Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
صدقة بن موسى الدقيقي
أبو المغيرة
حدث عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: ذكر النبي ﷺ ، قال: وقّت لنا أربعين يماً في حلق العانة. ونتف الإبط، وقصّ الأظفار، وقصّ الشارب.
صدقة بن يزيد الخراساني
سكن بدمشق وبيت المقدس. ونسبه يحيى بن معين إلى دمشق لسكنه بها.
حدث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: تراءى الناس الهلال ذات ليلة فقالوا: ما أحسنه، ما أبينه، فقال رسول الله ﷺ : " كيف أنتم إذا كنتم من دينكم في مثل القمر ليلة البدر، لا يبصره منكم إلا البصير؟ ".
وحدث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال الله تعالى: إن من أصححته ووسعت عليه لم يزرني في كل خمسة أعوام عاماً لَمَحروم ".
قال رَوّاد بن الجراح: سالني صدقة أن آتيه بكتب، فوعدته. فمكثت أياماً، ثم جئته فقال: أين كنت؟ فقلت: شغلني عنك صديق لي. قال: فقال: صديق؟! قال: قلت: نعم. قال: أنا أكبر من أبيك، وما أعلم لي صديقاً، ثم قال: سمعت قتادة يقول في قول الله تعالى: " أَوْصَدِيْقِكُمْ " قال: هو الرجل يكون بينه وبين الرجل الإخاء والمودة، فيأتيه
стр. 3712
فيطلبه في منزله فيقول: أين أخي فلان؟ فيقول له أهله: ليس هاهنا، فيقول: غدونا، عشونا. أعطوني ثوبه. أسرجوا لي دابته، فيفعلون ذلك به، فيأتي الرجل فيقول له أهله: قد جاء أخوك فلان. غديناه، عشيناه، أسرجنا له دابتك، أعطيناه ثيابك، فلا يقع في قلبه إلا كما قيل: جاء أبوك وأخوك وعمك، فعلنا به ذلك. فذلك الصديق.
ضعفه قوم. وقال يحيى بن معين: هو صالح الحديث.
صدقة بن يزيد
قال صدقة بن يزيد: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شرف من الأرض بناحية طرابلس - وقيل: أنطابلس - أحدها مكتوب عليه: الطويل
وكيف يلذ العيش من هو موقنٌ ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلُهْ
وتسلبُه ملكاً عظيماً ونخوةً ... وتسكنه البيت الذي هو آهلهْ؟
وعلى القبر الثاني:
وكيف يلذُّ العيش من هو عالمٌ ... بأن إلهَ الخلقِ لابدّ سائلُهْ
فيأخذ منهُ ظلمَه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله؟
وعلى القبر الثالث:
وكيف يلذُّ العيشَ مَن هو صائرٌ ... إلى جدثٍ تُبلي الشباب منازلُهْ
ويذهبُ حسنُ الوجهِ من بعد ضوئه ... سريعاً ويبلي جسمه ومفاصله؟
وإذا هي قبور مسنمة على قدر واحد جنبها إلى جنب بعض. فنزلت قرية بالقرب منها فقلت لشيخ بها: لقد رأيت عجباً. قال: وماذاك؟ قلت: هذا القبور. قال: حديثها أعجب مما رأيت عليها. قلت: فحدثني. قال: كانوا ثلاثة إخوة: واحد يصحب السلطان، ويؤمَّر على الجيوش والمدن. وأخر تاجر موسر مطاع في تجارته. وآخر زاهد قد تخلى وتفرد لعبادة ربه. فحضرت العابد الوفاة، فأتاه أخوه صاحب السلطان - وكان عبد الملك بن مروان قد ولاّه بلادنا - وأتاه
стр. 3713
التاجر فقالا له: توصي بشيء؟ قال: والله مالي مال أوصي فيه، ولا علي دَيْن فأوصي به، ولا أخلف من الدنيا عرضً. فقال ذو السلطان: هذا مالي يا أخي، أعهد إلي بما أحببت، فأمسك عنه. وقال التاجر: عرفت مكسبي، ولعل في قلبك غصة من الخير لم تبلغها إلا بالانفاق، فاحكم في مالي بما أنفذه لك. قال: لا حاجة لي في مالكما. ولكن أعهد إليهما عهداً، فلا تخالفاه: إذا مت فادفناني على نَشَزٍ من الأرض واكتبا على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ منهُ ظلمَه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله؟
ثم زوروا قبري ثلاثة أيام لعلكما تتعظان، ففعلا ذلك. وكان أخوه يركب في جنوده حتى يأتي قبره، فيقرأ عليه ويبكي. فلما كان اليوم الثالث أتى القبر. فلما أراد الانصراف سمع من داخل القبر هدّة أرعبته وأفزعته، فانصرف مذعوراً وجلاً. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه فقال: أي أخي، ما الذي سمعتُ في قبرك؟ ّ قال: هذه المِقْمعة. قيل لي: رأيت مظلوماً فلم تنصره. فأصبح فدعا أخاه وخاصته فقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره إلا لنغير ونراجع ونتوب. وإني أُشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبداً. فترك الإمارة، ولزم العبادة. وبلغ ذلك عبد الملك فقال: خلوه وما اختار لنفسه، وكان مأواه البراري والجبال وبطون الأودية. فحضرته الوفاة وهو مع بعض الرعاء، فأتى الراعي أخاه فأعلمه فأتاه فحمله إلى منزله قبل موته. فقال: يا أخي، ألا توصي إلي؟ قال: مالي مال، ولا عليَّ دَيْن فأوصيك. ولكن أعهد إليك إذا أنا متّ فاجعل قبري إلى جنب قبر أخي واكتب عليه:
وكيف يلذ العيش من هو موقنٌ ... بأن المنايا بغتةً ستعاجلُهْ
وتسلبُه ملكاً عظيماً ونخوةً ... وتسكنه البيت الذي هو آهلهْ؟
ثم تعاهد قبري وادع الله لي، لعله يرحمني. فلما مات فعل به أخوه ذلك.
стр. 3714
فلما كان اليوم الثالث من إتيانه القبر أراد أن ينصرف فسمع وَجْبَة من القبر كادت أن تذهل عقله. فرجع مرعوباً. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه، قال: فوثبت إليه لما تداخل قلبي من السرور، فقلت له: يا أخي، أتيتنا زائراً أم راغباً؟ فقال: هيهات، بعُد المزار، واطمأنت بنا الدار. فليس لنا مزار، فقلت، فكيف أنت؟ قال: بكل خير. وما أجمع التوبة لكل خير. قلت: فكيف أخي؟ قال: مع الأئمة الأبرار. قال: قلت: فما مرنا قبلكم؟ قال: من قدّم شيئاً وجده. فاغتنم وُجْدك قبل فقرك، فاصبح أخوه الثالث معتزلاً الدنيا. وفرّق ماله، وقسّم متاعه، وأقبل على طاعة الله .
ونشأ له ابن كأهنأ الشباب. فأقبل على المكاسب حتى أتت أباه الوفاة، فقال: يا أبه، ألا توصي؟ فقال: يا بني، ما لأبيك مال فأوصي فيه. ولكن أعهد إليك إذا أنا متّ أن تدفنني مع عميك، وأن تكتب على قبري:
وكيف يلذُّ العيشَ مَن هو صائرٌ ... إلى جدثٍ تُبلي الشباب منازلُهْ؟
ويذهبُ رسمُ الوجهِ من بعد ضوئه ... سريعاً ويبلي جسمه ومفاصله
ثم تعاهد قبري ثلاثاً، وادع الله لي. ففعل الفتى ذلك.
فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتاً هاله، فانصرف مهموماً. فما كان الليل رأى أباه في منامه فقال له: يا بني، أنت عندنا عن قليل، والأمر جدّ. فاستعدّ وتأهّب لرحيلك وطول سفرك وطول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل الذي أنت له قاطن، ولا تغتر بما اغتر به البطالون من طول آمالهم فقصروا في أمر معادهم، فندموا عند الموت، وأسفوا على تضييع العمر، فلا الندامة عند الموت نفعتهم، ولا الأسف على التقصير أنقذهم. أي بني، فبادر، ثم بادر، ثم بادر.
قال الشيخ: فدخلت على الفتى صبيحة ثالثة رؤياه فقصها علي وقال: ما أرى الأمر الذي قال أبي إلا وقد أظلني، فجعل يفرق ماله، ويقضي دَيْنه، واستحلّ معامليه، وودعهم وداعَ مَن أيقن أمراً فهو متوقع. وكان يقول: قال أبي: بادر، ثم بادر، ثم بادر، ولا أحسبها إلا ثلاثة أشهر أو ثلاثة أيام. ولعلي لا أدركها، لأنها أنذرني بالمبادرة ثلاثاً. فلما
стр. 3715
كان في آخر اليوم الثالث دعا أهله وولده، فودعهم، ثم استقبل القبلة، وتشهد، وجعل يدعو ويستغفر. فلما وجد الموت سجّى نفس، ومدّ الثوب على وجهه، ثم مات من الليل، ﵀، فمكث الناس ثلاثاً يزورونه.
فهذه قصة القبور، وإن فيهم يا بن أخي لمعتبر.
وقد روي هذا الخبر عن صدقة بن مرداس البكري. وذكره صاحب الأصل في ترجمة صدقة بن مرداس مختصراً.
٥٦ - صدقة الدمشقي حدث صدقة الدمشقي
أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام فقال: لأحدثنك بحديث كان عندي في التخت مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صوماً قواماً. وكان شجاعاً لا يفرّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وقال رسول الله ﷺ : أفضل الصيام صيام داود. وكان يقرأ الزبور لسبعين صوتاً يلوّن فيها. وكانت له ركعة من آخر الليل. فكان يبكي فيها نفسه، ويبكي لبكائه كل شيء، ويطرب لصوته المهموم والمحموم.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوممن أول الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، يستفتح الشهر بصيام، ووسطه بصيام، ويختمه بصيام.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم، فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر. يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب. وكان أينما أدركه الليل صَفَن بين قدميه، وقام يصلي حتى
стр. 3716
يصبح. وكان رامياً لا يفوته صيد يريده. وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم.
وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنة عمران، فإنها كانت تصوم يوماً وتفطر يومين.
وإن شئت أنبأتك بصوم النبي ﷺ العربي الأمي محمد، فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ويقول: إن ذلك صوم الدهر.
وفي حديث آخر ويقول: هي صيام الدهر، وهي أفضل الصيام.
صُدي بن عجلان بن عمرو
أبو أمامة الباهلي صحب سيدنا رسول الله ﷺ وروى عنه.
قال أبو أمامة الباهلي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلّوا خمسكم وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم طيّبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم ".
وفي حديث آخر زيادة: " وصلوا أرحامكم ".
حدث أبو غالب عن أبي أمامة قال: أتي برؤوس حرورية فنصبت على درج مسجد دمشق، فنظر إليها أبو أمامة وهي منصوبة، فقال: شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء، ثلاثاً. طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. قلت: يا أبا أمامة، أشيء تقوله أم شيء سمعت من رسول الله ﷺ ؟
стр. 3717
قال: إني إذاً لمريء، ثلاثاً. سمعت رسول الله ﷺ يقولها. وإلا فصُمَّتا.
وعن أبي غالب قال: كنت في مسجد دمشق إذ قدمت رؤوس من رؤوس اللأزارقة مما كان بعث به المهلب بن أبي صفرة. فنضبت عند درج المسجد. فاجتمع الناس ينظرون إليها، فدنوت منها، فجاء أبو أمامة فدخل المسجد، فصلّى ثم خرج. فلما رآها قال: سبحان الله! ما يصنع الشيطان بأهل الإسلام. ثم دنا من الرؤوس فقال: كلاب جهنم، ثلاثاً. شرّ قتلى قتلوا تحت ظل السماء. خير قتلى قُتلوا تحت ظل السماء؛ قتلى قتلهم هؤلاء. ثلاث مرات. ثم نظر في القوم فإذا هو بي فقال: أما إن هؤلاء بأرضك يا أبا غالب، قلت: أجل، فأعوذ بالله من شرهم. قال: نعم، فأعوذ بالله من شرهم. قال: أما تقرأ هذه الآية التي في أول آل عمران: " هُوَ الذي أنزلَ عليْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَاب وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ اللهُ ". ثم قال: أما تقرأ التي في آخر آل عمران: " يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسُوَدُّ وُجُوهٌ فأَمّا الَّذِيْنَ اسوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ " الآية.
قال وافترقت بنو إسرائيل على واحد وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة. وهذه الأمة ستزيد عليهم فرقة. كلم في النار غير السواد الأعظم. قال: ألا ترى ما فيه السواد الأعظم؟ وذلك في أول خلافة عبد الملك، والقتل يومئذ ظاهر. قال: عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حُملتم. قال: فقلت - أو قيل له - ما تقول في هؤلاء القوم؟ أشيء قلته برأيك أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: إني إذاً لجريء. لقد سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا ثنتين، ولا ثلاثة، ولا أربعة، ولا خمسة، ولا ستة، ولا سبعة.
سكن أبو أمامة الشام، وسكن حمص، وهو الصدي بن عجلان بن وهب بن عَريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن مَعْن بن مالك بن أعصُر. من أهل الشام. مات
стр. 3718
سنة ست وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة. وقيل: توفي سنة إحدى وثمانين. نُسب إلى باهلة. وباهلة بنت أود بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشحب بن يعرب بن قحطان. هي امرأة معن بن زيد بن أعصُر بن قيس عيلان.
قال سفيان: كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ بالشام أبو أمامة.
قال أبو أمامة: لما نزل: " لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المؤْمِنِيْنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " قال أبو أمامة: قلت: يا رسول الله: أنا ممن بايعك تحت الشجرة. قال: يا أبا أمامة، أنت مني وأنا منك.
وعن أبي أمامة من أحاديث عن رواة مجموعها قال: أنشأ رسول الله ﷺ يعني: غزواً - فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم، سلِّمهم - وفي رواية: ثبِّتهم وغنّمهم - فغزونا وسلمنا وغنمنا. ثم أنشأ رسول الله ﷺ غزواً ثانياً، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم، ثبِّتهم - وفي رواية: سلِّمهم - وغنِّمهم، فغزونا، فسلمنا وغنمنا. ثم أنشأ رسول الله ﷺ غزواً ثالثاً فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني قد أتيتك مرتين أسألك أن تدعو لي بالشهادة فقلت: اللهم، سلِّمهم وغنِّمهم، يا رسول الله فادع لي بالشهادة فقال: اللهم سلمهم وغنمهم فغزونا فلسلمنا وغنمنا ثم أتيته بعد ذلك فقلت يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك فينفعني الله بك، فقال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له. فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يُلفَون إلا صياماً. قال: فإن رأوا ناراً أو دخاناً بالنهار في منزلهم عرفوا أنهم قد اعتراهم ضيف. قال: ثم أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3719
فقلت: يا رسول الله، أمرتني بأمرٍ أرجو أن يكون الله قد نفعني به، فمرني بأمرٍ آخر عسى الله أن ينفعني به. قال: اعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، أو قال، حطّ عنك بها خطيئة، شك مهدي، أحد رواته.
وعن أبي أمامة قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى باهلة، فأتيتهم - وهم على طعام لهم - فرحبوا بي، وأكرموني، وقالوا لي: تعال فكُل، فقلت: جئت لأنهاكم عن هذا الطعام. وأنا رسول رسول الله ﷺ إليكم لتؤمنوا به. قال: فكذبوني، وردّوني، فانطلقت من عندهم، وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد، فنمت، فأُتيت في منامي بشربة من لبن فشربت، فشبعت ورَويت، فعظم بطني. فقال القوم: رجل من خيارك وأشرافكم رددتموه! اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. قال: فأتوني بطعامهم وشرابهم، فقلت: لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم، فإن الله قد أطعمني وسقاني، فنظروا إلى حالي التي أنا عليها فآمنوا بي وبما جئتهم به من عند رسول الله ﷺ .
وفي حديث آخر بمعناه، أتمّ منه، وقال في آخره: فحيث فرغت من شرابي استيقظت، فلا والله ما عطشت ولا غرِثت بعد تلك الشربة.
وعن أبي راشد قال: أخد أبو أمامة بيدي ثم قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم قال لي: " يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يَلين له قلبي ".
وعن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو متوكىء على عصاً، فقمنا إليه، فقال: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضاً ". قال: فكأنا اشتهينا أن يدعوا الله لنا فقال: " اللهم، اغفر لنا، وارحمنا، وارض عنا، وتقبّل منا، وأدخلنا الجنة، ونجّنا من النار، وأصلح لنا شأننا كله "، فكأنا اشتيهنا أن يزيدنا، فقال: " قد جمعت لكم الأمر ".
стр. 3720
وعن ابي أمامة قال:
رآني النبي ﷺ وأنا أحرّك شفتيّ فقال: " لمَ تحرك شفتيك؟ ". فقلت: أذكر الله. قال: " أفلا أدلك على شيء هو أكبر من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل؟ " قال: قلت بلى يا نبي الله. قال: " قل: الحمد لله عددَ ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السماوات والأرض، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، والحمد لله وسبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد ما في السماوات والأرض، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدّ كل شيء، وسبحانه الله ملء كل شيء ". قال: فكان أبو أمامة إذا حدث بهذا الحديث إنساناً قال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أعلمهن عقبي من بعدي، فعلِّمهن عقبك.
وعن سُليم بن عامر قال: جاء رجل إلى أبي أمامة وقال: يا أبا أمامة، إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك، كلما دخلت وكلما خرجت، وكلما قمت وكلما جلست، قال أبو أمامة: اللهم غفراً، دَعُونا عنكم. وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة. ثم قرأ: " يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اذكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيْراً وَسَبِّحُوه بُكْرَةً وَأَصِيْلاً هُوَ الَّذِيْ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لُيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَكَانَ بالُمؤْمِنِينَْ رَحِيماً ".
قال محمد بن زياد الألهاني: كنت آخذاً بيد أبي أمامة صاحب ﷺ فانصرفت معه إلى بيته، فلا يمر مسلم لا صغير ولا أحد إلا قال: سلام عليكم. سلام عليكم. فإذا انتهى إلى باب داره التفت إلينا ثم قال: أي أخي، أمرنا نبينا ﷺ أن نفشي السلام.
стр. 3721
قال محمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده، ويدعو ربه، فقال أبو أمامة: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك.
قال سليمان بن حبيب المحاربي: دخلت على أبي أمامة مع مكحول وابن أبي زكريا فنظر إلى أسيافنا، فرأى فيها شيئاً من وَضَح فقال: إن المدائن والأمصار فتحت بسيوفٍ ما فيها الذهب ولا الفضة. فقلنا: إنه أقل من ذلك فقال: هو ذاك. أما إن أهل الجاهلية كانوا أسمح منكم. كانوا لا يرجون على الحسنة عشرة أمثالها، وأنتم ترجون ذلك، ولا تفعلونه. قال: فقال محكول لما خرجنا من عنده: لقد دخلنا على شيخ مجتمع العقل.
قال سليمان بن حبيب:
خرجت غازياً، فلما مررت بحمص دخلت إلى سوقها أشتري ما لا غنى بالمسافر عنه. فلما نظرت إلى باب المسجد قلت: لو أني دخلت فركعت ركعتين. فلما دخلت نظرت إلى ثابت بن معبد وابن أبي زكريا ومحكول - وليس محكولنا هذا - في نفر من أهل دمشق. فلما رأيتهم أتيتهم فجلست إليهم، فتحدثنا شيئاً ثم قالوا: إنا نريد أبا أمامة، فقاموا وقمت معهم حتى دخلنا عليه، فإذا شيخ قد رقّ وكبر، فإذا عقله ومنطقه أفضل مما نرى من منظره. فقال في أول ما حدثنا: إن مجلسكم هذا من بلاغ الله إياكم، وحجّته عليكم، فإن رسول الله ﷺ قد بلغ ما أرسل به، وإن أصحابه قد بلغوا ما سمعوا، فبلَّغوا ما تسمعون: ثلاثة كلهم ضامن على الله حتى يدخله الجنة أو يرجعه بما نال من أجر وغنيمة: رجل قاتل فقتل في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يدخله الجنة أو يرجعه الجنة أو يرجعه بما نال من أجر وغنيمة ورجل توضأ ثم عمد إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يدخله الجنة أو يرجعه بما نال من أجر أوغنيمة. ورجل دخل بيته بسلام. قال: ثم قال: إن في جهنم جسراً له سبع قناطر، على أوسطهن القضاء. قال: فيُجاء بالعبد حتى إذا انتهى إلى القنطرة الوسطى قيل له: ماذا عليك من الدَّيْن؟ قال: فيجيبه - ثم تلا هذه الآية "
стр. 3722
وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً " - فيقول: يا رب، عليّ كذا وكذا. قال: فيقال: اقض دَينك. قال: فيقول: ما لي شيء. ما أدري ما أقضي به. قال: فيقال: خذوا من حسناته. قال: فما يزال يؤخذ من حسناته حتى ما تبقى له حسنة. فإذا فنبت حسناته قال: فيقال: خذ " وا " من سيئاته من يطلبه، فركّبوا عليه. قال: فلقد بلغني أن رجالاً يجيئون بأمثال الجبال من الحسنات. فما تزال تؤخذ لمن يطلبهم حتى ما تبقى لهم حسنة. ثم تركب عليهم سيئات من يطلبهم حتى تُرد عليهم أمثال الجبال. قال: وسمعته يومئذ يقول: يتقدم واعظ في الكذب تقدماً ما سمعت واعظاً قط يتقدمه، حتى إن كنت أقول: لقد بلغ هذا الشيخ من كذب الناس شيئاً ما أدري ما هو ثم قال: إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة.
قال: فبينا هو يحدثنا إذ عقد، ثم قال: أيها الناس، لأنتم أصل من أهل الجاهلية. إن الله جعل لأحدكم الدينار ينفقه في سبيل الله بسبع مئة دينار، والدرهم بسبع مئة درهم، ثم إنكم صارّون تُمسكون. أما والله لقد فتحت الفتوح بسيوف ما حِلْيَتُها الذهب والفضة، ولكن حليتها العَلابيّ أو الآنك والحديد.
قال سُليم بن عامر: كان أبو أمامة إذا قعدنا إليه يجيئنا من الحديث بأمر عظيم ويقول لنا: اسمعوا، واعقلوا وبلِّغوا عنا ما تسمعون.
قال سليم: بمنزلة الذي يشهد على ما علم.
стр. 3723
وفي حديث قال: قال أبو أمامة: اعقلوا، فلا إخال العقل إلا قد رفع. نحن للحديث الذي كنا نسمعه على عهد النبي ﷺ أعقل عليه منا على حديثكم اليوم.
وعن أبي أمامة أنه عاد خالد بن يزيد بن معاوية وهو أمير على حمص. فلما بصر به خالد ألقى له مِرْفَقة - كان عليها متكئاً - من حرير. فلما رآها تنحى عنها ثم جلس فقال: هل سمعت فيها شيئاً يا أبا أمامة؟ قال: نعم. سمعت أنه لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا خلاق له في الآخرة. فقال له: أمن رسول الله ﷺ سمعته؟ فسكت. ثم قال: أمن رسول الله ﷺ ؟ فسكت. ثلاثاً. فقال: اللهم غفراً، كنا في قوم يحدثونا فلا يكذبونا ولا نكذبهم.
وعن ابن عائذ قال: وعظ أبو أمامة الباهلي فقال: عليكم بالصبر فيما أحببتم وكرهتم. فنعم الخصلة الصبر. ولقد أعجبتكم الدنيا وجرّت لكم أذيالها. ولبست ثيابها وزينتها. إن أصحاب نبيكم ﷺ كانوا يجلسون بفناء بيوتهم ويقولون: نجلس فنسلِّم ويُسلَّم علينا.
وقال أبو أمامة: حَبِّبُوا الله إلى الناس يحببكم الله.
وعن أبي أمامة قال: المؤمن في الدنيا بين أربعة: بين مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان قد يوكل به.
قال سعيد الأزدي:
دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا سعيد، إذا أنا مت، فاصنع بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا فقال: " إذا مات الرجل منكم، فدفنتموه، فليقم أحدكم عند رأسه، فليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع، فليقل: يا فلان، فإنه يستوي قاعداً، فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول: أرشدني رحمك الله، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله باعث من في القبور. فإن منكراً ونكيراً عند ذلك يأخذ كل
стр. 3724
واحد بيد صاحبه ويقول: قم، ما نصنع عند رجل لقّن حجته، فيكون الله تعالى حجتهما دونه ".
وفي حديث بمعناه: وأنك رضيت بالله رباً وبمحمد ﵇ نبياً. وبالإسلام ديناً. وفي آخره فقال له رجل: يا رسول الله، فإن لم أعرف أمه: قال: انسبه إلى حواء.
قال الحسن: آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة جابر بن عبد الله، وبالبصرة أنس بن مالك، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، وبالشام أبو أمامة الباهلي.
وقيل: آخر من بقي بالشام عبد الله، بن بسر، وآخر من بقي بالمدينة سهل بن سعد.
صعصعة بن صُوحان بن حُجر
ابن الحارث بن الهِجْرس بن صَبرة بن حِدّرِجان بن عِسَاس بن ليث بن حُدَاد بن ظالم بن ذُهل ابن عِجل بن عمرو بن وديعة بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن جديلة بن دُعميّ بن أسد ابن ربيعة بن نزار أبو عمرو ويقال: أبو طلحة - العبدي أخو زند بن صوحان. من أهل الكوفة. شهد مع علي صفين، وأقره على بعض الكراديس. وسيّره عثمان إلى الشام. ثم قدم دمشق على معاوية.
حدث صعصة بن صوحان عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُستمتع من الحرير بشيء.
وعن مالك بن عمير قال: إن لقاعد مع علي إذ جاءه صعصة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، انهَنا
стр. 3725
عم نهاك عنه رسول الله ﷺ قال: نهانا عن الدُّباء، والحنتم، والنقير، والمِيثَرة الحمراء، ونهانا عن لبس الحرير، ونهانا عن لبس القَسِّي، وعن حلي الذهب. قال: وكساني النبي ﷺ بردين من حرير فخرجت فيهما إلى الناس لينظروا إلى كسوة النبي ﷺ علي، فرآهما علي فأمرني بنزعهما، وأعطى أحدهما فاطمة. وشق الآخر باثنين لبعض نسائه.
عن بريدة بينا هو جالس بالكوفة في مجلس مع أصحابه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عِيالاً ". قال: فقال صعصعة بن صوحان - وهو أحدث القوم سناً - صدق الله ورسوله. ولو لم يقلها كان كذلك: فتوسمه رجل من الجلساء فقال له بعد ما تصدع القوم من مجلسهم: ما حملك على أن قلت: صدق نبي الله، ولو لم يقلها كان كذلك؟ قال: بلى، أما قول النبي ﷺ : إن من البيان سحراً؛ فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحقّ وهو عليه. وأما قوله: إن من العلم صاحب جهلاً؛ تكلُّف العالم إلى علمه ما لا يعلم، فيجهّله ذلك. وأما قوله: إن من الشعر حكماً: فهي هذه المواعظ والأمثال التي يعظ بها الناس. وأما قوله: إن من القول عيالاً: فعَرضُك كلامَك وحديثَك على من ليس من شأنه، ولا يريده.
وعن حميد بن هلال العدوي قال: قام صعصعة بن صوحان العبدي إلى عثمان بن عفان، وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، مِلت فمالت أمتك، يا أمير المؤمنين، أعتدل تعتدل أمتك. قال: أسامع أنت مطيع؟ قال: نعم. قال: فاخرج إلى الشام. قال: فطلق امرأته كراهة أن يعضِلها، وكانوا يرون الطلقة عليهم حقاً.
وكان صعصعة من أصحاب الخطط، وكان خطيباً. وكان من أصحاب علي بن أبي
стр. 3726
طالب، وشهد معه الجمل هو وأخواه زيد وسيحان ابنا صوحان. وكان سيحان الخطيب قبل صعصعة. وكانت الراية يوم الجمل في يده. فقتل فأخذها زيد فقتل فأخذها صعصعة.
وتوفي صعصعة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وكان ثقة، قليل الحديث.
دخل علي على صعصعة يعوده، فقال له علي: لا تتخذها أبهة على قومك أن عادكَ أهلُ بين نبيك ﷺ في مرضك. قال: بلى، منٌّ علي من الله أن عادني أهل بيت نبيّي في مرضي. قال: فقال له علي: إنك والله ما علمت خفيف المؤنة، حسن المعونة. فقال له صعصعة: وأنت - والله ما علمت - بالله عليم، والله في عينك عظيم.
وعن صعصعة بن صوحان قام ذات يوم فتكلم فأكثر، فقال عثمان: يا أيها الناس، إن هذا البجباج النفّاج، لا يدري من الله، ولا أين الله، فقال صعصعة: أما قولك: ما أدري مَن الله، فإن الله ربنا وربّ أبائنا الأولين. وأما قولك: لا أدري أين الله، فإن الله بالمرصاد ثم قرأ: " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوْا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيْرٌ " حتى فرغ من هذه الآيات فقال - يعني عثمان -: ويحك ما نزلت هذه الآية إلا فيّ وفي أصحابي. أُخرجنا من مكة بغير حق.
أرسل المغيرة بن شعبة إلى صعصعة فسأله عن عثمان، فذكر صعصعة رسول الله ﷺ فعزره وأثنى عليه بما هو أهله. ثم ذكر أبا بكر فقال: هو أول من جمع المصحف، وورث الكلالة. ثم ذكر عمر فقال: هو أول من دون الدواوين ومصّر الأمصار، وخلط الشدة باللين. ثم ذكر عثمان فقال: كانت إمارته قدراً، وكان قتله قدراً. فقال له المغيرة: اسكت، كانت إمرته قدراً وكان قتله قدراً. فقال له صعصعة بن صوحان: دعَوتَني فأجبت، واستنطقتني فنطقت، وأسكتني فسكتُّ.
стр. 3727
قال زرارة بن أوفى: إن معاوية خطب الناس فقال: يأ أيها الناس، إنا نحن أحق بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله ﷺ وبيضته التي انفلقت عنه، ونحن ونحن، فقال صعصعة: فأين بنو هاشم منكم؟ قال: نحن أسوَس منهم، وهم خير منا. قال: أمرنا بالطاعة الطاعة. وقال فيها: إنا لكم جنّة. قال: فقال صعصعة: فإذا احترقت الجّنّة فكيف نصنع؟ قال: أيها الناس، أما إن هذا ترابي، فقال: إني ترابي. خلقت من التراب، وإلى التراب أصير.
وعن صعصعة بن صوحان العبدي أنه دخل على معاوية بن أبي سفيان فلم يسلم عليه بالخلافة فقال له: ممن أنت؟ قال: من نزار. قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا احتوش، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ربيعة. قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويُغير بالليل، ويجود بالنّيل. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أسد. قال: وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أقصى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: مِن دُعميّ قال: وما دعمي. قال: كان يطيل النجاد، ويُعدّ الجياد، ويجيد الجلاد. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أفصى. قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات، ويحسن الغارات، ويحمي الجارات. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عبد القيس. قال: ومن عبد القيس؟ قال: أبطال ذادة، جحاجحة سادة، صناديد قادة. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال من أفصى. قال وما أفصى؟ قال: كان يباشر القتال، ويعانق الأبطال، ويبذر المال.
стр. 3728
قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عمرو. قال: وما عمرو؟ قال: كانوا يستعملون السيف، ويكرمون الضيف، في الشتاء والصيف. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عجل. قال: وما عجل؟ قال: ليوث ضراغمة، قروم قشاعمة، ملوك قماقمة قال: فمن أي ولده أنت؟: قال: من كعب. قال: وما كعب؟ قال: كان يغشى الحروب، ويكشف الكروب. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من مالك. قال: وما مالك؟ قال: الهُمام الهُمام، والقُمقام. قال: يا بن صوحان، ما تركت لهذا الحي من قريش شيئاً! قال: بلى. تركت لهم الوبر والمدر، والأبيض والأصفر، والصفا والمشعر، والقبة والمنحر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، ومن الآن إلى المنشر. قال: أما والله يا بن صوحان، إن كنت لأبغض أن أراك خطيباً. قال: وأنا والله إن كنت لأبغض أن أراك أميراً.
قال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما المروءة؟ قال: الصبر والصمت. فالصبر على ما ينوبك، والصمت حتى تحتاج إلى الكلام.
مرّ صعصعة بن صوحان بقوم - وهو يريد مكة - فقالوا له: ما أين اقبلت؟ قال: من الفج العميق، قالوا: ماتريد؟ قال: البيت العتيق. قالوا: هل كان من مطر؟ قال: نعم. عفّى الأثر، وانضر الشجر، ودهده الحجر. قالوا: أي آية في كتاب الله أحكم؟ قال: " مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه ".
حدث عبد الرزاق عن أبيه أن صعصعة بن صوحان حين أصابه ما أصابه قطع بعض لسانه، فأتاه رجل، فبال في أذنه، فإما قال لهم، وإما كتب لهم: انظروه، فإن كان من العرب فهو من هذيل. وإن كان من العجم فهو من بربر. قال: فنظروا فإذا هو بربري.
стр. 3729
صفوان بن أمية بن خلف
ابن وهب بن حذافة بن جُمح بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن وهب القرشي الجمحي المكي له صحبه. أسلم بعد فتح مكة. وشهد اليرموك، وكان أميراً على كُردوس. وقيل: إنه وفد على معاوية، وأقطعه الزقاق المعروف بزقاق صفوان.
حدث عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: زوجني أبي في إمارة عثمان، فدعا قوماً من أصحاب النبي ﷺ فجاء صفوان بن أمية، وهو شيخ كبير فقال: إن النبي ﷺ قال: انهسوا اللحم نهساً، فإنه أهنأ، وأمرأ، وأبرأ، وأشهى.
وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن جده قال: قيل لصفوان بن أمية إنه مَنْ لم يهاجر فقد هلك، فدعا براحلته فركبها، فأتى المدينة. قال: فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك يا أبا وهب؟! قال: بلغني أنه لا دين لمن لا هجرة له. فقال: ارجع إلى أباطح مكة. قال: فرجع، فدخل المسجد، فتوسد رداءه، فجاءه رجل فسرقه، فأتى به النبي ﷺ فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، لم يبلغ ردائي ما تٌقطع فيه يد، قد جعلته صدقة عليه، فقال رسول الله ﷺ : فهلاّ قبل أن تأتيني به؛ فعرف الناس أن لا بأس بالعفو عن الحد ما لم ينته إلى الإمام.
قال الزبير بن بكار: صفان بن أمية، أمه صفية بنت معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. وكان صفوان من مسلمة الفتح. وكان قد هرب حين دخل رسول الله ﷺ عام الفتح مكة، فأدركه عُمير بن وهب بن خلف برداء رسول الله ﷺ يؤمنه، فانصرف معه،
стр. 3730
فوقف على رسول الله ﷺ وصفوان على فرسه، فناداه في جماعة الناس: إن هذا عمر بن وهب يزعم أنك أمنتني على أن لي تسيير شهرين. فقال له رسول الله ﷺ : انزل، فقال: لا حتى تبين لي، فقال له رسول الله ﷺ : انزل ولك تسيير أربعة أشهر. وشهد معه حُنيناً وهو مشرك، واستعاره رسول الله ﷺ سلاحاً فقال له: طوعاً أوكرهاً؟ قال: بل طوعاً، عاريَّة مضمومة، فأعاره، ووهب له رسول الله ﷺ يوم حنين من الغنائم فأكثر له، فقال: أشهد ما طابت بهذه إلا نفس نبيّ، فأسلم، وأقام بمكة. ثم قيل له: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقدم المدينة فنزل على العباس فقال: ذاك أبرّ قريش بقريش. ارجع أبا وهب، فإنه لا هجرة بعد الفتح. وقال له: فَمن لأباطح مكة؟ فرجع صفوان فأقام بمكة حتى مات بها.
وفي حديث: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، فبينا هو يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية. فجعل صفوان ينظر إلى شعب ملىء نعَمّاً، وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر، ورسول الله ﷺ يرمقه، فقال: أبو وهب، يعجبك هذا الشعب؟ قال: نعم. قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبيّ. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. واسلم مكانه.
وعن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: اللهم، العّن أبا سفيان، اللهم، العَن الحارث، اللهم، العَن صفوان بن أمية، فنزلت: " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوْبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ " فتاب عليهم، فأسلموا، فحسن إسلامهم.
قال عمر بن الخطاب:
لما كان يوم الفتح أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية بن خلف، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام. قال عمر: فقلت: قد أمكنني الله منهم، لأعرفنهم ما صنعوا، حتى قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثلكم كما قال يوسف
стр. 3731
لإخوته: " لا تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ " قال عمر: فانتفضت حياء من رسول الله ﷺ .
وفي حديث أن نساءً كُنَّ على عهد سيدنا رسول الله ﷺ يُسلْمن بأرضهن، وهو غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام. ولما أمّنه رسول الله ﷺ خرج معه وهو كافر، فشهد حُنيناً والطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة. فلم يفرق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته، حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح.
وقيل: كانت امرأة صفوان البَغُوم بن المعذَّل، من كنانة.
وفي حديث أنه لما استعار من صفوان أدراعاً من حديد يوم حنين ضاع بعضها فقال له النبي ﷺ : إن شئت غرِمتها لك، فقال: لا، أنا أرغب في الإسلام من ذلك.
وعن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الخلق إليّ.
وعن معروف بن خَرَّبُوذ قال: من انتهى إليه الشرف من قريش فوصله الإسلام عشرة نفر من عشرة بطون: من هشام، وأمية، ونوفل، وأسد، وعبد الدار، وتيم، ومخزوم، وعدي، وسهم، وجمح.
стр. 3732
فمن هاشم: العباس بن عبد المطلب. كان قد سقى في الجاهلية الحجيج وبقي له في الإسلام. ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب. ومن بني نوفل: الحارث بن عامر - قال الزبير: غلط في الحارث بن عامر - ومن بني عبد الدار: عثمان بن أبي طلحة. ومن بني تيم: أبو بكر الصديق ومن بني أسد: يزيد بن زمعة. ومن بني مخزوم: خالد بن الوليد بن المغيرة. ومن بني عدي: عمر بن الخطاب. ومن بني سهم: الحارث بن قيس. ومن بني جمح: صفوان بن أمية.
قال ابن خَرَّبُوذ: صارت مكارم قريش في الجاهلية إلى هؤلاء العشرة، فأدركهم الإسلام فوصل ذلك، لهم، فكذلك كل ما شرف في الجاهلية أدركه الإسلام فوصله.
فكانت سقية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وحلول الثغر، فإن قريشاً لم تكن تملّك عليها في الجاهلية أحداً. فإذا كانت حرب أقرعوا بين أهل الرئاسة من الذكور، فإذا حضرت الحرب أجلسوه، لايبالون صغيراً كان أو كبيراً، أجلسوه تيمناً به. فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم، فكان سهم العباس وهو غلام، فأجلسوه عل تُرْس.
قال ابن خَرَّبوذ: وكان أبو طالب يحضرها، وكان النبي ﷺ يجيء معه وهو غلام. فإذا جاء أبو طالب هزمت قيس، وإذا لم يجىء هزمت كنانة. فقالوا: لا أبالك لا تغب.
وأما عمارة المسجد فإنها والسقاية كانت إلى العباس بن عبد المطلب، فأما السقاية فإنها معروفة. وأما العمارة فإنها لا يدع أحداً يستب في المسجد الحرام، ولا يقول هُجراً يحملهم على عمارته بالخير، لا يستطيعون لذلك امتناعاً. لأنه قد أجمع ملأ قريش على ذلك، فهم له أعوان، وكان العُقاب عند أبي سفيان راية الرئيس. وكانت العقاب إذا كانت عند رجل أخرجها إذا حمشت الحرب. فإذا اجتمعت قريش على أحد أعطّوه إياه. وإن لم يُجمِعُوا على أحد رأسوا صاحبها.
стр. 3733
وكانت الرِّفادة إلى الحارث بن عامر من نوفل. والرفادة: ما كانت قريش تخرج من أموالها في رِفْد منقطع الحاج.
وكانت المشورة إلى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد - وقتل مع رسول الله ﷺ يوم الطائف - والمشورة: أن قريشاً لم يجمعوا على أمر إلا عرضوه عليه. فإن وافق رأيهم رأيه سكت، وإلا شغب فيه، فكانوا له إخواناً حتى يرجعوا عنه.
وكانت سِدانة البيت واللواء إلى عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى. والسدانة: الخزانة مع الحجابة، وكانت الأشناق إلى أبي بكر الصديق. والأشناق: الديات. كان إذا حمل شيئاً فسأل فيه قريشاً صدقوه، وأمضوا حِمالته وحمالة من قام معه أبو بكر. فإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.
وكانت القبة والأعنة إلى خالد بن الوليد. فأما الأعنة فإنه كان يكون على خيول قريش في الجاهلية في الحروب. وأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش.
وكانت السفارة إلى عمر بن الخطاب: إن وقعت حرب من قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، وإن نافرهم منافِر، أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً ومفاخراً ورضُوا به.
وكانت الحكومة والأموال المحجرة إلى الحارث بن قيس بن عدي. والأموال التي يغنمون لآلهتهم.
وكانت الأيسار إلى صفوان بن أمية. والأيسار: الأزلام. فكان لا يسبق بأمر عام حتى يكون هو الذي يجري يَسَره على يديه.
قال أبو عبيدة: وقالوا: إن صفوان بن أمية بن خلف قنطر في الجاهلية، وقنطر أبوه. أي صار له قنطار ذهب.
ولما أعطى عمر أول عطاء أعطاه، وذلك سنة خمس عشرة. وكان صفوان بن أمية قد افترض في أهل القادسية وسهيل بن عمرو.
стр. 3734
فلما دعا صفوان وقد رأى ما أخذ أهل بدر ومن بعدهم إلى الفتح، فأعطاه في أهل الفتح أقل مما أخذ من كان قبله أبى أن يقبله وقال: يا أمير المؤمنين، لست معترفاً لأن يكون أكرم مني أحد، ولست آخذاً أقل مما أخذ من هو دوني، أو من هو مثلي. فقال: إنما أعطيتهم على السابقة والقدِيمة في الإسلام لا على الأحساب. قال: فنعم إذن، وأخذ، وقال: أهلُ ذاك هم.
قال أبو محذورة: كنت جالساً عند عمر بن الخطاب ﵁ إذ جاء صفوان بن أمية بجفنة يحملها نفر في عناء، فوضعها بين يدي عمر. فدعا عمر ناساً مساكين وأرقّاء من أرقّاء الناس حوله، فأكلوا معه ثم قال عند ذلك: فعل الله بقوم - أو لحى الله قوماً - يرغبون عن أرقائهم أن يأكلوا معهم. فقال صفوان: أما والله ما نرغب عنهم ولكنا نستأثر عليهم. لا نجد من الطعام الطيب ما نأكل ونطعمهم.
قال الشعبي: كان صفوان بن أمية يبغض المقابر. فإذا شُعَل نيرانٍ قد أقبلت ومعها جنازة. لما دنوا من المقبرة قالوا: انظروا قبر كذا وكذا. قال: وسمع رجل صوتاً من القبر حزيناً موجعاً يقول: " لخفيف "
أنعمّ اللهُ بالظعينة عينا ... وبمسراكِ يا أمينُ إلينا
جزعاً ما جزعت من ظلمة القب ... ر ومن مسّك التراب أمينا
قال: فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى أخضلوا لحاهم ثم قالوا: هل تدري من أمينة؟ قلت: لا. قالوا: صاحبة السرير هذه، أختها ماتت عام أول. فقال صفوان: قد علمت أن المَيْتَ لا يتكلم فمن أين هذا الصوت؟! بينما عبد الله بن صفوان يدفن أباه أتاه راكب وقال: قتل أمير المؤمنين عثمان فقال: والله ما أدري أي المصيبتين أعظم: موت أبي أو قتل عثمان.
стр. 3735
توفي صفوان بن أمية سنة إحدى وأربعين. وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
صفوان بن رستم
أبو كامل الدمشقي حدث عن الأوزاعي عن الزهري أنه كان يقول في الرجل يحال على الرجل المليء بحق حال، فيتركه حتى يفلس: إنه ضيّع حقه، ولا يرجع على الذي أحاله.
صفوان بن سُليم
أبو الحارث - ويقال: أبو عبد الله - المديني الفقيه، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف حدث عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: غُسل الجمعة واجب على كل محتلم.
وحدث عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: اطلبوا الخير دهركم كله. وتعرّضوا لنفحات رحمة الله. فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده. وسلوه أن يستر عوراتكم، وأن يؤمّن رَوْعاتكم.
قال سفيان: كنت إذا رأيت صفوان علمت أنه يخشى الله .
وكان صفوان يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم.
قال مالك بن أنس: كان صفوان يصلي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقظ بالحر والبرد حتى يصبح، ثم يقول: هذا الجهد من صفوان، وأنت أعلم، وإنه لَتِرمُ رجلاهُ حتى يعود مثل السِّقْط من قيام الليل. ويظهر فيهما عروق خضر.
стр. 3736
كان صفوان بن سليم أعطى الله عهداً ألا أضع جنبي على فراش حتى ألحق بربي. قال: فبلغني أن صفوان عاش بعد ذلك أربعين سنة لم يضع جنبه. فلما نزل به الموت قيل له: رحمك الله، ألا تضطجع؟ قال: ما وفيت لله بالعهد إذن. قال: فأُسند، فما زال كذلك حتى خرجت نفسه. قال: ويقول أهل المدينة: إنه نُقبت جبهته من كثرة السجود.
قال سفيان:
أخبرني الحفار الذي يحفر قبور أهل المدينة قال: حفرت قبر رجل، فإذا أنا قد وقعت على قبرٍ فوافيت جمجمة، فإذا السجود قد أثرْ في عظام الجمجمة فقلت لإنسان: قبر مَن هذا؟ فقال: أوما تدري؟ هذا قبر صفوان بن سليم.
قال أنس بن عياض: رأيت صفوان ولو قيل له: غداً القيامة ما كان عنده مزيد من ما هو عليه من العبادة.
قال عبد العزيز بن محمد: رأيت صفوان بن سليم يعتمد في الصلاة على عصاً، فكان يُسمى هو وعصاه: الزوج، فصلى إلى جنبه غلام من بني عامر بن لؤي فقال له: لا تزحمني بعصاك فأكسرها على رأسك. قال: فطرحها صفوان بن سُليم في منزله. فقيل له فيها فقال: إنما كنت أحملها للخير، وأنا اليوم أخاف منها الشر.
كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد رسول الله ﷺ فإذا أراد أن يخرج بكى وقال: أخاف ألا أعود إليه.
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عاملُه عليها. قال: فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير مرفة، فقال: يا عمر، من هذا الرجل؟ ما رأيت سمتاً أحسن منه. قال: يا أمير المؤمنين، هذا صفوان بن سليم. قال: يا غلام، كيس فيه خمس مئة دينار فأُتي به فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلي؟ فوصفه للغلام حتى أثبته.
стр. 3737
قال: فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان. فركع وسجد وسلم، وقال له: ما حاجتك؟ قال: أمرني أمير المؤمنين - وهو ذا ينظر إليك وإلي - أن أدفع إليك هذا الكيس، فيه خمس مئة دينار، ويقول لك: استعن بهذه على زمانك وعلى عيالك، فقال له صفوان: ليس أنا الذي أُرسلت إليه. فقال له الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى، أنا صفوان بن سليم. قال: فإليك أرسلت. قال: اذهب فاستثبت، فإذا أثبت فهلم، قال الغلام: فأمسك الكيس معك، وأذهب، قال: لا إذا أمسكت فقد أخذت ولكن اذهب فاستثبت وأنا جالس. فولّى الغلام. فأخذ صفوان نعليه وخرج. فلم يُر بها حتى خرج سليمان من المدينة.
قال أنس بن عياض: انصرف صفوان يوم فطر - أو أضحى - إلى منزله ومعه صديق له، فقرب إليه خبزاً وزيتاً، فجاء سائل فوقف على الباب، فقام إليه فأعطاه ديناراً.
قال سفيان: حج صفوان بن سليم وليس معه إلا سبعة دنانير، فاشترى بها بَدَنة، فقيل له في ذلك فقال: إني سمعت الله ﵎ يقول: " وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيْهَا خَيْرٌ ".
ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال أحمد: هذا رجل يُستسقى بحديثه، وينزل القطر من السماء بذكره.
حدث ابن أبي حازم أن صفوان بن سليم لما حضر إخوانه جعل يتقلب، فقالوا: كأن لك حاجة. قال: نعم. فقالت: ابنته: ماله من حاجة إلا أنه يريد أن تقوموا عنه، فيقوم فيصلي، وما ذاك فيه. فقام القوم عنه، وقام إلى مسجد يصلي فوقع، وصاحت ابنته بهم، فدخلوا عليه فحملوه ومات.
стр. 3738
توفي صفوان بن سليم سنة اثنتين وثلاثين ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
وكان صفوان بن سليم يقول بالقدر.
صفوان بن صالح بن صفوان
ابن دينار. أبو عبد الملك الثقفي مؤذن المسجد الجامع بدمشق.
حدث صفوان بن صالح الدمشقي عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" إن لله تسعة وتسعين اسماً. مئة إلا واحداً. إنه وتر، يحب الوتر. مَن أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القُدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الخليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القَيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، البرّ، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الوال، المتعال، المقسط، الجامع، الغني، المغني، الرافع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ".
قال محمد بن عبد الرحمن السراج: قلت لسليمان بن عبد الرحمن: إن أبا عبد الملك صفوان بن صالح يأبى أن يحدثنا، وكان صفوان إذا دخل المسجد يبتدئه فيسلم عليه ثم يصير إلى مجلسه. فلما دخل سلّم عليه. قال أبو أيوب: بلغني أنك تأبى أن تحدث. فقال له صفوان: يا أبا أيوب، منعنا
стр. 3739
السلطان، فقال له: ويحك حدِّث، فإنه بلغني أن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، فيأتيهم الرسول من قبل ربهم فيقول: سلوا ربكم، فيقولون: قد أعطانا ما سألنا، وما لم نسأل. فيقول لهم: سلوا ربكم، فيقولون: ما ندري ما نسأل، فيقول: لهم: سلوا ربكم، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى العلماء الذين كانوا إذا أشكل علينا في الدنيا شيء أتيناهم ففتحوا علينا، فيأتون العلماء فيقولون: إنه قد أتانا رسول الله من ربنا يأمرنا أن نسال، فما ندري ما نسأله، فيفتح الله على العلماء فيقولون لهم: سلوا كذا، سلوا كذا، فيسألون فيُعطَون. فحدِّث فلعلك أن تكون منهم. فأتيناه فحدثنا.
ولد صفوان بن صالح الثقفي سنة ثمان أو تسع وستين ومئة. وتوفي سنة سبع وثلاثين ومئتين. وقيل: سنة ثمان وثلاثين. وقيل: سنة تسع وثلاثين ومئتين.
صفوان بن عبد الله الأكبر
ابن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة القرشي الجمحي المكي قدم دمشق زائراً لأبي الدرداء. وكانت الدرداء بنت أبي الدرداء زوجته. وأمه حقه بنت وهب بن أمية بن أبي الصلت الشاعر الثففي.
قال صفوان: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ قلت: نعم. قالت: ادع الله لنا بخير، فإن رسول الله ﷺ كان يقول: " دعاء المسلم مستجاب لأخيه، بظهر الغيب ملك موكل كلما دعا بخير قال الملك: آمين. ولك مثل ذلك ". قال: فخرجت فألقى أبا الدرداء في السوق، فقال مثلما قالت أم الدرداء. يأثُره عن النبي ﷺ .
стр. 3740
صفوان بن عبد الله بن عمرو
ابن الأهتم واسمه سنان بن سميّ بن سنان بن خالد بن مِنْقَر بن أسد بن مُقاعسِ التميمي المِنْقري البصري وفد على سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.
حدث صفوان بن الأهتم قال:
كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلم بحاجتك فقال: أصلح الله أمير المؤمنين. من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتى أوفدني عليك أن يُنطقني بغير الحقّ، أو أن يذلّل لساني لك بما فيه سخطه عليّ، وإن إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة، والتشدّق في البلاغة. ألا وأن من البلاغة - يا أمير المؤمنين - ما يفهم وإن قلّ. ألا وإني مقتصر على الاقتصار، مجتنب لكثير من الإكثار: أشخصني إليك والٍ عَسوف، ورعية ضائعة. وإن تعجِّل تدرك ما فات، وإنك إن تقصّر تهلك رعيتك هناك ضياعاً. فخذها إليك قصيرة موجزة. قال: فقال سليمان: يا غلام، ادع رجلاً من الحرس فاحملاه على البريد، وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله. ومن كانت له قبله ظُلامة أخذت له بحقه، وأمر للحكيم بجائزة سنية. فأبى أن يقبل وقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحتسب سفري على الله وأكره أن آخذ عليه من غيره أجراً.
صفوان بن عمرو بن هرم
أبو عمرو السَّكْسَكي الحمصي حدث عن عبد الله بن بُسْر قال: قال أبي لأمي: لو صنعت طعاماً لرسول الله ﷺ . فصنعت ثريدة، فانطلق أبي فدعا رسول الله ﷺ فوضع النبي ﷺ يده على ذروتها وقال: خذوا باسم الله، فأخذوا من نواحيها. فلما طعموا قال النبي ﷺ : " اللهم ارحمهم، واغفر لهم، وبارك لهم في رزقهم ".
стр. 3741
وحدث صفوان وحَريز بن عثمان قالا: رأينا عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﷺ له جُمَّة، لم نرَ عليه عِمامة، ولا قلنسوة، شتاءً ولا صيفاً.
قال صفوان بن عمرو: كنت بباب عمر بن عبد العزيز فخرجت علينا خيل مكتوب على أفخاذها: عدة لله.
وفي حديث آخر بمعناه: عدة في سبيل الله.
أمّ صفوان أمّ الهِجْرس بنت عوسجة بن أبي ثوبان.
توفي صفوان سنة خمس وخمسين ومئة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وقيل: توفي سنة ثمان وخمسين ومئة.
قال صفوان بن عمرو السَّكْسَكي: رأيت عبد الله بن بُسْر المازني وخالد بن مَعدان وراشد بن سعد وعبد الرحمن بن جُبير بن نُفير وعبد الرحمن بن عائذ وغيرهم، من الأشياخ يقول بعضهم لبعض في العيد: تقبَّل الله منا ومنكم.
صفوان بن المعطل بن رخصة
ابن المؤمل بن خزاعي بن محاربي بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور، أبو عمرو السلمي الذكواني صاحب رسول الله ﷺ وكان من صالحي أصحابه. أثنى عليه المصطفى ﷺ حين رماه أهل الإفك، فقال: ما علمت منه إلا خيراً. قتل بعد ذلك في سبيل الله في غزوة إرمينية سنة تسع عشرة، ويقال: مات بالجزيرة بناحية سُمَيساط سنة ستين. وقبره هناك.
стр. 3742
أقول: من قال إنه قتلك شهيداً لا يثبت.
ويقال: أسلم قبل المُرَيسيع، وكان على ناقة النبي ﷺ . وضرب حسن بن ثابت بالسيف لما هجاه. فلم يقده النبي ﷺ وقال له: خبيث اللسان، طيب القلب. وشهد فتح دمشق.
قالوا: وشهد الخندق ومشاهده كلها. وكان مع كرز بن جابر الفِهري في طلب العرنيين الذين أغاروا على لقاح سيدنا رسول الله ﷺ بذي الْجُدُر.
حدث صفوان بن المعطل قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فرمقتُ صلاته، فصلى العشاء الآخرة ثم نام. فلما كان نصف الليل استنبَهَ فتلا العشر آيات آخِرَ سورة آل عمران. ثم قام، ثم تسوّك ثم قام فتوضأ وصلّى ركعتين. فلا أدري أقيامه أم ركوعه أم سجوده أطول. ثم انصرف فنام ثم استيقظ ففعل مثل ذلك. فلم يزل يفعل كما فعل أول مرة حتى صلّى إحدى عشرة ركعة.
وعن أبي هريرة قال:
جاء صفوان بن المعطل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إني سائلك عن أمر أنت به عالم وأنا به جاهل. قال: وما هو؟ قال: هل من ساعات من الليل والنهار ساعةٌ تُكرَه فيها الصلاة؟ قال: " نعم. إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان. ثم الصلاة محضورة متقبَّلة حتى تستوي الشمس على رأسك قيد رمح، فإذا كانت على رأسك فدع الصلاة. فإن تلك الساعة التي تُسجر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى ترتفع الشمس عن حاجبك الأيمن. فإذا زالت فصلِّ، فإن الصلاة محضورة متقبَّلة، حتى تصلي العصر، ثم ذكر الصلاة حتى تغرب الشمس ".
وعن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي
стр. 3743
صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتي وقد نهيتها عنها. فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس. قال: وأما قولها: يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذٍ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها. وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عُرف لنا ذاك، إنا لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: فإذا استيقظت فصلِّ.
وفي رواية بمعناه: لا تصومي إلا بإذنه، ولا تقرئي بسورته. وأما أنت يا صفوان فإذا استيقظت فصلِّ.
وحدث الحسن عن صاحب زاد النبي ﷺ قال ابن عون: كان يسمى سفينة أن رسول الله ﷺ كان في سفر وراحلته عليها زادُ النبي ﷺ فجاء صفوان بن المعطل فقال: إني قد جعت. قال: ما أنا بمطعمك حتى يأمرني النبي ﷺ وينزل الناس فتأكل، فقال هكذا بالسيف، وكشف عرقوب الراحلة. قال: وكان إذا حزبهم أمر قالوا: احبس أول، احبس أول، فسمعوا فوقفوا. وجاء رسول الله ﷺ . فلما رأى ما صنع صفوان بن المعطل بالراحلة قال له: اخرج، وأمر الناس أن يسيروا، فجعل صفوان بن المعطل يتبعهم حتى نزلوا، فجعل يأتيهم في رحالهم ويقول: إلى أين أخرجني رسول الله ﷺ ؟ إلى النار أخرجني! قال: فأتَوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما زال صفوان يتجوّب رحالنا منذ الليلة ويقول: إلى أين أخرجني رسول الله ﷺ إلى النار أخرجني! فقال رسول الله ﷺ : إن صفوان بن المعطل خبيث اللسان، طيب القلب.
وفي حديث آخر بمعناه: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: قولوا لصفوان: فليذهب. فلما نزلوا لم يبت تلك الليلة، يطوف في أصحاب النبي ﷺ حتى أتى علياً فقال: أين أذهب؟ أذهب إلى الكفر! فدخل علي على رسول الله ﷺ فقال: إن هذا لم يدعنا نبيت هذه الليلة. قال: أين يذهب؟ إلى الكفر؟ قال: قولوا لصفوان: فليلحَق.
стр. 3744
وعن عائشة في ذكر حديث الإفك وقال: قام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد، فأشيروا عليّ في أناس أَبَنُوا أهلي، وايم الله إن علمت على أهلي من سوء قط. وأَبَنُوهم بمن! والله إن علمت عليه سوءاً قط. ولا دخل على أهلي إلا وأنا شاهد ". يعني: صفوان بن المعطل.
وكان حسان بن ثابت قد كثر على صفوان بن المعطل في شأن عائشة. ثم قال بيت شعر يعرّض به فيه وبأشباهه فقال: البسيط
أمسى الجلابيبُ قد عزُّوا وقد كثُروا ... وابنُ الفُريعة أمسى بيضةَ البلدِ
فاعترضه صفوان بن المعطل ليلاً وهو آتٍ من عند أخواله بني ساعدة، فضربه بالسيف على رأسه، فيغدو عليه ثابت بن قيس بن شماس، فجمع يديه إلى عنقه بحبل أسود، وانطلق به إلى دار بني حارثة، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال له: ما هذا؟! فقال: ما أعجبك، عدا حسان بالسيف. فوالله ما أراه إلا قد قتلته. فقال: هل علم رسول الله ﷺ بما صنعت به؟ فقال: لا، فقال: والله، لقد اجترأت، خلّ سبيله فسنغدو على رسول الله ﷺ فنعلمه أمره، فخلّى سبيله. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك فقال: أين ابن المعطل؟ فقام إليه فقال: ها أنا يا رسول الله، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟! فقال: يا رسول الله. آذاني وكثر علي. ثم لم يرض حتى عرّض في الهجاء فاحتملني الغضب. وهذا أنا، فما كان عليّ من حق فخذني به، فقال رسول الله ﷺ : ادع لي حسان، فأُتي به، فقال: يا حسان: أتشوَّهتَ على
стр. 3745
قوم أن هداهم الله للإسلام؟! يقول: نفست عليهم يا حسان، أحسن فيما أصابك فقال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله ﷺ سيرين القبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان، أعطاه أرضاً كانت لأبي طلحة، تصدق بها على رسول الله ﷺ .
وما كانت عائشة ﵂ تذكر حسان إلا بخير. ولقد سمعت عروة بن الزبير يوماً يسبُّه لما كان منه فقالت: لا تسبّه يا بني، أليس هو الذي يقول:
فإنّ أبي ووالدَه وعِرضي ... لعِض محمدٍ منكم وِقاءُ؟
وعن الحسن قال: لما قال حسان بن ثابت في شأن عائشة ﵂ ما قال حلف صفوان بن المعطل لئن أنزل الله عذره ليضربن حسان ضربة بالسيف. فلما أنزل الله عذره ضرب حسان على كتفه بالسيف فأخذه قومه فأتوا به وبحسان إلى رسول الله ﷺ فدفعه إليهم ليقضوا فلما أدبروا بكى رسول الله ﷺ فقيل لهم. هذا رسول الله ﷺ يبكي. يبكي فارجعوا به فتركه حسان لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : دعوا حسان فإنه يحب الله ورسوله. أو كما قال.
وعن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجاً. فلما كنا بالعَرج إذا نحن بحيّة تضطرب، فلم تلبث أن ماتت، فأخرج لها رجل خرقة من عَيبته فلفها فيه ودفنها، وخدّ لها في الأرض. فلما أتينا مكة، فإنا لبالمسجد الحرام غذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟ قلنا: ما نعرفه. قال: أيكم صاحب الجانّ؟ قالوا: هذا. قال: جزاك الله خيراً، أما إنه قد كان من آخر السبعة موتاً الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعونالقرآن.
حدث موسى بن مهران السنجاري أن عكرمة بن أبي جهل انتهى إلى آمد، ووجّه صفوان بن المعطل إلى إرمينية الرابعة ففتحها الله عليه. وأنه حاصر حصناً يقال له: بولا في بعث فرموه فقتلوه، فدفن قدام الحصن قريباً من عينٍ هنالك.
стр. 3746
قال أبو إسحاق السنجاري: أتينا بولا في بعث، فقال لي شيخ من أهلها قد بلغ مئة سنة أو زاد عليها: أتريد أن أريك قبر صفوان بن المعطل؟ قلت: نعم، فإذا هو من بابها رمية بحجر. وقال: رمينا فقتلناه. قال: فبلغ عمر قتله، فدعا علينا دعوة إنا لنعرفها إلى الساعة.
صفوان بن وهب بن ربيعة
ابن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر أبو عمرو القرشي الفهري، المعروف بابن بيضاء وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش له صحبة. شهد مع سيدنا رسول الله ﷺ بدراً، واستشهد بها. ويقال: بل عاش بعدها إلى أن مات في طاعون عمواس بناحية الأردن.
عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث صفوان بن بيضاء في سرية عبد الله بن جحش قِبَل الأبواء، فغنموا، وفيهم نزلت: " يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قتال فِيهِ " الآية.
وسهيل بن بيضاء أخو صفوان، وهو الذي مشى إلى النفر القرشيين في الصحيفة التي كتبها مشركو قريش على بني هاشم. وفي ذلك يقول أبو طالب: الطويل
هُمُ رجعُوا سهلَ بن بيضاءَ راضياً ... فسُر أبو بكرٍ بها ومحّمدُ
وآخى رسول الله ﷺ بين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى. وقتلا يوم بدر جميعاً. وهو من المهاجرين الأولين. قتله طُعيمة بن عدي يوم بدر.
وقيل: توفي في رمضان سنة ثمان وثلاثين. وإنه لم يقتل يوم بدر، وإنه شهد المشاهد مع سيدنا رسول الله ﷺ .
стр. 3747
صفوان بن يَسَرة بن صفوان
ابن جميل. أبو العباس اللخمي البلاطي حدث عن آدم بن أبي إياس بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن كذب عليَّ فليَلجِ النار ".
وحدث صفوان بن يسرة عن بعض إخوانه قال: بلغنا أن قوماً وقفوا براهب فوجدوه يبكي فقالوا: ما الذي أبكاك؟ قال: ذِكر المعاد، وتخوف النداء. قالوا: فما أعددت لذلك؟ قال: وأين تبلغ العدة؟ إنما هو عفو الله أو النار.
يَسَرة بفتح الياء والسين المهملة.
الصفر بن رستم
ويقال: السّقر أبو سليمان الدمشقي روى عن بلال بن سعد قال: ثلاث لا يقبل معهن عمل: الشرك، والكفر، والرأي. قيل: يا أبا عمرو، ما الرأي؟ قال: يترك كتاب الله ﵎، وسُنَّة نبيّه صلاة الله وسلامه عليه ويقول برأيه.
стр. 3748
الصلت بن بَهرام
أبو هاشم - ويقال: أبو هشام - التيمي - ويقال: الهلالي - الكوفي وفد على عمر بن عبد العزيز.
حدث
الصلت بن بهرام عن شقيق عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر.
وحدث الصلت بن بهرام عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب له: رجل أعطى ماله سفيهاً، وقد قال الله : " وَلاَ تُؤْتُوْا السُّفَهَاءَ أَمْوَالُكُمْ " ورجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلقها، ورجل بايع ولم يُشهد.
الصلت بن دينار
أبو شعيب البصري، المعروف بالمجنون الأزدي وفد على عمر بن عبد العزيز.
حدث عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مَغيبه.
وحدث الصلت بن دينار عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.
وحدث الصلت قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز فلسم واحدة.
стр. 3749
قال محمد بن سعد: الصلت بن دينار ضعيف، ليس بشيء.
قال يحيى بن سعيد: ذهبت أنا وعوف نعُود الصلت بن دينار، فذكر الصلت علياً ﵇ فنال منه، فقال عوف: مالك يا أبا شعيب؟! لا رفع الله الضر عنك.
وفي رواية أخرى: فقال عوف: لا شفاك الله يا أبا شعيب.
الصلت بن عبد الرحمن
الزبيدي الكوفي سكن دمشق.
حدث عن سفيان الثوري بسنده عن عمران بن حصين: أن عياض بن حِمَار المجاشعي ثم النهشلي أهدى لرسول الله ﷺ فرساً قبل أن يسلم، فقال: إن أكثره زَبْد المشركين.
وحدث عن سفيان أيضاً بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أشرع أحدكم بالرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند ثغرة نحره فقال: لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح.
وحدث عن سفيان أيضاً بسنده عن ابن عمر قال: رجم رسول الله ﷺ يهودياً ويهودية.
الصلت والد العلاء
من أهل خراسان. وفد على عمر بن عبد العزيز.
стр. 3750
حدث الصلت قال: أبردني الجراح وعبد الرحمن بن صبح الأزي إلى عمر بن عبد العزيز، فقدمنا عليه، وإنه لقاعد كأحد أصحابه فما عرفناه حتى قيل لنا إنه عمر، فسلّمنا عليه، ودفعنا إليه الكتب من الجراح، ورفعنا إليه حوائجنا.
صمدون بن الحسين بن علي
ابن الحسين بن يحيى بن هارون، أبو الحسن الصوري توفي ببانياس سنة إحدى وسبعين وأربع مئة.
حدث عن عبد الوهاب بن الحسين الغزال بسنده عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من ثمان: من الهم، والحزن، والعجز، والكسل، ومن الجبن، والبخل، ومن ضَلَع الدَّين، وغلبة العدو.
صُهيب بن سنان بن مالك
ابن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن جُذيمة بن كعب ابن منقذ بن العُريان ابن حي بن زيد مناة بن عامر بن الضَّحيان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قساط بن هِنْب بن أفصى ابن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وفي نسبه اختلال - أبو يحيى - وقيل: أبو غسان - النمِري
صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، ممن شهد بدراً. وهو المعروف بصهيب الرومي.
следующие страницы →