← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قال أبو إسحاق السنجاري: أتينا بولا في بعث، فقال لي شيخ من أهلها قد بلغ مئة سنة أو زاد عليها: أتريد أن أريك قبر صفوان بن المعطل؟ قلت: نعم، فإذا هو من بابها رمية بحجر. وقال: رمينا فقتلناه. قال: فبلغ عمر قتله، فدعا علينا دعوة إنا لنعرفها إلى الساعة. صفوان بن وهب بن ربيعة ابن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر أبو عمرو القرشي الفهري، المعروف بابن بيضاء وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش له صحبة. شهد مع سيدنا رسول الله ﷺ بدراً، واستشهد بها. ويقال: بل عاش بعدها إلى أن مات في طاعون عمواس بناحية الأردن. عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث صفوان بن بيضاء في سرية عبد الله بن جحش قِبَل الأبواء، فغنموا، وفيهم نزلت: " يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قتال فِيهِ " الآية. وسهيل بن بيضاء أخو صفوان، وهو الذي مشى إلى النفر القرشيين في الصحيفة التي كتبها مشركو قريش على بني هاشم. وفي ذلك يقول أبو طالب: الطويل هُمُ رجعُوا سهلَ بن بيضاءَ راضياً ... فسُر أبو بكرٍ بها ومحّمدُ وآخى رسول الله ﷺ بين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى. وقتلا يوم بدر جميعاً. وهو من المهاجرين الأولين. قتله طُعيمة بن عدي يوم بدر. وقيل: توفي في رمضان سنة ثمان وثلاثين. وإنه لم يقتل يوم بدر، وإنه شهد المشاهد مع سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 3747

صفوان بن يَسَرة بن صفوان ابن جميل. أبو العباس اللخمي البلاطي حدث عن آدم بن أبي إياس بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن كذب عليَّ فليَلجِ النار ". وحدث صفوان بن يسرة عن بعض إخوانه قال: بلغنا أن قوماً وقفوا براهب فوجدوه يبكي فقالوا: ما الذي أبكاك؟ قال: ذِكر المعاد، وتخوف النداء. قالوا: فما أعددت لذلك؟ قال: وأين تبلغ العدة؟ إنما هو عفو الله أو النار. يَسَرة بفتح الياء والسين المهملة. الصفر بن رستم ويقال: السّقر أبو سليمان الدمشقي روى عن بلال بن سعد قال: ثلاث لا يقبل معهن عمل: الشرك، والكفر، والرأي. قيل: يا أبا عمرو، ما الرأي؟ قال: يترك كتاب الله ﵎، وسُنَّة نبيّه صلاة الله وسلامه عليه ويقول برأيه.

стр. 3748

الصلت بن بَهرام أبو هاشم - ويقال: أبو هشام - التيمي - ويقال: الهلالي - الكوفي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث الصلت بن بهرام عن شقيق عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر. وحدث الصلت بن بهرام عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب له: رجل أعطى ماله سفيهاً، وقد قال الله : " وَلاَ تُؤْتُوْا السُّفَهَاءَ أَمْوَالُكُمْ " ورجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلقها، ورجل بايع ولم يُشهد. الصلت بن دينار أبو شعيب البصري، المعروف بالمجنون الأزدي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مَغيبه. وحدث الصلت بن دينار عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله. وحدث الصلت قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز فلسم واحدة.

стр. 3749

قال محمد بن سعد: الصلت بن دينار ضعيف، ليس بشيء. قال يحيى بن سعيد: ذهبت أنا وعوف نعُود الصلت بن دينار، فذكر الصلت علياً ﵇ فنال منه، فقال عوف: مالك يا أبا شعيب؟! لا رفع الله الضر عنك. وفي رواية أخرى: فقال عوف: لا شفاك الله يا أبا شعيب. الصلت بن عبد الرحمن الزبيدي الكوفي سكن دمشق. حدث عن سفيان الثوري بسنده عن عمران بن حصين: أن عياض بن حِمَار المجاشعي ثم النهشلي أهدى لرسول الله ﷺ فرساً قبل أن يسلم، فقال: إن أكثره زَبْد المشركين. وحدث عن سفيان أيضاً بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أشرع أحدكم بالرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند ثغرة نحره فقال: لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح. وحدث عن سفيان أيضاً بسنده عن ابن عمر قال: رجم رسول الله ﷺ يهودياً ويهودية. الصلت والد العلاء من أهل خراسان. وفد على عمر بن عبد العزيز.

стр. 3750

حدث الصلت قال: أبردني الجراح وعبد الرحمن بن صبح الأزي إلى عمر بن عبد العزيز، فقدمنا عليه، وإنه لقاعد كأحد أصحابه فما عرفناه حتى قيل لنا إنه عمر، فسلّمنا عليه، ودفعنا إليه الكتب من الجراح، ورفعنا إليه حوائجنا. صمدون بن الحسين بن علي ابن الحسين بن يحيى بن هارون، أبو الحسن الصوري توفي ببانياس سنة إحدى وسبعين وأربع مئة. حدث عن عبد الوهاب بن الحسين الغزال بسنده عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من ثمان: من الهم، والحزن، والعجز، والكسل، ومن الجبن، والبخل، ومن ضَلَع الدَّين، وغلبة العدو. صُهيب بن سنان بن مالك ابن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن جُذيمة بن كعب ابن منقذ بن العُريان ابن حي بن زيد مناة بن عامر بن الضَّحيان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قساط بن هِنْب بن أفصى ابن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وفي نسبه اختلال - أبو يحيى - وقيل: أبو غسان - النمِري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، ممن شهد بدراً. وهو المعروف بصهيب الرومي.

стр. 3751

كان من أهل الموصل. فسبته الروم وهو صغير، وأعتقه عبد الله بن جدعان. ويقال: هو حليفه، وكان أصابه سِباء بالروم، ووافَوا به الموسم، فاشتراه عبد الله بن جدعان القرشي، فأعتقه. وأم صعيب سلمى بنت قعيد بن مهيص بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وكان النعمان استعمل أباه سنان على الأُبُلَّة. وقدم الجابية مع عمر بن الخطاب. حدث صهيب عن النبي ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ناداهم " منادٍ " يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً لم تَروه. قالوا: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويُبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب تعالى، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه. ثم تلا هذه الآية: " لِلَّذِيْنَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ " ". حدث الشعبي عن سويد بن غفلة قال: لما قدم عمر الشام قام إليه رجل من أهل الكتاب فقال: يا أمير المؤمنين، إن رجلاً من المسلمين صنع بي ما ترى، وهو مشجوج مضروب، فغضب عمر غضباً شديداً ثم قال لصهيب: انطلق فانظر مَن صاحبه، فأتني به. قال: فانطلق صهيب، فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي فقال: إن أمير المؤمنين قد غضب عليك غضباً شديداً، فأت معاذ بن جبل فليكلمه، فإني أخاف أن يجعل إليك. فلما قضى عمر الصلاة قال: أين صهيب؟ أجئت بالرجل؟ قال: نعم. قال: وقد كان عوف بن مالك أتى معاذاً وأخبره بقصته، فقام معاذ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه عوف بن مالك، فاسمع منه، ولا تعجل

стр. 3752

إليه. فقال له عمر: مالك ولهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار فنخس بها لتصرع، فلم تصرع، فدفعها فصرعت، فغشيها - أو أكب عليها - قال: ائتني بالمرأة، فلتصدّق ما قلت، فأتاها عوف بن مالك، فقال له أبوها وزوجها: نحن نذهب فنبلغ عنك. فأتيا عمر فأخبراه بمثل قول عوف. فأمر عمر باليهودي فصلب. وقال: ما على هذا صالحناكم، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ ، فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له. قال: قال سويد: وذلك اليهودي أول مصلوب رأيته في الإسلام. كان سنان، أبو صهيب عاملاً لكسرى على الأُبُلّة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، ويقال: كانوا في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل. فأغارت الروم على تلك الناحية، فسبت صهيباً وهو غلام صغير، واسم القرية التي كان أهله بها الثَنِيّ. ونشأ صهيب بالروم، فصار ألْكن، فابتاعته كلب منهم، وقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي منهم، فأعتقه، وأقام معه بمكة إلى أن هلك عبد الله بن جدعان. وبُعث النبي ﷺ لما أراد الله به من الكرامة، ومنّ به عليه من الإسلام. وأما أهل صهيب فإنهم يقولون: بل هرب من الروم حين بلغ وعقل. فقدم مكة فحالف عبد الله بن جدعان وأقام معه إلى أن هلك. وكان صهيب رجلاً شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا القصير. وهو إلى القصر أقرب. وكان كثير شعر الرأس. وكان يخضب بالحناء. وشهد صهيب بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها من سيدنا رسول الله ﷺ : ويقال: إن صهيباً سبته الروم من الموصل فأعتقه النبي ﷺ ، وكناه أبا يحيى. وحدث صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيباً حبّ الوالدِ ولدّه ". وقال صهيب: صحبت رسول الله ﷺ قبل أن يوحى إليه.

стр. 3753

وعن عمار بن ياسر قال: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ قال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردت أن أدخل على محمد، فأسمع كلامه. قال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون. فكان إسلام عمار وصهيب بعد بضعةٍ وثلاثين رجلاً. وعن أم هانىء قالت: قال رسول الله ﷺ : السباق أربعة: أنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش. وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا سابق العرب إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنة. وسلمان سابق الفرس إلى الجنة ". وعن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذَّب حتى لا يدري ما يقول. وكان صهيب يعذَّب حتى لا يدري ما يقول. وكان أبو فكيهة يعذَّب حتى لا يدري ما يقول. وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية: " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِيْنَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ". قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخبّاب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. قال: فأما رسول الله ﷺ فمنعه عمه، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجَهد منهم كلَّ مبلغ فأعطوهم ما سألوا، فجاء إلى كل رجل منهم قومه بأنطاع الأدْم

стр. 3754

فيها الماء فألقوهم فيه وحملوا بجوانبه إلا بلالاً. فلما كان العشي جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث، ثم طعنها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام، إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله حتى ملّوه، فجعلوا في عنقه حبلاً ثم أمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشِبَيْ مكة فجعل بلال يقول: أحدٌ أحدٌ. وعن ابن عباس في قوله : " ومِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابتغاءَ مَرْضَاةِ اللهِ " قال: نزلت في صهيب وفي نفر من أصحابه، أخذهم أهل مكة، فعذّبوهم ليرُّوهم إلى الشرك بالله، منهم عمار وأمه سمية وأبو ياسر، وبلال وخبّاب وعابس مولى حويطب بن عبد العزى. أخذهم المشركون فعذبوهم. وعن عروة بن الزبير قال: كان صهيب من المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا يعذبون في الله بمكة. وعن ابن مسعود قال: مرَ الملأ من قريش على النبي ﷺ وعنده خبّاب وصهيب وبلال وعمار فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟! أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟! فنزلت: " وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أن يَحْشَرُوْا إلى رَبِّهِمْ " إلى قوله: " فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُوْنَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ ". وعن خباب بن الأرتْ " " ولا تَطْرُدِ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ " قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعُيينة بن حصن الفَزاري فوجدوا رسول الله ﷺ مع بلال وعمار وصهيب وخباب في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نحب أن نجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا بها العرب فضلنا، فإن وفود

стр. 3755

العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء عندك. فإذا نحن جئنا فافهم عنها، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب عليك كتاباً، فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا علياً ليكتب. فلما أراد ذلك - ونحن قعود في ناحية - إذ نزل جبريل ﵊ فقال: " ولا تَطْرُدِ الذينّ يدعونَ رَبَّهُم بالغداةِ والعَشِيِّ يُرِيْدُونَ وجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ " الآية. ثم ذكر الأقرع وصاحبه. قال: " وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ " الآية. وقال: " وإِذَا جَاءَ الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ " الآية. فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة، ودعانا فأتيناه وهو يقول: سلامٌ عليكم، فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا. فإذا أرد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله : " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ والعَشِّيِّ يُريْدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ " يقول: ولا تجالس الأشراف " وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا واتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ". فأما الذي أغفل قلبه فهو عيينة والأقرع. وأما. فرطاً. ضرب لهم مثلاً رجلين ومثل الحياة الدنيا. قال: فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي ﷺ . فإذا بلغنا الساعة التي كنا نقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. وإلا صبر أبداً حتى نقوم. وعن أبي سلم بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هؤلاء الأوس والخزرج قاموا بنُصْرة هذا الرجل، فما بال هؤلاء؟! قال: فقام مُعاذ فأخذ بتلبيبه حتى أتى به النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام رسول الله ﷺ مغضباً يجر رداءه حتى دخل المسجد ثم نودي الصلاة جامعة، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: " يا أيها الناس، إن الربّ ربّ واحد، وإن الأب أبٌ واحد، وإن الدين دينٌ واحد. ألا وإن

стр. 3756

العربية ليست لكم باب ولا أم، إنما هي لسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي ". فقال معاذ - وهو آخذ بتلبيبه -: يا رسول الله، ما تقول في هذا المنافق؟ فقال: " دعه إلى النار ". قال: فكان فيمن ارتد، فقتل في الرِّدة. قال: هذا حديث مرسل غريب. وعن مجاهد قوله : " مَالَنَا لاَنَرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشرَارِ " قال أبو جهل: ما لنا لا نرى خباباً وصهيباً وعماراً اتخذناهم سِخريّاً في الدنيا، أم هم في النار فزاغت عنهم أبصارنا؟. ولما أراد صهيب الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكة: أتيتنا هاهنا صعلوكاً حقيراً فتغيَّر حالك عندنا، وبلغت ما بلغت. تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكن ذلك. قال: أرأيتم إن تركت مالي، أمُخلُّون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فخلع لهم ماله أجمع فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب ". وعن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : " أُريتُ دار هجرتكم: سبخة بين ظهرانّي حَرَّة. فإما أن تكون هَجَر أو تكون يثرب ". قال: وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت بالخروج معه، فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم، لا أقعد، فقالوا: لقد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكياً - فناموا، يعني: فخرجت فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريداً. أبردوني فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقاً من ذهب وتخلّون سبيلي وتوثقون لي؟ ففعلوا، فتبعتهم إلى مكة، فقلت: احفِروا تحت أسكُفَّه الباب فإن تحتها الأواق، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحُلَّتينْ. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قُباء قبل أن يتحول منها. فلما رآني قال: " يا أبا يحيى، ربح البيع، ثلاثاً ". فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل.

стр. 3757

وعن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجراً إلى المدينة، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتشل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله، لا تصلون إلى حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بالسيف ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دَلَلْتكم على مالي، وخلَيتم سبيلي. قالوا: نعم، ففعل. فلما قدم على النبي ﷺ قال: " ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع ". قال: فنزلت: " وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِيْ ابتغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ واللهُ رَؤُوْفٌ بِالعِبَادِ ". وعن بن جريج في قوله: " وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرَيْ نَفْسَهُ " نزلت في صهيب بن سنان وأبي دّروان الذي أدرك صهيبً بطريق المدينة قُنفُذ بن عمير بن جدعان. وعن عمر بن الحكم قال: قدم صهيب على رسول الله ﷺ وهو بقباء، ومعه أبو بكر وعمر وبين أيديهم رُطَب قد جاءهم به كلثوم بن الهِدْم أمهات جرادين، وصهيب قد رمد بالطريق، وأصابته مجاعة شديدة، وقع في الرطب، فقال عمر: يا رسول الله، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمِد؟! فقال رسول الله ﷺ : " تأكل الرطب وأنت رَمِد؟! " فقال صهيب: إنما آكله بشق عيني الصحيحة، فتبسم رسول الله ﷺ وجعل صهيب يقول لأبي بكر: وعدتني أن نصطحب، فخرجت وتركتني، ويقول: وعدتني يا رسول الله أن تصاحبني، فانطلقت وتركتني فأخذتني قريش، فحبسوني، ويقول: فاشتريت أهلي بمالي، فقال رسول الله ﷺ : " ربح البيع ". فأنزل الله : " وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِيْ ابتغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ ". وقال صهيب: يا رسول الله، ما تزودت إلا مداً من دقيق عجنته بالأبواء حتى قدمت عليك. وعن صهيب قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهداً قط إلا كنت حاضره. ولم يبايع بيعة قط إلا كنت

стр. 3758

حاضره، ولم يسير سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا عزاة قط أول الزمان وآخره إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله. وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم. وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط، حتى توفي رسول الله ﷺ . وعن صهيب أن النبي ﷺ قال: " لا تبغضوا صهيباً ". وعن عائذ بن عمرو أن سلمان وصهيباً وبلالاً كانوا قعوداً في أناس فمرّ بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا: ما أخذت سيوف الله ﵎ من عنق عدو الله مأخذها بعد، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم؟! قال: فأُخبر بذلك النبي ﷺ فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، فلئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ﵎. فرجع إليهم فقال: أي إخوتنا، لعلكم غضبتم، فقالوا: لا يا أبا بكر. يغفر الله لك. وعن صهيب أن أبا بكر مرّ بأسير له يستأمن له من رسول الله ﷺ وصهيب جالس في المسجد، فقال لأبي بكر: من هذا معك؟ قال: أسير لي من المشركين أستأمن له من رسول اله ﷺ فقال صهيب: لقد كان في عنق هذا موضع للسيف، فغضب أبو بكر، فقال: لقد كان في رقبة هذا موضع للسيف. فقال النبي ﷺ : فلعلك آذيته. فقال: لا والله، فقال: لو آذيته لآذيت الله ورسوله. حدث صيفي بن صهيب قال: قلنا لأبينا: يا أبانا، لِمَ لا تحدثنا عن رسول الله ﷺ كما يحدث أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: أما إني قد سمعت كما سمعوا، ولكني يمنعني من الحديث عنه أني سمعته يقول: مَن كذب علي متعمداً كلف يوم القيامة أن يعقد طرفي شعره، ولن يقدرعلى ذلك. وسمعت رسول الله ﷺ يقول: " من تزوج امرأة ومن نيته أن يذهب بصداقها لقي الله وهو زان حتى يتوب ". وسمعت رسول الله ﷺ يقول: " من ادان

стр. 3759

بدَين وهو يريد ألا يفيّبه لقي الله سارقاً حتى يتوب ". وفي حديث آخر بمعناه: مَن كذب عليّ متعمداً فيلتبوّأ مقعده من النار، ولكن سأحدثكم بحديث حفظه قلبي، ووعاه سمعي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أيما رجل تزوج امرأة ومن نيته أن يذهب بصداقها فهو زان حتى يموت. وأيما رجل بايع رجلاً بيعاً ومن نيته أن يذهب بحقه فهو خائن حتى يموت ". قال عمر لصهيب: أيّ رجل أنت لولا خصال ثلاث فيك. قال: وما هنّ؛ قال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم. وفيك سَرَف في الطعام. قال: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى. وأما قولك: انتميت إلى العرب وأنت من الروم فإني رجل من النّمِر بن قاسط، سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام قد عرفت نسبي، وأما قولك: فيك سرف في الطعام فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خياركم من أطعم الطعام ". وفي حديث آخر بمعناه: وأما ادّعائي إلى النمِر بن قاسط فإني امرؤ منهم، ولكني استُرضع لي بالأُبُلَّة. فهذه من ذاك. وأما المال فهل تراني أنفق إلا في حق؟ وفي حديث آخر بمعناه: وأما قولك: إني لا أمسك شيئاً فإن الله يقول: " وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِيْنَ ".

стр. 3760

وعن عبد الله بن عمر قال: قال عمر: إن حدثَ بي حَدَثٌ فليُصلّ الناس صهيب ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم في اليوم الثالث ". قال سعيد بن المسيب: لما توفي عمر نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدموا صهيباً فصلّى على عمر. توفي صهيب بالمدينة، وهو ابن سبعين سنة. ودفن بالبقيع. وكان يخضب بالحناء. وكان كثير شعر الرأس. وكان رجلاً حمر، شديد الصُهْبَة تحتها حمرة. وتوفي سنة ثمان وثلاثين. وقيل: توفي وهو ابن أربع وثمانين. وصلّى عليه سعد بن أبي وقاص. صَيفي بن الأَسلت واسم الأسلت عامر بن جُشَم بن وائل بن زيد بن قيس ابن عامر بن مرّة بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمر أبو قيس الأنصاري الوائلي الشاعر أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ، وكان قد وفد على آل جفنة. ويقال: إن اسم صيفي عبدُ الله. وكان أبو قيس بن الأسلت يُعدل بقيس بن الخطيم في الشعر والشجاعة. وهو الذي وقف بأوس الله يحضهم على الإسلام. وقد كان أبو قيس قبل قدوم النبي ﷺ يتألّه ويدّعى الحنيفية ويحض قريشاً على اتباع النبي ﷺ . وقام في أوس الله فقال: أسفوا إلى هذا الرجل، فإني لم أر خيراً قط إلا أوله أكثره، ولم أرد شرّاً قط إلا أوله أكثره، ولم أر شرّاً قط إلا أوله أقلّه. فبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فلقيه فقال له: لُذت من حربنا كل ملاذ. مرة تطلب الحلف إلى قريش، ومرة باتباع محمد. فغضب أبو قيس وقال: لا جرم والله لا اتبعته إلا آخر الناس فزعموا أن النبي ﷺ بعث إليه وهو يموت أن قُلْ: لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة فسُمع يقولها. وامرأته أول امرأة حَرُمت على ابن زوجها. وفيها نزلت " ولا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ " ومضت بدرٌ وأحد ولم يُسلم

стр. 3761

من أوس الله أحد إلا أربعة نفر من بني خطمة: خزيمة بن ثابت بن الفاكه، وعمير بن عدي بن خرشة، وحبيب بن خُماشة، وحَميضة بن رُقَيم الخطميون. كلهم شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، فلذلك ذهبت الخزرج بالعدة فيمن شهد بدراً. وقيس بن أبي قيس بن الأسلت صحب سيدنا صحب سيدنا رسول الله ﷺ وشهد أحداً. ولم يزل في المشاهد حتى بعثه سعد بن أبي وقاص طليعة له حين خرج إلى الكوفة. فلم يدر حتى هجم على مَسلحة بالعُذَيب للعجم، فشدا عليه، فقاتلوه حتى قتل يومئذ. وروى جماعة أن لم يكن أحد من الأوس والخزرج أوصف للحنيفية ولا أكثر مسألة عنها من أبي قيس بن الأسلت. وكان قد سأل مَن بيثرب من اليهود عن الدين فدعوه إلى اليهودية، فكاد يقاربهم ثم أبى ذلك، وخرج إلى الشام إلى آل جفنة، فتعرضهم فوصلوه. وسأل الرهبان والأخبار فدعوه إلى دينهم فلم يُرده وقال: لا أدخل في هذا أبداً، فقال له راهب بالشام: أنت تريد دين الحنيفية. قال أبو قيس: ذاك الذي أريد، فقال الراهب: هذا وراءك، من حيث خرجت دين إبراهيم، فقال أبو قيس: أنا على دين إبراهيم، وأنا أدين به حتى أموت عليه. ورجع أبو قيس: خرجت إلى الشام أسأل عن دين إبراهيم فقيل لي: هو وراءك، فقال له زيد بن عمرو: قد استعرضت الشام والزيرة ويهود يثرب فرأيت دينهم باطلاً. وإن الدين دين إبراهيم: كان لا يشرك بالله شيئاً، ويصلي إلى هذا البيت، ولا يأكل ما ذبح لغير الله. فكان أبو قيس يقول: ليس أحد على دين إبراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وقد أسلمت الخزرج وطوائف من الأوس: بنو عبد الأشهل كلها، وظَفَر وحارثة، ومعاوية وعمرو بن عوف إلا ما كان من أوس الله وتيم وائل وبنو خطمة وواقف، وأمية بن زيد

стр. 3762

مع أبي قيس بن الأسلت، وكان رأسها وشاعرها وخطيبها، وكان يقودهم في الحرب. وكان قد كان أن يسلم، وذكر الحنيفية في شعره. وكان يذكر صفة النبي ﷺ وما تخبره به يهود، وأن مولده بمكة ومهاجره يثرب. فقال بعد أن بعث النبي ﷺ : هذا النبي الذي بقي وهذه دار هجرته. فلما كانت وقعة بعاث شهدها. وكان بين قدوم رسول الله ﷺ ووقعة بعاث خمس سنين. وكان يُعرَف بيثرب، يقال له الحنيف. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة قيل له: يا أبا قيس: هذا صاحبك الذي كنت تصف. قال: أجل، قد بُعث بالحق. وجاء إلى النبي ﷺ فقال له: إلام تدعو؟ فقال رسول الله ﷺ : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وذكر شرائع الإسلام. فقال أبو قيس: ما أحسن هذا وما أجمله! أنظر في أمري ثم أعود إليك، فكاد يسلم، فلقيه عبد الله بن أُبيّ فقال: من أين؟ فقال: من عند محمد. عرض علي كلاماً ما أحسنه! وهو الذي كنا نعرف، والذي كانت أحبار اليهود تخبرنا به، فقال له عبد الله بن أبي: كرهت والله حرب الخزرج. قال: فغضب أبو قيس وقال: والله لا أسلم سنة. ثم أنصرف إلى منزله، فلم يعد إلى رسول الله ﷺ حتى مات قبل الحول. وذلك في ذي الحجة على رأس عشرة أشهر من الهجرة. وروي عن أشياخهم أنهم كانوا يقولون: لقد سُمع يوحّد عند الموت. وأبو قيس بن الأسلت هو القائل: " السريع " مَن يذقِ الحربَ يجدْ طعمها ... مرّاً وتتركْهُ بجَعجاعِ قد حصَّت البيضة رأسي فما ... أطعمَ نوماً غير تهجاع أسعى على جل بني مالك ... كل امرىءْ في شأنه ساع ليس قطاً مثلُ قُطَيٍّ ولاال ... مَرْعِيُّ في الأقوام كالراعي

стр. 3763

وأضرب القَوْنس يوم الوغى ... بالسيفِ ما ينقضي به باعي قال الهيثم بن عدي: كنا جلوساً عند صالح بن حسان فقال: أنشدوا بيتاً شريفاً في امرأة خَفِرة، قلنا: قول حاتم الطائي: الطويل يضيء لها البيتُ الظليمُ خصاصُهُ ... إذا هي يوماً حاولت أن تبسَّما فقال: أريد أحسن من هذا. قلنا: قول الأعشى: " البسيط " كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة لا رَيث ولا عجَلُ قال: أريد أحسن من هذا: قلت: بيت ذي الرمة: " الطويل " تنوء بأخراها فلأياً قيامُها ... وتمشي الهويني من قريبٍ فتَبهَرُ قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: ما عندنا شيء. قال: بيت أبي قيس بن الأسلت: " الطويل " وتكرمُها جاراتُها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهنَّ فتُعْذَرُ ثم قال: أتدرون أحسن بيت وصفت به الثريا؟ قلت: بيت ابن الزبير " الطويل " وقد لاحَ في الجوّ الثريا كأنّه ... بهِ رايةٌ بيضاءُ تخفق للطعنِ قال: أريد أحسن من هذا. قلنا بين امرىء القيس.

стр. 3764

إذا ما الثريا في السماء تعرَّضت ... تعرُّض أثناءِ الوشاحِ المفصَّلِ قال: أريد أحسن من هذا. قلت بيت ابن الطثَريَّة: إذا ما الثريا في السماءِ كأنها ... جُمانٌ وهي من سلكِه فتسرَّعا قال: أريد أحسن من هذا. قلنا ما عندنا شيء. قال: بيت أبي قيس بن الأسلت: وقد لاحَ في الجوّ الثريا لِمن رأى ... كعنقودِ ملاّحيّةٍ حين نوّرا قال الحافظ: روي هذا الخبر الملاّحية بتشديد اللام. قال: ولغة العرب الفصيحة السائرة: ملاحية. يقولون: عنب ملاحي، ورواة الحديث والأخبار الذي لا علم لهم بكلام العرب يغلطون في هذا كثيراً وفيما أشبه. قال: وأرى أن الذي أوقعهم في هذا أنهم لما رأوا في هذا البيت ظهور الزحاف فيها إذا رُوي مخففاً على الوجه الصحيح، وسلامته من ذلك إذا شُدّد، ثم لم يعلموا جواز الزحاف واطراده، وظهور استعماله. وإن أكثر الشعر مُزاحَف. ومالا زحاف فيه قليل نَزْر جداً. وهذا البيت من الطويل الثاني. والزحاف فيه ذهاب ياء مفاعلين ورده إلى مفاعلن ويسمى القبض لذهاب الخامس. وقد تسقط نون مفاعلين على معاقبة القبض فيه، وهو ذهاب الياء. ولا يجتمعان في السقوط وهو الكف لذهاب السابع. صيفي بن فسَيل ويقال: فشيل الربعي الشيباني الكوفي من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇. وهو ممن قُدم به مع حُجر بن عدي عذراء وقتل معه. حدث أب المليح الهذلي قال: بعثني الحكم بن أيوب إلى شبهة بنت عمير الشيبانية أسألها، فحدثتني أن زوجها

стр. 3765

صيفي بن فشيل نُعي لها من قَنْدابيل فتزوجت بعده العباس بن طريف القيسي. ثم إن زوجها الأول قدم، فأتينا عثمان بن عفان وهو محصور، فأشرف علينا فقال: أتقضى بينكم وأنا على هذه الحال؟ ّ فقلنا: قد رضينا بقولك، فقضى أن يخير الزوج الأول بين الصداق وبين امرأته، ثم قتل عثمان، فأتينا علياً فأخذ مني ألفين ومن زوجي ألفين، وهو صداقه الذي كان جعل للمرأة. قال: وكانت له أم ولد قد تزوجت من بعده، وولدت لزوجها أولاداً فردّها عليه وولدها. وعن قيس بن عباد الشيباني أنه جاء إلى زياد فقال له: إن امرأَ منا من بني همام يقال له صيفي بن فشيل من رؤوس أصحاب حجر، وهو أشد الناس عليك، فبعث زياد فأتى به، فقال: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب. قال: ما أعرفَك به! قال: ما أعرفه. قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب. قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب شرطته: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت لا؟! قال: وإن كذب الأمير، أريد أن أكذب. أو أشهد له على باطل كما شهد؟! قال له زياد: وهذا أيضاً مع ذنبك علي بالعصا، فأُتي بها وقال: ما قولك في علي؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين. قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضربوه حتى لصق بالأرض ثم قال: أقلعوا عنه. إيه، ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمُدى ما قلت في علي إلا ما سمعتَ مني. قال: أتلعنَنَّه أو لأضربن عنقك؟ قال: إذن تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله، وشقيت أنت. قال: ادفعوا في رقبته. ثم قال: أوقِروه حديداً وألقُوه في السجن. قتل صيفي في سنة إحدى وخمسين مع حجر بن عدي، ومحرز بن شهاب، وقبيصة بن حرملة، وقيل: في سنة ثلاث وخمسين. أسماء الرجال على

стр. 3766

حرف الضاد المعجمة الضحاك بن أحمد بن الضحاك ابن محمد بن عبد الجبار. أبو العشائر المقرىء الخولاني حدث بدمشق عن عبد الله بن علي بن عبد الرحمن الأزدي بسنده عن أنس عن النبي ﷺ قال: " من أفطر يوماً من رمضان من غير علة فعليه صوم شهر ". الضحاك بن زمل بن عبد الرحمن ويقال: ابن زمل بن عبد الله ويقال: ابن زمل بن عمرو السكسكي من أهل بيت لهيا، من قرى دمشق. حدث عن أبي أسماء السكسكي عن عمرو بن مرّة الجُهَني قال: قال رسول الله ﷺ : " من كذب علي معتمداً فليتبوأ مقعده من النار ". قال الضحاك بن زمل: إن معاوية قال لزياد: ما بلغ من سياستك يا أبا المغيرة؟ قال: أقمتُهم بعد جَنَف، وكففتهم عما لا يُعرف بما يعرف، فأذعن المعاند عن الحقّ رغبة، وخضع المبتدع رهبة. قال: وبِم صيَّرتهم إلى ذلك؟ قال: بالمرهَفات القواضب، أمضيتها بالعزم، يتبعه الحزم. قال: لكني ضبطت ملكي بالحلم عند انبراء القوي الألدّ مع توددي إلى العامة، وأداء حقوقهم، وتعقيب بعوثهم، فسلمت لي الصدور عفواً، وانقادت الإحنة طوعاً. فأنا أسْوَس منك. قال: صدقت.

стр. 3767

قال الضحاك بن زمل: شهدت سليمان بن عبد الملك وهو يعرض الخيل بدابق، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن " أبينا " هلك، وعمد " أخانا " فأخذ " مالُنا " فقال: لا رحم الله أباك، ولا آجر أخاك، ولا ردّ عليك مالك. يا غلام، السوط. قال: فأول سوط ضُرب قال: بُسْم الله. قال: دعوا عدوّ الله، لو كان تاركاً اللحن في وقت لتركه الآن. قال الضحاك بن زمل ليزيد بن عبد الملك: " الطويل " حليمٌ إذا ما نالَ عاقبَ مُجملاً ... أشدّ العقابِ وعفا لم يثرّبِ فعفواً أمير المؤمنين وحسبةً ... فما تحتسبْ من صالحٍ لكَ يُكتبِ أساؤوا فأن تعفُ فإنك قادرٌ ... وأفضلُ حلمٍ حسبةً حلمُ مغضَبِ وقيل: هذه الأبيات لكثرة عزة. قال خليفة العصفري: لما أدخلوا آل المهلب بن أبي صفرة على يزيد بن عبد الملك قام كُثَيِّر بن أبي جمعة الذي يُقال له كثير عزة، فقال: حليم إذا ما نال عاقب مجملاً الأبيات. وأردفها: نفتهم قريشٌ عن محلةِ واسط ... وذو يَمنٍ بالمشرفيّ المشطَّب فقال يزيد: أطّت بك الرحم. ولا سبيل إلى ذلك. من كان له قبل آل المهلب دم فليقم. ودفعهم إليهم حتى قُتل نحو من ثمانين.

стр. 3768

الضحاك بن عبد الله أبو محمد - وقيل: أبو شيبة - الهنديّ مولى أبي منصور المطرّز الهروي. قدم دمشق، وحدث بها وبصور. حدث عن علي بن محمد الطرازي بسنده عن حكيم بن حزام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تَعُول. وفي رواية أخرى، وزاد: وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفّ يُعفهّ الله، ومن استغنى أغناه الله. الضحاك بن عبد الرحمن ابن أبي حوشب ويقال: ابن حوشب بن أبي حوشب - أبو زرعة - ويقال: أبو بشر - النصري حدث عن القاسم بن مُخَيمرة قال: تعلُّم النحو أولُه شُغل وآخره بغي. وحدث عن بلال بن سعد أنه قال في موعظته: عبادّ الرحمن؛ لو سلمتم من الخطايا فلم تعملوا فيما بينكم وبين الله خطيئة، ولم تتركوا لله طاعةً إلا جهدتم أنفسكم في أدائها إلا حُبّكم الدنيا لوسِعكم ذلك شراً لا أن يتجاوز الله ويعفو. كان الضحاك ثقة.

стр. 3769

الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرب ويقال: عَزوم أبو عبد الرحمن الأشعري من أهل الأردن. استعمله عمر بن عبد العزيز على دمشق. ومات عمر بن عبد العزيز وهو والٍ عليها. وكان من خير الولاة. حدث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما يَسأل الله عنه العبدَ يوم القيامة من النعيم أن يُقال له: ألم نصحّ جسمك ونَروِك من الماء البارد؟ ". الضحاك بن فيروز الديلمي حدث عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وعندي أُختان، فقال له رسول الله ﷺ : طلّق أيّتهما شئت. الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر ابن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان ابن محارب بن فهر بن مالك، أبو أنيس - ويقال: أبو أمية - ويقال: أبو عبد الرحمن - ويقال: أبو سعيد - القرشي الفهري له صحبة، حدث عن سيدنا رسول الله ﷺ ، ويقال: إنه لا صحبة له. شهد فتح دمشق، وسكنها إلى آخر عمره. وشهد صفين مع معاوية. وكان على أهل دمشق، وهم القلب. وغلب على دمشق، ودعا إلى بيعة ابن الزبير. ثم دعا إلى نفسه. حدث معاوية بن أبي سفيان - وهو على المنبر - قال: حدثني الضحاك بن قيس - وهو عدل على نفسه - أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال والٍ من قريش ".

стр. 3770

وفي رواية: " لا يزال على الناس والٍ من قريش ". إن الله ﵎ يقول: أنا خير شريك. فمن أشرك معي شيئاً فهو لشريكي. يا أيها الناس، اخلصوا أعمالكم لله تعالى. فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له. ولا تقولوا: هذا لله وللرحم. وفي حديث بمعناه: فإذا أحدكم أعطى أعطية، أو عفا عن مظلمة، أو وصل رحمه فلا يقولون: هذا لله، بلسانه. ولكن يعلم بقلبه. وعن الضحاك بن قيس قال: كانت أم عطية خافضة بالمدينة. فقال لها النبي ﷺ : " إذا خفضتِ فلا تَنهَكي، فإنه أحظى للزوج، وأسرى للوَجْه ". وعن الحسن أن الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلام عليك. أما بعد. فأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، فتناً كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً. يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل. وإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا وأشقاؤنا، فلا تسبقونا حتى نحتال لأنفسنا. كان الضحاك مع معاوية، فولاه الكوفة، وهو الذي صلى على معاوية، وقام

стр. 3771

بخلافته حتى قدم يزيد بن معاوية. وكان قد دعا لابن الزبير، وبايع له. ثم دعا إلى نفسه فقتله مروان بن الحكم يوم مرج راهط سنة خمس أو أربع وستين. وكان على شرط معاوية، وفي بيت أخته فاطمة بنت قيس اجتماع أهل الشورى، وخطبوا خطبهم المأثورة، وكانت امرأة نجوداً. والنَجود: النبيلة. وأم الضحاك أميمة بنت ربيع بن حِذْيَم بن عامر بن مَبْذول بن الأحمر بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ولد الضحاك قبل وفاة سيدنا رسول الله ﷺ بست أو نحوها. وفاطمة بنت قيس أخت الضحاك، وكانت أكبر منه بعشر سنين. وعن معمر أن الضحاك بن قيس أمر غلاماً قبل أن يحتلم فصلى بالناس، فقيل له: أفلعت ذلك؟! قال الضحاك: إن معه من القرآن ما ليس معي. فإنما قدمت القرآن. قال معمر: وبلغني أن غلاماً في عهد النبي ﷺ كان يصلي ولم يحتلم، وكان أكثرهم قرآناً. كان الضحاك بن قيس على الكوفة، فخطب قاعداً، فقام كعب بن عجرة فقال: لم أر كاليوم قط إمام قومٍ مسلمين يخطب قاعداً! وعن الضحاك أنه سجد في " ص " في الخطبة، وعلقمة وأصحاب عبد الله وراءه فلم يَسجُدوا. وعن الضحاك بن قيس أنه كان على دمشق، فجاءه المؤذن فسلم عليه، وقال له المؤذن: إني لأحبك لله ، فقال له الضحاك: ولكني أبغضك لله. قال: ولم تبغضني أصلحك الله؟! فقال: لأنك تتزاهى بتأذيتك، وتأخذ أجراً على تعليمك. وكان معلم كتاب.

стр. 3772

لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان اختلف الناس بالشام. فكان أول من خالف من أمراء الأجناد النعمان بن بشير بحمص. دعا إلى ابن الزبير، ودعا زُفر بن الحارث بقنسرين لابن الزبير، ودعا الضحاك بن قيس الفهري بدمشق إلى ابن الزبير سراً لمكان من بها من بني أمية وكلب. وبلغ حسان بن مالك بن بحدل ذلك وهو بفلسطين. وكان هواه في خالد بن يزيد، فأمسك، وكتب إلى الضحاك بن قيس كتاباً يعظّم فيه حق بني أمية وبلاءهم عنده، ويذم ابن الزبير، ويذكر خلافه ومفارقته الجماعة، ويدعوا إلى أن يبايع إلى الرجل من بني حرب. وبعث بالكتاب إليه مع ناغضة بن كريب الطابخي، وأعطاه نسخة الكتاب وقال: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس، وإلا فاقرأه أنت، وكتب إلى بني أمية يعلمهم ما كتب به إلى الضحاك، وما أمر به ناغضة، ويأمرهم أن يحضروا ذلك. فلم يقرأ الضحاك كتاب حسان، فكان في ذلك اختلاف وكلام، فسكّتهم خالد بن يزيد، ونزل الضحاك فدخل الدار. فمكثوا أياماً، ثم خرج الضحاك ذات " يوم " فصلى بالناس صلاة الصبح، ثم ذكر يزيد بن معاوية فشتمه، فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصاً، واقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك دار الإمارة، فلم يخرج، وافترق الناس ثلاث فرق: فرقة زبيرية، وفرقة بَحْدلية - هواهم لبني حرب - والباقون لا يبالون لمن كان الأمر من بني أمية. وأرادوا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على البيعة له. فأبى، وهلك تلك الليالي. فأرسل الضحاك بين قيس إلى بني أمية فأتاه مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فاعتذر إليهم، وذكر حسن بلائهم عنده، وأنه لم يُرِد شيئاً يكرهونه، وقال: اكتبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل حتى ينزل الجابية، ثم نسير إليه فنستخلف رجلاً منكم، فكتبوا إلى حسان، فنزل الجابية، وخرج الضحاك بن قيس وبنوا أمية يريدون الجابية. فلما استقلت الرايات موجهة قال معن بن ثور السلمي ومن معه من قيس دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس رأياً وفضلاً وبأساً. فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي

стр. 3773

من كلب تبايع لابن أخته! قال: فتقولون ماذا؟ قالوا: نصرف الرايات، وننزل فنُظهر البيعة لابن الزبير، ففعل. وبايعه الناس. وبلغ ابن الزبير فكتب إلى الضحاك بعهده على الشام، وأخرج من كان بمكة من بني أمية. وكتب إلى من بالمدينة بإخراج من بها من بني أمية إلى الشام. وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير فأتوه. فلما رأى ذلك مروان خرج يريد ابن الزبيل ليبايع له ويأخذ منه أماناً لبني أمية، وخرج معه عمرو بن سعيد، فلقيهم عبيد الله بن زياد بأذرعات مقبلاً من العراق، فأخبروه بما أرادوا، فقال لمروان: سبحان الله، أرضيت لنفسك بهذا؟ تبايع لأبي خُبيب وأنت سيد قريش، وشيخ بني عبد مناف؟؟ والله لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: فما الرأي؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشاً ومواليها، فلا يخالفك منهم أحد. فرجع مروان وعمرو بن سعيد، وقدم عبيد الله بن زياد دمشق فنزل بباب الفراديس، فكان يركب إلى الضحاك كل يوم فيسلم عليه، ثم يرجع إلى منزله. فعرض له يوماً في مسيره رجل فطعنه بحربة في ظهره وعليه الدرع، فأثبت الحربة، فرجع عبيد الله إلى منزله. وأمام ولم يركب إلى الضحاك. فأتاه الضحاك إلى منزله، فاعتذر إليه. وأتاه بالرجل الذي طعنه فعفا عنه عبيد الله، وقَبل من الضحاك، وعاد عبيد الله يركب إلى الضحاك في كل يوم، فقال له يوماً: يا أبا أُنيس، العجب لك - وأنت شيخ قريش - تدعو لابن الزبير وتدع نفسك، وأنت أرضى عند الناس منه، لأنك لم تزل متمسكاً بالطاعة والجماعة، وابن الزبير مشاقً، مفارق، مخالف. فادع إلى نفسك، فدعا إلى نفسه ثلاثة أيام. فقالوا له: أخذت بيعتنا وعهودنا لرجل ثم دعوتنا إلى خلعه من غير حدث أحدثه، والبيعة لك! وامتنعوا عليه. فلما رأى ذلك الضحاك عاد إلى الدعاء إلى ابن الزبير فأفسده ذلك عند الناس، وغير قلوبهم عليه، فقال له عبيد الله بن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون يتبرّز ويجمع إليه الخيل، فاخرج عن دمشق واضمم إليك الإجناد. وكان ذلك من عبيد الله بن زياد مكيدة له، فخرج الضحاك فنزل المرج، وبقي عبيد الله بدمشق، ومروان وبنوا أمية بتدمر، وخالد

стр. 3774

وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية بالجابية عند حسان بن مالك بن بحدل. فكتب عبيد الله إلى مروان أن ادعُ الناس إلى بيعتك، ثم سر إلى الضحاك. فقد أصحر لك. فدعا مروان بني أمية فبايعوه، وتزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، واجتمع الناس على بيعة مروان فبايعوه. وخرج عبيد الله حتى نزل المرج، وكتب إلى مروان، فأقبل في خمسة آلاف، وأقبل عبيد الله بن زياد من حُوّارين في ألفين من مواليه وغيرهم من كلب، ويزيد بن أبي النمس بدمشق قد أخرج عامل الضحاك منها. وأمدّ مروان بسلاح ورجال. وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد، فقدم عليه زفر بن الحارث الكلابي من قنّسرين، وأمده النعمان بن بشير الأنصاري بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فتوافوا عند الضحاك بالمرج. فكان الضحاك في ثلاثين ألفاً، ومروان في ثلاثة عشر ألفاً، أكثرهم رجَالة. ولم يكن في عسكر مروان غير ثمانين عتيقاً: أربعون منها لعباد بن زياد، وأربعون لسائر الناس. فأقاموا بالمرج عشرين يوماً، يلتقون في كل يوم، ويقتتلون. فقال عبيد الله بن زياد يوماً لمروان: إنك على حق، وابن الزبير ومن دعا إليه على باطل، وهم أكثر منك عدداً وعدة، ومع الضحاك فرسان قيس، فأنت لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة، فكِدهم، فقد أحلّ الله ذلك لأهل الحق. والحرب خدعة، فادعُهم إلى الموادعة ووضع الحرب حتى تنظر. فإذا أمنوا وكفّوا عن القتال فكُرّ عليهم. فأرسل مروان إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ينظر، فأصبح الضحاك والقيسية فأمسكوا عن القتال، وهم يطمعون أن مروان يبايع لابن الزبير، وقد اعد مروان اصحابه. فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا بالخيل قد شدت عليهم، ففزع الناس إلى راياتهم وقد غشوهم وهم على غير عدة، فنادى الناس: يا أبا أُنيس، أعجزاً بعد كيس، فقال الضحاك: نعم أنا أبو أُنيس، عجز لعمري بعد كيس، فاقتتلوا، ولزم الناس راياتهم، وصبروا وصبر الضحاك، فترجّل مروان وقال: قبح الله مَن يُولِّيهم اليوم ظهره، حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين، فقتل

стр. 3775

الضحاك بن قيس - قتله رجل من كلب، يقال له زحمة بن عبيد الله - وصبرت قيس عند راياتها، يقاتلون عندها. فنظر رجل من بني عقيل إلى ما تلقى قيس عند راياتها من القتل فقال: اللهم، العنها من رايات، واعترضها بسفيه فجعل يقطعها، فإذا سقطت الراية تفرق أهلها. ثم انهزم الناس فنادى منادي مروان: لا تتبعوا مولياً. فأمسك عنهم. وقتلت قيس بمرج راهط مَقتلة لم يُقتله في موطن قط. وكانت وقعة مرج راهط في نصف ذي الحجة سنة أربعة وستين. مرج راهط في نصف ذي الحجة سنة أربعة وستين. ولما بلغ ابن الزبير قتلُ مروان الضحاكّ بمرج راهط قام خطيباً فقال: إن ثعلب بن ثعلب حفر بالصَّحْصَحة فأخطأت استه الحفرة. والَهْف أمٍ لم تلدني على رجل من محارب كان يرعى في جبال مكة. فيأتي بالضربة من اللبن فيتبعها بالقبضة من الدقيق، فيرى ذلك سداداً من عيش، ثم أنشأ يطلب الخلافة ووراثة النبوة. الضحاك ويقال: صخر بن قيس بن معاوية بن حصين وهو مُقاعس بن عبادة بن النّزّال بن عمرة بن عُبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أبو بحر التميمي أدرك عصر سيدنا رسول الله ﷺ ودعا له. ولم يره: وشهد صفين مع علي ﵇ أميراً. وقدم دمشق، ورأى بها أبا ذر، ﵁، وقدم على معاوية في خلافته أيضاً. وهو المعروف بالأحنف. وكان سيد أهل البصرة.

стр. 3776

حدث الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: ألا هلك المتنطعون: قالها ثلاث مرات. وفي رواية: ألا هلك المتكبرون. قالها ثلاثاً. قال الأحنف بن قيس: دخلت مسجد دمشق فإذا أنا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود، فقلت: لا أنتهي حتى أنظر أيدري على شفع ينصرف أو على وتر؟ فلما انصرف قلت له: أتدري على شفع تنصرف أم على وتر؟ قال: إن لم أدر فإن الله هو يدري. حدثني خليلي أبو القاسم ﷺ ثم بكى، ثم قال: حدثني خليلي أبو القاسم ﷺ ثم بكى، ثم قال: حدثني خليل أبو القاسم ﷺ ثم بكى قال: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحطّ عنه بها سيئة، فتقاصرت إلى نفسي فإذا هو أبو ذر. وقد روي أن ذلك كان في مسجد حمص. وقد روي أن ذلك في مسجد بيت المقدس، وفيه زيادة: رفعه الله بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة. وكان الأحنف صديقاً لمصعب بن الزبير، فوفد عليه بالكوفة، ومصعب بن الزبير يومئذ والٍ عليها، فتوفي الأحنف عنده بالكوفة، فرُئي مصعب في جنازته يمشي بغير رداء سنة سبع وستين. وقيل سنة اثنتين وسبعين. وصلى عليه مصعب. وكانت أم الأحنف امرأة من باهلة يقال لها حبّة بنت ثعلبة بن قرط بن قرواش. وكان الأحنف أحنف الرجلين جميعاً، ولم يكن له إلا بيضة واحدة. وكانت أمه ترقّصه وتقول: الرجز والله لولا حنَفٌ برجلِهِ ... وقلةٌ أخافُها من نسلِهِ ما كان في فتيانكم من مثلهِ

стр. 3777

وقد اختلف في اسمه، فقيل: الضحاك، وقيل صخر، وقيل: الحارث، وقيل: حصين. ووفد إلى عمر بن الخطاب. وهو الذي افتتح مَرْوُروّد. حدث الأحنف قال: بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ لقيني رجل من بني ليث، فأخذ بيدي فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ ساعياً إلى بني سعد؟ فسألوني عن الإسلام، فجعلت أخبرهم وأدعوهم إلى الإسلام، فقلت: إنك تدعو إلى خير، وما أسمع إلا حسناً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اللهم، اغفر للأحنف. فكان الأحنف يقول: فما شيء أرجى عندي من ذلك. يعني: دعوة النبي ﷺ . وحدث الأحنف أنه قدم على عمر بن الخطاب بفتح تُستَر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد فتح عليك تُستر، وهي من أرض البصرة. فقال رجل من المهاجرين: يا أمير المؤمنين، إن هذا - يعني الأحنف بن قيس - الذي كفّ عنا بني مُرّة حين بعثنا رسول الله ﷺ في صدقاتهم، وقد كانوا هّموا بنا. قال الأحنف: فحبسني عمر عنده بالمدينة سنة، يأتيني في كل يوم وليلة، فلا يأتيه عني إلا ما يحبّ. فلما كان رأس السنة دعاني، فقال: يا أحنف: هل تدري لمَ حبستك عندي؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، فقال: إن رسول الله ﷺ حذّرنا كل منافق، فخشيت أن تكون منهم. فاحمدِ الله يا أحنف. وفي حدث مختصر بمعناه: فقال: يا أحنف، إني قد بلوتك وخبرتك، فرأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك، وإن كنا نتحدث، إنما يُهلِك هذه الأمة كل منافق عليم. قال أحمد بن صالح: الأحنف بن قيس بصري، تابعي، ثقة. وكان سيد قومه. وكان أعور، أحنف، دميماً، قصراً كَوسجاً، له بيضة واحدة. قال له عمر: ويحك يا أحنف، لما رأيتك

стр. 3778

ازدريتك: فلما نطقت فقلت: لعله منافق، صَنَع اللسان. فلما اختبرتك حمدتك ولذلك حبستك. حبسه سنة يختبره. فقال عمر: هذا والله السيّد. وقال له عمر: كنت أخشى أن تكون منافقاً عالما. وأرجوا أن تكون مؤمناً، فانحدر إلى مصرك. قال عبد الله بن عبيد: ابتاع الأحنف ثوبين بصريَين: ثوباً بستة عشر، والآخر باثني عشر، فقطعهما قميصين فجعل يلبس الذي أخذه بستة عشر في الطريق، حتى إذا قدم المدينة خلعه ولبس الذي أخذه باثني عشر. فدخل على عمر، فجعل يسائله، وينظر إلى قميصه ويمسحه، ويقول: يا أحنف، بكم أخذت قميصك هذا؟ قال: أخذته باثني عشر درهماً. قال: ويحك! ألا كان بستة، وكان فضله فيما تعلم؟ قال الأحنف بن قيس: ما كذبت منذ أسلمت لا مرة واحدة: كان عمر سألني عن ثوب: بكم أخذته؟ فأسقطت ثلث الثمن. قال الشعبي: وفد أبو موسى وفداً من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس. فلما قدموا على عمر تكلَّم كل رجل منهم في خاصَّة نفسه، وكان الأحنف في آخر القوم، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: أما بعد. يا أمير المؤمنين، فإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه، وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر، وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان المخصبة، وفي مثل عين البعير، وكالحوار في السَّلى. تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلُغ، وإن أهل البصرة نزلوا في

стр. 3779

سَبَخة زَعِقة نشَّاشة، لا يجف ثراها، ولا ينبُت مرعاها، طرفها في بحر أُجاج، والطرف الآخر في الفلاة، لا يأتينا شيء إلا في مثل مريء النعامة، فارفع خسيستنا، وأَنعش وكيستنا وزِد في عيالنا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً، وأصقِر درهمنا وأكثِر قَفيزنا، ومُر لنا بنهر نستعذب منه الماء. فقال عمر: عجزتم أن تكونوا مثل هذا؟! هذا والله السيّد. فما زلت أسمعها بعد. وكان أبو موسى حين قدم على عمر فسأله عما كان رفع إليه من أمره أحب أن يبحث عنه، فلم يقم أحد يكفيه الكلام، فقام الأحنف بن قيس وكان من أشبههم فقال: يا أمير المؤمنين، صاحبك مع رسول الله ﷺ في مواطن الحق، وعاملك ولم نر منه إلا خيراً، وإنا أناس بين سبَخَة وبين بحر أجاج، لا يأتينا طعامنا إلا في مثل حلقوم النعامة. فأعد لنا قفيزنا ودرهمنا، فأعجب منه ذلك عمر وأعرض عنه لحداثة سنّه، فقال له: اجلس يا أحنف، وكان برجله حَنف، فلذلك سماه الأحنف، فغلب لقبه على اسمه، فعرض عمر على الأحنف الجائزة، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما قطعنا الفلوات، ودأبنا الروحات العشيات للجوائز! وما حاجتي إلا حاجة من خلّفت، فزاده ذلك عند عمر خيراً. فرد عمر أبا موسى ومن معه. وحبَس الأحنف عنده سنة، وجعل عليه عيوناً، فلم يسمع إلا خيراً، فدعا به فقال: يا أحنف، إنك قد أعجبتني، وإنما حبستك لأعلم علمك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: احذروا النافق العالم، وأشفقت عليك منه، فوجدتك بريئاً مما تخوفت عليك، فسرّحه، وأحسن جائزته. ثم قدم على أبي موسى، فعرف ما كان منه إليه، فلم يزل للأحنف شرفٌ يعرف حتى خرج من الدنيا. قال ابن سيرين: بعث عمر بن الخطاب الأحنف بن قيس على جيش قِبَل خراسان فبيتهم العدو

стр. 3780

وفرقوا جيوشهم، وكان الأحنف معهم، ففزع الناس، فكان أول من ركب الأحنف ومضى نحو الصوت وهو يقول: " الرجز " إنَّ على كلّ رئيسٍ حقّا ... أن يخضِب الصَّعدة أو تندقّا ثم حمل على صاحب الطبل فقتله، وانهزم العدو، فتقلوهم وغنموا، وفتحوا مدينة يقال لها: مَرْوُروذ. قالوا: ثم سار الأحنف بن قيس بن مروروذ إلى بلخ فصالحوه على أربع مئة ألف. ثم أتى خوارزم ولم يُطقها فرجع. كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد. فائذن للأحنف بن قيس، وشاوره، واسمع منه. قيل للأحنف بن قيس: من أين أُوتيت ما أوتيت من الحلم والوقار؟ قال: بكلمات سمعتهن من عمر بن الخطاب. سمعت عمر يقول: يا أحنف، من مَزح استُخف به، ومن ضحك قلّت هيبته، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه. قال الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف. ذكر عمرُ بني تميم فذمهم، فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، ائذن لي فلأتكلم. قال: تكلم. قال: إنك ذكرت بني تميم فعممتهم بالذم، وإنما هم من الناس، فيهم الصالح والطالح، فقال: صدقت، وقفّى بقولٍ حسن، فقام الحُتات - وكان يناوئه - فقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي فلأتكلم. قال: أجلس، فقد كفاكم سيدكم الأحنف. قال سفيان: ما وُزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه. قيل للأحنف بن قيس: بأي شيء سوّدك قومك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشربه.

стр. 3781

قال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر، ما أنتفع بالشاهد إذا غبت، ولا افتقد غائباً إذا شهدت. فكأن البحتري ألّم بهذا المعنى فقال: " الطويل " رحلتَ فلم نفرح بأوبة آيبِ ... وأُبتَ فلم نجزع لغيبة غائبِ قدمتَ فأقدمت النهى يَحملُ الرضى ... إلى كلّ غضبان على الدهر عاتبِ فعادت بك الأيامُ زُهراً كأنما ... جلا الدهرُ منها عن خدود الكواعبِ قال خالد بن صفوان: كان الأحنف بن قيس يفرُّ من الشرف، والشرف يتبعه. وعن خالد بن صفوان أنه كان بالرصافة عند هشام بن عبد الملك فقدم العباس بن الوليد بن عبد الملك، فغشيه الناس، فكان خالد فيمن أتاه، وكان العباس يصوم الاثنين والخميس. قال خالد: فدخلت عليه في يوم خميس فقال لي: يا بن الأهتم، خبرني عن تسويدكم للأحنف، وانقيادكم له، وكنتم حياً لم تملكوا في جاهلية قط. فقلت له: إن شئت أخبرتك عنه بخصلة لها سُوِّد، وإن شئت بثنتين، وإن شئت بثلاث، وإن شئت حدثتك عنه بقية عشيتك حتى تنقضي، ولم تشعر بصومك. قال: هات الأولى، فإن اكتفينا وإلا سألناك. قال: فقلت: كان أعظمّ من رأينا وسمعنا - ثم أدركني ذهني فقلت: غير الخلفاء - سلطاناً على نفسه في ما أراد حملها عليه، وكفّها عنه. قال: لقد ذكرتها نجلاء كافية. فما الثانية؟ قلت: قد يكون الرجل عظيم السلطان على نفسه، ولا يكون بصيرا بالمحاسن والمساوىء ولم يرَ ولم يسمع بأحد أبصر بالمحاسن والمساوىء منه، فلا يَحمل السلطنة إلا على حسن، ولا يكفها إلى عن قبيح. قال: قد جئت بصلة الأولى لا يصلح إلا بها. فما الثالثة؟ قلت: قد يكون الرجل عظيم السلطان على نفسه بصيراً بالمحاسن والمساوىء، ولا يكون حظيظاً، فلا يفشو له ذلك في الناس، فلا يذكر به، فيكون عند الناس مشهوراً. قال: وأبيك، لقد جئت بصلة الأوليين، فما بقية ما يقطع عني العشي؟ قلت: أيامه السالفة. قال: وما أيامه السالفة؟ قلت: يوم فتح خراسان: اجتمعت إليه جموع

стр. 3782

الأعاجم بمر والرُّوذ فجاء ما لا قِبَل له به، وهو في منزل بمضيعة وقد بلغ الأمر به. فصلى عشاء الآخرة، ودعا ربه، وتضرَّع إليه أن يوفقه ثم خرج يمشي في العسكر مشي المكروب، يتسمع ما يقول الناس، فمرّ بعبد يعجن وهو يقول لصاحب له: أتعجب لأميرنا، يقيم بالمسلمين في منزل مضيعة، وقد جاءه العدو من وجوه. وقد أطافوا بالمسلمين من نواحيهم، ثم اتخذوهم أغراضاً، وله متحوَّل، فجعل الأحنف يقول: اللهم وفّق، اللهم سدّد، فقال العبد للعبد: فما الحيلة؟ قال: أن يُنادي الساعة بالرحيل، فإنما بينه وبين الغيضة فرسخ، فيجعلها خلف ظهره فيمنعه الله بها، فإذا امتنع ظهره بها بعث بمُجَنبتيه اليمنى واليسرى فيمنع الله بهما ناحيتيه ويلقى عدوه من جانب واحد. فخرّ الأحنف ساجداً ثم نادى بالرحيل مكانه، فارتحل المسلمون مكبين على رايتهم، حتى أتى الغيضة، فنزل في قَبَلها، وأصبح فأتاه العدو، فلم يجدوا إليه سبيلاً إلا من وجه واحد وضربوا بطبول أربعة، فركب الأحنف، وأخذ الراية، وحمل بنفسه على طبل ففتقه وقتل صاحبه، وهو يقول: إن على كلّ رئيس حقّا ... أن يخضِب الصَّعدة أو تندقّا ففتق الطبول الأربعة، وقتل حملتها. فلما فقد الأعاجم أصوات طبولهم انهزموا، فركب المسلمون أكتافهم، فقتلوهم قتلاً لم يقتلوا مثله قط. وكان الفتح. واليوم الثاني أن علياً لما ظهر على أهل البصرة يوم الجمل أتاه الأشتر وأهل الكوفة بعدما اطمأن به المنزل، وأثخن في القتل، فقالوا: أعطنا، إن كنا قاتلنا أهل البصرة حين قاتلناهم وهم مؤمنين فقد ركبنا حوباً كبيراً، وإن كنا قاتلناهم كفاراً وظهرنا عليهم عنوة فقد حلّت لنا غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، وذلك حكم الله تعالى وحكم نبيّه في الكفار إذا ظهر عليهم. فقال علي: إنه لا حاجة بكم أن تهيجوا حرب إخوانكم، وسأرسل إلى رجل منهم فأستطلع برأيهم وحجتهم فيما قلتم، فأرسل إلى الأحنف بن قيس في رهط، فأخبرهم بما قال أهل الكوفة. فلم ينطق أحد غير الأحنف، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، لماذا أرسلت إلينا؟! فوالله إن الجواب عنا لعندك، ولا نتبع الحق إلا بك، ولا علمنا العلم

стр. 3783

إلا منك. قال: أحببت أن يكون الجواب عنكم منكم ليكون أثبت للحجة، وأقطع للتهمة فقل. فقال: إنهم قد أخطؤوا وخالفوا كتاب الله وسنّة نبيهم ﷺ إنما كان السبي والغنيمة على الكفار الذين دارهم دار الكفر. والكفر لهم جامع، ولذراريهم. ولسنا كذلك. وإنها دار إيمان يُنادى فيها بالتوحيد وشهادة الحق وإقام الصلاة. وإنما بغت طائفة أسماؤهم معلومة، أسماء أهل البغي، والثانية حجتنا أنا لم نستجمع على ذلك البغي، فإنه قد كان من أنصارك من أثبتهم بصيرة في حقك، وأعظمهم غناء عنك، طائفة من أهل البصرة، فأي أولئك يجهل حقه وينسى قرابته؟ إن هذا الذي أتاك به الأشتر وأصحابه قولُ متغلمة أهل الكوفة، وأيم الله، لئن تعرضوا لها لتكرهُنّ عاقبتها، ولا تكون الآخرة كالأولى. فقال علي: ما قلت إلا ما تعرف. فهل من شيء تخصون به إخوانكم بما قاسوا من الحرب؟ قال: نعم، أعطياتنا في بيت المال. ولم تك لتصرفها في عدلك عنا. فقد طبنا عنها نفساً في هذا العام، فاقسمها فيهم. فدعاهم علي، فأخبرهم بحجج القوم، وما قالوا، وبموافقتهم إياه. ثم قسم المال بينهم: خمسمئة لكل رجل. فهذا اليوم الثاني. وأما اليوم الثالث فإن زياداً أرسل إليه بليلٍ وهو جالس على كرسي في صحن داره، فقال: يا أبا بحر، ما أرسلت إليك في أمر تنازعني فيه مخلوجة، ولكني أرسلت إليك وأنا على صريمة، فكرهت أن يروعك أمر يحدث ولا تعلمه. قال: فما هو؟ قال: هذه الحمراء قد كثرت بين أظهر المسلمين، وكثر عددهم، وخفّت عدوتهم، والمسلمون في ثغرهم وجهادهم عدوَّهم، وقد خلفوهم في نسائم وحرمهم، فأردت أن أرسل إلى كل من كان في عرافة من المقاتلة فيأتوا بسلاحهم، ويأتيني كل عريف بمن في عرافته من عبد أو مولى فأضرب رقابهم فتؤمن ناحيتهم. قال الأحنف: ففيم القول وأنت على صريمة؟ قال: لتقولن. قال: فإن ذلك ليس لك. يمنعك من ذلك خصال ثلاث: أما الأولى فحكم الله في كتاب عن الله، وما قتل رسول الله ﷺ من الناس مَن قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمداً رسول الله، بل حقن دمه. والثانية أنهم غلة الناس، لم يغز غازٍ فخلف لأهل ما يصلحهم إلا من غلاتهم، وليس لك أن تحرمهم. وأما الثالثة فهم يقيمون أسواق

стр. 3784

المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصّابين وقصّارين وحجّامين؟! قال: فوثب عن كرسيه، ولم يُعلمه أنه قَبِل منه، وانصرف الأحنف. قال: فما بتّ بليلةٍ أطول منها، أتسمّع الأصوات. قال: فلما نادى أول المؤذنين قال لمولى له: ائت المسجد فانظر هل حدث أمر؟ فرجع فقال: صلى الأمير وانصرف، ولم يحدث إلا خير. كان الأحنف استُعمل على خراسان. فلما أتى فارس أصابته جنابة في ليلة باردة. قال: فلم يوقظ أحداً من غلمانه ولا جنده، وانطلق يطلب الماء. قال: فأتى على شوك وشجر حتى سالت قدماه دماً، فوجد الثلج. قال: فكسره واغتسل. قال: فقام فوجد على ثيابه نعلين محذوتين جديدتين فلبسهما. فلما أصبح أخبر أصحاب. فقالوا: والله ما علمنا بك. قال مغيرة: شكا ابن أخي الأحنف بن قيس وجعاً بضرسه فقال الأحنب: لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة، فما ذكرتها لأحد. دخل الأحنف بن قيس على معاوية فقال: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين، والمخذّل عن أم المؤمنين؟! فقال: يا معاوية، لا تردّ الأمور على أدبارها، فإن السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا، والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمدّ إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعاً من خَتْر، ولئن شئت لتستصفَينّ كدر قلوبنا بصفوٍ من عفوك. قال: فإني أفعل. قال الأحنف: ما نازعني أحد قط إلا أخذت في أمري بثلاث خلال: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه.

стр. 3785

قال الأحنف بن قيس: من كانت فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافَع: من كان له دِين يحجز، وحسّب يصونه، وعقل يرشده، وحياء يمنعه. قال الأحنف لرجل سأل: ما الحلم؟ فقال: هو الذلّ تصبر عليه. قال الأحنف: ليس فضل الحلم أن تُظلّم فتحلُم حتى إذا قدرت انتقمت، ولكنه إذا ظُلمت فحلمت ثم قدرت فعفوت. قال الأحنف بن قيس: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: شريف من دنيء، وبَرّ من فاجر، وحليم من أحمق. قال الأحنف: ليس لكذوب مروءة، ولا لبخيل حياء، ولا لحاسد راحة، ولا لسيء الخلق سؤدد، ولا لملول وفاء. قال رجل للأحنف بن قيس: يا أبا بحر، دلّني على أحمدِ أمرٍ عاقبةً، فقال له: خالقِ الناس بخلق حسن، وكُفَّ عن القبيح. ثم قال له: ألا أدلك على أدْوَأ الداء؟ قال: بلى. قال: اكتساب الذم بلا منفعة، واللسان البذيء، والخلق الرديء. قال الأحنف بن قيس: مَن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. قيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: ألا تعمل في السر شيئاً تستحي منه في العلانية. سأل يزيد بن معاوية الأنف بن قيس عن المروءة فقال الأحنف: التُّقى والاحتمال. ثم أطرق الأحنف ساعة وقال: مجزوء الكامل. وإذا جميلُ الوجه لم ... يأتِ الجميلَ فما جمالُه؟
следующие страницы →