذها.
стр. 3707
قال عبد العزيز بن عمران: قيل لأبي سفيان بن حرب: ما بلغ بك من الشرف ما نرى؟! قال: ما خاصمت رجلاً إلا جعلت للصلح بيني وبينه موضعاً، أو قال: موعداً.
وعن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أن هنداً أم معاوية قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يدري. فقالت: هل علي في ذلك من شيء؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
وعن سعيد قال: قال عمر بن الخطاب لأبي سفيان بن حرب: لا أحبك أبداً، رب ليلة غممتَ فيها رسول الله ﷺ .
وعن أنس أن أبا سفيان بن حرب دخل على عثمان بعدما عمي فقال: ها هنا أحد؟ قالوا: لا، قال: اللهم، اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك ملك عاصبية، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية.
توفي أبو سفيان سنة إحدى وثلاثين. وقيل: في سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل سنة ثلاث وثلاثين. وقيل: سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان.
صدقة بن أحمد بن عبد العزيز
أبو القاسم الألهاني البزاز حدث عن أبي خازم محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاخترا ذلك العبد ما عند الله. فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه، أن خبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيِّر. فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول الله ﷺ : إنّ أحَنْ الناس علي في صحبته
стр. 3708
وما له أبو بكر، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ولكن خلة الإسلام ومودته. لايبقى في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر.
صدقة بن حديد بن يوسف
ابن عبد الله. أبو القاسم المقرىء حدث عن أبي بكر يوسف بن القاسم بن يوسف الميانجي بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ".
قال: فقال رجل لمحارب بن دثار: إن هذا الحديث ثبت؟ قال: وما يمنعه أن يكون ثبتاً، وهو عن ابن عمر عن النبي ﷺ ؟
صدقة بن خالد
أبو العباس القرشي الدمشقي حدث عن ابن جابر بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه لم يبقى من الدنيا إلا بلاء وفتنة ".
ولد صدقة سنة ثمان عشرة ومئة. وكان مولى بني أمية. وقي: مولى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز.
توفي صدقة سنة ثماين ومئة. وقيل: سنة أربع وثمانين.
صدقة بن عبد الله أبو معاوية
الدمشقي ويقال: أبو محمد، المعروف بالسمين حدث صدقة عن أبي وهب عن مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الناس اليوم كشجرة ذات جنى، ويوشك أن يعود الناس كشجرة ذات شوك،
стр. 3709
إن ناقدتهم ناقدوك. وإن هربت منهم طلبوك. قال: فقلنا: فكيف المخرج يا رسول الله؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك ".
وحدث عن نصر بن علقمة بسنده عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: " أبغض الخلق إلى الله لَمَن آمن ثم كفر ".
وثقه قوم، وجرّحه آخرون. وقال دُحيم: صدقة السمين محله الصدق، غير أنه كان يشوبه القدر. وقال غيره: كان منكر الحديث جداً.
مات صدقة السمين سنة ست وستين ومئة.
صدقة بن عبد الله بن عبد القادر
أبو القاسم الشافعي حدث عن القاضي يوسف بن القاسم بسنده عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " من ذُكرتُ عنده فليصلِّ علي، فإنه من صلّى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً ".
صدقة بن علي بن محمد
ابن المومَّل. أبو القاسم التميمي الدارمي الموصلي قاضي نصيبين.
حدث عن إبراهيم بن ثُمامة الحنفي بسنده عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: " إذا سمعت النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن ".
стр. 3710
صدقة بن محمد بن أحمد بن محمد
ابن عبد الملك بن مروان. أبو القاسم القرشي، المعروف بابن الدلم حدث عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي بسنده عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: " أما إنكم ستُعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ".
صدقة بن محمد بن محمد بن محمد
ابن خالد بن معيوف أبو الفتح الهمداني العين ثرمي من أهل عين ثرماء.
حدث عن ابي الجهم بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " من أتى الجمعة والإمامُ يخطب كانت له ظُهراً ".
صدقة بن المظفر بن علي
ابن محمد. أبو الفرج الأنصاري حدث عن أحمد بن يوسف بن خلاد بسنده عن بشر بن سُحيم قال: قال لي رسول الله ﷺ : " انطلق فنادِ أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وأن أيام التشريق أيام أكل وشرب ".
стр. 3711
صدقة بن موسى الدقيقي
أبو المغيرة
حدث عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: ذكر النبي ﷺ ، قال: وقّت لنا أربعين يماً في حلق العانة. ونتف الإبط، وقصّ الأظفار، وقصّ الشارب.
صدقة بن يزيد الخراساني
سكن بدمشق وبيت المقدس. ونسبه يحيى بن معين إلى دمشق لسكنه بها.
حدث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: تراءى الناس الهلال ذات ليلة فقالوا: ما أحسنه، ما أبينه، فقال رسول الله ﷺ : " كيف أنتم إذا كنتم من دينكم في مثل القمر ليلة البدر، لا يبصره منكم إلا البصير؟ ".
وحدث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال الله تعالى: إن من أصححته ووسعت عليه لم يزرني في كل خمسة أعوام عاماً لَمَحروم ".
قال رَوّاد بن الجراح: سالني صدقة أن آتيه بكتب، فوعدته. فمكثت أياماً، ثم جئته فقال: أين كنت؟ فقلت: شغلني عنك صديق لي. قال: فقال: صديق؟! قال: قلت: نعم. قال: أنا أكبر من أبيك، وما أعلم لي صديقاً، ثم قال: سمعت قتادة يقول في قول الله تعالى: " أَوْصَدِيْقِكُمْ " قال: هو الرجل يكون بينه وبين الرجل الإخاء والمودة، فيأتيه
стр. 3712
فيطلبه في منزله فيقول: أين أخي فلان؟ فيقول له أهله: ليس هاهنا، فيقول: غدونا، عشونا. أعطوني ثوبه. أسرجوا لي دابته، فيفعلون ذلك به، فيأتي الرجل فيقول له أهله: قد جاء أخوك فلان. غديناه، عشيناه، أسرجنا له دابتك، أعطيناه ثيابك، فلا يقع في قلبه إلا كما قيل: جاء أبوك وأخوك وعمك، فعلنا به ذلك. فذلك الصديق.
ضعفه قوم. وقال يحيى بن معين: هو صالح الحديث.
صدقة بن يزيد
قال صدقة بن يزيد: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شرف من الأرض بناحية طرابلس - وقيل: أنطابلس - أحدها مكتوب عليه: الطويل
وكيف يلذ العيش من هو موقنٌ ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلُهْ
وتسلبُه ملكاً عظيماً ونخوةً ... وتسكنه البيت الذي هو آهلهْ؟
وعلى القبر الثاني:
وكيف يلذُّ العيش من هو عالمٌ ... بأن إلهَ الخلقِ لابدّ سائلُهْ
فيأخذ منهُ ظلمَه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله؟
وعلى القبر الثالث:
وكيف يلذُّ العيشَ مَن هو صائرٌ ... إلى جدثٍ تُبلي الشباب منازلُهْ
ويذهبُ حسنُ الوجهِ من بعد ضوئه ... سريعاً ويبلي جسمه ومفاصله؟
وإذا هي قبور مسنمة على قدر واحد جنبها إلى جنب بعض. فنزلت قرية بالقرب منها فقلت لشيخ بها: لقد رأيت عجباً. قال: وماذاك؟ قلت: هذا القبور. قال: حديثها أعجب مما رأيت عليها. قلت: فحدثني. قال: كانوا ثلاثة إخوة: واحد يصحب السلطان، ويؤمَّر على الجيوش والمدن. وأخر تاجر موسر مطاع في تجارته. وآخر زاهد قد تخلى وتفرد لعبادة ربه. فحضرت العابد الوفاة، فأتاه أخوه صاحب السلطان - وكان عبد الملك بن مروان قد ولاّه بلادنا - وأتاه
стр. 3713
التاجر فقالا له: توصي بشيء؟ قال: والله مالي مال أوصي فيه، ولا علي دَيْن فأوصي به، ولا أخلف من الدنيا عرضً. فقال ذو السلطان: هذا مالي يا أخي، أعهد إلي بما أحببت، فأمسك عنه. وقال التاجر: عرفت مكسبي، ولعل في قلبك غصة من الخير لم تبلغها إلا بالانفاق، فاحكم في مالي بما أنفذه لك. قال: لا حاجة لي في مالكما. ولكن أعهد إليهما عهداً، فلا تخالفاه: إذا مت فادفناني على نَشَزٍ من الأرض واكتبا على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ منهُ ظلمَه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله؟
ثم زوروا قبري ثلاثة أيام لعلكما تتعظان، ففعلا ذلك. وكان أخوه يركب في جنوده حتى يأتي قبره، فيقرأ عليه ويبكي. فلما كان اليوم الثالث أتى القبر. فلما أراد الانصراف سمع من داخل القبر هدّة أرعبته وأفزعته، فانصرف مذعوراً وجلاً. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه فقال: أي أخي، ما الذي سمعتُ في قبرك؟ ّ قال: هذه المِقْمعة. قيل لي: رأيت مظلوماً فلم تنصره. فأصبح فدعا أخاه وخاصته فقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره إلا لنغير ونراجع ونتوب. وإني أُشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبداً. فترك الإمارة، ولزم العبادة. وبلغ ذلك عبد الملك فقال: خلوه وما اختار لنفسه، وكان مأواه البراري والجبال وبطون الأودية. فحضرته الوفاة وهو مع بعض الرعاء، فأتى الراعي أخاه فأعلمه فأتاه فحمله إلى منزله قبل موته. فقال: يا أخي، ألا توصي إلي؟ قال: مالي مال، ولا عليَّ دَيْن فأوصيك. ولكن أعهد إليك إذا أنا متّ فاجعل قبري إلى جنب قبر أخي واكتب عليه:
وكيف يلذ العيش من هو موقنٌ ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلُهْ
وتسلبُه ملكاً عظيماً ونخوةً ... وتسكنه البيت الذي هو آهلهْ؟
ثم تعاهد قبري وادع الله لي، لعله يرحمني. فلما مات فعل به أخوه ذلك.
стр. 3714
فلما كان اليوم الثالث من إتيانه القبر أراد أن ينصرف فسمع وَجْبَة من القبر كادت أن تذهل عقله. فرجع مرعوباً. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه، قال: فوثبت إليه لما تداخل قلبي من السرور، فقلت له: يا أخي، أتيتنا زائراً أم راغباً؟ فقال: هيهات، بعُد المزار، واطمأنت بنا الدار. فليس لنا مزار، فقلت، فكيف أنت؟ قال: بكل خير. وما أجمع التوبة لكل خير. قلت: فكيف أخي؟ قال: مع الأئمة الأبرار. قال: قلت: فما مرنا قبلكم؟ قال: من قدّم شيئاً وجده. فاغتنم وُجْدك قبل فقرك، فاصبح أخوه الثالث معتزلاً الدنيا. وفرّق ماله، وقسّم متاعه، وأقبل على طاعة الله .
ونشأ له ابن كأهنأ الشباب. فأقبل على المكاسب حتى أتت أباه الوفاة، فقال: يا أبه، ألا توصي؟ فقال: يا بني، ما لأبيك مال فأوصي فيه. ولكن أعهد إليك إذا أنا متّ أن تدفنني مع عميك، وأن تكتب على قبري:
وكيف يلذُّ العيشَ مَن هو صائرٌ ... إلى جدثٍ تُبلي الشباب منازلُهْ؟
ويذهبُ رسمُ الوجهِ من بعد ضوئه ... سريعاً ويبلي جسمه ومفاصله
ثم تعاهد قبري ثلاثاً، وادع الله لي. ففعل الفتى ذلك.
فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتاً هاله، فانصرف مهموماً. فما كان الليل رأى أباه في منامه فقال له: يا بني، أنت عندنا عن قليل، والأمر جدّ. فاستعدّ وتأهّب لرحيلك وطول سفرك وطول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل الذي أنت له قاطن، ولا تغتر بما اغتر به البطالون من طول آمالهم فقصروا في أمر معادهم، فندموا عند الموت، وأسفوا على تضييع العمر، فلا الندامة عند الموت نفعتهم، ولا الأسف على التقصير أنقذهم. أي بني، فبادر، ثم بادر، ثم بادر.
قال الشيخ: فدخلت على الفتى صبيحة ثالثة رؤياه فقصها علي وقال: ما أرى الأمر الذي قال أبي إلا وقد أظلني، فجعل يفرق ماله، ويقضي دَيْنه، واستحلّ معامليه، وودعهم وداعَ مَن أيقن أمراً فهو متوقع. وكان يقول: قال أبي: بادر، ثم بادر، ثم بادر، ولا أحسبها إلا ثلاثة أشهر أو ثلاثة أيام. ولعلي لا أدركها، لأنها أنذرني بالمبادرة ثلاثاً. فلما
стр. 3715
كان في آخر اليوم الثالث دعا أهله وولده، فودعهم، ثم استقبل القبلة، وتشهد، وجعل يدعو ويستغفر. فلما وجد الموت سجّى نفس، ومدّ الثوب على وجهه، ثم مات من الليل، ﵀، فمكث الناس ثلاثاً يزورونه.
فهذه قصة القبور، وإن فيهم يا بن أخي لمعتبر.
وقد روي هذا الخبر عن صدقة بن مرداس البكري. وذكره صاحب الأصل في ترجمة صدقة بن مرداس مختصراً.
٥٦ - صدقة الدمشقي حدث صدقة الدمشقي
أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام فقال: لأحدثنك بحديث كان عندي في التخت مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صوماً قواماً. وكان شجاعاً لا يفرّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وقال رسول الله ﷺ : أفضل الصيام صيام داود. وكان يقرأ الزبور لسبعين صوتاً يلوّن فيها. وكانت له ركعة من آخر الليل. فكان يبكي فيها نفسه، ويبكي لبكائه كل شيء، ويطرب لصوته المهموم والمحموم.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوممن أول الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، يستفتح الشهر بصيام، ووسطه بصيام، ويختمه بصيام.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم، فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر. يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب. وكان أينما أدركه الليل صَفَن بين قدميه، وقام يصلي حتى
следующие страницы →